عن مُجَاهِدٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَيُّوبُ وَابْنُ جُرَيْجٍ جَمِيعًا، عن عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ. وَابْنُ جُرَيجٍ، عن عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ رَافِعٍ، عن عَطَاءٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرَوَاهُ الأَعمَشُ، عن مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، عن ابْن عَبَّاسٍ. وَابْنُ جُرَيجٍ، عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، كُلّهُمْ قَالوا في الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ: إِنَّهُ أَجَازَهَا،
===
عن مجاهد، عن ابن عباس، ورواه شعبة (١) عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس). ورواه (أيوب وابن جريج (٢) جميعًا، عن عكرمة بن خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس).
ورواه (ابن جريج (٣)، عن عبد الحميد بن رافع) هو عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع، عن عطاء، عن ابن عباس، ورواه الأعمش (٤)، عن مالك بن الحارث) السلمي الرقي، ويقال: الكوفي، عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وله رواية عن أبيه، عن أبي موسى، علقها البخاري في "الصحيح". (عن ابن عباس، و) روى (ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، كلهم قالوا: في الطلاق الثلاث) عن ابن عباس (أنه) أي ابن عباس (أجازها) أي: أمضاها، أي الطلقات الثلاث، ولم يقل: إنها واحدة.
стр. 4832
قَالَ: "وَبَانَتْ مِنْكَ" نَحْوَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ، عن أَيُّوبَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثيرٍ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، بِفَم وَاحِدٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ. وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عن أَيُّوبَ، عن عِكرِمَةَ، هَذَا قَوْلُهُ، لَمْ يَذْكُرْ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَجَعَلَهُ قَوْلَ عِكْرِمَةَ.
٢١٩٨ - وصَارَ قَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى- وَهَذَا حَدِيثُ أَحْمَدَ- قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ (١) وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ
===
(قال) ابن عباس: (وبانت منك) وفي "الدر المنثور" (٢): عند عبد الرزاق وعبد بن حميد والطبراني وابن مردويه، عن مجاهد: "حرمت عليك امرأتك" (نحو حديث إسماعيل، عن أيوب، عن عبد الله بن كثير).
(قال أبو داود: روى حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس إذا قال) أي الرجل لزوجته: (أنت طالق ثلاثًا بفم واحد) أي بلفظ واحد، خرج من الفم دفعة واحدة (فهي واحدة).
(ورواه إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة، هذا) الكلام (قوله) أي قول عكرمة (لم يذكر ابن عباس، وجعله قول عكرمة).
٢١٩٨ - (وصار قول ابن عباس فيما: حدثنا أحمد بن صالح ومحمد بن يحيى، وهذا) لفظ (حديث أحمد، قالا: نا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمد بن
стр. 4833
إِيَاسٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سُئِلُوا عن الْبِكْرِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا، فَكُلُّهُمْ قَالَ: لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَ. [ق ٧/ ٣٣٥]
وَرَوَى مَالِكٌ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي عيَّاشٍ
===
إياس) بن البكير بن عبد ياليل الليثي المدني، كان أبوه وعمَّاه عاقل وخالد ممن شهد بدرًا، ذكره ابن حبان في "الثقات"، له عند أبي داود حديث في طلاق البكر ثلاثًا، وذكره ابن منده في "معرفة الصحابة"، وقال: أدرك النبي ﷺ ، ولا تصح له صحبة، ولا تعرف له رواية، وذكر ابن سعد: أن أمه الربيع بنت معوذ.
(أن ابن عباس وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثًا، فكلهم قال: لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره).
(وروى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بكير بن الأشج، عن معاوية بن أبي عياش) ذكره ابن سعد في "طبقاته" (١)، فقال: معاوية بن أبي عياش، عبيد بن معاوية بن صامت بن زيد، وأمه أم ولد، فولد معاوية بن أبي عياش محمدًا ورملة وجعدة وأم إسحاق، وأمهم أم ولد، وقد انقرض ولد معاوية بن أبي عياش فلم يبق منهم أحد، انتهى. ولم يذكره الحافظ في "تهذيب التهذيب" ولا في "التقريب"، ولم يذكره في "الخلاصة" ولا في "الميزان"، ولا السيوطي في رجال "الموطأ" (٢).
والعجب منهم كيف أهملوه، وقد ذكره في رجال "جامع الأصول" (٣)،
стр. 4834
أنَّهُ شَهِدَ هَذِهِ الْقِصَّةَ حِينَ جَاءَ مُحَمَّدُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، فَسَأَلَهُمَا عن ذَلِكَ، فَقَالَا: اذْهَبْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنِّي تَرَكْتُهُمَا عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂، ثُمَّ سَاقَ هَذَا الْخَبَرِ.
===
فقال: هو معاوية بن أبي عياش الزرقي الأنصاري المدني، روى عن محمد بن إياس بن بكير، روى عنه محمد بن إسحاق وبكير بن الأشج.
(أنه شهد هذه القصة) المذكورة فيما بعد (حين جاء محمد بن إياس بن البكير إلى ابن الزبير) أي عبد الله، (وعاصم بن عمر فسألهما عن ذلك، ) أي عن بكر يطلقها زوجها ثلاثًا (فقالا) أي ابن الزبير وعاصم بن عمر لمحمد بن إياس: (اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة ﵂.
ولفظ مالك في "موطئه": "فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلاً من أهل البادية طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟ فقال عبد الله بن الزبير: ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة، فإني تركتهما عند عائشة فسلهما" (ثم ساق هذا الخبر).
ولفظ مالك في "موطئه": فقال أبو هريرة: "الواحدة تَبِيْنُها"، والثلاثة تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره، وقال ابن عباس مثل ذلك. وها هنا نسخة في "عون المعبود" ولم أجدها في غيرها، إلَّا في حاشية "المجتبائية":
"قال أبو داود: وقول ابن عباس هو: أن الطلاق الثلاث تبين من زوجها مدخولاً بها وغير مدخول بها، تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، هذا مثل حديث الصرف قال فيه: ثم إنه رجع عنه يعني ابن عباس"، انتهى.
وحاصل هذه النسخة: أن مسألة الطلاق ثلاثًا كمسألة بيع الصرف، فإن ابن عباس ﵁ يقول في بيع الصرف أولاً: إنه يحرم بيعها نسيئة، وأما التفاضل في الذهب أو الفضة فلا ربا فيها، وهو جائز، ثم رجع ابن عباس في مسألة الصرف، فكذلك رجع في مسألة الطلاق، كأنه يقول أولًا: بأن الثلاث واحدة ثم رجع عنه، وقال بوقوع الثلاث.
стр. 4835
٢١٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، نَا أَبُو النُّعْمَانِ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن أَيُّوبَ، عن غَيْرِ وَاحِدٍ،
===
٢١٩٩ - (حدثنا محمد بن عبد الملك بن مروان) الواسطي، أبو جعفر الدقيقي، قال السمعاني في "الأنساب" (١): بفتح الدال المهملة والياء الساكنة آخر الحروف بين القافين، هذه النسبة إلى الدقيق وبيعه وطحنه، واشتهر بهذه النسبة جماعة من أهل العلم، منهم أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن مروان ابن الحكم الدقيقي الواسطي، من أهل واسط، سكن بغداد، وكان من أهل العلم، صدوقًا ثقة، وهو أخو يوسف بن عبد الملك.
وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبى بواسط، وسئل عنه أبى فقال: صدوق، وقال أبو داود: لم يكن بمحكم العقل، وقال ابن عقدة عن محمد بن عبد الله الحضرمي: كان ثقة، وقال الدارقطني: ثقة، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(نا أبو النعمان) هو محمد بن الفضل السدوسي البصري، المعروف بعارم، وهو لقبه، وكان بعيدًا من العرامة، ثقة، اختلط في آخر عمره، فمن سمع منه قبل اختلاطه، فسماعه صحيح.
(نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن غير واحد) قيل: هذه الرواية ضعيفة، لأن أيوب السختياني رواها عن قوم مجهولين، فلا يحتج بها. قلت: قد جاء تعيين بعضهم في "مسلم" (٢)، ففيه: عن أيوب السختياني، عن إبراهيم (٣) بن ميسرة، عن طاوس، وفيه كفاية على أن الحديث برواية الآخرين، فلا تضر الجهالة في بعض طرقه، كذا في الحاشية عن "فتح الودود".
стр. 4836
عن طَاوسٍ: أَنَّ رَجُلاً يُقَالُ لَهُ: أَبُو الصَّهْبَاءِ، كَانَ كَثيرَ السُّؤالِ لاِبْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدةً علَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرِ وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ؟
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلَى، كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدةً علَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْر، وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدْ تَتَابَعُوا فِيهَا قَالَ: أجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ. [ق ٧/ ٣٣٨]
===
(عن طاوس أن رجلاً يقال له: أبو الصهباء، كان كثير السؤال لابن عباس (١)، قال) أي أبو الصهباء لابن عباس: (أما علمت) أي أنت تعلم (أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وصدرًا) وفي رواية: ثنتين، وفي رواية: ثلاثًا (من إمارة عمر) ﵁؟ .
