قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ (١): إِنَّهَا أُخْتِي، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهَا قَالَ: إِنَّ هذَا سَأَلَنِي عَنْكِ فَأَنْبَأْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْيَوْمَ مُسْلِمٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ، وَإِنَّكِ أُخْتِي في كِتَابِ اللَّهِ فَلَا تُكَذِّبِينِي عِنْدَهُ"،
===
(قال) رسول الله ﷺ : (فأرسل) أي الجبار (إليه) أي إلى إبراهيم ﵇ رسولًا، فأتاه (فسأله) أي سأل الجبار إبراهيم (عنها) أي عن المرأة، أي: من هي؟ (فقال: إنها) أي المرأة (أختي، فلما رجع) إبراهيم من مجلس الملك (إليها) أي إلى سارة (قال: إن هذا) أي الملك (سألني عنك فانبأته) أي أخبرت الملك (أنك أختي) وإن ذلك ليس بكذب (وأنه) أي الشأن (ليس اليوم مسلم غيري وغيرك).
قال الحافظ: يشكل عليه كون لوط كان معه كما قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ (٢)، ويمكن أن يجاب بأن المراد بالأرض: الأرض التي وقع له فيها ما وقع، ولم يكن معه لوط إذ ذاك.
(وإنك أختي في كتاب (٣) الله، فلا تكذبيني عنده) , لأن المؤمنين كلهم إخوة.
قال الحافظ: ظاهر هذا السياق أنه سأله عنها أولًا، ثم أعلمها بذلك لئلا تكذبه عنده، ويخالفه ما في رواية هشام بن حسان أنه قال لها: "إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، وأنك أختي
стр. 4867
وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [خ ٣٣٥٨، م ٢٣٧١، ت ٣١٦٦، حم ٢/ ٤٠٣]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْخَبَرَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عن أَبِي الزِّنَادِ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ (١).
===
في الإسلام، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار، فأتاه فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي أن تكون إلَّا لك، فأرسل إليها"، الحديث، فيمكن أن يجمع بينهما بأن إبراهيم أحسَّ بأن الملك سيطلبها منه، فأوصاها بما أوصاها، فلما وقع ما حسبه، فأعاد عليها الوصية.
(وساق الحديث)، وتمامه أخرجه البخاري في "صحيحه"، ولفظه: "فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده، فَأُخِذَ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله، فأطلق، ثم تناولها الثانية، فأُخذ مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأُطلق، فدعا بعض حجبَته، فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان، إنما أتيتموني بشيطان، فأخْدمَها هاجر"، قال أبو هريرة: تلك أمكم يا بني ماء السماء، انتهى. وأخرجه مسلم أطول من هذا.
(قال أبو داود: روى هذا الخبر شعيب بن أبي حمزة (٢)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه).
قال الحافظ (٣): في الحديث مشروعية أخوة الإِسلام، وإباحة المعاريض، والرخصة في الانقياد للظالم والغاصب، وقبول صلة الملك الظالم، وقبول هدية المشرك، وإجابة الدعاء بإخلاص النية، وكفاية الرب لمن أخلص في الدعاء بعمله الصالح، ويقال: إن الله كشف إبراهيم حتى رأى حال الملك مع سارة معاينة، وإنه لم يصل منها إلى شيء، ذكر ذلك في "التيجان"، ولفظه: فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه، ثم نَحَّى إبراهيم إلى خارج القصر، وقام إلى سارة، فجعل الله القصر لإبراهيم كالقارورة الشافعية، فصار يراهما ويسمع كلامهما.
стр. 4868
٢٢١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَزَّازُ، نَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ الْقَطَّانُ، نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عن مَعْمَرٍ، عن عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ
===
٢٢١٣ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم البزاز، نا علي بن بحر القطان، نا هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس) بن شماس، بمعجمة وميم مشددة وآخره مهملة، أنصاري خزرجي، خطيب الأنصار، من كبار الصحابة، بشَّره النبي ﷺ بالجنَّة، فنفذت وصيته بمنام رآه خالد بن الوليد ﵁.
