١٨٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ, عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ ابْنِ أَخِى مَيْمُونَةَ, عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: "تَزَوَّجَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفَ". [م ١٤١١، ت ٨٤٥، دي ١٨٢٤، جه ١٩٦٤، حم ٦/ ٣٣٢]
===
١٨٤٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن حبيب بن الشهيد) الجزري، أبو أيوب الرقي، الفقيه، نشأ بالكوفة، ثم نزل الرقة، كان على خراج الجزيرة وقضائها لعمر بن عبد العزيز، ثقة فقيه وكان يرسل، (عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم ابنِ أخي ميمونة) كذا في جميع النسخ الموجودة عندنا، والصواب: ابن أخت ميمونة (عن ميمونة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف).
واختلف العلماء في نكاح المُحْرِم، هل يجوز أو لا يجوز؟ فقال سعيد بن المسيب وسالم والقاسم وسليمان بن يسار والليث والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يجوز للمحرم أن يَنْكِحَ ولا يُنْكِحَ غيره، فإن فعل ذلك فالنكاح باطل، وهو قول عمر وعلي ﵄.
وقال إبراهيم النخعي والثوري وعطاء بن أبي رباح والحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان وعكرمة ومسروق وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد قالوا: لا بأس بالمحرم أن ينكح ولكنه لا يدخل بها حتى يحل، وهو قول ابن عباس وابن مسعود ﵄، وتحقيق هذه المسألة موقوف على نكاح ميمونة ﵂ نكحها رسول الله ﷺ وهو حلال أو نكحها وهو محرم؟ فرجح الفريقان ما يوافقهما.
واستدل الأولون بحديث أبي رافع (١): "تزوجها حلالًا، وكنت الرسولَ بينهما"، وقالوا: قول أبي رافع أرجح على قول ابن عباس: "تزوجها محرمًا" لعدة أوجه:
стр. 4167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أحدها: أن أبا رافع إذ ذاك كان رجلًا بالغًا، وابن عباس لم يكن حينئذ ممن بلغ الحلم، بل كان له نحو العشرة سنين، فأبو رافع إذ ذاك كان أحفظ منه.
الثاني: أنه كان الرسولَ بين رسول الله ﷺ وبينها، وعلى يده دار الحديث، فهو أعلم منه بلا شك.
الثالث: أن ابن عباس لم يكن معه في تلك العمرة، فإنها كانت عمرة القضية، وكان ابن عباس إذ ذاك من المستضعفين الذين أعذرهم الله من الولدان، وإنما سمع القصة من غير حضور لها.
الرابع: أنه ﷺ حين دخل مكة بدأ بالطواف بالبيت، ثم سعى بين الصفا والمروة وحلق ثم حل، ومن المعلوم أنه لم يتزوج بها, ولا بدأ بالتزوج قبل الطواف بالبيت، ولا تزوج في حال طوافه، هذا من المعلوم أنه لم يقع، فصحَّ قول أبي رافع.
الخامس: أن الصحابة ﵃ غلَّطوا ابنَ عباس، ولم يغلِّطوا أبا رافع.
السادس: أن قول أبي رافع موافق لنهي النبي ﷺ عن نكاح المحرم، وقول ابن عباس يخالفه، وهو مستلزم لأحد أمرين إما نسخه، وإما تخصيص النبي ﷺ بجواز النكاح محرمًا، وكلا الأمرين مخالف للأصل، ليس عليه دليل فلا يُقبَل.
السابع: أن ابن أختها يزيد بن الأصم شهد أن رسول الله ﷺ تزوجها حلالًا، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس، ذكرها ابن القيم في "الهدي" (١).
قلت: وكل واحد من وجوه الترجيح مردود.
стр. 4168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أما الأول: فلأن هذا القول في ترجيح حفظ أبي رافع على حفظ ابن عباس لم يقل به أحد من أهل العلم من الصحابة والتابعين، ولا يساعده رواية ولا دارية؛ فإن الحفظ أمر فطري لا دخل فيه لكبر العمر ولا لصغره، ألا ترى أن مرتبة البخاري في حفظه في الصغر، هل يدانيه أحد غيره في كبره؟ فما لابن عباس من العلم والفقه والحفظ والإتقان مع صغره لا يُدانيه أبو رافع، وإن كان في الصحة سواء.
ألا ترى أن عبد الرحمن بن عوف لما اعترض على عمر بن الخطاب بأنه كان يدنيه في مجلسه مع الأشياخ، وقال: وكيف تدنيه ولنا أبناء مثله؟ فأجاب: إنكم تعلمون ما مرتبته في العلم والفقه، ثم سألهم عن معنى قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فسكتوا، وأجاب ابن عباس بأن المراد أجل رسول الله ﷺ ، وقد حدث بهذا الحديث في حال كبره، ولم يعتريه شك وشبهة. فروى عنه أصحابه المتقنون إلى أن أخرجه الستة (١) في كتبهم، فكيف يرجح قول أبي رافع على قول ابن عباس؟ !
وأما الثاني: سلَّمنا أن أبا رافع كان الرسولَ بين رسول الله ﷺ وبينها، وعلى يده دار حديث الخطبة والرسالة، ولكن لا نسلِّم أنه أعلم من ابن عباس؛ فإن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع إلى مكة ليخطبها له، ففوَّضتْ أمرَها إلى أختها أم الفضل زوجةِ عباس بن عبد المطلب، وفَوَّضَتْ أمُّ الفضل أمرَها إلى زوجها عباس بن عبد المطلب، فلم يكن أبا رافع إلا أنه بلَّغ رسالة الخطبة، ولم يكن له دخل في النكاح، ولا نعلم في رواية أنه باشر النكاح، أو كان حاضرًا في مجلس النكاح، بل باشر النكاحَ عباسُ بن عبد المطلب ﵁، ولهذا نستدل بأن ابن عباس أعلم بحال النكاح؛ فإنه ابنه.
стр. 4169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأما الثالث: فلا نسلم أن ابن عباس ﵁ لم يكن معه ﷺ في تلك العمرة، ولا رأيناه في رواية أنه لم يكن معه ﷺ في عمرة القضاء، ولو سُلِّم فإنه إنما سمع القصة مع غير حضور منه لها من العارفين بالقصة حتى تيقين به، وبلَّغها أصحابه المتقنين.
وأما الرابع: فإنه حقيق بأن يضحك عليه الصبيان، وقد ثبت في الروايات: أن رسول الله ﷺ تزوجها في طريق مكة، حتى إنه وقع في حديث يزيد بن الأصم: أنه تزوجها بسرف. وقد أخرج النسائي في "مجتباه" (١) بسنده عن ابن عباس قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة بنت الحارث وهو محرم، وفي حديث يعلى: بسرف.
قلت: ويعلى ثقة، فاتفق الفريقان على أن التزوج وقع في سرف فكيف يقال: صح قول أبي رافع يقينًا؟
وأما الخامس: فجوابه أنه غلط محض، لم يغلِّط أحد من الصحابة فيما بلغنا من روايات، ابنَ عباس إلَّا ما روي عن سعيد بن المسيب عند أبي داود وغيره، قال: وهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو (٢) محرم. ولو سلِّم فتغليط أحد من الصحابة حديثَ ابن عباس لا يساوي شيئًا، فكيف بتغليط سعيد بن المسيب؟ !
وأما السادس: فحديث النهي عن نكاح المحرم يحتمل أحد الأمرين: إما أن يكون النهي على التحريم، أو على التنزيه، فعلى الأولى نسلم أنه يوافقه، ولكن لا دليل عليه، وعلى الثاني فلا يوافقه، والدليل عليه قوله: "ولا يخطب" فإن الخطبة غير منهي عنه نهي التحريم على الاتفاق، وعلى الاحتمال لا يجوز الاحتجاج به.
وأما السابع: فسلَّمنا أن يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة روى: أن
стр. 4170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رسول الله ﷺ تزوجها حلالًا، وكانت ميمونة خالته، ولكن قوله لا يساوي قولَ ابن عباس ﵁، وقد ردَّه عمرو بن دينار على ابن شهاب الزهري وجرَّحه، أخرج البيهقي في "سننه" (١) من طريق الحميدي، ثنا سفيان، ثنا عمرو بن دينار قال: قلت: لابن شهاب: أخبرني أبو الشعثاء، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ نكح وهو محرم، فقال ابن شهاب: أخبرني يزيد بن الأصم: أن النبي ﷺ نكح ميمونة وهو حلال، وهي خالته، قال: فقلت لابن شهاب: أتجعل أعرابيًا بوالًا على عقبيه إلى ابن عباس ﵁ وهي خالة (٢) ابن عباس أيضًا.
قال الزيلعي: ورجَّح بعضهم بدليل غير الذي قدمنا، وقال: وهو أقواها، هو أنه قد روت ميمونة وهي صاحبة القصة أنها تزوجها رسول الله ﷺ وهو حلال، وفي رواية: تزوجني ونحن حلالان بسرف.
فالجواب عنه أولًا: أن ميمونة ﵂ لم تقل لنا بنفسها الشريفة، بل رواها عنها يزيد بن الأصم، وقد تقدم الجواب عنه.
