← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

(٤١) بَابٌ: في الْفِدْيَةِ ١٨٥٦ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ, عَنْ خَالِدٍ (١) الطَّحَّانِ, عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ, عَنْ أَبِى قِلَابَةَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى, عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَالَ: «قَدْ آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ » , قَالَ: نَعَمْ, فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «احْلِقْ ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا, أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ, أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ». [خ ١٨١٤، م ١٢٠١، ت ٩٥٣، ن ٢٨٥١، حم ٤/ ٢٤١] === (٤١) (بَابٌ: في الْفِدْيَةِ)، وهي الجزاء عن الجناية ١٨٥٦ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد الطحان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، أن رسول الله ﷺ مر به) أي بكعب بن عجرة (زمن الحديبية) فرآه يتناثر القمل عن رأسه، (فقال) رسول الله ﷺ : (قد آذاك هوام رأسك؟ )، قال في "القاموس": الهامة للدابة جمعه الهوام، وقال في الحاشية على القاموس: قال شمر: الهوام الحيات وكل ذو سم يقتل، وأما ما لا يقتل ويسم فهو السوَّام مشددة، مثل الزنبور والعقرب وأشباههما، قال: ومنها القوام مثل: القنافذ، والفأر، واليرابيع، والخنافس، وربما تقع الهوام على ما لا يقتل كالحشرات، أفاده الشارح. (قال) كعب بن عجرة: (نعم) يؤذيني هوام رأسي، (فقال النبي ﷺ : احلق، ثم اذبح شاة نسكًا) بدل من شاة (أو) للتخيير (صم ثلاثة أيام، أو أَطْعِم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين). قال العيني في "شرح البخاري" (٢) في ذكر ما يستفاد منه الأحكام، فقال: منها: جواز الحلق للمحرم للحاجة مع الكفارة المذكورة في الآية الكريمة، وفي الحديث المذكور، وهذا مجمع عليه.

стр. 4202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ومنها: أنه ليس فيه تعرض لغير حلق الرأس من سائر شعور الجسد، وقد أوجب العلماء الفدية بحلق سائر شعور البدن؛ لأنها في معنى حلق الرأس إلَّا داود الظاهري، فإنه قال: لا تجب الفدية إلَّا بحلق الرأس فقط، وحكى الرافعي عن المحاملي (١) أن في رواية عن مالك لا تتعلق الفدية بشعر البدن. ومنها: أنه أمر بحلق شعر نفسه، فلو حلق المحرم شعر حلال فلا فدية على واحد منهما عند مالك والشافعي وأحمد، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: ليس للمحرم أن يحلق شعر الحلال، فإن فعل فعليه صدقة. ومنها: أنه إذا حلق رأسه أو لبس أو تطيب عامدًا من غير ضرورة، فقد حكى ابن عبد البر في "الاستذكار" عن أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما وأبي ثور: أن عليه دمًا لا غير، وأنه لا يُخَيَّرُ إلا في الضرورة، وقال مالك: بئس ما فعل، وعليه الفدية، وهو مخيَّر فيها، وقال شيخنا زين الدين: وما حكاه عن الشافعي وأصحابه ليس بجيد، بل المعروف عنهم وجوب الفدية، كما جزم به الرافعي، كما أوجبوا الكفارة في اليمين الغموس. ومنها: أنه خيَّره بين الصوم والإطعام والذبح، وقال أبو عمر: عامة الآثار عن كعب وردت بلفظ التخيير، وهو نص القرآن العظيم، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار، قال: إذا كان "أو" بأيَّة أخذتَ أجزَأَكَ، قال: وروي عن مجاهد وعكرمة وعطاء وطاوس والجنيد وحميد الأعرج والنخعي والضحاك نحو ذلك، وذهب أبو حنيفة (٢) والشافعي وأبو ثور إلى أن التخيير لا يكون إلَّا في الضرورة، فإن فعل ذلك من غير ضرورة فعليه دم. قلت: ووجهه أن التخيير في حال الضرورة للتيسير والتخفيف، والجاني لا يستحق التخفيف.

стр. 4203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال: ومنها: أن الصوم ثلاثة أيام، وقال ابن جرير بسنده عن الحسن في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ (١) قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه حلق، وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء، والصيام عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين لكل مسكين مكوكان: مكوك من تمر، ومكوك من بُر، [والنسك شاة] وقال قتادة عن الحسن وعكرمة قال: إطعام عشرة مساكين. وقال ابن كثير في "تفسيره": وهذان القولان من سعيد بن جبير والحسن وعلقمة وعكرمة قولان غريبان فيهما نظر؛ لأنه ثبت في السنَّة في حديث كعب: "فصيام ثلاثة أيام لا عشرة"، وقال أبو عمر في "الاستذكار" (٢): روي عن الحسن وعكرمة ونافع صومُ عشرة أيام، قال: ولم يتابعهم أحد من العلماء على ذلك. ومنها: أن الإطعام لستة مساكين، ولا يجزئ أقل من ستة، وهو قول الجمهور، وحكي عن أبي حنيفة أنه: يجوز أن يدفع إلى مسكين واحد، والواجب في الإطعام لكل مسكين نصف صاع من أي شيء كان المخرج في الكفارة قمحًا أو شعيرًا أو تمرًا، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور وداود، وحكي عن الثوري، وأبي حنيفة تخصيص ذلك بالقمح، وأن الواجب من الشعير والتمر صاع لكل مسكين، وحكى ابن عبد البر عن أبي حنيفة وأصحابه كقول مالك والشافعي. قلت: لم أر هذا القول كتب مذهبنا، وعند أحمد في رواية: أن الواجب في الإطعام لكل مسكين مد من قمح أو مُدَّان من شعير أو تمر. ومنها: ما احتج بعموم الحديث مالك على أن الفدية يفعلها حيث شاء، سواء في ذلك الإطعام والصيام والكفارة، وقد اتفق العلماء في الصوم أن له أن يفعله حيث شاء، لا يختص ذلك بمكة ولا بالحرم، وأما النسك والإطعام فجوَّزهما مالك أيضًا كالصوم، وخصَّص الشافعي ذلك بمكة أو بالحرم،

стр. 4204

١٨٥٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ (١) دَاوُدَ, عَنِ الشَّعْبِىِّ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى, عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «إِنْ شِئْتَ فَانْسُكْ نَسِيكَةً, وَإِنْ شِئْتَ فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ, وَإِنْ شِئْتَ فَأَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ === واختلف فيه قول أبي حنيفة، فقال مرة: يختص بذلك الدم دون الإطعام، وقال مرة: يختصان جميعًا بذلك، وقال هشيم: أخبرنا ليث، عن طاوس أنه كان يقول: ما كان من دم أو إطعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء، وكذا قال عطاء ومجاهد والحسن. ١٨٥٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن داود، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبو ليلى، عن كعب بن عجرة: أن رسول الله ﷺ قال له) أي لكعب بن عجرة: (إن شئت فانسك نسيكة) أي: اذبح ذبيحة، وفي رواية: اذبح نسكًا، وفي رواية: اذبح شاة. قال القرطبي (٢): جميع هذه السياقات تدل على أنه ليس بهدي، فعلى هذا يجوز أن يذبحها حيث شاء، ولا تختص بالحرم، كما هو مذهب مالك. وأجاب عنه الحافظ: بأنه لا دلالة فيه، إذ لا يلزم من تسميتها نسكًا أو نسيكة أن لا تسمى هديًا أو لا تعطى حكم الهدي، وقد وقع تسميتها هديًا في رواية البخاري بلفظ: "أو تهدي شاة"، وفي رواية مسلم: "وأهد هديًا"، وفي رواية للطبري: "هل لك هدي؟ قلت: لا أجد"، فظهر أن ذلك من تصرف الرواة. (وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم ثلاثة آصع)، وآصع بمد الهمزة وضم الصاد: جمع صاع على القلب؛ لأن القياس في جمعه: أصوع، بقصر الهمزة، وسكون الصاد، بعدها واو مضمومة، قال الجوهري: وإن شئت

