فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسَأَلَهُ عن ذَلِكَ؟ ! فَسَأَلْنَاهُ عنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "مَا عَلَيْكُم أَنْ لَا تَفْعَلُوا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ". [خ ٥٢١٠، م ١٤٣٨، ن ٣٣٢٧]
===
فلا يمكن بيعهن، ورغبنا في أن يحصل لنا القيمة، (فأردنا أن نعزل، ثم قلنا: نعزلُ) بحذف الاستفهام (ورسول الله ﷺ بين أظهرنا) جملة حالية ولفظ أظهر زائد (قبل أن نسأله عن ذلك) أي عن العزل، هل يجوز أم لا؟ .
(فسألناه عن ذلك، فقال: ما عليكم) أي لا بأسَ عليكم (أن لا تفعلوا) أي ليس عليكم ضرر أن لا تفعلوا العزل. وقيل: بزيادة "لا" في "لا تفعلوا". ومعناه: لا بأس عليكم أن تفعلوا، وروي "لا عليكم"، فيحتمل أن يقال: لا نفي لما سألوه، وعليكم أن لا تفعلوا كلام مستأنف، مؤكد له، وعلى هذا ينبغي أن تكون مفتوحة.
قال القاضي: روي بما، وروي بلا، والمعنى: لا بأس عليكم في أن تفعلوا، ولا مزيدة، ومن منع العزل قال: لا نفي لما سألوه، وعليكم أن لا تفعلوا كلام مستأنف، مؤكد له، وعلى هذا ينبغي أن تكون أن مفتوحة.
(ما من نسمة) أي نفس كائنة إلى يوم القيامة إلَّا وهي) أي النسمة (كائنة) لا محالة، لا يمنعها عزل، ولا شيء غيره.
قال النووي (١): في هذا الحديث دلالة لمذهب جماهير العلماء أن العرب يجري عليهم الرقُّ، كما يجري على العجم، وأنهم إذا كانوا مشركين وسبوا جاز استرقاقهم، وبهذا قال مالك، والشافعي في قوله الصحيح الجديد، وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة والشافعي في قوله القديم: لا يجري عليهم الرق لشرفهم.
стр. 4762
٢١٧٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، نَا زُهَيْرٌ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: جَاء رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ لِي جَارِيَةً أَطُوفُ عَلَيْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، فَقَالَ: "اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ فَإِنَّهُ سَيَأتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا"،
===
قلت: ومذهب الحنفية في هذه المسألة ما قال في "الهداية" (١): ولا توضع أي الجزية على عبدة الأوثان من العرب، ولا المرتدين؛ لأن كفرهما قد تغلظ. أما مشركو العرب: فلأن النبي ﷺ نشأ بين أظهرهم والقرآن نزل بلغتهم، والمعجزة في حقهم أظهر، وأما المرتد فلأنه كفر بربه بعد ما هدي للإسلام، ووقف على محاسنه، فلا يقبل من الفريقين إلَّا الإِسلام، أو السيف، زيادة في العقوبة. وعند الشافعي ﵀ يسترق مشركو العرب، وجوابه ما قلنا.
وإذا ظهر عليهم فنساؤهم وصبيانهم فيء؛ لأن أبا بكر الصديق ﵁ استرق نسوان بني حنيفة وصبيانهم لما ارتدوا، وقسمهم بين الغانمين.
وقال ابن الهمام (٢): والنبي ﷺ استرقَّ ذراري أوطاس وهوازن، وهذا يدل على أن نسبة عدم جواز استرقاق العرب إلى الحنفية غير صحيحة، فإن كتب الحنفية مصرحة بأن استرقاق الرجال غير جائز، وأما استرقاق نسائهم وصبيانهم فجائز، فعلى هذا ما ذكر في هذا الحديث من استرقاق سبايا بني المصطلق لا يخالف مذهب الحنفية ولا يحتاج إلى تأويله.
٢١٧٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا الفضل بن دكين، نا زهير، عن أبي الزبير، عن جابر قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جاريةً) أي مملوكة (أطوف عليها) أي أجامعُها (وأنا أكره أن تحملَ) أي مني فتكون أم ولد، (فقال) أي رسول الله ﷺ : (اعزِلْ عنها إن شئت فإنه) أي الشأن (سيأتيها ما قُدِّر لها) أي من الحمل وغيره.
стр. 4763
قَالَ: فَلَبِثَ الرَّجُل، ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَمَلَتْ، قَالَ: "قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ (١) سَيَأْتيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا". [م ١٤٣٩، حم ٣/ ٣١٢ - ٣٨٦]
===
(قال: فلبث الرجل) أي أيامًا، (ثم أتاه، فقال) أي الرجل: (إن الجارية قد حملتْ، قال) أي رسول الله ﷺ : (قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قُدِّر لها). قال النووي (٢): فيه دلالة على إلحاق النسب مع العزل؛ لأن الماء قد يسبق.
قال ابن الهمام (٣): إذا عزل بإذن أو بغير إذن، وظهر بها حمل، هل يحل نفيه؟ وقالوا: إن لم يعد إليها، أو عاد، ولكن بال قبل العود حل نفيه، وإن لم يبل لا يحل، كذا روي عن علي ﵁؛ لأن بقية المني في ذكره يسقط فيها، ولذا قال أبو حنيفة فيما إذا اغتسل من الجنابة قبل البول، ثم بال، فخرج المني: وجب إعادة الغسل.
قال الشوكاني (٤): واختلف السلف في حكم العزل، فحكي في "الفتح" عن ابن عبد البر أنه قال: لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلَّا بإذنها (٥)؛ لأن الجماع من حقها ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلَّا ما لا يلحقه عزل.
قال الحافظ: ووافقه في نقل هذا الإجماع ابن هبيرة، قال: وتعقب بأن المعروف عند الشافعية أنه لا حق للمرأة في الجماع، فيجوز عندهم العزل عن الحرة بغير إذنها على مقتضى قولهم: إنه لا حق لها في الوطء. وأما الأمة فإن كانت زوجة فحكمها حكم الحرة.
стр. 4764
(٤٩) بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ ذِكْرِ الرَّجُل مَا يَكُونُ مِنْ إِصَابَتِهِ أَهْلَهُ
٢١٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا بِشْرٌ، ثنَا الْجُرَيْرِيُّ
===
واختلفوا هل يعتبر الإذن منها أو من سيدها إن كانت سَرِية؟ فقال في "الفتح" (١): يجوز بلا خلاف عندهم، إلَّا في وجه حكاه الروياني في المنع مطلقًا، كمذهب ابن حزم، وإن كانت السرية مستولدة، فالراجح الجواز فيها مطلقًا؛ لأنها ليست راسخة في الفراش، وقيل: حكمها حكم الأمة المزوجة.
قال الحافظ: واتفقت المذاهب الثلاثة على أن الحرة لا يعزل عنهما إلَّا بإذنها، وأن الأمة يعزل عنها بغير إذنها، واختلفوا في المزوجة، فعند المالكية يحتاج إلى إذن سيدها، وهو قول أبي حنيفة، والراجح عن أحمد، وقال أبو يوسف ومحمد: الإذن لها، وهي رواية عن أحمد، وعنه بإذنها، وعنه: يباح العزل مطلقًا، وعنه المنع مطلقًا.
(٤٩) (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ ذِكْرِ الرَّجُلِ مَا يَكونُ مِنْ إِصَابَتِهِ أَهْلَهُ)
وعقد الشيخ ابن تيمية في "منتقى الأخبار" "باب نهي الزوجين عن التحدث بما يجري حال الوقاع"، وإنما اكتفى أبو داود على تحدث الرجل، مع أن المرأة كذلك؛ لأنه من الرجال أكثر، وهذا إذا لم تكن إليه حاجة، وأما إذا كانت الضرورة داعية إليه، فلا كراهة في ذكره، فإنه إذا ادَّعت المرأة على زوجها أنه لا يصل إليها، وأنكر الزوج وادعى الوصول إليها، فلا بأس بذكرهما ما يتعلق بالجماع، كما في قصة ركانة بن عبد يزيد عند أبي داود، وقصة عبد الرحمن بن الزبير مع امرأته، وقصة الرجل الذي ادعتْ عليه امرأته العُنَّةَ قال: يا رسول الله: لأنفضها نفض الأديم، ولم ينكر عليه رسول الله ﷺ .
٢١٧٤ - (حدثنا مسدد، نا بشر) بن المفضل، (ثنا الجريري) سعيد بن
стр. 4765
(ح): وَحَدَّثنَا مُؤَمَّلٌ، نَا إِسْمَاعِيلُ. (ح): وَحَدَّثنَا مُوسَى، نَا حَمَّادٌ، كُلَّهُمْ عن الْجُرَيْرِيِّ، عن أَبِي نَضْرَةَ (١)، حَدَّثَنِي شَيْخٌ (٢) مِنْ طُفَاوَةَ قَالَ: تَثَوَّيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمْ أَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (٣) ﷺ أَشَدَّ تَشْمِيرًا، وَلَا أَقْوَمَ عَلَى ضَيْفٍ مِنْهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ يَوْمًا وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ لَهُ، مَعَهُ (٤) كيسٌ فِيهِ حَصًى أَوْ نَوًى، وَأَسْفَلَ مِنْهُ جَارِيَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ، وَهُوَ يُسَبِّحُ بِهَا، حَتَّى إِذَا أَنْفَدَ (٥)
===
إياس، (ح: وحدثنا مؤمل) بن الفضل، (نا إسماعيل) بن علية، (ح: وحدثنا موسى، نا حماد، كلهم) أي بشر وإسماعيل وحماد (عن الجريري، عن أبي نضرة، حدثني شيخ من طفاوة)، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب": الطفاوي عن أبي هريرة، وعنه أبو نضرة العبدي لم يسم، ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي متأخر عن ذلك، ومثله في "التقريب".
