← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === حتى فتحها الله عليه، وذراعها في يده، فأعتقها وخطبها وتزوجها وأمهرها رزينة. قلت: رزينة مصغرًا خادمةُ رسول الله ﷺ ، وقال ابن المرابط: قول أنس: أصدقها نفسها، أنه من رأيه وظنه، وإنما قال ذلك مدافعة للسائل. ألا ترى أنه قال: فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ فكيف علم أنس أنه أصدقها نفسها قبل ذلك؟ وقد صح عنه أنه لم يعلم أنها زوجته إلَّا بالحجاب، فدل أن قوله هذا لم يشهده على نبينا ﷺ ولا غيره، وإنما ظنه أنس والناس معه ظنًا، مع أن كتاب الله أحق أن يُتَّبَع، قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ (١) الآية، فهذا يدل على أنه أعتقها وخيَّرها في نفسها فاختارته ﷺ ، فنكحها بلا صداق، انتهى. وأما وجه النظر فيه فمحال أن يجعل العتاق صَداقًا، وتقرير الاستحالة بوجهين: أحدهما: إن عقدها على نفسها إما أن يقع قبل عتقها، وهو محال لتناقض الحكمين الحرية والرق، فإنَّ الحرية حكمها الاستقلال والرق ضده، وإمَّا بعد العتق فلزوال حكم الجبر عنها بالعتق، فيجوز أن لا ترضى، وحينئذ لا تنكح إلا برضاها. والوجه الثاني: أنا إذا جعلنا العتق صداقًا، فإمَّا أن يتقرر العتقُ حالة الرق، وهو محال لتناقضهما، أو حالة الحرية فيلزم سبقيته على العقد، فيلزم وجود العتق حالة فرض عدمه وهو محال, لأن الصداق لا بد أن يتقدم تقرره على الزوج، إما نصًا وإما حكمًا حتى تملك الزوجة طلبه، فإن اعتلوا بنكاح التفويض فقد تحرزنا عنه بقولنا حكمًا، فإنها وإن لم يتعين لها حالة العقد شيء، لكنها تملك المطالبة، فثبت أنه يثبت لها حالة العقد شيء تطالب به الزوج، ولا يتأتى مثل ذلك في العتق، فاستحال أن يكون صداقًا، فافهم، قاله القرطبي.

стр. 4552

(٦) بَابٌ يَحْرُمُ مِنَ الرِّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ ٢٠٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ». [ت ١١٤٧، ن ٣٣٠٠، حم ٦/ ٤٤، وانظر خ ٣١٠٥، م ١٤٤٤، جه ١٩٣٧] === (٦) (بابٌ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا، إلَّا في النسخة المجتبائية، فإنَّ فيها مكتوبًا على الحاشية: "أبواب الرضاع من قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". ٢٠٥٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عروة، عن عائشة زوج النبي ﷺ أن النبيَّ ﷺ قال: يحرُمُ من الرَّضاعة ما يحرُمُ من الوِلادَةِ) بكسر الواو، أي: النسب. قال الحافظ في "الفتح" (١): وهو بالإجماع فيما يتعلق بتحريم النكاح وتوابعِه وانتشارِ الحرمة بين الرضيع وأولادِ المرضعة، وتنزيلِهم منزلةَ الأقارب في جواز النظر والخلوة والمسافرة، ولكن لا يترتب عليه باقي أحكام الأمومة من التوارث، ووجوبِ الإنفاق، والعتق بالملك، والشهادة، والعقل، وإسقاط القِصاص. قال القرطبي: في الحديث دلالة على أن الرضاع ينشر الحرمة بين الرضيع والمرضعة وزوجها، يعني الذي وقع الإرضاعُ بلبن ولده منها أو السيد، فتحرم على الصبي؛ لأنها تصير أمه، وأمها لأنها جدته فصاعدًا، وأختها لأنها خالته، وبنتها لأنها أخته، وبنت بنتها فنازلًا لأنها بنت أخته، وبنت صاحب اللبن لأنها أخته، وبنت بنته فنازلًا لأنها بنت أخته، وأمه فصاعدًا لأنها جدته، وأخته لأنها

стр. 4553

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === عمته، ولا يتعدى التحريم إلى أحد من قرابة الرضيع، فليست أخته من الرضاعة أُختًا لأخيه ولا بنتًا لأبيه إذ لا رضاع بينهم. والحكمة في ذلك أن سبب التحريم ما ينفصل من أجزاء المرأة وزوجها وهو اللبن، فإذا اغتذى به الرضيع صار جزءًا من أجزائهما، فانتشر التحريمُ بينهم بخلاف قرابات الرضيع؛ لأنه ليس بينهم وبين المرضعة ولا زوجها نسب ولا سبب. قال القاري (١): واستثني منه بعض المسائل، ثم قال طائفة: هذا الإخراج تخصيص للحديث بدليل العقل، والمحققون على أنه ليس تخصيصًا؛ لأنه أحال ما يحرم من الرضاع على ما يحرم بالنسب، وما يحرم بالنسب هو ما تعلق به خطاب تحريمه، وقد تعلق بما عبر عنه بلفظ الأمهات والبنات وأخواتكم وعمَّاتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت، فما كان من مسمَّى هذه الألفاظ متحققًا في الرضاع حرم فيه، والمذكورات ليس شيء منها من مسمَّى تلك، فكيف تكون مخصوصة وهي غير متناولة؟ وفي "شرح السنَّة": في الحديث دليل على أن حرمةَ الرضاع كحرمة النسب في المناكح، فإذا أرضعتِ المرأةُ رضيعًا تحرم على الرضيع وعلى أولاده من أقارب المرضعة كل من يحرم على ولدها من النسب. ولا تحرم المرضعة على أبي الرضيع، ولا على أخيه، ولا يحرم عليك أم أختك من الرضاع إذا لم تكن أمًا لك ولا زوجة أبيك، ويتصور هذا في الرضاع، ولا يتصوَّر في النسب أم أخت، إلَّا وهي أم لك أو زوجة لأبيك، وكذلك لا يحرم عليك نافلتك من الرضاع إذا لم تكن ابنتك، أو زوجة ابنك، ولا جدة ولدك من الرضاع إذا لم تكن أمك، أو أم زوجتك، ولا أخت ولدك من الرضاع إذا لم تكن ابنتك أو ربيبتك.

стр. 4554

٢٠٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ, حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِى أُخْتِى؟ قَالَ: «فَأَفْعَلُ مَاذَا»؟ قَالَتْ: فَتَنْكِحُهَا, قَالَ: «أُخْتَكِ؟ » , قَالَتْ: نَعَمْ, قَالَ: «أَوَتُحِبِّينَ ذَاكَ؟ » , قَالَتْ: === قال: وفيه دليل على أن الزانية إذا أرضعت بلبن الزنا رضيعًا لا تثبت الحرمة بين الرضيع وبين الزاني وأهل نسبه، كما لا يثبت به النسب، انتهى بقدر الحاجة. ٢٠٥٦ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير بن معاوية، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة، أن أم حبيبة) بنت أبي سفيان أم المؤمنين (قالت: يا رسول الله هل لك) رغبة (في أختي)؟ وفي رواية مسلم والنسائي: "انكح أختي عزة بنت أبي سفيان" (قال) رسول الله ﷺ (فأفعل ماذا؟ قالت: فتنكحها، قال) رسول الله ﷺ : (أختك؟ ) بتقدير همزة الاستفهام، أي: أأنكح أختك؟ (قالت) أم حبيبة: (نعم) انكح أختي. فإن قلت: كيف قالت أم حبيبة ذلك؟ وفي التنزيل: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (١)، قلت: يحتمل أن تكون هذه الآية لم تنزل بعد، والأولى أن يقال: إنها نزلت كما يدل عليه سياق الحديث. ولكن أم حبيبة ظنَّتْ أن في باب النكاح خصوصيات لرسول الله ﷺ من الزيادة على الثلاث وغيرها، وقد أخبرت بأن رسول الله ﷺ يريد أن يخطب دُرَّة بنت أم سلمة من أبي سلمة مع أنها ربيبته، ولم يكن هذا الخبر صدقًا، بل كان كذبًا، فقوي ظنها في جواز الجمع بين الأختين بالخصوصية. (قال) رسول الله ﷺ : (أو تحبين ذاك؟ ) استفهام تعجُّب من كونها تطلب أن يتزوج غيرها، مع ما طبع عليه النساء من الغيرة، (قالت) أم حبيبة:

