← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

قال: حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ, عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّهُ كَانَ يَقُودُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَيُقِيمُهُ عِنْدَ الشُّقَّةِ الثَّالِثَةِ مِمَّا يَلِى الرُّكْنَ الَّذِى يَلِى الْحَجَرَ مِمَّا يَلِى الْبَابَ, فَيَقُولُ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُنْبِئْتَ === (قال: حدثني محمد بن عبد الله بن السائب) المخزومي، عن أبيه أنه كان يقول ابن عباس، الحديث، وعنه السائب بن عمر المخزومي، وقيل: عن السائب، عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن ابن عباس وعبد الله بن السائب، وقال أبو عاصم: عن السائب بن عمر، عن محمد بن عبد الرحمن المخزومي: كنت عند عبد الله بن السائب فأرسل إليه ابن عباس يسأله أين صلَّى رسول الله ﷺ ؟ الحديث، وفيه فقال: أصبت، قال أبو حاتم: مجهول، هكذا في "تهذيب التهذيب". (عن أبيه) أي عبد الله بن السائب (أنه) أي عبد الله بن السائب (كان يقول ابن عباس) بعد ما كف بصره في آخر عمره (فيقيمه) أي ابن عباس (عند الشقة) بضم الشين ويكسر: الناحية والقطعة (الثالثة) وصفها بكونها ثالثة، ولم أر من تعرض لبيان وجه كونها ثالثة، والذي أظن أن الجدار القبلية منقسم على ثلاث قطعات: أولهما قطعة من الركن العراقي إلى الباب، والقطعة الثانية التي فيها الباب، والقطعة الثالثة التي تسمى الملتزم، فلعله لهذا الوجه جعلها ثالثة. (مما يلي) أي يتصل (الركن الذي) صفة الركن (يلي الحجر) أي الأسود (مما يلي الباب) أي من الجانب الآخر، ومعناه من الركن إلى الباب ومن الباب إلى الركن وهو الملتزم. (فيقول له ابن عباس) أي لعبد الله بن السائب: (أُنبئتَ) بصيغة الخطاب بحذف همزة الاستفهام، فإن في رواية النسائي: "فقال ابن عباس: أما أنبئت؟ ". وفي "مسند أحمد بن حنبل" (١): "فقلت - يعني القائل ابن عباس-: لعبد الله بن السائب: إن رسول الله ﷺ كان يقوم ههنا؟ فيقول: نعم"، انتهى.

стр. 4272

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي ههُنَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُومُ فَيُصَلِّي". [ن ٢٩١٨] (٥٤) بَابُ أَمْرِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ١٩٠١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ, حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ هِشَامِ (١) , عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: "قُلْتُ لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ: أَرَأَيْتِ قول اللهِ : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، فَمَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا؟ === (أن رسول الله ﷺ كان يصلي ههنا؟ فيقول) أي عبد الله بن السائب: (نعم) أي نعم يصلي رسول الله ﷺ ههنا (فيقوم) أي ابن عباس (فيصلي) أي عند الملتزم. (٥٤) (بَابُ أَمْرِ الصَّفَا والْمَرْوَةِ) (٢) أي كيف شرع الطواف بينهما؟ ١٩٠١ - حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة، ح: وحدثنا ابن السرح، نا ابن وهب، عن مالك، عن هشام، عن أبيه) أي عروة بن الزبير (أنه قال) أي عروة: (قلت لعائشةَ زوج النبي ﷺ وأنا يومئذ حديث السنن)، أي صغير: (أرأيتِ) أي أخبريني (قول الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣) فما أرى على أحد شيئًا) لازمًا من الإثم والجناية (ألا يطوف بهما؟ ) أي بسبب ترك الطواف بهما. قال الحافظ (٤): إن عروة احتج للإباحة باقتصار الآية على رفع الجناح،

стр. 4273

قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كلَّا لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ, كَانَتْ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا, إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِى الأَنْصَارِ, كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ, وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ, وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطَّوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ, فَأَنْزَلَ اللَّه : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ". [خ ١٦٤٣، م ١٢٧٧، ن ٢٩٦٨، حم ٦/ ١٤٤] === فلو كان واجبًا لما اكتفى بذلك؛ لأن رفع الإثم علامة المباح، ويزداد المستحب بإثبات الأجر، ويزداد الوجوب عليهما بعقاب التارك. (قالت عائشة ﵂: كلا) حرف ردع، ولفظ البخاري: "قالت: بئسما قلت يا ابن أختي" (لو كان كما تقول) أي لو كان الحكم بالسعي بين الصفا والمروة كما تقول (كانت) أي الآية (فلا جناح عليه) أي على الحاج أو المعتمر (أن لا يطوف بهما). ومحصل جواب عائشة أن الآية ساكتة عن الوجوب وعدمه، مصرحة برفع الإثم عن الفاعل، وأما المباح فيحتاج إلى رفع الإثم عن التارك، والحكمة في التعبير بذلك مطابقة جواب السائلين بأنهم توهموا من كونهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية أنه لا يستمر في الإِسلام، فخرج الجواب مطابقًا لسؤالهم. ووجه نزول الآية هكذا (إنما أنزلت هذه الآية) أي: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية (في الأنصار كانوا يهلون) أي يحجون (لمناة) بفتح الميم والنون الخفيفة: صنم كان في الجاهلية، وقال ابن الكلبي: كان صخرة نصبها عمرو بن يحيى لهذيل، وكانوا يعبدونها (وكانت مناة حذو) أي مقابل (قديد) بقاف مصغرًا: قرية جامعة بين مكة والمدينة كثيرة المياه (وكانوا) أي الأنصار (يتحرجون) أي يعدونه حرجًا وإثمًا في الجاهلية (أن يطوفوا بين الصفا والمروة). (فلما جاء الإِسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك) أي عن الطواف بين الصفا والمروة (فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾)

стр. 4274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ويخالف ذلك حديثُ مسلم أخرجه من طريق أبي معاوية، عن هشام ولفظه: "إنما كان ذلك لأن الأنصار كانوا يهلُّون في الجاهلية لصنمين على شَطِّ البحر، يقال لهما: إساف ونائلة، فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلقون (١)، فلما جاء الإِسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية". ووجه الجمع بينهما على ما أشار إليه البيهقي: أن الأنصار في الجاهلية كانوا فريقين: منهم من كان يطوف بينهما، وهم الذين كانوا يُهلِّون لإساف ونائلة، وكانت إحداهما على الصفا، والأخرى على المروة، وما وقع أنهما كانا على شط البحر فإنه وهم، فإنهما ما كانا قط على شط البحر، وإنما كانا على الصفا والمروة، والتي كانت على شط البحر هي مناة، نبه على ذلك عياض (٢). ومنهم من كان لا يقربهما على ما اقتضته رواية الزهري: وهم الذين كانوا يهلون (٣) لمناة، واشترك الفريقان في الإِسلام على التوقف عن الطواف بينهما لكونه كان عندهم جميعًا من أفعال الجاهلية، فنزلت الآية في الفريقين. وذكر الواحدي: أن أهل الكتاب يزعمون أن إساف ونائلة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين، فوضعا على الصفا والمروة ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عُبدا. واختلف أهل العلم في الطواف بين الصفا والمروة على ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه ركن لا يصح الحج إلَّا به، وهو قول ابن عمر وعائشة وجابر، وبه قال الشافعي ومالك في المشهور، وأحمد (٤) في أصح الروايتين عنه، وإسحاق

стр. 4275

١٩٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى خَالِدٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى أَوْفَى: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَمَرَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ, وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ, فَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: أَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَعْبَةَ؟ قَالَ: لَا". [خ ١٧٩١، م ١٣٣٢] ١٩٠٣ - حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، أنَا إِلسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، === وأبو ثور؛ لقوله ﷺ : "اسعوا فإن الله كتب عليكم"، رواه أحمد والدارقطني والبيهقي من رواية صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجراة بإسناد حسن. والقول الثاني: أنه واجب يجبر بدم، وبه قال الثوري وأبو حنيفة ومالك في "العتبية"، كما حكاه ابن العربي. والقول الثالث: أنه ليس بركن ولا واجب بل هو سنَّة ومستحب، وهو قول ابن عباس وابن سيرين وعطاء ومجاهد وأحمد في رواية, حكاه العيني (١) عن شيخه زين الدين. ١٩٠٢ - (حدثنا مسدد، نا خالد بن عبد الله، نا إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رسول الله ﷺ اعتمر) أي عمرة القضاء (فطاف بالبيت) أي سبعًا (وصلَّى خلف المقام) أي مقام إبراهيم (ركعتين، ومعه) أي مع رسول الله ﷺ من الصحابة (من يستره من الناس) أي كفار مكة؛ لئلا يرميه أحد بشيء يؤذيه. (فقيل لعبد الله: أَدَخَلَ رسول الله ﷺ الكعبةَ) حين قدم لعمرة القضاء؟ (قال) أي عبد الله: (لا) أي لم يدخل البيت؛ لأن في ذلك الوقت كانت الأصنام فيها. ١٩٠٣ - (حدثنا تميم بن المنتصر، أنا إسحاق بن يوسف،