(قال ابن عباس: بلى) أي أعلم أنه (كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر) ﵄، (فلما رأى الناس قد تتابعوا) بتائين فوقيتين، وبعد ألف موحدة. وفي بعض النسخ بتائين فوقيتين وبعد ألف مثناة تحتية، وهو الوقوع في الشر من غير تماسك ولا توقف، وهكذا ضبطه الشوكاني في "النيل" (٢)، ومعنى الأول أي تتابعوا يعني أكثروا (فيها قال) عمر ﵁: (أجيزوهن عليهم).
стр. 4837
٢٢٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا ابْنُ جُرَيج، أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ، عن أَبِيهِ، أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: "أَتَعْلمُ إِنَّمَا كَانَتِ الثلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ". [م ١٤٧٢، ن ٣٤٠٦، حم ١/ ٣١٤]
===
٢٢٠٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني ابن طاوس، عن أبيه، أن أبا الصهباء قال لابن عباس (١): أتعلم) الاستفهام للتقرير (إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي ﷺ وأبي بكر) ﵁ (وثلاثًا من إمارة عمر) ﵁؟ (قال ابن عباس: نعم).
قال الشيخ ابن القيم في "الهدي" (٢): وأما المسألة الثانية: وهي وقوع الثلاث بكلمة واحدة، فاختلف الناس فيها على أربعة مذاهب:
أحدها: أنه يقع، وهذا قول الأئمة الأربعة وجمهور التابعين وكثير من الصحابة ﵃.
الثاني: أنها لا تقع، بل تُردُّ, لأنها بدعة محرمة، والبدعة مردودة، لقوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رد"، وهذا المذهب حكاه أبو محمد بن حزم، وحُكِي للإمام أحمد فأنكره، وقال: هو قول الرافضة.
الثالث: أنه يقع به واحدة رجعية، وهذا ثابت عن ابن عباس ﵁ ذكره أبو داود عنه. قال الإِمام أحمد: وهذا مذهب ابن إسحاق يقول: خالف السنَّة فيرد إلى السنَّة، انتهى. وهو قول طاوس وعكرمة وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية.
стр. 4838
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الرابع: أنه يفرق بين المدخول بها وغيرها، فتقع الثلاث بالمدخول بها، وتقع بغيرها واحدة، وهذا قول جماعة من أصحاب ابن عباس، وهو مذهب إسحاق بن راهويه فيما حكاه عنه محمد بن نصر المروزي في كتاب "اختلاف العلماء"، انتهى.
قلت: وحديث طاوس الذي فيه قصة سؤال أبي الصهباء ابن عباس، ليس فيه حجة لاعتبار السند، ولا باعتبار المتن. أما باعتبار السند فإن طاوسًا يقول: إن أبا الصهباء قال لابن عباس، فلا يعلم منه أنه يروي عن أبي الصهباء، عن ابن عباس، أو كان حاضرًا في المجلس الذي سأل أبو الصهباء ابنَ عباس، فيروي عن ابن عباس.
فإن كان الأول فأبو الصهباء قال النسائي: أبو الصهباء صهيب بصري ضعيف، وقال أبو زرعة: ثقة، فاختلف في توثيقه.
وإن كان الثاني فهو حجة، فلما دار الأمر بين أن يكون محتجًا به وغير محتج به، رجح كونه غير محتج به على قاعدة المحدثين، فإن الجرح مقدم على التوثيق، على أن هذا الحديث يخالف فتوى ابن عباس وسائر الروايات عنه، كما تقدم قريبًا من أبي داود أنه أجاز الثلاث وأمضاهن.
وأما باعتبار المتن: ففيه احتمالات كثيرة، فأولًا أن قوله: "إن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله ﷺ "، ليس فيه تصريح بأنه بأمر رسول الله ﷺ ، أو بتقريره.
فيحتمل أن يكون هذا من غير أمره ﷺ وتقريره وعلمه، بأنه كان في الجاهلية وابتداء الإِسلام أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا يملك رجعتها فنسخ ذلك، فيحتمل أن يكون بعض من لم يبلغه النسخ كانوا على ذلك كما في متعة النكاح، أنه أبيح ثم نسخ، ثم بعد النسخ كان من لم يبلغه النسخ يفعلها، فكذا هذا.
стр. 4839
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وإن سُلِّم أنه كان في عهد رسول الله ﷺ ، فلعله كان في رجل يطلق امرأته بقوله: "أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق"، بتفريق ألفاظ، وكان الناس في عهد رسول الله ﷺ وعهد أبي بكر ﵁ على صدقهم وسلامتهم، لم يكن فيهم الخب والخداع، فكان يصدقون أنهم أرادوا به التأكيد، ولا يريدون به الثلاث.
فلما رأى عمر ﵁ في زمانه أمورًا ظهرت، وأحوالًا تغيرت، منع من حمل اللفظ على التأكيد، وألزمهم الثلاث، ويؤيده قول عمر ﵁ في هذا الحديث عند مسلم (١): "أن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة (٢)، فلو أمضيناه عليهم".
وقد ذكر العلماء في هذا الحديث احتمالات أخر، فمع تلك الاحتمالات لا يستدل بها، وأيضًا وقع في حديث مسلم: أن أبا الصهباء قال لابن عباس: "هات من هناتك".
وفسَّر النووي (٣) هذا اللفظ أي من الأمور المستغربة، ولما كان هذا الأمر غريبًا غير شائع في الإِسلام فلا يكون محتجًا به، والله تعالى أعلم.
وأيضًا وقع في الحديث أن عمر بن الخطاب ﵁ "أمضاهن"، وهذا بمحضر من الصحابة ﵃ في زمن توفرهم، ولم ينكر عليه أحدٌ، فأولًا لا يظن بعمر بن الخطاب ﵁ أن يخالف رسول الله ﷺ في الأمر الصريح الشائع، ثم لا يظن بالصحابة ﵃ أن لا ينكروا عليه فيما يخالف فيه رسول الله ﷺ ، فصار الإجماع على ذلك، ولا يمكن إجماعهم على باطل، فالحق الصريح أنه إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا مجموعًا أو مفرقًا يكون ثلاثًا لا واحدًا، وهو الذي أدين الله به.
стр. 4840
(١١) بَابٌ: فِيمَا عُنِيَ بِهِ الطَّلَاقُ، وَالنِّيَّاتُ
٢٢٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عن عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ (١)، وإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا
===
(١١) (بَابٌ فِيمَا عُنِيَ بِهِ)، أي: في ألفاظ (٢) أريد بها (الطَّلاقُ، وَالنِّيَّاتُ) بالجر، عطف على ما عني، أي: باب في النيات في الطلاق وغيرها
٢٢٠١ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، حدثني يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص) بتشديد القاف، ابن محصن بن كلدة (الليثي) العتواري، ذكره مسلم في طبقة الذين ولدوا في حياة النبي ﷺ ، كذا قال ابن عبد البر في "الاستيعاب"، وقال أبو نعيم الأصبهاني في "الصحابة": ذكره بعض المتأخرين يعني ابن منده في "الصحابة"، وذكره القاضي أبو أحمد والناس في التابعين، قال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وتوفي بالمدينة وله بها عقب.
(قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : إنما الأعمال (٣) أي ثوابها أو صحتها (بالنية، وإنما لامرئ ما نوى) أي في أفعاله وأقواله وجميع أموره، (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله) في نيته وعزمه (فهجرته) عند الله (إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته) في نيته وإرادته (لدنيا
стр. 4841
يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَهٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". [خ ٦٦٨٩، م ١٩٠٧، ت ١٦٤٧، ن ٣٤٣٧، جه ٤٢٢٧، حم ١/ ٢٥ - ٤٣]
===
يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته) عند الله (إلى ما هاجر إليه) لا إلى الله ورسوله.
ولفظ إنما للحصر، فالتقدير أن الأعمال تعتبر إذا كانت بنية، ولا تعتبر إذا كانت بلا نية، ولا يمكن ها هنا نفس الأعمال لثبوتها حِسًّا وصورة من غير اقتران النية بها، فلا بد من إضمار شيء يتوجه إليه النفي، ويتعلق به الجار، فقيل: التقدير صحيحة أو تصح، كما هو رأي الشافعي وأتباعه، وقيل: كاملة أو تكمل على رأي أبي حنيفة وأصحابه.
والأظهر أن المقدر معتبرة أو تعتبر؛ ليشمل الأعمال كلها، سواء كانت عبادات مستقلات، كالصلاة والزكاة، فإن النية تعتبر لصحتها إجماعًا، أو شروطًا في الطاعات كالطهارة وستر العورة، فإنها تعتبر لحصول ثوابها اتفاقًا، لعدم توقف الشروط على النية في الصحة، خلافًا للشافعي في الطهارة، فعليه بيان الفرق، أو أمورًا مباحة، فإنها قد تنقلب بالنيات حسنات، كما أنها قد تنقلب سيئات بلا خلاف.