стр. 4205

مِنْ تَمْرٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ". [انظر سابقه] ١٨٥٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ, وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ, حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, - وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ الْمُثَنَّى -, === أبدلت من الواو المضمومة همزة، فقلت: أصوع، وحكي الوجهان كذلك في أدوَر وآدر جمع: دار. وذكر ابن مكي في "كتاب تثقيف اللسان": أن قولهم: آصع، بالمد لحن من خطأ العوام، وأن صوابه: أصوع، وقال النووي: هذا غلط منه ومردود وذهول. قلت: القياس ما قاله ابن مكي، وأما الذي ورد فمحمول على القلب (١)، ووزنه على هذا: أعفل، فافهم. وفي الصاع لغتان: التذكير والتأنيث، حكاهما الجوهري وغيره، قاله العيني (٢). (من تمر لستة مساكين)، وهذا نص في التخيير بين هذه الثلاثة، وأما مذهب الحنفية فإن عندهم تجب ثلاثة آصع لستة مساكين مختصة بالقمح، وأما التمر فتجب عندهم ستة آصع لستة مساكين لكل مسكين منهم صاع، ولم يتيسر لي العذر عن الحديثين، ولم أره في الكتب الموجودة (٣) عندي. ١٨٥٨ - (حدثنا ابن المثنى، نا عبد الوهاب، وحدثنا)، هذا تحويل ولم يذكر لفظ (ح)، (نصر بن علي، نا يزيد بن زريع، وهذا) أي المذكور (لفظ ابن المثنى) لا لفظ نصر بن علي، كلاهما أي عبد الوهاب ويزيد يرويان

стр. 4206

عَنْ (١) دَاوُدَ, عَنْ عَامِرٍ, عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ, قَالَ: «أَمَعَكَ دَمٌ؟ » , قَالَ: لَا, قَالَ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ تَصَدَّقْ بِثَلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ بَيْنَ كُلِّ مِسْكِينَيْنِ صَاعٌ». [ت ٢٩٧٣، حم ١/ ٢٤٤، ٢٤٣] === (عن داود، عن عامر) الشعبي، (عن كعب بن عجرة: أن رسول الله ﷺ مر به زمن الحديبية، فذكر القصة) المتقدمة. قال الحافظ (٢): والجمع بين هذا الاختلاف في قول ابن أبي ليلى، عن كعب: "أن رسول الله ﷺ مر به فرآه"، وفي قول عبد الله بن معقل: "أن النبي ﷺ أرسل إليه فرآه": أن يقال: مر به أولًا فرآه على تلك الصورة، فاستدعى به إليه فخاطبه، وحلق رأسه بحضرته، فنقل كل واحد منهما ما لم ينقله الآخر. (قال: أمعك دم؟ قال: لا، قال: فصم ثلاثة أيام، أو تصدق بثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين بين كل مسكينين صاع). قال الحافظ (٣): رواية عبد الله بن معقل تقتضي أن التخيير إنما هو بين الإطعام والصيام لمن لم يجد النسك، ولأبي داود في رواية أخرى: "أمعك دم؟ قال: لا، قال: فإن شئت فصم"، قال أبو عوانة في "صحيحه": فيه دليل على أن من وجد نسكًا لا يصوم يعني ولا يطعم، لكن لا أعرف من قال بذلك من العلماء إلا ما رواه الطبري وغيره عن سعيد بن جبير قال: النسك شاة، فإن لم يجد قوِّمت الشاة دراهم، والدراهم طعامًا فتصدق به، أو صام لكل نصف صاع يومًا، فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايتين، وقد جمع بينهما بأوجه: منها: ما قال ابن عبد البر: إن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لإيجابه.

стр. 4207

١٨٥٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ نَافِعٍ: "أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَخْبَرَهُ, عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ, وَكَانَ قَدْ أَصَابَهُ فِى رَأْسِهِ أَذًى فَحَلَقَ, فَأَمَرَهُ النَّبِىُّ (١) ﷺ أَنْ يُهْدِىَ هَدْيًا بَقَرَةً". === ومنها: ما قال النووي: ليس المراد أن الصيام أو الإطعام لا يجزئ إلَّا لفاقد الهدي، بل المراد أنه استخبره: هل معه هدي أو لا؟ فإن كان واجده أعلمه أنه مخير بينه وبين الصيام والإطعام، وإن لم يجده أعلمه أنه مخير بينهما. ومنها: ما قال غيرهما: يحتمل أن يكون النبي ﷺ لما أذن له حلق رأسه بسبب الأذي أفتاه أن يكفر بالذبح على سبيل الاجتهاد أو بوحي غير متلو، فلما أعلمه أنه لا يجد نزلت الآية بالتخيير بين الذبح والصيام والإطعام، فخيره حينئذ بين الصيام والإطعام لعلمه بأنه لا ذبح معه، فصام لكونه لم يكن معه ما يطعمه. ١٨٥٩ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن نافع: أن رجلًا من الأنصار أخبره)، قال في "التقريب": نافع مولى ابن عمر، عن رجل من الأنصار، عن كعب بن عجرة، هو عبد الرحمن بن أبي ليلى، (عن كعب بن عجرة، وكان قد أصابه في رأسه أذى) أي: القمل (فحلق، فأمره النبي ﷺ يهدي هديًا بقرة) (٢). قال الحافظ (٣): قال عياض ومن تبعه تبعًا لأبي عمر: كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرًا إنما ذكره شاة. قلت: يعكر عليه ما أخرجه أبو داود من طريق نافع، عن رجل من الأنصار، عن كعب بن عجرة: "أنه أصابه أذى، فحلق، فأمره النبي ﷺ أن يهدي بقرة". وللطبراني من طريق عبد الوهاب بن بخت، عن نافع، عن ابن عمر قال: "حلق كعب بن عجرة رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يفتدي، فافتدى

стр. 4208

١٨٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, حَدَّثَنِى أَبِى, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قال: حَدَّثَنِى أَبَانُ - يَعْنِى ابْنَ صَالِحٍ -, عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى, عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: "أَصَابَنِى هَوَامُّ فِى رَأْسِى وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ, حَتَّى تَخَوَّفْتُ عَلَى بَصَرِى, === ببقرة"، ولعبد بن حميد من طريق أبي معشر، عن نافع، عن ابن عمر قال: "افتدى كعب من أذى كان برأسه فحلقه ببقرة قلدها وأشعرها"، ولسعيد بن منصور من طريق ابن أبي ليلى، عن نافع، عن سليمان بن يسار: "قيل لابن كعب بن عجرة: ما صنع أبوك حين أصابه الأذى في رأسه؟ قال: ذبح بقرة". فهذه الطرق كلها تدور على نافع، وقد اختُلِفَ عليه في الواسطة الذي بينه وبين كعب، وقد عارضها ما هو أصح منها من أن الذي أمر به كعب وفعله في النسك إنما هو شاة. وروى سعيد بن منصور وعبد بن حميد من طريق المقبري، عن أبي هريرة: "أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى كان أصابه"، وهذا ما هو أصوب من الذي قبله. واعتمد ابن بطال على رواية نافع، عن سليمان بن يسار فقال: أخذ كعب بأرفع الكفارات، ولم يخالف النبي ﷺ فيما أمره به من ذبح الشاة بل وافق وزاد، ففيه أن من أفتى بأيسر الأشياء، فله أن يأخذ بأرفعها كما فعل كعب. قلت: هو فرع ثبوت الحديث، ولم يثبت لما قدمته، والله أعلم. ١٨٦٠ - (حدثنا محمد بن منصور، نا يعقوب) بن إبراهيم، (حدثني أبي) إبراهيم بن سعد، (عن ابن إسحاق قال: حدثني أبان - يعني ابن صالح -، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبو ليلى، عن كعب بن عجرة قال: أصابني هوام) أي: القمل (في رأسي وأنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، حتى تخوَّفت على بصري) بشدة الحر، ولا أستطيع أن أغسل رأسي فأقتل القمل

стр. 4209

فَأَنْزَلَ الله فِيَّ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ ... ﴾ الآيَةَ (١)، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي: "احْلِقْ رَأسَكَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرْقًا مِنْ زَبِيبٍ، أَو انْسُكْ شَاة"، فَحَلَقْتُ رَأسِي ثُمَّ نَسَكْتُ". [تقدَّم برقم ١٨٥٧] === (فأنزل الله فيَّ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ الآية)، وتمامها: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. (فدعاني رسول الله ﷺ فقال لي: احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين فرقًا من زبيب، أو انسك شاة، فحلقت رأسي ثم نسكت). قال الحافظ في "الفتح" (٢): قوله: "لكل مسكين نصف صاع". وللطبراني عن أحمد بن محمد الخزاعي عن أبي الوليد شيخ البخاري فيه: "لكل مسكين نصف صاع من تمر". ولأحمد، عن بهز، عن شعبة: "نصف صاع طعام"، ولبشر بن عمر عن شعبة: "نصف صاع حنطة"، ورواية الحكم عن ابن أبي ليلى تقتضي أنه نصف صاع من زبيب فإنه قال: "يطعم فرقًا من زبيب بين ستة مساكين". قال ابن حزم: لا يد من ترجيح إحدى هذه الروايات؛ لأنها قصة واحدة في مقام واحد في حق رجل واحد. قلت: المحفوظ عن شعبة أنه قال في الحديث: نصف صاع من طعام، والاختلاف عليه في كونه تمرًا أو حنطة لعله من تصرف الرواة. وأما الزبيب فلم أره إلا في رواية الحكم، وقد أخرجها أبو داود، وفي إسنادها ابن إسحاق وهو حجة في المغازي لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التمر فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة كما تقدم، ولم يختلف فيه على أبي قلابة، انتهى.