واختلفت الروايات (١) في امرأة ثابت بن قيس، ففي بعضها: أخت عبد الله بن أبي، وفي بعضها: أنها جميلة بنت أبي، كبير الخزرج ورأس النفاق، ووقع في رواية النسائي، والطبراني: جميلة بنت عبد الله بن أبي.
قال ابن سعد في "الطبقات" (٢): جميلة بنت عبد الله بن أبي، أسلمت وبايعت، وكانت تحت حنظلة بن أبي عامر، غسيل الملائكة، فقتل عنها بأحد، فخلف عليها ثابت بن قيس، فولدت له ابنه محمدًا، ثم اختلعت منه، فتزوجها مالك بن دخشم، ثم خبيب بن إساف. ووقع في رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: "أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان أَصْدَقها حديقة، فكرهته"، الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي، وسنده قوي مع إرساله، ولا تنافي بينه وبين الذي قبله لاحتمال أن يكون لها اسمان، أو أحدهما لقب، وإلا فالموصول أصح. قال الدمياطي: والذي وقع في "البخاري" من أنها بنت أبي وَهْمٌ.
قلت: ولا يليق إطلاق كونه وهما، فإن الذي وقع فيه أخت عبد الله بن أبي، وهي أخت عبد الله بلا شك، لكن نسب أخوها في هذه الرواية إلى جده
стр. 4869
اخْتَلَعَتْ مِنْهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عدَّتَهَا حَيْضَةً". [ت ١١٨٥، ن ٣٤٦٣، قط ٣/ ٢٥٥، ك ٢/ ٢٠٦]
===
أبي، كما نسبت هي في رواية قتادة إلى جدتها سلول، فبهذا يجمع بين المختلف من ذلك.
وأما ابن الأثير وتبعه النووي فجزما بأن قول من قال: إنها بنت عبد الله ابن أبي وهم، والصواب أنها أخت عبد الله بن أبي، وليس كما قالا، بل الجمع أولى.
وجاء في اسم امرأة ثابت بن قيس قولان آخران:
أحدهما: أنها مريم المغالية، أخرجه النسائي وابن ماجه.
والقول الثاني: أنها حبيبة بنت سهل، أخرجه مالك في "الموطأ"، قال ابن عبد البر: اختلف في امرأة ثابت بن قيس، فذكر البصريون أنها جميلة بنت أبي، وذكر المدنيون أنها حبيبة بنت سهل.
قلت: والذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين، واختلاف السياقين، بخلاف ما وقع من الاختلاف في تسمية جميلة ونسبها، فإن سياق قصتها متقارب، فأمكن من الاختلاف فيه إلى الوفاق (١).
(اختلعت (٢) منه، فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة) (٣)، واختلف في الخلع
стр. 4870
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أنه فسخ أو طلاق (١)؟ فقال أبو حنيفة وأصحابه، وابن أبي ليلى، وأحد قولي الشافعي: إنه الطلاق (٢) البائن، وحكي ذلك عن علي وعمر وعثمان، وقال أحمد بن حنبل، وطاوس، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وهو أحد قولي الشافعي: إنه فسخ لا طلاق، حكي ذلك عن ابن عباس وعكرمة.
واستدلوا بهذا الحديث بأنه لو كان طلاقًا لكان العدة ثلاثة قروء، فالتربص بحيضة يشعر بأنه فسخ، فيكفي فيه الحيضة الواحدة.
وأجاب عنه بعض العلماء: أن المراد بالحيضة هو الجنس الذي يصدق على القليل والكثير، فالمراد أن العدة بالحيض لا بالأشهر، فلا يدل على وحدة الحيضة، وتعقب بأنه وقع في النسائي التصريح بالوحدة، ويجاب عنه بأن زيادة الوحدة في رواية النسائي مبني على فهم الراوي، بأنه فهم من لفظ الحيضة حيضة واحدة، فرواها كما فهم.
قال في "فتح الودود": من لا يقول به يقول: إن الواجب في العدة ثلاثة قروء بالنص، فلا يترك النص بخبر الآحاد.
واحتج القائلون بأنه طلاق بما وقع في حديث ابن عباس من أمره ﷺ لثابت بالطلاق.
