عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: "خَطَبَ النَّبِىُّ ﷺ النَّاسَ بِمِنًى, وَنَزَّلَهُمْ (١) مَنَازِلَهُمْ, فَقَالَ: «لِيَنْزِلِ الْمُهَاجِرُونَ هَا هُنَا» , وَأَشَارَ إِلَى مَيْمَنَةِ الْقِبْلَةِ «وَالأَنْصَارُ هَا هُنَا». وَأَشَارَ إِلَى مَيْسَرَةِ الْقِبْلَةِ «ثُمَّ لْيَنْزِلِ النَّاسُ حَوْلَهُمْ». [حم ٤/ ٦١، ق ٥/ ١٣٨]
(٦٩) بَابٌ: أَيُّ يَوْمٍ يَخْطُبُ بِمِنًى ؟
١٩٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ
===
(عن رجل (٢) من أصحاب النبي ﷺ ) لم أقف على تسميته (قال: خطب النبي ﷺ الناس بمنى)، وسيجيء ما ذكر في الخطبة في الباب الآتي: "باب ما يذكر الإِمام في خطبته بمنى".
(ونزَّلهم) أي عَيَّن لهم (منازلهم، فقال: لينزل المهاجرون ههنا، وأشار إلى ميمنة القبلة، والأنصار ههنا، وأشار إلى ميسرة القبلة)، أي إذا استقبلت القبلة وتوجهت إليها فالجانب الذي على يمينك هو ميمنة القبلة، وما على يسارك فهو يسارها، وسيأتي في الحديث الآتي: "ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد، وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد"؛ فوجه الجمع بينهما أن المهاجرين نزلوا على يمين القبلة في مقدمه، والأنصار في جانب اليسار في مؤخر المسجد وورائه.
(ثم لينزل الناس) أي غير المهاجرين والأنصار (حولهم) وإنما عيَّن لهم منازلهم لئلا يختلطوا، ويكون بعضهم قريبًا من بعض، ولا يلحق لهم ضيق في حاجاتهم.
(٦٩) (بابٌ: أَيُّ يَوْمٍ يَخْطُبُ بِمِنًى؟ (٣)
١٩٥٢ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا ابن المبارك، عن إبراهيم بن
стр. 4377
نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِى بَكْرٍ قَالَا: "رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بَيْنَ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ, وَنَحْنُ عِنْدَ رَاحِلَتِهِ, وَهِىَ خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِى خَطَبَ بِمِنًى".
١٩٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ, حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حِصْينٍ (١) , حَدَّثَتْنِى جَدَّتِى سَرَّاءُ بِنْتُ نَبْهَانَ - وَكَانَتْ رَبَّةَ بَيْتٍ فِى الْجَاهِلِيَّةِ -
===
نافع، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه) أبي نجيح، (عن رجلين من بني بكر) لم أقف على تسميتهما (قالا: رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق) وهو اليوم الثاني من أيام التشريق ثاني عشر (٢) من ذي الحجة (ونحن عند راحلته، وهي خطبة رسول الله ﷺ التي خطب بمنى).
١٩٥٣ - (حدثنا محمد بن بشار، أنا أبو عاصم، نا ربيعة بن عبد الرحمن بن حصين) الغنوي بمعجمة ونون مفتوحين، حديثًا واحدًا (٣) في حجة الوداع، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(حدثتني جدتي سَرَّاء) بفتح أولها وتشديد الراء المهملة مع المد (بنت نبهان) الغنوي (وكانت رَبَّةَ بيتٍ في الجاهلية)، أي صاحبة بيت الأصنام، قال ابن حبان: لها صحبة، ضبطها ابن ماكولا بالقصر.
стр. 4378
قَالَتْ: "خَطَبَنَا النبي ﷺ يَوْمَ الرُّؤُوسِ فَقَالَ: «أَىُّ يَوْمٍ هَذَا؟ » قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «أَلَيْسَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ». [خزيمة ٢٩٧٣]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ قَالَ عَمُّ أَبِى حُرَّةَ الرَّقَاشِىِّ: "إِنَّهُ خَطَبَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ".
===
(قالت: خطبنا النبي ﷺ يوم الرؤوس) بضم الراء والهمزة بعدها، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق؛ لأنهم يأكلون فيه رؤوس الأضاحي، قاله الشوكاني (١)(٢). (فقال: أيَّ يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال: أليس أوسط أيام التشريق).
(قال أبو داود: وكذلك قال عم أبي حُرَّة) بضم الحاء المهملة وتشديد الراء، واسم أبي حرة حنيفة، وقيل: حكم (الرقاشي) بفتح الراء وتخفيف القاف (إنه خطب أوسط أيام التشريق) وهو اليوم الثاني عشر من ذي الحجة، أخرج أحمد حديث عم أبي حرة الرقاشي مطولًا ومفصلًا في "مسنده" (٣)، من شاء فليرجع إليه.
وفي هذين الحديثين ذكر الخطبة في أوسط أيام التشريق، وهذه الخطبة داخلة في خطب الحج عند الشافعية (٤)، وأما عند الحنفية والمالكية فليست هذه الخطبة من خطب الحج، بل هو من قبيل الفتيا, وليست في شيء من هذه الألفاظ ما يدل على أنه خطبة، وإنما هو سؤال وجواب وتعليم وتعلم، فلا يسمَّى هذا خطبة، فإطلاق الخطبة عليها باعتبار المعنى اللغوي بأنه خاطب به بعض السائلين، والله أعلم.
стр. 4379
(٧٠) بَابُ مَنْ قَالَ: خَطَبَ يَومَ النَّحْرِ
١٩٥٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ, حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ, حَدَّثَنِى الْهِرْمَاسُ بْنُ زِيَادٍ الْبَاهِلِىُّ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ يَوْمَ الأَضْحَى بِمِنًى". [خزيمة ٢٩٥٣]
١٩٥٥ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ - يَعْنِى ابْنَ الْفَضْلِ الْحَرَّانِىُّ -, حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ, حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ, حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ
===
(٧٠) (بَابُ مَنْ قَالَ: خَطَبَ (١) يَوْمَ النَّحْر)
وهذه الخطبة أيضًا مختلف فيها، فعند الشافعية هي داخلة في خطب الحج، وعندنا الحنفية والمالكية ليست منها، بل هي من قبيل الوصايا العامة
١٩٥٤ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا هشام بن عبد الملك، نا عكرمة) بن عمار، (حدثني الهرماس بن زياد الباهلي) أبو حدير بمهملتين مصغرًا، قال العسكري: هو وأبوه من ساكني اليمامة، وقال أبو زكريا بن منده: هو آخر من مات من الصحابة باليمامة، وقال عكرمة بن عمار: لقيته سنة اثنتين ومائة.
(قال: رأيت النبي ﷺ ) ولفظ حديث أحمد في "مسنده" (٢): "قال: رأيت وأبي مردفي خلفه على حمار، وأنا صغير، فرأيت رسول الله ﷺ (يخطب الناس على ناقته العضباء) وسميت العضباء لأنها كانت صغيرة الأذنين، لا أنها كانت مقطعوتهما (يوم الأضحى) ولفظ أحمد: يوم النحر (بمنى).
١٩٥٥ - (حدثنا مؤمل - يعني ابن الفضل الحراني -، نا الوليد) بن مسلم، (نا ابن جابر) عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، (نا سليم) مصغرًا (ابن عامر
стр. 4380
الْكَلَاعِىُّ, سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: "سَمِعْتُ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ". [ن ٦١٦، حم ٥/ ٢٥١]
(٧١) بَابٌ: أَيُّ وَقْتٍ يُخْطَبُ يَوْمَ النَّحْرِ ؟
١٩٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الدِّمَشْقِىُّ, حَدَّثَنَا مَرْوَانُ, عَنْ هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ الْمُزَنِىِّ, حَدَّثَنِى رَافِعُ بْنُ عَمْرٍو الْمُزَنِىُّ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ,
===
الكلاعي، سمعت أبا أمامة يقول: سمعت خطبة رسول الله ﷺ بمنى يوم النحر).
(٧١) (بابٌ: أَيُّ وَقْتٍ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ؟ )
١٩٥٦ - (حدثنا عبد الوهاب بن عبد الرحيم الدمشقي، نا مروان، عن هلال بن عامر المزني، حدثني رافع بن عمرو المزني) أخو عائذ بن عمرو، لهما صحبة، سكن رافع البصرة، وروى عن النبي ﷺ حديثين: أحدهما "العجوة من الجنة" عند ابن ماجه (١)، والثاني شهوده حجة الوداع عند "دس"، قال ابن عساكر: كان في حجة الوداع خماسيًا أو سداسيًا.
(قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى) وهذا يخالف ما هو عند الشافعية (٢) من أن الخطب كلها بعد صلاة الظهر إلَّا التي بنمرة فقبلها وبعد الزوال، كما في "روضة المحتاجين". (على بغلة شهباء) وهذا يخالف ما تقدم في رواية الهرماس، فإن فيه: "يخطب الناس على ناقته العضباء"، فيحمل حديث الهرماس على أن الخطبة فيه كان يوم النحر، وما في حديث رافع بن عمرو فهي في يوم آخر غير يوم النحر.