غاية ما في الباب أن متعلق الصحة والكمال يُعْرفُ من الخارج ولا محظور فيه، وقوله: "أو امرأة يتزوجها" بعد قوله: "ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها" تخصيص بعد تعميم، وتنبيه على أن الحديث وقع في محل خاص، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ، وهو ما روى الطبراني بسند رجاله ثقات عن ابن مسعود، قال: "كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس، فأبت أن تزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها، قال: فكنا نسميه مهاجر أم قيس".
ومناسبة الحديث بالباب أن بعض ألفاظ الطلاق يحتاج فيها لوقوع الطلاق إلى النية، فأما الألفاظ الصريحة (١) للطلاق فلا يحتاج فيها إلى النية، بل يقع
стр. 4842
٢٢٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ (١) قَالَا: أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَني يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْب- وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ- قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ،
===
الطلاق بها، نوى أو لم ينو، فإن رسول الله ﷺ سوَّى بين الجد والهزل فيها، فعلم بذلك أنها لا تحتاج إلى النية.
قال القاري (٢): واستثني بعض الأعمال من هذا العموم، كصريح الطلاق والعتاق، فإن تعيين الشارع هذه الألفاظ لأجل هذه المعاني بمنزلة النية، ولا يخفى أن هذا إنما هو بالنسبة إلى الصحة والجواز، وأما بالنسبة إلى الثواب، فلا بد من تصحيح النية.
٢٢٠٢ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وسليمان بن داود قالا: أنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك) الأنصاري السلمي، أبو الخطاب المدني، قال النسائي: ثقة، وقيل: إنه كان أعلم قومه وأوعاهم.
(أن عبد الله بن كعب) بن مالك (وكان) عبد الله (قائد كعب من بنيه) أي من أولاد كعب (حين عمي) كعب، وهو عبد الله بن [كعب بن] مالك الأنصاري السلمي المدني، كان قائد أبيه حين عمي، قال أبو زرعة: ثقة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن سعد: سمع من عثمان، وكان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الواقدي: ولد على عهد النبي ﷺ .
(قال) عبد الله: (سمعت كعب بن مالك) خبر لقوله: "إن عبد الله بن
стр. 4843
فَسَاقَ قِصَّةً (١) في تَبُوكَ قَالَ: "حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسِينَ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، قَالَ: فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا. فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّه تَعَالَى في هَذَا الأَمْرِ". [خ ٤٤١٨، م ٢٧٦٩، ت ٣١٠٢، ن ٣٤٢٢، حم ١/ ٩٩، ك ٢/ ٣٣٥]
===
كعب" (فساق قصة في) واقعة (تبوك) وهي تخلفه عن رسول الله ﷺ مع الرجلين الآخرين، وهما هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، ونهى النبي ﷺ عن كلامهم.
(قال: حتى إذا مضت أربعون) يومًا (من الخمسين) أي من نهي النبي ﷺ عن كلامنا (إذا رسول رسول الله ﷺ يأتي) وفي نسخة: "يأتيني" (فقال) الرسول: (إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال) كعب: (فقلت) للرسول: (أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال) الرسول: (لا) تطلقها (بل اعتزلها، فلا تقربنَّها) للمباشرة والوطء، وكنت رجلاً شابًّا فخفت بشبابي أن لا يقع مني شيء مع امرأتي مما يكون سببًا لزيادة غضب رسول الله ﷺ .
(فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني) أي اسكني (عندهم حتى يقضي الله تعالى) أي يحكم (في هذا الأمر) أي في التخلف عن غزوة تبوك، وقبول التوبة، وترك كلام الناس.
وغرض المصنف بإيراد هذا الحديث أن كعب بن مالك ﵁ تكلم بلفظ الطلاق، وهو قوله: "الحقي بأهلك"، ولم يقع به الطلاق, لأنه لم ينو الطلاق به, لأن اللفظ لم يكن صريحًا في الطلاق، بل كان كناية عنه، فاحتاج إلى النية، فلما لم ينو الطلاق لم يقع به الطلاق.
стр. 4844
(١٢) بَابٌ: في الْخَيَارِ
٢٢٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوانَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي الضُّحَى، عن مَسْرُوقٍ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "خَيَّرَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرْنَاهُ، فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ شَيْئًا". [خ ٥٢٦٢، م ١٤٧٧، ت ١١٧٩، ن ٣٤٤٥، جه ٢٠٥٢، حم ٦/ ٤٥]
===
(١٢) (بَابٌ: في الْخَيَارِ)
أي: إذا خير الرجل امرأته بالطلاق هل يقع الطلاق أم لا؟
٢٢٠٣ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: خيَّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يعد ذلك شيئًا) أي من الطلاق.
ذكر أن آية التخيير (١) نزل على رسول الله ﷺ من أجل أن عائشة سألت رسول الله ﷺ شيئًا من عرض الدنيا، إما زيادة في النفقة أو غير ذلك، فاعتزل رسول الله ﷺ (٢) نساءه شهرًا، ثم أمره الله أن يخيِّرهن بين الصبر عليه، والرضاء بما قسم لهن والعمل بطاعة الله، وبين أن يمتعهن ويفارقهن، إن لم يرضين بالذي يقسم لهن.
وقيل: كان سبب ذلك غيرة كانت عائشة تغارها، فخيرهن رسول الله ﷺ
стр. 4845
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية (١)، فابتدأ بعائشة وقال: "إني ذاكر لك أمرًا، فعليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك"، قالت: قد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، ثم تلا هذه الآية، قالت عائشة: قلت: ففي أي هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت عائشة: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت، فلم يكن ذلك حين قاله لهن رسول الله ﷺ ، فاخترنه طلاقًا من أجل أنهن اخترنه.
فعلى هذا لو خيَّر رجل امرأته في الطلاق فاختارته، لم يكن طلاقًا، ولو اختارت الطلاق يكون طلاقًا، وتفصيله مذكور في كتب الفقه (٢).
قال الشوكاني (٣): وقد استدل بهذا من قال: إنه لا يقع في التخيير شيء، إذا اختارت الزوج، وبه قال جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار.
لكن اختلفوا في ما إذا اختارت نفسها هل يقع طلقة واحدة رجعية [أو]، بائنة أو يقع ثلاثًا؟
فحكى الترمذي عن علي (٤) ﵁: أنها إن اختارت نفسها، فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها، فواحدة رجعية. وعن زيد بن ثابت: إن اختارت نفسها فثلاث، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة. وعن عمر وابن مسعود: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وعنهما رجعية، وإن اختارت زوجها، فلا شيء.
стр. 4846
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ويؤيد قول الجمهور من حيث المعنى أن التخيير ترديد بين شيئين، فلو كان اختيارها لزوجها طلاقًا لاتَّحدا؛ فدل على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق، واختيارها لزوجها بمعنى البقاء في العصمة.
وقد أخرج ابن أبي شيبة (١) من طريق زاذان قال: "كنا جلوسًا عند علي ﵁ فسئل عن الخيار، فقال: سألني منه عمر ﵁ فقلت: إن اختارت نفسها. [فواحدة رجعية، قال: ليس كما قلت، إن اختارت نفسها] فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها، فواحدة رجعية، قال: ليس كما قلت، إن اختارت زوجها فلا شيء، قال: فلم أجد بدًا من متابعته، فلما وليت رجعت إلى ما كنت أعرف، قال علي: وأرسل عمر إلى زيد بن ثابت، قال" فذكر مثل ما حكاه عنه الترمذي.
وأخذ مالك بقول زيد بن ثابت، واحتجَّ بعض أتباعه لكونها إذا اختارت نفسها يقع ثلاثًا بأن معنى الخيار بَتُّ أحد الأمرين، إما الأخذ أو الترك، فلو قلنا: إذا اختارت نفسها يكون طلقة رجعية، لم يعمل بمقتضى اللفظ؛ لأنها تكون بعد في أسر الزوج، وتكون كمن خير بين شيئين فاختار غيرهما.
وأخذ أبو حنيفة بقول عمر وابن مسعود فيما إذا اختارت نفسها، فواحدة بائنة. وقال الشافعي ﵁: التخيير كناية، فإذا خير الزوج امرأته، وأراد بذلك تخييرها بين أن تطلق منه، وبين أن تستمر في عصمته، فاختارت نفسها، وأرادت بذلك الطلاق طلقت، فلو قالت: لم أرد باختيار نفسي الطلاق، صدقت، انتهى.