стр. 4210

١٨٦١ - [حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ الْجَزَرِىِّ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى, عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِى هَذِهِ الْقِصَّةِ. وزَادَ: «أَىَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ»]. (٤٢) بَابُ الإِحْصَارِ === وقوله في الحديث: "ثم نسكت" بظاهره يخالف ما في مسلم من حديث عبد الله بن معقل، حدثني كعب بن عجرة، وفيه: "قال له: هل عندك نسك؟ ، قال: ما أقدر عليه"، وفي رواية عنده: "أتجد شاة؟ فقلت: لا"، ويمكن الجواب عنه أنه إذ ذاك حين سأله رسول الله ﷺ لم يكن واجدًا للشاة، ثم بعد ذلك حصلت له وقدر عليها، فذبحها، والله أعلم. ١٨٦١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة في هذه القصة)، أي في قصة كعب بن عجرة، (وزاد: أيَّ ذلك فعلت أجزأ عنك). هذا الحديث مذكور في حاشية بعض النسخ من المكتوبة والمجتبائية والقادرية ونسخة "العون" (١)، لم يذكر في غيرها، وكتب في آخر هذا الحديث: وذكر هذا الحديث في "الأطراف" (٢)، وعزاه إلى أبي داود، ثم قال: حديث القعنبي في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة، ولم يذكره أبو القاسم، انتهى. (٤٢) (بَابُ الإحْصَارِ) (٣)

стр. 4211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الإحصار في اللغة (١): هو المنع، والمُحْصَر: هو الممنوع، وفي عرف

стр. 4212

١٨٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ, حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو الأَنْصَارِىَّ === الشرع: هو اسم لمن أحرم، ثم مُنِعَ عن المضي في موجب الإحرام، سواء كان المنع من العدو، أو المرض، أو الحبس، أو الكسر، أو العرج، أو ذهاب النفقة، أو سكون الهواء في البحر وغيرها من الموانع من إتمام ما أحرم به حقيقة أو شرعًا، وهذا عندنا. وقال الشافعي: لا إحصار إلَّا من العدو. قال العيني في "شرح البخاري" (١): اختلف العلماء في الحصر بأي شيء يكون، وبأي معنى يكون، فقال قوم - وهم عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري -: يكون الحصر بكل حابس من مرض، أو غيره: من عدو، وكسر، وذهاب نفقة ونحوها، مما يمنعه عن المضي إلى البيت، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت. وقال آخرون - وهم الليث بن سعد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق -: لا يكون الإحصار إلَّا بالعدو فقط، ولا يكون بالمرض، وهو قول عبد الله بن عمر. ١٨٦٢ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن حجاج الصواف، حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة قال: سمعت حجاج بن عمرو) بن غزية بفتح المعجمة وكسر الزاي وتشديد التحتانية (الأنصاري) المازني المدني، له صحبة، روى له الأربعة حديثًا واحدًا، قد صرح بسماعه من النبي ﷺ في الحديث الذي أخرجوه له في الحج، وذكره بعضهم في التابعين، منهم: العجلي وابن البرقي، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة، ويقال: الحجاج بن أبي الحجاج، وهو الذي ضرب مروان بن الحكم يوم الدار فأسقطه، وقال أبو نعيم: شهد مع علي ﵁ صفِّينَ.

стр. 4213

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ === (قال: قال رسول (١) الله ﷺ : من كُسِرَ) بضم الكاف وكسر السين (أو عَرَج) بفتح المهملة والراء، أي: أصابه شيء في رجله وليس بخلقة، فإذا كان خلقة قيل: "عَرِج" بكسر الراء (فقد حل) أي: جاز له أن يحل بغير دم، وهو كقول النبي ﷺ : "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم" (٢)، ومعناه: أي حل له الإفطار، فكذا ها هنا معناه يجوز له أن يحل. أما دليل جوازه فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣)، وفيه إضمار، ومعناه - والله أعلم -: فإن أُحْصِرْتم عن إتمام الحج والعمرة، وأردتم أن تحلوا فاذبحوا ما تيسر من الهدي، إذ الإحصار نفسه لا يوجب الهدي. ألا ترى أن له أن لا يتحلل ويبقى محرمًا كما كان، إلى أن يزول المانع فيمضي في موجب الإحرام، وهو كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ (٤)، معناه: فحلق ففدية، وإلا فكون الأذى في رأسه لا يوجب الفدية، وكذا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥)، معناه: فأفطر فعدة من أيام أخر، وإلَّا فنفس المرض والسفر لا يوجب الصوم في عدة من أيام أخر. وكذا قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٦)، معناه: فأكل فلا إثم عليه، وإلَّا فنفس الاضطرار لا يوجب الإثم، كذا ها هنا، قاله [صاحب] "البدائع" (٧).

стр. 4214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال الشوكاني (١): تمسك بظاهر هذا أبو ثور وداود فقالا: إنه يحل في مكانه بنفس الكسر والعرج، وأجمع بقية العلماء على أنه يحل من كسر أو عرج، ولكن اختلفوا فيما به يحل، وعلام يُحمَل هذا الحديث؟ فقال أصحاب الشافعي: إنه يُحمَل على ما إذا اشترط التحلل به، فإذا وجد الشرط صار حلالًا, ولا يلزم الدم، وقال مالك وغيره: يحل بالطواف بالبيت، لا يحله غيره، ومن خالفه من الكوفيين [يقول]: يحل بالنية والذبح والحلق، انتهى. ثم قد اختلف الحنفية والشافعية في الإحصار، فقالت الحنفية: الإحصار يتحقق من كل ما يمنعه من المضي في موجب الإحرام، وقالت الشوافع: لا بد للإحصار من العدو. ووجه قول الشافعي: أن آية الإحصار نزلت في أصحاب رسول الله ﷺ حين أُحْصِروا من العدو، وفي آخر الآية دليل عليه، وهو قوله : ﴿فَإذَآ أَمِنتُمْ﴾، والأمان من العدو يكون، وروي عن ابن عباس وابن عمر: "لا حصر إلا من عدو". ولنا عموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرتمُ﴾، والإحصار: هو المنع، والمنع كما يكون من العدو يكون من المرض وغيره، والعبرة بعموم اللفظ عندنا لا بخصوص السبب. وأما قوله تعالى: ﴿فَإذَآ أَمِنتُمْ﴾، فالجواب عنه بالوجهين، أحدهما: أن الأمن كما يكون من العدو يكون من زوال المرض، كما قال النبي ﷺ : "الزكام أمان من الجذام"، ولأنه إذا زال مرض الإنسان أمن الموت منه. والثاني: أن هذا يدل على أن المُحصَرَ من العدو مراد من الآية الشريفة، وهذا لا ينفي كونَ المحصَر من المرض مرادًا منها. وما روي عن ابن عباس وابن عمر ﵄ أنه إن ثبت

стр. 4215

وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ". قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عن ذَلِكَ فَقَالَا: صَدَقَ. [ت ٩٤٠، جه ٣٠٧٧، ن ٢٨٦٠، حم ٣/ ٤٥٠، دي ١٨٩٤] === فلا يجوز أن يُنْسَخ به مطلقُ الكتاب، كيف وأنه لا يرى نسخ الكتاب بالسنَّة؟ ! ملخص ما في "البدائع" (١). (وعليه الحج من قابل) (٢)، قال في "البدائع" (٣): وأما وجوب قضاء ما أحرم به بعد التحلل، فجملة الكلام فيه أن المُحْصَر لا يخلو إما إن كان أحرم بالحجة، وإما إن كان أحرم بالعمرة لا غير، وإما إن كان أحرم بهما بأن كان قارنًا، فإن كان أحرم بالحجة لا غير، فإن بقي وقت الحج عند زوال الإحصار، وأراد أن يحج من عامه ذلك أحرم وحَجَّ، وليس عليه نية القضاء ولا عمرة عليه، كذا ذكره محمد في "الأصل" (٤). وذكر ابن أبي مالك، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: وعليه دم لرفض الإحرام الأول، وإن تحولت السنَّة فعليه قضاء حجة وعمرة، ولا تسقط عنه تلك الحجة إلَّا بنية القضاء. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن عليه قضاء حجة وعمرة في الوجهين جميعًا، وعليه نية القضاء فيهما، وهو قول زفر، وقال الشافعي: عليه قضاء حجة لا غير. (قال عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك) الحديث (فقالا: صدق)، قال الشوكاني: حديث الحجاج بن عمرو سكت عنه أبو داود