стр. 4381
وَعَلِيٌّ ﵁، يُعَبِّرُ عَنْهُ، وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ". [السنن الكبرى للنسائي ٤٠٩٤، ق ٥/ ١٤٠، حم ٣/ ٤٧٧]
(٧٢) بَابُ مَا يَذْكُرُ الإِمَامُ في خُطْبَتِهِ بِمِنًى
١٩٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاذٍ التَّيْمِىِّ قَالَ: "خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
===
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀: أن الروايات في خطب النبي ﷺ في حجته مختلفة، والظاهر أنه خطب أيامًا بل خطب من السابع إلى انقضاء النسك جميعًا ولا ضير فيه، وهو الظاهر من حاله ﷺ ؛ فإنه كان يذكرهم كل حين لا سيما وهم يومئذ أحوج ما كانوا إلى الذكر والعظة، وأكثر ما كانوا يومًا، فلا ينبغي أن ترجع روايات الخطب إلى أنه خطب ثلاثة أو أربعة.
وأما ما ذهب إليه علماؤنا - رحمهم الله تعالى - من أن الإِمام يخطب سابع ذي الحجة، ثم التاسع، ثم الحادي عشر، فإنما قصدوا التيسير على الناس؛ لأن في اجتماعهم كل يوم وهم يكلؤون أمتعتهم ويصلحون أقمشتهم حرجًا بهم، وليس يريدون أن الزيادة على تلك الخطب ممنوعة أو بدعة، والله أعلم، انتهى.
(وعلي ﵁ يعبر عنه) بأنه ﵁ كان بينه وبين الناس الذين كانوا بعيدًا من الإِمام، فيبلغهم صوته ويفهمهم مراده (والناس بين قائم وقاعد) أي بعضهم قائم، وبعض منهم قاعد.
(٧٢) (بَابُ مَا يَذْكُرُ الإمَامُ في خُطْبَتِهِ بِمِنًى)
١٩٥٧ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن حميد الأعرج، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي قال: خطبنا رسول الله ﷺ -
стр. 4382
وَنَحْنُ بِمِنًى فَفُتِحَتْ أَسْمَاعُنَا, حَتَّى كُنَّا نَسْمَعُ مَا يَقُولُ وَنَحْنُ فِى مَنَازِلِنَا! فَطَفِقَ يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَهُمْ حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ, فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ [فِى أُذُنَيْهِ] , ثُمَّ قَالَ: «بِحَصَى الْخَذْفِ» ,
===
ونحن بمنى فَفُتِحَت أسماعنا) أي زادت قوة سماعنا (حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق) رسول الله ﷺ (يعلِّمهم مناسكهم) أي أحكام الحج (حتى بلغ الجمار، فوضع إصبعيه السبابتين في أذنيه ثم قال: بحصى الخذف).
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀: وهذه الخطبة إما أن يكون خطبها ثامن يوم من ذي الحجة، فالبلوغ في قوله: "حتى بلغ" بلوغ حديثه، يعني أنه ذكر فيه المسائل حتى ذكر مسألة رمي الجمار، أو يكون في غير يوم الثامن بل في يوم النحر أو بعده، فالبلوغ بلوغ نَفْسه الشريفة، والمعنى أنه أخذ يذكر لهم المسائل حتى إذا وصل عند الجمر أدخل مسبحتيه في صماخي أذنيه ليمُدَّ صوته، فنادى بقوله: "بحصى الخذف" أي: ارموا بها.
وإن لم يكن ذكر الأذنين كما في نسخة، فتوجيه العبارة ممكن بنحو آخر أيضًا، وهو أنه حين وصل إلى الجمرة أشار إلى الناس بمسبحتيه، يريهم كيفية الرمي، وقال بلسانه: ارموا بحصى الخذف، فذكر مقدار الحصى باللسان، وبَيَّن وجه الرمي بالبنان.
أو يكون ذلك على معنى بلوغ الحديث أيضًا إلى ذكرها، فإنه ذكر المسائل حتى إنه ذكر مسألة رمي الجمار، ومد صوته بإدخال أصبعيه في أذنيه، وقال: أو يكون المعنى حتى انتهى إلى الجمرة، وضع أصبعيه المسبِّحتين على باطن إبهاميه، وقال أي رمى بحصى الخذف (١).
فعلى هذا يكون ذلك بيانًا من الراوي لكيفية رميه ﷺ الجمرة، وأيًّا ما كان
стр. 4383
ثُمَّ أَمَرَ الْمُهَاجِرِينَ فَنَزَلُوا في مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، وَأَمَرَ الأَنْصَارَ فَنَزَلوا مِنْ وَرَاءِ الْمَسْجِدِ (١)، ثُمَّ نَزَلَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ". [ن ٢٩٩٦، حم ٤/ ٦١]
(٧٣) بَابٌ: يَبِيتُ بِمَكَّة لَيَالِي مِنًى
===
فقوله: "نسمع ما يقول في منازلنا" كان معجزة منه ﷺ .
وما يتوهم أنهم كيف قعدوا في منازلهم ورسول الله ﷺ يخطب؟ فالجواب أنه إما أن يكون أراد بذلك سماع من بقي منهم في الرحال لا أنهم بأسرهم كانوا فيها، أو يكون المراد أنهم كانوا بحيث لو لبثوا في المنازل ولم يحضروا الخطبة لكانوا سمعوها.
ويمكن أن يكون النبي ﷺ بيَّن لهم مسائل متفرقة اتفاقًا، ولم يهتم بها حتى يجمعهم فيجتمعوا؛ غير أنه إذا شرع فيها رفع صوته بها ليكون أبلغ في المسامع، وأهدى إلى المجامع، وعلى هذا فلا يرد أنه لا يصح بالبلوغ بلوغ نفسه إلى الجمرات, لأن قوله: "ونحن في المنازل" ينافيه، وعدم الورود لما قلنا من أن المقصود بذلك بيان معجزته ﷺ في بلوغ صوته إلى الأماكن القاصية، لا نفس حقيقة كونهم في منازلهم، والله تعالى أعلم.
(ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد، وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد، ثم نزل الناس بعد ذلك) وقد تقدم ما يتعلق بهذا الكلام قريبًا.
(٧٣) (بَابٌ: يَبِيتُ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى)
والبيتوتة في مني ليالي مني سنَّة مؤكدة إلى الفجر عندنا، لا واجبة كما عند الشافعي (٢) ﵀، ولا ركن كما قال بعضهم، والمراد بها كون أكثر الليل فيها
стр. 4384
١٩٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَاّدٍ الْبَاهِلِىُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِى (١) حَرِيزٌ أَوْ أَبُو حَرِيزٍ - الشَّكُّ مِنْ يَحْيَى - أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ فَرُّوخَ يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ إِنَّا نَتَبَايَعُ (٢) بِأَمْوَالِ النَّاسِ فَيَأْتِى أَحَدُنَا مَكَّةَ فَيَبِيتُ عَلَى الْمَالِ؟ فَقَالَ: أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَاتَ بِمِنًى وَظَلَّ".
===
١٩٥٨ - (حدثنا أبو بكر محمد بن خلاد الباهلي، نا يحيى، عن ابن جريج، حدثني حريز أو أبو حريز، الشك من يحيى) وفي نسخة: قال أبو بكر: هذا من يحيى، يَعني الشك، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" و"التقريب": حريز أو أبو حريز عن ابن عمر في التجارة في الحج، حجازي، مجهول، روى عنه ابن جريج.
(أنه سمع عبد الرحمن بن فروخ) العدوي مولى عمر ﵁، ذكره ابن حبان في "الثقات" (يسأل ابن عمر قال: إنا نتبايع بأموال الناس) أي نشتري لهم ببدل أموالهم أموالًا, فيلزم علينا حفظ المال (فيأتي أحدنا مكة، فيبيت على المال) لحفظه؟
(فقال) أي ابن عمر: (أمَّا رسول الله ﷺ فبات بمنى وظل)، معناه أنه ﵇ لم يترك البيتوتة بمني لا في الليل ولا في النهار، بل وقف فيها؛ فعليك أن لا تخالف فعله ﷺ .
وأما عذرك بحفظ أموال الناس فليس بعذر؛ فإن الناس أكثرهم يتركون أموالهم في مكة، فيعذرون بحفظ أموالهم، فيترك بهذه الأعذار الفاسدة سنَّة البيتوتة بمنى، فإن لحفظ الأموال طرقًا غير هذا بأن يودع عند رجل، أو يوضع في بيت ويقفل عليه.
стр. 4385
١٩٥٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِىَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ". [خ ١٧٤٥، م ١٣١٥، دي ١٩٤٣، حم ٢٢/ ٢، ق ٥/ ١٥٣]
===
١٩٥٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن نمير وأبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: استأذن العباس رسولَ الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي مني من أجل سقايته، فأذن له) وقبل له عذره، وقد ثبت عنه ﷺ أنه رخص للرعاء أن يدعُوا الرمي يومًا ويرموا يومًا، وهذا كله استدل به الجمهور على أن المبيت بمنى واجب، وأنه من جملة مناسك الحج.