وثانيًا: أن ميمونة ﵂ لم تعقد نكاحها بنفسها، بل فوَّضت أمرَها إلى العباس بن عبد المطلب فأنكحها, ولم تحضرها ميمونة، فكيف يقال بأنها صاحبة القصة، وهي أعلم من الجميع بها؟ فلا تكون روايتها مرجحة، بل معنى قولها: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف، أي: بنى بي.
وأما وجوه ترجيح حديث ابن عباس على حديث أبي رافع ويزيد بن الأصم فكثيرة، منها: أن ابن عباس في مرتبة من العلم والفقه والإتقان والحفظ
стр. 4171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لا يدانيه فيها أحد، وقد حكى الزيلعي في "نصب الراية" (١) عن ابن حبان، فقال: قال ابن حبان: وليس في [هذه] الأخبار تعارض، ولا أن ابن عباس وهم؛ لأنه أحفظ وأعلم من غيره، انتهى.
والثاني: أن حديث ابن عباس اتفق عليه الستة بل أجمع المحدثون على تخريجه وتصحيحه, وحديث يزيد لم يخرجه البخاري ولا النسائي، وكذا حديث أبي رافع لم يخرج في واحد من الصحيحين، ولم يبلغ درجة الصحة، ولذا قال الترمذي فيه: ولا نعلم أحدًا أسنده غير حماد عن مطر.
والثالث: أن حديث أبي رافع مختلف في إسناده وانقطاعه، وقد أشار إليه الترمذي في "صحيحه" فقال: ولا نعلم أحدًا أسنده غير حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة. وروى مالك بن أنس، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، رواه مالك مرسلًا. ورواه أيضًا سليمان بن بلال، عن ربيعة مرسلًا.
وكذلك اختُلِفَ في حديث يزيد بن الأصم، فروى بعضهم عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة قالت: "تزوجني رسول الله ﷺ وهو حلال"، وروى بعضهم عن يزيد بن الأصم: "أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال" مرسلًا, ولم يذكر عن ميمونة، انتهى.
ثم قال الترمذي (٢) في آخر الباب بعد أن أخرج حديث يزيد بن الأصم بسنده عن ميمونة: "أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال، وبنى بها حلالًا، وماتت بسرف، ودفنَّاها في الظُّلَّة التي بني بها فيها": قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وروى غير واحد هذا الحديث عن يزيد بن الأصم مرسلًا: "أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال".
стр. 4172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الرابع: أنه يؤيده حديث عائشة وأبي هريرة، فأما حديث عائشة فأخرجه الطحاوي (١): حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يعلي بن أسد، قال: ثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: "تزوج رسول الله ﷺ بعض نسائه وهو محرم".
وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه الطحاوي أيضًا: حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن قال: ثنا كامل أبو العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: "تزوج رسول الله ﷺ وهو محرم".
وفي الحديثين وإن لم تسم ميمونة ﵂ ولكنها متعينة، فإنها لم يثبت أنه ﵇ نكح غيرها محرمًا.
ثم أقول: إن الدارقطني أخرج من طريق ضعيف عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم فسماها فيها، قاله الزيلعي (٢).
ثم قال: قال السهيلي (٣) في "الروض الأنف" بعد ذكر حديث عائشة: إنما أرادت نكاح ميمونة ولكنها لم تسمها.
وقال الشوكاني (٤): قوله: "تزوج ميمونة وهو محرم"؛ أجيب عن هذا بأنه مخالف لرواية أكثر الصحابة ولم يروه كذلك إلَّا ابن عباس كما قال عياض، ولكنه متعقَّب بأنه قد صح من رواية عائشة وأبي هريرة نحوه، كما صرح بذلك في "الفتح".
والخامس: أن حديث ابن عباس مؤيِّد بالقياس، فإنه لو اشترى جارية للوطء، أو باشر عقدًا من العقود الدنيوية يجوز بالاتفاق، فالنكاح أيضًا عقد من العقود الدنيوية والدينية فيجوز مباشرتها أيضًا.
стр. 4173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والسادس: أن حديث ابن عباس محكم في معناه لا يحتمل تأويلًا قريبًا، وأما حديث أبي رافع ويزيد بن الاْصم فمحتملان؛ لأن فيه تأويلات قريبة، فأما ما أولوا في حديث ابن عباس بأن معنى قوله: "وهو محرم" داخل في الحرم، فيبطله لفظ البخاري: "أنه ﵇ تزوجها وهو محرم، وبنى بها وهو حلال"، فالتقابل الذي وقع بين قوله: "تزوجها وهو محرم، وبنى بها وهو حلال" يدفع هذا التأويل.
وأما الإشهاد بقول الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا
ردَّه الأصمعي. قال الأصمعي (١) في جواب الرشيد: كل من لم يأت شيئًا يوجب عليه عقوبة فهو محرم، لا يحل منه شيء، وتأويلهم في لفظ التزوج بمعنى ظهر أمر تزويجه وهو محرم، فهو أيضًا غير صحيح، أما أولًا فإنه لم يظهر أمر تزوجه إياها في حالة الإحرام، بل تقولون أنتم لم يروه إلَّا ابن عباس، وحمله سعيد بن المسيب على وهم ابن عباس، فكيف يقال: إنه ظهر أمر التزوج في حالة الإحرام.
وثانيًا: أنه لم يثبت تزوجه إياها قبل الإحرام، فإن إحرامه ﷺ كان بذي
الحليفة، فهذه التأويلات كلها باطلة.
وأما التأويلات التي قالوا في حديث أبي رافع ويزيد بن الأصم كلها تأويلات قريبة، فإنه يؤول أولًا بأنه ظهر أمر تزوجها وهو حلال، وثانيًا: يقال: معنى التزوج البناء، أي بني بها وهو حلال، وثالثًا: أن تزوجها بمعنى خطبها، كما يدل عليه ما أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٢): أخبرنا يزيد بن هارون، عن عمرو بن ميمون بن مهران: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي: أن سل يزيدَ بنَ الأصم أحَرامًا
стр. 4174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كان رسول الله ﷺ حين تزوج ميمونة أم حلالًا؟ فدعاه أبي فأقرأه الكتاب فقال: خطبها وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وأنا أسمع يزيدَ يقول ذلك.
والسابع: أن حديث ابن عباس مثبت لأمر زائد على أصل الحال، وحديث أبي رافع ويزيد بن الأصم نافٍ لها؛ فإن ابن عباس يثبت النكاح في حالة الإحرام (١)، وهو أمر زائد على الحالة الأصلية، وأما أبو رافع ويزيد بن الأصم فمثبتان النكاح في الحالة الأصلية، وينفيان هذه الحالة، وهذا مختص بمن قال: إن النكاح وقع قبل الإحرام.
قلت: وتنقيح البحث في المسألة موقوف على أن نكاح ميمونة ﵂ مع رسول الله ﷺ أين وقع؟ واختلفت الروايات فيه، فأخرج ابن سعد (٢): أخبرنا محمد بن عمر، حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه قال: "تزوجها رسول الله ﷺ في شوال وهو حلال عام القضية، وأعرس بها بِسَرِف، وتوفيت بسرف".
قال الحافظ في "الإصابة" (٣): وذكر ابن سعد بسند له: أنه تزوجها في شوال سنة سبع، فإن ثبت صح أنه تزوجها وهو حلال؛ لأنه إنما أحرم في ذي القعدة منها.
قلت: فصحَّته غير متيقن عند الحافظ، وإن سُلِّم فيمكن أن يحمل على معنى أنه أراد تزوجها في شوال، وأرسل أبا رافع والأنصاري لخطبتها وهو الأقرب، فروى مالك (٤) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن
стр. 4175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يسار: "أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع مولاه ورجلًا من الأنصار فزوَّجاه ميمونةَ بنت الحارث، ورسول الله ﷺ بالمدينة قبل أن يخرج"، وهذا مرسل، ومع ذلك يرده ما ثبت أنه فوَّض أمرها إلى العباس وأنكحها.
فقد قال في "المعتصر (١) من المختصر لمشكل الآثار للطحاوي": فإن قيل: أفيخفى عن ميمونة وقت تزويجها؟ قيل له: نعم، لما أن رسول الله ﷺ جعل أمرها إلى العباس، فزوجها إياه، فيحتمل أنه ذهب عنها (٢) الوقت الذي عقد عليها عندما فوضتْ إلى العباس أمرَها، فلم تشعر إلَّا في الوقت الذي بني بها فيه، وعلمه ابن عباس لحضوره وغيبتها عنه.
ويرده أيضًا ما رواه أبو داود بسنده عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة قالت: "تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف"، فعلى هذا معنى قوله: "فزوَّجاه ميمونة"، أي: فبلغاه رضا ميمونة بتزوجها به بالمدينة.
وقال الزرقاني (٣) في شرح هذا الحديث: فظاهر قوله: "فزوجاه" أنه وكَّلَهما في قَبول النكاح له، لكن روى أحمد والنسائي عن ابن عباس: "لما خطبها النبي ﷺ جعلت أمرها إلى العباس، فأنكحها النبي ﷺ "، فظاهره أنه قبل النكاح بنفسه، ويقوِّيه رواية ابن سعد عن سعيد بن المسيب: "أنه ﷺ قدم وهو محرم، فلما حل تزوجها"، فيحمل قوله: "فزوَّجاه" على معنى "خطبا له" فقط مجازًا.