стр. 4216

١٨٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِىُّ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ, عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كُسِرَ (١) أَوْ عَرِجَ أَوْ مَرِضَ» , فَذَكَرَ مَعْنَاهُ (٢). [جه ٣٠٧٨، وانظر سابقه] ١٨٦٤ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَاضِرٍ الْحِمْيَرِىَّ === والمنذري، وحسنه الترمذي، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة والحاكم والبيهقي، انتهى. قلت: وأخرجه ابن ماجه والنسائي أيضًا، وقال الحاكم في "المستدرك" (٣) والذهبي في "تلخيصه": صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه (٤)، انتهى. ١٨٦٣ - (حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، نا عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: من كسر أو عرج أو مرض، فذكر معناه)، أي: معنى الحديث المتقدم. قلت في هذا السياق زيادتان: زيادة في السند، وزيادة في المتن، أما الزيادة في السند فهي زيادة عبد الله بن رافع بين عكرمة والحجاج، وهو من المزيد في متصل الأسانيد، والزيادة في المتن زيادة "أو مرض". ١٨٦٤ - (حدثنا النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر الحميري) هو عثمان بن حاضر

стр. 4217

يُحَدِّثُ أَبِى: مَيْمُونَ بْنَ مِهْرَانَ قَالَ: "خَرَجْتُ مُعْتَمِرًا عَامَ حَاصَرَ أَهْلُ الشَّامِ ابْنَ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ, وَبَعَثَ مَعِى رِجَالٌ مِنْ قَوْمِى بِهَدْىٍ, فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ مَنَعُونَا أَنْ نَدْخُلَ الْحَرَمَ, فَنَحَرْتُ الْهَدْىَ مَكَانِى ثُمَّ أَحْلَلْتُ, ثُمَّ رَجَعْتُ, فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ خَرَجْتُ لأَقْضِىَ عُمْرَتِى, فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ, فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: أَبْدِلِ الْهَدْىَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُبْدِّلُوا الْهَدْىَ الَّذِى نَحَرُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِى عُمْرَةِ الْقَضَاءِ". === الحميري، ويقال: الأزدي، أبو حاضر القاصّ، وقال عبد الرزاق: عثمان بن أبي حاضر، قال في "التقريب": هو وهم. قال أبو زرعة: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحاكم: شيخ من أهل اليمن، مقبول صدوق، وقال ابن حزم في "المحلى": أبو حاضر الأزدي مجهول. (يحدث أبي: ميمون بن مهران) بدل من أبي، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو ميمون بن مهران (قال) أبو حاضر: (خرجت معتمرًا عام حَاصَرَ أهلُ الشام) أي: الحجاج وعسكره (ابنَ الزبير) عبدَ الله (بمكة، وبعث معي رجال من قومي بهدي، فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرمَ، فنحرت الهديَ مكاني) أي: في المكان الذي أُحْصِرْتُ فيه (ثم أحللت ثم رجعت). (فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي) التي فاتتني (فأتيت ابن عباس فسألته فقال: أَبدِلِ الهديَ؛ فإن رسول الله ﷺ أمر أصحابه) أي بعض أصحابه، والمراد بهم الذين ذبحوا هداياهم خارج الحرم (أن يبدلوا (١) الهدي الذي نحروا) خارج الحرم (عام الحديبية في عمرة القضاء) متعلق بأَمَرَهم، يعني أمرهم بأن ينحروا بدل ما نحروا في السنة المتقدمة لعدم إجزاء الأول بعدم وقوعه في الحرم.

стр. 4218

(٤٣) بَابُ دُخُول مَكَّة ١٨٦٥ - حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ, حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ نَافِعٍ: "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ بَاتَ بِذِى طُوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ, === قال الطيبي (٢) ﵀: يستدل بهذا الحديث من يوجب القضاء على المحصر إذا حل حيث أحصر، ومن يذهب إلى أن دم الإحصار لا يذبح إلَّا في الحرم فإنهم أمرهم بالإبدال, لأنهم نحروا هداياهم في الحديبية خارج الحرم، انتهى. وفيه دلالة على أنه ﷺ ومن تبعه ذبحوا دم إحصارهم في أرض الحرم، وهو مذهب أبي حنيفة ﵀ "قاري" (٣). (٤٣) (بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ)، أي: آدابها ١٨٦٥ - (حدثنا محمد بن عبيد، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب, عن نافع: أن ابن عمر كان إذا قدم مكة بات) أي أقام ليلًا (بذي طوى) قال العيني (٤): ذو طوى مثلثة، وبتخفيفِ الواو: واد معروف بقرب مكة، وقال النووي: هو موضع بباب مكة بأسفلها في صوب طريق العمرة المعتادة ومسجد عائشة، ويُعرَف اليوم بآبار الزاهد، يصرف ولا يصرف، وقال أيضًا: إنه مقصور منون، وفي "التوضيح": هو ربض من أرباض مكة، وطاؤه مثلثة مع الصرف وعدمه والمد أيضًا، وقال السهيلي: واد بمكة في أسفلها. (حتى يُصْبِحَ) أي يدخل في الصباح (ويغتسل) ولفظ البخاري: "حتى إذا جاء

стр. 4219

ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا, وَيَذْكُرُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ". [خ ١٥٥٣، م ١٢٥٩، دي ١٩٢٧، حم ٢/ ١٦، ق ٥/ ٧١] ١٨٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ (١) الْبَرْمَكِيُّ، === ذا طوى بات به حتى يصبح، فإذا صلَّى الغداة اغتسل". (ثم يدخل مكة نهارًا). قال النووي (٢): هذا الحديث دليل لمن قال: يستحب للمحرم دخول مكة نهارًا لا ليلًا، وهو أصح الوجهين لأصحابنا. وبه قال ابن عمر وعطاء والنخعي وإسحاق بن راهويه وابن المنذر. والثاني: دخولها ليلًا ونهارًا سواء لا فضيلة لأحدهما على الآخر، وهو قول القاضي أبي الطيب والماوردي وابن الصباغ والعبدري من أصحابنا. وبه قال طاوس والثوري، وقالت عائشة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز: يستحب الدخول ليلًا وهو أفضل من النهار، والله أعلم. وفي "لباب المناسك" (٣): ولا بأس بدخوله (٤) ليلًا ونهارًا، ولكن دخوله نهارًا أفضل، وفي "فتاوى قاضي خان": المستحب أن يدخلها نهارًا لما كان ابن عمر ﵁ لا يقدم مكة، الحديث. (وبذكر عن النبي ﷺ أنه فعله) أي المبيت بذي طوى، والاغتسال، ثم دخول مكة نهارًا، قال الحافظ في "الفتح" (٥): قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية، وقال أكثرهم: يجزئ منه الوضوء، وقال الشافعية: إن عجز عن الغسل تيمَّم. ١٨٦٦ - (حدثنا عبد الله بن جعفر) بن يحيى بن خالد بن برمك (البرمكي) أبو محمد البصري، نشأ بالبصرة، ثم سكن بغداد، ذكره ابن حبان في

стр. 4220

حَدَّثَنَا مَعْنٌ, عَنْ مَالِكٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَابْنُ حَنْبَلٍ, عَنْ يَحْيَى. (ح): وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (١) , عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا (٢) , وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى === "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث، وقال الدارقطني: ثقة، وقال ابن خنزابة: صدوق، وقال مسلمة: ثقة. (نا معن) بن عيسى، (عن مالك، ح: وحدثنا مسدد وابن حنبل، عن يحيى) القطان، (ح: وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، أنا أبو أسامة) جميعًا، كما في نسخة، أي يحيى القطان وأبو أسامة يرويان مجتمعين (عن عبيد الله) كلاهما أي مالك بن أنس وعبيد الله يرويان (عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان يدخل مكة من الثنية العليا). قال الحافظ (٣): كل عقبة في جبل أو طريق عال فيه تسمى ثنية، والمراد بها كَداء بفتح الكاف والمد، قال أبو عبيد: لا يصرف، وهذه الثنية هي التي ينزل منها إلى المُعَلَّى مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها: الحَجُون، بفتح المهملة وضم الجيم، وكانت صعبة المرتقى، فسهَّلها معاوية، ثم عبد الملك، ثم المهدي على ما ذكره الأزرقي، ثم سهل في عصرنا هذا منها سنة إحدى عشرة وثمان مائة موضع، ثم سُهِّلت كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيد في حدود عشرين وثمان مائة، انتهى. (وبخرج من الثنية السفلى) وهي كُدى بضم الكاف مقصور، وهي عند باب شبيكة بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان، وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السابع.