(قال) أي أبو نضرة: (تَثَوَّيْتُ أبا هريرة بالمدينة) أي أقمت عنده ضيفًا، قال في "القاموس": ثوى المكان وبه يثوى ثواء وثويًا بالضم، وأثوى به: أطال الإقامة به أو نزل، (فلم أر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ أشدَّ تشميرًا) أي اجتهادًا في العبادة، (ولا أقوم على ضيف) أي أكثر خدمة للضيف (منه) أي من أبي هريرة.
(فبينما أنا عنده) أي أبي هريرة (يومًا، وهو) أي أبو هريرة (على سرير له معه كيس، فيه حصى أو) للشك من الراوي (نوى) أي نوى التمر (وأسفل منه) أي في أسفل السرير قاعدة على الأرض (جاريةٌ له سوداءُ، وهو) أي أبو هريرة (يسبِّح بها) أي بحصى أو نوى (حتى إذا أنفد) أي أتم
стр. 4766
مَا في الْكِيسِ، أَلْقَاهُ إِلَيْهَا، فَجَمَعَتْهُ فَأَعَادَتْهُ في الْكِيسِ فَرَفَعَتْهُ (١) إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَلَا أُحَدّثُكَ عَنِّي وعن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ:
بَيْنَا أَنَا أُوعَكُ في الْمَسْجِدِ، إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: "مَنْ أَحَسَّ الْفَتَى الدَّوْسيَّ؟ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ ذَا يُوعَكُ في جَانِب الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيَّ، فَقَالَ لِي مَعْرُوفًا، فَنَهَضْتُ،
===
(ما في الكيس ألقاه) أي الكيس (إليها) أي إلى الجارية (فجمعته) أي جمعت ما كان في الكيس (فأعادته في الكيس، فرفعته إليه) أي إلى أبي هريرة على السرير.
(فقال) أي أبو هريرة: (ألا أحدثك عني وعن رسول الله ﷺ ؟ قال) أي شيخ من طفاوة: (قلت) لأبي هريرة: (بلى) حدثني عنك وعن رسول الله ﷺ (قال) أي أبو هريرة: (بينا أنا أُوعَكُ) بصيغة المجهول من باب الإفعال، قال في "القاموس": الوعكُ: سكونُ الريح، وشدةُ الحر، كالوَعَكةِ، وأذى الحُمَّى، ووجعُها، ومغثُها في البدن.
(في المسجد، إذ جاء رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد فقال) أي رسول الله ﷺ : (من أحس الفتى الدوسيَّ؟ ) والمراد بالفتى الدوسي أبو هريرة، أي من اطلع عليه، فيدلني عليه ويخبرني به (ثلاث مرات، فقال رجل) لم أقف على تسميته: (يا رسول الله هو) أي: الفتى الدوسي (ذا يُوعك في جانب المسجد، فأقبل) أي: توجه (يمشي حتى انتهى إليَّ، فوضع يده عليَّ) أي: شفقةً بي وتسكينًا لقلبي، (فقال لي معروفًا) أي كلامًا حسنًا، (فنهضتُ) أي قمتُ.
стр. 4767
فَانْطَلَقَ يَمْشِي حَتَّى أَتَى مَقَامَهُ (١) الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ وَمَعَهُ صَفَّانِ مِنْ رِجَالٍ وَصَفٌّ مِنْ نِسَاءٍ، أَوْ صَفَّانِ مِنْ نِسَاءٍ وَصَفٌّ مِنْ رِجَالٍ، فَقَالَ: "إِنْ نَسَّانِي الشَّيْطَانُ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِي فَلْيُسَبِّح الْقَوْمُ وَلْيُصَفِّقِ النِّسَاءُ". قَالَ: فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَنْسَ مِنْ صَلَاتِهِ شَيْئًا، فَقَالَ: "مَجَالِسَكُمْ مَجَالِسَكُمْ".
===
(فانطلق يمشي) أي رسول الله ﷺ (حتى أتى مقامَه الذي يُصلِّي فيه) أي في ذلك المكان، (فأقبل عليهم) أي على أصحابه الذين كانوا هناك (ومعه) جملة حالية (صَفَّان من رجال وصفٌّ من نساء أو) للشك من الراوي (صفَّان من نساء وصفٌّ من رجال).
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: أو صفان من نساء إلى آخره، ولا غرو، فإن صفوف الرجال تكون تامة، وهن يقمن في الزوايا والجوانب، فلعل صفوفهن قصيرة، فإنهن وإن كانت صفين، لكنه ليس بمستلزم زيادتهن على الرجال، مع أنه لا بعد في كثرتهن نسبة على الرجال.
(فقال) أي رسول الله ﷺ : (إن نَسَّاني الشيطانُ شيئًا من صلاتي فليسبِّح القومُ) أي الرجال، ولفظ القوم خاص بالرجال كما قال الشاعر:
وَمَا أدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ (٢)؟
(وليصفِّق النساءُ)، والتصفيق للنساء ضرب إحدى اليدين على الأخرى.
(قال) أبو هريرة: (فصلَّى رسول الله ع ﷺ ، ولم ينس من صلاته شيئًا، فقال) أي رسول الله ﷺ : (مجالسَكم مجالسَكم) أي الزموا مجالسكم، كررها للتأكيد، وإنما قال ذلك؛ لأن النساء كن يعجلن الرجوع، لئلا يقع الاختلاط بالرجال، فأمرهن بلزوم المجالس؛ ليستمعن الكلام، والصيغة وإن كانت
стр. 4768
زَادَ مُوسَى ها هنَا: ثُمَّ حَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ" - ثُمَّ اتَّفَقُوا- ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى الرجَالِ قَالَ (١): "هَلْ مِنْكُم الرَّجُلُ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ وَأَلْقَى عَلَيْهِ سِتْرَهُ، وَاسْتَتَرَ بِسِتْرِ اللَّهِ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "ثُمَّ يَجْلِسُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا، فَعَلْتُ كَذَا". قَالَ: فَسَكَتُوا.
===
مختصة بالرجال، ولكنهن يدخلن في خطابات الرجال تبعًا، كما في عامة الخطابات الواقعة في كتاب الله تعالى.
(زاد موسى ها هنا) أي موسى بن إسماعيل شيخ المصنف بعد قوله: "مجالسكم": (ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد) وإلى ها هنا تم زيادة موسى (ثم اتفقوا) أي موسى ومؤمل ومسدد.
(ثم أقبل) أي رسول الله ﷺ (على الرجال، قال: هل منكم الرجل إذا أتى أهله) أي إذا أراد جماع أهله (فأغلق عليه) أي على الرجل، والمراد نفسه وزوجته (بابَه، وألقى عليه سترَه) أي الرداء والثوب (واستتر بستر الله؟ ) تعميم بعد تخصيص، أي أتى بكل مرتبة من مراتب الاستتار الذي أمر الله به. (قالوا: نعم) إيجاب لما في جملة الشرطية، أي نعم نتستر في ذلك الوقت كمال الاستتار.
(قال) أي رسول الله ﷺ : (ثم يجلس) ذلك الرجل في مجلس الرجال (بعد ذلك، فيقول: فعلتُ) الليلة أو اليومَ، فعلتُ كذا) أي ينشر سِرَّه، ويفشي ما كان صدر منه من الجماع (٢)، (قال: فسكتوا) أي: لم يجيبوا شيئًا، ولعله لم يجيبوه لشدة الحياء، أو للخوف.
стр. 4769
قَالَ: فَأَقْبَلَ (١) عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: "هَلْ مِنْكُنَّ مَنْ تُحَدِّثُ" فَسَكَتْنَ، فَجَثَتْ فتاةٌ (٢) عَلَى إِحْدَى رُكْبَتَيْهَا، وَتَطَاوَلَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَرَاهَا وَيسْمَعَ كَلَامَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَتَحَدَّثُونَ وَإِنَّهُنَّ لَيَتَحَدَّثْنَهُ، فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا مَثَلُ ذَلِكَ؟ "، فَقَالَ: "إِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ شَيْطَانَةٍ لَقِيَتْ شَيْطَانًا في السِّكَّةِ، فَقَضَى مِنْهَا حَاجَتَهُ وَالنَاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ،
===
(قال) أي أبو هريرة: (فأقبل على النساء، فقال) أي للنساء: (هل منكن من تحدث؟ ) أي سرَّها في النساء (فسكتْن) أي لم يجبن، (فجَثَتْ) أي جلست على ركبتها (فَتَاةٌ) أي امرأةٌ شابةٌ (على إحدى ركبتيها، وتطاولت) أي عنقها (رسول الله ﷺ ليراها) أي رسول الله ﷺ (ويسمعَ كلامَها، فقالت: يا رسول الله إنهم) أي الرب (ليتحدثون) فيما بينهم (وإنهن) أي النساء (ليتحدثنه) فيما بينهن مثل ما قلت.