ومنها: أنه تزوجها بسرف، وهو موضع على عشرة أميال من مكة قرب وادي فاطمة، وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أنه تزوجها جائيًا إلى مكة، أو تزوجها راجعًا من مكة إلى المدينة، فإن كان الأول فعلى هذا رسول الله ﷺ كان محرمًا قطعًا، وإن كان الثاني فكان حلالًا قطعًا.
стр. 4176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ويؤيد الأول ما روى الطحاوي (١) من طريق ابن إسحاق قال: ثنا أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد وعطاء، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة بنت الحارث وهو حرام، فأقام بمكة ثلاثًا، فأتاه حويطب بن عبد العزى في نفر من قريش في اليوم الثالث، فقالوا: إنه قد انقضى أجلك، فأخرج عنا، فقال: وما عليكم لو تركتموني فعرَّست بين أظهركم، فصنعنا لكم طعامًا فحضرتموه، فقالوا: لا حاجة لنا إلى طعامك، فأخرج عنا، فخرج نبي الله ﷺ وخرج بميمونة، حتى عرَّس بها بسرف".
فهذا يدل على أنه ﷺ كان تزوجها قبل ذلك في طريق مكة حتى أراد أن يصنع الوليمة بمكة، ويضيف أهل مكة فيها، ويؤيده ما في "سيرة ابن هشام" (٢): قال ابن إسحاق: وحدثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء بن أبي رباح ومجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو حرام، وكان الذي زوَّجه إياها العباسُ بنُ عبد المطلب.
ومنها: أنه تزوجها في مكة وهو حلال، وهو قول ابن حبان حكاه الزيلعي (٣)، قال: قال ابن حبان: ولكن عندي أن معنى قوله: "تزوج وهو محرم" أي داخل في الحرم، كما يقال: أنجد، وأتهم: إذا دخل نجدًا وتهامة، وذلك أن النبي ﷺ عزم على الخروج إلى مكة في عمرة القضاء، فبعث من المدينة أبا رافع ورجلًا من الأنصار إلى مكة لمخطبا ميمونةَ له، ثم خرج، وأحرم، فلما دخل مكة طاف وسعى، وحل من عمرته، وتزوج بها، وأقام بمكة ثلاثًا، ثم سأله أهل مكة الخروجَ، فخرج حتى بلغ سرف، فبنى بها وهما حلالان.
стр. 4177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد أخرج ابن سعد في "طبقاته" (١): أخبرنا محمد بن عمر والفضل بن دكين قالا: حدثنا هشام بن سعد، عن عطاء الخراساني قال: قلت لابن المسيب: "إن عكرمة يزعم أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، فقال: كذب مخبثًا (٢)، اذهب إليه فسبَّه، سأحدثك، قدم رسول الله ﷺ وهو محرم، فلما حل تزوجها".
قلت: ظاهره يدل على أنه بعد الإحلال تزوجها بمكة، وقول سعيد هذا وكذا قول ابن حبان لا يُحَتج به.
ومنها: أن رسول الله ﷺ تزوَّجها بسرف بعد أن رجع من مكة، أخرجه الطحاوي (٣): حدثنا ربيع المؤذن وربيع الجيزي قالا: ثنا أسد. ح: وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة بنت الحارث قالت: "تزوجني رسول الله ﷺ بسرف، ونحن حلالان، بعد أن رجع من مكة"، ولم يقل ابن خزيمة: بعد أن رجع من مكة.
وقد أخرج هذا الحديث أبو داود من طريق موسى بن إسماعيل، نا حماد، بهذا السند، عن ميمونة قالت: "تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف". ولم يذكر لفظ: بعد أن رجع من مكة.
وهذا القول اختُلِف فيه، فذكره بعضهم، ولم يذكره بعضهم، ومع هذا لو سلِّم فمعنى قولها: "تزوجني" أي: بني بي؛ فإن ميمونة ﵂ لم تحضر عقد النكاح, لأنَّها لم تباشره، بل باشره وكيلُها عباسُ بنُ عبد المطلب، فلم تعلم بذلك.
стр. 4178
١٨٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِىَّ (١) ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ". [خ ٤٢٥٨، م ١٤١٠]
===
فثبت بما قدمنا أن الثابت بالروايات أن رسول الله ﷺ تزوجها بسرف عند مجيئه من المدينة لعمرة القضاء، وكان عباس عند ذلك بمكة، فلما سمع بقدوم رسول الله ﷺ للعمرة أستقبله ولقيه بسرف، فهناك زوَّج ميمونةَ من رسول الله ﷺ وهو حرام، ثم دخل رسول الله ﷺ مكة، فاعتمر، وأقام بها ثلاثًا، ثم خرج منها مع زوجته ميمونة.
والحاصل: أن جميع ما تقدم من الروايات والاستدلالات تُرَجِّح قولَ الحنفيةِ وغيرِهم بجواز نكاح المحرم في حالة الإحرام، ومبناه ترجيح رواية ابن عباس على الروايات المخالفة لها، كما تقدم مفصلًا، على أنه في هذا الوجه جمعٌ بين جميع الروايات، وإعمالٌ بكل واحد منها.
وأما على قول المانعين، فلا بد فيها من إبطالِ بعض الأحاديث الصحيحة وتضعيفها، ونسبةِ الغلط إلى ابن عباس ﵄، كما صدر عن سعيد بن المسيب، وهي جرأة عظيمة لا يقبلها قلب منصف، خصوصًا على قاعدة المحدثين.
١٨٤٤ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم)، وقد أخرج النسائي (٢) هذا الحديث من طريق سعيد، عن قتادة ويعلي بن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس: "تزوج رسول الله ﷺ ميمونة بنت الحارث وهو محرم"، وفي حديث يعلى: بسرف.
قلت: ويعلى ثقة، وقد روى عن ابن عباس أصحابه الثقات الحفاظ
стр. 4179
١٨٤٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ, عَنْ رَجُلٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, قَالَ: "وَهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِى تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ".
(٣٨) بَابُ مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ
١٨٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،
===
المتقنون الفقهاء كسعيد بن جبير، وطاوس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، وهكذا في جميع مراتب السند إلى أن وصل إلى الستة، فكيف يساويه حديث أبي رافع ويزيد بن الأصم وصفية بنت شيبة؟
١٨٤٥ - (حدثنا ابن بشار، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، نا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن رجل) لم أقف على تسميته، وهو مجهول (عن سعيد بن المسيب (١) قال: وَهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم) قال الشوكاني في "النيل" (٢): وقول سعيد بن المسيب أخرجه أبو داود، وسكت عنه هو والمنذري، وفي إسناده رجل مجهول، قلت: فلو كان هذا القول صحيحًا ثابتًا عن سعيد بن المسيب لا يكون أيضًا فيه حجة، فكيف وفي سنده مجهول؟ !
(٣٨) (بَابُ مَا يَقْتُلُ المُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ)
والمراد من الدواب الصيد البري سواء كان ما يؤكل لحمه أو ما لا يؤكل إلَّا ما استثني منها، وأما صيد البحر فهو حلال للمحرم، كما نطق به النص
١٨٤٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان بن عيينة،
стр. 4180
عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ: "سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ؟ فَقَالَ: «خَمْسٌ, لَا جُنَاحَ فِى قَتْلِهِنَّ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِى الْحِلِّ
===
عن الزهري, عن سالم، عن أبيه) عبد الله بن عمر قال (١): (سئل النبي ﷺ عما يقتل المحرمُ من الدواب) البري؟ (فقال: خمس) (٢) من الدواب البري، والتقييد بالخمس وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك، لكنه مفهوم عدد، وليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره (٣) فيحتمل أن يكون قاله ﷺ أولًا، ثم بين بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكم.
فقد ورد في بعض طرق عائشة بلفظ: أربع، وفي بعض طرقها بلفظ: ست، وقد وقع في حديث أبي سعيد عند أبي داود نحو رواية شيبان، وزاد: السبع العادي، فصار سبعًا، وفي حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة وابن المنذر زيادة ذكر الذئب والنمر على الخمس المشهورة، فتصير بهذا الاعتبار تسعًا، لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهلي أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور، ملخص ما في "الفتح" (٤).
(لا جناح) أي لا إثم ولا جزاء (في قتلهن على من قتلهن في الحِلِّ)
стр. 4181
وَالْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ, وَالْغُرَابُ, وَالْفَأْرَةُ, وَالْحِدَأَةُ, وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ». [م ١١٩٩، ن ٢٨٣٥]
===
أي في أرضه (و) في (الحرم) أي أرضه.
(العقرب) وفي معناها الحية، بل بالطريق الأولى. قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب، وتُعقِّب بأن شعبة سأل الحكم وحمادًا فقالا: لا يقتل المحرم الحيةَ ولا العقربَ؛ لأنهما من هوام الأرض، وهذا اعتلال لا معنى له، نعم عند المالكية خلاف في قتل صغير الحية والعقرب التي لا تتمكن من الأذى.