قلت: ظاهر الآية لم يكن في التخيير بين الطلاق إذا اخترن أنفسهن أن يقع الطلاق وبين البقاء في عصمة النكاح، بل الآية نزلت في التخيير بين أن يظهرن، بأنهن إن يردن الحياة الدنيا وزينتها فيطلقهن رسول الله ﷺ ويُمَتِّعُهن،
стр. 4847
(١٣) بَابٌ: في "أَمْرُكِ بِيَدِكِ "
٢٢٠٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ،
===
وبين أن يظهرن بأنهن إن يردن الله ورسوله والدار الآخرة، فإنهن في عصمة رسول الله ﷺ فيستحققن الأجر العظيم، مصرحة بأنهن إذا اخترن الحياة الدنيا وزينتها، فيطلقهن رسول الله ﷺ ويمتعهن، لا أنه يقع الطلاق بمجرد اختيارهن الحياة الدنيا، فلا يستدل بهذه الآية على التخيير بين الطلاق والبقاء في النكاح، والله تعالى أعلم.
(١٣) (بَابٌ: في "أَمْرُكِ بِيَدِكِ") (١)
٢٢٠٤ - (حدثنا الحسن بن علي، نا سليمان بن حرب،
стр. 4848
عن حَمَّادِ بْنِ زيدٍ قَالَ: قُلْتُ لأَيُّوبَ: هَلْ تَعَلمُ أَحَدًا قَالَ بِقُولُ الْحَسَنِ في: "أَمْرُكِ بِيَدِكِ؟ " قَالَ: لَا، إِلَّا شَيءٌ حَدَّثَنَاهُ قَتَادَةُ، عن كَثِيرٍ مَوْلَى ابْنِ سَمُرَةَ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، قَالَ أَيُّوبُ: فَقَدِمَ عَلَيْنَا كَثِيرٌ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: مَا حَدَّثْتُ بِهَذَا قَطُّ. فَذَكَرْتُهُ لِقَتَادَةَ فَقَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ. [١١٧٨، ن ٣٤١٠]
===
عن حماد بن زيد قال: قلت لأيوب: هل تعلم أحدًا قال بقول الحسن في: أمرك بيدك؟ ) إنه قال: إذا قال رجل لامرأته: "أمرك بيدك" فهي ثلاث (قال: لا)، أي لا أعلم أحدًا قال ذلك (إلَّا شيء حدثناه قتادة، عن كثير مولى ابن سمرة) هو كثير بن أبي كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة، قال العجلي. تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قلت: ذكره ابن الجوزي في "الصحابة"، وقال الحافظ في "التقريب": ووهم من عدَّه صحابيًّا، انتهى. وزعم عبد الحق تبعًا لابن حزم أنه مجهول، فتعقب ذلك عليه ابن القطان بتوثيق العجلي، وذكره العقيلي في "الضعفاء"، وما قال فيه شيئًا.
(عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه) أي بنحو ما قال الحسن في "أمرك بيدك"، (قال أيوب: فقدم علينا كثير، فسألته) أي أنك حدثت قتادة في "أمرك بيدك" أنها ثلاث، (فقال: ما حدثت بهذا قط، فذكرته لقتادة فقال: بلى) أي حدثني ذلك، (ولكنه نسي).
وقد أخرج الترمذي (١) هذا الحديث فقال: حدثنا علي بن نصر بن علي، نا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد قال: قلت لأيوب: هل علمت أحدًا قال في "أمركِ بيدكِ" إنها ثلاث إلَّا الحسن؟ فقال: لا، إلَّا الحسن، ثم قال: اللَّهُمَّ غَفْرًا إلَّا ما حدثني قتادة، عن كثير مولى بني سمرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ثلاث"، قال أيوب: فلقيت كثيرًا مولى بني سمرة، فسألته فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته فقال: نسي.
стр. 4849
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
هذا حديث لا نعرفه إلَّا من حديث سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، وسألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: نا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد بهذا، وإنما هو عن أبي هريرة موقوف، ولم يعرف حديث أبي هريرة مرفوعًا، وكان علي بن نصرٍ حافظًا صاحبَ حديث.
واختلف أهل العلم في "أمرك بيدك"، فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، منهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود: وهي واحدة، وهو قول غير واحد من أهل العلم من التابعين، ومن بعدهم.
وقال عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت: القضاء ما قضت.
وقال ابن عمر ﵁: إذا جعل أمرَها بيدها، وطلقت نفسها ثلاثًا، وأنكر الزوج، وقال: لم أجعل أمرها بيدها إلَّا في واحدة، استُحْلِف الزوج، وكان القول قوله مع يمينه.
وذهب سفيان وأهل الكوفة إلى قول عمر وعبد الله، وأما مالك (١) بن أنس، فقال: القضاء ما قضت، وهو قول أحمد، وأما إسحاق فذهب إلى قول ابن عمر، انتهى.
ومذهب الحنفية في ذلك أن الرجل إذا قال لامرأته: "أمرك بيدك"، فهو تمليك من جانب الزوج، حتى لا يملك الرجوع عنه، ولا فسخ ذلك، لأنه ملَّكها الطلاق، ومن ملك غيره شيئًا زالت ولايته من الملك، فلا يملك
стр. 4850
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إبطاله بالرجوع والفسخ، فيصير الأمر بيدها في الطلاق بشرط أن ينوي الزوج الطلاق, لأنه من كنايات الطلاق، فلا يصح من غير نية، إلَّا إذا كان الحال حال الغضب والخصومة، أو حال مذاكرة الطلاق، فلا يصدق في القضاء، لأن الحال تدل على إرادة الطلاق ظاهرًا، فلا يصدق في العدول عن الظاهر.
والشرط الثاني: علم المرأة بجعل الأمر بيدها وهي غائبة أو حاضرة لا تسمع، فلو لم تعلم به لا يصير الأمر بيدها ما لم تسمع أو يبلغها الخبر، وشرط بقاء حكمه- إذا كان مطلقًا غيرَ معلق ولا موقت- بقاءُ المجلس، وهو مجلس علمها بالتفويض، فما دامت في مجلسها فالأمر بيدها، فيبقى الأمر في يدها ما بقي المجلس، فإن قامت عن مجلسها بطل, لأن القيام عن المجلس دليل الإعراض، فكان ردًا للتمليك، وكذلك إذا وجد منها قول أو فعل يدل على إعراضها عن الجواب، بأن دعت بطعام لتأكل، أو أمرت وكيلها بشيء إلى غير ذلك.
والحكم الثابت لها بالتفويض غير لازم في حق المرأة، حتى تملك رده صريحًا أو دلالة؛ لأن التخيير ينافي اللزوم، وليس لها أن تختار إلَّا مرة واحدة، لأن قوله: "أمرك بيدك" لا يقتضي التكرار، إلَّا إذا قرن به ما يقتضي التكرار، بأن قال: "أمرك بيدك كلما شئت"، فلها أن تطلق نفسها في كل مجلس تطليقة واحدة حتى تبين بثلاث، إلَّا أنها لا تملك أن تطلق نفسها في كل مجلس إلَّا تطليقة واحدة, لأنه يصير قائلًا لها في كل مجلس "أمرك بيدك"، فإذا اختارت فقد انتهى موجب ذاك التمليك.
وأما بيان ما يصلح جواب جعل الأمر باليد من الألفاظ، وما لا يصلح، فالأصل فيه: أن كل ما يصلح من الألفاظ طلاقًا من الزوج يصلح جوابًا من المرأة، وما لا فلا.
فإذا قالت في جوابه: "طلقت نفسي"، أو "أبنت نفسي"، أو "حرمت نفسي"، يكون جوابًا، فالواقع بهذه الألفاظ التي تصلح جوابًا طلاق واحد بائن
стр. 4851
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عندنا، إن كان التفويض مطلقًا عن قرينة الطلاق، بأن قال لها: "أمرك بيدك"، ولم ينو الثلاث، أما وقوع الطلقة الواحدة؛ فلأنه ليس في التفويض ما ينبئ عن العدد.
وأما كونها بائنة؛ فلأن هذه الألفاظ جواب الكناية، والكنايات على أصلنا مبينات.
ولو قال: "أمرك بيدك" ونوى الثلاث، فطلقت نفسها ثلاثًا كان ثلاثًا؛ لأنه جعل أمرها بيدها مطلقًا، فيحتمل الواحد، ويحتمل الثلاث، فإذا نوى الثلاث فقد نوى ما يحتمله مطلق الأمر، فصحت نيته، وإن نوى اثنتين، فهي واحدة عند أصحابنا الثلاثة، خلافًا لزفر ﵁، ملخص ما في "البدائع" (١).
وسند هذا الحديث من قبيل "مَنْ حدَّث ونسِي"، ومذهب المحدثين فيه ما قال الحافظ في "شرح النخبة" (٢): وإن روى عن شيخ حديثًا، وجحد الشيخ مرويه، فإن كان جزْمًا كأن يقول: كذب عليَّ، أو ما رويتُ له هذا، أو نحو ذلك، فإن وقع منه ذلك رُدَّ ذلك الخبر، لكذب واحد منهما، لا بعينه، ولا يكون ذلك قادحًا في واحد منهما للتعارض، أو كان جحدُه احتمالًا كأن يقول: ما أذكر هذا، أو: لا أعرفُه، قُبلَ ذلك الحديث في الأصح؛ لأن ذلك يُحمل على نسيان الشيخ، وقيل: لا يقبل؛ لأن الفرع تبع للأصل في إثبات الحديث، بحيث إذا ثبت أصلُ الحديث تَثبتُ روايةُ الفرع، وكذلك ينبغي أن يكون فرعًا عليه وتبعًا له في التحقيق، وهذا متعقَّب بأن عدالة الفرع تقتضي صدقه، وعدمُ علم الأصل لا ينافيه، فالمثبت مقدم على النافي، انتهى.