وقد اختُلِفَ في وجوب الدم لتركه، فقيل: يجب عن كل ليلة (١) دم، روي ذلك عن المالكية، وقيل: صدقة بدرهم، وقيل: الطعام، وعن الثلاث دم، هكذا روي عن الشافعي، وهو رواية عن أحمد، والمشهور عنه، وعن الحنفية: لا شيء عليه، قاله الشوكاني (٢).
قلت: البيتوتة في مني سنَّة عند الحنفية، فلا شيء على تركه سوى الإساءة، وقيل: إن جواز ترك المبيت يختص بالعباس ﵁ وقيل: يدخل معه بنو هاشم، وقيل: كل من احتاج إلى السقاية، وهو جمود يرده حديث عاصم بن عدي الآتي، وقيل: يجوز الترك لكل من له عذر يشابه الأعذار التي رخص لأهلها رسول الله ﷺ ، وهو قول الجمهور، وقيل: يختص بأهل السقاية ورعاة الإبل، وبه قال أحمد واختاره ابن المنذر (٣).
стр. 4386
(٧٤) بَابُ الصَّلَاةِ بِمِنًى
١٩٦٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, أَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ وَحَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ حَدَّثَاهُم (١) - وَحَدِيثُ أَبِى مُعَاوِيَةَ أَتَمُّ - عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: "صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعًا, فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ, وَمَعَ أَبِى بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ, وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ", زَادَ عَنْ حَفْصٍ: "وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا". زَادَ مِنْ هَا هُنَا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ: "ثُمَّ تَفَرَّقَتْ
===
(٧٤) (بَابُ الصلاةِ بِمِنًى) (٢)
أي هل يقصر الصلاة فيها أم لا؟
١٩٦٠ - (حدثنا مسدد، أن أبا معاوية وحفص بن غياث حدثاهم) أي مسددًا ومن كان معه في مجلس التحديث (وحديث أبي معاوية أتم) كلاهما، أي: أبو معاوية وحفص رويا (عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: صلَّى عثمان بمنى أربعًا) أي أربع ركعات في الصلاة الرباعية.
(فقال عبد الله: صليت مع النبي ﷺ ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، زاد عن حفص: ومع عثمان) أي صليت مع عثمان ركعتين (صدرًا من إمارته) أي في ابتداء سنين الخلافة (ثم أتمها) أي الصلاة الرباعية في آخر سني إمارته (زاد) مسدد (من ههنا عن أبي معاوية: ثم تفرقت) أي اختلفت
стр. 4387
بِكُمُ الطُّرُقُ، فَلَوَدِدْتُ (١) أَنَ لي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ".
قَالَ الأَعْمَشُ: فَحدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ عن أَشْيَاخِهِ: "أَنُّ عَبْدَ الله صَلى أَرْبَعًا. قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيتَ أَرْبَعًا. قَالَ: الْخِلافُ شَرٌّ". [خ ١٠٨٤، م ٦٩٥، ن ١٤٥١]
===
(بكم الطرق) أي طرق أداء الصلاة، فبعضكم يقصر، وبعضكم يتم، (فَلَوَدَدت أن لي من أربع ركعات) التي أصلي مع الإِمام (ركعتيق متقبلتين) كما يصلي رسول الله ﷺ ركعتين.
وغرضه بهذا الكلام التعريض على عثمان أني وددت أن عثمان صلى ركعتين بدل الأربع، كما كان النبي ﷺ وصاحباه يفعلونه، وفيه كراهة مخالفة ما كانوا عليه، وقيل: معناه أنا أتم متابعة لعثمان، وليت الله قبل مني من الأربع ركعتين.
(قال الأعمش) ولعله هذا قول أبي معاوية (فحدثني معاوية بن قرة) بن إياس بن هلال بن رئاب المزني، أبو إياس البصري، عن يحيى بن معين: ثقة، وكذا قال العجلي والنسائي وأبو حاتم وابن سعد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال ابن حبان: كان من عقلاء الرجال، وقال الشافعي: روايته عن عثمان منقطعة.
(عن أشياخه: أن عبد الله صلَّى أربعًا) مع عثمان أي بعد ما أنكر على عثمان الإتمام (قال: فقيل له: عِبْتَ على عثمان) إتمامه الصلاة (ثم صليت أربعًا، قال: الخلاف شر) أي خلاف الإِمام فتنة وبلية، ولعل عثمان إنما ترك هذه السنَّة، وهو من الخلفاء الراشدين؛ لأنه بدا له عذر.
وأما العذرُ عن عثمان والتأويلُ فقد اختلفوا فيه، فقيل: إنما أتمَّ لكونه تأهل بمكة، أو لأنه أمير المؤمنين وكل موضع له دَارٌ، أو لأنه عزم على الإقامة بمكة، أو لأنه استجدَّ له أرضًا بمنى، أو لأنه كان يسبق الناس إلى مكة.
стр. 4388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الحافظ (١): وأكثره لا دليل عليه، بل هي ظنونٌ ممن قالها، ويردُّ الأول أن النبي ﷺ كان يسافر بزوجاته [وقصر].
قلت: وهذا الرد مردود؛ فإنه فرق بين التأهل وكون الزوجة معه في السفر، وقد صرح الحنفية بأن الوطن الأصلي هو موطن ولادته، أو تأهله، أو توطنه، كذا في "الدر المختار".
ثم قال الحافظ: والثاني أن النبي ﷺ كان أولى بذلك، والثالث أن الإقامة بمكة على المهاجرين حرام كما سيأتي تقريره في الكلام على حديث العلاء بن الحضرمي في كتاب المغازي، والرابع والخامس لم ينقلا فلا يكفي التخرص بذلك.
ثم قال: والمنقول أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم.
قلت: ويرد هذا الوجه بأن عثمان ﵁ قد رأى رسول الله ﷺ في سفر حجه وغزواته أنه كان في أثناء سفره يقيم ولا يتم، وقد كان أقام بمكة في غزوة الفتح وحجة الوداع، فكان لا يتم بل يقصر، فلا يجوز أن يخالف رسول الله ﷺ فيما يواظبه ويداوم عليه، فيقصر في حالة السير والشخوص، ويتم في حالة السكون والقرار، وأيضًا يلزم عليه أنه إذا نزل في المنزل ويبيت به في الليل فعليه أن يتم فيه الصلاة؛ لأنه في ذلك الوقت ليس بشاخص ولا سائر.
ثم قال الحافظ: وقال ابن بطال: الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة كانا يريان أن النبي ﷺ إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته، فأخدا لأنفسهما بالشدة. وهذا رجحه جماعة آخرهم القرطبي.
قلت: وهذا القول أليق وأوفق بمذهب الإِمام الشافعي ﵀.
стр. 4389
١٩٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِىِّ: "أَنَّ عُثْمَانَ إِنَّمَا صَلَّى بِمِنًى أَرْبَعًا لأَنَّهُ (١) أَجْمَعَ عَلَى الإِقَامَةِ بَعْدَ الْحَجِّ".
===
وقيل: إنما أتمَّ عثمان الصلاة بمنى لأن الأعراب كانوا كثروا في ذلك العام، فأحب أن يعلمهم أن الصلاة أربع.
قلت: وهذا الوجه أيضًا بعيد؛ لأن الناس كثروا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، حتى قيل: إنهم زادوا على مائة ألف، فلو كان كثرة الناس واجتماعهم سببًا للإتمام لكان أحق به رسول الله ﷺ ؛ لأنه وقع في بدء الإِسلام، فالخوف ههنا كان أشد.
١٩٦١ - (حدثنا محمد بن العلاء، أنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري: أن عثمان) ﵁ (إنما صلَّى بمنى أربعًا لأنه) أي عثمان (أجمع) أي عزم وصمم عزيمته (على الإقامة) أي أيامًا (بعد الحج).
وحاصل هذا الوجه: أن عثمان ﵁ لما تأهل بمكة، واتخذ الأموال بالطائف، أراد أن يقيم بمكة وبالطائف أيامًا، ثم يرجع إلى المدينة، فلهذا أتم الصلاة بها لأنه صار مقيمًا بالتأهل.
وأما الاعتراض عليه بأن قيام المهاجر في غير مهاجره حرام ممنوع، فإن الممنوع والمحرم استيطان مكة لا القيام بها عدة أيام، وقد رثى النبي ﷺ لسعد بن خولة أن مات بمكة، وقد أقام رسول الله ﷺ بمكة زمن الفتح فأقام بها خمس عشرة ليلة، وأقام ابن عباس في الطائف أميرًا وتوفي بها، وكذا علي بالكوفة.