(والغراب) الأبقع الأبلق، وخرج (١) الزاغ، وهو أسود محمر المنقار والرجلين، ويسمى غراب الزرع (والفأرة) بالهمز ويبدل، أي الوحشية والأهلية، لم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي، ونقل عن المالكية (٢) خلاف في جواز قتل الصغير منها الذي لا يتمكن من الأذى.
(والحدأة) كَعِنَبَة، وهو طائر، والحديا تصغير حد (٣) لغة في الحدأ، أو تصغير حدأة، قُلِّبت الهمزة بعد ياء التصغير ياء، وأُدْغِمَ ياء التصغير فيه فصار حدية، ثم حُذِفَتِ التاء وعُوِّض عنها الألف لدلالته على التأنيث أيضًا (والكلب العقور) (٤) وفي حكم الكلب العقور: السبعُ الصائل المبتدئ بالأذى، كالأسد والذئب والفهد والنمر.
وتفصيل مذهب الحنفية ما في "البدائع" (٥)، وملخصه: صيد البر نوعان:
стр. 4182
١٨٤٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ بَحْرٍ, حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ, عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ, عَنْ أَبِى صَالِحٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ قَتْلُهُنَّ حَلَالٌ فِى الْحَرَمِ: الْحَيَّةُ, وَالْعَقْرَبُ, وَالْحِدَأَةُ, وَالْفَأْرَةُ, وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ». [خزيمة ٢٦٦٧]
===
مأكول، وغير مأكول، أما المأكول فلا يحل للمحرم اصطياده، نحو الظبي، والأرنب، وحمار الوحش، وبقر الوحش، والطيور التي يؤكل لحمها برية كانت أو بحرية؛ لأن الطيور كلها برية, لأن توالدها في البر، وإنما يدخل بعضها في البحر لطلب الرزق.
وأما غير المأكول فنوعان: نوع يكون مؤذيًا طبعًا مبتدئًا بالأذى غالبًا، ونوع لا يبتدئ بالأذى غالبًا، أما الذي يبتدئ بالأذى غالبًا فللمحرم أن يقتله، ولا شيء عليه، وذلك نحو الذئب، والأسد، والفهد، والنمر، وغير ذلك؛ لأن دفع الأذى من غير سبب موجب للأذى واجب فضلًا عن الإباحة، ولهذا أباح رسول الله ﷺ قتل الخمس الفواسق للمحرم في الحل والحرم، وهذا المعنى موجود في الأسد، والذئب، والفهد، والنمر، فكان ورود النص في تلك الأشياء ورودًا في هذه دلالةً.
ولا يوجد ذلك في الضبع والثعلب، بل من عادتهما الهربُ من بني آدم، ولا يؤذيان أحدًا حتى يبتدئهما بالأذى، وعلى هذا الضب، واليربوع، والسمور (١)، والدلف، والقرد، والخنزير؛ لأنها صيد لوجود معنى الصيد، وهو الامتناع والتوحش، ولا تبتدئ بالأذى غالبًا، فتدخل تحت ما تلَونا من الآية الكريمة.
١٨٤٧ - (حدثنا علي بن بحر، نا حاتم بن إسماعيل، حدثني محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: خمس قَتْلُهن حلال في الحرم: الحية) وهي تشمل جميعَ أنواعها، والصغارَ والكبارَ (والعقرب، والحدأة، والفأرة، والكلب العقور).
стр. 4183
١٨٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى زِيَادٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى نُعْمٍ الْبَجَلِىُّ, عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سُئِلَ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ: «الْحَيَّةُ, وَالْعَقْرَبُ, وَالْفُوَيْسِقَةُ,
===
قال الحافظ في "الفتح" (١): واختلف العلماء في غير العقور مما لم يؤمر باقتنائه، فصرح بتحريم قتلِه القاضيان: الحسين، والماوردي، وغيرهما، ووقع في "الأم" للشافعي الجواز، واختلف كلام النووي، فقال في البيع من "شرح المهذب": لا خلاف بين أصحابنا في أنه محترم، لا يجوز قتله، وقال في التيمم والغصب: إنه غير محترم، وقال في الحج: يكره قتله كراهة تنزيه، وهذا اختلاف شديد.
١٨٤٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا هشيم، أنا يزيد بن أبي زياد، نا عبد الرحمن بن أبي نعم البجلي، عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ سئل) والسائل غير معلوم (عما يقتل المحرمُ) من الدواب البرية؟ (قال: الحية، والعقرب، والفُوَيْسِقَة).
والمراد بالفويسقة ها هنا: الفأرة، والتصغير للتحقير، وأصل الفسق لغة: الخروجُ، ومنه: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٢)، أي: خرج، وسمي الرجل فاسقًا لخروجه عن طاعة ربه، وأما المعنى في وصف الدواب المذكورة في الفسق، فقيل لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان (٣) في تحريم قتله، وقيل: في حل أكله، وقيل: لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع، ووقع عند البخاري (٤) في رواية عائشة: "خمس من الدواب كلهن فاسق".
стр. 4184
ويرْمِي الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالسَّبُعُ الْعَادِي". [ن ٨٣٨، جه ٣٠٨٩، حم ٣/ ٣، ق ٥/ ٢١٠]
(٣٩) بَابُ لَحْمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِم
===
(ويرمي الغراب ولا يقتله (قال الحافظ في "التلخيص" (١): قوله: روي أنه ﷺ قال: "يقتل المحرم السبعَ العادي". أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي سعيد، وفيه يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، وإن حسنه الترمذي، وفيه لفظة منكرة وهي قوله: "ويرمي الغراب ولا يقتله".
قال النووي في "شرح المهذب" (٢): إن صح هذا الخبر حمل قوله هذا على أنه لا يتأكد ندب قتله كتأكدِه في الحية وغيرها، انتهى.
قلت: إن صح فيشبه (٣) أن يكون محمولًا على غراب الزرع للجمع بين الروايات. (والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي) أي يعدو على الناس ويصول، والمراد منه المبتدئ بالأذى.
(٣٩) (بابُ لَحْمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ) (٤)
هل يجوز أكله أم لا؟
стр. 4185
١٨٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ, حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ, عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ, عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ أَبِيهِ - وَكَانَ الْحَارِثُ خَلِيفَةَ عُثْمَانَ ﵁ عَلَى الطَّائِفِ - فَصَنَعَ
===
١٨٤٩ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سليمان بن كثير، عن حميد الطويل، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث) بن نوفل، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، وذكره محمد بن سعد في الطبقة الثالثة من أهل المدينة. قلت: وذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين، ومقتضاه عنده أن روايته عن الصحابة مرسلة.
(عن أبيه) عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، أبو محمد المدني، وكان يُلقَّبُ ببَبَّة بموحدتين مفتوحتين ثانيتهما مشددة، وُلدَ على النبي ﷺ ، فحنَّكه النبي ﷺ , وتحوَّل إلى البصرة، واصطلح عليه أهل البصرة حين مات يزيد بن معاوية، قال ابن عبد البر: أجمعوا على توثيقه، وكان على مكة زمن عثمان.
(وكان الحارثُ خليفةَ عثمان ﵁ على الطائف) قال الحافظ في "الإصابة" (١): قال ابن سعد (٢): صحب الحارث بن نوفل النبي ﷺ على بعض عمله بمكة، وأقرَّه أبو بكر وعمر وعثمان، ثم انتقل إلى البصرة، واختط بها دارًا، ومات بها في آخر خلافة عثمان ﵁.
(فصنع) يحتمل أن يكون مرجع الضمير الحارث بن نوفل، ويحتمل أن يرجع إلى ابنه عبد الله بن الحارث الراوي للحديث؛ فإنه كان أميرًا بمكة زمنَ عثمان، كما ذكره ابن سعد في "الطبقات" (٣).
стр. 4186
لِعُثْمَانَ طَعَامًا (١) فِيهِ مِنَ الْحَجَلِ وَالْيَعَاقِيبِ وَلَحْمِ الْوَحْشِ (٢) , فَبَعَثَ إِلَى عَلِىٍّ ﵁ فَجَاءَهُ الرَّسُولُ وَهُوَ يَخْبِطُ لأَبَاعِرَ لَهُ, فَجَاءَ وَهُوَ يَنْفُضُ الْخَبَطَ عَنْ يَدِهِ, فَقَالُوا لَهُ: كُلْ, فَقَالَ: أَطْعِمُوهُ قَوْمًا حَلَالًا فَإِنَّا حُرُمٌ.
فَقَالَ (٣) عَلِىٌّ - رضى الله عنه -: أَنْشُدُ اللَّهَ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ أَشْجَعَ, أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهْدَى إِلَيْهِ رَجُلٌ حِمَارَ وَحْشٍ, وَهُوَ مُحْرِمٌ, فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ". [حم ١/ ١٠١]
===
(لعثمان طعامًا) ضيافة (فيه) أي في الطعام (من الحَجَل) وهو طائر معروف (واليعاقيب) جمع يعقوب، وهو ذّكَر الحجل، يقال له بالفارسية: كبك، وفي الهندية: جكور (ولحم الوحش، فبعث) عثمان (إلى علي ﵁) يدعوه على الطعام (فجاءه) أي عليًا ﵁ (الرسولُ وهو) أي علي (يخبط) الخبط: ضربُ الشجرة بالعصا ليتناثر ورقُها لعلف الإبل، والخبط بفتحتين: الورق الساقط بمعنى المخبوط (لأباعر) جمع بعير (٤) (له، فجاء) أي حضر الضيافة (وهو ينفض الخبطَ) أي يزيله ويدفعه (عن يده، فقالوا) أي عثمان ومن معه (له: كُلْ، فقال) علي ﵁: (أَطْعِمُوه) أي هذا الطعام (قومًا حلالًا؛ فإنَّا حُرُم) فلا يحل لنا أكله.