قلت: وفي الحديث كذلك، فإن أيوب السختياني يقول: قدم علينا كثير فسألته، فقال: ما حدثت بهذا قط، فإنه أنكر جزمًا، فعلى قاعدة المحدثين يرد
стр. 4852
٢٢٠٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ في "أَمْرُكِ بِيَدِكِ" قَالَ: ثَلَاثٌ.
(١٤) بَابٌ: في الْبَتَّةِ
٢٢٠٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرحِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ الْكَلْبِيُّ في آخَرِينَ قَالُوا: نَا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيس الشَّافِعِيُّ، حَدَّثَنِي عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ
===
هذا الحديث، وأما على لفظ الترمذي، فإن لم يكن فيه جزم بالإنكار، ولكن أجمله وأبهمه أيوب، ولم يحك لفظ كثير، فيحمل على ما حكى أبو داود من لفظ كثير.
٢٢٠٥ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن قتادة، عن الحسن في "أمرك بيدك"، قال) أي الحسن: (ثلاث) أي ثلاث تطليقات، قلت: وهو محمول عندنا على أنه إذا قال رجل لامرأته: "أمرك بيدك" ونوى به ثلاثًا، فطلقت نفسها يكون ثلاثًا، وأما عند من قال: القضاء ما قضت، فمحمول على أن الزوج نوى الثلاث أو لم ينو، فطلقت نفسها ثلاثًا تقع الثلاث.
(١٤) (بَابٌ: في الْبَتَّةِ) (١)
أي إذا قال الزوج لامرأته: أنت طالق البتة
٢٢٠٦ - (حدثنا ابن السرح وإبراهيم بن خالد الكلبي في آخرين قالوا: نا محمد بن إدريس الشافعي، حدثني عمي محمد بن علي بن
стр. 4853
شَافِعٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ السَّائِبِ، عن نَافِع بْنِ عُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ: أَنَّ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتَّةَ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بذَلِكَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً؟ "، فَقَالَ رُكَانَةُ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ ، فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ في زَمَانِ عُمَرَ، وَالثالِثَةَ في زَمَانِ عُثْمَانَ. [قط ٤/ ٣٣، مسند الطيالسي ١١٨٨]
===
شافع) بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب المطلبي المكي، روى عنه الإِمام محمد بن إدريس، وقال: ثقة، وكذا روى عنه سبطه ابن بنته إبراهيم بن محمد الشافعي.
(عن عبد الله بن علي بن السائب)، وفي بعض النسخ: "عن عبيد الله"، وهو تصحيف من الكاتب، وهو عبد الله بن علي بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي، قال في "الخلاصة": وثقه الشافعي.
(عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة: أن ركانة (١) بن عبد يزيد طلق امرأته سُهَيمة البتة) أي قال لها: أنت طالق البتة (فأخبر النبي ﷺ ) أي فبلغ خبر ذلك إلى النبي ﷺ ، فسأله عن ذلك فقال: طلقتها البتة (بذلك، وقال) أي ركانة بن عبد يزيد: (والله ما أردت إلَّا) طلقةً (واحدة) لا ثلاث.
(فقال رسول الله ﷺ : والله) بحذف الاستفهام، وفي رواية: "آلله" كما سيأتي (ما أردتَّ إلَّا واحدة؟ ) أي: لا ثلاثًا، (فقال ركانة: والله ما أردت إلَّا واحدة، فردها إليه رسولُ الله ﷺ ) أي بالنكاح عند الحنفية، لأنها من الكنايات البائنة، وبغير النكاح عند الشافعي، لأنها رجعية عنده (فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان).
стр. 4854
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَوَّلُهُ لَفْظُ إِبْرَاهِيمَ وَآخِرُهُ لَفْظُ ابْنِ السَّرْحِ.
٢٢٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ النَّسَائيُّ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُمْ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنِي عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، عن ابْنِ السَّائِبِ،
===
(قال أبو داود: أوله لفظ إبراهيم وآخره لفظ ابن السرح)، والظاهر أن المراد بآخره هو قوله: "فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان".
قال الترمذي (١): وقد اختلف أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم في طلاق البتة، فروي عن عمر بن الخطاب أنه جعل البتة واحدة، وروي عن علي: أنه جعلها ثلاثًا، وقال بعض أهل العلم: فيه نية الرجل، إن نوى واحدة فواحدة، وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وإن نوى ثنتين لم تكن إلَّا واحدة، وهو قول الثوري وأهل الكوفة.
وقال مالك بن أنس في البتة: إن كان قد دخل بها فهي ثلاث تطليقات، وقال الشافعي (٢): إن نوى واحدة فواحدة، يملك الرجعة، وإن نوى ثنتين فثنتان، وإن نوى ثلاثًا فثلاث.
٢٢٠٧ - (حدثنا محمد بن يونس النسائي، أن عبد الله بن الزبير) الحميدي (حدثهم) أي محمد بن يونس وغيره من التلامذة، (عن محمد بن إدريس) الإِمام الشافعي صاحب المذهب، (حدثني عمي محمد بن علي، عن ابن السائب)
стр. 4855
عن نَافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ، عن رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ، عن النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ. [انظر سابقه]
٢٢٠٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ (١)، نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عن الزُّبَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةً، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
===
هو عبد الله بن علي بن السائب، (عن نافع بن عجير، عن ركانة بن عبد يزيد، عن النبي ﷺ بهذا الحديث) المتقدم، وإنما أعاد بهذا السند, لأن فيه عن نافع، عن ركانة، وفي السند الأول كان: "أن ركانة بن عبد يزيد" من غير طريق الرواية.
٢٢٠٨ - (حدثنا سليمان بن داود، نا جرير بن حازم، عن الزبير بن سعيد) ابن سليمان بن سعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبو القاسم، ويقال: أبو هاشم المديني، نزل المدائن، عن ابن معين: ثقة، وقال مرة: ليس شيء، وعن أبي داود: في حديثه نكارة لا أعلم، إلَّا أني سمعت ابن معين يقول: هو ضعيف، وقال مرة: بلغني عن يحيى أنه ضعفه، وقا ل أبو زرعة: شيخ، وقال النسائي وزكريا الساجي: ضعيف، وقال الدارقطني: يعتبر به، قال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن المديني: ضعيف، وقال العجلي: روى حديثًا منكرًا في الطلاق، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه) أي علي بن يزيد بن ركانة، (عن جده) قال الذهبي في "الميزان" (٢) في ترجمة عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة: قلت: كأنه أراد بقوله عن جده: الجد الأعلى وهو ركانة. (أنه) أي ركانة (طلق امرأته البتة، فأتى رسول الله ﷺ
стр. 4856
فَقَالَ: "مَا أَرَدْتَ؟ "، قَالَ: وَاحِدَةً، قَالَ: "آللهِ؟ " قَالَ: آللهِ، قَالَ: "هُوَ عَلَى مَا أَرَدْتَ".
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا لأنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ وَهُمْ أَعْلَمُ بِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ رَوَاهُ عن بَعْضِ بَنِي أَبِي رَافِعٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ. [ت ١١٧٧، جه ٢٠٥١، ق ٧/ ٣٤٢، ك ٢/ ١٩٩، قط ٤/ ٣٤]
===
فقال) أي رسول الله ﷺ : (ما أردتَّ؟ قال) أي ركانة: (واحدة، قال: آلله؟ ) أصله أوالله (١)، بهمزة الاستفهام وواو القسم، (قال) ركانة: (آلله) وهذا على المشاكلة، وأصله والله، فالهمزة الأولى زائدة (قال) أي رسول الله ﷺ : (هو) أي الطلاق واقع (على) وفق (ما أردت).
(قال أبو داود: وهذا أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا)، هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا، وهذا الكلام وقع فيه التصحيف والغلط, لأن قوله: إن ركانة طلق امرأته ثلاثًا إن كان بدلًا من حديث ابن جريج، فلا يصح قوله: "إن ركانة", لأنه في حديث ابن جريج هو أبو ركانة، لا ركانة.
وإن كان بدلًا من لفظ "هذا" فلا يصح أيضًا، لأن لفظ هذا إشارة إلى حديث نافع بن عجير، وحديث عبد الله بن علي بن يزيد، وليس فيهما أنه طلق ثلاثًا، بل فيهما: "إن ركانة طلق البتة"، والذي أظن أن قوله: "إن ركانة" بدل من حديث ابن جريج، وإنه سقط من العبارة لفظ: "أبا"، أي إن أبا ركانة، والله أعلم.