(فقال) أي رسول الله ﷺ : (هل تدرون ما مَثَلُ ذلك) في القبح والافتضاح؟ (فقال: إنما مثل ذلك مَثَلُ شيطانةٍ لقيتْ شيطانًا في السِّكة) أي في الطريق الذي يمر فيه الناس، (فقضى) أي الشيطان (منها) أي من الشيطانة (حاجته) أي جامعها في مرأى من الناس (والناس ينظرون إليه).
قال الشوكاني (٣): والحديثان يدلان على تحريم إفشاء أحد الزوجين لما يقع بينهما من أمور الجماع، وذلك لأن كون الفاعل لذلك من أشَرِّ الناس، وكونه بمنزلة شيطان لقي شيطانة، فقضى حاجته والناس ينظرون من أعظم الأدلة الدالة على تحريم نشر أحد الزوجين للأسرار الواقعة بينهما، الراجعة إلى الوطء ومقدماته، فإن مجرد فعل المكروه لا يصير به فاعله من الأشرار، فضلًا عن كونه من أشرهم، وكذلك الجماع بمرأى من الناس لا شك في تحريمه.
стр. 4770
أَلَا إِنَّ (١) طِيبَ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ لَوْنُهُ، أَلَا إِنَّ طِيبَ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ رِيحُهُ".
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَمِنْ هَا هُنَا حَفِظْتُهُ عن مُؤَمَّلٍ وَمُوسَى: "أَلَا لَا يُفْضِيَنَّ رَجُلٌ إِلَى رَجُلٍ، وَلَا امْرَأَةٌ إِلَى امْرَأَةٍ، إِلَّا إِلَى وَلَدٍ أَوْ وَالِدٍ"، وَذَكَرَ ثَالِثَة فَنَسِيتُهَا، وَهُوَ في حَدِيثِ مُسَدَّدٍ، وَلَكِنّي لَمْ أُتْقِنْهُ (٢)،
===
(ألا إن طيب الرجال ما ظهر) أي غلب (ريحُه) كالمسك (ولم يظهر لونُه، ألَّا إن طيب النساء ما ظهر لونُه) كالزعفران والحناء (ولم يظهر ريحه)، ذكر ذلك مبالغة في أمر إخفاء ريح الطيب، حتى إن طيبهن لا ينبغي أن يفشو، وهذا لِسَدِّ ذريعة الفساد، فإن ريح الطيب يهيج الشهوة، وهذا إذا أرادت الخروج من البيت لا ينبغي لها أن تتطيب بما يفوح ريحه، وإلا ففي البيت عند الزوج تتطيب بما شاءت.
(قال أبو داود: ومن ها هنا) أي بعد قوله: "ولم يظهر ريحه" (حفظته) أي الحديث (عن مُؤمَّل وموسى) ولم أحفظه عن مسدد: (ألا لا يفضينَّ رجل إلى رجل) أي لا يدخل رجل في فراش رجل آخر (ولا امرأة إلى امرأة، إلَّا إلى ولد أو والد) أي ولد إلى والد، ووالد إلى ولد.
قال في "المجمع" (٣): هو نهي تحريم (٤) إذا لم يكن بينهما حائل، بأن يكونا متجردين، وإن كان بينهما حائل فتنزيه.
(وذكر) أي كل واحد من مؤمل وموسى (ثالثة) أي كلمة ثالثة (فنسيتها، وهو) أي هذا الكلام الذي حفظه عن مؤمل وموسى مذكور (في حديث مسدد، ولكني لم أتقنه) عن مسدد.
стр. 4771
وَقَالَ مُوسَى: نَا حَمَّاد، عن الْجُرَيْرِيِّ، عن أَبِي نَضْرَةَ، عن الطُّفَاوِيِّ. [ت ٢٧٨٧، مختصرًا، حم ٢/ ٥٤٠، ق ٧/ ١٩٤]
آخُر كِتَابِ النِّكَاحِ
===
(وقال موسى: نا حماد، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن الطفاوي)، غرض المصنف بهذا الكلام بيان الفرق بين حديث موسى وبين حديث مسدد، بأن موسى قال في سند حديثه: نا حماد، عن الجريري، بصيغة "عن"، ثم قال: عن الطفاوي، بلفظ "عن"، وبياء النسبة.
وأما مسدد فقال: نا بشر، حدثنا الجريري، بصيغة التحديث، ثم قال: حدثني شيخ من طفاوة، بصيغة التحديث، وبزيادة لفظ الشيخ، وبغير ياء النسبة.
آخُر كِتَابِ النِّكَاحِ
стр. 4772
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٧) أَوَّلُ كِتاَبِ الطَّلَاق (١)
===
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٧) (أَوَّلُ كِتَابِ الطَّلَاقِ)
لما فرغ من بيان النكاح، وبيان الأحكام اللازمة عند وجوده والمتأخرة عنه، وهي أحكام الرضاع، شرع بذكر ما به يرتفع؛ لأنه فرع، تقدم وجوده واستعقاب أحكامه، فقال: آخر كتاب النكاح وأول كتاب الطلاق.
والطلاق اسم بمعنى المصدر الذي هو التطليق، كالسلام والسراح بمعنى التسليم، والتسريح، ومنه قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ أي التطليق، والطلاق في اللغة: حل الوثاق، مشتق من الإطلاق، وهو الإرسال والترك، وفلان طلقُ اليد بالخير، أي كثير البذل. وفي الشرع: حل عقدة التزويج فقط، وهو موافق لبعض أفراده اللغوي.
قال إمام الحرمين: هو لفظ جاهلي، ورد الشرع بتقديره، وطَلُقَتِ المرأة بفتح الطاء، وضم اللام وبفتحها أيضًا، وهو أفصح، وطُلِّقت أيضًا بضم أوله وكسر اللام الثقيلة، فإن خففت فهو خاص بالولادة، والمضارع فيهما بضم اللام، والمصدر فيهما طلْقًا، ساكنة اللام، فهي طالق فيهما (٢).
стр. 4773
(١) بَابٌ: فِيمَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا
٢١٧٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، نَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْق، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عن عِكْرِمَةَ، عن يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عن أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ". [حم ٢/ ٣٩٧، ك ٢/ ١٩٦]
===
(١) (بَابٌ: فِيمَنْ خَبَّبَ)، أي: أغرى وأفسد (امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا)
٢١٧٥ - (حدثنا الحسن بن علي، نا زيد بن الحباب، نا عمار بن رزيق) بتقديم الراء على الزاي مصغرًا، الضبي التميمي، أبو الأحوص الكوفي، قال ابن معين وأبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال الإِمام أحمد: كان من الأثبات، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن المديني: ثقة، وقال أبو بكر البزار: ليس به بأس.
(عن عبد الله بن عيسى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، (عن عكرمة) مولى ابن عباس، (عن يحيى بن يعمر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ليس منا) أي من أتباعنا (مَنْ خَبَّب) بتشديد الباء الأولى بعد الخاء المعجمة، أي: خدع وأفسد (امرأة على زوجها) بأن يذكر مساوئ الزوج عند امرأته، أو محاسن أجنبي عندها (أو عبدًا) أي: أفسده (على سيده) بأي نوع من الإفساد، وفي معناهما إفساد الزوج على امرأته.
وإنما عقد هذا الباب في "كتاب الطلاق"، وذكر هذا الحديث فيه؛ لأن التخبيب سبب للفساد والنزاع بين الزوجين، وهو سبب للطلاق، وخُصَّ في الحديث تخبيب المرأة على الزوج، مع أن إغراء الزوج على الزوجة كذلك في الحكم؛ لأنهن جُبِلنَ على الإعوجاج، فقبول الإفساد والميل إلى الفساد في طبعهن أغلب وأكثر لقلة عقلهن، فلأجل هذا خصت بالذكر.
стр. 4774
(٢) بَابٌ: في الْمَرْأَةِ تَسْاَلُ زَوْجَهَا طَلَاقَ امْرَأَةٍ لَهُ
٢١٧٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن أَبِي الزِّنَادِ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَسْأَل الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرغَ صَحْفَتَهَا،
===
(٢) (بَابٌ: في الْمَرْأَةِ تَسْأَلُ زَوْجَها طَلَاقَ امْرَأَةٍ لَهُ)
أي: المرأة تشترط في نكاحها من الرجل الذي سيكون زوجها أن يطلق امرأة له، ويدخل فيه المرأة التي تكون في نكاح رجل له امرأة أخرى فتسأل طلاقها
٢١٧٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تسأل) بصيغة النهي (المرأة) أي الأجنبية المخطوبة، أو الزوجة المنكوحة (طلاق أختها)، قال الحافظ (١): قال النووي: والمراد بأختها غيرها، سواء كانت أختها من النسب، أو الرضاع أو الدين، ويلحق بذلك الكافرة في الحكم، وإن لم تكن [أختًا] في الدين، إما لأن المراد الغالب، أو أنها أختها في جنس الآدمي، وحمل ابن عبد البر الأخت ها هنا على الضَرَّة.
