← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

وعن أُمِّهِ زينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عن أُم سَلَمَةَ قَالَتْ: "كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي يَصِيرُ إِلَيَّ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسَاءَ يَوْم النَّحْرِ، فَصَارَ إِلَيَّ فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهْبُ بْنُ زَمْعَةَ وَمَعَهُ رَجُلٌ مِنْ آلِ أَبَي أُمَيَّةَ مُتَقَمِّصَينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لوَهْب: "هَلْ أَفَضْتَ أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ " قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ ﷺ : "انْزَعْ عَنْكَ الْقَمِيصَ"، قَالَ: فَنَزَعَهُ مِنْ رَأسِهِ وَنَزَعَ صَاحِبُهُ قَمِيصَهُ مِنْ رَأسِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "إِنَّ هَذَا يَوْمٌ رُخِّصَ لَكُمْ إِذَا أَنْتُمْ رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ === (وعن أمه زينبَ بنتِ أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: كانت ليلتي) أي ليلة نوبتي (التي يصير) أي يعود (ويدور إليَّ فيها رسولُ الله ﷺ مساء يوم النحر) أي بعد تمام يوم النحر (١)، وهي ليلة الحادي عشر من ذي الحجة (فصار إليَّ، فدخل عليَّ وهبُ بنُ زمعة ومعه رجل من آل أبي أمية) لم أقف على تسميته (مُتَقَمِّصَيْنِ) بصيغة التثنية. (فقال رسول الله ﷺ لوهب: هل أفضت) أي طفت طواف الإفاضة (أبا عبد الله؟ ) بتقدير حرف النداء (قال) وهب: (لا والله يا رسول الله) أي ما طفت لها (قال ﷺ : انزع عنك القميصَ، قال) هكذا في جميع النسخ، وكذا في رواية أحمد، وليس في رواية البيهقي (٢) لفظ: قال. ويحتمل تذكير الصيغة باعتبار أن يكون مرجعه الراوي، وإلا فالظاهر أن يكون: قالت بصيغة التأنيث؛ لأن مرجع الضمير أم سلمة. (فنزعه) أي فنزع وهب قميصه (من رأسه، ونزع صاحبه قميصَه من رأسه، ثم قال) وهب: (وَلمَ يا رسول الله؟ ) أي لم أمرتنا أن ننزع مصنا؟ (قال) رسول الله ﷺ : (إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة)

стр. 4447

أَنْ تَحِلُّوا" - يَعْني مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ مِنْهُ إِلَّا النِّسَاءَ-، "فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفُوا هَذَا الْبَيْتَ صِرْتُمْ حُرُمًا كَهَيْئَتِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطُوفُوا بِهِ". [حم ٦/ ٢٩٥، ق ٥/ ٣٧، ك ١/ ٤٨٩ - ٤٩٠، خزيمة ٢٩٥٨] === أي وذبحتم إن كان عندكم، وحلقتم (أن تحلوا - يعني من كل ما حُرِمتم منه إلَّا النساء-، فإذا أمسيتم) أي دخلتم في المساء، والمراد بالمساء ها هنا الليل (قبل أن تطوفوا هذا البيت) أي طواف الإفاضة (صرتم حرمًا كهيئتكم) أي كهيئة كونكم محرمين (قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به) (١). والحديث أخرجه الإِمام أحمد في مسنده، وزاد في آخره: قال محمد: "قال أبو عبيدة: وحدثتني أم قيس ابنة محصن، وكانت جارة لهم، قالت: خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمصين عشية يوم النحر، ثم رجعوا إلى عشاء قمصهم على أيديهم يحملونها، قالت: فقلت: أي عكاشة! ما لكم خرجتم متقمصين، ثم رجعتم وقمصكم على أيديكم تحملونها؟ فقال: خيرًا يا أم قيس (٢)، كان هذا يومًا قد رُخِّص لنا فيه، إذا نحن رمينا الجمرة، حللنا من كل ما حُرِمنا منه، إلا ما كان من النساء حتى نطوف بالبيت، فإذا أمسينا ولم نطف به، صرنا حُرُمًا، كَهيئتنا قبل أن نرمي الجمرة، حتى نطوف به، ولم نطف فجعلنا قمصنا كما ترين". وهكذا هذه الزيادة في حديث البيهقي في "السنن"، ثم قال: هكذا رواه أبو داود في "كتاب السنن" عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين بالإسناد الأول دون

стр. 4448

٢٠٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، نَا سُفْيَانُ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ (١) ﷺ أَخَّرَ === الإسناد الثاني عن أم قيس. وقد قال البيهقي قبل تخريج الحديث: "وقد رويت تلك اللفظة في حديث أم سلمة مع حكم آخر لا أعلم أحدًا من الفقهاء يقول بذلك". وكتب في الحاشية عن "فتح الودود": ولعل من لا يقول به يحمله على التغليظ والتشديد في تأخير الطواف من يوم النحر، والتأكيد في إتيانه في يوم النحر، وظاهر الحديث يأبى مثل هذا الحمل جدًا، والله تعالى أعلم. وقد كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه وشيخنا ﵀: قوله: "انزع عنك القميص"، والظاهر أنه كان مُضَمَّخًا بطيب، وهو أدعى الأشياء إلى الجماع لا سيما في أصحابه ﷺ ، فأمره بنزع القميص لما علم من قوة مزاجهما، وقد حان الليل، فخاف أن يجني على إحرامه قبل طواف الفريضة، فكان أمره بنزع قميصه بالاحتياط ومن باب سد الذرائع، وهو كذلك إذا خيف فتنة بارتكاب مباح، وعليه مبنى ما ذهب إليه بعضهم من أن الحاج بعد الحلق أو التقصير يحل له كل شيء إلا النساء والطيب، فاستثناه مع النساء لما علم أنه أدعى إليها. ويمكن أن يكون نزع القميص لمجرد التشديد في تأخير الطواف؛ فإن هؤلاء لقربهم به ﷺ كان ينبغي لهم المسارعة إلى أدائه في الوقت المستحب، وعلى هذا لا يحتاج إلى كونه مطيبًا، وأيًّا ما كان فمعنى قوله: "صرتم حرمًا كهيئتكم ... إلخ"، إنما هو في مجرد امتناع لبس القميص، وخاص بهما دون سائر الناس، ويؤيد الأول أن أحدًا منهم لم يذكر نزع غير القميص من العمامة والقلنسوة إلى غير ذلك. ٢٠٠٠ - (حدثنا محمد بن بشار، نا عبد الرحمن، نا سفيان، عن أبي الزبير، عن عائشة وابن عباس: أن النبي ﷺ أخَّر

стр. 4449

طَوَافَ (١) يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى اللَّيْلِ". [ت ٩٢٠، جه ٣٠٥٩، حم ١/ ٢٨٨] === طواف يوم النحر إلى الليل) وقد تقدم في رواية جابر وابن عمر: "أن رسول الله ﷺ طاف للزيارة، وفرغ منه في يوم النحر حتى إنه صلَّى الظهر بمكة، ثم رجع، أو صلَّى الظهر بعد الرجوع من مكة في مني"، فيمكن أن يحمل قوله: "أخَّر طوافَ يوم النحر إلى الليل": أنه أمر بإباحة تأخير طواف الزيارة في الليل (٢). قلت: وخلاصة كلام الشيخ ابن القيم في "الهدي" (٣) المتعلق بهذا الحديث: أن هذا الحديث غلط بَيِّنٌ خلاف المعلوم من فعله ﷺ الذي لا يشك فيه أهلُ العلم بحجته ﷺ ، قال الترمذي في كتاب "العلل": سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث؛ وقلت له: أسمع أبو الزبير من عائشة وابن عباس؟ قال: أما من ابن عباس فنعم، وفي سماعه من عائشة نظر، وقال أبو الحسن القطان: عندي أن هذا الحديث ليس بصحيح، إنما طاف النبي ﷺ يلي يومئذ نهارًا. وإنما اختلفوا: هل هو صلَّى الظهر بمكة أو رجع إلى مني فصلَّى الظهر بها؟ فابن عمر يقول: إنه رجع إلى مني فصلَّى الظهر بها، وجابر يقول: إنه صلَّى الظهر بمكة، وهو ظاهر حديث عائشة من غير رواية أبي الزبير، فهذه التي فيها أنه أخر الطواف إلى الليل، هذا شيء لم يُروَ إلَّا من هذا الطريق، وأبو الزبير مدلس لم يذكر ههنا سماعًا من عائشة ﵂، فيجب التوقف فيما يرويه أبو الزبير عن عائشة لما عُرِفَ به من التدليس، فأما ولم يصح لنا أنه سمع من عائشة فالأمر بيِّن في وجوب التوقف فيه، والخلاف في رد حديث المدلِّسين حتى يعلم اتصاله، أو قبوله حتى يعلم انقطاعه، إنما هو إذا لم يعارضه ما لا شك في صحته، وهذا قد عارضه ما لا شك في صحته، انتهى.