ووجه الأصحية (لأنهم) أي الرواة الذين رووا أن ركانة طلق البتَّةَ (أهل بيته وهم أعلم به)، أي بالخبر من غيرهم (وحديث ابن جريج رواه) أي ابن جريج (عن بعض بني أبي رافع، عن عكرمة، عن ابن عباس)، وبعض بني أبي رافع مجهولون.
стр. 4857
(١٥) بَابٌ: في الْوَسْوَسَةِ بِالطَّلَاقِ
٢٢٠٩ - حَدَّثَنَا مُسْلمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ، عن قَتَادَةَ، عن زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ، وَبِمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا". [خ ٥٢٦٩، م ١٢٧، ت ١١٨٣، ن ٣٤٣٣، جه ٢٠٤٠، حم ٢/ ٢٥٥]
===
(١٥) (بابٌ: في الْوَسْوَسَةِ بِالطَّلَاقِ) (١)
أي: إذا خطر في قلبه الطلاق بطريق الوسوسة، ولم يتكلم ولم يكتب، لا تطلق بها
٢٢٠٩ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إن الله تجاوز لأمتي عما لم تتكلم به، أو تعمل به، وبما حدثت (٢) به أنفسُها) بالفتح على المفعولية. وذكر المطرزي (٣) عن أهل اللغة أنهم يقولون: بالضم، يريدون بغير اختيارها، وهذا الحديث حجة في أن الموسوس لا يقع طلاقه، والمعتوه والمجنون أولى منه بذلك.
واحتج الطحاوي بهذا الحديث للجمهور في من قال لامرأته: "أنت طالق" ونوى في نفسه ثلاثًا، أنه لا يقع إلَّا واحدة، خلافًا للشافعي ومن وافقه، قال: لأن الخبر دل على أنه لا يجوز وقوع الطلاق بنية لا لفظ معها، وتعقب بأنه لفظ بالطلاق ونوى الفرقة التامة، فهي نية صحبها لفظ.
واحتج به أيضًا في من قال لامرأته: "يا فلانة" ونوى بذلك طلاقها، أنها
стр. 4858
(١٦) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ: "يَا أُخْتِي "
٢٢١٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ. (ح): وَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ وَخَالِدٌ الطَّحَّانُ، الْمَعْنَى،
===
لا تطلق، خلافًا لمالك وغيره؛ لأن الطلاق لا يقع بالنية دون اللفظ، ولم يأت بصيغة لا صريحة ولا كناية.
واستدل به أن من كتب الطلاق طلقت امرأته؛ لأنه عزم بقلبه وعمل بكتابته، وهو قول الجمهور، وشرط مالك فيه الإشهاد على ذلك.
واحتج من قال: إذا طلق في نفسه طلقت، وهو مروي عن ابن سيرين، والزهري، وعن مالك رواية، ذكرها أشهب عنه، وقوَّاها ابن العربي بأن من اعتقد الكفر بقلبه كفر، ومن أصرَّ على المعصية أثم، وكذلك من راءى بعمله وأعجب، وكذا من قذف مسلمًا بقلبه، وكل ذلك من أعمال القلب دون اللسان.
وأجيب بأن العفو عن حديث النفس من فضائل هذه الأمة، والمصِرُّ على الكفر ليس منهم، وبأن المصرَّ على المعصية الآثم من تقدم له عمل المعصية، لا من لم يعمل معصية قط، وأما الرياء والعجب وغير ذلك فكله متعلق بالأعمال.
واحتج الخطابي بالإجماع على أن من عزم على الظهار لا يصير مظاهرًا، قال: وكذلك الطلاق، وكذا لو حدث نفسه بالقذف لم يكن قاذفًا، ولو كان حديث النفس يؤثر لأبطل الصلاة، وقد دل الحديث الصحيح على أن ترك الحديث مندوب، فلو وقع لم تبطل.
(١٦) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ: "يَا أُخْتِي")
هل يكون تحريمًا لها؟
٢٢١٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، ح: ونا أبو كامل، نا عبد الواحد) بن زياد (وخالد الطحان، المعنى) أي معنى حديثهم واحد،
стр. 4859
كُلُّهُمْ عن خَالِدٍ، عن أَبِيِ تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: يَا أُخَيَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُخْتُكَ هِيَ؟ "، فَكَرِهَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ. [ق ٧/ ٣٦٦]
===
(كلهم) أي حماد، وعبد الواحد، وخالد الطحان رووا (عن خالد) الحذاء، (عن أبي تميمة) طريف (١) بن مجالد (الهجيمي) بضم الهاء وفتح الجيم، البصري. قال في "المغني" (٢): بمضمومة وفتح جيم، نسبة (٣) إلى هجيم بن عمر، ومنه خالد بن الحارث، وأبو تميمة، وثقه ابن معين، وابن سعد، والدارقطني، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عبد البر: هو ثقة حجة عند جميعهم.
(إن رجلًا) لم أقف على تسميته (قال لامرأته: يا أخية! ) تصغير أخت، (فقال رسول الله ﷺ : أختك هي؟ ) بتقدير همزة الاستفهام للإنكار (فكره ذلك ونهى عنه).
هذا الحديث مرسل، فإن أبا تميمة تابعي من الطبقة الثالثة، وإنما كره ذلك, لأن قرابة الأخوة محرمة، فكونها أختًا له مظنة التحريم، ويحتمل أن يكون النهي عنه والكراهة سدًا للباب. فإنه يحتمل أنه إذا لم ينبه على ذلك يعتدون فيه، ويمكن أن يتكلموا بلفظ يؤدي إلى الظهار، فتحرم عليه، وتجب الكفارة أو الفراق إذا نوى الظهار.
قال الحافظ (٤): قال ابن بطال: ومن ثم قال جماعة من العلماء: يصير بذلك مظاهرًا إذا قصد ذلك، فأرشده النبي ﷺ إلى اجتناب اللفظ المشكل، قال: وليس بين هذا الحديث وبين قصة إبراهيم معارضة؛ لأن إبراهيم إنما أراد بها أنها أخته في الدين، فمن قال ذلك، ونوى أخوة الدين لم يضره.
стр. 4860
٢٢١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ، نَا أَبُو نُعَيْم، نَا عَبْدُ السَّلَامِ- يَعْنِي ابْنَ حَرْبٍ-، عن خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عن أَبِي تَمِيمَةً، عن رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ: "أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ: يَا أُخَيَّةُ، فَنَهَاهُ". [ق ٧/ ٣٦٦]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ،
===
قلت: وينبغي أن لا يعتاد ذلك، ولا يتكلم بها إلَّا بضرورة دعت إليه، وأما من غير ضرورة فيكره (١) التكلُّم بذلك.
٢٢١١ - (حدثنا محمد بن إبراهيم) بن سليمان بن محمد بن أسباط، الكندي الأسباطي الضرير أبو جعفر (البزاز) الكوفي، نزيل مصر، قال أبو حاتم: صدوق، وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة، وقال الحاكم في "مناقب الشافعي": محمد بن إبراهيم الكوفي عدله أبو إسماعيل الترمذي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: صدوق.
(نا أبو نعيم) فضل بن دكين، (نا عبد السلام -يعني ابن حرب-، عن خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن رجل من قومه (قال الحافظ في "التقريب" في باب المبهمات: أبو تميمة الهجيمي عن رجل من بَلْهُجيم في الإسبال وغيره، وعن رجل من قومه، هو: أبو جُرَي (أنه سمع النبي ﷺ سمع رجلًا) لم أقف على تسميته (يقول لامرأته: يا أخية، فنهاه)، قال الحافظ (٢): وهذا متصل.
(قال أبو داود: ورواه عبد العزيز بن المختار) الأنصاري أبو إسحاق، ويقال: أبو إسماعيل الدباغ البصري، مولى حفصة بنت سيرين، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، مستوي الحديث، ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"،
стр. 4861
عن خَالِدٍ، عن أَبِي عُثْمَانَ، عن أَبِي تَمِيمَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ . وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عن خَالِدٍ، عن رَجُلٍ، عن أَبِي تَمِيمَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ .
٢٢١٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ (١) الْمُثَنَّى، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، نَا هِشَامٌ، عن مُحمَّدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لَمْ يَكْذِبْ قَطّ إِلَّا ثَلَاثًا،
===
وقال: كان يخطئ، ووثقه العجلي، وابن البرقي، والدارقطني، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بشيء.
(عن خالد) الحذاء، (عن أبي عثمان) النهدي، (عن أبي تميمة، عن النبي ﷺ ) وهذا أيضًا مرسل، وزاد عبد العزيز بين خالد وأبي تميمة أبا عثمان.
(ورواه شعبة، عن خالد، عن رجل، عن أبي تميمة عن النبي ﷺ )، وهذا أيضًا مرسل، وزاد شعبة بين خالد وبين أبي تميمة رجلًا، ولم يسمه، فأبهمه.