وأما حديث العلاء بن الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ "ثلاث للمهاجر بعد الصدر"، فيحتمل أنه لم يبلغه، وإن بلغه فيكون محمولًا، على
стр. 4390
١٩٦٢ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ, عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ, عَنِ الْمُغِيرَةِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: "إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى أَرْبَعًا لأَنَّهُ اتَّخَذَهَا وَطَنًا".
١٩٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: "لَمَّا اتَّخَذَ عُثْمَانُ الأَمْوَالَ بِالطَّائِفِ وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا صَلَّى أَرْبَعًا". قَالَ: "ثُمَّ أَخَذَ (١) بِهِ الأَئِمَّةُ بَعْدَهُ".
١٩٦٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ،
===
عدم الأولوية لا التحريم، أو يكون محمولًا على الاستيطان، قال الحافظ (٢): قال النووي (٣): معنى هذا الحديث أن الذين هاجروا يحرم عليهم استيطان مكة، وحكى عياض أنه قول الجمهور، قال: وأجاز لهم جماعة يعني بعد الفتح، فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة المذكورة واجبة فيه.
١٩٦٢ - (حدثنا هناد بن السري، عن أبي الأحوص، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: إن عثمان صلَّى أربعًا لأنه اتخذها وطنًا) أي كالوطن بتأهله فيها، وهذا التأويل أوفق بمذهب أبي حنيفة ﵁.
١٩٦٣ - (حدثنا محمد بن العلاء، أنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري قال: لما اتخذ عثمان الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها) أي أيامًا (صلَّى أربعًا، قال) أي الزهري: (ثم أخذ به) أي بفعل عثمان (الأئمة بعده) الذين كانوا من بني أمية، ولعلهم اختاروه لأنهم كانوا مقيمين بمكة.
١٩٦٤ - (حدثنا موسى إسماعيل، نا حماد، عن أيوب،
стр. 4391
عَنِ الزُّهْرِىِّ: "أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِمِنًى مِنْ أَجْلِ الأَعْرَابِ, لأَنَّهُمْ كَثُرُوا عَامَئِذٍ, فَصَلَّى بِالنَّاسِ أَرْبَعًا لِيُعْلِّمَهُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ أَرْبَعٌ".
(٧٥) بَابُ الْقَصْرِ لأَهْلِ مَكَّة
١٩٦٥ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ, حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ, حَدَّثَنِى حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِىُّ, وَكَانَتْ أُمُّهُ تَحْتَ عُمَرَ فَوَلَدَتْ لَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: "صَلَّيْتُ مع رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا,
===
عن الزهري: أن عثمان بن عفان أتم الصلاة بمنى) من أجل الأعراب (لأنهم كثروا عامئذ) أي في ذلك العام (فصلَّى بالناس أربعًا ليعلمهم أن الصلاة أربع) وهذا الوجه منفردًا لا يناسب أن يكون سببًا لإتمام الصلاة، إلَّا أن يقال: إن سبب الإتمام هو تأهله، وانضم بذلك نية تعليم الأعراب، فحينئذ لا مضايقة فيه.
(٧٥) (بَابُ الْقَصْرِ لأهْلِ مَكَّةَ) ومِنَى
أي: هل يجوز لهم القصر خلف الإِمام في موسم الحج أم لا؟ واختلفوا في ذلك، ومبنى الخلاف على أن القصر بها للسفر، أو للنسك، واختار الثاني مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي (١): يقصر الإِمام ومن معه إذا كانوا مسافرين، وأما أهل مكة ومنى فلا يقصرون؛ لأن القصر للسفر، وهم ليسوا مسافرين فلا يجوز لهم القصر
١٩٦٥ - (حدثنا النفيلي، نا زهير، نا أبو إسحاق، حدثني حارثة بن وهب الخزاعي، وكانت أمه) أم كلثوم بنت جرول الخزاعية (تحت عمر) ﵁ أي في نكاحه بعد وهب الخزاعي (فولدت) أي لعمر (عبيدَ الله بنَ عمر) فكان عبيد الله أخا حارثة بن وهب لأمه.
(قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى والناس أكثر ما) أي مما (كانوا)
стр. 4392
فَصَلَّى بِنا رَكعَتَينِ في حجَّةِ الوَداعِ". [خ ١٠٨٣، م ٦٩٦، ن ١٤٤٨، حم ٣/ ١٢٠]
[قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حارثةُ من خُزاعَةَ وداَرُهُمْ بِمَكَّةَ، حَارِثة بن وَهَب أَخُو عُبَيْد الله بن عُمَر لأُمه].
(٧٦) بَابٌ في رمْيِ الجِمَارِ
١٩٦٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِىٍّ, حَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ
===
قبل ذلك (فصلَّى بنا ركعتين في حجة الوداع) استدل به المالكية على أن من كان في مني في أيامها يقصر الصلاة مع الإِمام المسافر وإن كان هو مقيمًا، فإن حارثة بن وهب صلَّى مع النبي ﷺ ركعتين.
والجواب عنه أولًا: أنه ليس في الحديث دليل على أنه لم يزد في صلاته على ركعتين، بل معناه أنه صلَّى مع رسول الله ﷺ ركعتين وصلَّى الأخريين بعد ما سلَّم الإِمام على الركعتين.
وثانيا: أنه لم يثبت أن حارثة بن وهب كان مقيمًا بمكة أو مني إذ ذاك.
وثالثًا: يمكن أن يكون المراد "فصلَّى بنا" أي بالناس، والمراد بالناس الذين جاؤوا مع رسول الله ﷺ مسافرين ولم يكن حارثة فيهم.
(قال أبو داود: حارثة من خزاعة، ودارُهم (١) بمكة، حارثة بن وهب أخو عبيد الله بن عمر لأمه)، وهذه النسخة مكتوبة على حاشية النسخة الأحمدية وغيرها من المطبوعة الهندية.
(٧٦) (بابٌ: في رَمْيِ الْجِمَارِ) (٢)
١٩٦٦ - (حدثنا إبراهيم بن مهدي، حدثني علي بن
стр. 4393
مُسْهِرٍ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ, أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ, عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (١) ﷺ يَرْمِى الْجَمْرَةَ مِنْ بَطْنِ الْوَادِى وَهُوَ رَاكِبٌ, يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ, وَرَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ يَسْتُرُهُ, فَسَأَلْتُ عَنِ الرَّجُلِ؟ فَقَالُوا: الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ,
===
مسهر، عن يزيد بن أبي زياد، أنا سليمان بن عمرو بن الأحوص) الجشمي، ويقال: الأزدي الكوفي، روى عن أبيه وأمه أم جندب، ولهما صحبة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: لكنه نسبه بارقيًا، وبارق من الأزد، وقال ابن القطان: مجهول.
(عن أمه) وأمه أم جندب الأزدية، روت عن النبي ﷺ في رمي الجمرة، وفي رواية أحمد: وكانت بايعت النبي ﷺ .
(قالت: رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة) أي جمرة العقبة (من بطن الوادي وهو راكب، يكبر مع كل حصاة) (٢) أي مع رمي كل واحدة من الحصاة (ورجل من خلفه يستره، فسألتُ عن الرجل) من هو؟ (فقالوا: الفضل بن العباس).
وهذا بظاهره يخالف ما تقدم من رواية أم الحصين قالت: حججت في حجة النبي ﷺ ، وفيه: "فرأيت بلالًا يقود بخطام راحلته وأسامة بن زيد رافع عليه ثوبه يظله من الحر" (٣).
وقد أخرج الإِمام (٤) أحمد هذا الحديث مطولًا، وسياقه يزيل هذا
стр. 4394
وَازْدَحَمَ النَّاسُ, فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا, وَإِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ فَارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ». [جه ٣٠٣١، حم ٣/ ٥٠٣، ق ٥/ ١٢٨]
١٩٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو ثَوْرٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ وَوَهْبُ بْنُ بَيَانٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ, عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ رَاكِبًا, وَرَأَيْتُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ حَجَرًا, فَرَمَى وَرَمَى النَّاسُ". [انظر تخريج الحديث السابق]
===
الإشكال، فأخرج: ثنا حسين (١) بن محمد، قال: ثنا يزيد بن عطاء، عن يزيد - يعني ابن أبي زياد -، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص الأزدي قال: حدثتني أمي: "أنها رأت رسول الله ﷺ يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، وخلفه إنسان يستره من الناس أن يصيبوه بالحجارة، وهو يقول: أيها الناس! لا يقتل بعضكم بعضًا، وإذا رميتم فارموا بمثل حصى الخذف، ثم أقبل فأتته امرأة بابن لها"، الحديث.
(وازدحم) أي هجم (الناس) للرمي (فقال النبي ﷺ : يا أيها الناس! لا يقتل بعضكم بعضًا) أي برمي الحجارة الكبيرة، ولعلهم كانوا يرمونها بالأحجار الكبار فأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف، ولا يرموا بالأحجار الكبار، فيصيب بعضكم فيقتله ويجرحه ويؤذيه (وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف) وقد سبق معناه.
