ثُمَّ اتَّفَقُوا:
ثمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
===
بينهما, ولا على إثر كل واحدة منهما": أي عقبها، ويستفاد منه أنه ترك التنفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرح بأنه لم يتنفل بينهما، بخلاف العشاء؛ فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها, لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثمة قال الفقهاء: تؤخر سنَّة العشائين عنهما.
ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة؛ لأنهم اتفقوا على أن السنَّة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما، ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود الآتي في الباب الذي بعده.
(ثم اتفقوا) أي جميع شيوخه: (ثم اضطجع رسول الله ﷺ ) أي للنوم بعد راتبة المغرب والعشاء والوتر كما في رواية.
فإن قيل: كيف ترك رسول الله ﷺ التهجد وهو كان عليه ﷺ فرضًا على قول طائفة من العلماء؟ !
قلت: ترك التهجد مبني على قول طائفة أن التهجد لم يكن عليه ﷺ فرضًا، وصرح بذلك مولانا الشاه ولي الله في "حجة الله البالغة"، والشيخ بحر العلوم في "رسائل الأركان"، قال الشاه ولي الله (١): أقول: إنما لم يتهجد رسول الله ﷺ في ليلة مزدلفة, لأنه كان لا يفعل كثيرًا من الأشياء المستحبة في المجامع، لئلا يتخذها الناس سنَّة، انتهى.
وقال مولانا بحر العلوم: وقوله: "ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر": يدل دلالة واضحة على أنه ﷺ لم يصل صلاة الليل في تلك الليلة،
стр. 4307
حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ
===
وقد نص القسطلاني في "المواهب اللدنية" (١) على أنه ﷺ لم يصل صلاة الليل في تلك الليلة، فما في "الإحياء" (٢): ينبغي أن لا يترك نوافل الليل في هذه الليلة، بل جعل أداءَها في هذه الليلة من المهمات، فليس على ما ينبغي، انتهى.
قلت: ما في "الإحياء" فالظاهر أنه مبني على قول من قال: إن صلاة التهجد كان واجبًا عليه ﷺ ، فالظاهر أنه ﷺ لم يترك واجبه، وما في الحديث: أنه اضطجع حتى طلع الفجر، مبني على علم الراوي.
وأيضًا يمكن أن يقال على كلا التقديرين يعني على قول الوجوب عليه والسنيَّة: قول الراوي: "اضطجع حتى طلع الفجر"، إما أن يكون محمولًا على علم الراوي بأنه لم يره صلَّى، أو يقال: اضطجع بعد أداء راتبة المغرب والعشاء والوتر؛ فإن صلاة الوتر واجبة عند الحنفية، فعلى قولهما يلزم أنه ﷺ ترك الوتر أيضًا كما ترك صلاة التهجد أيضًا، وإلا فالوتر كما يطلق على الوتر يطلق على صلاة الليل مطلقًا، فالظاهر أنه ﷺ صلَّى التهجد مع الوتر، فلا ينبغي أن يقال: إنه ﷺ ترك صلاة الليل، والله أعلم.
(حتى طلع الفجر) تقوية للبدن ورحمة للأمة، ثم المبيت عندنا سنَّة وعليه بعض المحققين من الشافعية، وقيل: واجب، وهو مذهب الشافعي، وقيل: ركن لا يصح إلا به كالوقوف وعليه جماعة من الأجلة، وقال مالك: النزول واجب، وكذا الوقوف بعده، ثم المبيت بمعظم الليل، والصحيح أنه بحضور لحظة بالمزدلفة.
وقال في "البدائع" (٣): اختلف أصحابنا في الوقوف بمزدلفة، قال بعضهم: إنه واجب، وقال الليث: إنه فرض، وهو قول الشافعي.
وأما زمانه: فما بين طلوع الفجر من يوم النحر وطلوع الشمس،
стр. 4308
فَصلَّى الفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ. قَالَ سُلَيْمَانُ: بِنِدَاءٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ اتَّفَقُوا: ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرامَ فَرَقِيَ عَلَيْهِ. قَالَ عُثْمَانُ وَسُلَيْمَانُ: فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَحَمِدَ الله وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ. زَادَ عُثْمَانُ: وَوَحَّدَهُ. فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا. ثُمَّ دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ (١) الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسِ، وَكَانَ رَجُلًا
===
فمن حصل بمزدلفة في هذا الوقت فقد أدرك الوقوف سواء بات بها أو لا، ومن لم يحصل بها فيه فقد فاته الوقوف، وهذا عندنا.
وقال الشافعي: يجوز في النصف الأخير من ليلة النحر، والسنَّة أن يبيت ليلة النحر بمزدلفة، والبيتوتة ليست بواجبة إنما الواجب الوقوف، والأفضل أن يكون وقوفه بعد الصلاة، فيصلي صلاة الفجر بغلس، ثم يقف عند المشعر الحرام، فيدعو الله تعالى ويسأله حوائجه إلى أن يسفِرَ، ثم يفيض منها قبل طلوع الشمس إلى مني، ولو أفاض بعد طلوع الفجر قبل صلاة الفجر فقد أساء، ولا شيء عليه لتركه السنَّة، انتهى.
(فصلَّى الفجر حين تبين له الصبح) أي: طلع الفجر (قال سليمان: بنداء وإقامة) ولم يذكر هذا اللفظ غيره من شيوخ المصنف (ثم اتفقوا) كلهم: (ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام) وهو موضع خاص من المزدلفة ببناء معلوم، سمي به لأنه معلم للعباد، والمشاعر المعالم التي ندب الله إليها، وأمره بالقيام فيها، وهو بفتح الميم، وقد يُكْسَرُ (فرقي عليه) أي على المشعر الحرام.
(قال عثمان وسليمان: فاستقبل القبلة، فحمد الله وكبَّره وهلَّله، زاد عثمان: وَوَحَّده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا) أي: أضاء الفجر إضاءَةً تامةً.
(ثم دفع) أي سار وانطلق (رسول الله ﷺ ) من المزدلفة إلى مني (قبل أن تطلع الشمس، وأردت الفضل بن عباس) أي بدل أسامة بن زيد (وكان رجلًا
стр. 4309
حَسَنَ الشَّعْرِ أَبَيْضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَّ الظُعُنُ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ (١) ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الفَضْلِ، وَصَرَفَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، وَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، وَصَرَفَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ،
===
حسن الشعر أبيض وسيمًا) أي حسينًا جميلًا (فلما دفع رسول الله ﷺ ) من المزدلفة (مَرَّ الظُّعُن) بضمتين جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج، (يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل) ليكف بصره عن النظر إليهن، ولا ينظرن إليه.
(وصرف الفضل وجهه إلى الشق الآخر، وحوَّل رسولُ الله ﷺ يدَه إلى الشق الآخر) أي ووضعه على وجه الفضل (وصرف الفضلُ وجهَه إلى الشق الآخر ينظر)، ففي الأول في قوله: "ينظر إليهن" تصريح بأن النظر كان إليهن، وكذلك في القول الذي بعده: "وصرف الفضل وجهه إلى الشق الآخر، وحوَّل رسول الله ﷺ يده إلى الشق الآخر"، فالظاهر أن النظر في المرة الثانية إليهن لم يكن قصدًا منه، فالغرض بوضع يده ﷺ أن لا تنظر إليه الظعن.
وأما قوله في الثالثة: "وصرف الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر"، ليس المراد فيه بالنظر النظر إلى الظعن، بل المراد من النظر النظر إلى ذلك الجانب لا إلى الظعن؛ لأنه لا يمكن من ابن عباس أن ينظر إليهن بعد منعه ﷺ إياه من النظر إليهن في الجانبين، ولهذا لم يذكر فيه وضع يده ﷺ على وجهه.
قال النووي (٢): فيه الحث على غضِّ البصر عن الأجنبيات، وغضِّهن عن الرجال الأجانب، وفي رواية الترمذي وغيره في هذا الحديث: أن النبي ﷺ لوى عنقَ الفضل، فقال له العباس: لويت عنق ابن عمك، قال "رأيت شابًا
стр. 4310
حَتَّى (١) أَتَى مُحَسِّرًا فَحَرَّكَ (٢) قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّذِي يُخْرِجُكَ إِلَى (٣) الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ
===
وشابة فلم آمن الشيطان عليهما"، فهذا يدل على أن وضعه ﷺ يده على وجه الفضل كان لدفع الفتنة عنه وعنها.
(حتى أتى محسِّرًا) بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة المهملتين، سمِّي بذلك لأن قيل أصحاب الفيل حسر فيه، أي: أعيا وكلَّ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (٤)، هذا ما قاله النووي وجماعة.
قال القاري (٥): لكن المرجح عند غيرهم أنهم لم يدخلوا الحرم، وإنما أصابهم العذاب قبيل الحرم قرب عرفة، فلم ينج منهم إلا واحد أخبر من وراءهم، فقيل: حكمة الإسراع فيه نزول نار فيه على من اصطاد فيه، ولذا يسمي أهل مكة هذا الوادي: وادي النار.
(فحرك) أي ناقته بالإسراع (قليلًا) أي: تحريكًا قليلًا، أو زمانًا قليلًا، أو مكانًا قليلًا أي يسيرًا، قال النووي: قدر رمية حجر (ثم سلك) أي سار (الطريقَ الوسطى) وهذا غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وهي طريق ضب، وأما طريق الرجوع فهي طريق المأزِمَيْنِ (الذي يخرجك إلى الجمرة الكبرى) أي جمرة العقبة (حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة) أي حتى وصل إلى جمرة العقبة، ولعل الشجرة إذ ذاك كانت موجودة هناك.