стр. 4555

لَسْتُ بِمُخْلِيَةٍ بِكَ, وَأَحَبُّ مَنْ شَرَكَنِى فِى خَيْرٍ أُخْتِى, قَالَ: «فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِى» قَالَتْ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ أُخْبِرْتُ (١) أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ - أَوْ ذَرَّةَ, شَكَّ زُهَيْرٌ - بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ؟ قَالَ: «بِنْتَ (٢) أُمِّ سَلَمَةَ؟ » قَالَتْ: نَعَمْ, قَالَ: «أَمَا وَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِى فِى حِجْرِى مَا حَلَّتْ لِى, === (لست بمخلية بك) بضم الميم وسكون المعجمة وكسر اللام، اسم فاعل من أخلى يخلي، أي لست بمنفردة لك (وأحبُّ) إلى (من شركني في خير)، مرفوع بالابتداء، والمراد بالخير صحبةُ رسول الله ﷺ المتضمنة لسعادة الدارين، وتدل عليه رواية: "وأحب من شركني فيك" (أختي)، خبر لقوله: وأحب من شركني. (قال) رسول الله ﷺ : (فإنها) أي أختك (لا تحل لي) لحرمة الجمع بين الأختين (قالت) أم حبيبة: (فوالله لقد أخبرت) لم أقف على اسم المخبر، ولعله كان هذا الخبر من الأراجيف والأكاذيب (إنك تخطب دُرَّة) بضم المهملة وتشديد الراء (أو ذرة) بالذال المعجمة المفتوحة، وقد خطَّأها عياض، (شك زهير)، جملة معترضة بين المبدل منه والبدل (بنت أبي سلمة)، بدل من درة، (قال) أي رسول الله ﷺ : (بنت أم سلمة؟ )، بتقدير حرف الاستفهام، أي: أخبرتم أني أخطب دُرَّة بنت أبي سلمة من أم سلمة (قالت) أم حبيبة: (نعم) أخبرنا بذلك، (قال) رسول الله ﷺ : (أما) حرف تنبيه (والله) أتى بحرف التنبيه والقسم لزيادة التوكيد (لو لم تكن) أي دُرَّة (ربيبتي في حجري ما حلت لي). حاصله: أن حرمتها علي ثابتة بعلَّتين، أولاها: أنها ربيبتي في حجري وهي من المحرمات لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (٣) الآية، وثانيها: أنها بنت أخي من الرضاعة. فلو أنها لم تكن هذه الحرمة التي تثبت بنكاح أمها أم سلمة، بأنها صارت ربيبة لي لكانت عليَّ حرامًا قبل ذلك، بكونها ابنة أخي من الرضاعة. فنبه على أنها لو كان بها مانع واحد لكفى في التحريم،

стр. 4556

إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ, أَرْضَعَتْنِى وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ, فَلَا تَعْرِضْنَ (١) عَلَىَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ». [خ ٥١٠١، م ١٤٤٩، ن ٣٢٨٧، جه ١٩٣٩] === فكيف وبها مانعان؟ (إنها) أي دُرَّة (ابنة أخي) أي أبي سلمة (من الرضاعة) ثم بيَّن الرضاعة فقال: (أرضعتني وأباها) أي أبا درة وهو أبو سلمة (ثويبة) بمثلثة وموحدة مصغر، مولاة أبي لهب بن عبد المطلب عم النبي ﷺ ، أرضعت النبي ﷺ . وأخرج ابن سعد (٢) من طريق برة بنت أبي تجراة: أن أول من أرضع رسول الله ﷺ ثويبة بلبن ابن لها، يقال له: مسروح، أيامًا قبل أن تقدم حليمة، وأرضعت قبله حمزة، وبعده أبا سلمة بن عبد الأسد، كان رسول الله ﷺ يصِلها وهو بمكة، وكانت خديجة تكرمها، وهي على ملك أبي لهب، وسألته أن يبيعها لها فامتنع، فلما هاجر رسول الله ﷺ أعتقها أبو لهب، وكان رسول الله ﷺ يبعث إليها بصِلة وبكسوة، حتى جاء الخبر أنها ماتت سنة سبع، مرجعه من خيبر، ومات ابنها مسروح قبلها. وقال الحافظ في الفتح (٣): وذكر السهيلي: أن العباس قال: لما مات أبو لهب رأيته في منامي بعد حول في شر حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة، إلَّا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين، وذلك أن النبي ﷺ ولد يوم اثنين وكانت ثويبة بشَّرت أبا لهب بمولده فأعتقها (٤) (فلا تعرضن) بفتح أوله وسكون العين، وكسر الراء بعدها معجمة ساكنة، ثم نون على الخطاب لجماعة النساء، وبكسر المعجمة وتشديد النون خطاب لأم حبيبة وحدها، والأول أوجه (عليَّ بناتكن ولا أخواتكن) قاله ﷺ ردعًا وزجرًا أن تعود هي أو غيرها إلى مثل ذلك.

стр. 4557

(٧) بَابٌ: في لَبَنِ الْفَحْلِ ٢٠٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِىُّ, أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "دَخَلَ عَلَىَّ أَفْلَحُ بْنُ أَبِى الْقُعَيْسِ, فَاسْتَتَرْتُ مِنْهُ, قَالَ (١): تَسْتَتِرِينَ مِنِّى وَأَنَا عَمُّكِ, قَالَتْ: قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ؟ === (٧) (بابٌ: فِى لَبَنِ الْفَحْلِ) بفتح الفاء وسكون المهملة، أي الرجل، ونسبة اللبن إليه مجازية لكونه السبب فيه ٢٠٥٧ - (حدثنا محمد بن كثير العبدي، أنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: دخل عليَّ أفلحُ بن أبي القُعَيس) بقاف وعين وسين مهملتين، وفي رواية البخاري: "أفلح أخا أبي القعيس"، وفي رواية مسلم: "أفلح بن قعيس"، قال الحافظ (٢): والمحفوظ أفلح أخو أبي القعيس، ثم قال: قال القرطبي: كل ما جاء من الروايات وهم إلَّا من قال: أفلح بن قعيس أخو أبي القعيس. (فاستترتُ منه) أي أبيت أن آذن له أن يدخل عليَّ، (قال) أي أفلح: (تسْتَترِين مني) بتقدير همرة الاستفهام (وأنا عمك؟ ) (٣)، جملة حالية، أي: والحال أن العم لا يُستتر منه، (قالت: قلت: من أين؟ ) أي من أي وجه

стр. 4558

قَالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِى, قَالَتْ (١): إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِى الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِى الرَّجُلُ. فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: «إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ». [خ ٥١٠٣، م ١٤٤٥، ت ١١٤٨، جه ١٩٤٩، دي ٢٢٤٨، حم ٦/ ١٩٤] === أنت عمي؟ فإن العمومة (٢) إما أن يكون نسبًا وهي مفقودة، أو رضاعًا فهي على ثلاثة أوجه: إما أن يكون للأب (٣) نسبًا أخًا من الرضاعة، أو للأب رضاعًا أخًا من النسب، أو للأب رضاعًا أخًا من الرضاعة. (قال) أفلح: (أرضعتْكِ امرأةُ أخي) أبي القعيس على الرواية المحفوظة، أي أنا عمك من الرضاعة، بأني أخٌ نسبي لأبيك الرضاعي لأن امرأة أخي أرضعتك، (قالت) عائشة: (إنما أرضعتني المرأة) فلعل الحرمة مقصورة عليها، (ولم يرضعني الرجل)، فكيف يثبت الحرمة؟ (فدخل عليَّ رسول الله ﷺ فحدثته) هذه القصة. (فقال) أي رسول الله ﷺ : (إنَّه عمك فليلج عليك)، ولعل رسول الله ﷺ علم بالرضاع بينهما قبل ذلك، أو أخبر بوحي إلهي بصدق أفلح. قال الحافظ: وفي الحديث أن لبن الفحل يحرم فتنتشر الحرمة لمن ارتضع الصغير بلبنه، فلا تحل له بنت زوج المرأة التي أرضعته من غيرها مثلًا، وفيه خلاف قديم (٤) حكي عن ابن عمر، وابن الزبير، ورافع بن خديج، وزينب بنت أم سلمة وغيرهم، ومن التابعين عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة،

стр. 4559

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والقاسم، وسالم، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبي قلابة، وإياس بن معاوية. وعن ابن سيرين: نبئت أن ناسًا من أهل المدينة اختلفوا فيه، وعن زينب بنت أبي سلمة أنها سألت والصحابة متوافرون وأمهات المؤمنين فقالوا: الرضاعة من قِبَل الرجل لا تحرم شيئًا. وقال به من الفقهاء ربيعة الرأي وإبراهيم بن علية وابن بنت الشافعي وداود وأتباعه، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١)، ولم يذكر العمة ولا البنت، كما ذكرهما في النسب. وأجيبوا بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه، ولا سيما وقد جاءت الأحاديث الصحيحة. واحتج بعضهم من حيث النظر بأن اللبن لا ينفصل من الرجل، وإنما ينفصل من المرأة، فكيف تنتشر الحرمة إلى الرجل؟ والجواب أنه قياس في مقابلة النص فلا يلتفت إليه، وأيضًا فإن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معًا، فوجب أن يكون الرضاع منهما، كالجد لما كان سبب الولد، أوجب تحريم ولد الولد به لتعلقه بولده، وإلى هذا أشار ابن عباس بقوله في هذه المسألة: اللقاح واحد. أخرجه ابن أبي شيبة، وأيضًا فإن الوطء يدر اللبن، فللفحل فيه نصيب. وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار كالأوزاعي في أهل الشام، والثوري وأبي حنيفة وصاحبَيْه في أهل كوفة، وابن جريج في أهل مكة، ومالك في أهل المدينة، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأتباعهم إلى أن لبن الفحل يحرم، وحجتهم هذا الحديث الصحيح. قال القاضي عبد الوهاب: يتصور تجريد لبن الفحل برجل له امرأتان، تُرْضع إحداهما صبيًا، والأخرى صبيةً، فالجمهور قالوا: يحرم على الصبي تزويج الصبية، وقال من خالفهم: يجوز.