وبما رواه الدارقطني في "سننه" (٣) من حديث عباد بن كثير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ جعل الخلع تطليقة بائنة"، وسكت عنه. ورواه ابن عدي في "الكامل" وأعَلَّه بعبَّاد، وأسند عن البخاري أنه قال: تركوه، وعن النسائي أنه قال: متروك الحديث، وعن شعبة أنه قال: احذروا حديثه.
стр. 4871
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وبما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): حدثنا ابن جريج، عن داود بن أبي عاصم، عن سعيد بن المسيب: "أن النبي ﷺ جعل الخلع تطليقة"، وكذلك رواه ابن أبي شيبة، وروى مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جمهان مولى الأسلميين، عن أم بكرة الأسلمية: أنها اختلعتْ من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك، فقال: هي تطليقة.
وروى ابن أبي شيبة بسنده إلى ابن مسعود أنه قال: لا تكون طلقة بائنة إلَّا في فدية أو إيلاء، وروي نحوه عن علي أيضًا، كذا في "البرهان في شرح مواهب الرحمان".
وقال الزيلعي في "نصب الراية" (٢): روى مالك في "الموطأ" عن نافع: "أن ربيع بنت معوذ جاءت هي وعمتها إلى عبد الله بن عمر، فأخبرته أنها اختلعت من زوجها في زمان عثمان بن عفان، فبلغ ذلك عثمان فلم ينكره، فقال ابن عمر: عدتها عدة المطلقة".
قال مالك: إنه بلغه أن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وابن شهاب كانوا يقولون: عدة المختلعة ثلاثة قروء.
وأيضًا بما رواه أبو داود في "المراسيل" (٣)، عن سعيد بن المسيب: "أن المرأة كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وكان أصدقها حديقة، وكان غيورًا، فضربها فكسر يدها، فجاءتْ إلى النبي ﷺ ، فاشتكته إليه، فقالت: أنا أردُّ إليه حديقته، فدعا زوجها، فقال: إنها ترد عليك حديقتك، قال: أو ذلك لي؟ قال: نعم، قد قبلتُ يا رسول الله، قال النبي ﷺ : اذهبا، فهي واحدة، ثم نكحتْ بعده رفاعة العائذي فضربها، فجاءت عثمان فقالت: أنا أرد عليه صداقه، فدعاه عثمان، فقال عثمان: اذهبا فهي واحدة".
стр. 4872
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن عَمْرِو بْنُ مُسْلِمٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا.
٢٢١٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن نَافِعٍ، عن ابْن عُمَرَ قَالَ: "عِدَّةُ الْمُخْتَلَعَةِ حَيْضَةٌ" (١). [حم ٢/ ٥٩٣، ق ٧/ ٤٤٧]
(١٧) بَابٌ: في الظِّهَارِ
===
(قال أبو داود: وهذا الحديث) المتقدم (رواه عبد الرزاق (٢)، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلًا) فاختلف هشام بن يوسف وعبد الرزاق عن معمر في إرساله وإسناده.
٢٢١٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر (٣) قال: عدة المختلعة حيضة)، قال في الحاشية: عن "فتح الودود": من لا يقول به يقول: إن الواجب في العدة ثلاثة قروء بالنص، فلا يترك النص بخبر الآحاد، انتهى.
قلت: أو يقال: إن عدتها بالحيض، فالتاء ليست للوحدة.
(١٧) (بَابٌ: في الظِّهَارِ) (٤)
أي: باب في بيان أحكام الظهار، وهو بكسر الظاء المعجمة، قول الرجل لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي
стр. 4873
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وإنما خص الظهر بذلك دون سائر الأعضاء, لأنه محل الركوب غالبًا، ولذلك سمي المركوب ظهرًا، فشُبِّهَتِ الزوجة بذلك لأنها مركوب الرجل، فلو أضاف لغير الظهر كالبطن مثلًا كان ظهارًا على الأظهر عند الشافعية.
واختلف في ما إذا لم يعين الأم، كأن قال: كظهر أختي مثلًا، فعن الشافعي في القديم: لا يكون ظهارًا، بل يختص بالأم كما ورد في القرآن، وكذا في حديث خولة التي ظاهر منها أوس، وقال في الجديد: يكون ظهارًا، وعن مالك هو ظهار، وهو قول الجمهور.