стр. 4311
فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْل (١) حَصَى الْخَذْفِ، فَرَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتينَ، وَأَمَرَ عَلِيًّا ﵁ فَنَحَرَ مَا غَبَرَ - يقُولُ: مَا بَقِيَ - وَأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ. ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا.
===
(فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة (٢) منها مثل حصى الخذف) بالخاء والذال المعجمتين، وهو بقدر حبة الباقلاء، والرمي برؤوس الأصابع (فرمى من بطن الوادي) أي لا من فوقها (ثم انصرف رسول الله ﷺ ) أي رجع من جمرة العقبة (إلى المنحر) بفتح الميم أي موضع النحر، والآن يقال له: المذبح لعدم النحر، أو تغليبًا للأكثر، والأصح أن منحره ﵊ في منزله الذي بقرب مسجد الخيف متقدمًا على قبلة مسجد الخيف.
(فنحر بيده ثلاثًا وستين) بدنة بعدد سني عمره (وأمر عليًا ﵁ فنحر ما غبر) أي ما بقي من المائة، وهي سبع وثلاثون (يقول) أي في تفسيره: (ما بقي، وأشركه) أي النبي ﷺ عليًا (في هديه) أي أشركه في نحر هديه، ويحتمل أن يكون معناه أنه ﷺ أذن لعلي أن ينحر بعض البدن عن نفسه.
(ثم أمر من كل بدنة ببَضعة) بفتح الباء الثانية، وهي قطعة من اللحم (فَجُعِلَتْ) أي القطع (في قِدر) بكسر القاف (فطبخت) أي القطع (فأكلا من لحمها) الهدايا (وشربا من مرقها) أي مرق لحوم الهدايا، قال ابن الملك (٣):
стр. 4312
قَالَ سُلَيْمَانُ: ثُمَّ ركِبَ ثُمَّ أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ،
===
هذا يدل على جواز الأكل من هدي (١) التطوع، انتهى. والصحيح أنه مستحب، وقيل: واجب لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾.
(قال سليمان (٢): ثم ركب) أي رسول الله ﷺ (ثم أفاض)، [أي] أسرع (رسول الله ﷺ إلى البيت) أي الكعبة لطواف الفرض، ويسمى: طواف الإفاضة، والركن، والزيارة (فصلَّى بمكة الظهر)، قال القاري (٣): قال النووي: فيه محذوف، تقديره: فأفاض فطاف بالبيت طواف الإفاضة، ثم صلَّى الظهر، فحُذِفَ ذكرُ الطواف لدلالة الكلام عليه، وأما قوله: "فصلَّى بمكة الظهر"، فقد ذكر مسلم بعد هذا في حديث ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ طاف للإفاضة قبل الزوال، ثم صلَّى الظهر بمنى"، ووجه الجمع بينهما أنه ﷺ طاف للإفاضة قبل الزوال، ثم صلَّى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى مني فصلَّى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك، فكان متنفلًا بالظهر الثانية بمنى.
أقول: إنه لا يحمل فعله ﷺ على القول المختلف في جوازه، فيؤوَّل بأنه صلَّى بمكة ركعتي الطواف وقت الظهر، ورجع إلى مني فصلَّى الظهر بأصحابه،
стр. 4313
ثُمَّ أَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطلِبِ وَهُمْ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ
===
أو يقال: الروايتان حيث تعارضتا فقد تساقطتا، فترجح صلاته بمكة لكونها فيها أفضل، ويؤيده ضيق الوقت؛ لأنه ﵊ رجع قبيل طلوع الشمس من المشعر، ورمى بمنى، ونحر مئة من الإبل، وطبخ لحمها، وأكل منها، ثم ذهب إلى مكة وطاف وسعى، فلا شك أنه أدركته الوقت بمكة، وما كان يؤخرها عن الوقت المختار لغير ضرورة.
ثم قال النووي: وأما الحديث الوارد عن عائشة ﵂ وغيرها: أنه ﷺ أخر الزيارة يوم النخر إلى الليل؛ فمحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة، ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث.
قلت: لا بد من التأويل، لكن لا من هذا التأويل؛ لأنه لا دلالة عليه، لا لفظًا ولا معنى، ولا حقيقة ولا مجازًا، فالأحسن أن يقال: معناه جوَّز تأخير الزيارة مطلقًا إلى الليل، أو أمر بتأخير زيارة نسائه إلى الليل، وقول ابن حجر: فذهب معهن؛ غير صحيح، إذ لم يثبت عوده ﵊ معهن في الليل، قاله القاري.
(ثم أتى بني عبد المطلب) وهم أولاد العباس وجماعته؛ لأن سقاية الحج كانت وظيفته (وهم يسقون على زمزم) (١) الواو للحال، أي: والحال أنهم ينزعون الماء من زمزم ويسقون الناس، قال النووي (٢): معناه يغرفون بالدلاء، ويصبونه في الحياض ونحوها.
стр. 4314
فَقَالَ: "انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِب، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُم النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُم لَنَزَعْتُ مَعَكُم"؛ فَنَاوَلُوَهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ ﷺ ". [م ١٢١٨، جه ٣٠٧٤، ق ٥/ ٨]
===
(فقال: انزعوا) أي الماء، أو الدلاء (بني عبد المطلب) بحذف حرف النداء، يريد أن هذا العمل عمل صالح مرغوب فيه لكثرة ثوابه، والظاهر أنه أمر استحباب لهم (فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم) أي لولا مخافة كثرة الازدحام عليكم بحيث تؤدي إلى إخراجكم عنه رغبةً في النزع اتباعًا لفعلي (لنزعت معكم).
وقال النووي: لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج فيزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم؛ لكثرة فضيلة هذا الاستقاء.
قلت: ويعارضه ما ذكره صاحب "الهداية" (١): روي أن النبي ﷺ استقى دلوًا بنفسه فشرب منه، ثم أفرغ باقي الدلو في البئر. قال ابن الهمام (٢): رواه في كتاب الطبقات مرسلًا، قال: ويجمع بأن ما في هذا كان بعقب طواف الوداع، وحديث جابر ﵁ وما معه كان عقب طواف الإفاضة، ولفظه ظاهر فيه حيث قال: "فأفاض إلى البيت فصلَّى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا" الحديث، وطواف الوداع كان ليلًا، والله أعلم.
(فناولوه) أي أعطوه (دلوًا فشرب منه ﷺ أي من الدلو، أو من الماء، قيل: ويستحب أن يشرب قائمًا، وفيه بحث؛ لأنه ﵊ شربه قائمًا لبيان الجواز، أو لعذر به في ذلك المقام من الطين، أو الازدحام؛ فإنه صح نهيه عن الشرب قائمًا بل أمر من شرب قائمًا أن يتقيأ ما شربه، قلت: لم يذكر في هذا الحديث: الحلق.
стр. 4315
١٩٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلَالٍ -. (ح): وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِىُّ, الْمَعْنَى وَاحِدٌ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ بِعَرَفَةَ, وَلَمْ (١) يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا, وَإِقَامَتَيْنِ وَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ, وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا".
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ أَسْنَدَهُ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ فِى الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ, وَوَافَقَ حَاتِمَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَلَى إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِىٍّ الْجُعْفِىُّ,
===
١٩٠٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا سليمان - يعني ابن بلال -، ح: وحدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الوهاب) بن عبد المجيد (الثقفي، المعنى واحد) أي معنى حديث سليمان بن بلال، وحديث عبد الوهاب الثقفي واحد وإن اختلفا في اللفظ، كلاهما أي سليمان وعبد الوهاب (عن جعفر بن محمد، عن أبيه) أي محمد بن علي بن الحسين الباقر: (أن النبي ﷺ صلَّى الظهر والعصر بأذان واحد بعرفة) أي في مسجد نمرة (ولم يسبِّح) أي لم يتنفل (بينهما، وإقامتين) أي لكل واحدة منهما إقامة (وصلَّى المغرب والعشاء بجمع) أي بالمزدلفة (بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبِّح) أي لم يتنفل (بينهما)، وهذا حديث مرسل.
(قال أبو داود: هذا الحديث أسنده حاتم بن إسماعيل في الحديث الطويل) وقد تقدم تقريبًا (ووافق حاتمَ بنَ إسماعيل على إسناده) أي على كونه مسندًا (محمد بن علي الجعفي) لم أجد ترجمته فيما تتبعت من الكتب (٢)
стр. 4316
عَنْ جَعْفَرٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَابِرٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: "فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعَتَمَةَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ". [انظر سابقه]
١٩٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ, حَدَّثَنَا أَبِى, عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ثُمَّ قَالَ النَّبِىُّ (١) ﷺ : «قَدْ نَحَرْتُ هَا هُنَا
===
(عن جعفر، عن أبيه، عن جابر) أي مسندًا (إلَّا أنه) أي محمد بن علي الجعفي (قال: فصلَّى المغرب والعتمة) أي العشاء (بأذان وإقامة) (٢) أي واحدة، وهذا. قول: أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - رحمهم الله تعالى -.