стр. 4560

(٨) بابٌ: فِى رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ ٢٠٥٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ, أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ (١) , عَنْ أَبِيهِ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, الْمَعْنَى وَاحِدٌ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ, قَالَ حَفْصٌ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ, ثُمَّ اتَّفَقَا: قَالَتْ (٢): يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ أَخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ, فَقَالَ: «انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، === (٨) (بَابٌ: في رِضَاعَةِ الْكَبِيرِ)، أي: بعد زمن الفطام لا يحرم ٢٠٥٨ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، ح: وحدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان) الثوري كلاهما أي شعبة والثوري، (عن أشعث بن سليم، عن أبيه) سليم بن أسود أبو الشعثاء، (عن مسروق، عن عائشة، المعنى واحد) أي معنى حديث شعبة والثوري (أن رسولَ الله ﷺ دخل عليها) أي على عائشة (وعندها رجل). قال الحافظ (٣): لم أقف على اسمه، وأظنه ابنًا لأبي القُعيس، وغلط من قال: إنه عبد الله بن يزيد رضيع عائشة, لأن عبد الله هذا تابعي باتفاق الأئمة، وكانت أمه التي أرضعت عائشة عاشت بعد النبي ﷺ فولدته - ولذا قيل له: رضيع عائشة - (قال حفص: فشق ذلك عليه) أي على رسول الله ﷺ (وتغير وجهُه) وهذا لفظ حديث شعبة، وليس في حديث محمد بن كثير عن سفيان. قال الحافظ (٤): وفي رواية أبي داود عن حفص بن عمر عن شعبة: "فشق ذلك عليه وتغير وجهه"، وتقدم من رواية سفيان في الشهادات فقال: يا عائشة من هذا؟ انتهى. (ثم اتفقا)، أي حفص ومحمد بن كثير، (قالت) عائشة: (يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة، فقال) رسول الله ﷺ : (انظرن من إخوانكن).

стр. 4561

فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ" (١). [خ ٥١٠٢، م ١٤٥٥، ن ٣٣١٢] === قال الحافظ (٢): والمعنى تأمَّلن ما وقع من ذلك هل هو رضاع صحيح بشرطه من وقوعه في زمن الرضاعة؟ فإن الحكمَ الذي ينشأ من الرضاع إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط. قال المهلب: انظرن ما سبب هذه الأخوة؟ فإن حرمة الرضاع إنما هي في الصغر حتى تسد الرضاعة المجاعة، وقال أبو عبيد: معناه أن الذي جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن من الرضاع لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع، انتهى. (فإنما الرضاعة من المجاعة) فيه تعليل الباعث على إمعان النظر والفكر، لأن الرضاعة تثبت النسب، وتجعل الرضيع محرمًا. وقوله: "من المجاعة" أي الرضاعة التي تثبت بها الحرمة، فتحل به الخلوة، حيث يكون الرضيع طفلًا يسدُّ اللبن جوعته, لأن معدته ضعيفة، يكفيها اللبن، وينبت بذلك لحمُه، فيصير كجزء من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها، فكأنه قال: لا رضاعة معتبرة إلَّا المغنية عن المجاعة أو المطعمة من المجاعة. واستدل به على أن التغذية بلبن المرضعة يحرم سواء كان بشرب أو أكل، بأي صفة كان؟ حتى الوجور (٣)، والسعوط (٤)، والشرد، والطبخ وغير ذلك إذا وقع ذلك بالشرط المذكور، لأن ذلك يطرد الجوع، وهو موجود في جميع ما ذكر، فيوافق الخبر والمعنى، وبهذا قال الجمهور. لكن استثنى الحنفية الحقنة، وخالف في ذلك الليث، وأهل الظاهر، فقالوا: إن الرضاعة إنما تكون بالتقدم الثدي ومص اللبن منه، انتهى. واستدل به على أن الرضعة الواحدة لا تحرم لأنها لا تغني من جوع،

стр. 4562

٢٠٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهِّرٍ, أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ الْمُغِيرَةِ حَدَّثَهُمْ, عَنْ أَبِى مُوسَى, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْن لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "لَا رِضَاعَ إلَّا مَا شَدَّ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ", فَقَالَ أَبُو مُوسَى: "لَا تَسْأَلُونَا وَهَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ". [ق ٧/ ٤٦١، قط ٤/ ١٧٣] === فإذن يحتاج إلى تقدير، فأولى ما تؤخذ به ما قدَّرته الشريعة، وهو خمس رضعات، قلنا: هذا كله زيادة على مطلق النص غير مقيد بالعدد، والزيادة على النص نسخ فلا يجوز. وكذلك الجواب عن كل حديث مثل حديث عائشة ﵂، قال: "لا تحرم المصَّة ولا المصَّتان". وقال ابن بطال: أحاديث عائشة كلها مضطربة، فوجب تركها والرجوع إلى كتاب الله، وروى أبو بكر الرازي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: قولها: "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان" كان، فأما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم، فجعله منسوخًا. ٢٠٥٩ - (حدثنا عبد السلام بن مُطهَّر، أن سليمان بن المغيرة حدثهم) أي عبد السلام وغيرهم من التلامذة، (عن أبي موسى) الهلالي، عن أبيه، عن ابن مسعود في الرضاع، وعن كعب بن عجرة في الإسراء، قال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن أبيه) لم أقف على ترجمته فيما عندي من كتب الرجال، إلَّا ما كتب صاحب "العون" عن المنذري: سئل أبو حاتم الرازي عن أبي موسى الهلالي، قال: هو مجهول وأبوه مجهول (١)، (عن ابن لعبد الله بن مسعود) لم أقف طى تعيينه، (عن ابن مسعود) أي عبد الله (قال: لا رضاع إلَّا ما شد) أي قوَّى وأحكم (العظم، وأنبت اللحم، فقال أبو موسى) إلأشعري: (لا تسألونا) أي المسائل (وهذا الحبر) بفتح المهملة، وكسرها، وسكون الموحدة، أي: العالم، والمراد به عبد الله بن مسعود (فيكم) موجود.

стр. 4563

٢٠٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ, حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ, عَنْ أَبِى مُوسَى الْهِلَالِىِّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ, وَقَالَ: أَنْشَزَ الْعَظْمَ. [حم ١/ ٤٣٢] === ذكر هذا الحديث بقصته (١) صاحب "البدائع" (٢)، فقال: روي أن رجلًا من أهل البادية ولدتْ امرأتُه ولدًا، فمات ولدها، فورم ثدي المرأة، فجعل الرجل يمصه ويمجه، فدخل جرعة منه حلقه، فسأل عنه أبا موسى الأشعري ﵁، قال: قد حرمت عليك، ثم جاء إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فسأله فقال: هل سألت أحدًا؟ فقال: نعم، سألتُ أبا موسى الأشعري، فقال: حرمت عليك، فجاء ابن مسعود أبا موسى الأشعري ﵄ فقال له: أما علمت أنه إنما يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم. فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم (٣). ٢٠٦٠ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا وكيع، عن سليمان بن المغيرة، عن أبي موسى الهلالي، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم، والاختلاف بين الحديثين بوجهين: أن الحديث الأول كان موقوفًا على ابن مسعود وقع منه بطريق الفتيا، والثاني مرفوع إلى رسول الله ﷺ ، والثاني أنه ذكر في الأول بين والد أبي موسى وعبد الله بن مسعود ابن لعبد الله بن مسعود، ولم يذكر ها هنا. (وقال) وكيع: (أنشز العظم) وهذا إشارة إلى اختلاف آخر بأن

стр. 4564

(٩) بَابُ مَنْ حَرَّمَ بِهِ (١) ٢٠٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ, حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ, حَدَّثَنِى يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, حَدَّثَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ وَأُمِّ سَلَمَةَ: "أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ كَانَ تَبَنَّى سَالِمًا, === عبد السلام بن مطهر قال: لفظ "ما شد العظم"، وقال محمد بن سليمان الأنباري بطريق وكيع عن سليمان: "أنشز العظم" بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الشين آخره زاي، أي رفعه وأعلاه وأكبر حجمه من النشز المرتفع من الأرض، وفي نسخة بالراء المهملة بدل الزاي، أي قوَّاه من الإنشار وهو الإحياء، والأحاديث الثلاثة تدل على أن الرضاعة في حالة الكبر لا يحرم. (٩) (بَابُ مَنْ حَرَّمَ بِهِ)، أي: بإرضاع الكبير ٢٠٦١ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة، حدثني يونس، عن ابن شهاب، حدثني عروة بن الزبير، عن عائشة (٢) زوج النبي ﷺ ، وأم سلمة) أمَّي المؤمنين (أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس) خال معاوية اسمه مهشم، وقيل: هشيم، وقيل: هاشم، وقيل: قيس. كان من السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، وصلَّى القبلتين، أسلم بعد ثلاثة وأربعين إنسانًا، وقد شهد بدرًا، استشهد يوم اليمامة، وهو ابن ست وخمسين سنة (٣). (كان تبنى سالمًا) وهو سالم مولى أبي حذيفة، وهو سالم بن عبيد بن ربيعة قاله ابن منده، يكنى أبا عبد الله، كان من أهل فارس من إصطخر، وكان من فضلاء الصحابة والموالي وكبارهم، وهو معدود في المهاجرين، لأنه لما أعتقته مولاته ثُبَيْتَة (٤) الأنصارية زوج أبي حذيفة تولى أبا حذيفة وتبناه