стр. 4221

زَادَ الْبَرْمَكِيُّ: يَعْنِي ثَنِيَّتَيْ مَكَّةَ (١) ". [خ ١٥٧٥، م ١٢٥٧، جه ٢٩٤٠، حم ٢/ ٢٩، دي ١٩٢٨] ١٨٦٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ". [خ ١٥٣٣، م ١٢٥٧, حم ٢/ ١٤٢] === قلت: وما رأيت الباب ولا أثرًا منه حين حضرتها سنة ثلاث وتسعين بعد الألف والمائتين. (زاد البرمكي: يعني ثَنِيَّتي مكة) وهذا تفسير غير مفيد؛ فإنه معلوم لكل واحد من السياق أنهما ثنيتان بمكة، وكذلك فسَّرهما البخاري في "صحيحه" بقوله: قال أبو عبد الله: كداء وكدًى موضعان، قال الحافظ (٢): وهذا التفسير غير مفيد. ١٨٦٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان يخرج) من المدينة إذا سافر إلى مكة (من طريق الشجرة) أي الشجرة التي كانت بذي الحليفة (ويدخل من طريق المعرَّس) بالضم، ثم الفتح، وتشديد الراء، وفتحها: مسجد ذي الحليفة على ستة أميال من المدينة، كان رسول الله ﷺ يُعَرِّسُ فيه ثم يرحل لغزوة أو غيرها. كذا في "المعجم" (٣). فمطابقة هذا الحديث بالباب: أن هذا الحديث والحديث المتقدم واحد، أخرجه مسلم في "صحيحه" من طريق عبد الله بن نمير بهذا السند فجعلهما حديثًا واحدًا، وأما أبو داود المؤلف أو شيخه عثمان فقطعه وجعله حديثين.

стр. 4222

١٨٦٨ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ, وَدَخَلَ فِى الْعُمْرَةِ مِنْ كُدًى, === ١٨٦٨ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا أبو أسامة، نا هشام بن عروة، عن أبيه) عروة، (عن عائشة قالت: دخل رسول الله ﷺ ) مكة (عام الفتح) أي فتح مكة (من كداء من أعلى مكة، ودخل) مكة (في العمرة من كدىً). قال ابن القيم في "زاد المعاد" (١): وكان في العمرة يدخل من أسفلها، انتهى. ولكن قال العيني (٢) في شرح هذا الحديث حديث عائشة: وفيه استحباب الدخول إلى مكة من الثنية العليا، والخروج من السفلى، سواء فيه الحاج والمعتمر، ومن دخلها بغير إحرام، انتهى. قلت: هذا الحديث رواه الجماعة إلَّا الترمذي، وليس فيه ما زاد أبو داود من قوله: "ودخل في العمرة من كدىً"، وقد أخرج البيهقي (٣) هذا الحديث من طريق هارون بن عبد الله البزاز، ثنا أبو أسامة، قال: وحدثنا القاسم، ثنا أبو كريب، ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن النبي ﷺ دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة، وخرج في العمرة من كدًى، قال هشام: فكان أبي يدخل منهما كلاهما، قال: وكان أبي كثيرًا ما يدخل من كُدًى. لفظ القاسم: وقالوا: ودخل في العمرة من كُدًى، وكان عروة يدخل منهما جميعًا، وكان أكثر ما يدخل من كُدًى، وكان أقربهما إلى منزله". رواه البخاري في "الصحيح" عن محمود، عن أبي أسامة، وقال في متنه: "ودخل عام الفتح من كداء، وخرج من كُدًى من أعلى مكة"، ورواه مسلم

стр. 4223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === عن أبي كريب، وقال في متنه: "دخل عام الفتح من كداء، ولم يذكر العمرة"، وذكر قول هشام. ففي تخريج البيهقي هذا التصريحَ بأن ما وقع في رواية أبي داود من قوله: "ودخل في العمرة من كدىً" غير معتمد. وحاصله أن هذا الحديث فيه جزآن: أولهما: دخل عام الفتح من كداء، وهذا الجزء الأول متفق عليه، ليس فيه شائبة اختلاف، والجزء الثاني فوقع فيه اختلاف كثير، أما أبو داود فقال: "ودخل في العمرة من كدىً"، وخالفه البخاري فقال: "وخرج من كُدًى من أعلى مكة"، فخالف في ثلاثة أمور: أولها: أن البخاري قال: "خرج" بدل "دخل"، وثانيها: أنه ترك ذكر العمرة، وثالثها: قال: من كدىً من أعلى مكة، فكون كدىً من أعلى مكة وَهْمًا من أبي أسامة. قال الحافظ (١): كذا رواه أبو أسامة فقلَّبه، والصواب ما رواه عمرو وحاتم، عن هشام: "دخل من كداء من أعلى مكة". ويمكن توجيهه أن قوله: "من أعلى مكة"، بيان وتفسير للفظ "كداء"، كان في الجزء الأول تأخر عن محله لعدم التباسه بالشهرة. وأما مسلم فأخرج هذا الحديث في "صحيحه" من حديث أبي كريب، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة"، قال هشام: "وكان أبي يدخل"، الحديث. فخالف مسلم أبا داود في أنه لم يذكر الجزء الثاني من الحديث، ولا ذكر العمرة، فلعله فعل ذلك لما وقع فيها من الاختلاف والاضطراب. ثم أخرجه البيهقي بطريقين: أحدهما من طريق هارون بن عبد الله،

стр. 4224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === عن أبي أسامة، وهو طريق أبي داود أيضًا، فلفظ سياقه: "وخرج في العمرة من كدىً"، وهذا مخالف صريح لسياق أبي داود، فإن فيه: "دخل في العمرة". وثانيهما من طريق القاسم، عن أبي كريب، عن أبي أسامة، ولفظ هذا السياق: "وقالوا: ودخل في العمرة من كدىً"، وهذا السياق موافق لسياق أبي داود، ولكنه زاد لفظ: "وقالوا"، ليدل على أن هذا اللفظ قائلوه مجهولون (١)، فهذا كله يدل على أن هذا اللفظ غير معتمد، والله أعلم.

стр. 4225

وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ مِنْهُمَا جَمِيعًا, وأَكْثَرُ مَا كَانَ يَدْخُلُ مِنْ كُدًى, وَكَانَ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ". [خ ١٥٧٨، م ١٢٥٨، حم ٦/ ٥٨] ١٨٦٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا, وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا". [خ ١٥٧٧، م ١٢٥٨، ت ٨٥٣، ق ٥/ ٧١] (٤٤) بابٌ: في رَفْعِ الْيَدِ (١) إِذَا رَأَى الْبَيْت ١٨٧٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُمْ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, سَمِعْتُ أَبَا قَزَعَةَ === (وكان عروة يدخل) مكة (منهما جميعًا) أي من كَداء من أعلى مكة مرة، وأخرى من كُديً من أسفل مكة (وأكثر ما كان يدخل) مكة (من كدىً) من أسفل مكة (وكان) كدىً (أقربهما) أي الثنيتين (إلي منزله)؛ لأن منزله كان مما يلي هذه الثنية. ١٨٦٩ - (حدثنا ابن المثنى، نا سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا دخل مكة دخل من أعلاها) من طريق الحجون (وخرج من أسفلها) أي من طريق شبيكة. (٤٤) (بابٌ: في رَفْعِ الْيَدِ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ) ، هل هو مشروع أم لا؟ ١٨٧٠ - (حدثنا يحيى بن معين، أن محمد بن جعفر حدثهم، نا شعبة، سمعت أبا قزعة) سويد مصغرًا، ابن حجير بتقديم الحاء المهملة مصغرًا، ابن بيان الباهلي البصري، عن أحمد: من الثقات، وقال ابن المديني وأبو داود والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال أبو بكر البزار في "السنن": ليس به بأس.