قلت: أما حديث عبد السلام بن حرب عن خالد، ففيه إبهام الصحابي، وهو لا يضر، فإنهم كلهم عدول، وأما الإرسال: فإن أبا تميمة رواه مرة مرسلًا، ولم يسم الراوي، ورواه متصلًا مرة.
وأما زيادة أبي عثمان في رواية عبد العزيز بن المختار، وزيادة رجل مبهم في رواية شعبة، فهذا أيضًا لا يضر؛ لأن رواية خالد عن أبي تميمة متصلة، فيحمل أنه سمع أبا تميمة نفسه، وسمع بواسطة أيضًا، ويحتمل أن يقال: إن الأصل في السند عن خالد، عن أبي عثمان، عن أبي تميمة، فأبهمه شعبة، وتركه عبد السلام بن حرب، فترجح رواية عبد العزيز الذي وقع فيه مسمى، وكيفما كان فالحكم بالاضطراب غير صحيح.
٢٢١٢ - (حدثنا ابن المثنى، نا عبد الوهاب، نا هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : أن إبراهيم ﵇ لم يكذب قط إلَّا ثلاثًا).
стр. 4862
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الحافظ (١): (٢) وقد أورد على هذا الحصر ما رواه مسلم من حديث أبي زرعة عن أبي هريرة في حديث الشفاعة الطويل، فقال في قصة إبراهيم: وذكر كذباته، ثم ساقه من طريق أخرى من هذا الوجه، وقال في آخره: وزاد في قصة إبراهيم وذكر قوله في الكوكب: ﴿هَذَا رَبِّي﴾، قال القرطبي: ذكر الكوكب يقتضي أنها أربع، فيحتاج في ذكر الكوكب إلى تأويل.
قلت: الذي يظهر أنها وهمٌ من بعض الرواة، فإنه ذكر قوله في الكوكب بدل قوله في سارة، والذي اتفقت عليه الطرق ذكر سارة دون الكوكب، وكأنه لم يعد مع أنه أدخل من ذكر سارة لما نقل أنه قاله في حال الطفولية فلم يعدها؛ لأن حال الطفولية ليست بحال تكليف، وهذه طريقة ابن إسحاق.
وقيل: إنما قال ذلك بعد البلوغ، لكنه قاله على طريق الاستفهام الذي يقصد به التوبيخ.
وقيل: قاله على طريق الاحتجاج على قومه تنبيهًا على أن الذي يتغير لا يصلح للربوبية، وهذا قول الأكثر أنه قال توبيخًا لقومه، أو تهكمًا بهم، وهو المعتمد، ولهذا لم يعد ذلك في الكذبات.
وأما إطلاق الكذب على الأمور الثلاثة فلكونه قال قولًا يعتقده السامع كذبًا، لكنه إذا حقق لم يكن كذبًا, لأنه من باب المعاريض المحتملة لأمرين، فليس بكذب محض.
فقوله: "إني سقيم"، يحتمل أن يكون أراد ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي سأسقم، واسم الفاعل يستعمل بمعنى المستقبل كثيرًا، ويحتمل أنه أراد "إني سقيم" بما قدر علي من الموت، أو سقيم الحجة على الخروج معكم.
стр. 4863
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وحكى النووي عن بعضهم أنه كان تأخذه الحمَّى في ذلك الوقت، وهو بعيد؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن كذبًا لا تصريحًا، ولا تعريضًا.
قلت: لا بُعد فيه، فإن غرض القائل بهذا الجواب أن إبراهيم ﵇ تأخذه الحمى النوبتي في هذه الأيام، وذلك اليوم الذي وقعت فيه تلك القصة يوم الراحة، فباعتبار حمى النوبتي يطلق عليه أنه سقيم، وباعتبار أنه يوم الراحة لم يكن فيه حُمَّى لم يكن سقيمًا، فباعتبار ظاهر الوقت لو يَعُدُّه السامع كذبًا لأنه غير سقيم لا يبعد.
وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾، قال القرطبي: هذا قاله تمهيدًا للاستدلال على أن الأصنام ليست بآلهة، وقطعًا لقومه في قولهم: إنها تضر وتنفع، وهذا الاستدلال يتجوَّز فيه في الشرط المتصل، ولهذا أردف قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ بقوله: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾.
قال ابن قتيبة: معناه إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم هذا، فالحاصل أنه مشترط بقوله: ﴿إنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾، أو أنه أسند إلى ذلك لكونه السبب.
وعن الكسائي: أنه كان يقف عند قوله: "بل فعله"، أي فَعَلَه مَنْ فَعَله كائنًا من كان، ثم يبتدئ كبيرهم هذا، وهذا خبر مستقل، ثم يقول: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ﴾ إلى آخره، ولا يخفى تكلفه.
وقوله: "هذه أختي" يعتذر عنه بأن مراده بأنها أخته في الإِسلام، كما سيأتي واضحًا، قال ابن عقيل: دلالة العقل تصرف ظاهر إطلاق الكذب على إبراهيم، وذلك أن العقل قطع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقًا به، ليعلم صدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب عنه.
وإنما أطلق عليه ذلك لكونه بصورة الكذب عند السامع، وعلى تقديره فلم يصدر ذلك من إبراهيم ﵇، يعني إطلاق الكذب على ذلك إلَّا في شدة الخوف لعلو مقامه، وإلَّا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يجوز،
стр. 4864
ثِنْتَانِ في ذَاتِ اللَّهِ، قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾،
===
وقد يجب لتحمل أخف الضررين دفعًا لأعظمهما، وأما تسميته إياها كذبات فلا يريد أنها تذم، فإن الكذب وإن كان قبيحًا مخلًّا لكنه قد يحسن مواضع وهذا منها، انتهى.
(ثنتان) منها (في ذات الله)، ولفظ البخاري: "ثنتين منها في ذات الله". قال الحافظ: خصهما بذلك لأن قصة سارة وإن كانت أيضًا في ذات الله، لكن تضمنت حظًّا لنفسه ونفعًا له بخلاف الثنتين الأخيرتين، فإنهما في ذات الله محضًا، وقد وقع في رواية هشام بن حسان المذكورة: "أن إبراهيم لم يكذب قط إلَّا ثلاث كذبات، كل ذلك في ذات الله"، وفي حديث ابن عباس عند أحمد: "والله إن حاول بهن إلَّا عن دين الله".
(قوله) أي أحدها قوله: (﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾)، وفي رواية عند ابن جرير (١) في "التفسير" عن ابن إسحاق قوله: "إني سقيم"، أي: طعين، أو لسقم كانوا يهربون منه إذا سمعوا به، وإنما يريد إبراهيم أن يخرجوا عنه ليبلغ من أصنامهم الذي يريد.
وقوله: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ يقول: فتولوا عن إبراهيم مدبرين عنه خوفًا من أن يعدِيَهُم السقم الذي ذكر أنه به، قال سعيد بن جبير: إن كان الفرار من الطاعون لقديمًا.
(وقوله) وثانيهما قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، قال ابن جرير في "التفسير" (٢): بسنده عن ابن إسحاق قال: لما أتي بإبراهيم، واجتمع له قومه عند ملكهم نمرود ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾، غضب من أن يعبدوا من معه هذه الصغار وهو أكبر، فكسرهن.
стр. 4865
وَبَيْنَمَا (١) هُوَ يَسِيرُ في أَرْضِ جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ إِذْ نَزَلَ (٢) مَنْزِلًا، فَأُتِيَ الْجَبَّارُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ نَزَلَ ها هُنَا رَجُلٌ مَعَهُ امْرَأَةٌ هِيَ أَحْسَنُ النَّاسِ،
===
(و) الثالثة: (بينما هو) أي إبراهيم ﵇ (يسير في أرض جَبَّار من الجبابرة)، قال الحافظ (٣): واسم الجبار المذكور عمرو بن امرئ القيس بن سبأ، وإنه كان على مصر، ذكره السهيلي، وهو قول ابن هشام في "التيجان"، وقيل: اسمه صادوق، وحكاه ابن قتيبة، وكان على الأردن، وقيل: سنان بن علوان بن عبيد بن عريج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح، حكاه الطبري، ويقال: إنه أخو الضحاك الذي ملك الأقاليم.
(إذ نزل منزلًا فأتي) بصيغة المجهول (الجبار) أي أتاه آتٍ (فقيل له)، أي قال الآتي للجبار.
قال الحافظ: إن قائل ذلك رجل كان إبراهيم يشتري منه القمح، فنمَّ عليه عند الملك، وذكر أن من جملة ما قاله عند الملك: "أني رأيتها تطحن"، وهذا هو السبب في إعطاء الملك هاجر، وقال: إن هذه لا تصلح أن تخدم نفسها.
(إنه نزل ها هنا رجل معه امرأة هي أحسن الناس)، قال الحافظ: في "صحيح مسلم" في حديث الإسراء في ذكر يوسف: أعطي شطر الحسن، زاد أبو يعلى من هذا الوجه: "أعطي يوسف وأمه شطر الحسن يعني سارة".