стр. 4565

وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُوَ مَوْلًى لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، === أبو حذيفة، فلذلك عُدَّ من المهاجرين، وهو معدود في بني عبيد من الأنصار لعتق مولاته زوج أبي حذيفة له، وهو معدود في قريش لما ذكرناه، وفي العجم أيضًا لأنه منهم، ويعُدُّ في القُرَّاء لقول رسول الله ﷺ : "خذوا القرآن من أربعة" (١) فذكره منهم. وكان قد هاجر إلى المدينة قبل النبي ﷺ ، فكان يؤم المهاجرين بالمدينة، لأنه كان أكثرهم أخذًا للقرآن، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين معاذ بن ماعص. قتُل يوم اليمامة شهيدًا، فإنه أخذ اللواء باليمين، فقطعت، فأخذ بيساره فقطعت، فاعتنق اللواء وهو يقول: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ (٢)، فلما صرع قال لأصحابه: ما فعل أبو حذيفة؟ قيل: قتل، قيل: فما فعل فلان؟ قيل: قتل، قال: فأضجعوني بينهما. (وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة)، وهي ابنة خال معاوية، كذا في "أسد الغابة" (٣). سماها أبو عمر فاطمة، وقال الدارقطني: سماها مالك فاطمة، وخالفه غيره عن الزهري فقالوا: هند، وهو الصواب، تزوجها سالم، مولى عمها أبي حذيفة، (وهو) أي سالم (مولى لامرأة من الأنصار) سماها بعضهم ثُبَيْتَة- بالثاء المثلثة وبعد المثلثة موحدة مصغرًا- وقيل في تسميتها غير ذلك، وكانت زوج أبي حذيفة. واعترض عليه الحافظ في "الإصابة" (٤): قال أبو عمر: كانت من المهاجرات الأول، ومن فضلاء نساء الصحابة، قلت: في قوله: إنها

стр. 4566

كَمَا تَبَنَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْدًا، === من المهاجرات نظر؛ لأن نسبها في الأنصار، وفي قوله: إنها امرأة أبي حذيفة نظر آخر، فقد تقدَّم (١) في ترجمة أبي حذيفة أن اسم امرأته التي الحرب بأن ترضعه، وهي كبيرة (٢) سهلة بنت سهيل الأنصارية إلَّا أن يقال: كانت له امرأتان، التي أعتقت سالمًا والتي أمرت أن ترضعه فيحتمل على بعد، والعلم عند الله تعالى، انتهى. قلت: في قوله: سهلة بنت سهيل الأنصارية نظر؛ وسيجيء من الحافظ في ترجمة سهلة بنت (٣) سهيل بن عمرو القرشية (٤) العامرية: أنها أسلمت قديمًا وهاجرت مع زوجها أبي حذيفة بن عتبة إلى الحبشة، ثم أقول: يمكن الجواب عن الإشكال الأول: أنها كانت أنصارية تزوجها أبو حذيفة، وأتى بها مكة، وأتى معها بغلامها فأعتقته (٥)، ثم هاجرت مع زوجها، فكانت أنصارية وصارت مهاجرية، والله تعالى أعلم. (كما تبنَّى رسول الله ﷺ زيدًا) أي ابن حارثة بن شراحيل، وهو مولى رسول الله ﷺ ، أشهر مواليه، وحِبُّ رسول الله ﷺ ، أصابه سبيًا في الجاهلية، لأن أمه خرجت به تزور قومها بني معن، فأغارت عليهم خيل بني القين بن جسر، فأخذوا زيدًا، فقدموا به سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فوهبته خديجة للنبي ﷺ قبل النبوة، وهو ابن ثماني سنين. وقيل: بل رآه رسول الله ﷺ بالبطحاء بمكة ينادى عليه ليباع، فأتى

стр. 4567

وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِى الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَوُرِّثَ مِيرَاثَهُ, حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِى ذَلِكَ: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ فَرُدُّوا إِلَى آبَائِهِمْ, فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ (١) لَهُ أَبٌ كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِى الدِّينِ. فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَشِىِّ ثُمَّ الْعَامِرِىِّ وَهِىَ امْرَأَةُ أَبِى حُذَيْفَةَ, فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّا كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا, وَكَانَ يَأْوِى مَعِى وَمَعَ أَبِى حُذَيْفَةَ فِى بَيْتٍ وَاحِدٍ, وَيَرَانِى فُضْلًا، === خديجة، فذكره لها، فاشتراه من مالها فوهبته لرسول الله ﷺ ، فأعتقه وتبنَّاه، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين حمزة بن عبد المطلب - رضي الله تعالى عنه -. (وكان من تبنى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس إليه) أي يقولون: ابن فلان، كما يقال لزيد: ابن محمد ﷺ (وورث ميراثه، حتى أنزل الله في ذلك ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾)، وتمام الآية: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢)، (فردوا) أي: أَمَرَ الناس أن يردوا المتبنين (إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب، كان مولى وأخًا في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري، وهي امرأة أبي حذيفة، فقالت: يا رسول الله إنا كنا نرى سالمًا ولدًا) لما تبناه أبو حذيفة (فكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد) كما يأوي الأولاد مع آبائهم وأمهاتهم (وبراني فضلًا). قال في "القاموس": ورجلٌ وامرأةٌ فُضُلٌ بضمتين، متفضِّلٌ في ثوب واحد، وقال في "المجمع": يراني فضلًا، أي مبتذلة في ثياب مهنة، من تفضلت المرأة، إذا لبست ثياب مهنتها، أو كانت في ثوب واحد فهي فضل، والرجل

стр. 4568

وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ مَا قَدْ عَلِمْتَ, فَكَيْفَ تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ ﷺ : «أَرْضِعِيهِ» , فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ, فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ بَنَاتِ أَخَوَاتِهَا وَبَنَاتِ إِخْوَتِهَا (١) أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ عَائِشَةُ أَنْ يَرَاهَا وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا, وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا, خَمْسَ رَضَعَاتٍ, ثُمَّ يَدْخُلَ عَلَيْهَا. وَأَبَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ === فضل أيضًا (وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت) وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾. (فكيف ترى فيه؟ ) أي في سالم. (فقال لها) أي لسهلة (النبي ﷺ : أرضعيه (٢)، فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، فبذلك) أي بقصة سهلة وسالم. (كانت عائشة تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها) بلا حجاب (وإن كان كبيرًا، خمس رضعات، ثم يدخل عليها) أي على عائشة ﵂، فمذهب عائشة في هذه المسألة، أن المرأة إذا أرضعت رجلًا كبيرًا خمس رضعات، يثبت حكم الرضاعة وتحرم عليه كما يثبت حكم الرضاعة في الصغر. (وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ ) أي باقيها، وذكر الطبري في "تهذيب الآثار" (٣)، وساق بإسناد صحيح عن حفصة مثل قول عائشة، وهو مما يخص به عموم قول أم سلمة: "أبى سائر أزواج النبي ﷺ أن يدخلن

стр. 4569

أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَرْضَعَ فِى الْمَهْدِ, وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ مَا نَدْرِى لَعَلَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً مِنَ النَّبِىِّ ﷺ لِسَالِمٍ دُونَ النَّاسِ". [خ ٥٠٨٨، م ١٤٥٣، ن ٣٣٢٤ - ٣٣٢٥، جه ١٩٤٣، دي ٢٢٥٧، حم ٦/ ٢٧٠] === عليهن بتلك الرضاعة أحدًا"، (أن يدخلن) بضم التحتانية من باب الإفعال (عليهن بتلك الرضاعة)، أي رضاعة الكبير (أحدًا من الناس حتى يرضع في المهد)، أي في زمان الصغر (وقلن لعائشة) لما استدلت بقصة سالم: (والله ما ندري لعلها) أي قصة سالم (كانت رخصةً من النبي ﷺ لسالم دون الناس). قال الشوكاني (١): وقد استدل بذلك من قال: إن إرضاع الكبير يثبت به التحريم، وهو مذهب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ كما حكاه عنه ابن حزم، وأما ابن عبد البر فأنكر الرواية عنه في ذلك، وقال: لا يصح، قلت: لأنه من رواية الحارث الأعور عنه وهو ضعيف، وإليه ذهبت عائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن أبي سعد وابن علية، وحكاه النووي عن داود الظاهري، وإليه ذهب ابن حزم، يؤيد ذلك الإطلاقات القرآنية كقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٢). وذهب الجمهور (٣) إلى أن حكم الرضاع إنما يثبت في الصغر،

стр. 4570

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (٣). وبالأحاديث التي في الباب المتقدم، وبحديث أم سلمة عند الترمذي (٤): "لا يحرم من الرضاع إلَّا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام"، وبحديث عبد الله بن الزبير عند ابن ماجه (٥) بلفظ: "لا رضاع إلَّا ما فتق الأمعاء"، وبحديث ابن عمر الموقوف عليه، كان يقول: "لا رضاعة إلَّا لمن أرضع في الصغر"، وبحديث ابن عباس كان يقول: "ما كان في الحولين وإن كانت مصة واحدة فهي تحرم"، وبحديث ابن عباس مرفوعًا عند ابن عدي والدارقطني والبيهقي (٦): "لا يحرم من الرضاع إلَّا ما كانت في الحولين"، وبحديث جابر عند الطيالسي والبيهقي مرفوعًا: "لا رضاع بعد الفصال ولا يُتْمَ بعد احتلام". قال الحافظ (٧): وأجابوا عن قصة سالم بأجوبة: منها أنه حكم منسوخ،