قال النووي: معنى هذا الحديث نهي المرأة الأجنبية أن تسأل رجلًا طلاق زوجته، وأن يتزوجها هي، فيصير لها من نفقته ومعروفه ومعاشرته ما كان للمطلقة.
(لتستفرغ صحفتها) وفي رواية: "لتَكْفِئَ"، وفي رواية: "لتكتفئ" من كفأت الإناء، إذا قلبته وأفرغته وأملته، ويقال: بمعنى أكببته، والصحفة إناء كالقصعة المبسوطة. قال الطيبي: هذه استعارة مستملحة تمثيلية، شبه النصيب والبخت بالصحفة، وحظوظها وتمتُّعاتها بما يوضع في الصحفة من الأطعمة اللذيذة، وشبه الافتراق المسبب عن الطلاق باستفراغ الصحفة عن تلك
стр. 4775
وَلتَنْكِحَ، فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا". [خ ٦٦٠١، م ١٤١٣، ١٥١٥، ت ١١٩٠، ن ٣٢٣٩، حم ٢/ ٢٣٨]
===
الأطعمة، ثم أدخل المشبه في جنس المشبه به، واستعمل في المشبه ما كان مستعملًا في المشبه به.
(ولتنكح) بكسر اللام وبإسكانها وبسكون الحاء على الأمر، فعلى هذا يكون معطوفًا على قوله: "لا تسأل"، والمراد: لتنكح ذلك الرجل الخاطب من غير أن تتعرض لإخراج الضرة من عصمته، بل تكل الأمر في ذلك إلى ما يقدره الله.
ويحتمل نصب الحاء المهملة، عطفًا على قوله: "لتستفرغ"، فيكون تعليلًا لسؤال طلاقها، ويتعين على هذا كسر اللام.
ويحتمل أن يكون المراد ولتنكح غيره، وتعرض عن هذا الرجل، أو المراد ما يشمل الأمرين، والمعنى: ولتنكح من تيسَّر لها، فإن كانت التي قبلها أجنبية، فلتنكح الرجل المذكور، وإن كانت أختها، فلتنكح غيره، والله أعلم.
(فإنّما لها ما قُدِّر لها) أي لو نكحت بالخاطب، ولم تسأل طلاق الضرة، واجتمعت معها، لا ينقص ذلك مما قدِّر لها, ولو شرطتْ طلاقَ الضرة، فطلقها الزوج، ثم نكحته، فلا يزيد لها ذلك على ما قدر لها.
وفي رواية البخاري: قال: "لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها"، الحديث. قال الحافظ: ظاهره تحريم ذلك، وهو محمول على ما إذا لم يكن هناك سبب، يجوز ذلك كريبة في المرأة لا ينبغي معها أن تستمر في عصمة الزوج، أو لضرر يحصل لها من الزوج، أو للزوج منها، أو يكون سؤالها ذلك بعوض، وللزوج رغبة في ذلك، فيكون كالخلع مع الأجنبي إلى غير ذلك من المقاصد المختلفة.
وقال ابن حبيب: حمل العلماء هذا النهي على الندب، فلو فعل ذلك لم يفسخ النكاح. وتعقبه ابن بطال بأن نفي الحل صريح في التحريم،
стр. 4776
(٣) بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ الطَّلَاقِ
٢١٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا مُعَرِّفٌ، عن مُحَارِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلَاقِ". [ق ٧/ ٣٢٢]
===
ولكن لا يلزم منه فسخ النكاح، وإنما فيه التغليظ على المرأة أن تسأل طلاق الأخرى، ولترض بما قسم الله لها.
(٣) (بابٌ: في كَرَاهِيَّةِ الطَّلَاقِ)
أي: في كون الطلاق في نفسه مبغوضًا ومكروهًا عند الله تعالى
٢١٧٧ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا مُعَرِّف) بضم أوله وفتح المهملة وتشديد الراء المكسورة، ابن واصل السعدي، أبو بدل، ويقال: أبو يزيد الكوفي، قال أحمد وابن معين: ثقة، وقال علي بن المديني: هو أثبت من الأجلح، ووثقه ابن مهدي، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أحمد بن يونس: كان من أفضل الشيوخ. (عن محارب بن دثار قال: قال رسول الله ﷺ : ما أحل اللهُ شيئًا أبغضَ إليه) أي إلى الله تعالى (من الطلاق).
وهذا الحديث مرسل. قال الحافظ في "التلخيص" (١): ورواه أبو داود والبيهقي مرسلًا، ليس فيه ابن عمر، ورجَّح أبو حاتم والدارقطني في "العلل" والبيهقي المرسل.
قلت: وقد أخرج هذا الحديث المرسل الحاكم في "مستدركه" (٢) بسند أبي داود، فذكره موصولًا عن ابن عمر، ثم قال: هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال: قلت: على شرط مسلم.
стр. 4777
٢١٧٨ - حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ (١)، عن مُعَرِّفِ بْنِ وَاصِلٍ، عن مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عن ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ". [جه ٢٠١٨، ق ٧/ ٣٢٢، ك ٢/ ١٩٦]
===
٢١٧٨ - (حدثنا كثير بن عبيد، نا محمد بن خالد) بن محمد، الوهبي الحمصي، أبو يحيى بن أبي مخلد، أخو أحمد، كان أكبر من أخيه أحمد، قال الدارقطني: ثقة، وقال الآجري عن أبي داود: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن معرف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: أبغض الحلال إلى الله الطلاق).
قال القاري (٢): قيل: كون الطلاق مبغوضًا مناف لكونه حلالًا، فإن كونه مبغوضًا يقتضي رجحان تركه على فعله، وكونه حلالًا يقتضي مساواة تركه لفعله.
أجيب: بأنه ليس المراد بالحلال ما استوى طرفاه، بل أعم، فإن بعض الحلال مشروع، وهو عند الله مبغوض، كأداء الصلاة في البيت لا لعذر، وكالصلاة في الأرض المغصوبة، وكالبيع في وقت النداء ليوم الجمعة، والأكل والشرب في المسجد لغير المعتكف ونحوها، ولما كان أحب الأشياء عند الشيطان هو التفريق بين الزوجين، كان أبغض الأشياء عند الله هو الطلاق. هذا حاصل قول الطيبي وغيره.
وقال الشمني: أجيب: بأن المراد بالحلال ما ليس تركه بلازم الشامل للمباح والواجب والمندوب والمكروه، وقد يقال: الطلاق حلال لذاته، والأبغضية لما يترتب عليه من انجراره إلى المعصية.
стр. 4778
(٤) بَابٌ: في طَلَاقِ السُّنَّةِ
===
(٤) (بَابٌ: في طَلَاقِ السُّنَّةِ)
قال البخاري في "صحيحه": وطلاق السنَّة أن يطلقها طاهرًا من غير جماع ويشهد شاهدبن، قال العيني في "شرحه" (١): الطلاق السني أن يطلق امرأته حالة طهارتها عن الحيض، ولا تكون موطوءة في ذلك الطهر، ويشهد شاهدين على الطلاق، فمفهومه: أنه إن طلقها في الحيض، أو في طهر وطئها فيه، أو لم يشهد يكون طلاقًا بدعيًا.
واختلفوا في طلاق السنَّة، فقال مالك (٢): طلاق السنَّة أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يمسها فيه تطليقة واحدة، ثم يتركها حتى تنقضي العدة برؤية أول الدم من الحيضة الثالثة. وهو قول الليث والأوزاعي. وقال أبو حنيفة: هذا حسن من الطلاق، وله قول آخر، وهو: ما إذا أراد أن يطلقها ثلاثًا طلقها عند كل طهر طلقة واحدة من غير جماع. وهو قول الثوري وأشهب.
وزعم المرغيناني (٣): أن الطلاق على ثلاثة أوجه عند أصحاب أبي حنيفة: حسن، وأحسن، وبدعي.
стр. 4779
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فالأحسن: أن يطلقها وهي مدخول بها تطليقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، ويتركها حتى تنقضي في عدتها.
والحسن: وهو طلاق السنَّة، وهو أن يطلق المدخول بها ثلاثًا في ثلاثة أطهار.
والبدعي: أن يطلقها ثلاثًا بكلمة واحدة أو ثلاثًا في طهر واحد. فإذا فعل ذلك وقع الطلاق وكان عاصيًا، انتهى.
قلت: وكذا إذا طلقها في حالة الحيض يكون بدعيًا أيضًا.
وأما خلاصة كلام صاحب "البدائع" (١): أن الطلاق باعتبار الصفة على نوعين: طلاق سنة وطلاق بدعة. أما طلاق السنَّة فنوعان: نوع يرجع إلى الوقت، ونوع يرجع إلى العدد، وكل واحدة منهما نوعان: حسن، وأحسن، ولا يمكن معرفة كل واحد منهما إلَّا بعد معرفة أصناف النساء، وهن في الأصل على صنفين حرائر وإماء، وكل صنف على صنفين: حائلات وحاملات، والحائلات على صنفين: ذوات الأقراء، وذوات الأشهر.