١٩٦٧ - (حدثنا أبو ثور إبراهيم بن خالد ووهب بن بيان قالا: نا عبيدة) بن حميد، (عن يزيد بن أبي زياد، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أمه قالت: رأيت رسول الله ﷺ عند جمرة العقبة راكبًا) على ناقته، (ورأيت بين أصابعه حجرًا) أي حصى (فرمى) أي بها الجمرة (ورمى الناس).
стр. 4395
١٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ, حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى زِيَادٍ بِإِسْنَادِهِ فِى هَذَا الْحَدِيثِ. زَادَ: "وَلَمْ يَقُمْ عِنْدَهَا".
١٩٦٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ (١) , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ عُمَرَ -, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّهُ كَانَ يَأْتِى الْجِمَارَ فِى الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ مَاشِيًا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا, وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ". [ن ٩٠٠، حم ٢/ ١٣٨، ق ١/ ١٣٥]
===
١٩٦٨ - (حدثنا محمد بن العلاء، أنا ابن إدريس) أي عبد الله، (نا يزيد بن أبي زياد بإسناده) المتقدم (في هذا الحديث، زاد) ابن إدريس: (ولم يقم عندها) أي لم يقف عند الجمرة بعد الفراغ من رميها، بل رجع إلى منزله.
١٩٦٩ - (حدثنا القعنبي، نا عبد الله - يعني ابن عمر-) بن حفص، (عن نافع، عن ابن عمر: أنه) أي عبد الله بن عمر ﵄ (كان يأتي الجمار) أي من منزله للرمي (في الأيام الثلاثة) أي يوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر (بعد يوم النحر ماشيًا) أي على الأقدام (٢) (ذاهبًا وراجعًا) أي في حالة الذهاب إلى الجمرة والرجوع عنها (ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك) أي المشي في الذهاب والرجوع في الأيام الثلاثة.
стр. 4396
١٩٧٠ - [حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ أنه سَمِع جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْمِى عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ يَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ". قال: لَا أَدْرِى لَعَلِّى لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِى هَذِهِ»]. [م ١٢٩٧، ن ٣٠٦٢، حم ٣/ ٣٠١، خزيمة ٢٨٧٦]
١٩٧١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ, سمعت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْمِى عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى, فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ
===
١٩٧٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: رأيت رسول الله ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، يقول: لتأخذوا مناسككم، قال (١): لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)، وهذا الحديث داخل في المتن في النسخة المصرية، وأما في المكتوبة فعلى حاشيتها (٢).
١٩٧١ - (حدثنا) أحمد (بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، سمعت جابر بن عبد الله يقول: رأيت رسول الله ﷺ يرمي) جمرة العقبة (على راحلته يوم النحر) أي عاشر ذي الحجة (ضحى) أي بعد ارتفاع الشمس قبل الزوال (فأما بعد ذلك) أي بعد يوم النحر
стр. 4397
فَبَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ". [م ١٢٩٩، ت ٨٩٤، ن ٣٠٦٣، جه ٣٠٥٣، حم ٣/ ٣١٢، خزيمة ٢٨٧٦]
١٩٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِىُّ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ مِسْعَرٍ, عَنْ وَبَرَةَ
===
(فبعد زوال الشمس) أي فرمى الجمار الثلاث بعد زوال الشمس (١)، وهذه المسألة مجمع عليها.
١٩٧٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد) بن عبد الرحمن بن مسور بن مخرمة (الزهري، نا سفيان) بن عيينة، (عن مسعر، عن وبرة) بالموحدة المحركة، ابن عبد الرحمن المُسْلي، بضم أوله وسكون المهملة بعدها لام، أبو خزيمة، ويقال: أبو العباس الكوفي، وثقه ابن معين وأبو زرعة والعجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، واختلفت النسخ في كتابة هذه النسبة، ففي "التقريب" و"الخلاصة": المسلمي، وهو تصحيف من الكاتب؛ فإن السمعاني قال في "الأنساب" (٢): المسلي بضم الميم وسكون السين وتخفيفها، هذه
стр. 4398
قَالَ: "سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ: مَتَى أَرْمِى الْجِمَارَ؟ قَالَ: إِذَا (١) رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِ. فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ فَقَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ زَوَالَ الشَّمْسِ, فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا". [خ ١٧٤٦، ق ٥/ ١٤٨]
١٩٧٣ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ بَحْرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ - الْمَعْنَى - قَالَا, حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ,
===
النسبة إلى بني مسلية، وهي قبيلة من بني الحارث، والمشهور بالنسبة إليها أبو خزيمة وبرة بن عبد الرحمن المسلي الحارثي من أهل الكوفة، من التابعين.
(قال: سألت ابن عمر: متى أرمى الجمار؟ ) أي بعد يوم النحر في الأيام الثلاثة (قال: إذا رمى إمامك فَارْمِ) أي لا تخالف الإِمام؛ فإن في خلافه فتنة.
(فأعدت عليه المسألة، فقال) ابن عمر: (كنا نَتَحَيَّنُ) أي ننتظر وقت (زوال الشمس، فإذا زالت الشمس رمينا) وهذا الحكم كذلك، إلَّا أنه لو رمى في اليوم الرابع من أيام الرمي، أي في اليوم النفر الثاني قبل الزوال ورجع، يجوز له ذلك مع الكراهة عند أبي حنيفة لمخالفته للسنَّة، وأما عندهما فلا يجوز ذلك.
١٩٧٣ - (حدثنا علي بن بحر) بن بَرَّي بفتح الموحدة وتشديد الراء المكسورة بعدها تحتانية ثقيلة، القطان، أبو الحسن البغدادي، فارسي الأصل، قال أحمد وابن معين وأبو حاتم والعجلي والدارقطني: ثقة، وقال الحاكم: ثقة، مأمون، وكذا ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن قانع: ثقة.
(وعبد الله بن سعيد- المعنى -، قالا: نا أبو خالد الأحمر) سيمان بن حيان، (عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه) القاسم بن
стр. 4399
عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "أَفَاضَ رَسُول اللهِ ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى،
===
محمد، (عن عائشة ﵂ قالت: أفاض رسول الله ﷺ ) أي طاف طواف الإفاضة (من آخر يومه) أي بعد مضي نصف النهار (حين صلَّى الظهر) بمكة (ثم رجع) بعد طواف الزيارة وصلاة الظهر (إلى مني) وعلى هذا يوافق هذا الحديث حديث جابر الطويل، ويؤيد ذلك ما قال الشيخ الزيلعي في "نصب الراية" (١): وقال ابن الفتح اليعمري في "سيرته": وقع في رواية ابن عمر: "أن النبي ﷺ رجع من يومه ذلك إلى مني، فصلَّى الظهر"، وقالت عائشة وجابر: "بل صلَّى الظهر ذلك اليوم بمكة"، ولا شك أن أحد الخبرين وهم، ولا يدرى أيهما هو لصحة الطرق في ذلك، انتهى.
وذكر البيهقي في "المعرفة" (٢) حديث ابن عمر، وعزاه لمسلم، ثم قال: وروى محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: أفاض رسول الله ﷺ بمكة من آخر يومه، حتى صلَّى الظهر، ثم رجع إلى مني، قال: وحديث ابن عمر أصح إسنادًا من هذا، انتهى.
وحديث ابن إسحاق هذا رواه أبو داود في "سننه"، وقال المنذري في "مختصره": هو حديث حسن، ورواه ابن حبان في "صحيحه" في النوع الخامس والعشرين، من القسم الخامس، والحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، انتهى.
وقال في "العون" (٣): "أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه"، أي طاف للزيارة في آخر يوم النحر، وهو أول أيام النحر "حين صلَّى الظهر"، فيه دلالة على أنه صلَّى الظهر بمنى، ثم أفاض وتقدم الكلام فيه، انتهى.
стр. 4400
فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِي أَيَّامِ التَّشْيريقِ، يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْع حَصَيَاتٍ، يكَبِّر مَعَ كُلِّ حَصَاةِ، وَيَقِفُ عند الأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَيُطِيل الْقِيَامَ وَيَتَضَرَّعُ، وَيرْمِي الثَّالِثَةَ وَلَا يَقِفُ عِنْدَها". [حم ٦/ ٩٠، خزيمة ٢٩٥٦]
===
وهذا الذي قاله صاحب "العون" خلاف الصواب؛ لأنه على هذا التقدير لا يوافق حديث (١) ابن عمر، فإن فيه: "طاف طواف الزيارة قبل صلاة الظهر، ثم رجع إلى مني فصلَّى صلاة الظهر فيها"، وهذا يدل على أنه صلَّى صلاة الظهر بمنى، ثم أفاض إلى مكة فطاف طواف الزيارة بها، وأيضًا لا يوافق حديث جابر؛ فإن في حديث جابر: "ثم أفاض رسول الله ﷺ إلى البيت فصلَّى بمكة الظهر".