стр. 4276

أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِى أَوْفَى (١) بِهَذَا الْحَدِيثِ زَادَ: "ثُمَّ أَتَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ فَسَعَى بَيْنَهُمَا سَبْعًا, ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ". [جه ٢٩٩٠، حم ٤/ ٣٥٣، خزيمة ٢٧٧٥] ١٩٠٤ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ, حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ, عَنْ كَثِيرِ بْنِ جُمْهَانَ: "أَنَّ رَجُلًا === أنا شريك، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى بهذا الحديث) أي المتقدم (زاد) أي شريك: (ثم أتى الصفا والمروة فسعى بينهما سبعًا، ثم) أي بعد الفراغ من السعي (حلق رأسه). ١٩٠٤ - (حدثنا النفيلي، نا زهير، نا عطاء بن السائب، عن كثير بن جمهان) بمضمومة وسكون ميم وبنون، السلمي، ويقال: الأسلمي، أبو جعفر الكوفي، قال أبو حاتم: شيخ يُكتب حديثُه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له عندهم حديث واحد في السعي في الحج. (أن رجلًا) لم أقف على تسميته، وقد أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه هذا الحديث، فاختصره ابن ماجه، ولكن الترمذي والنسائي قال: عن كثير بن جمهان قال: رأيت ابن عمر يمشي بين الصفا والمروة، ولم يذكر السائل. وأما الترمذي فقال: عن كثير بن جمهان قال: رأيت ابن عمر يمشي (٢) في المسعى، فقلت له: أتمشي في المسعى؟ ففي الترمذي السائل هو كثير بن جمهان، ولم يذكر أحد منهم أن السائل كان رجلًا آخر غير كثير بن جمهان.

стр. 4277

قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّى أَرَاكَ تَمْشِى وَالنَّاسُ يَسْعَوْنَ؟ قَالَ: إِنْ أَمْشِ فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْشِى, وَإِنْ أَسْعَ فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى, وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ" (١). [ت ٨٦٤، ن ٢٩٧٦، جه ٢٩٨٨، حم ٢/ ٥٢] === (قال لعبد الله بن عمر بين الصفا والمروة: يا أبا عبد الرحمن! إني أراك تمشي والناس يسعون) فكيف تخالف الناس؟ (قال) أي ابن عمر: (إن أمشي) وفي نسخة: إن أمش، وهو الأوفق بالقواعد العربية، وقال السندي (٢): عومل معاملة الصحيح، أو الياء للإشباع (فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي) أي في بعض المسافة بين الصفا والمروة (وإن أسعي فقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى) أي في بعض المسافة بينهما، وهو مسافة بطن الوادي. وحاصل هذا الجواب أن رسول الله ﷺ كان يمشي بين الصفا والمروة، ويسعى فيها، فكلا الأمرين جائزان (وأنا شيخ كبير) وهذا جواب ثان على سبيل التنزل، حاصله: لو سُلِّم أن السعي سنَّة، فهذا للأقوياء القادرين على السعي، وأنا شيخ كبير ضعيف لا أقدر على السعي. قلت: السعي بين الميلين الأخضرين سنَّة، فلو تركه القادر عليه يكون مسيئًا لتركه السنَّة، ولو تركه ضعيف فلا بأس به.

стр. 4278

(٥٥) بَابُ صِفَةِ حَجَّةِ (١) النَّبِيِّ ﷺ ١٩٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ, وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ, وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيَّانِ, وَرُبَّمَا زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْكَلِمَةَ وَالشَّىْءَ, قَالُوا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ سَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَىَّ, فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ, فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِى, فَنَزَعَ زِرِّى الأَعْلَى ثُمَّ نَزَعَ زِرِّى الأَسْفَلَ, ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَىَّ, === (٥٥) (بَابُ صِفَةِ حَجَّةِ (٢) النَّبِيِّ ﷺ )، أي: حجة الوداع ١٩٠٥ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي وعثمان بن أبي شيبة وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيان، وربما زاد بعضهم على بعضٍ الكلمةَ والشيءَ) أي الحرف، وحاصل الكلام: أن أحاديث جميع الشيوخ متفقة المعنى، ولكن اختلفت في اللفظ، فزاد بعضهم الكلمةَ والحرفَ على بعض. (قالوا: نا حاتم بن إسماعيل، نا جعفر بن محمد، عن أبيه) محمد بن علي الباقر (قال) أي محمد: (دخلنا على جابر (٣) بن عبد الله، فلما انتهينا إليه سأل عن القوم) أي عن الداخلين عليه، وكان قد عمي (حتى انتهى) أي السؤال (إليَّ، فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين) بن علي بن أبي طالب، (فأهوى) أي أمال (بيده إلى رأسي، فنزع زِرِّي الأعلى) أي من أزرار القميص، (ثم نزع زري الأسفلَ، ثم وضع كله بين ثدييَّ).

стр. 4279

وَأَنا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ وَأَهْلًا يَا ابْنَ أَخِي، سَلْ عَمَّا (١) شِئْتَ، فَسَأَلْتُهُ وَهُوَ أَعْمَى، وَجَاءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَقَامَ في نِسَاجَةٍ === قال النووي (٢): ففيه تنبيه على أن سببَ فعل جابرٍ ذلك التأنيسُ لكونه صغيرًا وأما الرجل الكبير فلا يحسن إدخال اليد في جيبه، ولا المسح بين ثدييه. قلت: ولعل فعله هذا حبًا لأهل بيت النبي ﷺ وإكرامًا له. (وأنا يومئذ غلام شاب، فقال) أي جابر: (مرحبًا بك وأهلًا) قال في "القاموس": ومرحبًا وسهلًا، أي صادفت سعة (يا ابن أخي)، والمراد بالأخوَّة الأخوَّة في الدين. (سل عما شئت، فسألته وهو أعمى) أي مكفوف البصر (وجاء وقت الصلاة فقام) أي جابر (في نِساجة) قال النووي: بكسر النون وتخفيف السين وبالجيم، هذا هو المشهور في نسخ بلادنا، ورواياتنا "لصحيح مسلم" و"سنن أبي داود". ووقع في بعض النسخ: "في ساجة" بحذف النون، ونقله القاضي عياض عن رواية الجمهور، قال: وهو الصوابُ، قال: والساجة والساج جميعًا ثوب كالطيلسان وشبهه، قال: ورواية النون وقعت في رواية الفارسي، قال: ومعناه ثوب ملفق، قال: قال بعضهم: النون خطأ وتصحيف. قلت: ليس كذلك، بل كلاهما صحيح، ويكون ثوبًا ملفقًا على هيئة الطيلسان، قال القاضي في "المشارق": الساج والساجة: الطيلسان، وجمعه السيجان، قال: وقيل: هي الخضر منها خاصة، وقال الأزهري: هو طيلسان مُقَوَّر (٣) ينسج كذلك، قال: وقيل: هي الطيلسان الحسن، قال: ويقال: الطيلسان بفتح اللام وكسرها وضمها وهي أقل، انتهى.

стр. 4280

مُلْتَحِفًا (١) بِهَا- يَعْنِي ثَوْبًا مُلَفَّقًا - كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِهِ (٢) رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا، فَصَلَّى بِنَا وَرِدَاؤهُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ. فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عن حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ في النَّاسِ في الْعَاشِرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَاجٌّ، === (ملتحفًا بها - يعني ثوبًا ملفقًا -) وهذا تفسير للنساجة، وقال في "المجمع" (٣): هي ضرب من الملاحف منسوجة، سميت بمصدر نسجت نساجة (كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها) أي تسقط عن المنكب. (فصلى بنا) أي إمامًا (ورداؤه) أي الكبير، والواو للحال (إلي جنبه على المشجب) هو بميم مكسورة ثم شين معجمة ساكنة ثم جيم: عيدان تُضَم رؤوسها، ويُفْرَجُ بين قوائمها، وتوضَع عليه ثياب، وقد تُعَلَّق عليه الأسقية لتبريد الماء، حاصله: أنه صلَّى في نساجة من غير عذر. (فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ ) أي عن صفتها (فقال) أي أشار جابر (بيده فعقد) أنامله (تسعًا) بأن ضم من أنامله الخنصر والبنصر والوسطى إشارةً إلى تسع سنين. (ثم قال) أي جابر: (إن رسول الله ﷺ مكث) أي لبث بعد الهجرة في المدينة (تسع سنين لم يحج)؛ لأن مكة كانت إذ ذاك في أيدي الكفار (ثم) لما فتح الله على رسوله مكةَ في السنة الثامنة من الهجرة (أَذَّنَ في الناس) أي المسلمين (في) السنة (العاشرة) من الهجرة (إن رسول الله ﷺ حاج،