стр. 4571

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وبه جزم المحب الطبري في "أحكامه"، وقرَّره بعضهم بأن قصة سالم كانت في أوائل الهجرة، والأحاديث الدالة على اعتبار الحولين من رواية أحداث الصحابة، فدَلَّ على تأخرها، وهو مستند ضعيف إذ لا يلزم من تأخر إسلام الراوي ولا صغره أن لا يكون ما رواه متقدمًا، ومنها دعوى الخصوصية بسالم وامرأة أبي حذيفة. والأصل فيه قول أم سلمة وأزواج النبي ﷺ : ما نرى هذا إلَّا رخصة أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصة، وقَرَّرَه ابن الصباغ وغيره، وقرَّره آخرون بأن الأصل أن الرضاع لا يحرم، فلما ثبت ذلك في الصغر خولف الأصل له، وبقي ما عداه على الأصل، وقصة سالم واقعة عين يطرقها احتمال الخصوصية، فيجب الوقوف عن الاحتجاج بها. وقد اختلفوا في تقدير المدة التي يقتضي الرضاع فيه التحريم على أقوال: الأول: أنه لا يحرم منه إلَّا ما كان في الحولين، وهو محكي عن عمر وابن عباس وابن مسعود والشافعي وأبي حنيفة والثوري والحسن بن صالح ومالك وزفر ومحمد، فمروي عن أبي هريرة وابن عمر وأحمد وأبي يوسف وسعيد بن المسيب والشعبي وابن شبرمة وإسحاق وأبي عبيد وابن المنذر. القول الثاني: أن الرضاع المقتضي للتحريم ما كان قبل الفطام، وإليه ذهبت أم سلمة، وروي عن ابن عباس، وبه قال الحسن والزهري والأوزاعي وعكرمة وقتادة. القول الثالث: أن الرضاع في حال الصغر يقتضي التحريم، ولم يحدّه القائل بحدٍّ، روي ذلك عن أزواج النبي ﷺ ما خلا عائشة وعن ابن عمر وسعيد بن المسيب. القول الرابع: ثلاثون شهرًا، وهو رواية عن أبي حنيفة وزفر.

стр. 4572

(١٠) بَابٌ: هَلْ يُحَرِّمُ مَا دُون خَمْسِ رَضَعَاتٍ ؟ === القول الخامس: في الحولين وما قاربها، روي ذلك عن مالك، وروي عنه أن الرضاع بعد الحولين لا يحرم قليله وكثيره، كما في "الموطأ". القول السادس: ثلاث سنين، وهو مروي عن جماعة من أهل الكوفة، وعن الحسن بن صالح. القول السابع: سبع سنين، روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز. القول الثامن: حولان واثنا عشر يومًا روي عن ربيعة. القول التاسع: أن الرضاعة يعتبر فيه الصغر إلَّا فيما دعت إليه الحاجة، كرضاع الكبير الذي لا يستغنى عن دخوله على المرأة ويشق احتجابها منه، وإليه ذهب شيخ الإِسلام ابن تيمية، انتهى ملخصًا من "النيل" (١). (١٠) (بابٌ: هَلْ يُحَرِّمُ مَا دُونَ خَمْسِ رَضَعَاتٍ؟ ) اختلفوا في هذه المسألة، فقال الجمهور: يحرم قليل الرضاع وكثيره، هو قول مالك وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري والليث وهو المشهور عن أحمد، وذهب آخرون إلى أن الذي يحرِّم ما زاد على الرضعة الواحدة، ثم اختلفوا فجاء عن عائشة ﵂ "عشر رضعات"، أخرجه مالك في "الموطأ"، وعن حفصة كذلك، وجاء عن عائشة أيضًا "سبع رضعات"، أخرجه ابن أبي خيثمة بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير عنها، وفي رواية عنها عند عبد الرزاق: "لا يحرم دون سبع رضعات"، أو "خمس رضعات"، وجاء عنها أيضًا عند مسلم "خمس رضعات"، وإلى هذا ذهب الشافعي وهي رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم، وذهب أحمد في رواية وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وداود وأتباعه إلَّا ابن حزم إلى أن الذي يحرِّم ثلاث رضعات.

стр. 4573

٢٠٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ, عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ (عَشْرُ رَضَعَاتٍ يُحَرِّمْنَ) ثُمَّ نُسِخْنَ بِـ (خَمْسٌ مَعْلُومَاتٌ يُحَرِّمْنَ) , فَتُوُفِّىَ النَّبِىُّ ﷺ وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ". [م ١٤٥٢، ت ١١٥٠، ن ٣٣٠٧، جه ١٩٤٢، قط ٤/ ١٨١، ق ٧/ ٤٥٤] === قال القرطبي في رواية: "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، ولا المصَّة ولا المصَّتان"، وهو أنص ما في الباب، إلَّا أنه يمكن حمله على ما إذا لم يتحقق وصوله إلى جوف الرضيع، وقوى مذهب الجمهور بأن الأخبار اختلفت في العدد، وعائشة التي روت ذلك قد اختلف عليها فيما يعتبر من ذلك، فوجب الرجوع إلى أقل ما يطلق عليه الاسم، ويعضده من حيث النظر أنه معنى طارئ يقتضي تأبيد التحريم، فلا يشترط فيه العدد كالصهر، أو يقال مائع يلج الباطن فيحرم، فلا يشترط فيه العدد كالمني. وأيضًا فقول عائشة ﵂: "عشر رضعات معلومات، ثم نُسِخْنَ بخمس معلومات، فمات النبي ﷺ وهن مما يقرأ" لا ينتهض للاحتجاج على الأصح من قول الأصوليين؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والراوي روى هذا على أنه قرآن لا خبر، فلم يثبت كونه قرآنًا، ولا ذكر الراوي أنه خبر ليقبل قوله فيه، والله أعلم، ملخص ما في "الفتح" (١). ٢٠٦٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة) ﵂ (أنها قالت: كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات يُحَرِّمْن، ثم نسخن بخمس معلومات يحرِّمن، فتوفي النبي ﷺ وهن) أي: خمس رضعات (مما يقرأ من القرآن)، تعني أن بعض من لم يبلغه

стр. 4574

٢٠٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ, حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ». [م ١٤٥٠، ت ١١٥٠، ن ٣٣١٠، جه ١٩٤١، حم ٦/ ٣١، قط ٤/ ١٧٢، ق ٧/ ٤٥٤] === النسخ، كان يقرؤه على الرسم الأول, لأن النسخ لا يكون إلا في زمان الوحي، فكيف بعد وفاة النبي ﷺ ؟ أرادت بذلك قرب زمان الوحي، وقد تقدم عن الحافظ في الحديث المتقدم ما يتعلق بحكم هذا الحديث فلا نعيده. ٢٠٦٣ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، نا إسماعيل، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله، (عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : لا تحرم المصة ولا المصتان)، والجواب عن هذا الحديث بأنه لا يحتج به, لأن فيه اضطرابًا كما تقدم، ولو سلِّم خلوّه عن الاضطراب فيحتمل أن الحرمة لم تثبت لعدم القدر المحرم، ويحتمل أنها لم تثبت, لأنه لا يُعلم أن اللبن وصل إلى جوف الصبي أم لا، وما لم يصل لا يحرم، فلا يثبت لعدم القدر المحرم. ولا تثبت الحرمة بهذا الحديث بالاحتمال، ولذا قال ابن عباس ﵄: "إذا عَقَى الصبى فقد حرم" حين سئل عن الرضعة الواحدة هل تحرم؟ لأن العِقْيَ اسم لما يخرج من بطن الصبي حين يولد أسودَ لزجًا إذا وصل اللبنُ إلى جوفه، يقال: هل عَقَيْتُم صبيكم؟ أي: هل سقيتموه عسلًا ليُسْقِطَ عنه عِقْيَه؟ إنما ذكر ذلك ليُعْلَمَ أن اللبن قد صَار في جوفه لأنَه لا يَعْقِي من ذلك اللبن حتى يصير في جوفه.

стр. 4575

(١١) بَابٌ: في الرَّضْخِ عِنْدَ الْفِصَالِ ٢٠٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ, حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْعَلَاءِ, حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ حَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجٍ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا يُذْهِبُ عَنِّى مَذَمَّةَ الرَّضَاعَةِ؟ قَالَ: «الْغُرَّةُ الْعَبْدُ أَوِ الأَمَةُ». [ن ٣٣٢٩، ت ١١٥٣، حم ٣/ ٤٥٠، ق ٧/ ٤٦٤] === (١١) (بَابٌ: في الرَّضْخِ)، الرضخ: العطية القليلة، أي: عطاء الرضعة (عِنْدَ الْفِصَالِ) ٢٠٦٤ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا أبو معاوية، ح: وحدثنا ابن العلاء، أنا ابن إدريس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن حجاج) بن مالك الأسلمي، حجازي، أخرجوا له حديثًا واحدًا، يأتي في ترجمة أبيه، ذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن أبيه) حجاج بن مالك بن عويمر بن أبي أسيد بن رفاعة الأسلمي، روى عن النبي ﷺ حديثًا، أخرجوا له حديثًا واحدًا في الرضاع، وصححه الترمذي. (قال: قلت: يا رسول الله، ما يُذهب) بضم التحتانية من باب الإفعال (عني مذمة الرضاع؟ ) بكسر الذال (١) المعجمة وفتحها، الحق والحرمة التي يذم مضيِّعها، والمراد به الحق اللازم بسبب الرضاع، أي ما يُسْقِطُ عني حقَّ المرضعة حتى أكون قد أديته كاملًا؟ وكانوا يستحبون أن يهبوا المرضعة عند فصال الصبي شيئًا سوى الأجرة. (قال) رسول الله ﷺ : (الغرة) أصلها بياض في وجه الفرس، والمراد ها هنا العبد، أو الأمة، كما فسَّر بقوله: (العبد، أو الأمة,