(فمكث بها) أي بمنى (ليالي أيام التشريق) وكذا في أيامها (يرمي الجمرة) أي الجمار الثلاث (إذا زالت الشمس) أي بعد زوالها (كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة) فيرمي الأولى، ثم الوسطى، ثم الثالثة الكبرى.
(ويقف عند الأولى والثانية) (٢) بعد الفرغ من رميهما (فيطيل القيامَ) أي في الأرض السهلة عندهما (ويتضرع) في الدعاء (ويومي الثالثة) أي جمرة العقبة (ولا يقف عندها) (٣) أي عند الثالثة للدعاء، بل يرجع إلى منزله.
стр. 4401
١٩٧٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (١) , الْمَعْنَى, قَالَا, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ, عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ, قَالَ: "لَمَّا انْتَهَى إِلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ, وَرَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ, وَقَالَ: هَكَذَا رَمَى الَّذِى أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ". [خ ١٧٤٨، م ١٢٩٦، ن ٣٠٧١، ت ٩٠١، جه ٣٠٣٠]
===
١٩٧٤ - (حدثنا حفص بن عمر، وسلم بن إبراهيم) بسين مهملة مفتوحة وسكون لام، هكذا في النسخة المجتبائية والقادرية والكانفورية والمكتوبة الأحمدية، وفي المصرية ونسخة "العون" (٢) واللكهنوية: مسلم بن إبراهيم، وهو الصواب. فإنه قال العيني في "شرح البخاري" (٣): وأخرجه أبو داود عن حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم.
(المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: نا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود، قال) عبد الرحمن: (لما انتهى) ابن مسعود (إلى الجمرة الكبرى) وهي جمرة العقبة (جعل البيت (٤) عن يساره ومنًى عن يمينه، ورمى الجمرة بسبع حصيات، وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة) وهو رسول الله ﷺ ، وإنما خص سورة البقرة بالذكر؛ لأن مناسك (٥) الحج مذكورة فيها.
стр. 4402
١٩٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ, أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِى مَالِكٌ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِى الْبَدَّاحِ بْنِ عَاصِمٍ, عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ (١) لِرِعَاءِ الإِبِلِ فِى الْبَيْتُوتَةِ
===
١٩٧٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، ح: ونا ابن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه) أبي بكر بن محمد، (عن أبي البداح) بفتح الموحدة وتشديد الدال المهملة (ابن عاصم) بن عدي بن الجد بن العجلان البلوي، حليف الأنصار، ثقة، قيل: اسمه عدي، ويقال: كنيته أبو عمرو، وأبو البداح لقب، قال الحافظ (٢): حكى ابن عبد البر أن له صحبة، وهو غلط تعقبناه (٣) عليه.
(عن أبيه) عاصم بن عدي بن الجد بن عجلان بن حارثة بن ضبيعة العجلاني القضاعي، أخو معن بن عدي، أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو، حليف الأنصار، شهد أحدًا، وكان رسول الله ﷺ استعمله على أهل قباء وأهل العالية، فلم يشهد بدرًا وضرب له بسهمه، وهو الذي أمره عويمر العجلاني: أن يسأل له عن الرجل يجد مع امرأته رجلًا، له عندهم في الرمي بمنى، ويقال: إن عاصم بن عدي العجلاني غير عاصم والد أبي البداح، وكذا فرق بينهما أبو القاسم البغوي، وفي "الصحيح" حكايته ابن عباس عن عاصم بن عدي قصة الملاعنة (٤).
(أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة) في غير مني وتركها في
стр. 4403
يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ بِيَوْمَيْنِ،
===
مني بحيث (يرمون) أي الرعاء (يوم النحر) جمرة العقبة فقط، (ثم يرمون الغد) أي للغد وهو اليوم الحادي عشر واليوم الثاني من أيام النحر (ومن بعد الغد) (١) أي لليوم الذي من بعد الغد، وهو الثاني عشر وآخر أيام النحر (بيومين) أي لهذين اليومين الغد ومن بعد الغد في أحدهما.
وفسره مالك في "الموطأ" (٢)، قال مالك: تفسير الحديث الذي أرخص فيه رسولُ الله ﷺ لرعاء الإبل في [تأخير] رمي الجمار فيما نُرى- والله أعلم- أنهم يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يومَ النحر رموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول، فيرمون لليوم الذي مضى ثم يرمون ليومهم ذلك؛ لأنه لا يقضي أحد شيئًا حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه، ومضى كان القضاء بعد ذلك.
قلت: وأخرج الإِمام أحمد حديث أبي البداح بن عاصم، عن أبيه من طريق مالك وسياقه أوضح من سياق غيره، وهو: "أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن مني، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد، أو من بعد الغد اليومين - أي لليومين -، ثم يرمون يوم النفر" لكنه مخالف لمذهب الحنفية والمالكية والشافعية ﵏.
وفي رواية عند أحمد من طريق عبد الرزاق عن مالك ولفظها قال: "أرخص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد النحر، فيرمونه في أحدهما، قال مالك: ظننت أنه في الآخر منهما، ثم يرمون يوم النفر".
وفي رواية ابن جريج عن محمد بن أبي بكر مصرَّح بأن يرمي لليومين في
стр. 4404
ويرْمُونَ يَوْمَ النَّفَرِ". [ت ٩٥٤، ن ٣٠٦٩، جه ٣٥٣٧، حم ٥/ ٤٥٠]
١٩٧٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ ابْنَىْ أَبِى بَكْرٍ, عَنْ أَبِيهِمَا, عَنْ أَبِى الْبَدَّاحِ بْنِ عَدِىٍّ, عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا وَيَدَعُوا يَوْمًا". [انظر سابقه]
١٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ, حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مِجْلَزٍ
===
ثانيهما, ولفظه: "أرخص للرعاء أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر، ثم يَدعوا يومًا وليلة، ثم يرموا الغد"، أي: في الغد ليومين.
قال القاري (١) عن الطيبي: ولم يجوِّز الشافعي ومالك أن يقدموا الرمي (٢) في الغد، انتهى، وهو كذلك عند أئمتنا، (ويرمون يوم النفر) أي النفر الثاني، وهو الثالث عشر من ذي الحجة إن وقفوا بمنى، وإلَّا فإن تعجلوا في اليومين فلا يلزمهم رمي اليوم النفر الثاني.
١٩٧٦ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر، عن أبيهما، عن أبي البداح بن عدي، عن أبيه: أن النبي ﷺ رخص للرعاء أن يرموا يومًا) أي يوم النحر (ويدعوا يومًا) أي اليوم الحادي عشر، ثم يرموا في اليوم الثاني عشر لليومين.
١٩٧٧ - (حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، نا خالد بن الحارث، نا شعبة، عن قتادة قال: سمعت أبا مجلز) بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام بعدها زاي، لاحق بن حميد بن سعيد، ويقال: شعبة بن خالد بن كثير السدوسي
стр. 4405
يَقُولُ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ شَىْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجِمَارِ, فَقَالَ: مَا أَدْرِى أَرَمَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسِتٍّ أَوْ بِسَبْعٍ". [ن ٣٠٧٨]
١٩٧٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ, حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَىْءٍ إلَّا النِّسَاءَ». [حم ٦/ ١٤٣، خزيمة ٢٩٣٧]
===
البصري الأعور، قدم خراسان، قال ابن سعد والعجلي وأبو زرعة وابن خراش: ثقة، وعن ابن معين: مضطرب الحديث، وقال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم.
(يقول: سألت ابن عباس عن شيء من أمر الجمار)، ولعله سأله عن عدد الحصيات التي ترمى بها الجمار وغيره (فقال) ابن عباس: (ما أدرى أرماها رسول الله ﷺ بست) أي بست حصيات (أو بسبع)، وقد ثبت (١) عنه ﷺ أنه رماها بسبع حصيات، فأخذ به الأمة، وقد تقدم من حديث جابر وابن مسعود وعائشة أنه رماها بسبع حصيات.
١٩٧٨ - (حدثنا مسدد، نا عبد الواحد بن زياد، نا الحجاج) بن أرطاة، (عن الزهري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا رمى أحدكم جمرة العقبة) وذبح وحلق (٢) (فقد حل له كل شيء إلَّا النساء)،
стр. 4406
قَال أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، الْحَجَّاجُ لَمْ يَرَ الزُّهْرِيَّ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ.
(٧٧) بَابُ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِير
١٩٧٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن نَافِعٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
===
وقد أخرج البيهقي (١) هذا الحديث من طريق يزيد بن هارون، أنبأنا الحجاج بن أرطاة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : "إذا رميتم وحلقتم (٢) فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلَّا النساء"، ورواه محمد بن بكر، عن يزيد بن هارون فزاد: "وذبحتم، فقد حل لكم كل شيء الطيب والثياب إلا النساء".
(قال أبو داود: هذا حديث ضعيف (٣)؛ الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه) فالحديث منقطع، قال الشوكاني (٤): استدلت به الحنفية والشافعية على أنه يحل بالرمي لجمرة العقبة كل محظور من محظورات الإحرام إلَّا الوطء للنساء، فإنه لا يحل به بالإجماع، وقال مالك: والطيب، وقال الليث: إلا النساء والصيد، وأحاديث الباب ترد عليهم.