وههنا نسخة كُتِبَتْ على حاشية النسخة المكتوبة، ونُقِلَتْ منها في النسخ المطبوعة وهي هذه: قال أبو داود: قال لي أحمد: أخطأ حاتم في هذا الحديث الطويل.
قلت: ولم يتحقق لي محل الخطأ، فيحتمل أن يكون الخطأ: أن حاتم بن إسماعيل أدخل كلام محمد بن علي في قصة فاطمة وهو قوله: "قال علي بالكوفة: فذهبت محرشًا" إلى آخره في حديث جابر بن عبد الله، وهو ليس بداخل فيه، بل هو مدرج من كلام محمد بن علي.
ويحتمل أن يكون المراد من الخطأ: أن حاتم بن إسماعيل ذكر في حديثه في الجمع بين الصلاتين المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان وإقامتين، ولم يذكره يحيى القطان في حديثه، عن جعفر، عن أبيه، والله تعالى أعلم.
١٩٠٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، نا جعفر) بن محمد بن علي بن الحسين، (نا أبي) أي محمد بن علي بن الحسين، (عن جابر قال) أي جابر: (ثم قال النبي ﷺ : قد نحرت ههنا) أي في منحره،
стр. 4317
وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» , وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَالَ: «قَدْ وَقَفْتُ هَا هُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» , وَوَقَفَ بالْمُزْدَلِفَةِ (١) وقَالَ: «قَدْ وَقَفْتُ هَا هُنَا وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ». [م ١٢١٨، ن ٣٠١٥، ٣٠٤٥، حم ٣/ ٣٢١]
١٩٠٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ, عَنْ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ (٢) زَادَ: «فَانْحَرُوا فِى رِحَالِكُمْ». [انظر تخريج الحديث السابق]
١٩٠٩ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ, عَنْ جَعْفَرٍ, حَدَّثَنِى أَبِى, عَنْ جَابِرٍ, فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ, وَأَدْرَجَ فِى الْحَدِيثِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٣) قَالَ:
===
(ومنى كلها منحر)، فمن شاء أن ينحر فلينحر في أيها شاء (ووقف بعرفة فقال: قد وقفت ههنا) أي في موقفه ﷺ (وعرفة كلها موقف)، فمن وقف فليقف في أيِّ موضع شاء منها، (ووقف بالمزدلفة وقال: قد وقفت ههنا) أي في موقفه (ومزدلفة كلها موقف)، فمن وقف فليقف في أيها شاء.
١٩٠٨ - (حدثنا مسدد، نا حفص بن غياث، عن جعفر) أي ابن محمد (بإسناده) أي المتقدم (زاد) أي حفص بن غياث: (فانحروا في رحالكم) أي لِيَنْحَر كل واحد منكم في رحله، فإن رحالهم كان في مني، حاصله أنه لا يلزم أن ينحر كل واحد منهم في منحر النبي ﷺ ؛ فإنه يؤدي إلى الضيق والحرج والازدحام.
١٩٠٩ - (حدثنا يعقوب بن إبراهيم، نا يحيى بن سعيد القطان، عن جعفر) بن محمد المذكور، (حدثني أبي) أي محمد بن علي، (عن جابر، فذكر) أي يحيى بن سعيد القطان (هذا الحديث، وأدرج) أي يحيى القطان (في الحديث عند قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال) أي: جعفر بن
стр. 4318
فَقَرَأَ فِيهِمَا بِالتَّوْحِيدِ وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. وَقَالَ فِيهِ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁ بِالْكُوفَةِ، قَالَ أَبِي: هَذَا الْحَرْفُ لَمْ يَذْكُرْهُ جَابِرٌ: فَذَهَبْتُ مُحَرِّشًا، وَذَكَرَ قِصَّةَ فَاطِمَةَ ﵂". [م ١٢١٨، ت ٨٦٢، ن ٢٩٦٣، جه ٣٠٧٤، خزيمة ٢٧٥٤]
===
محمد: (فقرأ فيهما) أي في ركعتي الطواف (بالتوحيد) أي بسورة التوحيد وهي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وقد صرَح بذلك الإِمام أحمد في "مسنده"؛ فإنه أخرج حديث يحيى القطان، عن جعفر، عن أبيه، قال أبو عبد الله - يعني جعفرًا -: فقرأ فيها بالتوحيد، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾.
(وقال) أي جعفر بن محمد: (فيه) أي في الحديث: (قال علي ﵁ بالكوفة، قال أبي) أي محمد بن علي: (هذا الحرف) أي الذي يذكره وهو قوله: "فذهبت محرشًا" (لم يذكره جابر: فذهبت محرشًا، وذكر) أي جابر (قصة فاطمة ﵂) وهي التي تقدم ذكرها في الحديث الطويل.
قلت: ولكن ظاهر حديث حاتم بن إسماعيل الذي أخرجه مسلم وأبو داود مطولًا أن هذا القول من حديث جابر أيضًا، والله تعالى أعلم.
وقد فصل الإِمام أحمد وبيَّن في "مسنده" (١) في حديث يحيى القطان كلام جابر في قصة فاطمة ﵂، وكلام محمد بن علي الذي زاد فيه ولم يذكره جابر، فقال: "فإذا فاطمة ﵂ قد حلَّت، ولبست ثيابًا صبيغًا، [واكتحلت]، فأنكر ذلك علي ﵁ عليها، فقالت: أمرني به رسول الله ﷺ ". وهذا كلام جابر في قصة فاطمة ﵂، ثم ذكر قال: قال علي بالكوفة - قال جعفر: قال أبي: هذا الحرف أي من قوله: قال علي بالكوفة، إلى آخره، لم يذكره جابر- فذهبت محرشًا أستفتي به النبي ﷺ في الذي ذكرته فاطمةُ، قلت: إن فاطمة لبست ثيابها صبيغًا، واكتحلت، وقالت: أمرني به أبي، قال: صدقت، صدقت، صدقت، أنا أمرتها به"، انتهى كلام محمد بن علي.
стр. 4319
(٥٦) بَابُ الْوقُوفِ بِعَرَفَةَ
١٩١٠ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ, عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ
===
قلت: ومحمد بن علي هذا لم يدرك جدَّ أبيه عليَّ بن أبي طالب، فلعله سمع هذا الكلام من غير جابر بن عبد الله، وأدخله في حديث جابر.
(٥٦) (بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) (١)
أي: كيف شُرع؟ سمِّي بها لتعرُّف (٢) العباد إلى الله بالعبادات هناك، وقيل: للتعارف فيه بين آدم وحواء، وقيل: لأن جبريل ﵊ أرى إبراهيم ﵊ المناسكَ، أي: مواضع النسك في ذلك اليوم، فكان يقول له في موضع: أعرفت هذا؟ فيقول: نعم، وقيل: هو يوم اصطناع المعروف إلى أهل الحج، وقيل: يعرِّفهم الله تعالى يومئذ بالمغفرة والكرامة، أي: يطيِّبهم، ومنه قوله تعالى: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾، أي: طيَّبها (٣).
١٩١٠ - (حدثنا هناد، عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت فريش) وهم ولد النضر بن كنانة، قال في "القاموس" (٤): ومنه قريش لِتَجَمُّعِهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرَّشون البياعات فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يومًا، فقالوا: تَقَرَّش، أو لأنه جاء إلى قومه فقالوا: كأنه جَمَلٌ قَرِيشٌ، أي: شديد، أو لأن قُصَيًّا كان يقال له: القُرَشي، أو لأنهم كانوا يُفَتِّشُون الحاجَّ فيسدون خَلَّتَها،
стр. 4320
وَمَنْ دَانَ دِينَهَا (١) يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ, وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ, وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ. قَالَتْ: فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْتِىَ عَرَفَاتٍ فَيَقِفَ بِهَا, ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا, فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (٢). [خ ٤٥٢٠، م ١٢١٩، ق ٥/ ١١٣، خزيمة ٣٠٥٨]
===
أو سميت بمصَغَّر القِرْشِ، وهو دابةٌ بحريةٌ تخافها دوابُّ البحر كلُّها، أو سميت بقُرَيْش بن مخلد بن غالب بن فهر، وكان صاحب عِيْرِهم، فكانوا يقولون: قَدِمَتْ عِيْرُ قُريش، وخرجتْ عيرُ قريش، والنسبة: قَرَشِيٌّ وقُرَيْشِىٌّ.
(ومن دان) أي اختار وتبع (دينها) أي طريقة قريش (يقفون بالمزدلفة) أي حين يقف الناس بعرفة في الحل، فإنهم كانوا لا يخرجون من الحرم (وكانوا) أي قريش (يسمون الحمس) (٣) جمع أحمس من الحماسة، بمعنى الشجاعة وهم قريش، ومن ولدته قريش وكنانة وجديلة قيس ومن تابعهم، سموا به لتحمُّسِهم في دينهم، أي: لشدتهم، أو لالتجائهم للحمساء، وهي الكعبة, لأن حجرها أبيض يضرب إلى السواد، وفيه إشارة إلى أنهم كانوا يفتخرون بشجاعتهم وجلادتهم قائلين بأنا أهل الحرم المحترم كالحمام، فلا نخرج إلى الوقوف كالعوام.