стр. 4576

قَالَ النُّفَيْلِيُّ: حَجَّاجُ بْنُ الْحَجَّاجِ (١) الأَسلَمِيُّ، وَهَذَا لَفْظُهُ. (١٢) بَابُ مَا يُكْرَهُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ ٢٠٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ, حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِى هِنْدٍ, عَنْ عَامِرٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا, وَلَا الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا, وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا, وَلَا الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا, وَلَا تُنْكَحُ الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى, وَلَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى». [خ ٥١٠٩، م ١٤٠٨، ت ١١٢٦، ن ٣٢٩٦، حم ٢/ ٤٢٦، ق ٧/ ١٦٦] === قال النفيلي: حجاج بن الحجاج الأسلمي) فزاد لفظ الأسلمي ولم يذكره ابن العلاء (٢) (وهذا لفظه) أي لفظ هذا الحديث لفظ النفيلي، لا لفظ ابن العلاء. (١٢) (بَابُ ما)، أي: النسوة اللاتي (يُكْرَهُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ)، من بيانية للفظ ما ٢٠٦٥ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير، نا داود بن أبي هند، عن عامر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها)، أي لا يجمع بين العمة وبنت أخيها، سواء تقدم نكاح العمة أو بنت الأخ، (ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها) وكذا لا تجمع في الوطء بملك اليمين، وسواء كانت سفلى كأخت الأب أو العليا كأخت الجد, لأن ذلك يفضي إلى قطيعة الرحم، (ولا تنكح الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى) تأكيد للأول. قال النووي: يحرم الجمع بينهما سواء كانت عمة أو خالة حقيقية،

стр. 4577

٢٠٦٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالحٍ، نَا عَنْبَسَةُ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤيبٍ === أو مجازية، وهي أخت أب الأب وأب الجد وإن علا، وأخت أم الأم وأم الجد، وأم الجدة من جهة الأم والأب وإن علت، وكلهن حرام بالإجماع، ويحرم الجمع بينهما في النكاح أو في ملك اليمين، وأما في الأقارب كبنتي العمتين وبنتي الخالتين ونحوهما فجائز، وهذا الحديث مشهور يجوز تخصيص عموم الكتاب به، وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١). ثم ذكر الحنفية (٢) في هذا المحل قاعدة كلية، وهي أنه لا يجمع بين امرأتين لو كانت كل واحدة منهما ذكرًا لا يجوز له أن يتزوج بالأخرى، والدليل على اعتبار الأصل المذكور ما ثبت في الحديث برواية الطبراني، وهو قوله: "فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم"، وروى أبو داود في "مراسيله"، قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة"، فأوجب تعدي الحكم المذكور، وهو حرمة الجمع إلى كل قرابة يفرض وصلها، وهي ما تضمنه الأصل المذكور، وبه تثبت الحجة على الروافض والخوارج وعثمان بناءً على ما نقل عنه، وداود الظاهري في إباحة الجمع بين غير الأختين، ملخص من "القاري" (٣). ٢٠٦٦ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني قبيصة بن ذؤيب) مصغرًا، ابن حلحلة بمهملتين مفتوحتين، بينهما لام ساكنة، أبو سعيد الخزاعي المدني، ويقال: أبو إسحاق، ولد عام الفتح، قال ابن سعد: كان على خاتم عبد الملك، وكان آثر الناس عنده، وكان

стр. 4578

أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا". [خ ٥١١٠، م ١٤٠٨، ن ٣٢٩٥، ٣٢٩٦] ٢٠٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحمدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا خَطَّابُ بْنُ الْقَاسِمِ، عن خُصَيْفٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ، وَبَيْنَ الْخَالَتَيْنِ وَالْعَمَّتَيْنِ". [ت ١١٢٥، حم ١/ ٢١٧] === ثقة مأمونًا كثير الحديث، وقال الغلابي (١) عن ابن معين: أتي به رسول الله ﷺ ليدعو له بالبركة، ذهبت عينه يوم الحرة (أنه سمع أبا هريرة يقول: نهى رسول الله ﷺ أن يجمع بين المرأة وخالتها وبين المرأة وعمتها). ٢٠٦٧ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا خطاب بن القاسم) الحراني، أبو عمر، قاضي حران، عن ابن معين: ثقة، عن أبي زرعة: منكر الحديث، يقال: إنه اختلط قبل موته، قال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: ثقة، أخرج له أبو داود حديثًا واحدًا في النكاح في الجمع بين العمة والخالة، والنسائي آخر في الصيام في فضل التطوع، وقال عقبة: هذا حديث منكر، وخصيف ضعيف، وخطاب لا علم لي به، (عن خصيف) بن عبد الرحمن الجزري، (عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : أنه يكره أن يجمع بين العمة والخالة) أي وبين بنت أخيها وبنت أختها. كتب في الحاشية عن "فتح الودود": قوله: كره أن يجمع بين العمة والخالة، أي وبين من هما عمة وخالة لها. فالطرف الثاني من مدخول بين متروك في الكلام لظهوره، وكذا قوله: (وبين الخالتين) أي وبين من هما خالتان لها، والمراد بالخالتين الصغيرة ممن هي خالة لها، والكبيرة منها، أو الأبوية وهي أخت الأم من أب، والأموية وهي أخت الأم من أم (و) على هذا قياس (العمتين).

стр. 4579

٢٠٦٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ الْمِصْرِىُّ, حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِى يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: "أَنَّهُ سَأَلَ === ويحتمل أن يكون المراد بالخالتين الخالة، ومن هي خالة لها أطلق عليها اسم الخالة تغليبًا، وكذا العمتين، والكلام لمجرد التأكيد، وهذا الذي ذكرناه هو الموافق لأحاديث الباب. وقال السيوطي نقلًا عن الكمال الدميري: قد أشكل هذا على بعض العلماء حتى حمله على المجاز، وإنما المراد النهي عن الجمع بين امرأتين إحداهما عمة والأخرى خالة، أو كل منهما عمة الأخرى، أو كل منهما خالة الأخرى. تصوير الأولى أن يكون رجل وابنه، فتزوجا امرأة وبنتها، فتزوج الأب البنت والابن الأم، فولدت لكل منهما ابنة من هاتين الزوجتين، فابنة الأب عمة بنت الابن وبنت الابن خالتها. وتصوير العمتين (١) أن يتزوج رجل أمَّ رجل، ويتزوج الآخر أمَّه، فيولد لكل منهما ابنة، فابنة كل واحد منهما عمة الأخرى. وتصوير الخالتين (٢) أن يتزوج رجل ابنة رجل والآخر ابنته، فولدت لكل منهما ابنة، فابنة كل واحد منهما خالة الأخرى. ٢٠٦٨ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح المصري، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير: أنه سأل

стр. 4580

عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ عَنْ قَوْلِه (١): ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ ألَا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢) , قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي, هِىَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِى حِجْرِ وَلِيِّهَا, تُشَارِكُهُ فِى مَالِهِ, فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا, فَيُرِيدُ وليها أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِى صَدَاقِهَا فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ, فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ, وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ, وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ". === عائشة زوج النبي ﷺ عن تفسير (قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾) أي ظننتم يا أولياء اليتامى (﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾) أي لا تعدلوا، هو من أقسط، يقال: قسط إذا جار، وأقسط إذا عدل (﴿فِي الْيَتَامَى﴾) إذا نكحتموهن (﴿فَانْكِحُوا﴾) أي تزوجوا (﴿مَا﴾) بمعنى من (﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾) أي: فانكحوا غيرهن من الغرائب. (قالت) عائشة ﵂: (يا ابن أختي، هي) أي المذكورة في الآية (اليتيمة تكون في حجر وليها، تشاركله في ماله، فيعجبه) أي الولي (مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها (٣) بغير أن يقسط في صداقها) أي يعدل في صداقها فيبلغ سنة مهر مثلها (فيعطيها مثل ما يعطيها غيره) هو معطوف على معمول بغير أن، يريد أن يتزوجها بغير أن يعطيها مثل ما يعطيها غيره، أي ممن يرغب في نكاحها سواه، ويدل على هذا قوله بعد ذلك: فنهوا عن ذلك إلَّا أن يبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق. (فنهوا أن ينكحوهن إلَّا أن يقسطوا) أي يعدلوا (لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق) أي مهر المثل، (وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن)