стр. 4281

فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَعْمَلَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ (١) عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَقَالَ (٢): "اغْتَسِلِي وَاسْتَذْفِرِي بِثَوْبٍ === فقدم المدينة بشر كثير) لم يُحْصَروا, ولم يُعَيَّن عددُهم، ولكن قال القاري (٣): قيل: وقد بلغ جملة من معه من أصحابه في تلك الحجة تسعين ألفًا، وقيل: مائة وثلاثين ألفًا. (كلهم يلتمس) أي يطلب ويقصد (أن يأتم) أي يقتديَ (برسول الله ﷺ ) أي في الحج، (وبعمل بمثل عمله، فخرج رسول الله ﷺ ) أي من المدينة يريد مكة لخمس بقين من ذي القعدة بين الظهر والعصر (وخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة) فنزل بها، فصلَّى العصر ركعتين، ثم بات بها، وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر، وكان نساؤه كلهن معه، فطاف عليهن تلك الليلة، ثم اغتسل غسلًا ثانيًا لإحرامه غير غسل الجماع، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وقلَّدها نعلين. (فولدت أسماء بنت عميس محمدَ بن أبي بكر، فأرسلت) (٤) أي أسماء (إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع) أي بالإحرام؟ (فقال: اغتسلي) وهذا الغسل للنظافة لا للطهارة، ولهذا لا ينوبه عنه التيمم، وكذا الحائض (واستذفري بثوب). قال في "المجمع" (٥): روي بذال معجمة من الذفر، بمعنى ما مرَّ،

стр. 4282

وَأَحْرِمِي"، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْواءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، قَالَ جَابِرٌ: نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ منْ رَاكِب وَمَاشٍ، وَعن يَمِينِهِ مِثْلَ ذلِكَ، وَعن يَسَارِهِ مِثْلَ ذلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذلِك، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرآنُ، وَهُوَ يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ، فَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ (١) بِالتَّوْحِيدِ: "لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَ الْحَمْدَ وَالنّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، === أي لتستعمل طيبًا تزيل به هذا الشيء عنها، وإن روي بمهملة فبمعنى لتدفع عن نفسها الدفر، أي الرائحة الكريهة، والمشهور "استثفري" بمثلثة. (وأحرمي، فصلى رسول الله ﷺ ) ركعتين سنَّة الإحرام، وقيل: صلاة الظهر، وقد قال ابن القيم (٢): لم يُنقَل أنه ﷺ للإحرام ركعتين غير فرض الظهر (في المسجد) أي مسجد ذي الحليفة (ثم ركب القصواء) اسم لناقته ﷺ (حتى إذا استوت به) أي برسول الله ﷺ (ناقته على البيداء) وهي المفازة التي لا شيء بها، وهنا اسم موضع بين مكة والمدينة. (قال جابر: نظرت إلى مد) أي: منتهى (بصري من بين يديه) أي رسول الله ﷺ (من راكب وماشٍ) أي: بعضهم راكب، وبعضهم ماش (وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا)، لفظ: "أظهر" مقحم، أي: بيننا، يدخل لتحسين الكلام (وعليه ينزل القرآن، وهو يَعْلَمُ تأويلَه، فما عمل به من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد) أي بالتلبية التي اشتملت على التوحيد ونفي الشرك. (لبيك) على لفظ التثنية، والمراد بها التكرير والتكثير (اللهُمَّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن) بكسر الهمزة لا بفتحها (الحمد والنعمة لك والملك)

стр. 4283

لَا شَرِيكَ لَكَ". وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ. قَالَ جَابِر: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، === أي لك (لا شريك لك، وأهلَّ الناس) أي رفعوا أصواتهم (بهذا الذي) أي بالكلام الذي (يهلون به) والمراد به زيادة الناس في التلبية من الذكر والثناء، كما روي عن ابن عمر أنه قال: "لبيك وسعديك، والرغباءُ إليك والعملُ" (١) (فلم يَرُدَّ) أي لم ينكر (عليهم رسول الله ﷺ شيئًا منه) أي من الكلام الذي زادوه في التلبية، فثبت جوازه فيها. (ولزم رسول الله ﷺ تلبيته)، وثبت من هذا أن تلبية رسول الله ﷺ التي لزمها أولى. (قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة) تأكيد لما قبله استصحابًا لما كان عليه في الجاهلية من كونِ العمرة محظورة في أشهر الحج وكونِها فيها من أفجر الفجور، وقمِل: ما قصدناها ولم تكن في ذكرنا، بل معنى لسنا نعرف العمرة مقرونة بالحجة، أو بالعمرة المفردة في أشهر الحج. وقد روى البخاري (٢) عن عائشة ﵁: أن الصحابة خرجوا معه لا يعرفون إلَّا الحج، فبيَّن ﷺ لهم وجوه الإحرام، وجوَّز لهم الاعتمار في أشهر الحج، فقال: من أحمب أن يهل بعمرة فليهل، ومن أحب أن يهل بحجة فليهل. (حتى إذا أتينا البيت معه) أي صبيحة الأحد رابع ذي الحجة (استلم الركن) أي الحجر الأسود، ولم يصل تحية المسجد؛ لأن تحية الكعبة هو الطواف (٣)

стр. 4284

فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، قَالَ: فَكَانَ أَبِي يَقُولُ: - قَالَ ابْنُ نُفَيْل وَعُثْمَان: وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عن النَّبِي ﷺ . قَالَ سُلَيْمَانُ: وَلَا أَعْلمُهُ إِلَّا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ بـ ﴿قُل هُوَ أحد اَللهُ﴾ وبـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٢) === (فرمل) أي: أسرع، بهز منكبيه (ثلاثًا) أي في ثلاثة أشواط من الأشواط السبعة (ومشى) على الهيئة والسكون (أربعًا) أي في أربعة أشواط وكان مضطبعًا في جميعها. (ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بكسر الخاء على الأمر، وبفتحها على الخبر ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي بعض حواليه (﴿مُصَلًّى﴾) أي موضع صلاة الطواف (فجعل المقام بينه وبين البيت) أي صلَّى خلف المقام بيانًا للأفضل فصلَّى ركعتين. (قال) أي جعفر بن محمد: (فكان أبي) أي محمد بن علي بن الحسين (يقول، قال ابن نفيل) وهو عبد الله بن محمد النفيلي (وعثمان) أي ابن أبي شيبة في حديثهما: (ولا أعلمه) مقولة لقوله: "يقول"، أي: كان أبي يقول: ولا أعلم جابرًا (ذكره) أي الذي يقرأ في الركعتين (إلَّا عن النبي ﷺ ، قال سليمان) أي ابن عبد الرحمن: (ولا أعلمه) أي جابرًا (إلَّا قال: قال رسول الله ﷺ ، يقرأ في الركعتبن بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وبـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾). وغرض المصنف من هذا الكلام بيان الفرق بين ألفاظ شيوخه؛ فابن نفيل وعثمان قالا في حديثهما: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ ، ويوافقهما لفظ مسلم في "صحيحه" من حديث أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، وهو أوضح في المراد، ولفظ سليمان بن عبد الرحمن: ولا أعلمه إلَّا قال: قال رسول الله ﷺ .

стр. 4285

ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْتِ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ البابِ إِلَى الصَّفَا، فَلمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. "نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّه بِهِ"، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ، === وحاصل الكلام أن جعفر بن محمد يقول: كان أبي محمد بن علي يقول: إن جابرًا ﵁ يذكر: أن رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الطواف بـ ﴿قُلْ هُوَ أَللهُ أحد﴾ وبـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. قال النووي (١): معنى هذا الكلام: أن جعفر بن محمد روى هذا الحديث عن أبيه عن جابر قال: كان أبي - يعني محمدًا - يقول: إنه قرأ هاتين السورتين، قال جعفر: ولا أعلم أبي ذكر تلك القراءة عن قراءة جابر في صلاة جابر، بل عن جابر عن قراءة النبي ﷺ في صلاته (٢) هاتين الركعتين. فقوله: لا أعلم، ليس هو شكًا في ذلك؛ فإن لفظة العلم تنافي الشك، بل جزم برفعه إلى النبي ﷺ ﷺ وقد ذكر البيهقي بإسناد صحيح على [شرط] مسلم عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أن النبي ﷺ طاف بالبيت فرمل من الحجر الأسود ثلاثًا، ثم صلَّى ركعتين قرأ فيهما: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. (ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن) أي الحجر الأسود، وهذا استلام ثامن؛ فإنه قد أستلم في الأشواط السبعة سبع مرات، وهذا ثامن (ثم خرج من الباب) أي باب الصفا (إلى الصفا) أي إلى جانبه (فلما دنا) أي قرب (من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣) جمع شعيرة، وهي العلامة التي جُعِلَتْ للطاعات المأمور بها في الحج عندها كالوقوف، والرمي، والطواف، والسعي (نبدأ بما بدأ الله به) أي في الآية (فبدأ بالصفا) أي بدأ بالسعي بالصفا (فرقي) أي صعد (عليه)