стр. 4450

٢٠٠١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي === ويدل على غلط أبي الزبير على عائشة أن أبا سلمة بن عبد الرحمن روى عن عائشة أنها قالت: حججنا مع رسول الله ﷺ ، فأفضنا يوم النحر (١). قلت: وإنما نشأ الغلط من تسمية الطواف؛ فإن النبي مجديد أخر طواف الوداع إلى الليل، فهذا هو الطواف الذي آخره إلى الليل بلا ريب، فغلط فيه أبو الزبير، أو من حدثه به، وقال: طواف الزيارة، والله الموفق. قلت: ويمكن تأويله بأن البخاري أخرج تعليقًا (٢) فقال: قال أبو الزبير عن عائشة وابن عباس ﵃: "أخر النبي ﷺ الزيارة إلى الليل". فلفظ الحديث كان ما ذكره البخاري، وكان المراد بالزيارة زيارة البيت لا طواف الزيارة، ولكن فهم بعض الرواة منه أن المراد به طواف الزيارة، فرواه بلفظ: "أخر طواف يوم النحر" على ما فهمه من لفظ الحديث. وقد ذكر البخاري بلفظ التمريض: وَيُذْكَر عن أبي حسان، عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ كان يزور البيتَ أيام مني"، فكأن البخاري حمل الزيارة في حديث أبي الزبير عن ابن عباس على زيارة البيت غير طواف الزيارة. قال الحافظ (٣): ولرواية أبي حسان هذه شاهد مرسل، أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عيينة: حدثنا ابن طاوس، عن أبيه: "أن النبي ﷺ كان يفيض كل ليلة"، فظاهره أنه ﷺ لا يطوف طواف الإفاضة كل ليلة، فليس المراد طواف الإفاضة، بل المراد أنه ينزل من مني إلى مكة كل ليلة. ٢٠٠١ - (حدثنا سليمان بن داود، أنا ابن وهب، حدثني

стр. 4451

ابْنُ جُرَيجٍ، عن عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عن ابْنِ عَبَّاس: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرْمُلْ مِنَ السُّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ" (١). [جه ٣٠٦٠، خزيمة ٢٩٤٣] (٨٢) بَابُ الْوَدَاعِ ٢٠٠٢ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِى كُلِّ وَجْهٍ, فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ». [م ١٣٢٧، جه ٣٠٧٠، دي ١٩٣٢، ق ٥/ ١٦١، السنن الكبرى للنسائي ٢/ ٤٦٣] === ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ لم يرمل من). وفي نسخة: في (السبع) أي الأشواط السبع (الذي أفاض فيه) أي في طواف الإفاضة، قال القاري (٢): لتقدُّمِ السعي عليه. قلت: وهذا على رأي الشافعية ظاهر، وأما على رأي الحنفية ففيه خفاء، والذي عندي أنه ﷺ لم يرمل فيه؛ لأنه كان راكبًا، والرمل لا يتحقق إلا في المشي. (٨٢) (بابُ الْوَدَاعِ) (٣)، أي حكم الوداع من البيت ٢٠٠٢ - (حدثنا نصر بن علي، نا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان الناس) إذا جاؤوا مكة للحج، وفرغوا من أركانها (ينصرفون) بعد طواف الزيارة (في كل وجه) أي جهة، ولا يطوفون طواف الوداع، (فقال النبي ﷺ : لا ينفرن أحد) من مكة (حتى يكون آخر عهده الطوافَ بالبيت).

стр. 4452

(٨٣) بَابُ الْحَائِضِ تَخْرُجُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ ٢٠٠٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَىٍّ, فَقِيلَ: إِنَّهَا قَدْ حَاضَتْ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَعَلَّهَا حَابِسَتُنَا» , فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ, === قال في "لباب المناسك" و"شرحه" (١): باب طواف الصدر، بفتحتين، وهو الرجوع، ويسمى طواف الوداع، وهو واجب على الحاج الآفاقي أي دون المكي والميقاتي، والمراد به المفرد والمتمتع والقارن، ولا يجب على المعتمر ولو كان آفاقيًا، ولا على أهل مكة والحرم كأهل مني، والحل كالوادي والخليص وجُدَّة وحَدَّة (٢)، والمواقيت، وفائت الحج والمحصَر أي في الحج، والمجنون، والصبي، ومن نوى الإقامة الأبدية قبل حل النفر الأول من أهل الآفاق، فمن خرج ولم يطف يجب عليه العود بلا إحرام ما لم يجاوز الميقات، فإن جاوزه لم يجب الرجوع، ويجب الدم. (٨٣) (بَابُ الْحَائِضِ تَخْرُجُ بَعْدَ) طواف (الإفَاضَةِ) قبل أن تطوف طواف الوداع، هل يجوز لها ذلك؟ ٢٠٠٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ ذكر صفية بنت حيي) وذكر بما يدل على إرادة قربانها (فقيل) الظاهر أن القائلة هي عائشة ﵂ (إنها قد حاضت، فقال رسول الله ﷺ ) ولعله ظن أنها لم تفرغ من طواف الزيارة (لعلها حابِسَتُنا) أي مانِعَتُنا من السفر إلى المدينة حتى تطوف للزيارة (فقالوا) أي الأهل: (يا رسول الله! إنها) أي صفة (قد أفاضت) أي فرغت من طواف الإفاضة.

стр. 4453

فَقَالَ: "فَلَا إِذًا". [خ ١٧٣٣، م ١٢١١، حم ١/ ٢٣٦، ق ٥/ ١٦٢] === (فقال) رسول الله ﷺ : (فلا إذًا) أي إذا كانت طافت للزيارة فلا تحبسنا عن الرجوع إلى المدينة، أو فلا بأس برجوعها إلى المدينة من غير طواف الوداع. قال الحافظ (١): وهذا مشكل؛ لأنه ﷺ إن كان علم طواف الإفاضة فكيف يقول: "أحابستنا هي"، وإن كان ما علم فكيف يريد وقاعها قبل التحلل الثاني؟ ويجاب عنه بأنه ﷺ ما أراد ذلك منها إلَّا بعد أن استأذنه نساؤه في طواف الإفاضة فأذن لهن، فكان بانيًا على أنها قد حلت، فلما قيل له: إنها حائض، جوَّز أن يكون وقع لها قبل ذلك، حتى منعها من طواف الإفاضة، فاستفهم عن ذلك، فأعلمته عائشة أنها طافت معهن، فزال عنه ما خشيه من ذلك، انتهى. قال الشوكاني (٢): في الحديث دليل على وجوب طواف الوداع، قال النووي: وهو قول أكثر العلماء، ويلزم بتركه دم. وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سنَّة، لا شيء في تركه. قال الحافظ (٣): والذي رأيته لابن المنذر في "الأوسط": أنه واجب للأمر به، إلَّا أنه لا يجب بتركه شيء. قال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي أفاضت طواف الوداع. وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت: أنهم أمروها بالمقام لطواف الوداع، فتقيم حتى تطوف. وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر، فخالفناه لثبوت حديث عائشة ﵂، ولثبوت حديث أم سليم عند الطيالسي (٤) أنها قالت: "حضت بعد ما طفت بالبيت، فأمرني رسول الله ﷺ أن أنفر".

стр. 4454

٢٠٠٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ, أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ, عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ === ٢٠٠٤ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا أبو عوانة، عن يعلي بن عطاء) العامري الليثي الطائفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، قال الأثرم: أثنى عليه أحمد بن حنبل خيرًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن المديني: يعلي بن عطاء له أحاديث لم يروها غيره، ورجال لم يرو عنهم غيره، منهم وكيع بن عدس، وأهل الحجاز لا يعرفونه، وإنما روى عنهم قوم بواسط. (عن الوليد بن عبد الرحمن) الجُرشي بضم الجيم وبالشين المعجمة، الحمصي، الزَّجَّاج، كان على خراج الغوطة أيام هشام، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن خراش: ثقة، وقال أبو حاتم ومحمد بن عون: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن الحارث بن عبد الله بن أوس)، ذكره الحافظ في "التقريب" و"تهذيب التهذيب" في ترجمة الحارث بن أوس، قال في "التقريب": الحارث بن أوس الطائفي، مختلف في صحبته، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقيل: هو حارث بن عبد الله بن أوس الذي يروي عن عمر، فَنُسِبَ إلى جده، وفرَّق بينهما ابن سعد وأبو حاتم وغيرهما. وقال في "تهذيب التهذيب" (١): الحارث بن أوس، ويقال: ابن عبد الله بن أوس الثقفي، حجازي سكن الطائف، روى عن النبي ﷺ وعن عمر ﵁، وعنه عمرو بنُ أوس الثقفي، ويقال: إنه أخوه، والوليدُ بنُ عبد الرحمن الجرشي. قلت: فرق ابن سعد بين الحارث بن أوس والحارث بن عبد الله بن أوس، فجعل الأول يروي عن النبي ﷺ حسب، والثانيَ عن عمر وعن