ثم نقول: أحسن الطلاق في ذوات القرء أن يطلقها طلقة واحدة رجعية في طهر لا جماع فيه، ولا طلاق، ولا في حيضة طلاق، ولا جماع، ويتركها حتى تنقضي عدتها ثلاثة حيضات، إن كانت حرة، وإن كانت أمة حيضتان.
والأصل فيه ما روي عن إبراهيم النخعي ﵀ أنه قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يستحسنون أن لا يطلقوا للسنَّة إلَّا واحدة، ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدةُ". وفي رواية أخرى: وكان ذلك عندهم أحسن من أن يطلق الرجل ثلاثة في ثلاثة أطهار.
وأما الحسن في الحرة التي هي ذات القرء أن يطلقها ثلاثًا في ثلاثة أطهار
стр. 4780
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لا جماع فيها، وإن كانت أمة طلقها واحدة، ثم إذا حاضتْ وطهرتْ طلقها أخرى، وهذا قول عامة العلماء، وقال مالك: لا أعرف طلاق السنَّة إلَّا أن يطلقها واحدة ويتركها حتى تنقضي عدتها، انتهى.
وقال ابن رشد في "بداية المجتهد" (١): أجمع العلماء على أن المطلق للسنَّة في المدخول بها هو الذي يطلق امرأته في طهر لم يمسها فيه طلقة واحدة، وأن المطلق في الحيض أو الطهر الذي مسها فيه غير مطلق للسنَّة.
واختلفوا من هذا الباب في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: هل من شرطه أن لا يتبعها طلاقًا في العدة؟ والثاني: هل المطلق ثلاثًا بلفظ الثلاث مطلق للسنَّة أم لا؟ والثالث: في حكم من طلق في وقت الحيض.
أما الأول فاختلف فيه مالك وأبو حنيفة ومن تبعهما، فقال مالك: من شرطها أن لا يتبعها في العدة طلاقًا آخر. وقال أبو حنيفة: إن طلقها عند كل طهر طلقة واحدة كان مطلقًا للسنَّة.
وأما الثاني: فإن مالكًا ذهب إلى أن المطلق ثلاثًا بلفظ واحد مطلق لغير سنَّة، وذهب الشافعي إلى أنه مطلق للسنَّة.
وسبب الخلاف معارضة إقراره ﵇ للمطلق بين يديه ثلاثًا في لفظة واحدة لمفهوم الكتاب في حكم الطلقة الثالثة، والحديث الذي احتج به الشافعي هو ما ثبت من أن العجلاني طلق زوجته ثلاثًا بحضرة النبي ﷺ بعد الفراغ من الملاعنة، قال: فلو كان بدعة لما أقرَّه ﷺ .
وأما مالك فلما رأى أن المطلق بلفظ الثلاث رافع للرخصة التي جعلها الله في العدد، قال فيه: إنه ليس للسنَّة. واعتذر أصحابه عن الحديث بأن المتلاعنين عنده قد وقعت الفرقة بينهما من قبل التلاعن نفسه، فوقع الطلاق على غير
стр. 4781
٢١٧٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن نَافِعٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَل عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا،
===
محله، فلم يتصف لا بسنَّة ولا ببدعة، وقول مالك -والله أعلم- أظهر ها هنا من قول الشافعي، وأما الثالث إلى آخره.
٢١٧٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته)، قال النووي في "تهذيبه": اسمها آمنة (١) بنت غفار، وفي رواية فيه ابن لهيعة: "أن ابن عمر طلق امرأته آمنة بنت عمار"، والأول أولى، وأقوى من ذلك ما في "مسند أحمد" من حديث يونس، حدثنا الليث، عن نافع: "أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، فقال عمر: يا رسول الله، إن عبد الله طلق امرأته النوار" (٢)، ويونس شيخ أحمد، هو ابن محمد المؤدب من رجالهما، ويمكن الجمع بأن يكون اسمها آمنة ولقبها النوار (٣).
(وهي حائض) أي في حالة الحيض (على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن) حكم (ذلك) الطلاق، (فقال رسول الله ﷺ : مُرْه فليراجعها) لأنه طلقها طلاقًا بدعيًا، فيراجعها ليمحو أثر الكراهية بالرجعة، فإنه معصية.
واختلف في وجوب المراجعة، فذهب إليه مالك وأحمد في رواية، والمشهور عنه وهو قول الجمهور: أنها مستحبة، واحتجوا بأن ابتداء النكاح لا يجب فاستدامته كذلك، لكن صحَّح صاحب "الهداية" (٤) من الحنفية أنها
стр. 4782
ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ،
===
واجبة. والحجة لمن قال بالوجوب وُرود الأمر بها، ولأن الطلاق لما كان محرمًا في الحيض، كان استدامة النكاح فيه واجبة، واتفقوا على أنه لو طلق قبل الدخول، وهي حائض، لم يؤمر بالمراجعة، إلَّا ما نقل عن زفر، فطرد الباب.
(ثم ليمسكها) في نكاحها (حتى تطهير) من تلك الحيضة الأولى (ثم تحيض) ثانيًا (ثم تطهر).
قال الحافظ (١): في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع: "ثم ليدعها حتى تطهر، ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت فليطلقها"، ونحوه في رواية الليث وأيوب عن نافع، وكذا عند مسلم من رواية عبد الله بن دينار، وكذا عندهما من رواية الزهري عن سالم، وعند مسلم من رواية محمد بن عبد الرحمن، عن سالم بلفظ: "مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا".
قال الشافعي: غير نافع إنما روى "حتى تطهر من الحيضة التي طلقها فيها، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك"، رواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين وسالم.
قلت: وهو كما قال، لكن رواية الزهري عن سالم موافقة لرواية نافع، وقد نبه على ذلك أبو داود، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما إذا كان حافظًا.
واختلف في جواز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق والرجعة. وفيه للشافعية وجهان: أصحهما المنع، وبه قطع المتولي، وهو الذي يقتضيه ظاهر الزيادة التي في الحديث، وعبارة الغزالي في "الوسيط"، وتبعه مجلي (٢): هل يجوز أن يطلق في هذا الطهر؟ وجهان، وكلام المالكية يقتضي أن التأخير مستحب، وقال ابن تيمية في "المحرر": ولا يطلقها في الطهر المتعقب له، فإنه بدعة، وعنه أي عن أحمد جواز ذلك.
стр. 4783
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفي كتب الحنفية عن أبي حنيفة الجواز، وعن أبي يوسف ومحمد المنع، ووجه الجواز أن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت، زال موجب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر، كما يجوز في الطهر الذي بعده، وكما يجوز طلاقها في الطهر إن لم يتقدم طلاق في الحيض، انتهى.
وقال القاري (١): قال النووي: فإن قيل: ما فائدة التأخير إلى الطهر الثاني؟ فالجواب من أوجه:
أحدها: لئلا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فوجب أن يمسكها (٢) زمانًا كان يحل له طلاقها، وإنما أمسكها لتظهر فائدة الرجعة.
الثاني: أنه عقوبة له وتوبة من معصية باستدراك جنايته.
والثالث: أن الطهر الأول مع الحيض الذي طلق فيه كقرء واحد، فلو طلقها في أول طهر كان كمن طلقها في حيض.
والرابع: أنه نهى عن طلاقها في الطهر، ليطول مقامه معها، فلعله يجامعها، فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها، فيمسكها، انتهى.
والأخير هو الأولى، لكن الأظهر أن يقال: أمر بإمساكها في الطهر إلى آخره، في "الهداية": وإذا طهرت وحاضت، ثم طهرت، فإن شاء أمسكها وإن شاء طلقها.
قال ابن الهمام: هذا لفظ "القدوري"، وهكذا ذكر في "الأصل"، ولفظ محمد: فإذا طهرت في حيضة أخرى راجعها. وذكر الطحاوي أن له أن يطلقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلقها وراجعها فيها. قال الكرخي: ما ذكره الطحاوي قول أبي حنيفة وما ذكره في "الأصل" قولهما.
стр. 4784
ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدَ ذَلِكَ، وإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ (١) لَهَا النِّسَاءُ". [خ ٥٢٥١، م ١٤٧١، ن ٣٣٨٩، ت ١١٧٥، جه ٢٠١٩، دي ٢٢٦٢]
٢١٨٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ. [انظر سابقه]
===
والظاهر أن ما في الأصل قول لكل؛ لأنه موضوع لإثبات مذهب أبي حنيفة ﵀ إلَّا أن يحكى الخلاف، ولم يحك خلافًا فيه، فلذا قال في "الكافي": إنه ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وبه قال الشافعي في المشهور ومالك وأحمد. وما ذكره الطحاوي رواية عن أبي حنيفة، وهو وجه للشافعية، انتهى (٢).