(وكان سائر العرب يقفون بعرفة) على العادة القديمة (قالت: فلما جاء الإِسلام أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يأتي عرفات) متابعة للأنبياء الكرام (فيقف بها) أي بعرفة (ثم يفيض) أي يدفع (منها) وأصله أفاض نفسه أو راحلته، ثم تُرِكَ المفعولُ رأسًا حتى صار كاللازم.
(فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾)، أي: ادفعوا وارجعوا (﴿مِنْ حَيثُ أَفَاضَ الناس﴾) أي: عاملوا معاملتهم، وفيه إيماء إلى خروج
стр. 4321
(٥٧) بَابُ الْخُرُوجِ إِلَى مِنًى
١٩١١ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ, حَدَّثَنَا الأَحْوَصُ بْنُ جَوَّابٍ الضَّبِّىُّ, حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ, عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ مِقْسَمٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ (١) ﷺ الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَالْفَجْرَ
===
المتكبرين عن كونهم ناسًا، الخطاب مع قريش، أمروا بأن يساووا الناس بعد ما كانوا يترفعون عنهم، وثم لتفاوت ما بين الإفاضتين يعني أحدهما صواب، والآخر خطأ، وقيل: من مزدلفة إلى مني بعد الإفاضة من عرفة شرع قديم فلا تغيروه، والظاهر من الحديث أن الخطاب معه ﵊ تعظيمًا له، أو له ولأمته.
(٥٧) (بَابُ الْخُرُوجِ) أي من مكة (إِلَى مِنًى)
١٩١١ - (حدثنا زهير بن حرب، نا الأحوص بن جَوَّاب) بفتح الجيم وتشديد الواو (الضبي) أبو الجواب الكوفي، قال ابن معين: ثقة، وقال مرة: ليس بذاك القوي، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن حبان في "الثقات": كان متقنًا وربما وَهِمَ.
(نا عمار بن رزيق) بتقدم الراء على الزاي، مصغرًا، الضبي التميمي، أبو الأحوص الكوفي، قال ابن معين وأبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الإِمام أحمد: كان من الأثبات، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن المديني: ثقة، وقال أبو بكر البزار: ليس به بأس.
(عن سليمان الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: صلَّى رسول الله ﷺ الظهر) أي صلاة الظهر (يوم التروية) أي في اليوم الثامن من ذي الحجة، وكذا صلاة العصر والمغرب والعشاء (والفجر) أي صلاة
стр. 4322
يَوْمَ عَرَفَةَ بِمِنًى". [ت ٨٨٠، حم ١/ ٢٥٥، خزيمة ٢٧٩٩، ك ١/ ٤٦١]
١٩١٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: "سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ, قُلْتُ أَخْبِرْنِى بِشَىْءٍ عَقَلْتَهُ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ (١): بِمِنًى, قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ, ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ" (٢). [خ ١٧٦٣، م ١٣٠٩، ن ٢٩٩٧، ت ٩٦٤، دي ١٨٧٢، حم ٣/ ١٠٠]
===
الفجر (يوم عرفة) أي في اليوم التاسع من ذي الحجة (بمنى) ثم غدا إلى عرفات.
١٩١٢ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم) ولعله الدورقي، (نا إسحاق الأزرق) بتقديم المعجمة على المهملة، ابن يوسف بن مرداس، المخزومي، الواسطي، ثقة، (عن سفيان) أي الثوري، (عن عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك، قلت: أخبِرْني بشيء عقلتَه عن رسول الله ﷺ ) وهو (أين صلَّى رسول الله ﷺ الظهر) أي صلاة الظهر (يوم التروية؟ ) أي ثامن ذي الحجة (قال: بمنى، قلت: أين صلَّى العصر يوم النفر؟ ) أي: الثاني، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، وهو يوم الرجوع من منى (قال: بالأبطح) وهو المحصب، (ثم قال) أي أنس بن مالك: (افعل كما يفعل أمراؤك) ولا تخالِفْهم؛ فإن نزول المحصب ليس بنسك لازم، فلو تركه أمراؤك اتركه، وفي خلافهم فتنة.
стр. 4323
(٥٨) بَابُ الْخُرُوجِ إِلَى عَرَفَة
١٩١٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, حَدَّثَنَا أَبِى, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, حَدَّثَنِى نَافِعٌ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "غَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مِنًى حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ صَبِيحَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَنَزَلَ بِنَمِرَةَ, وَهِىَ مَنْزِلُ الإِمَامِ الَّذِى يَنْزِلُ بِهِ بِعَرَفَةَ,
===
(٥٨) (بَابُ الْخُرُوجِ) أي من مني (إِلَى عَرَفَة)
١٩١٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يعقوب) بن إبراهيم بن سعد، (نا أبي) إبراهيم بن سعد، (عن ابن إسحاق، حدثني نافع، عن ابن عمر قال: غدا) الغدو: سير أول النهار، نقيض الرواح، وهو ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس (رسول الله ﷺ من مني) أي إلى عرفات (حين صلَّى الصبح صبيحة يوم عرفة) أي لتاسع ذي الحجة.
قال الحافظ (١): ظاهره أنه توجه من مني حين صلَّى الصبح بها, لكن في حديث جابر الطويل عند مسلم أن توجّهَه ﷺ منها كان بعد طلوع الشمس، ولفظه؟ "فضُرِبَتْ له قبة بنمرة، فنزل بها، حتى زالت الشمس، فأمر بالقصواء فَرُحِلَتْ فأتى بطن الوادي"، انتهى.
(حتى أتى عرفة) أي قريبًا منها (فنزل بنمرة) بفتح النون وكسر الميم: موضع بقرب عرفات خارج الحرم بين طرف الحرم وطرف عرفات (٢) (وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة) أي بقربها، كما تقدم في حديث جابر الطويل ولفظه: "وجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها".
قال ابن الهمام في "فتح القدير" (٣): والسنَّة أن ينزل الإِمام بنمرة,
стр. 4324
حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُهَجِّرًا فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ, ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ,
===
ونزول النبي ﷺ بها لا نزاع فيه، وفي "المنهاج" للنووي: ويبيتون بها، فإذا طلعت الشمس قصدوا عرفات ولا يدخلونها، بل يقيمون بنمرة بقرب عرفات حتى تزول الشمس.
(حتى إذا كان عند صلاة الظهر) أي وقت زوال الشمس (راح رسول الله ﷺ مُهَجِّرًا) أي مبتكرًا ومبادرًا إلى الصلاة، أو معناه داخلًا بالهاجرة (فجمع بين الظهر والعصر).
واختلف في الجمع بين الصلاتين بعرفة هل هو للسفر أو للنسك؟ قال الحافظ (١): وقد ذهب الجمهور إلى أن ذلك الجمع المذكور يختص بمن يكون مسافرًا بشرطه، وعن مالك والأوزاعي وهو وجه للشافعية: أن الجمع بعرفة جمع للنسك، فيجوز لكل أحد، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن القاسم بن محمد، سمعت ابن الزبير يقول: إن من سنَّة الحج أن الإِمام يروح إذا زالت الشمس فيخطب الناس، فإذا فرغ من خطبته نزل فصلَّى الظهر والعصر جميعًا.
قلت: وكذا عند الحنفية، قال القاري في "شرح المناسك" (٢): اعلم أن هذا الجمع للنسك عندنا، فيستوي فيه المسافر والمقيم، خلافًا للشافعي ومن تبعه في تخصيصه بالمسافر.
(ثم خطب الناس) وهذا مخالف لما تقدم أنه ﷺ خطب قبل الصلاة، نقل في الحاشية عن "فتح الودود": وعلى حديث جابر عمل العلماء، قال ابن حزم: رواية ابن عمر لا تخلو عن أحد الوجهين لا ثالث لهما، إما أن يكون النبي ﷺ خطب، كما روى جابر، ثم جمع بين الصلاتين، ثم كلم ﵊ الناس ببعض ما يأمرهم، ويعظهم فيه، فسمَّى ذلك الكلام خطبة، فيتفق الحديثان بذلك، وهذا أحسن لمن فعله، فإن لم يكن فحديث ابن عمر وهم.
стр. 4325
ثُمّ رَاحَ فَوَقَفَ عَلَى الْمَوْقِفِ مِنْ عَرَفَةَ". [حم ٢/ ١٢٩]
(٥٩) بَابُ الرَّوَاحِ إِلَى عَرَفَة
١٩١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا وَكِيعٌ، نَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عن سَعِيدِ بْنِ حَسَّانَ،
===
وقال ابن الهمام في "فتح القدير" (١): إنه ﷺ خطب قبل صلاة الظهر من حديثِ جابر الطويل وحديثِ عبد الله بن الزبير من "المستدرك" (٢)، وحديثُ أبي داود عن ابن عمر ﵄ يفيد أنهما بعد الصلاة، وقال فيه: "فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس"، وهو حجة لمالك في الخطبة بعد الصلاة (٣)، قال عبد الحق: وفي حديث جابر الطويل "أنه خطب قبل الصلاة" وهو المشهور الذي عمل به الأئمة والمسلمون، وأعل هو وابن القطان حديثَ ابن عمر ﵄ بابن إسحاق.
(ثم راح) إلى موقف من عرفات (فوقف على الموقف من عرفة) عند جبل الرحمة عند الصخرات، كما تقدم في حديث جابر الطويل: "فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس".