стр. 4286

حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَكَبَّرَ اللَّه وَوَحَّدَهُ، وَقَالَ: "لَا إِله إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِيِ وُيمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِير، لَا إِلهَ إِلَّا اللَّه وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزابَ وَحْدَهُ". ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذلِكَ، وَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ === أي على الصفا (حتى رأى البيت) وذلك في ذاك الزمان، وأما الآن فلا يمكن رؤية البيت لحيلولة الجدران. (فكبر الله) أي قال: الله أكبر (ووحَّده وقال: لاإله إلَّا الله وحده) حال مؤكدة (لا شريك له) في الألوهية فيكون تأكيدًا؛ أو في الصفات فيكون تأسيسًا (له الملك) أي ملك السماوات والأرض (وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء) تعلقت به إرادتُه (قدير) كامل القدرة لا يعجزه شيء (لا إله إلَّا الله وحده، أنجز وعدَه) أي وفي بما وعد لإعلاء كلمته (ونصر عبدَه) أي الخاصَ، وهو رسول الله ﷺ ، نصره نصرًا عزيزًا وفتحًا مبينًا (وهزم الأحزابَ وحدَه). معناه: هزمهم بغير قتال من الآدميين ولا بسبب من جهتهم. والمراد بالأحزاب: الذين تحزَّبوا على رسول الله ﷺ يوم الخندق، قاله النووي (١). وقال القاري (٢): ويمكن أن يراد بهم أنواع الكفار الذين غُلِبوا بالهزيمة والفرار. (ثم دعا بين ذلك) "ثم" لمجرد الترتيب دون التراخي، أي دعا في أثناء الذكر والتوحيد (وقال) أي رسول الله ﷺ (مثل هذا) أي من الذكر والدعاء (ثلاث مرات، ثم نزل) أي من الصفا ومشى (إلي المروة) أي إلى جهتها.

стр. 4287

حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ رَمَلَ في بَطْنِ الْوَادِي، حَتَّى إِذَا صَعِدَ مَشَى حَتَّى أَتَى (١) الْمَرْوَةَ، فَصَنَعَ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ مَا صَنَعَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرَ الطَّوَافِ عَلَى الْمَرْوَةِ قَالَ: "إِنِّي لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، === (حتى إذا انصَبَّت) أي انحدرت (قدماه رمل) أي سعى سعيًا شديدًا، وعدا هرولة (٢) (في بطن الوادي) أي المسعى. (حتى إذا صعد) أي رسول الله ﷺ , وفي رواية: حتى إذا صعدتا، أي قدماه عن بطن الوادي (مشى حتى أتى المروة، فصنع على المروة مثل ما صنع على الصفا) من الرقي والاستقبال والذكر والدعاء. (حتى إذا كان) تامة (آخر الطواف) أي السعي (على المروة قال: ) جواب "إذا" (إني لو استقبلت من أمري) أي لو علمت في قبل أمري وابتدائه (ما استدبرت) أي ما علمته في دبر منه وانتهائه، والمعنى: لو ظهر لي هذا الرأي الذي رأيته الآن (لم أَسُقِ الهدي) بضم السين، قيل: إنما قاله تطييبًا لقلوبهم، وليعلموا أن الأفضل لهم ما دعاهم إليه، إذ كان يشق عليهم ترك الاقتداء بفعله (ولجعلتها) أي الحجةَ (عمرة) أي جعلت إحرامي بالحج مصروفًا إلى العمرة، أو معناه: جعلت الحجة الآن عمرة بأن حللت منها بعد الفراغ من أفعال العمرة، كما يدل عليه حديث عروة عن عائشة عند البخاري (٣): "أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي ﷺ أنه توضأ، ثم طاف، ثم لم تكن عمرة". قال الحافظ (٤): معنى قوله: "ثم لم تكن عمرة"، أي لم تكن الفعلة

стр. 4288

فَمَنْ (١) كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلْ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً"، فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلأَبَدِ؟ === عمرة، هذا إن كان بالنصب على أنه خبر كان، ويحتمل أن تكون كان تامة، والمعنى ثم لم تحصل عمرة، وهي على هذا بالرفع، ووقع في آخر الحديث: "ثم لا يحلون، وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبتدئان بشيء أول من البيت تطوفان به، ثم إنهما لا تحلان" بجعلها عمرة كناية عن الحل. (فمن كان منكم ليس معه هدي) الهدي بإسكان الدال، وقيل: بكسر الدال وتشديد الياء (فليحلل) بعد الفراغ من أفعال العمرة (وليجعلها) أي تلك الأفعال من الطواف بالبيت والسعي بين الصفاء والمروة أو الحجة (عمرة) فالمراد من جعلها عمرة أن يفسخ نية الحج، ويقطع أفعاله، ويجعل إحرامَه وأفعاله للعمرة. (فحل الناس) الذين ليس معهم هدي (كلهم وقصَّروا إلَّا النبي ﷺ )؛ لأنه كان معه ﷺ هدي (ومن كمان معه هدي) من الصحابة فلم يقدروا أن يجعلوها عمرة ويحلوا؛ فإن الهدي كانت مانعة لهم من الحل، وذكر ابن القيم (٢) أسماء الذين لم يحلوا معه ﷺ : أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، وزاد الطحاوي في رواية عائشة في الذين لم يحلوا: عثمان ﵁. (فقام سراقة) (٣) بضم السين ابن مالك (بن جعشم) بضم الجيم والشين (فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا)، أي الإتيان بالعمرة في أشهر الحج مختص بهذه السنَّة (أم للأبد؟ ) أي حكم عام إلى يوم القيامة يشرع إتيانها لمن بعدنا

стр. 4289

فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ في الأُخْرَى ثُمَّ قَالَ: "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ في الْحَجِّ هَكَذَا مَرَّتَيْنِ، لَا بَلْ لأَبَدِ أَبَدٍ". === (فشبَّك رسول الله ﷺ أصابعه) أي أصابع يد واحدة (في الأخرى) أي في أصابع اليد الأخرى (ثم قال: دخلت العمرة في الحج) أي في أشهره (هكذا) كما دخلت أصابع يدي في أصابع يدي الأخرى (مرتين) أي قالها مرتين، أي (لا) يختص هذا الحكم بهذه السنَّة (بل لأبد أبد) (١) كرره للتأكيد. قيل: معناه أنه تجوز العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة، والمقصود إبطال ما زعمه أهل الجاهلية من أن العمرة لا تجوز في أشهر الحج، قال النووي (٢): وعليه الجمهور. وقيل معنى دخولها في الحج: أن فرضها ساقط بوجوب الحج، وفيه أنه متى فرضت حتى يقال سقطت، وقيل: معناه جواز القرآن، وتقدير الكلام: دخلت أفعال العمرة في الحج إلى يوم القيامة، ويدل عليه تشبيك الأصابع، وفيه أنه حينئذ لا مناسبة بين السؤال والجواب، وقيل: جواز فسخ الحج إلى العمرة، قال النووي: وهو ضعيف. ثم قال: واختلف العلماء في هذا الفسخ، هل هو خاص بالصحابة لتلك السنَّة، أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصًا، بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوز لكل من أحرم بحج وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة، ويتحلل بأعمالها. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف - رحمهم الله تعالى -: هو مختص بهم في تلك السنَّة؛ ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج.

стр. 4290

قَالَ: وَقَدِمَ عَلِيٌّ ﵁ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵍ مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ عَلِيٌّ ﵁ ذلِكَ عَلَيْهَا وَقَالَ (١): مَنْ أَمَرَكِ بِهَذَا؟ قَالَتْ: أَبِي ﷺ . قَالَ: فَكَانَ (٢) عَلِيٌّ ﵁ يقُولُ بالْعِرَاقِ: ذَهَبْتُ إلَي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ ﵂ في الأَمْرِ الَّذِي صَنَعَتْهُ مُسْتَفْتِيًا لِرَسُول اللَّهِ ﷺ في الَّذِي ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَأَخْبَرتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذلِكَ عَلَيْهَا، === والحجة للجمهور حديث أبي ذر عند مسلم: "كانت المتعة - أي الفسخ - في الحج لأصحاب محمد خاصة"، وحديث النسائي: "يا رسول الله! فسخ الحج للعمرة لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال ﵊: لنا خاصة". (قال) أي جابر: (وقدم عليٌّ ﵁ من اليمن ببُدن النبي ﷺ ) هو بضم الباء وسكون الدال، جمع بدنة، والمراد ههنا ما يُتَقَرَّب بذبحه من الإبل (فوجد) أي عَلِيٌّ (فاطمة ﵍ ممن حل، ولبست ثيابًا صبيغًا، واكتحلت)؛ لأنها لم تكن أهدت (فأنكر علي ﵁ ذلك) أي الإحلالَ (عليها) أي على فاطمة (وقال) أي علي لها: (من أمرك بهذا) أي بالإحلال؟ (قالت: أبي ﷺ ) أي أمرني أبي بهذاء. (قال) أي جابر: (فكان علي ﵁ يقول بالعراق) حين كان خليفة فيها في حديث ذلك: (ذهبت إلى رسول الله ﷺ ) حين سمع جواب فاطمة في إحلالها (مُحَرِّشًا) أي مغريًا (على فاطمة ﵂ في الأمر الذي صَنَعَتْه) وهو إحلالها (مستفتيًا لرسول الله ﷺ ) أي سائلًا (في الذي ذكرت عنه) بأنها قالت: أمرني أبي بهذا (فأخبرته) أي رسول الله ﷺ (أني أنكرت ذلك) أي الإحلال (عليها)