стр. 4226

يُحَدِّثُ عَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّىِّ قَالَ: "سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ يَرَى الْبَيْتَ يَرْفَعُ (١) يَدَيْهِ؟ فَقَالَ (٢): مَا كُنْتُ أَرَى أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا إلَّا الْيَهُودَ, قَدْ (٣) حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ" (٤). [ت ٨٥٥، ن ٢٨٩٥، دي ١٩٢٠، خزيمة ٢٧٠٤، ق ٥/ ٧٣] === (يحدث عن المهاجر المكي) هو مهاجر بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشي المخزومي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: قال أبو حاتم في "العلل": لا أعلم أحدًا روى عن المهاجر بن عكرمة غير يحيى بن أبي كثير، والمهاجر ليس بالمشهور، وقال الخطابي: ضَعَّف الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق حديث مهاجر في رفع اليدين عند رؤية البيت؛ لأن مهاجرًا عندهم ضعيف. (قال: سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت يرفع يديه؟ ) بتقدير همزة الاستفهام، أي: هل يرفع يديه أم لا؟ أو يقال: تقديره: يرى البيت فيرفع يديه، وجملة السؤال محذوف، أي: هل هو مشروع أم لا؟ (فقال) جابر: (ما كنت أرى أحدًا يفعل هذا) أي يرفع يديه عند رؤية البيت (إلَّا اليهود) فإنهم إذا رأوا بيت المقدس رفعوا أيديهم. وقال السندي (٥) في حاشية النسائي: قوله: "يفعل هذا": أي الرفع في غير محله، أو الرفع عند رؤية البيت، وذلك لأن اليهود أعداء البيت، فإذا رأوه رفعوا أيديهم لهدمه وتحقيره، وليس المراد أن اليهود يزورونه ويرفعون الأيدي عنده بذلك، والله أعلم، انتهى. (قد حججنا مع رسول الله ﷺ فلم يكن) رسول الله ﷺ (يفعله) أي رفع اليدين عند رؤية البيت.

стр. 4227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال القاري (١): قال الطيبي ﵀: وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي - رحمهم الله تعالى -، خلافًا لأحمد وسفيان الثوري - رحمهما الله تعالى -، وهو غير صحيح (٢) عن أبي حنيفة والشافعي أيضًا؛ فإنهم صرحوا أنه يسن إذا رأى البيت، أو وصل لمحل يرى منه البيت إن لم يره لعمى أو لظلمة: أن يقف ويدعو رافعًا يديه. قلت: رجَّح القاري ها هنا في "شرح المشكاة" الرفعَ، ورجح في "شرح اللباب" (٣) عدمَ الرفع في شرح قوله: "ولا يرفع يديه عند رؤية البيت": ولو حال دعائه، لعدم ذكره في المشاهير من كتب الأصحاب: "القدوري"، و"الهداية"، و"الكافي"، و"البدائع"، بل قال السروجي: المذهب تركه، وبه صرح صاحب "اللباب"، وكلام الطحاوي في "شرح معاني الآثار" صريح أنه يكره الرفع عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، ونقل عن جابر ﵁ أن ذلك من فعل اليهود. ثم قال الماتن: (وقيل: يرفع) أي يديه، كما ذكره الكرماني، وسمَّاه البصروي مستحبًا، وكأنهما اعتمدا على مطلق آداب الدعاء، ولكن السنَّة متبعة في الأحوال المختلفة، أما ترى أنه ﷺ دعا في الطواف، ولم يرفع يديه حينئذ؟ وأما ما يفعله بعض العوام من رفع اليدين في الدعاء (٤) عند دعاء جماعة من أئمة الشافعية والحنفية بعد الصلاة فلا وجه له، ولا عبرة بما جوَّزه ابن حجر المكي، وقد بلغني أن العلامة البرهمطوشي كان يزجر من يرفع يديه حال الطواف.

стр. 4228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال الشوكاني في "النيل" (١): حديث جابر، قال الترمذي: إنما نعرفه من حديث شعبة، وذكر الخطابي: أن سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ضعفوا حديث جابر هذا؛ لأن في إسناده مهاجر بن عكرمة المكي، وهو ضعيف (٢) عندهم. ثم قال: قال الشافعي بعد ما أورد حديث ابن جريج: ليس في رفع اليدين عند رؤية البيت (٣) شيء، فلا أكرهه ولا أستحبُّه. قال البيهقي (٤): فكأنه لم يعتمد على الحديث (٥) لانقطاعه. والحاصل: أنه ليس في الباب ما يدل على مشروعية رفع اليدين عند رؤية البيت، وهو حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل، انتهى. وقال البيهقي في "سننه" في "باب رفع اليدين إذا رأى البيت" بعد تخريج أحاديث الرفع وعدمِه: قال الشيخ: الأول مع إرساله أشهر عند أهل العلم من حديث مهاجر، وله شواهد وإن كانت مرسلة، والقول في مثل هذا قول من رأى وأثبت، انتهى. قال القاري (٦) بعد ما نقل القول المتقدم للبيهقي: أقول: الجمع بينهما بأن يحمل الإثباتُ على أول رؤية، والنفيُ على كل مرة. قلت: ويمكن أن يقال في توجيه الجمع بينهما: إن الإثبات راجع إلى رفع اليدين في الدعاء ببسط اليدين ورفعِهما إلى الصدر، وأما ترك الرفع فراجع إلى

стр. 4229

١٨٧١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, حَدَّثَنَا سلَّام بْنُ مِسْكِينٍ, حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِىُّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الأَنْصَارِىِّ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ (١) خَلْفَ الْمَقَامِ يَعْنِى يَوْمَ الْفَتْحِ". [م ١٧٨٠] === الرفع الذي يكون لتعظيم البيت، مثل رفع اليدين في التحريمة إلى الآذان، والله تعالى أعلم. ١٨٧١ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا سلام بن مسكين) بن ربيعة الأزدي النمري، أبو روح البصري، قال أبو داود: سلام لقب، واسمه: سليمان، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: من الثقات، وعن ابن معين: ثقة صالح، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: لا بأس به، وقال أبو داود: كان يذهب إلى القدر، ونقل ابن خلفون عن ابن نمير وأحمد بن صالح توثيقَه. (نا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ لما دخل مكة طاف بالبيت، وصلَّى ركعتين خلف المقام) أي مقام إبراهيم ﵇، وهو الحجر الذي رفع قواعد البيت قائمًا عليه. (يعني يومَ الفتح) هذا الحديث والحديث الآتي حديث واحد اختصره في الأول، وطوَّله في الثاني. وقد أخرجه مسلم في "صحيحه" والطيالسي في "مسنده" (٢) أطول من هذا, ولفظ الطيالسي: "ودخل رسول الله ﷺ فبدأ بالحجر فاستلمه، ثم طاف سبعًا، وصلَّى خلف المقام ركعتين، ثم جاء ومعه قوس أخذ بِسِيَتِها (٣)، فجعل يطعن بها في عين صنم من أصنامهم، وهو

стр. 4230

١٨٧٢ - حَدَّثَنَا (١) ابْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَهَاشِمٌ - يَعْنِى ابْنَ الْقَاسِمِ - قَالَا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: "أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ مَكَّةَ, فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ, === يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٢)، ثم انطلق حتى أتى الصفا فعلا منه حتى يرى البيت". ولفظ مسلم (٣): "فلما فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو". ومناسبة الحديث بالباب غير ظاهرة، إلَّا أن يقال: إن رسول الله ﷺ لما دخل مكة ابتدأ بطواف البيت، فبهذا يستدل على أنه لم يرفع يديه عند رؤيته ولو كان لَذُكِرَ. ١٨٧٢ - (حدثنا ابن حنبل، نا بهز بن أسد وهاشم - يعني ابن القاسم -) أبو الأسود، البصري، قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت، وعن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث حجة، ووثقه يحيى بن سعيد والعجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو الفتح الأزدي: صدوق كان يتحامل على عثمان، سيِّئ المذهب. (قالا: نا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة قال: أقبل رسول الله ﷺ ) من المدينة إلى مكة (فدخل مكة، فأقبل رسول الله ﷺ إلى الحجر) الأسود (فاستلمه) والاستلام هو تقبيله ولمسه إن أمكن، وإلَّا فالوقوف بحياله مستقبلًا له رافعًا يديه مشيرًا بهما إليه؛ كأنه واضع يديه عليه.