(٥٩) (بابُ الرَّواح)، وهو السير بعد الزوال (إِلَى عَرَفَة)، أي: مسجد نمرة، ثم إلى عرفات
١٩١٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا وكيع، نا نافع بن عمر، عن سعيد بن حسان) حجازي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، له في أبي داود وابن ماجه
стр. 4326
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "لَمَّا أَنْ قَتَلَ الْحَجَّاجُ ابْنَ الزُّبَيْرِ (١) أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ: أَيَّةُ سَاعَةٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرُوحُ فِى هَذَا الْيَوْمِ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ (٢) رُحْنَا, فَلَمَّا أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَرُوحَ قال: قَالُوا: لَمْ تَزِغِ الشَّمْسُ, قَالَ: أَزَاغَتْ (٣)؟ قَالُوا: لَمْ تَزِغْ, قَالَ: فَلَمَّا قَالُوا: قَدْ زَاغَتِ, ارْتَحَلَ". [جه ٣٠٠٩، حم ٢/ ٢٥]
(٦٠) بَابُ الْخُطْبَةِ (٤) بِعَرَفَةَ
===
حديث واحد في وقت الرواح إلى عرفة، (عن ابن عمر قال: لما أن قتل الحجاجُ ابنَ الزبير) وأخبر به عبد الملك بن مروان، فكتب عبد الملك الخليفة إلى الحجاج أن يأتم بعبد الله بن عمر في الحج (أرسل) أي الحجاج (إلى ابن عمر) يسأله (آية ساعة كان رسول الله ﷺ يروح) إلى الصلاة أو إلى الوقوف (في هذا اليوم؟ ) أي يوم عرفة.
(قال) أي ابن عمر: (إذا كان ذلك) أي وقت الرواح (رُحْنا) ونخبرك به (فلما أراد ابن عمر أن يروح، قال) أي سعيد بن حسان: (قالوا: لم تزغ الشمس، قال: أزاغت؟ قالوا: لم تزغ) وإنما سألهم لأنه ﵁ كان قد كف بصره إذ ذاك (قال) أي سعيد بن حسان: (فلما قالوا) أي أتباعه وأصحابه: (قد زاغت) أي الشمس (ارتحل) أي إلى الخطبة والصلاة.
(٦٠) (بابُ الْخُطْبَةِ بِعَرَفَةَ)
اختلفوا في خطب الحج، فقالت المالكية والحنفية: خطب الحج
стр. 4327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ثلاثة (١): سابع (٢) ذي الحجة، ويوم عرفة، وثاني يوم النحر بمنى، ووافقهم (٣) الشافعي إلَّا أنه قال بدل ثاني النحر ثالثه؛ لأنه أول النفر، وزاد خطبة رابعة، وهي يوم النحر (٤)، وقال: إن بالناس حاجة إليها ليتعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف.
وتعقبه الطحاوي بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج؛ لأنه لم يذكر فيها شيئًا من أمور الحج، وإنما ذكر فيها وصايا عامة، ولم ينقل أحد أنه علَّمهم فيها شيئًا من الذي يتعلق بيوم النحر،
стр. 4328
١٩١٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ, عَنِ ابْنِ أَبِى زَائِدَةَ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِى ضَمْرَةَ, عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَمِّهِ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ بِعَرَفَةَ". [حم ٥/ ٣٦٩، ق ٩/ ٣١٢]
===
فعرفنا أنها لم تقصد لأجل الحج، وقال ابن القصار: إنما فعل ذلك من أجل تبليغ ما ذكر لكثرة الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا، فظن الذي رآه أنه خطب.
١٩١٥ - (حدثنا هناد، عن ابن أبي زائدة، أنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني ضمرة (قال الحافظ في "التقريب" وفي "تهذيب التهذيب" في باب المبهمات: زيد بن أسلم، عن رجل من بني ضمرة، عن أبيه، لم يسمَّيا، ضبط الزرقاني بفتح الضاد المعجمة وإسكان الميم، وقد كتب في "التقريب" و"تهذيب التهذيب": حمزة بالحاء المهملة والزاي، وهو خلاف الصواب.
(عن أبيه أو عمه) لم أقف على تسميتهما (قال: رأيت رسول الله ﷺ وهو على المنبر بعرفة).
وقد أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في "مسنده" (١) بإسناده: ثنا سفيان بن عيينة، ثنا زيد بن أسلم، عن رجل، عن أبيه، أو عن عمه قال: "شهدت النبي ﷺ بعرفة، فسئل عن العقيقة، فقال: لا أحب العقوق، ولكن من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فليفعل"، وليس فيه ذكر المنبر، ولم يكن بعرفات منبر في وقته ﷺ ، بل خطبته كانت على ناقته، فالظاهر أن ذكر المنبر غير محفوظ، فإن كان محفوظأ فلعل المراد به شيء مرتفع، وهي ناقته ﷺ ، كما أفاده شيخ مشايخنا مولانا محمد إسحاق الدهلوي، ثم المهاجر المكي ﵀.
стр. 4329
١٩١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ, عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْحَىِّ, عَنْ أَبِيهِ نُبَيْطٍ: "أَنَّهُ رَأَى النَّبِىَّ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ أَحْمَرَ يَخْطُبُ". [ن ٣٠٠٧، جه ١٢٨٦، حم ٤/ ٣٠٥، دي ١٦٠٨]
===
١٩١٦ - (حدثنا مسدد، نا عبد الله بن داود، عن سلمة بن نبيط) بنون وموحدة مصغرًا، ابن شريط بفتح المعجمة، ابن أنس الأشجعي، روى عن أبيه، وقيل: عن رجل عن أبيه، وثَّقه أحمد ووكيع وأبو داود وابن معين والعجلي والنسائي وعثمان بن أبي شيبة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال البخاري: يقال: اختلط بأخرة.
(عن رجل من الحي) وقد أخرج الإِمام أحمد (١) حديث نبيط من طريق وكيع قال: ثنا سلمة بن نبيط، عن أبيه، ولم يذكر عن رجل (٢)، وأخرج أيضًا من طريق عبد الحميد بن عبد الرحمن أبو يحيى الحماني قال: ثنا سلمة بن نبيط قال: كان أبي وجدِّي وعمي مع النبي ﷺ قال: أخبرني أبي قال: "رأيت النبي ﷺ يخطب عشية عرفة على جمل أحمر، قال: قال سلمة: أوصاني أبي بصلاة السحر، قلت: يا أبت! إني لا أطيقها، قال: فانظر الركعتين قبل الفجر فلا تدعنَّهما, ولا تشخصنَّ في الفتنة".
وهذا الحديث صريح في أن سلمة روى عن أبيه بلا واسطة رجل؛ فإنه قال بلفظ الإخبار، وذكر وصية أبيه، فهذا يدل على أن الواسطة بين سلمة وأبيه غير محفوظ (٣).
(عن أبيه نبيط: أنه) أي نبيط (رأى النبي ﷺ واقفًا بعرفة على بعير أحمر يخطب) ولفظ النسائي: "على جمل أحمر"، وكذلك في حديث خالد بن العداء
стр. 4330
١٩١٧ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ (١) , حَدَّثَنِى الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ. قَالَ هَنَّادٌ: عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ أَبِى عَمْرٍو, حَدَّثَنِى خَالِدُ بْنُ الْعَدَّاءِ بْنِ هَوْذَةَ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ عَرَفَةَ
===
ابن هوذة الذي بعد هذا، قال: "رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس يوم عرفة على بعير".
وهذا كله يخالف ما تقدم من حديث جابر الطويل: "حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فَرُحِلَتْ له، فركب حتى أتى بَطن الوادى، فخطب الناس"، والجواب عن حديث نبيط وخالد بن العداء أنهما رأياه من بعيد، فظناها بعيرًا، فرويا الحديث على ظنهما، والصواب أنه ﷺ كان على ناقته القصواء حين قام في الموقف، وخطب.
١٩١٧ - (حدثنا هناد بن السري وعثمان بن أبي شيبة قالا: نا وكيع، عن عبد المجيد) بن أبي يزيد: وهب العقيلي العامري، أبو وهب، ويقال: أبو عمرو البصري، قال يحيى بن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له عند أبي داود حديث في الخطبة يوم عرفة.
(حدثني العداء بن خالد بن هوذة) بن خالد بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن العامري، صحابي قد وقد على النبي ﷺ وأقطعه مياهًا كانت لبني عامر، يقال لها: الرخيخ بخائين معجمتين، وكان هو وأبوه سيدَي قومهما.
(قال هناد: عن عبد المجيد أبي عمرو) فزاد هناد كنيته، (حدثني خالد بن العداء بن هوذة قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس يوم عرفة)
стр. 4331
عَلَى بَعِيرٍ قَائِمٌ (١) في الرِّكَابَيْنِ". [حم ٥/ ٣٠]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ الْعَلَاءِ، عن وَكِيعٍ كَمَا قَالَ هَنَّادٌ (٢).
١٩١٨ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيم، نَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، نَا عَبْدُ الْمَجِيدِ أَبُو عَمْرٍو، عن الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ بِمَعْنَاهُ. [انظر سابقه]
(٦١) بَابُ مَوْضِعِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ
١٩١٩ - حَدَّثَنَا (٣) ابْنُ نُفَيْلٍ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو - يَعْنِى ابْنَ دِينَارٍ -, عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ
===
أي في عرفات (على بعير قائم في الركابين، قال أبو داود: رواه ابن العلاء، عن وكيع كما قال هناد)، وقد أخرج الإِمام أحمد (٤) حديث وكيع، فذكر عبد المجيد مع كنيته كما قال هناد.