стр. 4291

فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، فَقَالَ: "صَدَقَتْ صَدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: اللهُمَّ إِنّي أُهِلُّ بَمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "فَإِنَ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحْلِلْ". قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْي الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَن وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ مِائَةً. فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ === أي على فاطمة (فقالت: إن أبي أمرني بهذا، فقال) أي رسول الله ﷺ : (صَدَقَتْ صَدَقَتْ) أي فاطمة، إني أمرتها بهذا، والكلمة الثانية للتأكيد. (ماذا قلت حين فرضت الحج؟ ) أي ماذا سميت من الحج والعمرة حين ألزمته على نفسك بالنية والتلبية؟ (قال) أي علي: (قلت: اللَّهُمَّ إني أهل بما أهل به رسول الله ﷺ )، قال ابن الملك (١): هذا يدل على جواز تعليق إحرام الرجل على إحرام غيره. (قال) (٢) أي النبي ﷺ : (فإن معي) بسكون الياء وفتحها، أي: إذا علقتَ إحرامك بإحرامي فمعي (الهدي)، ولا أقدر أن أخرج من العمرة بالتحلل (فلا تحلل) أي أنت بالخروج من الإحرام كما لا أحل حتى نفرغ من العمرة والحج جميعًا. (قال) أي جابر: (فكان جماعة الهدي) أي الإبل (الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ من المدينة مائة، فحلَّ الناس كلهم وقصَّروا، إلَّا النبي ﷺ ومن كان معه هدي) هذه الجملة مكررة وقد مرت. فإن قلت: قد أحرم أبو موسى الأشعري بما أحرم به رسول الله ﷺ معلقًا على إحرامه فأمره بالإحلال، ولم يأمر عليًا به، فما وجه الفرق بينهما؟

стр. 4292

قَالَ: فَلمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى أَهَلُّوا بِالْحَجِّ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فصَلَّى بِمِنًى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ لَهُ مِنْ شَعْرٍ فَضُرِبَتْ بِنَمِرَةَ (١)، === قلت: وجه الفرق بينهما أن عليًا ﵁ جاء من اليمن بالهدي، فالظاهر لما أخذ النبي ﷺ هديًا أخذ لنفسه أيضًا ليتم اتباعه واتفاقه في الإهلال، ويمكن أن يكون رسول الله ﷺ أشركه في هديه فلهذا لم يأمره بالإحلال، وأمر به أبا موسى لأنه لم يكن معه هدي، والله أعلم. (قال: فلما كان يوم التروية) وهو ثامن ذي الحجة (ووجهوا) بمعنى توجهوا، أو وجهوا ركابهم ورواحلهم، أي أرادوا التوجه أو التوجيه (إلى مني أهلوا) أي أحرموا (بالحج، فركب رسول الله ﷺ فصلَّى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم مكث) أي وقف بمنى (قليلًا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة) أي بضرب خيمةٍ (له من شعر) بفتح العين وسكونها (فضُرِبَتْ بِنَمِرَةَ) بفتح النون وكسر الميم، وهو غير منصرف: موضع عن يمين الخارج من مأزِمَيْ عرفةَ إذا أراد الموقف، قال الطيبي (٢): جبل قريب من عرفات، وليس منها (٣).

стр. 4293

فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُوْلَ اللَّهِ ﷺ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَام بِالْمُزْدَلِفَةِ كمَا كَانَتْ قُرَيْش تَصْنَعُ في الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ (١) فَنزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاء فَرُحِلَتْ لَهُ، === (فسار رسول الله ﷺ ) أي من مني إليها (ولا تشك قريش أن رسول الله ﷺ واقف عند المشعر الحرام) أي كانوا على يقين من أن رسول الله ﷺ -يقف (بالمزدلفة) ولا يجاوزها إلى عرفات (كما كانت قريش تصنع في الجاهلية) بأنهم لا يجاوزون عن المزدلفة، ولا يخرجون من الحرم إلى الحل، ويقولون: نحن قطَّان الله، والناس كلهم يخرجون إلى عرفات. (فأجاز) (٢) أي تجاوز (رسول الله ﷺ ) من المزدلفة إلى عرفات (حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها) أي بالقبة، وهذا يدل على جواز استظلال المحرم بالخيمة ونحوها مثل هودج ونحو ذلك، خلافًا لمالك وأحمد. (حتى إذا زاغت الشمس) أي نزل بها واستمر فيها، حتى إذا مالت وزالت عن كبد السماء إلى جانب الغرب (أمر بالقصواء) وهي ناقته (فَرُحِلَتْ له) أي شد

стр. 4294

فَرَكِبَ حَتَّى أَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: "إِنَّ دِمَاءَكُم وَأَمْوَالَكُم عَلَيْكُم حَرَام كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هَذَا في شَهْرِكُم هَذَا، في بَلَدِكُم هَذَا، أَلَا إِنَّ كُلَّ شَيءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِليَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، === الرحل عليها له (فركب حتى أتى بطن الوادي) موضع بعرفات يسمى عرنة (١) وليست من عرفات خلافًا لمالك. (فخطب الناس) أي وَعَظَهم، وخطب خطبتين (٢): الأولى لتعريفهم المناسكَ والحثِّ على كثرة الذكر والدعاء بعرفة، والثانية قصيرة جدًا لمجرد الدعاء. (فقال) أي في خطبته: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) أي ليس لبعضكم أن يتعرض لبعض فيريق دمه أو يسلب ماله (كحرمة يومكم هذا) يعني تعرُّض بعضِكم دماءَ بعضٍ وأموالَه في غير هذه الأيام كحرمة التعرض لهما في يوم عرفة (في شهركم هذا) أي ذي الحجة (في بلدكم هذا) أي مكة. قال الطيبي (٣): شبه في التحريم بيوم عرفة، وذي الحجة، والبلدِ؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنها محرمة أشد التحريم لا يستباح فيها شيء. (ألا) للتنبيه (إن كل شيء) أي كل فعل (من أمر الجاهلية تحت قَدَمَيَّ) بالتثنية (موضوع) أي كالشيء الموضوع تحت القدم، وهو مجاز عن إبطاله،

стр. 4295

وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُهُ دِمَاؤُنَا: دَمُ". قَالَ عُثْمَانُ: دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ. وَقَالَ سلَيْمَانُ: دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، كَانَ مُسْتَرضَعًا في بَني سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ (١) هُذَيْلٌ. === والمعنى: عفوت عن كل شيء فعله رجل قبل الإِسلام من أفعال الجاهلية حتى صار كالشيء الموضوع تحت القدم. (ودماء الجاهلية موضوعة) أي متروكة، لا قصاص، ولا دية، ولا كفارة، أعادها للاهتمام بها (وأول دم أضعه) أي أتركه (دماؤنا) هكذا في نسخ أبي داود، ولفظ رواية مسلم: "وإن أول دم أضع من دمائنا" بزيادة لفظ "من" أي: دماء أهل الإِسلام (دم) هذا اللفظ مشترك في روايات الشيوخ، ثم اختلفوا. (قال عثمان) أي ابن أبي شيبة: (دم ابن ربيعة، وقال سليمان) أي ابن عبد الرحمن: (دم ربيعة) فزاد عثمان لفظ "ابن"، ولم يزده سليمان، ولم يذكر المصنف لفظ النفيلي ولا لفظ هشام بن عمار (ابن الحارث بن عبد المطلب) وكلاهما صحيح كما سيأتي. (كان) أي ابن ربيعة واسمه إياس (مسترضَعًا في بني سعد فقتلته) أي ابن ربيعة (هذيل) وكان طفلًا صغيرًا يحبو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب بني سعد مع قبيلة هذيل فقتله هذيل، ورواية البخاري (٢): "دم ربيعة بن الحارث"، وقد خطأها جمع من أهل العلم بأن الصواب: دم ابن ربيعة، ويمكن بأن يقال: إضافته إلى ربيعة لأنه ولي ذلك، أو هو على حذف مضاف، أي دم قتيل ربيعة.