(ثم) في الطهر الثاني (إن شاء أمسك) الزوجة (بعد ذلك، وإن شاء طلق قبل أن يمس) أي إن أراد أن يطلقها في ذلك الطهر، فيجب عليه أن لا يجامعها (فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء) فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣)، والمشار إليها في قوله: "فتلك العدة" عندنا حالة الحيض.
فقيل: اللام في قوله: "أن تطلق لها النساء" بمعنى "في"، فتكون حجة لما ذهب إليه الشافعي من أن العدة بالأطهار، إذ لو كانت بالحيض يلزم أن يكون الطلاق مأمورًا به فيه، وليس كذلك، وأجيب بأنا لا نسلم أن اللام ها هنا بمعنى "في"، بل للعاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
٢١٨٠ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن نافع: أن ابن عمر طلق امرأة له وهي حائض تطليقة بمعنى حديث مالك)، وإنما أخرج الحديث بهذا
стр. 4785
٢١٨١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، عن سُفْيَانَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عن سَالِم، عن ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ للنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ ليُطَلِّقْهَا إِذَا طَهُرَتْ، أَوْ وَهِيَ حَامِلٌ". [م ١٤٧١، ت ١١٧٦، ن ٣٣٩٧، جه ٢٠٢٣، حم ٢/ ٢٦]
===
الطريق بعد طريق مالك؛ لأن فيها زيادة لفظ "تطليقة" أي واحدة، قال مسلم (١): جوَّد الليث في قوله: "تطليقة واحدة" (٢).
٢١٨١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن) بن عبيد القرشي (مولى آل طلحة، عن سالم، عن ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ فقال) رسول الله ﷺ : (مره) أي عبد الله (فليراجعها) أي امرأته (ثم ليطلقها، إذا طهرت، أو وهي حامل) وإنما أخرج هذا الحديث؛ لأن في هذا الطريق مخالفة للحديث المتقدم، فإنه لم يذكر فيه ثم تحيض ثم تطهر.
قال القاري (٣): قال الطيبي: دل هذا الحديث على اجتماع الحيض والحبل، وقيل: الحامل إذا كانت حائضة حل طلاقها، إذ لا تطويل في العدة في حقها؛ لأن عدتها بوضع الحمل، انتهى. وعندنا أن الحامل لا تحيض، وما رأته من الدم فهو استحاضة، انتهى.
قلت: لا دليل في الحديث على أن الحامل تحيض، بل فيه دليل على أنها لا تحيض، فإنه سوَّى في جواز إيقاع الطلاق بين الطاهرة والحاملة، وقد تقدم أن طلاق الحائضة بدعة، فقد علم منه أن الحامل لا تحيض، ولأجل ذلك سواه بالطاهرة، والله أعلم.
стр. 4786
٢١٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَنْبَسَةُ، نَا يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَاب (١)، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عن أَبِيهِ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَغَيَّظَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَذَلِكَ الطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ كَمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ". [خ ٤٩٠٨، م ١٤٧١، ن ٣٣٩٠]
٢١٨٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن أَيُّوبَ، عن ابْنِ سِيرِينَ (٢)، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ (٣):
===
٢١٨٢ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة، نا يونس، عن ابن شهاب، أخبرني سالم بن عبد الله، عن أبيه: أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ ، فتغيظ رسول الله ﷺ ) وإنما تغيَّظ على ابن عمر؛ لأنه ارتكب معصية، فإن الطلاق في الحيض كان معصية.
(ثم قال) بعد التغَيظ: (مره فليراجعها) لترتفع المعصية، (ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، ثم إن شاء طلقها طاهرًا قبل أن يمس) أي: يجامع في ذلِك الطهر، (فذلك الطلاق) في الطهر (للعدة كما أمر الله تعالى ذكره) أي بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وهذا الحديث يؤيد ما في حديث نافع من ذكر الطهرين.
٢١٨٣ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين) أي محمد، (أخبرني يونس بن جبير، أنه سأل ابن عمر فقال:
стр. 4787
كَمْ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ؟ فَقَالَ: وَاحِدَةً". [خ ٥٢٥٢، م ١٤٧١، ت ١١٧٥، ن ٣٣٩٩، جه ٢٠٢٢]
٢١٨٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، نَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ (١)، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: قُلْتُ: رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: تَعْرِفُ (٢)
===
كم طلقت امرأتك؟ فقال) ابن عمر: (واحدة) (٣)، أي طلقتها واحدة.
٢١٨٤ - (حدثنا القعنبي، نا يزيد بن إبراهيم) التستري بضم المثناة، وسكون المهملة، وفتح المثناة، ثم راء، أبو سعيد البصري التميمي، عن أحمد: ثقة، وكذا قال ابن معين، وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا، وكان عفان يرفع أمره، وقال ابن عدي: وليزيد أحاديث مستقيمة عن كل من يروي عنه، وإنما أنكرت أحاديث رواها عن قتادة عن أنس، وهو ممن يكتب حديثه، ولا بأس به، وأرجو أن يكون صدوقًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وفرَّق أبو محمد ابن حزم في كتاب الحج من "المحلى" بين يزيد بن إبراهيم التستري وبين يزيد بن إبراهيم الراوي عن قتادة، فقال: إن التستري ثقة ثبت، والراوي عن قتادة ضعيف، ولا أدري من هو سلفه في جعله اثنين.
(عن محمد بن سيرين، حدثني يونس بن جبير) الباهلي أبو غلاب بفتح معجمة وشدة لام وبموحدة، البصري، وثقه ابن معين، والنسائي، وابن سعد، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال ابن علية: كان ذا ثبت، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(قال: سألت عبد الله بن عمر، قال) أي يونس بن جبير: (قلت) لعبد الله بن عمر: (رجل طلق امرأته وهي حائض) ما حكمه؟ (قال) أي ابن عمر: (تعرف)
стр. 4788
ابْنَ عُمَرَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَأَتَى عُمَرُ النَّبيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُطَلِّقْهَا (١) في قُبُلِ عِدَّتِهَا". قَالَ: قُلْتُ: فَيُعْتَدُّ بِهَا؟ قَالَ: "فَمَهْ أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ؟ ! ". [خ ٥٢٥٢، م ١٤٧١، ت ١١٧٥، ن ٣٣٩٩، جه ٢٠٢٢، حم ٢/ ٤٣]
===
بتقدير همزة الاستفهام (ابن عمر؟ ) يعني نفسه (قلت: نعم، قال) ابن عمر: (فإن عبد الله بن عمر) حكى القصة عن نفسه بجعله غائبًا (طلق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ فسأله) أي عن المسألة.
(فقال) رسول الله ﷺ : (مره فليراجعها، ثم يطلقها) بعد المراجعة (في قبل عدتها) أي إقبالها وأولها، (قال: قلت: فيعتد بها؟ ) أي: فهل يحتسب بهذه التطليقة؟
(قال) ابن عمر: (فمه)، قال في "المجمع" (٢): في حديث طلاق ابن عمر: "قلت: فمه"، أي: فماذا للاستفهام، فأبدل الألف هاء للوقف، وقال الكرماني (٣): فما يكون إن لم يحتسب بتلك التطليقة، فإنه لا شك في كونه محسوبة بتلك التطليقة، أو هو كلمة زجر، أي انزجر عنه، فإنه لا شك في وقوع الطلاق، وكونه محسوبًا في عدد الطلاق، انتهى.
(أرأيت) أخبرني (إن عجز) أي ابن عمر، أو المطلق عن أداء ما كان يجب عليه (واستحمق؟ ! ) أي فعل فعل الحمقاء بارتكاب ما هو خلاف الشرع من الطلاق في الحيض، فهو استفهام إنكار، أي نعم يحتسب طلاقه، ولا يمتنع احتسابه لعجزه وحمقه، وقيل: إن عجز عن الرجعة، بأنه لم يراجعها واستحمق أي فَعَلَ فعل الجاهلية، بأن أبى عن الرجعة فلا عجز، والله تعالى أعلم.
стр. 4789
٢١٨٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ أَيْمَنَ مَوْلَى عُرْوَةَ يَسْألُ ابْنَ عُمَرَ وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ قَالَ: "كَيْفَ تَرَى في رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا (١)؟ قَالَ: طَلَّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَرَدَّهَا عَلَيَّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا،
===
٢١٨٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن)، ويقال: مولى أيمن المخزومي مولاهم المكي، سمعه أبو الزبير يسأل عبد الله بن عمر عن رجل طلق امرأته حائضًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال المزي: ذكره غير واحد في رجال مسلم، وليس له عندهم رواية، قلت: وقال البخاري: رأى أبا سعيد وسمع ابن عمر، أثنى عليه ابن عيينة خيرًا.
(مولى عروة) هكذا في جميع نسخ أبي داود، وقد أخرج مسلم هذا الحديث، فقال: عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة، هذا في رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج، وقال في رواية عبد الرزاق عن ابن جريج: مولى عروة، ثم قال: قال مسلم: أخطأ حيث قال: مولى عروة، إنما هو مولى عزة (٢).