١٩١٨ - (حدثنا عباس بن عبد العظيم، نا عثمان بن عمر) بن فارس، (نا عبد المجيد أبو عمرو، عن العداء بن خالد بمعناه).
(٦١) (بَابُ مَوْضِعِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ)
١٩١٩ - (حدثنا ابن نفيل، نا سفيان، عن عمرو - يعني ابن دينار-، عن عمرو بن عبد الله بن صفوان) بن أمية بن خلف الجمحي المكي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، (عن يزيد بن شيبان) الأزدي صحابي، ذكر الحافظ في "تهذيب التهذيب" في ترجمته: قال أبو حاتم: هو خال عمرو المذكور، وقال البخاري: له رؤية.
стр. 4332
قَالَ: "أَتَانَا ابْنُ مِرْبَعٍ الأَنْصَارِىُّ وَنَحْنُ بِعَرَفَةَ فِى مَكَانٍ يُبَاعِدُهُ عَمْرٌو عَنِ الإِمَامِ, فَقَالَ (١): إِنِّى رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ, يَقُولُ لَكُمْ: «قِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ, فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ». [ت ٨٨٣، ن ٣٠١٤، جه ٣٠١١، حم ٤/ ١٣٧، خزيمة ٢٨١٨، ك ١/ ٤٦٢]
===
(قال: أتانا ابن مِرْبَع الأنصاري) هو زيد بن مربع، بكسر الميم وسكون الراء بعدها موحدة مفتوحة، ابن قيظي، بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها ظاء مشالة، ابن عمرو بن زيد بن جشم بن مجدعة بن حارثة الأوسي الأنصاري، سماه أحمد وابن معين وابن البرقي، وقيل اسمه: يزيد، وقيل: عبد الله، وأكثر ما يجيء في الحديث غير مسمى.
(ونحن بعرفة) أي بعرفات (في مكان يباعده عمرو عن الإِمام) هكذا في نسخ أبي داود، وكذا في الترمذي، وهكذا في إحدى روايتي البيهقي (٢)، فأخرج من طريق أحمد بن شيبان: ثنا سفيان، فذكره بنحوه إلا أنه قال: عن عمرو، وقال: أتانا ابن مربع الأنصاري بعرفة، ونحن في مكان من الموقف يباعده عمرو يعني عن الإِمام، فقال: ثم ذكره. وفي "مسند الإِمام أحمد": أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن في مكانٍ من الموقف بعيدٍ.
(فقال: إني رسولُ رسولِ الله ﷺ ، يقول لكم: قفوا على مشاعركم) هذه (فإنكم على إرثٍ من إرثِ إبراهيم) لمكان تباعده عمرو، بالتاء المثناة الفوقانية، وهو تصحيف، والصواب بالياء التحتانية؛ لأن فاعله عمرو بعده ظاهر (٣).
وفي النسائي قال: "كنا وقوفًا بعرفة مكانًا بعيدًا من الموقف، فأتانا
стр. 4333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ابن مربع الأنصاري"، وهذا السياق يدل على أن قوله: "مكانًا بعيدًا من الموقف" من كلام يزيد بن شيبان لا من كلام غيره، وهكذا في إحدى روايتي البيهقي قال: "كنا وقوفًا بعرفة في مكان بعيد من الموقف، فأتانا ابن مربع الأنصاري"، وفي ابن ماجه المطبوعة بمصر قال: "كنا وقوفًا في مكان تباعده من الموقف، فأتانا ابن مربع".
قال السندي في حاشيته: قوله: "تباعده من الموقف" أي من موقف الإِمام، وهو من باعد بمعنى بَعَّد مشددًا، عمرو هو المخاطب بهذا الكلام، أي: مكانًا تبعده أنت، أي تعده بعيدًا، والمقصود تقدير بُعده، وأنه مسلم عند المخاطب، ويحتمل أن هذا من كلام الراوي عن عمرو بمنزلة: قال عمرو: كان ذلك المكان بعيدًا عن موقف الإِمام، أو من كلام عمرو.
وفي نسخة لابن ماجه أيضًا المطبوعة بالهند قال: "كنا وقوفًا بمكان نباعده من الموقف فأتانا ابن مربع"، وكتب عليه شيخ مشايخنا الشيخ عبد الغني المجددي المهاجر المدني: قوله: "كنا وقوفًا في مكان نباعده"، أي: نظن مكان وقوفنا بعيدًا من موقف الإِمام، فضبطه بصيغة المتكلم مع الغير.
وهذا الاختلاف مبني على كتابة لفظ "يباعده"، فمن كان في نسخته بالتاء ظنه صحيحًا، وكتب عليه الحاشية، وكتب توجيهه، ومن كان في نسخته بالنون كتب توجيهه.
والصواب عندي ما في نسخ أبي داود وغيره بلفظ: "يباعده عمرو عن الإِمام"، ومعناه على هذه النسخة: إن عمرو بن دينار يقول: يباعده، أي يبينه بعيدًا عمرو، أي عمرو بن عبد الله بن صفوان عن الإِمام، ويحتمل أن يقال: إن هذا من كلام سفيان، فيقول: يباعده، أي يبعده عمرو بن دينار عن الإِمام، وقد ثبت في رواية النسائي في قوله: قال يزيد بن شيبان: "كنا وقوفًا بعرفة مكانًا بعيدًا من الموقف"، فبيان بعد المكان داخل في كلام يزيد بن شيبان، ففي كلام عمرو ليس إلا بعد المكان عن الإِمام.
стр. 4334
(٦٢) بَابُ الدَّفْعَةِ (١) مِنْ عَرَفَةَ
١٩٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الأَعْمَشِ. (ح): وَحَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ, حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ, حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ, الْمَعْنَى, عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ مِقْسَمٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَرَدِيفُهُ أُسَامَةُ,
===
فحاصله أن عمرًا بَيَّن أن ذلك المكان كان بعيدًا عن الإِمام لا عن الموقف كما يوهم لفظ رواية النسائي، فإن المراد منه من الموقف موقف الإِمام، والله تعالى أعلم.
قال السندي في حاشية ابن ماجه: فإرساله ﷺ الرسولَ إلى ذلك لتطييب قلوبهم لئلا يتحزَّنوا ببعدهم عن موقف رسول الله ﷺ ، ويروا ذلك نقصًا في الحج، أو يظنوا ذلك المكان الذي هم فيه ليس بموقف، ويحتمل أن المراد بيان أن هذا خير مما كان عليه قريش من الوقوف بمزدلفة، وأنه شيء اخترعوه من أنفسهم، والذي أورثه إبراهيم هو الوقوف بعرفة، انتهى.
(٦٢) (بَابُ الدَّفْعَةِ) أي الرجوع والانصراف (مِنْ عَرَفَةَ) بعد الفراغ من الوقوف
١٩٢٠ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن الأعمش، ح: وحدثنا وهب بن بيان) بن حيان الواسطي، أبو عبد الله، نزيل مصر، قال أبو حاتم: صدوق لا بأس به، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال مسلمة: ثقة رجل صالح، قال أبو داود: وأهل مصر يقولون: إنه بدل من الأبدال.
(نا عبيدة) بن حميد، (نا سليمان الأعمش، المعنى) أي معنى حديث محمد بن كثير (٢) وحديث عبيدة واحد، (عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: أفاض رسول الله ﷺ من عرفة وعليه السكينة ورديفه أسامة).
стр. 4335
وَقَالَ: «يا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ, فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ» (١). قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهَا رَافِعَةً يَدَيْهَا عَادِيَةً حَتَّى أَتَى جَمْعًا. زَادَ وَهْبٌ: ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ
===
(فقال: يا أيها الناس عليكم بالسكينة) أي الزموا، (فإن البر ليس بإيجاف الخيل) أي ليس بالإيضاع والإسراع في السير (والإبل. قال) ابن عباس كما يدل عليه حديث البخاري (٢) عن ابن عباس: "أنه دفع مع النبي ﷺ يوم عرفة". أو أسامة بن زيد، كما يدل عليه بعض (٣) روايات البيهقي والإمام أحمد في "مسنده" (٤).
(فما رأيتها) أي الخيل والإبل (رافعة يديها عادية) (٥) من عدا يعدو، أي: مسرعة في السير، كأنهم امتثلوا أمر رسول الله ﷺ فاطمأنوا، وسكَّنوا رواحلهم، ويحتمل أن يكون أمره ﷺ أمرًا تكوينيًا فلم يقدر الرواحل على رفع الأيدي (حتى أتى جمعًا) أي المزدلفة.
(زاد وهب: ثم أردف الفضل بن عباس) أي: من المزدلفة إلى مني.
(وقال) رسول الله ﷺ : (أيها الناس! إن البر ليس
стр. 4336
بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ». قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهَا رَافِعَةً يَدَيْهَا حَتَّى أَتَى مِنًى". [خ ١٥٤٣، ن ٣٠١٨، حم ١/ ٢٥١]
١٩٢١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ, حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ, أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ, وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ زُهَيْرٍ, حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ, أَخْبَرَنِى كُرَيْبٌ: "أَنَّهُ سَأَلَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ قُلْتُ: أَخْبِرْنِى كَيْفَ فَعَلْتُمْ أَوْ صَنَعْتُمْ عَشِيَّةَ رَدِفْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: جِئْنَا الشِّعْبَ الَّذِى يُنِيخُ فيه النَّاسُ فِيهِ لِلْمُعَرَّسِ
===
بإيجاف الخيل والإبل، فعليكم بالسكينة، قال) أي ابن عباس، أو الفضل بن عباس: (فما رأيتها رافعة يديها) أي للعَدْو (حتى أتى مني) قال القاري (١): والحاصل أن المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إلى المبرات مطلوبة، لكن لا على وجه يجر إلى المكروهات وما يترتب عليه من الأذيات.