ولكن اختلفوا فيمن لم تحرم على التأبيد، فقال الشافعي: لا يكون ظهارًا، وعن أحمد روايتان (١) كالمذهبين، فلو قال: كظهر أبي مثلًا فليس بظهار عند الجمهور، وعن أحمد رواية: أنه ظهار، وطرده في كل من يحرم عليه وطؤه حتى في البهيمة، قاله الحافظ في "الفتح" (٢).
وعند الحنفية هو تشبيه الزوجة، أو جزء منها شائعًا، أو جزء معبر به عن الكل بما لا يحل النظر إليه من المحرمة على التأبيد، ولو برضاع أو صهرية، ولا فرق بين كون العضو الظهر أو غيره بما لا يحل النظر إليه.
وإنما خص باسم الظهار تغليبًا للظهر, لأنه كان الأصل في استعمالهم، وكان الظهار في الجاهلية يحرِّم النساء، كان أهل الجاهلية يطلقون بثلاث: الظهار، والإيلاء، والطلاق، فأقرَّ الله الطلاق طلاقًا، وحكم في الإيلاء والظهار بما بيَّن في القرآن، وشرطه في المرأة كونها زوجة، وفي الرجل كونه من أهل الكفارة، فلا يصح ظهار الذمي كالصبي والمجنون.
стр. 4874
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وسبب نزول آيات الظهار هو: أن خولة بنت ثعلبة كانت امرأة جسيمة، فرآها زوجها ساجدة في صلاتها، فنظر إلى عجيزتها، فلما انصرفتْ أرادها، فامتنعتْ عليه، وكان امرءًا فيه سرعة ولمم، فقال لها: "أنت عليَّ كظهر أمي"، ثم ندم على ما قال. وكان الإيلاء والظهار من طلاق أهل الجاهلية، فقال لها: ما أظنك إلَّا قد حرمت علي، فأتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني، وأنا شابة غنية، ذات مال وأهل، حتى أكل مالي، وأفنى شبابي، وتفرق أهلي، وكبر سني، ظاهر مني، وقد ندم، فهل من شيء يجمعني وإياه ينعشني به؟ فقال رسول الله ﷺ : "حرمت عليه"، فقالت: يا رسول الله، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقًا، وإنه أبو ولدي، وأحبُّ الناس إلى، فقال رسول الله ﷺ : "حرمت عليه"، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، قد طالت صحبتي، ونفضت له بطني -أي كثر ولدي-، فقال رسول الله ﷺ : "ما أراكِ إلَّا وقد حرمت عليه، ولم أؤمر في شأنك بشيء"، فجعلت تراجع رسول الله ﷺ ، فإذا قال لها رسول الله ﷺ : "حرمت عليه" هتفت، وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي، اللَّهُمَّ أنزل على نبيك.
وكان هذا أول ظهار في الإِسلام، فأنزل الله تعالى عليه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (١) الآيات، قال لها: "ادعي زوجك"، فجاء فتلا عليه رسول الله ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾، الآيات، ثم قال له: "هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ " قال: إذن يذهب مالي كله. الرقبة غالية، وأنا قليل المال، فقال رسول الله ﷺ : "هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " فقال: والله يا رسول الله إن لم آكل في اليوم ثلاث مرات كَلَّ بصري، وخشيت أن تعشو عيني"، قال: "فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا والله إلَّا أن تعينني على ذلك يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : "إني معينك بخمسة عشر صاعًا، واجتمع لهما أمرهما" (٢).
стр. 4875
٢٢١٥ - حَدَّثنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاء (١) - قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: ابْنِ عَلْقَمَةَ- بْنِ عَيَّاشٍ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عن سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ - قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: الْبَيَاضِيُّ-
===
٢٢١٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن العلاء، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قَالَا) أي عثمان ومحمد بن العلاء: (نا ابن إدريس) أي عبد الله بن إدريس الأودي، (عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء- قال ابن العلاء: ابن علقمة- بن عياش)، هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا لأبي داود: علقمة بن عياش، وهو صفة لعطاء، والذي ثبت عندي أنه منقلب، والصواب ما قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" في ترجمة محمد بن عمرو بن عطاء بن عباس بن علقمة بن عبد الله بن أبي قيس إلى آخر نسبه. وكذا ما قال المقدسي في ترجمة محمد بن عمرو بن عطاء بن عياش بن علقمة العامري، وهو مكتوب، بمثناة تحتية وستين معجمة بعد الألف.