قلت: وهذا الذي قاله من المذهب إذا لم يكن عنده هدي، وأما إذا كان معه هدي فلا يحل حتى ينحر هديه.
(٧٧) (بابُ الْحَلْقِ والتَّقْصِيرِ)
١٩٧٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن
стр. 4407
عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ» , قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ, قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ» , قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ, قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ». [خ ١٧٢٧، م ١٣٠١، ت ٩١٣، جه ٣٠٤٤، دي ١٩٠٦، حم ٢/ ١٦]
===
عمر أن رسول الله ﷺ قال: اللهُمَّ (١) ارحم المحلِّقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصِّرين)، هذا عطف تلقين كأنهم قالوا: قل: والمقصرين، وأدخلهم في الرحمة.
(قال: اللهُمَّ ارحم المحلقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين، قال: والمقصرين)، وفي هذا الحديث قوله: "والمقصرين" قال في المرة الثانية.
وقد أخرج البيهقي (٢) من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "يرحم الله المحلقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين، قال: يرحم الله المحلقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين، قال: يرحم الله المحلقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين، قال في الرابعة: والمقصرين".
قلت: وإنما أخر "المقصرين" لأن الأفضل الحلق فيرغبوا فيه، وفي الحديث دلالة على أن الحلق أفضل من التقصير، ووجهه أنه أبلغ في العبادة وأبين للخضوع والذلة، وأدل على صدق النية، والذي يقصر يُبقي على نفسه شيئًا بما يتزيَّن به بخلاف الحالق، فإنه يشعر بأنه ترك ذلك لله تعالى، وفيه إشارة إلى التجرد، ومن ثم استحب الصلحاء إلقاء الشعور عند التوبة.
واستدل بقوله: "المحلقين" على مشروعية حلق جميع الرأس؛ لأنه الذي تقتضيه الصيغة، وقال بوجوب حلق جميعه مالك وأحمد، واستحبه الكوفيون، والشافعي، ويجزئ البعض عندهم، واختلفوا فيه فعن الحنفية: الربع،
стр. 4408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إلَّا أبا يوسف، فقال: النصف، وقال الشافعي: أقل ما يجب عليه حلق ثلاث شعرات، وفي وجه لبعض أصحابه شعرة واحدة.
والتقصير كالحلق، فالأفضل أن يقصر من جميع شعر رأسه، ويستحب أن
لا ينقص عن قدر الأنملة، وأما النساء فالمشروع في حقهن التقصير بالإجماع، قاله الحافظ (١).
قال القاري في شرحه (٢) على "المشكاة": وفي الصحيحين وغيرهما: أنه ﵊ قصَّر في عمرة القضاء، وقد قال تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٣)، فدل على جواز كل منهما، إلَّا أن الحلق أفضل بلا خلاف، وظاهره وجوب استيعاب الرأس، وبه قال مالك وغيره، وحكى النووي الإجماع عليه، والمراد به إجماع الصحابة أو السلف - رحمهم الله تعالى -، ومما يؤيده قوله ﵊: "خذوا عني مناسككم" ولم يُحْفَظ عنه ﵊ ولا عن أحد من أصحابه الكرام الاكتفاءُ ببعض شعر الرأس.
وأما القياس على مسح الرأس فغير صحيح للفرق بينهما، وهو أن المسح فيه الباء الدالة على التبعيض في الجملة، وقد ورد حديثُ الناصية المشعرُ بجواز الاكتفاء بالبعض، ولم يرد نص على منع مسح البعض، بخلاف ذلك كله في باب الحلق، فإنه قال تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾، ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ (٤)، ولم يثبت عنه ﵊ وأصحابه الكرام قط أنهم اكتفوا بحلق بعض الرأس أو تقصيره، بل ورد النهي عن القزعة حتى للصغار، وهي حلق بعض الرأس وتخلية بعضه، فالظاهر أنه لا يخرج من الإحرام إلَّا بالاستيعاب كما قال به مالك، وتبعه ابن الهمام في ذلك، انتهى.
стр. 4409
١٩٨٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (١)، نَا يَعْقُوبُ (٢)، عن مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَلَقَ رَاسَهُ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ". [خ ١٧٢٦، م ١٣٠٤]
١٩٨١ - حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا حَفْصٌ، عن هِشَامٍ، عن ابْنِ سِيرِينَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى جَمْرةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ بِمِنًى فَدَعَا بِذِبْحٍ فَذَبَحَ،
===
قلت: يمكن أن يقال في جواب هذا الإشكال: إنه روي في "المشكاة" (٣) من حديث ابن عباس ﵁ قال: قال لي معاوية: "إني قصرتُ من رأس النبي ﷺ عند المروة بمشقص"، فالظاهر أن يكون حرف "من" للتبعيض.
ووقع عند أحمد (٤) من طريق قيس بن سعد، عن عطاء، أن معاوية حدث: "أنه أخذ من أطراف شعر رسول الله ﷺ في أيام العشر بمشقص معي وهو محرم"، وقوله: "في أيام العشر" شاذٌّ، فهذا يقتضي أن رسول الله ﷺ قصر من شعر رأسه، فلو ثبت هذا لكفى في تقدير الحلق والتقصير ببعض الرأس.
١٩٨٠ - (حدثنا قتيبة، نا يعقوب، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ حلق رأسه) أي أمر بحلق رأسه (في حجة الوداع).
١٩٨١ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا حفص، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة يوم النحر، ثم رجع إلى منزله) أي محل نزوله (بمنى، فدعا بذبح فذبح) والذبح بكسر أوله: ما يذبح من الغنم.
قلت: وقد ثبت عنه ﷺ أنه نحر في حجته بدنات، ولم يثبت أنه ذبح غنمًا يوم النحر، فالظاهر أن المراد بالذبح النحر.
стр. 4410
ثُمّ دَعَا بِالْحَلَّاقِ فَأَخَذَ بِشِقِّ رَأسِهِ الأَيْمَنِ فَحَلَقَهُ،
===
وقد أخرج هذا الحديث مسلم في "صحيحه" من طريق يحيى بن يحيى، حدثنا حفص بن غياث بسند أبي داود، ولفظه: "إن رسول الله ﷺ أتى مني، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: خذ"، الحديث، ثم أخرج من طريق أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير وأبي كريب قالوا: حدثنا حفص بن غياث بهذا الإسناد، ثم أشار إلى الاختلاف بين حديث أبي كريب وبين حديث أبي بكر في قوله: "قال للحلاق" إلى آخر الحديث، ولم يبين الاختلاف في القول الذي قبل ذلك، فدل هذا على أن في حديث أبي كريب محمد بن العلاء ليس ذكر الذبح، بل فيه ذكر النحر.
وأخرج البيهقي في "سننه" (١) من حديث سفيان قال: ثنا هشام بن حسان، ولفظه: "قال: لما رمى رسول الله ﷺ الجمرة ونحر نسكه وحلق"، الحديث، ففي هذا أيضًا تصريح بالنحر.
(ثم دعا بالحلاق) قال النووي (٢): واختلفوا في اسم هذا الرجل لذي حلق رأس رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فالصحيح هو المشهور أنه معمر بن عبد الله العدوي، وفي صحيح (٣): زعموا أنه معمر بن عبد الله، وقيل: اسمه (٤) خراش بن أمية بن ربيعة الكُليبي، بضم الكاف، منسوب إلى كليب بن حبشية.
(فأخذ) الحلاق (بشق رأسه الأيمن فحلقه)، ولفظ مسلم: "فقال للحلاق:
стр. 4411
فَجَعَلَ يَقْسِمُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ بِشِقِّ رَأسِهِ الأَيْسَرِ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ قَالَ: "ههُنَا أَبُو طَلْحَةَ؟ "، فَدَفَعَهُ إِلَى أَبِي طَلْحَةِ. [م ١٣٠٥، ت ٩١٢، حم ٣/ ١١١، خزيمة ٢٩٢٨، ق ٥/ ١٠٣]
===
خذ"، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناسَ، وفي رواية: "قال للحلاق: ها"، وأشار إلى جانب الأيمن. وفي رواية: "قال: فبدأ بالشق الأيمن".
(فجعل) رسول الله ﷺ (يقسم بين من يليه الشعرةَ والشعرتين) أي يعطي بعضَهم شعرة وبعضَهم شعرتين (ثم أخذ) الحلاق (بشق رأسه الأيسر فحلقه، ثم قال) رسول الله ﷺ : (ههنا أبو طلحة؟ ) بحذف الاستفهام (فدفعه) أي الشعر (إلى أبي طلحة) وفي رواية عند مسلم: "فأعطاه أم سليم".
وتوجيهه: أن يقال: لما سأل رسول الله ﷺ عن أبي طلحة فلعله لم يكن موجودًا، فأعطاه أم سليم لتدفعه إلى أبي طلحة.