١٩٢١ - (حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، نا زهير، ح: وحدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، وهذا لفظ حديث زهير) كلاهما أي زهير وسفيان قالا: (نا إبراهيم بن عقبة، أخبرني كريب، أنه سأل أسامة بن زيد قلت: أخبرني كيف فعلتم أو) للشك من الراوي (صنعتم عشيةَ ردفتَ رسولَ الله ﷺ ؟ ).
(قال: جئنا الشعب الذي يُنيخ فيه الناس للمعرس)، ولفظ رواية مسلم: "فقال: جئنا بالشعب الذي يُنيخ الناس فيه للمغرب"، والشعب الطريق في الجبل، وقيل: الفرجة بين الجبلين، والمعرس محل التعريس، وهو نزول المسافر في آخر الليل للاستراحة.
قال الحافظ (٢): وأخرجه الفاكهي من وجه آخر عن ابن عمر، من طريق
стр. 4337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
سعيد بن جبير قال: "دفعت مع ابن عمر من عرفة، حتى إذا وازينا الشعب الذي يصلي فيه الخلفاء المغرب، دخله ابن عمر فتنفض فيه، ثم توضأ وكبر، فانطلق حتى أتى جمعًا".
وروى الفاكهي أيضًا من طريق ابن جريج قال: قال عطاء: "أردف النبي ﷺ يلي أسامةَ، فلما جاء الشعب الذي يصلي فيه الخلفاء الآن المغرب [نزل] فأراق الماء ثم توضأ".
وظاهر هذين الطريقين أن الخلفاء كانوا يصلون المغرب عند الشعب المذكور قبل دخول وقت العشاء، وهو خلاف السنَّة في الجمع بين الصلاتين في المزدلفة.
ووقع عند مسلم من طريق محمد بن عقبة، عن كريب: "أتى الشعب الذي ينزله الأمراء"، وله من طريق إبراهيم بن عقبة عن كريب: "الشعب الذي يُنيخ الناس فيه للمغرب"، والمراد بالخلفاء والأمراء في هذا الحديث بنو أمية، فلم يوافقهم ابن عمر على ذلك، وقد جاء عن عكرمة إنكار ذلك.
وروى الفاكهي أيضًا من طريق ابن أبي نجيح، سمعت عكرمة يقول: اتخذه رسول الله ﷺ مبالًا واتخذتموه مصلَّى، وكأنه أنكر بذلك على من ترك الجمع بين الصلاتين لمخالفة السنَّة في ذلك، وكان جابر يقول: "لا صلاة إلَّا بجمع"، أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح.
ونقل عن الكوفيين وعند ابن القاسم صاحب مالك: وجوب الإعادة، وعن أحمد: إن صلَّى أجزأه، وهو قول أبي يوسف والجمهور، انتهى.
فالمراد بقوله: "الذي ينيخ فيه الناس" في حديث أبي داود: الأمراءُ ومن تبعهم، وكذلك المراد بالمعرس معرسهم ومحل نزولهم.
стр. 4338
فَأَنَاخَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاقَتَهُ, ثُمَّ بَالَ - وَمَا قَالَ: أَهْرَاقَ الْمَاءَ - ثُمَّ دَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بِالْبَالِغِ جِدًّا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الصَّلَاةَ.
===
(فأناخ رسول الله ﷺ ناقته, ثم بال، وما قال) أي أسامة: (أهراق الماء) والظاهر أنه من كلام كريب، (ثم دعا بالوضوء) أي بماء الوضوء (فتوضأ وضوءًا ليس بالبالغ) أي بالسابغ والكامل (جدًا) أىِ وضوءًا خفيفًا كما في رواية البخاري؛ بأن توضأ مرة مرة، وخفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته.
وأغرب (١) ابن عبد البر فقال: معنى قوله: "فلم يسبع الوضوء"، أي: استنجى به، وأطلق عليه اسم الوضوء اللغوي، ولكن الأصول تدفع هذا؛ لأنه لا يشرع الوضوء لصلاة واحدة مرتين، وهو متعقب بهذه الرواية الصريحة، وفي مسلم: "فتوضأ وضوء ليس بالبالغ". وقد تقدم في الطهارة بلفظ: "فجعلت أصب عليه وهو يتوضأ"، ولم تكن عادته ﷺ أن يباشر ذلك أحد منه حال الاستنجاء.
قال القرطبي: اختلف الشراح في قوله: "ولم يسبغ الوضوء" هل المراد به اقتصر به على بعض الأعضاء فيكون وضوءًا لغويًا، أو اقتصر على بعض العدد فيكون وضوءًا شرعيًا؟ وكلاهما محتمل، لكن يعضد من قال بالثاني قولُه في الرواية الأخرى: "وضوءًا خفيفًا"؛ لأنه لا يقال في الناقص خفيف، ومن موضحات ذلك أيضًا قول أسامة له: "الصلاة" فإنه يدل على أنه رآه يتوضأ وضوءه للصلاة، ولذلك قال له: "أتصلي"؟ .
وإنما توضأ أولًا ليستديم الطهارة ولا سيما في تلك الحالة لكثرة الاحتياج إلى ذكر الله حينئذ، وخفف الوضوء لقلة الماء حينئذ.
(قلت: يا رسول الله! الصلاة) بالنصب على إضمار الفعل، أي: تذكر
стр. 4339
قَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» , قَالَ: فَرَكِبَ حَتَّى قَدِمْنَا مُزْدَلِفَةَ (١) فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ, ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِى مَنَازِلِهِمْ وَلَمْ يَحُلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ وَصَلَّى (٢) , (٣) ثُمَّ حَلَّ النَّاسُ".
زَادَ مُحَمَّدٌ فِى حَدِيثِهِ: قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ فَعَلْتُمْ حِينَ أَصْبَحْتُمْ؟ قَالَ: رَدِفَهُ الْفَضْلُ (٤) وَانْطَلَقْتُ أَنَا فِى سُبَّاقِ قُرَيْشٍ عَلَى رِجْلَىَّ". [خ ١٦٦٩، م ١٢٨٠، ن ٦٠٩، جه ٣٠١٩، حم ٥/ ١٩٩، دي ١٨٨١]
===
الصلاة، أو صل، ويجوز الرفع على تقدير: حضرت الصلاة مثلًا (قال: الصلاة) بالرفع (أمامك) بفتح الهمزة وبالنصب على الظرفية، أي الصلاة ستصلي بين يديك، أو أطلق الصلاة على مكانها أي المصلى بين يديك، أو معنى "أمامك": لا تفوتك وستدركها.
(قال) أسامة: (فركب) رسول الله ﷺ على ناقته (حتى قدمنا مزدلفة، فأقام المغرب) وصلاها، (ثم أناخ الناس) رواحلَهم (في منازلهم ولم يحلوا) أي الرحال بل تركوها على ظهور الجمال (حتى أقام) أي رسول الله ﷺ (العشاء وصلَّى، ثم حل الناس) أي الرحال.
(زاد محمد) بن كثير (في حديثه: قال: قلت: كيف فعلتم حين أصبحتم) حين سرتم إلى مني؟ (قال: ردفه الفضلُ، وانطلقت أنا في سباق قريش على رجلي) أي: إلى مني. واستدل بالحديث على جمع التأخير بمزدلفة وهو إجماعٌ، لكنه عند الشافعية وطائفة بسبب السفر، وعند الحنفية والمالكية بسبب النسك.
وأغرب (٥) الخطابي فقال: فيه دليل على أنه لا يجوز أن يصلي الحاج
стр. 4340
١٩٢٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَحْيَى بْنُ آدم، نَا سُفْيَانُ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَيَّاشٍ، عن زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عن أَبِيهِ،
===
المغربَ إذا أفاض من عرفة حتى يبلغ المزدلفة، ولو أجزأته في غيرها لما أخرها النبي ﷺ عن وقتها الموقت لها في سائر الأيام، قاله الحافظ (١).
قلت: وكذا في "لباب المناسك" وشرحه (٢): لو صلَّى الصلاتين أو إحداهما قبل الوصول إلى مزدلفة لم يجز، وعليه إعادتهما بها إذا وصل. وفي "تلقيح العقول" (٣) للمحبوبي: إذا صلَّى المغرب في يوم عرفة في وقتها في الطريق أو بعرفات يجب عليه الإعادة عندهما، خلافًا لأبي يوسف، ولو أخرها عن وقتها وصلاها في وقت العشاء لا يلزمه الإعادة بالإجماع، إلَّا أنه لا بد أن يقيد بأنه صلاهما في مزدلفة.