стр. 4296

"وَرِبَا الْجَاهِليَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ (١) رِبَانَا: رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ. فَاتَّقُوا (٢) اللَّه في النِّسَاءِ فَإِنَّكُم أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلَمَةِ اللَّهِ، وَإِنَّ لَكُم عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُم أَحَدًا تكرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْربُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُم رِزْقُهُنَّ === (وربا الجاهلية موضوع) يريد أموالهم المغصوبة والموهوبة، وإنما خص الربا تأكيدًا؛ لأنه في الجملة معقول في صورة مشروع (وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب) بدل من ربانا (فإنه) أي ربا عباس (موضوع كله) والمراد الزائد على أصل المال، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٣). (فاتقوا الله في النساء) أي في حقهن، ومعطوف على ما سبق من حيث المعنى، أي اتقوا الله في استباحة الدماء ونهب الأموال، وفي النساء (فإنكم أخذتموهن بامانة الله) أي بعهده من الرفق وحسن العشرة (واستحللتم فروجهن بكلمة الله) أي بشرعه، أو بأمره وحكمه، وهو قوله: "فانكحوا"، وقيل: بالإيجاب والقبول، أي بالكلمة التي أمر الله بها. (وإن لكم عليهن) من الحقوق (أن لا يوطئن) بهمزة أو بإبدالها من باب الإفعال (فرشكم أحدًا تكرهونه) أي لا يأذن لأحد أن يدخل منازل الأزواج من غير أن يأذن لها (فإن فعلن) ذلكَ أي الإيطاء (فاضربوهن) قيل: المعنى: لا يأذن لأحد من الرجال الأجانب أن يدخل عليهن فيتحدث إليهن، وكان من عادة العرب لا يرون به بأسًا، فلما نزلت آية الحجاب انتهوا عنه، وليس هذا كناية عن الزنا، وإلَّا كان عقوبتهن الرجم دون الضرب (ضربًا غير مبرح) بتشديد الراء المكسورة وبالحاء المهملة، أي مجرح، أو شديد سياق. (ولهن عليكم رزقهن) من المأكول والمشروب، وفي معناه سكناهن

стр. 4297

وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُم مَا لَنْ تَضِلُّوا (١) بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كتَابَ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ مَسْؤولُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ "، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، ثُمَّ قَالَ بِإِصْبُعِهِ السَبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكِتُهَا (٢) إِلَى النَّاسِ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ". === (وكسوتهن بالمعروف) باعتبار حالكم فقرًا وغنى، أو بالوجه المعروف من التوسط الممدوح. (وإني قد تركت فيكم) أي فيما بينكم (ما) موصولة، أو موصوفة (لن تضلوا بعده) تركي إياه فيكم، أو بعد التمسكِ به والعمل بما فيه (إن اعتصمتم به) في الاعتقاد والعمل (كتاب الله) بالنصب بدل، أو بيان لما في التفسير بعد الإبهام تفخيم لشأن القرآن، ويجوز الرفع بأنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو كتاب الله. وإنما اقتصر على الكتاب؛ لأنه مشتمل على العمل بالسنَّة لقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣)، وفيه إيماء إلى أن الأصل الأصيل في التمسك هو الكتاب. (وأنتم مسؤولون عني) يوم القيامة، أي عن تبليغي الأحكام الإلهية إليكم (فما أنتم قائلون؟ ) أي في حقي (قالوا: نشهد أنك قد بلغت) أي الرسالة، (وأديت) أي الأمانة (ونصحت) أي الأمة. (ثم قال) أي أشار (بإصبعه السبابة يرفعها) حال من "قال"، أي: رافعًا إياها، أو من السبابة، أي: مرفوعة (إلى السماء وينكتها) بضم الكاف والمثناة الفوقانية، أي يخفضها مشيرًا بها (إلى الناس) أي يميلها إليهم؛ يريد بذلك أن يشهد الله عليهم (اللهُمَّ اشهد) أي على عبادك بأنهم قد أقرُّوا بأني قد بلغت (اللَّهُمَّ اشهد، اللَّهُمَّ اشهد) كرَّرها ثلاث مرات.

стр. 4298

ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ (١) فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ (٢) فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ (٣) الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ === (ثم أذن (٤) بلال، ثم أقام فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر) أي جمع بينهما في وقت الظهر، وهذا الجمع كجمع المزدلفة جمع نسك عندنا، وجمع سفر عند الشافعي خلافًا لبعض أصحابه (٥) (ولم يصلِّ بينهما شيئًا) من السنن والنوافل كيلا يبطل الجمع، فإن الموالاة بين الصلاتين واجبة. (ثم ركب القصواء) وسار (حتى أتى الموقف) أي أرض عرفات (فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات) بفتحتين: الأحجار الكبار، قال النووي (٦) ﵀: هن صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات، وهذا هو الموقف المستحب، فإن عجز عنه فليقرب منه بحسب الإمكان، وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعودِ الجبل وتوهُّمِهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه؛ فغلط، والصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات. وأما وقت الوقوف فهو ما بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر الثاني من يوم النحر، وقال أحمد: يدخل وقت الوقوف من فجر عرفة. (وجعل حبل المشاة بين يديه) قال النووي: روي بالحاء المهملة وسكونِ

стр. 4299

فَاسْتَقبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حِينَ (١) غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، === الباء، وروي بالجيم، وفتح الباء، قال القاضي ﵀: الأول أشبه بالحديث، وحبل المشاة: مجتمعهم، وحبل الرمل: ما طال منه، وأما بالجيم فمعناه: طريقهم، وحيث تسلك الرجالة. وقال الطيبي (٢): ﵀: بالحاء، أي: طريقهم الذي يسلكونه في الرمل. وقال التوربشتي (٣) ﵀: حبل المشاة موضع، وقيل: اسم موضع من رمل مرتفع كالكثبان، وقيل: الحبل الرمل المستطيل، وإنما أضافها إلى المشاة؛ لأنها لا يقدر أن يصعد إليها إلا الماشي، أو لاجتماعهم عليها توقيًا منه مواقف الركاب، ودون حبل المشاة، ودون الصخرات اللاصقة بسفح الجبل موقف الإِمام، وبه كان رسول الله ﷺ يتحرى الوقوف. (فاستقبل القبلة فلم يزل واقفًا) أي قائمًا بركن الوقوف، راكبًا على الناقة (حتى غربت الشمس) أي أكثرها، أو كادت أن تغرب (وذهبت الصفرة قليلًا) أي ذهابًا قليلًا (حين) وفي نسخة: حتى (غاب القرص، وأردف أسامةَ) أي أركب رسولُ الله ﷺ أسامةَ بن زيد (خلفه) على ناقته. (فدفع رسول الله ﷺ ) أي ارتحل وانطلق، أو دفع ناقته وحملها على السير (وقد شنق) بتخفيف النون (للقصواءِ الزمامَ) أي ضيق وجر إليه زمامها (حتى إن رأسها) أي رأس الناقة (لَيُصِيْبُ مَوْرِكَ رحلِه) بفتح الراء وبالحاء المهملة، وفي رواية بالجيم مع كسر الراء، والمورك بفتح الميم وكسر الراء: هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل إذا ملَّ من الركوب،

стр. 4300

وَهُوَ يَقُولُ بِيَدهِ الْيُمْنَى: "السَّكِينَةَ أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ أَيُّهَا النَّاسُ"، كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ (١) أَرْخَى لَهَا قَليلًا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَجَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وإِقَامَتَيْنِ === وقال القاضي (٢): هو قطعة أدم، يتورك عليها الراكب، تُجعَل في مُقَدَّم الرحل شبه المخدة الصغيرة. (وهو يقول) أي يشير (بيده اليمنى: السكينةَ) أي الزموها (أيها الناس، السكينةَ أيها الناس، كلما أتى حبلًا من الحبال) بالحاء المهملة، أي التل اللطيف من الرمل (أرخى لها) أي زمامها (قليلًا حتى تصعد) أي سهل صعودها على الحبل (حتى أتى المزدلفة) قيل: سميت بها لمجيء الناس إليها في زلف من الليل، أي ساعات قريبة من أوله، وأما ازدحام الناس بين العلمين فبدعة قبيحة يترتب عليها مفاسد صريحة (فجمع بين المغرب والعشاء) أي في وقت العشاء (بأذان واحد وإقامتين) وبه قالت الأئمة الثلاثة وزفر ﵀. قال العيني في "شرح البخاري" (٣): وفي الحديث أن الإقامة لكل واحدة من المغرب والعشاء، وفيه للعلماء ستة أقوال، أحدها: أنه يقيم لكل منهما، ولا يؤذن لواحدة منهما، وهو قول القاسم ومحمد وسالم، وهو إحدى الروايات عن ابن عمر ﵄، وبه قال إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في أحد القولين عنه، وهو قول الشافعي وأصحابه فيما حكاه الخطابي والبغوي وغير واحد. وقال النووي في "شرح مسلم": الصحيح عند أصحابنا أنه يصليهما بأذان للأولى وإقامتين، لكل واحدة إقامة، وقال في "الإيضاح": إنه الأصح. الثاني: أنه يصليهما بإقامة واحدة للأولى، وهو إحدى الروايات عن