стр. 4455

قَالَ: "أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَرْأَةِ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ تَحِيضُ, قَالَ: لِيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ, قَالَ: فَقَالَ الْحَارِثُ: كَذَلِكَ أَفْتَانِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: أَرِبْتَ عَنْ يَدَيْكَ، === النبي ﷺ ، وغلط عبد السلام بن حرب فقلَبه، فقال: عبد الله بن الحارث بن أوس، وكذا فرق بينهما أبو حاتم بن حبان، وجزم بأن عمرو بن أوس أخو الأول، انتهى. (قال: أتيت عمر بن الخطاب فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر) أي طواف الإفاضة (ثم تحيض) هل ترجع إلى وطنها قبل أن تطوف طواف الوداع؟ (قال) عمر (١) ﵁: (ليكن آخر عهدها بالبيت) أي يجب عليها أن لا ترجع إلى الوطن، حتى تطوف طواف الوداع. (قال) أي الوليد بن عبد الرحمن: (فقال الحارث: كذلك) أي كما أفتيتَ (أفتاني رسول الله ﷺ ) حين سألته عنها. (قال) الوليد: (فقال عمر: أربتَ) قال في "المجمع" (٢): قال عمر لمن نقم عليه قولًا: أربت (عن) ذي (يديك) أي سقطت آرابك من اليدين خاصة، وقيل: وذهب ما في يديك حتى تحتاج. وكتب في الحاشية عن "فتح الودود": أرِبْتَ عن يديك بكسر الراء، أي: سقطت من أجل مكروه يصيب يديك من قطع أو وجع، أو سقطت بسبب يديك أي من جنايتهما، قيل: هو كناية عن الخجالة، والأظهر أنه دعاء عليه، لكن ليس المقصود حقيقته، وإنما المقصود نسبة الخطأ إليه. واستدل الطحاوي (٣) على نسخ هذا الحديث بحديث عائشة وبحديث أم سليم.

стр. 4456

سَأَلْتَني عن شَيءٍ سَأَلْتَ عَنْهُ رَسُولَ الله ﷺ لِكَيْمَا أُخَالِفَ". [حم ٣/ ٤١٦] (٨٤) بَابُ طَوَافِ الْوَدَاع ٢٠٠٥ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ, عَنْ خَالِدٍ, عَنْ أَفْلَحَ, عَنِ الْقَاسِمِ, عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ: "أَحْرَمْتُ مِنَ التَّنْعِيمِ بِعُمْرَةٍ, فَدَخَلْتُ فَقَضَيْتُ عُمْرَتِى وَانْتَظَرَنِى (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالأَبْطَحِ حَتَّى فَرَغْتُ, وَأَمَرَ النَّاسَ بِالرَّحِيلِ, قَالَتْ: وَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ فَطَافَ بِهِ ثُمَّ خَرَجَ". [انظر الحديث التالي] === (سألتني عن شيء) أي مسألة (سألتَ عنه رسول الله ﷺ لكيما) ما زائدة (أخالف) حاصله: أنك لما سألتَ عنها رسول الله ﷺ كان ينبغي لك أن تخبرني به ولا تسألني عنها؛ لئلا أقول قولًا أخالف فيه رسول الله ﷺ . (٨٤) (بَابُ طَوَافِ الْوَدَاعِ) والفرق بين هذه الترجمة والتي سبقت من باب الوداع، أن الأولى عقدت في بيان حكم الوداع، وهذه عقدت لبيان أن رسول الله ﷺ طاف طواف الوداع، فذكر في الأولى الحكم القوليَّ، وفي الثانية فعلَه ﷺ ٢٠٠٥ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد) الطحان، (عن أفلح) بن حميد، (عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر، (عن عائشة ﵂ قالت: أحرمتُ من التنعيم بعمرة، فدخلت) مكة، (فقضيت عمرتي) أي طفت وسعيت لها (وانتظرني رسول الله ﷺ بالأبطح) وهو بطحاء مكة في طريق مني يقال له: المحصب (حتى فرغتُ، وأمر الناس بالرحيل) أي إلى المدينة لما جئته بعد الفراغ من الطواف. (قالت) عائشة: (وأتى رسول الله ﷺ البيتَ فطاف به) أي طواف الوداع (ثم خرج) راجعًا إلى المدينة.

стр. 4457

٢٠٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ - يَعْنِى الْحَنَفِىَّ -, حَدَّثَنَا أَفْلَحُ, عَنِ الْقَاسِمِ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "خَرَجْتُ (١) مَعَهُ - تَعْنِى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى النَّفْرِ الآخِرِ فَنَزَلَ الْمُحَصَّبَ" (٢) ... فِى هَذَا الْحَدِيثِ, قَالَتْ: "ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرٍ === ٢٠٠٦ - (حدثنا محمد بن بشار، ثنا أبو بكر - يعني الحنفي-) وهو عبد الكبير ابن عبد المجيد بن عبيد الله البصري، هكذا في "تهذيب التهذيب" و"التقريب"، لكن في "كتاب الكنى" (٣) للدولابي: عبد الكريم بن عبد المجيد، وكناه الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٤): أبو يحيى، وفي "التقريب": أبو بكر. وثقه أحمد ومحمد بن سعد، وقال أبو زرعة: هم ثلاثة إخوة، وهم ثقات، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: هم أربعة إخوة: أبو بكر، وأبو علي، وأبو المغيرة - واسمه عمير-، وشريك، وقال العجلي: بصري، ثقة، وقال العقيلي: عبد الكبير ثقة، وأخوه أبو علي ثقة، وأخوه الثالث ضعيف يعني عميرًا، وقال الدارقطني: هم أربعة إخوة، لا يعتمد منهم إلَّا على أبي بكر وأبي علي. (نا أفلح) بن حميد، (عن القاسم، عن عائشة قالت: خرجتُ معه- تعني) أي عائشة بالضمير في "معه" (مع النبي ﷺ في النفر الآخر) أي اليوم الثالث عشر من ذي الحجة (فنزل المحصب) وهو البطحاء التي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الأرض واتسع، وحَدُّها ما بين الجبلين إلى المقبرة، ويقال لها: خيف بني كنانة (في هذا الحديث) أي المتقدم. (قالت: ثم جئته) أي رسول الله ﷺ بعد الفراغ من العمرة (بسحر) أي في

стр. 4458

فَأَذَّنَ فِى أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيلِ, فَارْتَحَلَ, فَمَرَّ بِالْبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ, فَطَافَ بِهِ حِينَ خَرَجَ, ثُمَّ انْصَرَفَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ". [خ ١٥٦٠، م ١٢٣/ ١٢١١] === آخر الليل، (فأذن) من الإفعال (١)، أي: أعلن (في أصحابه بالرحيل، فارتحل) إلى المدينة (فمر بالبيت) لطواف الوداع (قبل صلاة الصبح) ووقع البيت في طريقه؛ لأنه خرج من كدى من أسفل مكة (فطاف به) للوداع (حين خرج) إلى المدينة (ثم انصرف) بعد الفراغ من الطواف (متوجهًا إلى المدينة). وأشار الشيخ ابن القيم (٢) ههنا إلى إشكالين، ثم أجاب عنهما، قال: قالت عائشة: "فلقيني رسول الله ﷺ وهو مصعد من مكة، وأنا منهبطة عليها، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها". ففي هذا الحديث أنهما تلاقيا في الطريق، وفي الأول أنه انتظرها في منزله، فلما جاءت نادى بالرحيل في أصحابه. ثم فيه إشكال آخر، وهو قولها: "لقيني وهو مصعد من مكة، وأنا منهبطة إليها"، أو بالعكس، فإن كان الأول فكان قد لقيها مصعدًا منها راجعًا إلى المدينة، وهي منهبطة عليها للعمرة، وهذا ينافي انتظاره لها بالمحصب. ثم أجاب عنهما، فقال: فإذا كان حديث الأسود هذا محفوظًا فصوابه: لقيني رسول الله ﷺ وأنا مصعدة من مكة، وهو منهبط إليها؛ فإنها طافت وقضت عمرتها، ثم أصعدت لميعاده، فوافته وهو قد أخذ في الهبوط إلى مكة للوداع، فارتحل، وأذَّن في الناس بالرحيل، ولا وجه لحديث الأسود غير هذا.