стр. 4231

ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ, ثُمَّ أَتَى الصَّفَا فَعَلَاهُ حَيْثُ يَنْظُرُ إِلَى الْبَيْتِ, فَرَفَعَ يَدَيْهِ, فَجَعَلَ يَذْكُرُ اللَّهَ مَا شَاءَ أَنْ يَذْكُرَهُ وَيَدْعُوهُ. قَالَ: وَالأَنْصَارُ تَحْتَهُ. قَالَ هَاشِمٌ: فَدَعَا وَحَمِدَ اللَّهَ, وَدَعَا بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ". [خزيمة ٢٧٥٨، م ١٧٨٠] === (ثم طاف بالبيت، ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه، فجعل يذكر الله ما شاء أن يذكره ويدعوه). (قال) الظاهر أبو هريرة: (والأنصاب) وفي نسخة على الحاشية: والأنصار، وقد كتب في النسخة المكتوبة في متنها: والأنصاب، بالباء، وكتب في الحاشية: قوله: "والأنصاب تحته"، كذا هو في الأصل المنقول منه، وفي نسخ صحيحة: "والأنصار" بالراء، وكذا في جميع النسخ المطبوعة بالهند. وأما النسخة المطبوعة بمصر ففيها لفظ "الأنصار" في المتن، وليس فيه لفظ "الأنصاب"، فأما معنى الكلام على لفظ "الأنصاب" فكتب عن "فتح الودود": بمعنى الأحجار المنصوبة للصعود إلى الصفا، والله تعالى أعلم، انتهى. قلت: وعندي معناه أن الأنصاب هي الأصنام التي كانت على الصفا، جعلها رسول الله ﷺ تحته، وصعد فوقها لتذليلها, ولئلا يتوهم تعظيمها. وأما على نسخة الأنصار بالراء فمعناه ظاهر، وهو أنه ﷺ علا على الصفا، والأنصار اجتمعوا تحته في الوادي ليكلمهم ويسمعوا صوته ﷺ ,لأن هذا الصعود على الصفا لم يكن للسعي بين الصفا والمروة، فإن طوافه ﷺ كان طوافًا محضًا لا للعمرة حتى يسعى بين الصفا والمروة. (تحته. قال هاشم: فدعا وحمد الله، ودعا بما شاء أن يدعو)، وهذا إشارة إلى بيان الفرق بين لفظ بهز وهاشم.

стр. 4232

(٤٥) بابٌ: في تَقْبِيلِ الْحَجَرِ ١٨٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ, أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ, عَنْ عُمَرَ ﵁: "أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ: إِنِّى أَعْلَمُ (١) أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ, === (٤٥) (بَابٌ: في تَقْبِيلِ الْحَجَرِ)، أي: الأسود ١٨٧٣ - (حدثنا محمد بن كثير، نا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم) النخعي، (عن عابس بن ربيعة) النخعي الكوفي، قال الآجري عن أبي داود: جاهلي، سمع من عمر ﵁، وقال النسائي: وقال ابن سعد: هو من مذحج، وكان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن عمر ﵁: أنه) أي عمر (جاء إلى الحجر فقبَّله (٢) فقال) عمر: (إني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر)، قال الحافظ (٣): وكأنه لم يثبت عنده فيه على شرطه شيء غير ذلك، وقد وردت فيه أحاديث: منها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة" الحديث، أخرجه أحمد والترمذي، وصححه ابن حبان، وفي إسناده رجاء أبو يحيى وهو ضعيف. ومنها: حديث ابن عباس مرفوعًا: "نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن فسوَّدته (٤) خطايا بني آدم"، أخرجه الترمذي وصححه، وفيه عطاء بن السائب وهو من المختلطين.

стр. 4233

وَلَوْلَا أَنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ (١) مَا (٢) قَبَّلْتُكَ". [خ ١٥٩٧، م ١٢٧٠، ن ٢٩٣٧، ت ٨٦٠، جه ٢٩٤٣، حم ١/ ٢٦] === ومنها: ما في "صحيح ابن خزيمة" عن ابن عباس مرفوعًا: "إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحقه"، وصححه أيضًا ابن حبان والحاكم، وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم أيضًا. ثم قال الحافظ: وقد روى الحاكم (٣) من حديث أبي سعيد: أن عمر ﵁ لما قال هذا، قال له علي ابن أبي طالب: إنه يضر وينفع، وذكر أن الله لما أخذ المواثيق على ولد آدم، كتب ذلك في رق وألقمه الحجر، قال: وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود، وله لسان ذلق يشهد لمن استلمه بالتوحيد". وفي إسناده أبو هارون العبدي وهو ضعيف جدًا. قال الطبري: إنما قال ذلك عمر؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر ﵁ أن يظن الجهالُ أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار، كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، فأراد عمر ﵁ أن يعلم الناس أن استلامه اتباعٌ لفعل رسول الله ﷺ ، لا لأن الحجر ينفع ويضر بذاته كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان. (ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك)، قال الحافظ: وفي قول

стр. 4234

(٤٦) بَابُ اسْتِلَامِ الأَرْكَانِ ١٨٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ, حَدَّثَنَا لَيْثٌ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ (١) مِنَ الْبَيْتِ إلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ". [م ١٢٦٧، ن ٢٩٤٩، حم ٢/ ١٢٠، ق ٥/ ٧٦] === عمر ﵁ هذا التسليمُ للشارع في أمور الدين، وحسنُ الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي ﷺ فيما يفعله، ولو لم يعلم الحكمة فيه، وفيه دفْعٌ لما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصة ترحمع إلى ذاته، وأن الإِمام إذا خشي على أحد من فعله فساد اعتقاد أن يبادر إلى بيان الأمر ويوضح ذلك. (٤٦) (بَابُ اسْتِلَامِ الأرْكَان) والركن هو الجانب، والمراد ههنا هو ملتقى الجدارين من الخارج، والبيت له أربعة أركان: الركن الأسود، والركن اليماني، ويقال لهما: اليمانيان تغليبًا، والركن الشامي، والركن العراقي، ويقال لهما: الشاميان. فأما الركن الأسود (٢) فَيُقَبَّل ويُسْتَلَم، والركن اليمانى لا يقبل بل يمسُّ فقط. وأما الركنان الباقيان فلا يقبَّلان ولا يمسَّان؛ لأن البيت غير متمم على قواعد إبراهيم، فهذان الركنان ليسا على ركنيتهما بل هما وسط الجدار الشرقي والغربي. ١٨٧٤ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا ليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر قال: لم أر رسول الله ﷺ يمسح من البيت إلَّا الركنين اليمانيين)، وقد ثبت من قول ابن عمر: إنما ترك رسول الله ﷺ استلام الركنين

стр. 4235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الشاميين؛ لأن البيت ليس على قواعد إبراهيم، وقد وقع الاختلاف بين ابن عباس ومعاوية ﵃، فكان معاوية يستلم الأركان كلها، ويقول: ليس شيء من البيت مهجورًا، فقال له ابن عباس: لا يستلم هذان الركنان، يعني الشاميين. وأجاب (١) الشافعي عن قول من قال: ليس شيء من البيت مهجورًا: بأنا لم ندع استلامهما هجرًا للبيت، وكيف يهجره وهو يطوف به، ولكنا نتبع السنَّة فعلًا أو تركًا، فلو كان ترك استلامهما هجرًا لهما فكان ترك استلام ما بين الأركان هجرًا لها, ولا قائل به. (فائدة): في البيت أربعة أركان: الأول له فضيلتان: كونُ الحجر الأسود فيه، وكونُه على قواعد إبراهيم، وللثاني الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منهما؛ فلذلك يقبَّل الأول ويستلم الثاني فقط، ولا يقبَّل الآخران ولا يستلمان، هذا على رأي الجمهور، واستحب بعضهم تقبيل الركن اليماني أيضًا. (فائدة أخرى): استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الأركان جوازَ تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمي وغيره، فأما تقبيل يد الآدمي فيأتي في "كتاب الأدب". وأما غيره فنُقِلَ عن الإِمام أحمد: أنه سئل عن تقبيل منبر النبي ﷺ وتقبيل قبره فلم ير به بأسًا، واستبعد بعض أتباعه صحة ذلك، وَنُقِلَ عن ابن أبي الصيف اليماني أحدِ علماءِ مكة من الشافعية جوازُ تقبيل المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين، وبالله التوفيق، انتهى ملخصًا من كلام "الفتح" (٢).