стр. 4301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ابن عمر، وهو قول سفيان الثوري فيما حكاه الترمذي والخطابي وابن عبد البر وغيرهم. الثالث: أنه يؤذن للأولى، ويقيم لكل واحدة منهما، وهو قول أحمد بن حنبل في أصح قوليه، وبه قال أبو ثور وعبد الملك بن (١) الماجشون من المالكية والطحاوي، وقال الخطابي: هو قول أهل الرأي، وذكر ابن عبد البر أن الجوزجاني حكاه عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة. الرابع: أنه يؤذن للأولى ويقيم لها، ولا يؤذن للثانية ولا يقيم لها، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، حكاه النووي وغيره. قلت: هذا مذهب أصحابنا، وعند زفر: بأذان وإقامتين. الخامس: أنه يؤذن لكل منهما ويقيم، وبه قال عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنهما -، وهو قول مالك وأصحابه إلا ابن الماجشون، وليس لهم في ذلك حديث مرفوع، قاله ابن عبد البر. السادس: أنه لا يؤذن لواحدة منهما ولا يقيم، حكاه المحب الطبري عن بعض السلف، انتهى. وقد احتج صاحب "الهداية" (٢) برواية جابر. قال في "فتح القدير" (٣): قوله: (ولنا رواية جابر) روى ابن أبي شيبة: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن جابر بن عبد الله ﵁: "أن رسول الله ﷺ صلَّى المغرب والعشاء بجمع، بأذان واحد وإقامة، ولم يسبِّح بينهما"، وهو متن غريب.

стр. 4302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والذي في حديث جابر الطويل الثابت في "صحيح مسلم" وغيره: "أنه صلاهما بأذان وإقامتين"، وعند البخاري (١) عن ابن عمر ﵄ أيضًا قال: "جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما, ولا على إثر واحدة منهما". وفي "صحيح مسلم" (٢) عن سعيد بن جبير: "أفضنا مع ابن عمر ﵄، فلما بلغنا جمعًا صلَّى بنا المغربَ ثلاثًا، والعشاءَ ركعتين، بإقامة واحدة، فلما انصرف قال ابن عمر: هكذا صلَّى بنا رسول الله ﷺ في هذا المكان". وأخرج أبو الشيخ (٣): حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ صلَّى المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة". وأخرج أبو داود (٤) عن أشعث بن سليم عن أبيه قال: "أقبلت مع ابن عمر من عرفات إلى المزدلفة، فلم يكن يفتر عن التكبير والتهليل حتى أتينا مزدلفة، فأذن وأقام، أو أمر إنسانًا فأذن وأقام، وصلى المغرب ثلاث ركعات، ثم التفت إلينا فقال: الصلاة، فصلَّى العشاء ركعتين، ثم دعا بعشائه"، قال: وأخبرني علاج (٥) بن عمرو بمثل حديث أبي عن ابن عمر ﵄، فقيل لابن عمر في ذلك، فقال: "صليت مع رسول الله ﷺ هكذا".

стр. 4303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فقد علمت ما في هذا من التعارض، فإن لم يرجح ما اتفق عليه الصحيحان على ما انفرد به "صحيح مسلم" وأبو داود حتى تساقطا، كان الرجوع إلى الأصل يوجب تعدد الإقامة لتعدد الصلاة كما في قضاء الفوائت، بل أولى، لأن الصلاة الثانية هنا وقتية، فإذا أقيم للأولى المتأخرة عن وقتها المعهود كانت الحاضرة أولى أن يقام لها بعدها، انتهى. قلت: اختلفت الروايات في الوقوفِ بالمزدلفة والجمعِ فيها بين المغرب والعشاء، هل هما بإقامة واحدة أو بإقامتين لكل واحدة منهما؟ وهل صلَّى رسول الله ﷺ العشاءَ بعد صلاة المغرب متصلًا بها من غير تخلل شيء بينهما، أو صلَّى العشاء بعد التعشي منفصلاً من صلاة المغرب؟ كما ثبت في "البخاري" (١) من حديث عبد الرحمن بن يزيد يقول: "حج عبد الله فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلًا فأذن وأقام، ثم صلَّى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أمر- أرى - فأذن وأقام - قال عمرو: لا أعلم الشك إلَّا من زهير-، ثم صلَّى العشاء ركعتين" الحديث. وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (٢) عنه، ولفظه قال: "فلما أتى جمعًا أذن وأقام، فصلَّى المغرب ثلاثًا، ثم تعشى، ثم أذن وأقام، فصلى العشاء ركعتين". وقال الزيلعي في "نصب الراية" (٣): أخرج البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد قال: "دفع رسول الله ﷺ من عرفة، حتى إذا كان بالشعب نزل فبال، فتوضأ، ولم يسبغ الوضوء، قلت: الصلاة؟ قال: الصلاة أمامك، فركب،

стр. 4304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فلما جاء مزدلفة، نزل فتوضأ، وأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلَّى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولى يصل بينهما شيئًا"، انتهى. قال (١): وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه": حدثنا ابن مسهر، عن ابن أبي ليلى، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي أيوب قال: "صلَّى رسول الله ﷺ بالمزدلفة المغربَ والعشاءَ بإقامة"، انتهى. ورواه إسحاق بن راهويه في "مسنده": أخبرنا يحيى بن آدم، ثنا قيس، عن غيلان بن جامع. صوابه: حازم، عن عدي به. ورواه من طريق آخر الطبراني في "معجمه" (٢) من طريق أبي نعيم، ثنا سفيان، عن جابر عن (٣) عدي به، ورواه من طريق آخر فقال: حدثنا علي بن سعيد الرازي (٤)، ثنا جعفر بن محمد بن فضيل الراسبي (٥)، ثنا محمد بن سليمان بن أبي داود، حدثنا أبي، عن عبد الكريم، عن سعيد بن المسيب، عن أبي أيوب الأنصاري: "أن رسول الله ﷺ جمع بين صلاة المغرب وصلاة العشاء بالمزدلفة بأذان وإقامة واحدة"، انتهى. وحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ هذا رواه البخاري ومسلم، ليس فيه ذكر الإقامة، انتهى. قلت: وجه الجمع بين الأحاديث المختلفة في هذا الباب عندنا: أن الأحاديث الواردة في إفراد الإقامة للمغرب والعشاء محمولة على أن

стр. 4305

قَالَ عُثْمَانُ: وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، === رسول الله ﷺ جمع بين المغرب والعشاء من غير تخلل شيء بينهما، فأفرد الإقامة لهما. وأما أحاديث الإقامتين فمحمولة على أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ صلوا المغرب ثم فعلوا بعض الأفاعيل وتخللوها بينهما، بأن أناخوا الإبل كما يدل عليه رواية أسامة بن زيد عند البخاري، وتعشَّوا كما يدل عليه رواية ابن أبي شيبة: "فلما أتى جمعًا أذن وأقام، فصلَّى المغرب ثلاثًا، ثم تعشى، ثم أذن وأقام، فصلَّى العشاء ركعتين"، معناه تعشى بعضهم بحضرة رسول الله ﷺ وبإذنه. وحاصل وجه الجمع أنه إذا صلاهما متصلًا لم يتخلل بين الصلاتين شيء صلاهما بإقامة واحدة لهما، وإذا صلاهما من غير اتصال بينهما صلاهما بإقامتين لكل واحدة منهما إقامة، وهذا الوجه سائغ في الأحاديث، كثير الوقوع فيها. فالعجب من الشيخ ابن الهمام فإنه يقول: كيف يسوغ للمصنف أن يعتبر هذا حديثًا حجة عن رسول الله ﷺ ، فإنه جمع بين المتضادين لأنه يستلزم اعتقاد أنه تعشى ولا تعشى، وأفرد الإقامة ولا أفردها، والله الموفق وإلا فكيف يمكن. (قال عثمان) أي ابن أبي شيبة شيخ المصنف: (ولم يسبح بينهما) أي بين المغرب والعشاء (شيئًا) ولم يقله باقي شيوخه، والمراد بالشيء النوافل والسنن، والمعتمد أنه يصلي بعدهما سنَّة المغرب والعشاء والوتر، وهذا مذهب الأحناف، وكذا عن الشوافع، فإنه قال النووي في "شرح مسلم": ومذهبنا استحباب السنن الراتبة، لكن يفعلها بعدهما لا بينهما. وقال الحافظ في "الفتح" (١) في شرح حديث ابن عمر: "ولم يسبح