(يسأل) عبد الرحمن (ابن عمر وأبو الزبير يسمع، قال) عبد الرحمن: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ قال) ابن عمر: (طلق عبد الله بن عمر امرأته، وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر رسول الله ﷺ ) ثم بين السؤال (فقال) أي عمر: (إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، قال عبد الله: فردها) أي أمر رسول الله ﷺ بردِّها (عليَّ) ورجعتها (ولم يرها) أي الطلقة التي طلقها (شيئًا).
стр. 4790
وَقَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ». قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَقَرَأَ النَّبِىُّ ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ". [م ١٤٧١، ن ٣٣٩٢، حم ٢/ ٦١]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عن ابْنِ عُمَرَ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَزيدُ بْنُ أَسْلَمَ وَأَبُو الزُّبَيْرِ وَمَنْصُور عن أَبِي وَائِلٍ
===
وهذا بظاهره يدل على عدم وقوع الطلاق أصلًا (١). وبقية الأحاديث كلها تدل على الوقوع، فيمكن تأويله، بأن يقال: لم يرها شيئًا مشروعًا، أو لم يرها شيئًا مانعًا من الرجعة، ويحتمل أن يقال: إن ضمير "لم يرها" يعود إلى الرجعة، أي لم يرَ الرجعة شيئًا ممنوعًا.
(وقال) رسول الله ﷺ : (إذا طهرت) أي بعد الرجعة (فليطلق أو ليمسك، قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ (٢) في قبل عدتهن) أي في إقبالها، وهكذا قرأها مجاهد.
(قال أبو داود: روى هذا الحديث عن ابن عمر يونس بن جبير) وقد تقدم حديثه (٣) (وأنس بن سيرين) أخرج حديثه مسلم في "صحيحه" (٤) (وسعيد بن جبير) أخرجه النسائي (٥) ولكنه مختصر (وزيد بن أسلم) ولم أجد حديثه فيما عندي من الكتب (وأبو الزبير) وقد مر حديثه قريبًا (٦). (ومنصور عن أبي وائل)
стр. 4791
مَعْنَاهُمْ كُلُّهُمْ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ".
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ محمدُ (١) بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن سَالِم، عن ابْنِ عُمَرَ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٍ وَنَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ أَوْ أَمْسَكَ".
===
ولم أجد حديثه فيما عندي من كتب الحديث (٢).
(معناهم كلهم: أن النبي ﷺ أمره) أي ابن عمر (أن يراجعها حتى تطهر، ثم إن شاء طلق، وإن شاء أمسك) أي حاصل حديثهم كلهم: أن رسول الله ﷺ أمر ابن عمر أن امرأته إذا تطهرت من الحيض الذي طلق فيه، له الخيار إن شاء طلق في ذلك الطهر، أو لم يطلق، بل يمسكها في نكاحه، ولم يذكروا في هذا الحديث الطهر الثاني.
(وكذلك) أي مثل ما رووا (رواه محمد (٣) بن عبد الرحمن) مولى آل طلحة (عن سالم، عن ابن عمر (٤))، فإنه أيضًا المراجعة في الطهر الذي بعد الحيض الذي طلق فيه، ولم يذكر الطهر الثاني.
(وأما رواية الزهري عن سالم (٥) و) كذلك رواية (نافع) (٦) كليهما (عن ابن عمر: أن النبي ﷺ أمره أن يراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلق أو أمسك) حاصله أن رواية سالم اختلف فيها، فروى الزهري
стр. 4792
وَرُوِيَ عن عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ رِوَايَةِ نَافِعٍ وَالزُّهْرِيِّ
===
عن سالم، وذكر فيها طهرين، وأما محمد بن عبد الرحمن، فلم يذكر فيه إلَّا الطهر الأول، ولم يذكر الثاني، ورواية نافع اتفق ناقلوها على أن فيها ذكر الطهرين.
(وروي عن عطاء الخراساني، عن الحسن، عن ابن عمر نحو رواية نافع والزهري) فإنه ذكر أيضًا الطهرين، كما ذكره نافع والزهري، ولم أجد رواية عطاء الخراساني، عن الحسن فيما عندي من كتب الحديث (١).
قلت: والغرض: من هذا الكلام بظاهره ترجيح رواية الطهر الواحد على ذكر الطهرين.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٢) ما حاصله: أنه لا معارضة في الحديثين، بل في رواية نافع روى عنه مالك وعبيد الله بن عمر والليث وأيوب وعبد الله بن دينار، وكذلك في رواية الزهري، عن سالم زيادة الطهر، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما إذا كان حافظًا.
قلت: ما قال الحافظ: إن الزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما إذا كان حافظًا مقبول بشرط أن لا تكون الزيادة منافية للحديث الذي ليس فيه تلك الزيادة.
قال الحافظ (٣): وزيادة راويهما أي الصحيح والحسن [مقبولة] ما لم تقع منافيةً لرواية من هو أوثق، ممن لم يذكر تلك الزيادة؛ لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها، فهذه تقبل مطلقًا؛ لأنها في حكم الحديث المستقل الذي يتفرد به الثقة، ولا يرويه عن شيخه غيرُه، وإما أن تكون
стр. 4793
وَالأَحَادِيثُ (١) كُلُّهَا عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ.
===
منافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى. فهذه هي التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها، فيُقبلُ الراجح، ويرد المرجوح.
واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل؛ ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذًا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه. والعجب ممن أغفل ذلك منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح وكذا الحسن، انتهى.
وهنا هنا كذلك، فإن هذه الزيادة منافية للرواية التي لم تذكر فيها تلك الزيادة، فإن الحديث الذي ليس فيها تلك الزيادة يدل على جواز المراجعة في ذلك الطهر الذي يتصل بالحيض الذي طلق فيه، والحديث الذي فيه تلك الزيادة، يدل بظاهره على أنه لا تجوز المراجعة، إلَّا أن تحيض ثم تطهر بعد الطهر الأول.
فالعجب من الحافظ، كيف أغفل ذلك مع أنه مصرح بعدم قبول الزيادة، إذا كانت منافية؟ وقد أشار أبو داود إلى أن الراجح عدم الزيادة بكثرة الرواة، فثبت بهذا أن هذه الزيادة في هذا الحديث شاذة، والله أعلم.
(والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير)، وفي هذا الكلام إشارة إلى ما تقدم في حديث أبي الزبير، أنه قال فيه: ولم يرها شيئًا، وهذا اللفظ بظاهره يدل على أن الطلقة الواقعة من ابن عمر لم ير رسول الله ﷺ شيئًا يعتد به، وهو مخالف لجميع الأحاديث الواردة في قصة ابن عمر، فما قال أبو الزبير شاذ (٢).
стр. 4794
(٥) بَابٌ: في نَسْخِ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلاثِ
٢١٨٦ - حَدّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ، أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ حَدَّثَهُمْ، عن يَزِيدَ الرِّشْكِ،
===
وقد أخرج النسائي في "مجتباه" ومسلم في "صحيحه" (١) حديث أبي الزبير من طريق حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن، يسأل ابن عمر، الحديث، ولم يذكرا فيه: "ولم يرها شيئًا"، فإما وقع الاختصار فيه من أحد الرواة، أو رواه ابن جريج مرة بتلك الزيادة، ثم تنبه على أنها شاذة فتركها.
(٥) (بَابٌ: في نَسْخِ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ) (٢)
هكذا ها هنا هذا الباب في النسخ الموجودة عندي (٣)، إلَّا في نسخة "العون"، فإن فيها ها هنا: "باب الرجل يراجع ولا يشهد"
٢١٨٦ - (حدثنا بشر بن هلال، أن جعفر بن سليمان حدثهم) أي بشر بن هلال وغيره من التلامذة، (عن يزيد الرشك) هو يزيد بن أبي يزيد الضبعي -بضم المعجمة وفتح الموحدة بعدها مهملة- مولاهم، أبو الأزهر، البصري الدراع، وفي "الخلاصة": الذَّراع (٤)، المعروف بالرِّشك بكسر الراء وسكون المعجمة، والرشك هو القسام (٥).
وقال ابن الجوزي: الرشك بالفارسية: الكبير اللحية. قيل: دخلت عقرب
стр. 4795
عن مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: "أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ (١) يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يَقَعُ بِهَا، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا وَلَا عَلَى رَجْعَتِهَا؟ فَقَالَ: طَلَّقْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ وَرَاجَعْتَ لِغَيْرِ (٢) سُنَّةٍ، أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا وَعَلَى رَجْعَتِهَا، وَلَا تَعُدْ". [جه ٢٠٢٥]
===
في لحيته فمكثت فيها ثلاثة أيام، ولم يعلم بها، عن أحمد: صالح الحديث، وعن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائي، وقال أبو زرعة وحاتم والترمذي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال ابن شاهين: ضعفه ابن معين، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا يزيد بن معين قال: كان علية يضعفه، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان غيورًا، فسمي بالفاسية "أرشك"، فقيل: الرشك.