واختلف في والد سارة مع القول بأن اسمه هاران، فقيل: هو ملك حران، وإن إبراهيم تزوجها لما هاجر من بلاد قومه إلى حران، وقيل: هي ابنة أخيه، وكان ذلك جائزًا في تلك الشريعة، حكاه ابن قتيبة والنقاش واستبعد، وقيل: بل هي بنت عمه، وتوافق الاسمان، وقد قيل في اسمه: توبل.
стр. 4866
قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ (١): إِنَّهَا أُخْتِي، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهَا قَالَ: إِنَّ هذَا سَأَلَنِي عَنْكِ فَأَنْبَأْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْيَوْمَ مُسْلِمٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ، وَإِنَّكِ أُخْتِي في كِتَابِ اللَّهِ فَلَا تُكَذِّبِينِي عِنْدَهُ"،
===
(قال) رسول الله ﷺ : (فأرسل) أي الجبار (إليه) أي إلى إبراهيم ﵇ رسولًا، فأتاه (فسأله) أي سأل الجبار إبراهيم (عنها) أي عن المرأة، أي: من هي؟ (فقال: إنها) أي المرأة (أختي، فلما رجع) إبراهيم من مجلس الملك (إليها) أي إلى سارة (قال: إن هذا) أي الملك (سألني عنك فانبأته) أي أخبرت الملك (أنك أختي) وإن ذلك ليس بكذب (وأنه) أي الشأن (ليس اليوم مسلم غيري وغيرك).
قال الحافظ: يشكل عليه كون لوط كان معه كما قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ (٢)، ويمكن أن يجاب بأن المراد بالأرض: الأرض التي وقع له فيها ما وقع، ولم يكن معه لوط إذ ذاك.
(وإنك أختي في كتاب (٣) الله، فلا تكذبيني عنده) , لأن المؤمنين كلهم إخوة.
قال الحافظ: ظاهر هذا السياق أنه سأله عنها أولًا، ثم أعلمها بذلك لئلا تكذبه عنده، ويخالفه ما في رواية هشام بن حسان أنه قال لها: "إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، وأنك أختي
стр. 4867
وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [خ ٣٣٥٨، م ٢٣٧١، ت ٣١٦٦، حم ٢/ ٤٠٣]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْخَبَرَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عن أَبِي الزِّنَادِ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ (١).
===
في الإسلام، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار، فأتاه فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي أن تكون إلَّا لك، فأرسل إليها"، الحديث، فيمكن أن يجمع بينهما بأن إبراهيم أحسَّ بأن الملك سيطلبها منه، فأوصاها بما أوصاها، فلما وقع ما حسبه، فأعاد عليها الوصية.
(وساق الحديث)، وتمامه أخرجه البخاري في "صحيحه"، ولفظه: "فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده، فَأُخِذَ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله، فأطلق، ثم تناولها الثانية، فأُخذ مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأُطلق، فدعا بعض حجبَته، فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان، إنما أتيتموني بشيطان، فأخْدمَها هاجر"، قال أبو هريرة: تلك أمكم يا بني ماء السماء، انتهى. وأخرجه مسلم أطول من هذا.
(قال أبو داود: روى هذا الخبر شعيب بن أبي حمزة (٢)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه).
قال الحافظ (٣): في الحديث مشروعية أخوة الإِسلام، وإباحة المعاريض، والرخصة في الانقياد للظالم والغاصب، وقبول صلة الملك الظالم، وقبول هدية المشرك، وإجابة الدعاء بإخلاص النية، وكفاية الرب لمن أخلص في الدعاء بعمله الصالح، ويقال: إن الله كشف إبراهيم حتى رأى حال الملك مع سارة معاينة، وإنه لم يصل منها إلى شيء، ذكر ذلك في "التيجان"، ولفظه: فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه، ثم نَحَّى إبراهيم إلى خارج القصر، وقام إلى سارة، فجعل الله القصر لإبراهيم كالقارورة الشافعية، فصار يراهما ويسمع كلامهما.
стр. 4868
٢٢١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَزَّازُ، نَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ الْقَطَّانُ، نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عن مَعْمَرٍ، عن عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ
===
٢٢١٣ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم البزاز، نا علي بن بحر القطان، نا هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس) بن شماس، بمعجمة وميم مشددة وآخره مهملة، أنصاري خزرجي، خطيب الأنصار، من كبار الصحابة، بشَّره النبي ﷺ بالجنَّة، فنفذت وصيته بمنام رآه خالد بن الوليد ﵁.
واختلفت الروايات (١) في امرأة ثابت بن قيس، ففي بعضها: أخت عبد الله بن أبي، وفي بعضها: أنها جميلة بنت أبي، كبير الخزرج ورأس النفاق، ووقع في رواية النسائي، والطبراني: جميلة بنت عبد الله بن أبي.
قال ابن سعد في "الطبقات" (٢): جميلة بنت عبد الله بن أبي، أسلمت وبايعت، وكانت تحت حنظلة بن أبي عامر، غسيل الملائكة، فقتل عنها بأحد، فخلف عليها ثابت بن قيس، فولدت له ابنه محمدًا، ثم اختلعت منه، فتزوجها مالك بن دخشم، ثم خبيب بن إساف. ووقع في رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: "أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان أَصْدَقها حديقة، فكرهته"، الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي، وسنده قوي مع إرساله، ولا تنافي بينه وبين الذي قبله لاحتمال أن يكون لها اسمان، أو أحدهما لقب، وإلا فالموصول أصح. قال الدمياطي: والذي وقع في "البخاري" من أنها بنت أبي وَهْمٌ.
قلت: ولا يليق إطلاق كونه وهما، فإن الذي وقع فيه أخت عبد الله بن أبي، وهي أخت عبد الله بلا شك، لكن نسب أخوها في هذه الرواية إلى جده
стр. 4869
اخْتَلَعَتْ مِنْهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عدَّتَهَا حَيْضَةً". [ت ١١٨٥، ن ٣٤٦٣، قط ٣/ ٢٥٥، ك ٢/ ٢٠٦]
===
أبي، كما نسبت هي في رواية قتادة إلى جدتها سلول، فبهذا يجمع بين المختلف من ذلك.
وأما ابن الأثير وتبعه النووي فجزما بأن قول من قال: إنها بنت عبد الله ابن أبي وهم، والصواب أنها أخت عبد الله بن أبي، وليس كما قالا، بل الجمع أولى.
وجاء في اسم امرأة ثابت بن قيس قولان آخران:
أحدهما: أنها مريم المغالية، أخرجه النسائي وابن ماجه.
والقول الثاني: أنها حبيبة بنت سهل، أخرجه مالك في "الموطأ"، قال ابن عبد البر: اختلف في امرأة ثابت بن قيس، فذكر البصريون أنها جميلة بنت أبي، وذكر المدنيون أنها حبيبة بنت سهل.
قلت: والذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين، واختلاف السياقين، بخلاف ما وقع من الاختلاف في تسمية جميلة ونسبها، فإن سياق قصتها متقارب، فأمكن من الاختلاف فيه إلى الوفاق (١).
(اختلعت (٢) منه، فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة) (٣)، واختلف في الخلع
стр. 4870
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أنه فسخ أو طلاق (١)؟ فقال أبو حنيفة وأصحابه، وابن أبي ليلى، وأحد قولي الشافعي: إنه الطلاق (٢) البائن، وحكي ذلك عن علي وعمر وعثمان، وقال أحمد بن حنبل، وطاوس، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وهو أحد قولي الشافعي: إنه فسخ لا طلاق، حكي ذلك عن ابن عباس وعكرمة.
واستدلوا بهذا الحديث بأنه لو كان طلاقًا لكان العدة ثلاثة قروء، فالتربص بحيضة يشعر بأنه فسخ، فيكفي فيه الحيضة الواحدة.
وأجاب عنه بعض العلماء: أن المراد بالحيضة هو الجنس الذي يصدق على القليل والكثير، فالمراد أن العدة بالحيض لا بالأشهر، فلا يدل على وحدة الحيضة، وتعقب بأنه وقع في النسائي التصريح بالوحدة، ويجاب عنه بأن زيادة الوحدة في رواية النسائي مبني على فهم الراوي، بأنه فهم من لفظ الحيضة حيضة واحدة، فرواها كما فهم.
قال في "فتح الودود": من لا يقول به يقول: إن الواجب في العدة ثلاثة قروء بالنص، فلا يترك النص بخبر الآحاد.
واحتج القائلون بأنه طلاق بما وقع في حديث ابن عباس من أمره ﷺ لثابت بالطلاق.
وبما رواه الدارقطني في "سننه" (٣) من حديث عباد بن كثير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ جعل الخلع تطليقة بائنة"، وسكت عنه. ورواه ابن عدي في "الكامل" وأعَلَّه بعبَّاد، وأسند عن البخاري أنه قال: تركوه، وعن النسائي أنه قال: متروك الحديث، وعن شعبة أنه قال: احذروا حديثه.