стр. 4459

٢٠٠٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ, حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى يَزِيدَ, أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ طَارِقٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أُمِّهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا جَازَ مَكَانًا مِنْ دَارِ يَعْلَى - نَسِيَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ - اسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ فَدَعَا". (١) [ن ٢٨٩٦، حم ٥/ ٣٧٤] === ٢٠٠٧ - (حدثنا يحيى بن معين، نا هشام بن يوسف) الصنعاني، أبو عبد الرحمن الأبناوي، قاضي صنعاء، وثقه أبو حاتم والعجلي وغيرهما، (عن ابن جريج، أخبرني عبيد الله بن أبي زيد، أن عبد الرحمن بن طارق) بن علقمة الكناني المكي، روى عن أمه، وقيل: عن أبيه، وقيل: عن عمه في الدعاء إذا استقبل البيت، ذكره ابن سعد في أهل مكة، وقال: كان قليل الحديث، قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يروي عن جماعة من الصحابة، وقال البخاري: وقال بعضهم: عن عمه، ولا يصحُّ، (أخبره عن أمه) قال في "التقريب": لم أعرف اسمها، وهي صحابية، لها حديث، (أن رسول الله ﷺ كان إذا جاز مكانًا من دار يعلى- نسيه) أي المكان (عبيد الله - استقبل البيت فدعا). وقد أخرج الإِمام أحمد (٢) هذا الحديث في "مسنده" بطرق مختلفة، فأخرج من حديث محمد بن بكر عن ابن جريج بسنده، ولفظه: "كان إذا دخل مكانًا من دار يعلى- نسيه عبيد الله- استقبل البيت فدعا". وكذلك أخرج من طريق عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، ولفظه مثله، وزاد: "وكنت أنا وعبد الله بن كثير إذا جئنا ذلك الموضع استقبل البيت فدعا". وأخرج من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج ولفظه: "كان إذا دخل مكانًا في دار يعلى- نسيه عبيد الله- استقبل البيت فدعا"، وفي هذه الطرق الثلاثة روى عبد الرحمن بن طارق عن أمه.

стр. 4460

(٨٥) بَابُ التَّحْصِيبِ === وأخرج الإِمام أحمد (١) في حديث رجل عن عمه من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج بهذا السند إلى عبد الرحمن بن طارق بن علقمة، عن عمه، ولفظه: "أن النبي ﷺ كان إذا جاء مكانًا من دار يعلى- نسيه عبيد الله- استقبل البيت دعا"، وقال روح: عن أبيه، وقال ابن بكر: عن أبيه (٢)، انتهى. وأخرج في "أسد الغابة" (٣) من طريق أبي عاصم عن ابن جريج بهذا السند عن أمه: "أن النبي ﷺ كان يأتي مكانًا في دار يعلى فيستقبل البيت فيدعو، فيخرج يعلى مع رسول الله ﷺ فيدعو ونحن مسلمات". وقد أخرجه الحافظ في "الإصابة" (٤) فقال: ابن أبي عاصم، فذكر مثل ما في "أسد الغابة". فالظاهر أن لفظ "جاز" في سياق أبي داود تصحيف من الكاتب، والصواب: جاء، ونقل عن "فتح الودود": لعله الموضع المعلوم بموضع استجابة الدعاء في السوق إلى جهة المعلى. (٨٥) (بَابُ التَّحْصِيبِ) أي النزول في المحصب، وهو الأبطح وخيف بني كنانة قال الشيخ ابن (٥) القيم: وقد اختلف السلف في التحصيب هل هو سنَّة، أو منزل اتفاق؟ على قولين، فقالت طائفة: هو من سنن الحج، فإن في "الصحيحين" عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال حين أراد أن ينفر من مني: "نحن نازلون غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر" (٦).

стр. 4461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وفي "صحيح مسلم" (١): عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلونه". وفي رواية لمسلم عنه: "أنه كان يرى التحصيب سنَّة". وذهب آخرون، منهم ابن عباس وعائشة إلى أنه ليس بسنَّة، وإنما هو منزلُ اتفاقٍ، ففي "الصحيحين": عن ابن عباس: "ليس بالمحصب بشيء، وإنما هو منزل نزل به رسول الله ﷺ ليكون أسمحَ لخروجه" (٢). وفي "صحيح مسلم" (٣): عن أبي رافع: "لم يأمرني النبي ﷺ أن أنزل بمن معي بالأبطح، ولكن أنا ضربت قبته، ثم جاء فنزل"، فأنزله الله فيه بتوفيقه تصديقًا لقول رسوله: "نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة". وتنفيذًا لما عزم عليه، وموافقة منه لرسوله صلاة الله وسلامه عليه، انتهى. قال الحافظ في "الفتح" (٤): فالحاصل أن من نفى أنه سنَّة كعائشة وابن عباس أراد أنه ليس من المناسك، فلا يلزم بتركه شيء، ومن أثبته كابن عمر ﵄ أراد دخولَه في عموم التأسي بأفعاله ﷺ ، لا الإلزام بذلك، ويستحب أن يصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت به بعض الليل، كما دل عليه حديث أنس وحديث ابن عمر. وقال في "لباب المناسك" (٥): وإذا وصل المحصب، وهو الأبطح، فالسنَّة أن ينزل به ولو ساعة، ويدعو، أو يقف على راحلته، والأفضل أن يصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويهجع هجعة (٦)، ثم يدخل مكة، وحد المحصب ما بين الجبل الذي عند مقابر مكة والجبل الذي يقابله مصعدًا، انتهى.

стр. 4462

٢٠٠٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ (١): "إِنَّمَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُحَصَّبَ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ, وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ, فَمَنْ شَاءَ نَزَلَهُ, وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَنْزِلْهُ". [خ ١٧٦٥، م ١٣١١، ت ٩٢٣، جه ٣٠٦٧، حم ١/ ٤٦] ٢٠٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, الْمَعْنَى. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ أَبُو رَافِعٍ: "لَمْ يَأْمُرْنِى (٢) أَنْ أَنْزِلَهُ === ٢٠٠٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة (٣): إنما نزل رسول الله ﷺ المحصب ليكون أسمح) أي أسهل (لخروجه) أي لتوجهه إلى المدينة، قال الحافظ (٤): أي ليستوي في ذلك البطيء والمعتدل، ويكون مبيتهم وقيامهم في السحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة (وليس) نزولهم بالمحصب (بسنَّة، فمن شاء نزله، ومن شاء لم ينزله). ٢٠٠٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (ح: وحدثنا مسدد، قالوا) أي أحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة ومسدد: (نا سفيان، نا صالح بن كيسان، عن سليمان بن يسار قال: قال أبو رافع) مولى النبي ﷺ : (لم يأمرني) أي رسول الله ﷺ (أن أنزله) عن نزل ينزل، أي: أنزل المحصب، وأضرب له فيه قبته، أو من باب الإفعال، أي أنزل رسولَ الله ﷺ في المحصب بضرب قبته فيه.

стр. 4463

وَلكِنْ ضُرِبَتْ قُبَّتهُ فَنَزَلَهُ". [م ١٣١٣، خزيمة ٢٩٨٦] (١) قَالَ مُسَدَّدٌ: وَكَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِىِّ ﷺ . وَقَالَ عُثْمَانُ (٢): يَعْنِى فِى الأَبْطَحِ. ٢٠١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ, عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ - فِى حَجَّتِهِ - === (ولكن ضربت قبته) بتوفيق من الله سبحانه، وتصديقًا لقوله: "ونحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة" (فنزله، قال مسدد: وكان) أبو رافع (على ثقل النبي ﷺ ) أي متاعه (وقال عثمان: يعني في الأبطح) أي زاد عثمان بعد قوله: "ولكن ضربت قبته". ٢٠١٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان) بن عفان بن أبي العاص الأموي، أبو عثمان، قال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وقال العجلي: مدني، ثقة من كبار التابعين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر الزبير أن معاوية زوَّجه لما ولي الخلافة ابنَتَه رملة. (عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله! أين تنزل غدًا؟ في حجته) متعلق بقوله: "قلت"، ويخالفه ما أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" (٣) من طريق محمد بن أبي حفصة، ثنا الزهري بهذا السند قال: "يا رسول الله! أين تنزل غدًا إن شاء الله؟ " وذلك زمن الفتح. فقال: "هل ترك لنا عقيل؟ "، الحديث. قال الحافظ (٤): وظاهر هذه القصة أن ذلك كان حين أراد دخول

стр. 4464

قَالَ: "هَلْ تَرَكَ لنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا؟ "، === مكة، ويزيده وضوحًا رواية زمعة بن صالح عن الزهري بلفظ: "لما كان يوم الفتح قبل أن يدخل النبي ﷺ مكةَ، قيل: أين تنزل، أفي بيوتكم؟ "، الحديث. وروى علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي بن حسين قال: قيل للنبي ﷺ حين قدم مكة: أين تنزل؟ قال: "وهل ترك لنا عقيل من طَلٍّ؟ ". قال علي بن المديني: ما أشك أن محمد بن علي بن حسين أخذ هذا الحديث عن أبيه، لكن في حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال ذلك حين أراد أن ينفر من مني، فيحمل على تعدد القصة. (قال) رسول الله ﷺ : (هل ترك لنا عقيل (١) منزلًا؟ ) قال الحافظ (٢): وأخرج هذا الحديث الفاكهي من طريق محمد بن أبي حفصة، وقال في آخره: ويقال: إن الدار التي أشار إليها كانت دار هاشم بن عبد مناف، ثم صارت لابنه عبد المطلب، فقسمها بين ولده حين عمر، فمن ثم صار للنبي ﷺ حق أبيه عبد الله، وفيها وُلِد النبي ﷺ . ومحصل هذا: أن النبي ﷺ لما هاجر استولى عقيل وطالب على الدار كلها باعتبار ما ورثاه من أبيهما؛ لكونهما كانا لم يسلما، وباعتبار ترك النبي ﷺ لحقه منها بالهجرة، وفقد طالب ببدر، فباع عقيل الدار كلها، وحكى الفاكهي أن الدار لم تزل بأولاد عقيل إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار.