قلت: وفي هذه الروايات اختلاف آخر ذكره الشيخ ابن القيم في "زاد المعاد" (١)، وأنا ألخصه لك لتتميم الفائدة:
(فصل) فلما أتم رسول الله ﷺ نحوه استدعى بالحلَّاق، فحلق رأسه، فقال للحلاق: "خذ"، وأشار إلى جانبه الأيمن، فلما فرغ منه قسم شعرَه بين من يليه، ثم أشار إلى الحلَّاق فحلق جانبه الأيسر، ثم قال: "ههنا أبو طلحة؟ " فدفعه إليه، هكذا وقع في "صحيح مسلم".
وفي "صحيح البخاري": عن ابن سيرين، عن أنس: "أن رسول الله ﷺ لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره" (٢).
وهذا لا يناقض رواية مسلم؛ لجواز أن يصيب أبا طلحة من الشق الأيمن
стр. 4412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
مثلُ ما أصاب غيرَه، ويختص بالشق الأيسر، لكن قد روى مسلم في "صحيحه" أيضًا من حديث أنس قال: لما رمى رسول الله ﷺ الجمرة، ونحر نسكه، وحلق، ناول الحلاقَ شقَّه الأيمن، فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري، فأعطاه إياه، ثم ناوله الشقَّ الأيسرَ فقال: "احلق"، فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: "اقسمه بين الناس"، ففي هذه الرواية كما ترى أن نصيبَ أبي طلحة كان الشق الأيمن، وفي الأولى أنه كان الأيسر.
قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي: رواه مسلم من رواية حفص بن غياث وعبد الأعلي بن عبد الأعلى، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس: "أن النبي ﷺ دفع إلى أبي طلحة شعرَ شقهِ الأيسر", ورواه من رواية سفيان بن عيينة، عن هشام بن حسان: "أنه دفع إلى أبي طلحة شعر شقه الأيمن". قال: ورواية ابن عون، عن ابن سيرين أراها تقوي روايةَ سفيان، والله أعلم.
قلت: يريد برواية ابن عون ما ذكرناه عن ابن سيرين من طريق البخاري، وجعل الذي سبق إليه أبو طلحة هو الشق الذي اختص به، والله أعلم.
والذي يَقْوَى أن نصيب أبي طلحة الذي اختص به كان الشقَّ الأيسرَ، وأنه ﷺ عَمَّ، ثم خَص، وهذه كانت سُنَّتَه في عطائه، وعلى هذا أكثر الروايات؛ فإن في بعضها أنه قال للحلاق: "خذ"، وأشار إلى جانبه الأيمن، فقسم شعره بين من يليه، ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه، فأعطاه أمَّ سليم، ولا يعارض هذا دفعُه إلى أبي طلحة فإنها امرأتُه.
وفي لفظ آخر: فبدأ بالشق الأيمن، فوزَّعه الشعرةَ والشعرتين بين الناس، ثم قال: بالأيسر، فصنع به مثل ذلك، ثم قال: ههنا أبو طلحة؟ فدفعه إليه.
وفي لفظ ثالث: دفع إلى أبي طلحة شعرَ شقه الأيسر، ثم قلَّم أظفاره وقسمها بين الناس.
стр. 4413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وذكر الإِمام أحمد (١) من حديث محمد بن عبد الله بن (٢) زيد أن أباه حدثه: "أنه شهد النبي ﷺ عند المنحر (٣)، ورجل من قريش وهو يقسم أضاحيَ، فلم يصبه شيء ولا صاحبَه، فحلق رسول الله ﷺ رأسه في ثوبه، فأعطاه، فقسم منه على رجال، وقلم (٤) أظفاره، فأعطاه صاحبه، قال: فإنه عندنا مخضوب بالحنَّاء والكتم يعني شعره".
قلت: وعندي أن حديث سفيان بن عيينة عن هشام بن حسان الذي بظاهره يناقض حديث حفص بن غياث وعبد الأعلي بن عبد الأعلى، عن هشام، توجيهه أن يقال: إن ضمير قوله: "اقسمه بين الناس" لا يعود إلى ما أعطاه أبا طلحة ثانيًا، بل يرجع إلى ما أعطاه من شقه الأيمن أولًا، أو يقال بأن في العبارة تقديمًا وتأخيرًا بأن قوله: قال: "اقسمه بين الناس" كان في الأول متصلًا بقوله: "فأعطاه إياه"، فأخره الراوي، فألحقه بقوله: "فأعطاه أبا طلحة"، فحينئذ يوافق حديثُ سفيان حديثَ حفص بن غياث وعبد الأعلي بن عبد الأعلى، والله أعلم.
قال النووي (٥): وفي الحديث فوائد كثيرة، منها: بيان السنَّة في أعمال الحج يوم النحر (٦)، وهي أربعة أعمال: رمي جمرة العقبة، ثم نحو الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم دخوله مكة فيطوف طواف الإفاضة، ويسعى بعده إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم.
стр. 4414
١٩٨٢ - [حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ هِشَامٍ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَلَبِيُّ وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عن هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، بِإِسْنَاده بِهَذَا، قَالَ لِلْحَالِقِ: "ابْدَأْ بِالشِّقِّ الأَيْمَنِ فَاحْلِقْهُ"].
١٩٨٣ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، أَنَا خَالِدٌ،
===
ومنها: أنه يستحب إذا قدم مني أن لا يعرج على شيء قبل الرمي، بل يأتي الجمرة راكبًا كما هو فيرميها، ثم يذهب فينزل حيث شاء من مني.
ومنها: استحباب نحر الهدي، وأنه يكون بمنى، ويجوز حيث شاء من بقاع الحرم.
ومنها: أن الحلق نسك، وأنه أفضل من التقصير، وأنه يستحب فيه البداءة بالجانب الأيمن من رأس المحلوق، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: يبدأ بالجانب الأيسر.
قلت: وهذا القول رجع عنه الإِمام أبو حنيفة كما هو مصرَّح في كتبهم، ومذهبهم في ذلك كمذهب الجمهور أنه يبدأ بالحلق من جانب يمين المحلوق.
قال: ومنها: طهارة شعر الآدمي، وبه قال جماهير العلماء.
ومنها: التبرك بشعره ﷺ وجواز اقتنائه للتبرك.
وههنا نسخة كتبت على حاشية النسخة المكتوبة الأحمدية.
١٩٨٢ - (حدثنا عبيد بن هشام أبو نعيم الحلبي) جرجاني الأصل، صدوق تغير في آخر عمره فتلقن، (وعمرو بن عثمان، المعنى، قالا: حدثنا سفيان عن هشام بن حسان بإسناده بهذا، قال للحالق: ابدأ بالشق الأيمن فاحلقه).
وكتب عليه: وجد في نسخة واحدة، وما وجدت في أكثر النسخ وقت القراءة (١).
١٩٨٣ - (حدثنا نصر بن علي، أنا يزيد بن زريع، أنا خالد،
стр. 4415
عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبيَّ (١) ﷺ كَانَ يُسْأَلُ يَوْمَ مِنًى فيَقُولُ: "لَا حَرَجَ"، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: "اذْبَحْ وَلَا حَرَج"، قَالَ: إِنِّي أَمْسَيْتُ وَلَمْ أَرْم، قَالَ: "ارْمِ وَلَا حَرَج". [خ ١٧٢٣، ن ٣٠٦٧]
===
عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان يُسأَل يوم مني) عن بعض المسائل المتعلق بالحج، أو عن تقديم بعض الأفعال على البعض وتأخير بعضها عن البعض.
(فيقول: لا حرج، فسأله رجل، فقال: إني حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج، قال) أي الرجل السائل: (إني أمسيت) حمل القاري (٢) المساء على ما بعد غروب الشمس، ونقل عن الطيبي: أي بعد العصر، واعترض عليه قال: وفيه أنه ليس فيه توهم تقصير، فإنه جائز بالاتفاق حتى في أول أيام النحر، وأما مذهبنا ففي أيام الرمي تفصيل، قال شيخ الإِسلام في "مبسوطه": إن ما بعد طلوع الفجر من يوم النحر وقت الجواز مع الإساءة، وما بعد طلوع الشمس إلى الزوال وقت مسنون، وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءة، والليل وقت الجواز مع الإساءة، فقوله: "أمسيت" ضد "أصبحت" على ما في "القاموس"، فظاهره أنه بعد الغروب، انتهى.
(ولم أرم، قال: ارم ولا حرج) اعلم أن الترتيب بين الرمي والذبح والحلق للقارن والمتمتع واجب عند أبي حنيفة، وكذا تخصيص الذبح بأيام النحر، وأما تخصيص الذبح بالحرم فإنه شرط بالاتفاق، فلو ذبح في غير الحرم لا يسقط ما لم يذبح في الحرم، والترتيب بين الحلق والطواف ليس بواجب، وكذا بين الرمي والطواف، فما قيل من أن الترتيب بين الرمي والحلق والطواف واجب فليس بصحيح، قاله القاري (٣).