стр. 4306

ثُمَّ اتَّفَقُوا: ثمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ === بينهما, ولا على إثر كل واحدة منهما": أي عقبها، ويستفاد منه أنه ترك التنفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرح بأنه لم يتنفل بينهما، بخلاف العشاء؛ فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها, لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثمة قال الفقهاء: تؤخر سنَّة العشائين عنهما. ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة؛ لأنهم اتفقوا على أن السنَّة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما، ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود الآتي في الباب الذي بعده. (ثم اتفقوا) أي جميع شيوخه: (ثم اضطجع رسول الله ﷺ ) أي للنوم بعد راتبة المغرب والعشاء والوتر كما في رواية. فإن قيل: كيف ترك رسول الله ﷺ التهجد وهو كان عليه ﷺ فرضًا على قول طائفة من العلماء؟ ! قلت: ترك التهجد مبني على قول طائفة أن التهجد لم يكن عليه ﷺ فرضًا، وصرح بذلك مولانا الشاه ولي الله في "حجة الله البالغة"، والشيخ بحر العلوم في "رسائل الأركان"، قال الشاه ولي الله (١): أقول: إنما لم يتهجد رسول الله ﷺ في ليلة مزدلفة, لأنه كان لا يفعل كثيرًا من الأشياء المستحبة في المجامع، لئلا يتخذها الناس سنَّة، انتهى. وقال مولانا بحر العلوم: وقوله: "ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر": يدل دلالة واضحة على أنه ﷺ لم يصل صلاة الليل في تلك الليلة،

стр. 4307

حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ === وقد نص القسطلاني في "المواهب اللدنية" (١) على أنه ﷺ لم يصل صلاة الليل في تلك الليلة، فما في "الإحياء" (٢): ينبغي أن لا يترك نوافل الليل في هذه الليلة، بل جعل أداءَها في هذه الليلة من المهمات، فليس على ما ينبغي، انتهى. قلت: ما في "الإحياء" فالظاهر أنه مبني على قول من قال: إن صلاة التهجد كان واجبًا عليه ﷺ ، فالظاهر أنه ﷺ لم يترك واجبه، وما في الحديث: أنه اضطجع حتى طلع الفجر، مبني على علم الراوي. وأيضًا يمكن أن يقال على كلا التقديرين يعني على قول الوجوب عليه والسنيَّة: قول الراوي: "اضطجع حتى طلع الفجر"، إما أن يكون محمولًا على علم الراوي بأنه لم يره صلَّى، أو يقال: اضطجع بعد أداء راتبة المغرب والعشاء والوتر؛ فإن صلاة الوتر واجبة عند الحنفية، فعلى قولهما يلزم أنه ﷺ ترك الوتر أيضًا كما ترك صلاة التهجد أيضًا، وإلا فالوتر كما يطلق على الوتر يطلق على صلاة الليل مطلقًا، فالظاهر أنه ﷺ صلَّى التهجد مع الوتر، فلا ينبغي أن يقال: إنه ﷺ ترك صلاة الليل، والله أعلم. (حتى طلع الفجر) تقوية للبدن ورحمة للأمة، ثم المبيت عندنا سنَّة وعليه بعض المحققين من الشافعية، وقيل: واجب، وهو مذهب الشافعي، وقيل: ركن لا يصح إلا به كالوقوف وعليه جماعة من الأجلة، وقال مالك: النزول واجب، وكذا الوقوف بعده، ثم المبيت بمعظم الليل، والصحيح أنه بحضور لحظة بالمزدلفة. وقال في "البدائع" (٣): اختلف أصحابنا في الوقوف بمزدلفة، قال بعضهم: إنه واجب، وقال الليث: إنه فرض، وهو قول الشافعي. وأما زمانه: فما بين طلوع الفجر من يوم النحر وطلوع الشمس،

стр. 4308

فَصلَّى الفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ. قَالَ سُلَيْمَانُ: بِنِدَاءٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ اتَّفَقُوا: ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرامَ فَرَقِيَ عَلَيْهِ. قَالَ عُثْمَانُ وَسُلَيْمَانُ: فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَحَمِدَ الله وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ. زَادَ عُثْمَانُ: وَوَحَّدَهُ. فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا. ثُمَّ دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ (١) الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسِ، وَكَانَ رَجُلًا === فمن حصل بمزدلفة في هذا الوقت فقد أدرك الوقوف سواء بات بها أو لا، ومن لم يحصل بها فيه فقد فاته الوقوف، وهذا عندنا. وقال الشافعي: يجوز في النصف الأخير من ليلة النحر، والسنَّة أن يبيت ليلة النحر بمزدلفة، والبيتوتة ليست بواجبة إنما الواجب الوقوف، والأفضل أن يكون وقوفه بعد الصلاة، فيصلي صلاة الفجر بغلس، ثم يقف عند المشعر الحرام، فيدعو الله تعالى ويسأله حوائجه إلى أن يسفِرَ، ثم يفيض منها قبل طلوع الشمس إلى مني، ولو أفاض بعد طلوع الفجر قبل صلاة الفجر فقد أساء، ولا شيء عليه لتركه السنَّة، انتهى. (فصلَّى الفجر حين تبين له الصبح) أي: طلع الفجر (قال سليمان: بنداء وإقامة) ولم يذكر هذا اللفظ غيره من شيوخ المصنف (ثم اتفقوا) كلهم: (ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام) وهو موضع خاص من المزدلفة ببناء معلوم، سمي به لأنه معلم للعباد، والمشاعر المعالم التي ندب الله إليها، وأمره بالقيام فيها، وهو بفتح الميم، وقد يُكْسَرُ (فرقي عليه) أي على المشعر الحرام. (قال عثمان وسليمان: فاستقبل القبلة، فحمد الله وكبَّره وهلَّله، زاد عثمان: وَوَحَّده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا) أي: أضاء الفجر إضاءَةً تامةً. (ثم دفع) أي سار وانطلق (رسول الله ﷺ ) من المزدلفة إلى مني (قبل أن تطلع الشمس، وأردت الفضل بن عباس) أي بدل أسامة بن زيد (وكان رجلًا

стр. 4309

حَسَنَ الشَّعْرِ أَبَيْضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَّ الظُعُنُ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ (١) ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الفَضْلِ، وَصَرَفَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، وَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، وَصَرَفَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، === حسن الشعر أبيض وسيمًا) أي حسينًا جميلًا (فلما دفع رسول الله ﷺ ) من المزدلفة (مَرَّ الظُّعُن) بضمتين جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج، (يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل) ليكف بصره عن النظر إليهن، ولا ينظرن إليه. (وصرف الفضل وجهه إلى الشق الآخر، وحوَّل رسولُ الله ﷺ يدَه إلى الشق الآخر) أي ووضعه على وجه الفضل (وصرف الفضلُ وجهَه إلى الشق الآخر ينظر)، ففي الأول في قوله: "ينظر إليهن" تصريح بأن النظر كان إليهن، وكذلك في القول الذي بعده: "وصرف الفضل وجهه إلى الشق الآخر، وحوَّل رسول الله ﷺ يده إلى الشق الآخر"، فالظاهر أن النظر في المرة الثانية إليهن لم يكن قصدًا منه، فالغرض بوضع يده ﷺ أن لا تنظر إليه الظعن. وأما قوله في الثالثة: "وصرف الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر"، ليس المراد فيه بالنظر النظر إلى الظعن، بل المراد من النظر النظر إلى ذلك الجانب لا إلى الظعن؛ لأنه لا يمكن من ابن عباس أن ينظر إليهن بعد منعه ﷺ إياه من النظر إليهن في الجانبين، ولهذا لم يذكر فيه وضع يده ﷺ على وجهه. قال النووي (٢): فيه الحث على غضِّ البصر عن الأجنبيات، وغضِّهن عن الرجال الأجانب، وفي رواية الترمذي وغيره في هذا الحديث: أن النبي ﷺ لوى عنقَ الفضل، فقال له العباس: لويت عنق ابن عمك، قال "رأيت شابًا

стр. 4310

حَتَّى (١) أَتَى مُحَسِّرًا فَحَرَّكَ (٢) قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّذِي يُخْرِجُكَ إِلَى (٣) الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ === وشابة فلم آمن الشيطان عليهما"، فهذا يدل على أن وضعه ﷺ يده على وجه الفضل كان لدفع الفتنة عنه وعنها. (حتى أتى محسِّرًا) بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة المهملتين، سمِّي بذلك لأن قيل أصحاب الفيل حسر فيه، أي: أعيا وكلَّ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (٤)، هذا ما قاله النووي وجماعة. قال القاري (٥): لكن المرجح عند غيرهم أنهم لم يدخلوا الحرم، وإنما أصابهم العذاب قبيل الحرم قرب عرفة، فلم ينج منهم إلا واحد أخبر من وراءهم، فقيل: حكمة الإسراع فيه نزول نار فيه على من اصطاد فيه، ولذا يسمي أهل مكة هذا الوادي: وادي النار. (فحرك) أي ناقته بالإسراع (قليلًا) أي: تحريكًا قليلًا، أو زمانًا قليلًا، أو مكانًا قليلًا أي يسيرًا، قال النووي: قدر رمية حجر (ثم سلك) أي سار (الطريقَ الوسطى) وهذا غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وهي طريق ضب، وأما طريق الرجوع فهي طريق المأزِمَيْنِ (الذي يخرجك إلى الجمرة الكبرى) أي جمرة العقبة (حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة) أي حتى وصل إلى جمرة العقبة، ولعل الشجرة إذ ذاك كانت موجودة هناك.
следующие страницы →