стр. 4465

ثُمَّ قَالَ: «نَحْنُ نَازِلُونَ بِخَيْفِ بَنِى كِنَانَةَ حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْكُفْرِ» - يَعْنِى الْمُحَصَّبَ - وَذَلِكَ أَنَّ بَنِى كِنَانَةَ حَالَفَتْ قُرَيْشًا عَلَى بَنِى هَاشِمٍ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يؤووهم ولا يُبَايِعُوهُمْ. [خ ٣٠٥٨، م ١٣٥١ مختصرًا] قَالَ الزُّهْرِىُّ: وَالْخَيْفُ: الْوَادِى. === (ثم قال) رسول الله ﷺ : (نحن نازلون بخيف بني كنانة) وهو المحصب (حيث قاسمت) أي تحالفت (قريش) قال في "تاريخ الخميس" (١): وكان اجتماعهم وتحالفهم (٢) بخيف بني كنانة بالأبطح، ويسمى محصبًا بأعلى مكة عند المقابر. (على الكفر، يعني) بخيف بني كنانة (المحصب، وذلك) أي التحالف على الكفر (أن بني كنانة حالفت قريشًا) أي كفارهم (على بني هاشم أن لا يناكحوهم) أي لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم (ولا يؤووهم) في مكة (ولا يبايعوهم) أي لا يبيعوهم شيئًا ولا يبتاعوهم، وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم كتبوا في صحيفة، وعَلَّقوها في جوف الكعبة حتى يسلِّموا رسولَ الله ﷺ إليهم. (قال الزهري: والخيف: الوادي) وقصته أنه لما رأت قريش عزَّ النبي ﷺ وعزَّ أصحابه بالحبشة وإسلامَ عمر ﵁ وفشوَّ الإِسلام في القبائل، أجمعوا على أن يقتلوا النبي ﷺ ، فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم، وبني المطلب، وأدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم، ومنعوه ممن أراد قتله، فأجابوها لذلك حتى كفارهم، فعلوا ذلك حميةً على عادة الجاهلية. فلما رأت قريش ذلك اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابًا، يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم ولا يقبلوا منهم صلحًا أبدًا؛ حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل.

стр. 4466

٢٠١١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ, حَدَّثَنَا عُمَرُ (١) , حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو - يَعْنِى الأَوْزَاعِىَّ -, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ أَبِى سَلَمَةَ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: === وكتبوا في صحيفة بخط منصور بن عكرمة بن هشام، وقيل: بغيض بن عامر فشلَّتْ يده، وعَلَّقُوا الصحيفة في جوف الكعبة هلال المحرم سنة سبع من النبوة، وانحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، ودخلوا معه شِعْبَه إلَّا أبا لهب، فكان مع قريش، وأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا حتى جهدوا، وكانت قرش قد قطعت عنهم الميرة والمادة، وكان لا يصل إليهم شيء إلَّا سرًا، وكانوا لا يخرجون من موسم إلى موسم. ثم قام رجال في نقض الصحيفة، فأطلع الله تعالى نبيه على أمر الصحيفة على أن الأرضة أكلت جميع ما فيها من القطيعة والظلم، فلم تدع إلَّا اسم الله فقط، فأخبرهم أبو طالب بذلك، فلما أنزلت لتمزق، وجدت كما قال ﵇، فأخرجوهم من الشعب، وذلك في السنة العاشرة، وخرج من الشعب وله تسع وأربعون سنة، وتوفي أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وتوفيت خديجة بعده بثلاثة أيام (٢). وقد ذكر ياقوت الحموي في "معجم البلدان" (٣)، وسمَّاه شعب أبي يوسف، وقال: وهو الشعب الذي أوى إليه رسول الله ﷺ وبنو هاشم لما تحالفت قريش على بني هاشم، وكتبوا الصحيفة، وكان لعبد المطلب، فقسم بين بنيه حين ضعف بصره، وكان النبي ﷺ أخذ حظ أبيه، وهو كان منزل بني هاشم ومساكنهم، انتهى. ٢٠١١ - (حدثنا محمود بن خالد، نا عمر) بن عبد الواحد، (ثنا أبو عمرو - يعني الأوزاعي -، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:

стр. 4467

"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ مِنْ مِنًى: «نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا» , فَذَكَرَ نَحْوَهُ, وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَهُ وَلَا ذَكَرَ الْخَيْفُ الْوَادِى". [خ ١٥٨٩، م ١٣١٤، جه ٢٩٤٢، حم ٢/ ٢٣٧] ٢٠١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ حُمَيْدٍ, عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَيُّوبَ, عَنْ نَافِعٍ: "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَهْجَعُ هَجْعَةً بِالْبَطْحَاءِ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ, وَيَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ". [خ ١٧٦٨، حم ٢/ ١٠٠] ٢٠١٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا عَفَّانُ, حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, === أن رسول الله ﷺ قال حين أراد أن ينفر) أي يرجع (من مني: نحن نازلون غدًا، فذكر نحوه، ولم يذكر أوله) أي سؤال أسامة وجوابَه ﷺ (ولا ذكر) تفسير الزهري (الخيف الوادي). وقد أخرج مسلم (١) هذا الحديث في "صحيحه": حدثني زهير بن حرب، حدثنا الوليد بن مسلم بسنده إلى أبي هريرة قال: قال لنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى: "نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر"، وذلك أن قريشًا وبني كنانة حالفت على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ ، يعني بذلك المحصب. ٢٠١٢ - (حدثنا أبو سلمة موسى) بن إسماعيل، (نا حماد، عن حميد، عن بكر بن عبد الله وأيوب، عن نافع: أن ابن عمر كان) إذا رجع من مني (يهجع هجعة) أي ينام نومة خفيفة بعد العشاء (بالبطحاء) أي المحصب، (ثم يدخل مكة، ويزعم أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك). ٢٠١٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عفان، نا حماد بن سلمة،

стр. 4468

أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ, عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, وَأَيُّوبَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْبَطْحَاءِ, ثُمَّ هَجَعَ هَجْعَةً, ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ, وَكَانَ (١) ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ". [انظر تخريج الحديث السابق] (٨٦) باب (٢) فِيمَنْ قَدَّمَ شَيْئًا قَبْلَ شَىْءٍ فِى حَجِّهِ ٢٠١٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, === أنا حميد) الطويل، (عن بكر بن عبد الله، عن ابن عمرَ، وأيوبُ) عطف على حميد، أي قال حماد بن سلمة: وأخبرنا أيوب، (عن نافع عن ابن عمر) ولما كان السند الأول الذي أخرجه أبو داود عن أبي سلمة موسى فيه خلط؛ أردفه هذا السند، وفصل السندين لئلا يبقى فيه إشكال، وكان السند الأول يدل على أن بكر بن عبد الله، وأيوب كلاهما يرويان عن نافع، وليس كذلك؛ بل يروي حماد عن حميد عن بكر بن عبد الله عن ابن عمر، من غير واسطة نافع، ويروي حماد عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، فبين هذا التفصيل في هذا السند الثاني. (أن النبي ﷺ صلَّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء) أي المحصب (ثم هجع هجعة) أي نام نومة (ثم دخل مكة) قال الشيخ ابن القيم (٣): فصلَّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة، ثم نهض إلى مكة فطاف للوداع ليلًا سحرًا، ولم يرمل في هذا الطواف (وكان ابن عمر يفعله). (٨٦) (بَابُ مَنْ قَدَّم شَيْئًا قَبْل شَىْءٍ) أي: نسكًا مؤخرًا قبل نسك مقدم (في حَجِّهِ) ٢٠١٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب،