стр. 4236

١٨٧٥ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ (١) , حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ سَالِمٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّهُ أُخْبِرَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ: إِنَّ الْحَجَرَ بَعْضُهُ مِنَ الْبَيْتِ, فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَاللَّهِ - إِنِّى لأَظُنُّ عَائِشَةَ إِنْ كَانَتْ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , إِنِّى لأَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَتْرُكِ اسْتِلَامَهُمَا إلَّا أَنَّهُمَا لَيْسَا عَلَى قَوَاعِدِ الْبَيْتِ, وَلَا طَافَ النَّاسُ === قلت: تقبيل قبور الصالحين يشتبه بالسجدة خصوصًا للجهال العوام، فإذا فعل ذلك أحد من العلماء يُغري الجهال على السجود، فيكون ذريعة إلى فساد اعتقادهم فلا يجوز ذلك، وأيضًا نقل الشامي في حاشيته (٢) عل "الدر المختار" عن "الفتح": ويكره النوم عند القبر، وقضاء الحاجة، بل أولى، وكل ما لم يعهد من السنة، والمعهود منها ليس إلا زيارتها والدعاء عندها قائمًا، فهذه القاعدة الكلية تنفي جواز تقبيل القبر لأنه ليس مما عهد في السنَّة. ١٨٧٥ - (حدثنا خالد بن خالد، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: أنه) أي عبد الله بن عمر (أخبر) بصيغة الماضي المجهول، أي: لم يسمع قولها، بل أخبره مخبر عنها، (بقول عائشة: إن الحِجر) وهو بالكسر اسم للحائط المقوَّس إلى جانب الكعبة الغربي، مفصول عن البيت بفرجتين: فرجة إلى الجانب الشرقي وفرجة إلى الجانب الغربي، وحكي فتح الحاء، وكله من البيت أو ستة أذرع أو أربعة أذرع، أقوال. (بعضه من البيت، فقال ابن عمر) ﵁: (والله إني لأظن) أي أتيقن (عائشة) ﵂ (إن كانت) إن مخففة من المثقلة، أي: إنها كانت (سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، إني لأظن) أن (رسول الله ﷺ لم يترك استلامَهما) أي الركنين الشاميين (إلَّا أنهما) أي الركنين (ليسا على قواعد البيت) بل اقتصر البيت عن قواعده لقلة النفقة (ولا طاف الناس

стр. 4237

وَراءَ الْحِجْرِ إِلَّا لِذَلِكَ". [٥/ ٨٩] ١٨٧٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِى رَوَّادٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِىَّ وَالْحَجَرَ (١) فِى كُلِّ طَوْافِهِ, قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ". [ن ٢٩٤٧، حم ٢/ ١٨ - ١٥٢] (٤٧) بَابُ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ ١٨٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، === وراء الحجر) (٢) أي الحطيم (إلَّا لذلك) أي لأن البيت قد قصر عن قواعده، والحِجْر داخل فيه. ١٨٧٦ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ لا يدع) أي لا يترك (أن يستلم الركن اليماني والحجر) أي استلام الركن اليماني وركن الحجر (في كل) شوط من (طوافه) بل يستلمهما في كل شوط من طوافه، وفي نسخة: في كل طوفة، أي في كل شوط (قال: وكان عبد الله بن عمر يفعله). (٤٧) (بَابُ الطَّوَافِ (٣) الْوَاجِبِ) الفرض، والمراد منه طواف الزيارة، أي: هل يجوز راكبًا أم لا؟ ١٨٧٧ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني يونس،

стр. 4238

عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ". [خ ١٦٠٧، م ١٢٧٢، ن ٧١٣، جه ٢٩٤٨] === عن ابن شهاب، عن عبيد الله - يعني ابن عبد الله بن عتبة - عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن) وهو عصا معوج الرأس. قال الحافظ (١): زاد مسلم من حديث أبي الطفيل: "ويقبِّل المحجن". وله من حديث ابن عمر: "أنه استلم الحجر بيده، ثم قبَّله"، ورفع ذلك، ولسعيد بن منصور من طريق عطاء قال: "رأيت أبا سعيد وأبا هريرة وابن عمر وجابرًا إذا استلموا الحجو قبَّلوا أيديهم"، وبهذا قال الجمهور: إن السنَّة أن يستلم الركن، ويقبل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده، وقبَّل ذلك الشيء، فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك، وعن مالك في رواية: لا يقبل يده، وكذا قال القاسم، وفي رواية عند المالكية: يضع يده على فمه من غير تقبيل. قلت: وعندنا معشر الحنفية: وصفة الاستلام أن يضع كفيه على الحجر، ويضع فمه بين كفيه، ويقبله من غير صوت إن تيسر، وإلَّا يمسحه بالكف ويقبله، وإن لم يتيسر ذلك أمس الحجر شيئًا من عصًا ونحوها، وقبَّل ذلك الشيء إن أمكنه، وإلَّا يقف بحياله مستقبلًا له، رافعًا يديه، مشيرًا بهما إليه، كأنه واضع يديه عليه، مبسملًا، مكبرًا، مهلِّلًا، حامدًا، ومصليًا، داعيًا، وقبَّل كفيه بعد الإشارة، صرَّح به الحدادي، قال الشارح: وكذا ذكره قاضي خان وغيره. واختلفت الروايات في سبب ركوبه في الطواف، ففي رواية ابن عباس عند أبي داود: "أن رسول الله ﷺ قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته"،

стр. 4239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ووقع في حديث جابر عند مسلم: "أن النبي ﷺ طاف راكبًا (١) ليراه الناس، وليسألوه"، فيحتمل أن يكون فعل ذلك لأمرين، وحينئذ لا دلالة فيه على جواز الطواف راكبًا بغير عذر، وكلام الفقهاء يقتضي الجواز إلَّا أن المشي أولى، والركوب مكروه تنزيهًا، والذي يترجح: المنعُ. ثم قال: وأما طواف النبي ﷺ راكبًا فللحاجة إلى أخذ المناسك عنه، ولذلك عده بعض من جمع خصائصه فيها، واحتمل أيضًا أن تكون راحلته عصمت من التلويث حينئذ كرامة له فلا يقاس غيره عليه. قلت: وعندنا معشر الحنفية: المشي في الطواف للقادر عليه واجب، قال في "لباب المناسك" (٢): الرابع أي من الواجبات المشي فيه للقادر، ففي "الفتح": المشي واجب عندنا، وعلى هذا نص المشايخ وهو كلام محمد، وما في "فتاوى قاضيخان" من قوله: "والطواف ماشيًا (٣) أفضل" تساهل أو محمول على النافلة، بل ينبغي في النافلة أن يجب؛ لأنه إذا شرع فيه وجب فوجب المشي، انتهى. فلو طاف في طواف يجب المشي فيه راكبًا أو محمولًا زحفًا على استه أو على أربعته أو جنبه أو ظهره كالسطيح (٤) بلا عذر، فعليه الإعادة ما دام بمكة، أو الدم لتركه الواجب، وإن كان تركه بعذر لا شيء عليه، كما في سائر الواجبات.

стр. 4240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === (تكميل): الطواف الذي ذكر في هذا الحديث أنه ﷺ طافه راكبًا على بعير لم أر من صرَّح به بأنه أيَّ طواف كان من الأطوفة، هل هو طواف العمرة، أو طواف القدوم، أو طواف الزيارة، أو طواف الصدر؟ والظاهر أن الطواف الذي طافه راكبًا هو طواف الزيارة (١)، والله تعالى أعلم. ثم رأيت "زاد المعاد" (٢) للشيخ ابن القيم قال فيه: ثم نزل إلى المروة يمشي، فلما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا جاوز الوادي وأصعَدَ مشى، هذا الذي صَحَّ عنه، هكذا قال جابر عنه في "صحيح مسلم" (٣)، وظاهر هذا: أنه كان ماشيًا، وقد روى مسلم في "صحيحه" (٤) عن أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبين الصفا والمروة ليراه الناس وَليُشْرِف"، و"لم يطف رسول الله ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلَّا طوافًا واحدًا" (٥). قال ابن حزم: لا تعارض بينهما؛ لأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله، وانصبت قدماه أيضًا مع سائر جسده. وعندي في الجمع بينهما وجه آخر أحسنُ من هذا، وهو أنه سعى ماشيًا أولًا، ثم أتمَّ سعيَه راكبًا، وقد جاء ذلك مصرَّحًا به، ففي "صحيح مسلم" (٦) عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبًا أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنَّة، قال: صدقوا وكذبوا، قال: قلت:
следующие страницы →