(فقال علي ﵁: أنشد الله من كان ها هنا من أشجع)، ولعله كان ﵁ علم قبل ذلك أنهم سمعوه من رسول الله ﷺ كما سمعه (أتعلمون أن رسول الله ﷺ أهدى إليه رجل) ولعله صعب بن جثامة (حمارَ وحشٍ وهو محرم، فأبى أن يأكله؟ قالوا) أي أشجع: (نعم).
стр. 4187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الحافظ (١): واستدل بهذا الحديث على تحريم الأكل من لحم الصيد على المحرم مطلقًا؛ لأنه اقتصر في التعليل على كونه محرمًا، فدل على أنه سبب الامتناع خاصة، وهو قول علي وابن عباس وابن عمر ﵃، والليث والثوري وإسحاق لحديث الصعب هذا, ولمِا أخرجه أبو داود وغيره من حديث علي أنه قال لناس من أشجع: "أتعلمون أن رسول الله ﷺ أهدى له رجل حمار وحش وهو محرم، فأبى أن يأكله؟ قالوا: نعم".
لكن يعارض هذا الظاهرَ ما أخرجه مسلم أيضًا من حديث طلحة: "أنه أهدي له لحم طير وهو محرم فوقف من أكله، وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ ", وحديث أبي قتادة المذكور في الباب قبله، وحديثُ عمير بن سلمة "أن البهزي أهدى للنبي ﷺ ظبيًا وهو محرم، فأمر أبا بكر أن يقسمه بين الرفاق"، أخرجه مالك وأصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة وغيره.
وبالجواز مطلقًا قال الكوفيون وطائفة من السلف، وجمع الجمهور بين ما اختُلِف من ذلك بأن أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه ثم يهدي منه للمحرم، وأحاديث الرد محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم.
وجاء عن مالك تفصيل آخر بين ما صيد للمحرم قبل إحرامه يجوز له الأكل منه أو بعد إحرامه فلا، وعن عثمان التفصيل بين ما يصاد لأجله من المحرمين فيمتنع عليه، ولا يمتنع على محرم آخر، انتهى ملخصًا.
قلت: وأما عندنا فرده ﷺ حمارَ وحشٍ لأنه كان حيًّا، كما أشار إليه البخاري بعقد الباب "إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا لم يقبل"، ويحتمل أنه ﷺ علم أنه أعان في قتله محرم آخر من الإشارة والدلالة، وروى يحيى بن
стр. 4188
١٨٥٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ قَيْسٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "يَا زَيْدُ بْنَ أَرْقَمَ هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُهْدِىَ إِلَيْهِ عُضْوُ (١) صَيْدٍ فَلَمْ يَقْبَلْهُ, وَقَالَ: «إِنَّا حُرُمٌ»؟ قَالَ: نَعَمْ". [م ١١٩٥، ن ٢٨٢١، حم ٤/ ٣٦٩]
١٨٥١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى الإِسْكَنْدَرَانِىَّ (٢) -, عَنْ عَمْرٍو,
===
سعيد، عن جعفر، عن (٣) عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه، عن الصعب: أهدى للنبي ﷺ عجز حمار وحشي وهو بالجحفة، فأكل منه وأكل القوم، قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح، فإن كان [محفوظًا] فكأنه ردَّ الحيَّ، وقَبِلَ اللحم (٤).
١٨٥٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن قيس) بن سعد، أبي عبد الملك، (عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: يا زيد بن أرقم! هل علمت أن رسول الله ﷺ أهدي إليه عُضْو صيدٍ فلم يقبله، وقال: إنَّا حُرُم؟ قال: نعم)، هذا الحديث بظاهره يخالف الحنفية والشافعية، فتأويله عند الحنفية أنه ﷺ ردَّه لعلمه بأنه صيد لإعانة المحرم أو دلالته، وأما عند الشافعية فهم يقولون: لأنه صيد لأجله، أو بإعانة المحرم عليه.
١٨٥١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا يعقوب) بن عبد الرحمن (يعني الإسكندراني، عن عمرو) بن أبي عمرو، مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب
стр. 4189
عَنِ الْمُطَّلِبِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ». [ت ٨٤٦، ن ٢٨٢٧، حم ٣/ ٣٦٢، خزيمة ٢٦٤١، قط ٢/ ٢٩٠, ك ١/ ٤٥٢, ق ٥/ ١٩٠]
===
(عن) مولاه (المطلب، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: صيد البر لكم حلال ما لم تَصيدوه أو يصاد لكم).
كذا في النسخة المكتوبة والنسخ المطبوعة الهندية، وفي المصرية: "أو يُصَدْ لكم"، ففي أكثر نسخ أبي داود بالألف إلا في المصرية، وكذا بالألف في رواية النسائي، والحاكم، والذهبي في "تلخيصه"، والدارقطني، والطحاوي (١)، وفي الترمذي خاصة: "أو يصد لكم"، بغير ألف مجزوم، فالأكثر: "أو يصاد لكم".
وهذا يؤيد الحنفية، فلفظة "أو" الواقعة ها هنا بمعنى "إلَّا أن" استثناء من المفهوم المتقدم، فإن قوله: "ما لم تصيدوه" بمعنى الاستثناء، فكأنه قال: لحم الصيد لكم في الإحرام حلال إلَّا أن تصيدوه، إلَّا أن يصاد لكم، فيكون الاستثناء الثاني من مفهوم الاستثناء الأول، ثم قال الشافعي ﵁: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب.
وقال الشوكاني (٢): عمرو مختلف فيه مع كونه من رجال الصحيحين، ومولاه قال الترمذي: لا يُعرَف له سماع من جابر، وقال في موضع آخر: قال محمد: لا أعرف له سماعًا من أحد من الصحابة إلَّا قوله: حدثني من شهد خطبةَ رسولِ الله ﷺ .
وقد رواه الشافعي عن عمرو، عن رجل من الأنصار، عن جابر. ورواه الطبراني عن عمرو، عن المطلب، عن أبي موسى، وفي إسناده يوسف بن خالد السمتي، وهو متروك. ورواه الخطيب عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وفي إسناده عثمان بن خالد المخزومي، وهو ضعيف جدًا.
стр. 4190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث صريح في التفرقة بين أن يصيده المحرم أو يصيده غيره له، وبين أن لا يصيده المحرم ولا يصاد له، بل يصيده الحلال لنفسه ويطعمه المحرم، فمقيِّد لبقية الأحاديث المطلقة، كحديث الصعب وطلحة وأبي قتادة، ومخصِّص لعموم الآية المتقدمة، انتهى.
قلت: والعجب من الشوكاني مع أنه يعترف بأن طرقه كلها ضعيفة ومضطربة، كيف يحتج به على حجيته لتقييد بقية الأحاديث المطلقة، وعلى تخصيص عموم الآية المتقدمة؟ ومع أنه ذَكَرَ قبل ذلك في حديث أبي قتادة أنه يقول: "إني ذكرت شأنه لرسول الله ﷺ ، وذكرت أني لم أكن أحرمتُ، وأني إنما اصطدتُه لك" الحديث.
ثم نقل عن "المنتقى" بأنه رواه أحمد وابن ماجه بإسناد جيد، كيف يرد الحديثَ جيدَ السند بتقليد بعض أهل الحديث، ويقبل الحديث الضعيف الذي لا يقبل مثله؟
وأما قول صاحب "المنتقى" بعد ذكر الحديث: قال أبو بكر النيسابوري: قوله: "أني اصطدته لك" و"أنه لم يأكل منه" لا أعلم أحدًا قاله في هذا الحديث غير معمر (١).
قلت: ومعمر ثقة، فزيادته صحيحة.
وقال الشوكاني في شرح هذا الحديث: أخرجه أيضًا الدارقطني والبيهقي وابن خزيمة، وقد قال بمثل مقالته (٢) النيسابوري التي ذكرها المصنف: ابنُ خزيمة والدارقطني والجوزقي.
قال ابن خزيمة: إن كانت هذه الزيادة محفوظة احتمل أن يكون ﷺ أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يُعلِمَه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله،
стр. 4191
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِذَا تَنَازَعَ الْخَبَرَانِ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ يُنْظَرُ بِمَا أَخَذَ بِهِ أَصْحَابُهُ.
===
فلما علم امتنع، وفيه نظر؛ لأنه لو كان حرامًا عليه ﷺ ما أقرَّه تعالى على الأكل منه حتى يُعلِمَه أبو قتادة بأنه صاده لأجله.