стр. 4469

عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١) أَنَّهُ قَالَ: "وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى يَسْأَلُونَهُ, فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّى لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ»، === عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله) التيمي، أبو محمد المدني، وأمه سعدى بنت عوف المرية، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وقال: كان ثقة كثير الحديث، وعن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي والعجلي، وقال ابن حبان: وكان من أفاضل أهل المدينة وعقلائهم. (عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: وقف رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى يسألونه، فجاءه رجل) لم أقف على تسميته (فقال: يا رسول الله! إني لم أشعر فحلقت) رأسي (قبل أن أذبح؟ ، فقال رسول الله ﷺ : اذبح ولا حرج). قال العيني (٢) في أنه إذا حلق قبل أن يذبح فقال مالك (٣) والشافعي وأحمد وإسحاق: لا شيء عليه، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: عليه دم، وإن كان قارنًا فدمان، واحتج بما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: "من قدم شيئًا من حجه أو أخره فليهرق بذلك دمًا". وأجاب عن حديث الباب ونحوه: أن المراد بالحرج المنفي هو الإثم، ولا يستلزم ذلك نفي الفدية، انتهى. قلت: وهذا الاختلاف في صورة إذا كان

стр. 4470

وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (١)! لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِىَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ» , قَالَ: فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَىْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ إلَّا قَالَ: «اصْنَعْ وَلَا حَرَجَ». [خ ٨٣، م ١٣٠٦، ت ٩١٦، دي ١٩٠٧، حم ٢/ ١٥٩] ٢٠١٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنِ الشَّيْبَانِىِّ, عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ, عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: "خَرَجْتُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ حَاجًّا فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ, فَمَنْ قَالَ: === الذبح عليه واجبًا كالقارن والمتمتع، وأما إذا كان متطوعًا في الذبح كالمفرد، فلو قدم الحلق قبل الذبح لا يلزم عليه شيء. (وجاء رجل آخر) لم أقف على تسميته (فقال: يا رسول الله! لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج، قال: فما سئل يومئذ عن شيء قُدِّم أو أُخِّر إلَّا قال: اصنع ولا حرج). ٢٠١٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الشيباني) سليمان بن أبي سليمان أبي إسحاق، (عن زياد بن علاقة) بكسر المهملة وبالقاف وخفة لام، ابن مالك الثعلبي بالمثلثة والمهملة، أبو مالك الكوفي، ابن أخي قطبة، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الأزدي: سيِّئ المذهب، كان منحرفًا عن أهل بيت النبي ﷺ ، وقال في "التقريب": رمي بالنصب. (عن أسامة بن شريك) الثعلبي من بني ثعلبة بن سعد، صحابي، تفرد بالرواية عنه زياد بن علاقة على الصحيح. (قال: خرجت مع النبي ﷺ حاجًا، فكان الناس يأتونه) أي سائلين (فمن قال) هكذا في جميع نسخ أبي داود

стр. 4471

يَا رَسُولَ اللَّهِ! سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ، أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا، أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا، فَكَانَ يَقُولُ: لَا حَرَجَ، لَا حَرَجَ إِلَّا عَلَى رَجُلٍ اقْتَرَضَ عِرْضَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ ظَالِمٌ، فَذَلِكَ الَّذِي حَرِجَ وَهَلَكَ". [خزيمة ٢٩٥٥] === الموجودة عندنا، وذكر الشيخ ابن القيم هذا الحديث في "هديه" (١) , وفيه: فمن قائل، وهو الأوضح (٢). (يا رسول الله! سعيت قبل أن أطوف، أو قدَّمت شيئًا، أو أخَّرت شيئًا، فكان يقول) في جوابهم: (لا حرج، لا حرج إلَّا على رجل اقترض) أي اقتطع (عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك)، وهذا الكلام يدل على أن المراد من الحرج المنفي في الحديث هو الإثم فقط، وهذا الحديث أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣). قال الشيخ ابن القيم بعد ذكر هذا الحديث (٤): وقوله: "سعيت قبل أن أطوف"، في هذا الحديث ليس بمحفوظ، والمحفوظ: تقديم الرمي والنحر والحلق بعضها على بعض، انتهى (٥).

стр. 4472

(٨٧) بابٌ: فِى مَكَّةَ ٢٠١٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ عن بَعْضِ أَهْلِهِ (١)، === (٨٧) (بابٌ: فِى مَكَّةَ) ٢٠١٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان بن عيينة، حدثني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة) بن صبيرة بن سعيد- مصغرًا- ابن سعد بن سهم القرشي السهمي المكي، روى عن أبيه وسعيد بن جبير وعلي بن عبد الله البارقي وغيرهم، قال ابن سعد: كان شاعرًا قليل الحديث، وقال أحمد وابن معين: ثقة. وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن بعض أهله) وأخرج الإِمام أحمد في "مسنده" (٢) هذا الحديث، ففي حديث سفيان بن عيينة: حدثني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، سمع بعض أهله يحدث عن جده، وفيه: قال سفيان مرة أخرى: حدثني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة عمن سمع جدَّه يقول: رأيت رسول الله ﷺ ، الحديث. قال سفيان: وكان ابن جريج أنبأ عنه قال: ثنا كثير، عن أبيه فسألته، فقال: ليس من أبي سمعته، ولكن من بعض أهلي عن جدي. ثم أخرج من طريق ابن جريج قال: حدثني كثير بن كثير، عن أبيه، عن المطلب بن أبي وداعة قال: "رأيت رسول الله ﷺ حين فرغ من أسبوعه، أتى حاشية الطواف، فصلَّى ركعتين، وليس بينه وبين الطواف أحد". وأخرج ابن الأثير في "أسد الغابة": حدثنا أبو الفضل بن الحسن الطبري بإسناده [إلى أبي يعلى]: حدثنا ابن نمير، حدثنا أبو أسامة، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه وغير واحد من أعيان

стр. 4473

عن جَدِّهِ: "أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ === بني المطلب، عن المطلب بن وداعة قال: "رأيت رسول الله ﷺ إذا فرغ من سعيه، حاجى (١) بينه وبين السقيفة، فيصلي ركعتين في حاشية المطاف، ليس بينه وبين الطواف أحد"، أخرجه الثلاثة. (عن جده) وهو المطلب بن أبي وداعة بنِ (٢) الحارث بن صُبيرة بن سُعيد بن سعد بن سهم القرشي السهمي، ذكره ابن سعد في مُسْلِمَة الفتح، وقال الواقدي: نزل المدينة، وله بها دار، وبقي دهرًا، وقال ابن الكلبي: كان لدة النبي ﷺ ، أُسِرَ أبوه أبو وداعة يوم بدر، فقال النبي ﷺ : "إن له ابنًا كيسًا تاجرًا ذا مال، كأنكم به قد جاء في فداء أبيه"، فكان كذلك، فخرج المطلب بن أبي وداعة سرًا، حتى فدى أباه بأربعة آلاف درهم، ولامَتْه قريش في بداره ودفعه في الفداء، فقال: ما كنت لأدع أبي أسيرًا، فشخص الناس بعده، ففدوا أسراهم بعد أن قالوا: لا تعجلوا في فدائهم، فيطمع محمد في أموالكم. (أنه رأى النبي ﷺ يصلي) حين فرغ من أسبوعه (٣) حاشية المطاف (مما يلي) أي من جانب البيت الذي يتصل (باب بني سهم)

стр. 4474

وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ" (١). [حم ٦/ ٣٩٩] قَالَ سُفْيَانُ: لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ سُتْرَةٌ (٢) === ويقال له الآن: باب العمرة؛ لأنه يخرج الناس منه إلى التنعيم للعمرة، صرح بذلك في "الرحلة الحجازية" (والناس يقرون بين يديه) أي طائفتين (وليس بينهما) أي بين رسول الله ﷺ والطواف، أو الكعبة (سترة، قال سفيان: ليس بينه وبين الكعبة سترة) (٣)، ومذهب الحنفية في ذلك أنه يكره للمار أن يمر بين يدي المصلي، ويستحب للمصلي أن يغرز بين يديه سترة. واختلفوا في المرور بين يديه في الصحراء أو في مسجد كبير، وقال بعضهم: يكره المرور من موضع قدمه إلى موضع سجوده في الأصح. قال الشامي (٤): هو ما اختاره شمس الأئمة، وقاضي خان، وصاحب "الهداية"، واستحسنه في "المحيط"، وصحَّحه الزيلعي، ومقابله ما صححه التمرتاشي، وصاحب "البدائع"، واختاره فخر الإسلام، ورجحه في "النهاية" و"الفتح": أنه قدر ما يقع بصره على المار، لو صلَّى بخشوع، أي راميًا ببصره إلى موضع سجوده، وأرجع في "العناية" الأولَ إلى الثاني بحمل موضع السجود على القريب منه، وخالفه في "البحر"، وصحح الأول. قلت: ويؤيده هذا الحديثُ حديثُ مطلب بن أبي وداعة (٥).