١٩٢٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن آدم، نا سفيان) الثوري، (عن عبد الرحمن) بن الحارث بن عبد الله (بن عياش) بن أبي ربيعة، نسب إلى جد أبيه، (عن زيد بن علي) بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسين المدني، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وإليه نسب الزيدية من طوائف الشيعة، قدم على يوسف بن عمر الحيرة فأجازه، ثم شخص إلى المدينة فأتاه ناس من أهل الكوفة فقالوا له: ارجع ونحن نأخذ لك الكوفة، فرجع فبايعه ناس كثير وخرج، فقتل فيها، يعني سنة ١٢٢ هـ , وهو ابن ٤٢ سنة.
(عن أبيه) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني، زين العابدين، قال ابن سعد (٤) في الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة: أمه أم ولد، وكان ثقة مأمونًا كثير الحديث عاليًا رفيعًا ورعًا، قال ابن عيينية عن
стр. 4341
عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عن عَلِيٍّ قَالَ: "ثُمَّ أَرْدَفَ أُسَامَةَ، فَجَعَلَ يُعْنِقُ عَلَى نَاقَتِهِ، وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ الإِبِلَ يَمِينًا وَشِمَالًا، لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ، وَيَقُولُ: السَّكِينَةَ أَيّهَا النَّاسُ،
===
الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل من علي بن حسين، وكان مع أبيه يوم قتل وهو مريض فسلم وقال: ما رأيت أحدًا كان أفقه منه، وأطال أهل التراجم في مناقبه، واختلف في سنة وفاته من سنة ٩٢ هـ إلى سنة ١٠٠ هـ، وكان سنه حين قتل أبوه ٢٣ سنة، وقتل أبوه يوم عاشوراء سنة ٦١ هـ.
(عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي قال: ثم أردف) رسولُ الله ﷺ (أسامةَ فجعل يعنق) أي يسير العنق، وهو السير الوسط (على ناقته) القصواء (والناس يضربون الإبل يمينًا وشمالًا، لا يلتفت إليهم) في بعض الأحيان، ويلتفت إليهم في بعضها.
(ويقول: السكينة أيها الناس) أي: الزموها، وهذا الذي قلنا في توجيه قوله: "لا يلتفت يمينًا وشمالًا"، مبني على ما في جميع النسخ لأبي داود الموجودة عندنا، ثم تتبعنا هذا الحرف في كتب الأحاديث، فوجدنا عند الترمذي هذا الحديث من طريق أبي أحمد: نا سفيان بهذا السند، وفيه: "والناس يضربون يمينًا وشمالًا يلتفت إليهم" بغير لفظ "لا" النافية.
وأخرج الإِمام أحمد في "مسنده" (١) من طريق أبي أحمد الزبيري: ثنا سفيان، وفيه: "والناس يضربون يمينًا وشمالًا، يلتفت إليهم" وليس فيه حرف "لا"، وأيضًا أخرج من طريق المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، قال: حدثني أبي عبد الرحمن بن الحارث بسنده المذكور، ولفظه: "فجعل الناس يضربون يمينًا وشمالًا، وهو يلتفت، ويقول: السكينة أيها الناس، ثم قال: ثم دفع وجعل يسير العنق، والناس يضربون يمينًا وشمالًا، وهو يلتفت ويقول: السكينة السكينة أيها الناس".
стр. 4342
وَدَفَعَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ". [ت ٨٨٥، جه ٣٠١٠، حم ١/ ١٥٧، خزيمة ٢٨٣٧]
===
وأخرج البيهقي في "سننه" (١) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ التفت بعرفة في النفر والناس يضربون، فقال: السكينة أيها الناس".
وهذه الأحاديث المختلفة تدل على أن حرف "لا" النافية على قوله: يلتفت، غير محفوظ (٢)، ولكن أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في "مسنده" مثل سند أبي داود من طريق يحيى بن آدم: ثنا سفيان، وفيه: "والناس يضربون الإبل يمينًا وشمالًا لا يلتفت إليهم" (٣)، وهاتان الروايتان تدلان على أن في رواية يحيى بن آدم عن سفيان حرف "لا" النافية موجودة، وليس من تصحيف النسَّاخ، بل الظن يشهد أنه من خطأ يحيى بن آدم، وإن كان محفوظًا فتوجيهه ما ذكرناه من قبل، والله أعلم.
ثم رأيت "فتح القدير" (٤) للشيخ ابن الهمام فإنه ذكر هذا الحديث فيه، وقال: أخرج الإِمام أبو داود والترمذي وابن ماجه عن علي ﵁ ولفظه: "وجعل يشير بيده على هينته والناس يضربون يمينًا وشمالًا، فجعل يلتفت إليهم ويقول: أيها الناس عليكم السكينة"، وهذا أيضًا يدل أن حرف "لا" النافية ليس في الحديث (ودفع حين غابت الشمس).
стр. 4343
١٩٢٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: "سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَنَا جَالِسٌ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ, فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.
قَالَ هِشَامٌ: النَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ". [خ ١٦٦٦، م ١٢٨٦، ن ٣٠٢٣، جه ٣٠٢٣، جه ٣٠١٧، حم ٥/ ٢٠٥]
١٩٢٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, حَدَّثَنَا أَبِى, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ, عَنْ كُرَيْبٍ (١) , عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: "كُنْتُ رِدْفَ النَّبِىِّ ﷺ , فَلَمَّا وَقَعَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ". [حم ٥/ ٢٠١]
===
١٩٢٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) أي عروة (أنه) أي عروة (قال: سئل أسامةُ بن زيد وأنا جالس) أي عنده: (كيف كان رسول الله ﷺ يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق) وهو السير بين الإسراع والإبطاء (فإذا وجد فجوة)، الفجوة: الفرجة وما اتسع من الأرض، كذا في "القاموس" (نَصَّ، قال هشام: النص فوق العنق) أي سير فوق سير العنق، وقال في "القاموس": نصَّ ناقته: استخرج أقصى (٢) ما عندها من السير.
١٩٢٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يعقوب) بن إبراهيم، (نا أبي) إبراهيم بن سعد، (عن ابن إسحاق، حدثني إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن أسامة قال: كنت ردف) أي رديف (النبي ﷺ ) على ناقته حين سار من عرفة، (فلما وقعت) أي غربت (الشمس دفع) أي سار (رسول الله ﷺ ) من عرفة إلى مزدلفة.
стр. 4344
١٩٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: "دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ, حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ فَتَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ. قُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ! فَقَالَ (١): «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». فَرَكِبَ, فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ, ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ, ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِى مَنْزِلِهِ, ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا". [خ ١٦٧٢، م ١٢٨٠، حم ٥/ ٢٠٨]
===
١٩٢٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب مولى عبد الله بن عباس، عن أسامة بن زيد أنه) أي كريبًا (سمعه) أي أسامة بن زيد. قال الزرقاني في "شرح الموطأ" (٢): قال أبو عمر: كذا رواه الحفاظ الأثبات عن مالك، إلا أشهب وابن الماجشون فقالا: عن كريب، عن ابن عباس، عن أسامة، والصحيح إسقاط ابن عباس من إسناده.
(يقول: دفع رسول الله ﷺ من عرفة) أي عرفات (حتى إذا كان بالشعب نزل فبال فتوضأ ولم يسبغ الوضوء، قلت له: الصلاة، فقال: الصلاة أمامك، فركب، فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلَّى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصل بينهما شيئًا)، وقد تقدم شرحه.
(حدثنا (٣)(٤) محمد بن المثنى قال: روح بن عبادة قال: نا زكريا بن
стр. 4345
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إسحاق، أنا إبراهيم بن ميسرة، أنا يعقوب بن عاصم بن عروة) بن مسعود الثقفي، أخو نافع بن عاصم، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(أنه سمع الشريد) بوزن الطويل، ابن سويد مصغرًا، الثقفي، له صحبة، وقيل: إنه من حضرموت، وعداده في ثقيف، قال ابن السكن: له صحبة، حديثه في أهل الحجاز، سكن الطائف، والأكثر أنه الثقفي، ويقال: إنه حضرمي، وتزوج آمنة بنت أبي العاص بن أمية، ويقال: كان اسمه مالك، فسمي الشريد لأنه شرد من المغيرة بن شعبة لما قتل الرفقة الثقفيين، شهد بيعة الرضوان، ووفد على النبي ﷺ فسمَّاه الشريد.
(يقول: أفضت)، ولفظ حديث أحمد في "مسنده" (١): "أشهد لأفضت" (مع رسول الله ﷺ أي: من عرفات إلى المزدلفة (فما مسَّت قدماه الأرضَ حتي أتى جمعًا) أي: المزدلفة، قال القاري (٢): قال الطيبي: عبارة عن الركوب من عرفة إلى الجمع، فما يرد عليه أنه ﵇ نزل لنقض الطهارة، فعرض عليه ماء الوضوء، فقال: "الصلاة أمامك"، وقيل: توضأ وضوءًا، ثم ركب، انتهي.
حاصله أنه بالغ في بيان ركوب النبي ﷺ في السير من عرفات إلى مزدلفة، بأنه ﷺ قطع تلك المسافة راكبًا، ولم يمش على الأرجل في تلك المسافة شيئًا يسيرًا، وليس معناه أنه ﵇ لم ينزل عن الناقة، فلا يعارض ما في حديث أسامة، من أنه ﷺ نزل في الشعب، فبال وتوضأ، وأما الجواب عنه بترجيح رواية أسامة، كما فعله صاحب "العون" (٣) بأن أسامة كان رديفه ﷺ ، فهو بعيد من الصواب، فإنه وقع