ثم قال الشوكاني: وقال البيهقي هذه الزيادة غريبة، يعني قوله: "أني اصطدته لك"، قال: والذي في "الصحيحين": "أنه أكل منه".
قلت: الحديث فيه زيادتان، أولهما: قوله: "أني إنما اصطدته لك"، والثاني: "ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له"، أما الزيادة الأولى فهو زيادة ثقةٍ ليست بمخالفة لما في الصحاح من الروايات فهي مقبولة، وأما الزيادة الثانية فهي مخالفة لما في الروايات الصحيحة فَتُرَدُّ؛ لأنها شاذة، فالظاهر أن التي حكموا بشذوذها هي الزيادة الثانية لا الأولى، وإن كان حكمهم بالشذوذ على الزيادتين فهو على خلاف قواعدهم لنصرة المذهب لا يُقبَل منهم، وقد قال الشوكاني: قال ابن حزم: لا يشك أحد بأن أبا قتادة لم يصد الحمار إلا لنفسه ولأصحابه وهم محرمون، فلم يمنعهم النبي ﷺ من أكله، وكأنه يقول بأنه يحل صيد الحلال للمحرم مطلقًا.
(قال أبو داود: إذا تنازع الخبران عن النبي ﷺ يُنْظَر بما أخذ به أصحابُه)، حاصله أن الأحاديث مختلفة في قبول الصيد وردِّه، فيجمع المصنف بينهما باعتبار العمل أنه يُنْظَر، فيؤخَذ بما أخذ به أصحابُ رسول الله ﷺ ، ولكن هذا لا يُجْدي نفعًا، فإن الصحابة ﵃ اختلفوا فيه أيضًا.
قال في "البدائع" (١): يحل للمحرم أكل صيد اصطاده الحلال لنفسه عند عامة العلماء، وقال داود بن علي الأصبهاني: لا يحل، والمسألة مختلفة بين الصحابة ﵃، روي عن طلحة بن عبيد الله وقتادة وجابر وعثمان في رواية: أنه يحل، وعن علي وابن عباس وعثمان في رواية: أنه لا يحل.
стр. 4192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واحتج هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١)، أخبر أن صيد البر محرم على المحرم مطلقًا، من غير فصل بين أن يكون صيد المحرم أو الحلال، وهكذا قال ابن عباس أن الآية مبهمة لا يحل لك أن تصيده ولا أن تأكله.
ولنا (٢) ما روي عن أبي قتادة ﵁: "أنه كان حلالًا وأصحابه محرمون، فَشَدَّ على حمار وحشٍ" الحديث، وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لحم صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم"، وهذا نص في الباب.
ولا حجة لهم في الآية؛ لأن فيها تحريم صيد البر، لا تحريم لحم الصيد، وهذا لحم الصيد وليس بصيد لانعدام معنى الصيد، وهو الامتناع والتوحش.
وأما حديث الصعب بن جثامة، فقد اختلفت الروايات فيه عن ابن عباس ﵄، روي في بعضها أنه أهدى إليه حمارًا وحشيًا، كذا روى مالك وسعيد بن جبير وغيرهما عن ابن عباس، فلا يكون حجة.
وحديث زيد بن أرقم محمول على صيد صاده المحرمُ بنفسه، أو غيرُه بأمرِه، أو بإعانتِه، أو بإشارَته، أو بدلالَتِه عملًا بالدلائل كلها، وسواء صاده الحلال لنفسه أو للمحرم بعد أن لا يكون بأمره عندنا.
وقال الشافعي: إذا صاده له لا يحل له أكله، واحتج بما روي عن جابر،
стр. 4193
١٨٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ أَبِى النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِىِّ, عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ, عَنْ أَبِى قَتَادَةَ: "أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
===
عن النبي ﷺ أنه قال: "صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" ولا حجة له فيه؛ لأنه لا يصير مصيدًا له إلَّا بأمره، وبه نقول، والله أعلم، انتهى.
قلت: وهذا أحد الجوابين عن الحديث بعد تسليم صحته، وأما الجواب الثاني فهو ما أجاب به صاحب "الهداية" (١) بقوله: واللام فيما روي لام تمليك، فيحمل على أن يهدى إليه الصيد دون اللحم.
١٨٥٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله التيمي، عن نافع) بن عباس بموحدة ومهملة، أو ابن عياش بتحتانية ومعجمة، أبو محمد الأقرع المدني (مولى أبي قتادة الأنصاري) ويقال: مولى عقيلة الغفارية، ويقال: إنهما اثنان، وقال ابن حبان في "الثقات": يقال له: نافع مولى أبي قتادة، نُسِبَ إليه ولم يكن مولاه.
قلت: يؤيد قول ابن حبان ما وقع عند أحمد من طريق مغفل بن إبراهيم: سمعت رجلًا يقال له: مولى أبي قتادة، ولم يكن مولاه، يحدث عن أبي قتادة، فذكر حديث الحمار الوحشي، وفي رواية ابن إسحاق: عن عبد الله بن أبي سلمة أن نافعًا الأقرع مولى بني غفار حدثه: أن أبا قتادة حدثه، فذكر هذا الحديث، قال النسائي: ثقة، وقال أحمد بن حنبل: معروف، قال ابن سعد: كان قليل الحديث، قال الحافظ: فيحتمل أنه نُسِبَ إليه لكونه كان زوج مولاته أو للزومه إياه، أو نحو ذلك، كما وقع لمقسم مولى ابن عباس وغيره، والله أعلم.
(عن أبي قتادة: أنه) أي: أبا قتادة (كان مع رسول الله ﷺ ) أي في سفر
стр. 4194
حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ (١) طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ,
===
عمرة (٢) الحديبية، وفي رواية للبخاري (٣): "أن رسول الله ﷺ خرج حاجًّا (٤) فخرجوا معه". قال الحافظ (٥): قال الإسماعيلي: هذا غلط؛ فإن القصة كانت في عمرة، ولعل الراوي أراد خرج محرمًا، فعبر عن الإحرام بالحج غلطًا.
قلت: لا غلط في ذلك، بل هو من المجاز السائغ، وأيضًا فالحج في الأصل قصد البيت، فكأنه قال: خرج قاصدًا للعمرة، ولهذا يقال للعمرة: الحج الأصغر، ثم وجدت الحديث من رواية محمد بن أبي بكر المقدمي، عن أبي عوانة بلفظ: "خرج حاجًّا أو معتمرًا" أخرجه البيهقي، فتبين أن الشك فيه من أبي عوانة، وقد جزم يحيى بن كثير بأن ذلك كان في عمرة الحديبية، وهذا هو المعتمد، انتهى.
(حتى إذا كان) أي أبو قتادة، ويحتمل أن يكون المرجع رسول الله ﷺ (ببعض (٦) طريق مكة تخلَّف) أي أبو قتادة عن رسول الله ﷺ (مع أصحاب له) أي لأبي قتادة، أو لرسول الله ﷺ (محرمين وهو) أي أبو قتادة (غير محرم).
وفي رواية البخاري: "فخرجوا معه فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة
стр. 4195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حُمُرَ وحشٍ" الحديث.
وسياق حديث البخاري هذا مشكل؛ لأنه يخالف جميع السياقات التي أخرجها البخاري وغيره، فإنه يدل على أن أبا قتادة ومن معه من أصحابه خرجوا معه إلى ساحل البحر، وكلهم لم يحرموا، فلما انصرفوا من ساحل البحر أحرموا كلهم إلا أبا قتادة فإنه لم يحرم، وجميع السياقات يدل على أن رسول الله ﷺ ومن معه من أصحابه كلهم أحرموا من الميقات إلَّا أبا قتادة فإنه لم يحرم.
وتأوله القسطلاني (١) بأن قوله: "فلما انصرفوا" شرط، ليس جزاؤه قوله: "أحرموا كلهم إلا أبو قتادة"، بل جزاؤه قوله: "فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحشٍ"، وتقدير العبارة: فقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا وكانوا قد أحرموا كلهم من الميقات إلَّا أبو قتادة؛ فإنه لم يحرم من ذي الحليفة، فبينما هم يسيرون.
قلت: فعلى هذا لم يبق فيه إشكال، ولم أر من تعرض لدفع هذا الإشكال من الشراح إلَّا القسطلاني، فجزاه الله خيرًا. ولم يحرم هو لأنه إما لم يجاوز الميقات، وإما لم يقصد العمرة، وبهذا يرتفع الإشكال الذي ذكره أبو بكر الأثرم قال: كنت أسمع أصحابنا يتعجبون من هذا الحديث (٢) فيقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات وهو غير محرم؟ ولا يدرون ما وجهه؟ قال: حتى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد، فيها: "وكان النبي ﷺ بعثه في وجه" الحديث، قال: فإذا أبو قتادة إنما جاز له ذلك لأنه لم يخرج يريد مكة،
стр. 4196
فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ, قَالَ: فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا, فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا, فَأَخَذَهُ, ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ, فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبَى بَعْضُهُمْ, فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «إِنَّمَا هِىَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ تَعَالَى». [خ ٢٩١٤، م ١١٩٦، ت ٨٤٧، ن ٢٨١٦، حم ٥/ ٣٠١]
===
وهذه الرواية تقتضي أن أبا قتادة لم يخرج مع النبي ﷺ من المدينة، وليس كذلك.