стр. 4475

قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنَا (١) عَنْهُ قَالَ: أَنَا كَثِيرٌ عن أَبِيهِ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: لَيْسَ مِنْ أَبِي سَمِعْتُهُ، وَلَكِنْ مِنْ بَعْضِ أَهْلِي عن جَدِّي. (٨٨) بَابُ تَحْرِيمُ (٢) مَكَّةَ ٢٠١٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ, === (قال سفيان: كان ابن جريج أخبرنا عنه قال: أنا كثير عن أبيه (٣)، فسألته) أي قال سفيان: فسألت أنا بنفسي عن كثير أنه هل سمع من أبيه أم لا؟ (فقال) أي كثير: (ليس من أبي سمعته، ولكن) سمعته (من بعض أهلي عن جدي). (٨٨) (بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ) (٤) ٢٠١٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا الوليد بن مسلم،

стр. 4476

نَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى- يَعْنِي ابْنَ أَبي كَثِيرٍ -، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ (١) مَكَّةَ قَامَ النَّبيُّ ﷺ فِيهِمْ, فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ === نا الأوزاعي، حدثني يحيى -يعني ابن أبي كثير-، عن أبي سلمة، عن أبو هريرة قال: لما فتح الله على رسوله مكة قام النبي ﷺ ) أي خطيبًا (فيهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال): (إن الله حبس عن مكة الفيل) وقصته أن أبرهة سار مع جيوشه إلى هدم الكعبة وغزوها، وخرج معه الفيل حتى انتهى إلى مكة، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، ثم بعث أبرهة حناطة (٢) الحميري إلى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفهم، ثم قال له: إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فأتني به، فلما دخل حُناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم فجاءه، فقال له ما أمره به أبرهة. قال له عبد المطلب: والله ما نريد حربَه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله ﵇، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يُخَلِّ بينه وبينه فوالله ما عندنا له من دافع عنه. فقال له حُناطة: فانطلق إلى الملك، فإنه قد أمرني أن آتيه بك، فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر، فقال للملك بعض جلسائه: أيه الملك! هذا سيد قريش ببابك، يستأذن عليك، فأذن له عليك

стр. 4477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فليكلمك بحاجته، فأذن له أبرهة، وكان عبد المطلب رجلًا عظيمًا وسيمًا جسيمًا، فلما رآه أبرهة أجلَّه وأكرمه عن أن يجلس تحته، فجلس على بساطه، فأجلسه معه إلى جنبه. ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك إلى المَلِك؟ قال له عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يرد عليَّ مائتى بعير أصابها لي، قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه، فلا تكلمني فيه؟ قال له عبد المطلب: إنى أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًا سيمنعه، قال: ما كان ليمنعه مني، قال: فأنت وذاك أعلم، أردد إليَّ إبلي، فرد عليه إبله التي أصاب. وانصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرزِ في شعف الجبال والشعاب، تخوفًا عليهم من معرَّة (١) الجيش، فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيَّأ (٢) فيله، وعَبَّأَ جيشَه، وكان اسم الفيل محمودًا (٣)، وأبرهة مجمع لهدم البيت ثم الانصراف إلى اليمن. فلما وجهوا الفيل أقبل نفيل بن حَبِيْب الخثعمي حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بأذنه فقال: ابرك محمودًا وارجع راشدًا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام، فبرك الفيل، فضربوا الفيل ليقوم فأبى، وضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى،

стр. 4478

وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤمِنِينَ، وَإِنَّمَا أُحِلَّت لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، === فوجَّهوه راجعًا إلى اليمن فقام يهرول، فوجَّهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجَّهوه إلى مكة فبرك. وأرسل الله إليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كل طير ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه مثل الحمص والعدس، لا يصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاؤوا، فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل، فأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم، فسقطت أنامله أنملة أنملة، كل ما سقطت أنملة أتبعتها مِدّة قيحًا ودمًا، حتى قدموا صنعاء، وهو مثل فرخ الطير، فما مات حتى انصدع قلبه عن صدره فيما يزعمون. (وسلط عليها) أي على مكة (رسولَه والمؤمنين) وهذا يدل على أن فتح مكة كان عنوة وهو مذهب الحنفية والجمهور، (وإنما أحلت لي ساعة من النهار) وهي الساعة التي دخل فيها رسول الله ﷺ مع جيوشه مكةَ (ثم هي) أي مكة (حرام) أي محترم (١) أو حرام فيها القتال وغيره (إلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ) أي لا يُقطَع (شجرُها) أي الرطب الذي نبت بنفسه حتى لا يقطع الشوك، وأما الشجر التي ينبتها الناس فيباح لهم قطعه. قال الشوكاني (٢): قال القرطبي: خص الفقهاء الشجر المنهي عنه بما

стр. 4479

وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ". فَقَامَ عَبَّاسٌ - أَوْ قَالَ: === ينبته الله تعالى، أما ما ينبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه، فالجمهور على الجواز، وقال الشافعي: في الجميع الجزاء. واختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول، فقال مالك: لا جزاء فيه بل يأثم، وقال عطاء: يستغفر، وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمة هدي، وقال الشافعي: في العظيمة بقرة وفيما دونها شاة. قال ابن العربي: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلَّا أن الشافعي أجاز قطع السواك من فروع الشجرة، كذا نقل أبو ثور عنه وأجاز أيضًا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها، وبهذا قال عطاء ومجاهد وغيرهما، وأجازوا قطع الشوك؛ لكونه يؤذي بطبعه، فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور؛ لنهيه ﷺ عن ذلك، والقياس مصادم لهذا النص فهو فاسد الاعتبار، وهو أيضًا قياس غير صحيح لقيام الفارق؛ فإن الفواسق المذكورة تقصد بالأذى بخلاف الشجر. قال ابن قدامة (١): ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقطع من الشجر من غير صنيع الآدمي، ولا بما يسقط من الورق، نص عليه أحمد: ولا نعلم فيه خلافًا. (ولا ينفَّر صيدها) أي لا ينحى عن محله فكيف بقتله وصيده. قال النووي (٢): يحرم التنفير، وهو الإزعاج عن موضعه، فإن نفره عصى، تلف أو لا؟ فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن وإلا فلا، قال: قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى. (ولا تحل لقطتها إلَّا لمنشد) وقد تقدم البحثُ وبيانُ الاختلاف فيه في كتاب اللقطة (فقام عباس، أو) للشك من الراوي (قال) الراوي:

стр. 4480

قَالَ الْعَبَّاسُ (١) -: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ رُسُولُ اللَّه ﷺ : "إِلَّا الإِذْخِرَ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَزَادَ فِيهِ ابْنُ الْمُصَفَّى عن الْوَلِيدِ: "فَقَامَ أَبُو شَاهٍ - رَجُلٌ مِنْ أَهْل الْيَمَنِ- فَقَالَ (٢): يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْتُبُوا لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ". قُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ === (قال العباس) بن عبد المطلب: (يا رسول الله! إلَّا الإذخر) بكسر الهمزة، وسكون الذال المعجمة، وكسر الخاء: نبت معروف عند أهل مكة، طيب الرائحة، له أصل مُنْدَفن وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن، وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب، ويسدون به الخلل بين اللبنات في القبور، وهذا استثناء تلقين، أي: قل بعد قوله: "لا يعضد شجرها" لفظ: إلَّا الإذخر (فإنه لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله ﷺ : إلَّا الإذخر)، ونقل الحافظ عن ابن المنير أن الإجماع على أنه مباح مطلقًا من غير قيد الضرورة (٣). (قال أبو داود: وزاد فيه ابن المصفى عن الوليد: فقام أبو شاه - رجل من أهل اليمن-)، قال الحافظ في "الإصابة" (٤): أبو شاه اليماني، يقال: إنه كلبي، ويقال: إنه فارسي من الأبناء الذين قدموا اليمن في نصرة سيف بن ذي يزن، كذا رأيت بخط السلفي، وقيل: إن هاءه أصلية، وهو بالفارسي معناه: الملك، وقال: من ظن أنه اسم أحد الشياه فقد وَهِم، انتهى. (فقال: يا رسول الله! اكتبوا لي، فقال رسول الله ﷺ : اكتبوا لأبي شاه، قلت) هذا قول الوليد (للأوزاعي: ما قوله:

стр. 4481

"اكْتبوا لأَبِي شَاهٍ؟ " قَالَ: هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَ (١) مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ". [خ ١١٢، م ١٣٥٥، ت ٢٦٦٧، حم ٢/ ٢٣٨] ٢٠١٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن طَاوسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ في هَذ الْقِصَّهِ (٢): "وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا". [خ ١٨٣٤، م ١٣٥٣، حم ١/ ٢٥٣] === اكتبوا لأبي شاه؟ ) أي شيء يسأل أبو شاه أن يكتب له (قال) أي الأوزاعي: (هذه الخطبة التي سمع من رسول الله ﷺ ) يسأل أن يكتب له، وفيه جواز كتابة الحديث، وقد وقع الإجماع على ذلك. ٢٠١٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس في هذه القصة) أي في قصة تحريم مكة: (ولا يختلى خلاها) بالخاء المعجمة، والخلا مقصور، وهو الرطب من النبات، واختلاؤه قطعه واحتشاشه، واستدل به على تحريم رعيه لكونه أشد من الاحتشاش، وبه قال مالك والكوفيون، واختاره الطبري، وقال الشافعي: لا بأس (٣) بالرعي لمصلحة البهائم، وهو عمل الناس، بخلاف الاحتشاش فإنه المنهي عنه، فلا يتعدى ذلك إلى غيره. وفي تخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس واختلائه وهو أصح الوجهين للشافعية؛ لأن النبت اليابس كالصيد الميت، قال ابن قدامة: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم من بقل وزرع ومشموم، فلا بأس برعيه واختلائه، قاله الحافظ (٤).

стр. 4482

٢٠١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ, حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ, عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ, عَنْ أُمِّهِ, عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا نَبْنِى لَكَ بِمِنًى بَيْتًا أَوْ بِنَاءً يُظِلُّكَ مِنَ الشَّمْسِ (١)؟ فَقَالَ: «لَا إِنَّمَا هُوَ مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ». [ت ٨٨١، جه ٣٠٠٧، حم ٦/ ١٨٧، خزيمة ٢٨٩١، ك ١/ ٤٦٦، ق ٥/ ١٣٩] === ٢٠١٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه) مسيكة المكية، قال ابن خزيمة: لا أعرف عنها راويًا غير ابنها، ولا أعرفها بعدالة ولا جرح، كذا في "التهذيب" (٢). وقال في "التقريب": مسيكة بالتصغير، المكية، لا يعرف حالُها. (عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله! ألا نبني لك) من الطين والحجارة (بمنى بيتًا أو) للشك من الراوي قال: (بناء يظلك عن الشمس؟ ) أي ظلًا ظليلًا، أو يكون لك أبدًا بالعمارة؛ لأن الخيمة ظلها ضعيف لا يمنع تأثير الشمس بالكلية. (فقال) رسول الله ﷺ : (لا) أي لا تبنوا لي بناء (إنما هو) أي مني (مناخ) بضم الميم، أي: موضع الإناخة (مش سبق إليه) والمعنى أن الاختصاص فيه بالسبق لا بالبناء فيه، أي هذا مقام لا اختصاص فيه لأحد دون أحد. قال الطيبي (٣): أي أتأذن أن نبني لك بيتًا في مني لتسكن فيه؟ فمنع وعلَّل بأن مني موضع لأداء النسك من النحر، ورمي الجمار، والحلق؛ يشترك فيه الناس، فلو بني فيها لأدى إلى كثرة الأبنية تأسِّيًا به فتضيق على الناس، وكذلك

стр. 4483

٢٠٢٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ, حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ ثَوْبَانَ, أَخْبَرَنِى عُمَارَةُ بْنُ ثَوْبَانَ, حَدَّثَنِى مُوسَى بْنُ بَاذَانَ قَالَ: أَتَيْتُ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «احْتِكَارُ الطَّعَامِ فِى الْحَرَمِ إِلْحَادٌ فِيهِ». === حكم الشوارع ومقاعد الأسواق، وعند أبي حنيفة ﵁: أرض الحرم موقوفة، فلا يجوز أن يتملكها أحد، انتهى. قال الخطابي: إنما لم يأذن في البناء لنفسه وللمهاجرين؛ لأنها دار هاجروا منها لله، فلم يختاروا أن يعودوا إليها ويبنوا فيها، وفيه أن هذا التعليل يخالف تعليله ﷺ مع أن مني ليست دارًا هاجروا منها، قاله القاري (١). قلت: وفي هذا الزمان كثرت الأبنية فيها، وتملكوا منها بقاعًا كثيرة، فإلى الله المشتكى. ٢٠٢٠ - (حدثنا الحسن بن علي، نا أبو عاصم، عن جعفر بن يحيى بن ثوبان، أخبرني عمارة بن ثوبان، حدثني موسى بن باذان) حجازي، ويحتمل أن يكون عثمان بن الأسود بن موسى بن باذان، قال ابن أبي حاتم (٢): سماه البخاري: مسلم بن باذان، فقال أبي وأبو زرعة: أخطأ في هذا، وهو موسى بن باذان. قلت (٣): قد حكى البخاري القولين في "تاريخه" (٤)، ويظهر من سياقه ترجيحَ موسى، وقال ابن القطان: لا يعرف. (قال: أتيت يعلي بن أمية، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: احتكار الطعام) وهو اشتراؤه وحبسه ليقلَّ ويغلو (في الحرم إلحاد فيه) أي ظلم وعدوان،

стр. 4484

(٨٩) بابٌ فِى نَبِيذِ السِّقَايَةِ ٢٠٢١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ, حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ حُمَيْدٍ, عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: مَا بَالُ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ يَسْقُونَ النَّبِيذَ, وَبَنُو عَمِّهِمْ يَسْقُونَ اللَّبَنَ وَالْعَسَلَ وَالسَّوِيقَ, أَبُخْلٌ بِهِمْ أَمْ حَاجَةٌ؟ قَالَ (١) ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بِنَا مِنْ بُخْلٍ وَلَا بِنَا مِنْ حَاجَةٍ, وَلَكِنْ === وأصله: الميل والعدول عن الشيء؛ فإنه في واد غير ذي زرع، فالواجب أن يجلبوا إليها الأرزاق ليتسع، فمن اجتهد في تضييقه بالاحتكار فقد ظلم، "مجمع" (٢). (٨٩) (بَابٌ: في نَبِيذِ السِّقَايَةِ) أي في فضل سقي الحاج النبيذَ والنبيذ: ما يُعمَل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير، نَبَذْتُ التمرَ والعنبَ: إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذًا، والانتباذ: أن يُجعَل نحو تمر أو زبيب في الماء ليحلو فيشرب، "مجمع" (٣). ٢٠٢١ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا خالد، عن حميد، عن بكر بن عبد الله قال: قال رجل لابن عباس: ما بال) أي حال (أهل هذا البيت) أي بيت عباس بن عبد المطلب (يسقون النبيذ، وبنو عمهم يسقون اللبن والعسل والسويق، أبخل بهم أم حاجة) أي فقر؟ (قال ابن عباس: ما بنا من بخل، ولا بنا من حاجة) أي ليس لنا شيء قليل من البخل والفقر (ولكن) نفعل ذلك ونؤثر سقايةَ النبيذ على سقاية اللبن

стр. 4485

دَخَلَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَخَلْفَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ, فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَرَابٍ فَأُتِىَ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَدَفَعَ فَضْلَهُ إِلَى أُسَامَةَ (٢) فَشَرِبَ مِنْهُ, ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ, كَذَلِكَ فَافْعَلُوا» , فَنَحْنُ هَكَذَا, لَا نُرِيدُ أَنْ نُغَيِّرَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ". [م ١٣١٦، حم ١/ ٣٦٩] (٩٠) بَابُ الإِقَامَةِ بِمَكَّةَ ٢٠٢٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ -, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ === والعسل والسويق؛ لأنه (دخل) علينا (رسول الله ﷺ على راحلته وخلفه) أي: ردفه (٣) (أسامة بن زيد، فدعا رسول الله ﷺ بشراب فأتي بنبيذ فشرب منه ودفع فضله) أي بقيته (إلى أسامة فشرب منه) أي أسامة من النبيذ. (ثم قال رسول الله ﷺ : أحسنتم وأجملتم) أي فعلتم فعلًا حسنًا جميلًا (كذلك فافعلوا) أي إذا فعلتم ذلك في ماضي الزمان فافعلوا فيما يأتي كذلك (فنحن هكذا) نفعل، (لا نريد أن نغير) أي نبدل (ما قال رسول الله ﷺ ) واستحسنه. (٩٠) (بَابُ الإقَامَةِ بِمَكَّةَ) للمهاجر ٢٠٢٢ - (حدثنا القعنبي، نا عبد العزيز -يعني الدراوردي-، عن عبد الرحمن بن حميد) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني،
следующие страницы →