стр. 4581

قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ فِى يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (١) , قَالَتْ: وَالَّذِى ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْهِمْ (٢) فِى الْكِتَابِ === أي بأي مهر توافقوا عليه، قال الحافظ (٣): وعن مجاهد في مناسبةِ ترتُّب قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٤) على قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ شيء آخر، قال في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾: أي إذا كنتم تخافون أن لا تعدلوا في مال اليتامى فتحرَّجتم أن لَا تَلُوها، فتحرجوا من الزنا، وانكحوا ما طاب لكم من النساء، وعلى تأويل عائشة ﵂ يكون المعنى: وإن خفتم أن لا تقسطوا في نكاح اليتامى. (قال عروة: قالت عائشة) هو معطوف على الإسناد المذكور، وإن كان بغير أداة عطف، (ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ )، أي طلبوا منه الفتيا في أمر النساء (بعد هذه الآية) وهي: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ إلى ﴿وَرُبَاعَ﴾ (فيهن) أي: النساء، (فأنزل الله : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى﴾) عطف على لفظ "الله" أو على الضمير في يفتيكم أي يفتيكم ما يتلى (﴿عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾) من صداقهن (﴿وَتَرْغَبُونَ﴾) عن (﴿أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾) لدمامتهن، فنهاهم الله. (قالت) عائشة: (والذي ذكر الله أنه يتلى، عليهم في الكتاب) أي القرآن،

стр. 4582

الآيةُ الأُوْلَى الَّتِي قَالَ اللَّه تَعَالَى فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ في الآيةِ الآخِرَةِ (١): ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ هِيَ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عن يَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ في حِجْرِهِ حِينَ تَكونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا في مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ. === المراد به (الآية الأولى التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، قالت عائشة) ﵂: (وقول الله في الآية الآخرة) أي ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾، الآية: (﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾) هي رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره)، أي: حفظه وتربيته (حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا) إذا (ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء)، "من" بيانية للفظ "ما"، والمراد بهن المذكورات في الآية الأولى (إلَّا بالقسط)، أي بالعدل في مهرهن، بأن لا تنقصوه من مهر المثل (من أجل رغبتهم عنهن)، أي عن المذكورات في الآية الثانية. وحاصل هذا الكلام أن اليتامى على نوعين: إحداهما: غنية كثيرة المال والجمال، وثانيتهما: معدمة فقيرة ليس عندها مال ولا جمال، فأمر الله أولياءهن، أنكم إذا كن قليلات المال والجمال تتركونهن، فكذلك إذا كن كثيرات المال والجمال لا تنكحوهن إلَّا بالعدل في الصداق، ولا تنقصوا من صداقهن. ولفظ رواية البخاري: أن عروة سأل عائشة ﵂، قال لها: يا أمتاه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ - إلى- ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، قالت عائشة: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينتقص من صداقها، فنهوا عن نكاحهن، إلَّا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء، قالت عائشة

стр. 4583

قَالَ يُونُسُ: وَقَالَ: رَبِيعَةُ (١) في قَوْلِ اللهِ : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، قَالَ: يَقُولُ: اُتْرُكُوهُنَّ إِنْ خِفْتُمْ، فَقَدْ أَحْلَلْتُ لَكُمْ أَرْبَعًا [خ ٤٥٧٤، م ٣٠١٨، ن ٣٣٤٦] === ﵂: استفتى الناس رسول الله ﷺ بعد ذلك، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ - إلى- ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، فأنزل الله لهم في هذه الآية، أن اليتيمة إذا كانت ذات مال وجمال، رغبوا في نكاحها ونسبها والصداق، وإذا كانت مرغوبًا عنها في قلة المال والجمال، تركوها وأخذوا غيرها من النساء، قالت: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها، إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق. (قال يونس) بن يزيد: (وقال ربيعة) أي الرأي (في قول الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، قال) يونس: (يقول) ربيعة: (اتركوهن إن خفتم، فقد أحللت لكم أربعًا) (٢). حاصل هذا التفسير أن الجملة الشرطية وإن خفتم جزاؤها مقدر، وهو اتركوهن، وقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ بمنزلة الدليل على الجزاء لتسليتهم، أي: اتركوهن لأني أحللت لكم أربعًا. قلت: ولا مناسبة للحديث بترجمة الباب، إلَّا أن يقال: إن اليتامى إذا كن كثيرات عند وليهن، فأباح له نكاحهن، إلا أنه لا يجمع بينهن، بحيث يلزم فيه الجمع بين العمة والخالة وابنة الأخ وابنة الأخت، وكذلك إذا مات

стр. 4584

٢٠٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ, حَدَّثَنِى أَبِي, عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ, حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدِّيلي (١) , أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ, أَنَّ عَلِىَّ بْنَ الْحُسَيْنِ حَدَّثَهُ: "أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِىٍّ - رضى الله عنهما - لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ, فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ إِلَىَّ مِنْ حَاجَةٍ تَأْمُرُنِى بِهَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ لَا, قَالَ: هَلْ أَنْتَ مُعْطِىَّ === الرجل وترك زوجة وبنتًا، فتزوج أمها، فلا يجوز له أن ينكح بنتها؛ لأنها ربيبته، فيلزم أن يجمع بين الأم وبنتها. ٢٠٦٩ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني أبي) أي إبراهيم بن سعد، (عن الوليد بن كثير، حدثني محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي، أن ابن شهاب حدثه، أن علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب، الملقب بزين العابدين (حدثه: أنهم) أي علي بن الحسين، ومن معه من أهل البيت من النسوة والولدان (حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية) وهو أن عمر بن سعد بن أبي وقاص قائد جيش يزيد بن معاوية لما فرغ من قتل الإِمام الحسين ﵁ ومن معه من الرجال، وكان علي بن الحسين مريضًا، فأشخصهم إلى يزيد بن معاوية في الشام، ثم ردَّهم يزيد بن معاوية إلى المدينة (مقتل الحسين بن علي ﵄) أي في زمان قتله وشهادته، (لقيه المسور بن مخرمة، فقال) المسور (له) أي لعلي بن الحسين: (هل لك إلى من حاجة تأمرني بها؟ ) فأمتثلها وآتي بها (قال) علي بن الحسين: (فقلت له) أي للمسور: (لا) أي ليس لي إليك من حاجة، والغرض منه إظهار المحبة والشفقة لأهل البيت وجبر خاطرهم (قال) أي المسور: (هل أنت معطي) بتشديد الياء بالإضافة إلى ياء

стр. 4585

سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنِّى أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ؟ وَأيْمُ اللَّهِ لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِ أَبَدًا حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى نَفْسِي, إِنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ - رضى الله عنه - خَطَبَ بِنْتَ أَبِى جَهْلٍ === المتكلم (سيف رسول الله ﷺ ) المراد به ذو الفقار الذي تَنَفَّله يوم بدر، ورأى فيه الرؤيا يوم أحد، وأراد المسور بالكلام الذي دار بين المسور بن مخرمة وبين علي بن الحسين صيانة سيف رسول الله ﷺ ، لئلا يأخذه من لا يعرف قدره (فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه؟ ) أي على السيف، ويأخذونه من يديك (وأيم الله لئن أعطيتنيه لا يُخلص إليه) أي إلى السيف (أبدًا)، أي لا يأخذه مني أحد أبدًا (حتى يبلغ إلى نفسي) أي إلَّا أن أقتل فيأخذه بعد موتي، ولم يذكر لهذا السؤال جواب، ولعله لم يوافقه هذا السؤال. (إن علي بن أبي طالب ﵁)، قال الكرماني (١): مناسبة ذكر المسور لقصة خِطبة بنت أبي جهل عند طلبه السيف من جهة أن رسول الله ﷺ كان يحترز عما يوجب وقوع التكدر بين الأقرباء، أي فكذلك ينبغي أن تعطيني السيف، حتى لا يحصل بينك وبين أقربائك كدورة بسببه، أو كما أن رسول الله ﷺ كان يراعي جانب بني عمه العبشميين، فأنت أيضًا راع جانب بني عمك النوفليين, لأن المسور نوفلي، كذا قال، والمسور زهري لا نوفلي، قال: أو كما أن رسول الله ﷺ كان يحب رفاهية خاطر فاطمة ﵂ فأنا أيضًا أحب رفاهية خاطرك، فأعطني السيف، حتى أحفظه لك. قلت: وهذا الأخير هو المعتمد، وما قبله ظاهر التكلف (٢). (خطب (٣) بنت أبي جهل) واختُلف في اسم ابنة أبي جهل، فروى الحاكم

стр. 4586

عَلَى فَاطِمَةَ, فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِى ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ, فَقَالَ: «إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّى وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِى دِينِهَا» , قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِى عَبْدِ شَمْسٍ === في "الإكليل": جويرية وهو الأشهر، وفي بعض الطرق اسمها العوراء، أخرجه ابن طاهر في "المبهمات"، وقيل: اسمها الحيفاء، ذكره ابن جرير الطبري، وقيل: جرهمة، حكاه السهيلي، وقيل: اسمها جميلة، ذكره شيخنا ابن الملقن في "شرحه"، وكان علي قد أخذ بعموم الجواز، فلما أنكر النبي ﷺ أعرض علي عن الخطبة، فيقال: تزوجها عتاب بن أسيد. (على فاطمة، فسمعتُ رسول الله ﷺ وهو يخطب الناس في ذلك) أي في خِطبة علي بنت أبي جهل (على منبره هذا) أي منبر مسجد النبوي ﷺ (وأنا يومئذ محتلم)، أي بالغ، قال ابن سيد الناس (١): هذا غلط، والصواب ما وقع عند الإسماعيلي بلفظ "كالمحتلم"، والمسور لم يحتلم في حياة النبي ﷺ لأنه ولد بعد ابن الزبير، فيكون عمره عند وفاة النبي ﷺ ثمان سنين. قلت: كذا جزم به وفيه نظر، فإن الصحيح أن ابن الزبير ولد في السنة الأولى، فيكون عمره عند الوفاة النبوية تسع سنين، فيجوز أن يكون احتلم في أول سنين الإمكان، أو يحمل قوله: "محتلم" على المبالغة، والمراد التشبيه فتلتئم الروايتان، وإلَّا فابن ثمان سنين لا يقال له: محتلم ولا كالمحتلم، إلَّا أن يريد بالتشبيه أنه كان كالمحتلم بالحذق والفهم والحفظ. (فقال: إن فاطمة مني وأنا أتخوف أن تفتن في دينها) لأن النساء جبلن على المغيرة، (قال) أي المسور: (ثم ذكر) أي رسول الله ﷺ (صهرًا له من بني عبد شمس) والصهر يطلق على جميع أقارب المرأة والرجل، ومنهم من يخصه بأقارب المرأة، فالمراد ها هنا أبو العاص بن الربيع،