ثم وجدت في "صحيح ابن حبان" والبزار قال: "بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة على الصدقة، وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا بعسفان"، فهذا سبب آخر، ويحتمل جمعهما.
والذي يظهر أن أبا قتادة إنما أخر الإحرام؛ لأنه لم يتحقق أنه يدخل مكة فساغ له التأخير، وقيل: كانت هذه القصة قبل أن يُوَقِّتَ النبي ﷺ المواقيتَ.
(فرأى حمارًا وحشيًا) وقع هاهنا بالإفراد، وفي رواية بالجمع (فاستوى على فرسه، قال: فسأل أصحابَه أن يناولوه سوطه) وكان سقط عنه (فأبوا)؛ لأنهم كانوا محرمين وقد علموا قبل ذلك الإعانة على قتل الصيد ممنوع لهم (فسألهم رمحه، فأبوا) لأجل الإحرام، (فأخذه) أي الرمح (ثم شد) أي حمل (على الحمار) وكانت أتانًا، (فقتله) وكفى هذا الجرح عن الذبح, لأنها ذكاة اضطرارية، فيكفي فيه الجرح.
(فأكل منه بعض أصحاب رسول الله ﷺ ) لأنهم قالوا: ما اصطدناها، ولا أمَرْنا باصطيادها, ولا دللنا عليه، ولا أشرنا إليه (وأبى بعضهم) فتورَّعوا، أو عملوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ (١) أي: مصيده (فلما أدركوا رسول الله ﷺ سألوه عن ذلك) أي عن حل لحم الصيد وحرمته (فقال: إنما هي طُعمة أطعمكموها الله تعالى).
стр. 4197
(٤٠) بَابُ الْجَرَادِ للْمُحْرِم
١٨٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ مَيْمُونِ بْنِ جَابَانَ, عَنْ أَبِى رَافِعٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «الْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ». [ق ٥/ ٢٠٧]
===
(٤٠) (بابُ الْجَرَادِ لِلْمُحْرِمِ)، هل يجوز قتله للمحرم أم لا؟
١٨٥٣ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا حماد، عن ميمون بن جابان) بجيم وموحدة، أبو الحكم البصري، ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: بصري ثقة. وقال العقيلي: لا يصح حديثه. وقال الأزدي: لا يحتج بحديثه. وقال البيهقي: غير معروف، له في السنن حديث واحد: "الجراد من صيد البحر".
(عن أبي رافع) الصائغ، اسمه نفيع، (عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: الجراد من صيد البحر) أي في حكم صيد البحر، وهو أنه يحل ميتته، قال في الحاشية عن "فتح الودود": قيل: الجراد يتولد من الحيتان، فيطرحها البحر إلى الساحل، وأنكر كثير ذلك، وقال: هو مستقر في الأرض، ويقوت مما يخرج من الأرض من نباتها، ويحتمل أن يكون معنى كونه من صيد البحر أنه في حكمه، يحل الأكل بلا تزكية، انتهى.
وقال الدميري في "حياة الحيوان" (١): والصحيح أنه بري؛ لأن المحرم يجب عليه فيه الجزاء إذا أتلفه عندنا، وبه قال عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس وعطاء، قال العبدري: وهو قول أهل العلم كافة إلَّا أبا سعيد الخدري؛ فإنه قال: لا جزاء فيه، وحكاه ابن المنذر عن كعب الأحبار وعروة بن الزبير فإنهم قالوأ: هو من صيد البحر.
واحتج لهم بحديث أبي المهزِّم الآتي، وهو ضعيف لضعف أبي المهزم.
стр. 4198
١٨٥٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن مَيْمُونِ بْنِ جَابَانَ، عن أَبِي رَافِعٍ، عن كَعْبٍ قَالَ: "الْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ".
١٨٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ،
===
واحتج الجمهور بما رواه الإِمام الشافعي بإسناد صحيح أو الحسن عن عبد الله بن أبي عمار أنه قال: أقبلت مع معاذ بن جبل ﵁، وكعب الأحبار ﵁ في أناس محرمين من بيت المقدس بعمرة، حتى إذا كنا ببعض الطريق، وكعب على نار يصطلي، فمرت به رِجْل من جراد، فأخذ جرادتين فقتلهما، وكان قد نسي إحرامه، ثم ذكر إحرامه، فألقاهما، فلما قدمنا المدينة دخل القوم على عمر ﵁ ودخلت معهم، فقص كعب قصةَ الجرادتين على عمر ﵁، فقال: ما جعلت على نفسك يا كعب؟ قال: درهمين (١) فقال: بخ بخ درهمان خير من مائة جرادة، اجعل ما جعلت على نفسك.
١٨٥٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ميمون بن جابان، عن أبي رافع، عن كعب قال: الجراد من صيد البحر)، هذا الحديث غير مذكور في أكثر نسخ أبي داود، وذكر في نسخة "العون" (٢) بعد حديث أبي المهزِّم.
١٨٥٥ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن حبيب المعلم) أبو محمد المصري، مولى معقل بن يسار، وهو حبيب بن أبي قريبة، واسمه زائدة، ويقال: حبيب بن زيد، ويقال: ابن أبي بقية، قال عمرو بن علي: كان يحيى لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وقال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وقال أحمد: ما أحتج بحديثه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في "الثقات".
стр. 4199
عَنْ أَبِى الْمُهَزِّمِ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: "أَصَبْنَا صِرْمًا مِنْ جَرَادٍ, فَكَانَ رَجُلٌ (١) يَضْرِبُ بِسَوْطِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ, فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ, فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ (٢): «إِنَّمَا هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ». [ت ٨٥٠, جه ٣٢٢٢, ق ٥/ ٢٠٧, حم ٢/ ٣٠٦]
سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ (٣) يَقُولُ: أَبُو الْمُهَزِّمِ ضَعِيفٌ, وَالْحَدِيثَانِ جَمِيعًا وَهَمٌ.
===
(عن أبي المهزِّم) بتشديد الزاي المكسورة، التميمي، البصري، اسمه يزيد، وقيل: عبد الرحمن بن سفيان، قال في التقريب: متروك، وحكي في "التهذيب" جرحُه عن المحدثين، فكأنهم أجمعوا على تضعيفه، (عن أبي هريرة قال: أصبنا صرمًا)، قال في "القاموس": والصِّرم بالكسر: الجماعة، جمعه: أصرام وأصارم وأصاريم، وصُرمان بالضم، أي: جماعة (من جراد).
(فكان رجل يضرب بسوطه وهو محرم (٤)، فقيل له) أي للرجل: (إن هذا) أي قتل الجراد في الإحرام (لا يصلح) أي لا يجوز، (فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال) رسول الله ﷺ : (إنما هو من صيد البحر).
(سمعت أبا داود يقول: أبو المهزم ضعيف، والحديثان جميعًا وهم). قال العيني في "شرح الهداية" (٥): والحديث وهم، قلت: وجه الوهم أن
стр. 4200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
حماد بن سلمة رواه عن ميمون بن جابان، عن أبي رافع، عن كعب قوله غير مرفوع، انتهى. وقال في "البحر الرائق" (١): وفي رواية لأبي داود عن أبي رافع عن أبي هريرة، قال البيهقي وغيره: ميمون غير معروف، انتهى.
قلت: أما حديث أبي المهزِّم فضعيف ووهم لشدة ضعفِ أبي المهزم، وأما حديث ميمون بن جابان، عن أبي رافع، عن كعب فإنه قوله، ليس بمرفوع، ثم إنه مخالف للروايات الصحيحة في أنه أوجب فيه درهمًا، وأما حديث ميمون بن جابان، عن أبي رافع، عن أبي هريرة فلم أقف على جرح فيه إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وليس بمخالف لما حكم فيه عمر بن الخطاب ﵁ بمحضر من الصحابة، فإنه يحتمل أن يقال: الجراد في حكم صيد البحر من حيث إنه يحل بلا ذكاة.
وأما المذاهب في قتل الجراد، فقال الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم للمحرم أن يصيد الجراد فيأكل، ورأى بعضهم أن عليه صدقة إن اصطادوه أو أكله، انتهى.
وقال العيني في "شرح الهداية": والصحيح أنه من صيد البر، كما قال المصنف ﵀، فيجب الجزاء بقتله، قال شيخنا زين الدين: وهو قول عمر، وابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في قوله الصحيح المشهور، كما حكاه ابن العربي عن أكثر (٢) أهل العلم، وقال شيخنا: وفيه قول ثالث، وهو أنه من صيد البر والبحر، ورواه سعيد بن منصور في "سننه" عن هشيم، عن منصور وعن الحسن قوله، انتهى.