(عن مطرف بن عبد الله: أن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته) طلاقًا رجعيًا (ثم يقع بها) أي يجامعها للرجعة، (ولم يُشهد على طلاقها, ولا على رجعتها؟ فقال) أي عمران بن حصين: (طلقتَ) بصيغة الخطاب؛ لأن المراد بالرجل هو السائل كان جعل نفسه غائبًا (لغير سُنَّة، وراجعتَ) أي زوجتها (لغير سنة، أشْهدْ على طلاقها) إذا طلقتها (وعلى رجعتها) أي وأشْهدْ على رجعتها إذا راجعتها (ولا تعُدْ) (٣) نهي من عاد يعود، أي ولا تعُدْ إلى ترك الإشهاد على الطلاق ولا على الرجعة.
قال الشوكاني (٤): وقد استدل به من قال بوجوب الإشهاد على الرجعة، وقد ذهب إلى عدم وجوب الإشهاد في الرجعة أبو حنيفة وأصحابه والقاسمية والشافعي في أحد قوليه. واستدل لهم في "البحر" بحديث ابن عمر السالف، فإن فيه أنه قال ﷺ : "مره فليراجعها" ولم يذكر الإشهاد.
стр. 4796
٢١٨٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ (١) الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ،
===
وقال مالك والشافعي والناصر: إنه يجب الإشهاد في الرجعة، واحتجَّ في "نهاية المجتهد" بعدم الوجوب بالقياس على الأمور التي ينشئها الإنسان لنفسه، فإنه لا يجب فيه الإشهاد.
ومن الأدلة على عدم الوجوب أنه قد وقع الإجماع على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق، كما حكاه الموزعي في "تيسير البيان" والرجعة قرينته، فلا يجب فيها، كما لا يجب فيه.
والاحتجاج بالأثر المذكور في الباب لا يصلح للاحتجاج؛ لأنه قول صحابي في أمر من مسارح الاجتهاد، وما كان كذلك فليس بحجة، لولا ما وقع من قوله: "طلقت لغير سنَّة وراجعت لغير سنَّة"، انتهى.
قال: وهذا القول لا يثبت الإيجاب، ويحتمل أن يكون المراد منه ندب الإشهاد، ثم قال: وأما قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢)، فهو وإن عقب قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ الآية، وقد عرفت الإجماع على عدم وجوب الإشهاد على الطلاق، والقائلون بعدم الوجوب يقولون بالاستحباب، انتهى.
وهذا الحديث له مناسبة ظاهرة بالباب على نسخة "العون"، وأما على النسخ الأخرى فلا مناسبة له بالباب أصلًا.
٢١٨٧ - (حدثنا (٣) أحمد بن محمد) الخزاعي أبو الحسن بن شبوية، (المروزي، حدثني علي بن حسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي،
стр. 4797
عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ... ﴾ الآية، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَنُسِخَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية. [ن ٣٥٥٦]
===
عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية (١)، وذلك) أي نزول هذه الآية (أن الرجل كان) في الجاهلية وفي بدء الإِسلام (إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك، فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية) يعني الطلاق الذي يملك الرجعة عقيبه مرتان، فإذا طلق ثلاثًا فلا تحل له إلَّا من بعد وطء زوج آخر.
قال صاحب "العون" (٢) بعد شرح هذا الحديث: واعلم أن نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث إنما هو إذا كانت مُفَرَّقة في ثلاثة أطهار، وأما إذا كانت في مجلس واحد، فهي واحدة؛ لحديث ابن عباس: "كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة" رواه مسلم. وسيأتي في هذا الكتاب أيضًا، فيجوز للرجل أن يراجع امرأته بعد ما طلقها ثلاثًا في مجلس واحد، كما يجوز له الرجعة بعد ما طلقها واحدة.
قال الحافظ في "الفتح" (٣) في "باب من جَوَّز الطلاق الثلاث": قال: وفي الترجمة إشارة إلى أن من السلف من لم يُجوِّز وقوع الطلاق الثلاث، فيحتمل أن يكون مراده بعدم الجواز من قال: لا يقع الطلاق إذا أوقعها مجموعة للنهي عنه، وهو قول للشيعة وبعض أهل الظاهر، وطرد بعضهم ذلك في كل طلاق منهي كطلاق الحائض، وهو شذوذ.
стр. 4798
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وذهب كثير منهم إلى وقوعه مع منع جوازه، واحتج له بعضهم بحديث محمود بن لبيد عند النسائي: قال: "أخبر النبي ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام مغضبًا فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم"؟ رجاله ثقات.
والجواب عنه أولًا: أن محمود بن لبيد ولد في عهد النبي ﷺ ، ولم يثبت له منه سماع، وعداده في الصحابة لأجل الرؤية.
وثانيًا: أن النسائي قال بعد تخريجه: لا أعلم أحدًا رواه غير مخرمة بن بكير عن أبيه. وقد قيل: إنه لم يسمع من أبيه.
وثالثًا: على تقدير صحة حديث محمود، فليس فيه بيان أنه هل أمضى عليه الثلاث مع إنكاره عليه إيقاعها مجموعة، أو لا؟ فأقل أحواله أن يدل على تحريم ذلك وإن لزم، وقد تقدم الكلام على حديث ابن عمر في طلاق الحائض أنه قال لمن طلق ثلاثًا مجموعة: "عصيت ربك، وبانت منك امرأتك".
وأخرج أبو داود بسند صحيح من طريق مجاهد قال: "كنت عند ابن عباس، فجاء رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه، فقال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس! يا ابن عباس! إن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١)، وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجًا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك".
ومن القائلين بالتحريم واللزوم من قال: إذا طلق ثلاثًا مجموعة، وقعت واحدة، وهو قول محمد بن إسحاق صاحب المغازي، واحتج بما رواه داود بن الحصين عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثًا في مجلس واحد" الحديث، وفيه فقال النبي ﷺ : "إنما تلك واحدة فارتجعها إن شئت". وهذا الحديث نص في المسألة، وقد أجابوا عنه بأربعة أشياء.
стр. 4799
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أحدها: أن محمد بن إسحاق وشيخه مختلف فيهما. وأجيب بأنهم احتجوا في عدة من الأحكام بمثل هذا الإسناد، وليس كل مختلف فيه مردودًا.
والثاني: معارضته بفتوى ابن عباس بوقوع الثلاث، كما تقدم من رواية مجاهد، فلا يظن بابن عباس أنه كان عنده هذا الحكم عن النبي ﷺ ، ثم يفتي بخلافه، إلَّا بمرجح ظهر له، وراوي الخبر أخبر من غيره بما رواه. وأجيب بأن الاعتبار برواية الراوي لا برأيه.
والئالث: أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتة، كما أخرجه هو من طريق أهل بيت ركانة، وهو تعليل قوي لجواز أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث، فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس.
والرابع: أنه مذهب شاذ، فلا يعمل به، وأجيب بأنه نقل عن علي وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير مثله، ونقل الغنوي ذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة، كمحمد بن تقي بن مخلد، ومحمد بن عبد السلام الخشني وغيرهما. ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء، وطاووس، وعمرو بن دينار.
ويقوي حديث ابن إسحاق المذكور ما أخرجه مسلم عن ابن عباس قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم".
وفي رواية: "أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم".
وفي رواية: "أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم يكن طلاق الثلاث على عهد النبي ﷺ واحدة؟ قال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر، تتابع الناس
стр. 4800
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في الطلاق، فأجازه عليهم". وهذه الرواية الأخيرة أخرجها أبو داود، ولفظ المتن: "أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة"، فتمسك بهذا السياق من أعل الحديث. وقال: إنما قال ابن عباس ذلك في غير المدخول بها.
وهذا أحد الأجوبة عن هذا الحديث، وهي متعددة، وهو جواب إسحاق بن راهويه وجماعة، وبه جزم زكريا الساجي من الشافعية. ووجهوه بأن غير المدخول بها تبين إذا قال لها زوجها: "أنتِ طالق"، فإذا قال: ثلاثًا، لغا العدد. وتعقبه القرطبي بأن قوله: "أنت طالقٌ ثلاثًا"، كلام متصل غير منفصل، فكيف يصح جعله كلمتين، وتعطى كل كلمة حكمًا؟
الجواب الثاني: دعوى شذوذ رواية طاووس، وهي طريقة البيهقي، فإنه ساق الروايات عن ابن عباس بلزوم الثلاث، ثم نقل عن ابن المنذر: أنه لا يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي ﷺ شيئًا، ويفتي بخلافه، فيتعين المصير إلى الترجيح، والأخذ بقول الأكثر أولى من الأخذ بقول الواحد إذا خالفهم.
والجواب الثالث: دعوى النسخ، فنقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئًا نسخ ذلك. قال البيهقي: ويقويه ما أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك".
وقد أنكر المازري ادعاء النسخ فقال: زعم بعضهم أن هذا الحكم منسوخ وهو غلط، فإن عمر لا ينسخ ولو نسخ - وحاشاه - لبادر الصحابة على إنكاره. وإن أراد القائل أنه نسخ في زمن النبي ﷺ فلا يمتنع، لكن يخرج عن ظاهر الحديث؛ لأنه لو كان كذلك، لم يجز للراوي أن يخبر ببقاء الحكم في خلافة أبي بكر، وبعض خلافة عمر.