стр. 4587

فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِى مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ فَأَحْسَنَ, قَالَ: «حَدَّثَنِى فَصَدَقَنِى وَوَعَدَنِى فَوَفَّى لِي, وَإِنِّى لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا, وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا». [٣٧٢٩، م ٢٤٤٩، جه ١٩٩٩] === ختن رسول الله ﷺ على ابنته زينب، فإنه تزوَّج زينب بنت رسول الله ﷺ قبل البعثة، وهي أكبر بنات النبي ﷺ ، وقد أسر أبو العاص ببدر، وفدته زينب، فشرط النبي ﷺ أن يرسلها إليه، فوفى له بذلك، وهذا معنى قوله: "وعدني فوفى لي"، ثم أسر أبو العاص مرة أخرى، فأجارته زينب، فأسلم، فردها النبي ﷺ إلى نكاحه. (فأثنى عليه) أي على الصهر (في مصاهرته) أي: الصهر (إياه) أي: حسن معاملته رسول الله ﷺ (فأحسن) أي الثناء عليه. (قال) أي رسول الله ﷺ : (حدثني فصدقني) لعله شرط على نفسه أن لا يتزوج على زينب، (ووعدني فوفى لي) وهو إرسال زينب إلى رسول الله ﷺ ، ثم رجع إلى خِطبة علي (وإني لست أحرم حلالًا ولا أحل حرامًا) أي ليس التحليل والتحريم من نفسي، بل هو من الله تعالى، وهو يتولى أمر التحليل والتحريم، وأنا مبلغ لما ينزل إليَّ (ولكن والله لا تجتمع بنتُ رسول الله ﷺ ) أي فاطمة (وبنتُ عدوِّ الله) أي بنت أبي جهل (مكانًا واحدًا أبدًا). قال الحافظ (١): وقال ابن التين: أصح ما تحمل عليه هذه القصة أن النبي ﷺ حرَّم على علي ﵁ أن يجمع بين ابنته وابنة أبي جهل، لأنه علل بأن ذلك يؤذيه، وأذيته حرام بالاتفاق، ومعنى قوله: "لا أحرِّم حلالًا"، أي: هي له حلال لو لم تكن عنده فاطمة، وأما الجمع بينهما الذي يستلزم تأذي النبي ﷺ لتأذي فاطمة به فلا، وزعم غيره أن السياق يشعر بأن ذلك مباح لعلي، لكنه منعه النبي ﷺ رعاية لخاطر فاطمة، وقيل: هو ذلك امتثالًا

стр. 4588

٢٠٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، وَعن أَيُّوبَ، عن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ: "فَسَكَتَ عَلِيٌّ ﵁ عَنْ ذَلِكَ النِّكَاحِ" [انظر سابقه] ٢٠٧١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، الْمَعْنَى، قَالَ أَحْمَدُ: نَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: "إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَة === لأمر النبي ﷺ ، والذي يظهر لي أنه لا يبعد أن يُعَدَّ في خصائص النبي ﷺ أن لا يتزوج على بناته (١). ويحتمل أن يكون ذلك مختصًا بفاطمة ﵍. ٢٠٧٠ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عروة، وعن أيوب، عن ابن أبي مليكة) عطف على قوله: عن الزهري، أي حدث معمر هذا الحديث بطريقين، أولهما حدث عن الزهري، عن عروة، وثانيهما روى عن أيوب السختياني، عن ابن أبي مليكة؛ وأظن أن كليهما أي عروة وابن أبي مليكة يرويان عن المسور بن مخرمة (بهذا الخبر قال) أي المسور: (فسكت علي ﵁ عن ذلك النكاح)، وفي رواية شعيب عن الزهري عند البخاري: "فترك عليٌّ الخِطبةَ". ٢٠٧١ - (حدثنا أحمد بن يونس وقتيبة بن سعيد، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قال أحمد) بن يونس: (نا الليث، حدثني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة القرشي التيمي، أن المسور بن مخرمة حدثه، أنه سمع رسول الله ﷺ على المنبر يقول: إن بني هشام بن المغيرة)، قال الحافظ (٢): وبنو هشام هم أعمام بنت أبي جهل, لأنه أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة، وقد أسلم

стр. 4589

اسْتَأذَنُوا أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ مِنْ عَلِيِّ بْن أَبِي طَالب، فَلَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أنْ يُطَلِّقَ ابْنًتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا وُيؤْذِيني مَا آذَاهَا". وَالإِخْبَارُ في حَدِيثِ === أخوه الحارث بن هشام وسلمة بن هشام عام الفتح، وحسن إسلامهما، وممن يدخل في إطلاق بني هشام بن المغيرة عكرمة بن أبي جهل بن هشام، وقد أسلم أيضًا، وحسن إسلامه. (استأذنوا) وفي نسخة: "استأذنوني" (أن ينكحوا ابنتهم من علي بن أبي طالب، فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن)، قال الحافظ (١): كرر ذلك تأكيدًا، وفيه إشارة إلى تأبيد مدة منع الإذن، وكأنه أراد رفع المجاز لاحتمال أن يحمل النفي على مدة بعينها، فقال: "ثم لا آذن" أي ولو مضت المدة المفروضة تقديرًا لا آذن بعدها ثم كذلك أبدًا، (إلَّا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم). قال الحافظ: هذا محمول على أن بعض من يبغض عليًا وشى به أنه مصمم على ذلك، وإلَّا فلا يظن به أنه يستمر على الخِطبة بعد أن استشار النبي ﷺ فمنعه، قلت: يمكن أن يحمل على المبالغة في المنع. (فإنما ابنتي بضعة مني) بفتح الموحدة وسكون الضاد المعجمة، أي: قطعة، وفي رواية: "مضغة" بضم الميم وبغين معجمة (يريبني ما أرابها) من باب الإفعال، وفي رواية مسلم: "ما رابها" من المجرد (ويؤذيني ما آذاها). قال الحافظ (٢): ويؤخذ من هذا الحديث، أن فاطمة لو رضيت بذلك، لم يمنع عليٌّ من التزوج بها أو بغيرها. واستشكل اختصاص فاطمة بذلك مع أن المغيرة على النبي ﷺ أقرب إلى خشية الافتنان في الدين، ومع ذلك كان رسول الله ﷺ يستكثر من الزوجات، وتوجد منهن المغيرة، ومع هذا لم يراع رسول الله ﷺ في حقهن، كما راعاه في حق فاطمة.

стр. 4590

أَحْمَدَ. [خ ٥٢٣٠، م ٢٤٤٩، ت ٣٨٦٧، جه ١٩٩٨، حم ٤/ ٣٢٨] (١٣) بَابٌ: في نِكَاحِ الْمُتعَةِ === ومحصل الجواب: أن فاطمة كانت إذ ذاك فاقدة من تركن إليه ممن يؤنسها ويزيل وحشتها من أم أو أخت، بخلاف أمهات المؤمنين، فإن كل واحدة منهن كانت ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك وزيادة عليه، وهو زوجهن ﷺ لما كان عنده من الملاطفة، وتطييب القلوب، وجبر الخواطر بحيث أن كل واحدة منهن ترضى منه لحسن خلقه، وجميل خلقه، لجميع ما يصدر منه بحيث لو وجد ما يخشى وجوده من المغيرة لزال عن قرب. (والإخبار في حديث أحمد) أي ولفظ الإخبار كما يدل عليه قوله في السند: قال أحمد. (١٣) (بابٌ: فِى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ) (١) وهي تزويج المرأة إلى أَجَل، فإذا انقضى وقعت الفرقة، أو يقال: إن معنى المتعة عقد مؤقت بين الرجل والمرأة ينتهي بانتهاء الوقت، فيدخل [فيه] ما بمادة المتعة والنكاح المؤقت أيضًا، فيكون النكاح المؤقت من أفراد المتعة، وإن عقد بلفظ التزويج وأحضر الشهود، وما يفيد ذلك من الألفاظ التي تفيد التواضع مع المرأة على هذا المعنى، وهي أبيحت في زمن خيبر، ثم نسخت، ثم أبيحت في غزوة الفتح، ثم نسخت بعدها إلى الأبد. واختلف الصحابة، فقال بعضهم بإباحتها لِعَدَمِ بلوغِهم النسخ، ثم رجعوا عن الإباحة وقالوا بحرمتها، فانعقد الإجماع على حرمتها، إلَّا قوم من الروافض قالوا بإباحتها، والعجب منهم كيف قالوا بإباحتها وهم ينتسبون إلى
следующие страницы →