стр. 4201
(٤١) بَابٌ: في الْفِدْيَةِ
١٨٥٦ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ, عَنْ خَالِدٍ (١) الطَّحَّانِ, عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ, عَنْ أَبِى قِلَابَةَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى, عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَالَ: «قَدْ آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ » , قَالَ: نَعَمْ, فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «احْلِقْ ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا, أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ, أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ». [خ ١٨١٤، م ١٢٠١، ت ٩٥٣، ن ٢٨٥١، حم ٤/ ٢٤١]
===
(٤١) (بَابٌ: في الْفِدْيَةِ)، وهي الجزاء عن الجناية
١٨٥٦ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد الطحان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، أن رسول الله ﷺ مر به) أي بكعب بن عجرة (زمن الحديبية) فرآه يتناثر القمل عن رأسه، (فقال) رسول الله ﷺ : (قد آذاك هوام رأسك؟ )، قال في "القاموس": الهامة للدابة جمعه الهوام، وقال في الحاشية على القاموس: قال شمر: الهوام الحيات وكل ذو سم يقتل، وأما ما لا يقتل ويسم فهو السوَّام مشددة، مثل الزنبور والعقرب وأشباههما، قال: ومنها القوام مثل: القنافذ، والفأر، واليرابيع، والخنافس، وربما تقع الهوام على ما لا يقتل كالحشرات، أفاده الشارح.
(قال) كعب بن عجرة: (نعم) يؤذيني هوام رأسي، (فقال النبي ﷺ : احلق، ثم اذبح شاة نسكًا) بدل من شاة (أو) للتخيير (صم ثلاثة أيام، أو أَطْعِم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين).
قال العيني في "شرح البخاري" (٢) في ذكر ما يستفاد منه الأحكام، فقال:
منها: جواز الحلق للمحرم للحاجة مع الكفارة المذكورة في الآية الكريمة، وفي الحديث المذكور، وهذا مجمع عليه.
стр. 4202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومنها: أنه ليس فيه تعرض لغير حلق الرأس من سائر شعور الجسد، وقد أوجب العلماء الفدية بحلق سائر شعور البدن؛ لأنها في معنى حلق الرأس إلَّا داود الظاهري، فإنه قال: لا تجب الفدية إلَّا بحلق الرأس فقط، وحكى الرافعي عن المحاملي (١) أن في رواية عن مالك لا تتعلق الفدية بشعر البدن.
ومنها: أنه أمر بحلق شعر نفسه، فلو حلق المحرم شعر حلال فلا فدية على واحد منهما عند مالك والشافعي وأحمد، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: ليس للمحرم أن يحلق شعر الحلال، فإن فعل فعليه صدقة.
ومنها: أنه إذا حلق رأسه أو لبس أو تطيب عامدًا من غير ضرورة، فقد حكى ابن عبد البر في "الاستذكار" عن أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما وأبي ثور: أن عليه دمًا لا غير، وأنه لا يُخَيَّرُ إلا في الضرورة، وقال مالك: بئس ما فعل، وعليه الفدية، وهو مخيَّر فيها، وقال شيخنا زين الدين: وما حكاه عن الشافعي وأصحابه ليس بجيد، بل المعروف عنهم وجوب الفدية، كما جزم به الرافعي، كما أوجبوا الكفارة في اليمين الغموس.
ومنها: أنه خيَّره بين الصوم والإطعام والذبح، وقال أبو عمر: عامة الآثار عن كعب وردت بلفظ التخيير، وهو نص القرآن العظيم، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار، قال: إذا كان "أو" بأيَّة أخذتَ أجزَأَكَ، قال: وروي عن مجاهد وعكرمة وعطاء وطاوس والجنيد وحميد الأعرج والنخعي والضحاك نحو ذلك، وذهب أبو حنيفة (٢) والشافعي وأبو ثور إلى أن التخيير لا يكون إلَّا في الضرورة، فإن فعل ذلك من غير ضرورة فعليه دم.
قلت: ووجهه أن التخيير في حال الضرورة للتيسير والتخفيف، والجاني لا يستحق التخفيف.
стр. 4203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال: ومنها: أن الصوم ثلاثة أيام، وقال ابن جرير بسنده عن الحسن في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ (١) قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه حلق، وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء، والصيام عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين لكل مسكين مكوكان: مكوك من تمر، ومكوك من بُر، [والنسك شاة] وقال قتادة عن الحسن وعكرمة قال: إطعام عشرة مساكين. وقال ابن كثير في "تفسيره": وهذان القولان من سعيد بن جبير والحسن وعلقمة وعكرمة قولان غريبان فيهما نظر؛ لأنه ثبت في السنَّة في حديث كعب: "فصيام ثلاثة أيام لا عشرة"، وقال أبو عمر في "الاستذكار" (٢): روي عن الحسن وعكرمة ونافع صومُ عشرة أيام، قال: ولم يتابعهم أحد من العلماء على ذلك.
ومنها: أن الإطعام لستة مساكين، ولا يجزئ أقل من ستة، وهو قول الجمهور، وحكي عن أبي حنيفة أنه: يجوز أن يدفع إلى مسكين واحد، والواجب في الإطعام لكل مسكين نصف صاع من أي شيء كان المخرج في الكفارة قمحًا أو شعيرًا أو تمرًا، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور وداود، وحكي عن الثوري، وأبي حنيفة تخصيص ذلك بالقمح، وأن الواجب من الشعير والتمر صاع لكل مسكين، وحكى ابن عبد البر عن أبي حنيفة وأصحابه كقول مالك والشافعي.
قلت: لم أر هذا القول كتب مذهبنا، وعند أحمد في رواية: أن الواجب في الإطعام لكل مسكين مد من قمح أو مُدَّان من شعير أو تمر.
ومنها: ما احتج بعموم الحديث مالك على أن الفدية يفعلها حيث شاء، سواء في ذلك الإطعام والصيام والكفارة، وقد اتفق العلماء في الصوم أن له أن يفعله حيث شاء، لا يختص ذلك بمكة ولا بالحرم، وأما النسك والإطعام فجوَّزهما مالك أيضًا كالصوم، وخصَّص الشافعي ذلك بمكة أو بالحرم،
стр. 4204
١٨٥٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ (١) دَاوُدَ, عَنِ الشَّعْبِىِّ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى, عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «إِنْ شِئْتَ فَانْسُكْ نَسِيكَةً, وَإِنْ شِئْتَ فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ, وَإِنْ شِئْتَ فَأَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ
===
واختلف فيه قول أبي حنيفة، فقال مرة: يختص بذلك الدم دون الإطعام، وقال مرة: يختصان جميعًا بذلك، وقال هشيم: أخبرنا ليث، عن طاوس أنه كان يقول: ما كان من دم أو إطعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء، وكذا قال عطاء ومجاهد والحسن.
١٨٥٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن داود، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبو ليلى، عن كعب بن عجرة: أن رسول الله ﷺ قال له) أي لكعب بن عجرة: (إن شئت فانسك نسيكة) أي: اذبح ذبيحة، وفي رواية: اذبح نسكًا، وفي رواية: اذبح شاة.
قال القرطبي (٢): جميع هذه السياقات تدل على أنه ليس بهدي، فعلى هذا يجوز أن يذبحها حيث شاء، ولا تختص بالحرم، كما هو مذهب مالك.
وأجاب عنه الحافظ: بأنه لا دلالة فيه، إذ لا يلزم من تسميتها نسكًا أو نسيكة أن لا تسمى هديًا أو لا تعطى حكم الهدي، وقد وقع تسميتها هديًا في رواية البخاري بلفظ: "أو تهدي شاة"، وفي رواية مسلم: "وأهد هديًا"، وفي رواية للطبري: "هل لك هدي؟ قلت: لا أجد"، فظهر أن ذلك من تصرف الرواة.
(وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم ثلاثة آصع)، وآصع بمد الهمزة وضم الصاد: جمع صاع على القلب؛ لأن القياس في جمعه: أصوع، بقصر الهمزة، وسكون الصاد، بعدها واو مضمومة، قال الجوهري: وإن شئت
стр. 4205
مِنْ تَمْرٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ". [انظر سابقه]
١٨٥٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ, وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ, حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, - وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ الْمُثَنَّى -,
===
أبدلت من الواو المضمومة همزة، فقلت: أصوع، وحكي الوجهان كذلك في أدوَر وآدر جمع: دار.
وذكر ابن مكي في "كتاب تثقيف اللسان": أن قولهم: آصع، بالمد لحن من خطأ العوام، وأن صوابه: أصوع، وقال النووي: هذا غلط منه ومردود وذهول.
قلت: القياس ما قاله ابن مكي، وأما الذي ورد فمحمول على القلب (١)، ووزنه على هذا: أعفل، فافهم. وفي الصاع لغتان: التذكير والتأنيث، حكاهما الجوهري وغيره، قاله العيني (٢).
(من تمر لستة مساكين)، وهذا نص في التخيير بين هذه الثلاثة، وأما مذهب الحنفية فإن عندهم تجب ثلاثة آصع لستة مساكين مختصة بالقمح، وأما التمر فتجب عندهم ستة آصع لستة مساكين لكل مسكين منهم صاع، ولم يتيسر لي العذر عن الحديثين، ولم أره في الكتب الموجودة (٣) عندي.
١٨٥٨ - (حدثنا ابن المثنى، نا عبد الوهاب، وحدثنا)، هذا تحويل ولم يذكر لفظ (ح)، (نصر بن علي، نا يزيد بن زريع، وهذا) أي المذكور (لفظ ابن المثنى) لا لفظ نصر بن علي، كلاهما أي عبد الوهاب ويزيد يرويان