وكتب على الحاشية نسخة، وهي: عطاء بن عباس- بالباء الموحدة وسين مهملة بعد الألف- موافقًا لما في "تهذيب التهذيب".
وما في "رجال جامع الأصول": محمد بن عمرو بن عطاء بن عباس بن علقمة العامري القرشي المدني، فظهر بهذا أن ما وقع في "أبي داود" من ابن العلاء، فكأنه انقلب عليه، أو وقع الغلط من تصحيف الكاتب.
(عن سليمان بن يسار، عن سلمة (٢) بن صخر، قال ابن العلاء) في صفة سلمة: (البياضي) ولم يذكره عثمان، وهو سلمة بن صخر بن سلمان بن الصمة بن حارثة بن الحارث بن زيد مناة، الأنصاري الخزرجي، المدني،
стр. 4876
قَالَ: كُنْتُ امْرَءًا أُصِيبُ مِنَ النِّسَاءِ مَا لَا يُصِيبُ غَيْرِي، فَلَمَّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ خِفْتُ أَنْ أُصِيبَ مِنَ امْرَأَتِي شَيْئًا يُتَّايَعُ (١) بِي حَتَّى أُصْبِحَ، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فبَيْنَا (٢) هِيَ تَخْدِمُنِي ذَاتَ لَيْلَةٍ إِذْ تَكَشَّفَ لِي مِنْهَا شيْءٌ، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ نَزَوْتُ عَلَيْهَا،
===
ويقال: سلمان بن صخر، وسلمة أصح، ودعوتهم في بني بياضة، فلذلك يقال له: البياضي.
قال الحافظ في "الإصابة" (٣): كان يقال له: البياضي, لأنه كان حالفهم، أخرجوا له حديث الظهار، قال البغوي: لا أعلم له حديثًا مسندًا غيره.
(قال) سلمة بن صخر: (كنت امرأ) أي رجلًا (أصيب من النساء) أي في الرغبة فيهن، وشدة الشهوة، ووفور القوة على الجماع (ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئًا) من الجماع (يُتَّايَعُ (٤) بي) أي: يلازمني شره (حتى أصبح) غاية لقوله: "أصيب من امرأتي"، أي: أصيب من امرأتي من الجماع في الليل، فلم أقدر على أن أنزع منها، حتى أصبح، فيفسد صومي ويلازمني شره.
(فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان)، أي: ظاهرت منها ظهارًا مؤقتًا (٥) إلى تمام شهر رمضان، (فبينا هي تخدمني ذات ليل إذ تكشف) أي انكشف وظهر (لي منها) أي من حسنها وجمالها (شيء، فلم ألبث أن نزوت) أي وقعت (عليها)
стр. 4877
فَلَمَّا أَصْبَحْتُ خَرَجْتُ إِلَى قَوْمِي فَأَخْبَرْتُهُم الْخَبَرَ، وَقُلْتُ: امْشُوا (١) مَعِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالُوا: لَا وَاللهِ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "أَنْتَ بِذَاكَ يَا سَلَمَةُ؟ ". قُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، وَأَنَا صَابِرٌ لأَمْرِ اللَّهِ ، فَاحْكُمْ فِيَّ مَا (٢) أَرَاكَ الله.
قَالَ: "حَرِّرْ رَقَبَةً"، قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَمْلِكُ رَقَبَة غَيْرَهَا وَضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَتِي، قَالَ: "فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ"، قَالَ: وَهَلْ أَصَبْتُ الَّذِي أَصَبْتُ إِلَّا مِنَ الصّيَامِ، قَالَ: "فَأَطْعِمْ وَسَقًا مِنْ
===
أي حتى أصبحت، (فلما أصبحت خرجت إلى قومي، فأخبرتهم الخبر) أي قصتي (وقلت: امشوا معي إلى رسول الله ﷺ ، قالوا: لا) أي لا ننطلق معك (٣) (والله).
(فانطلقت) وحدي (إلي النبي ﷺ ، فأخبرته) بقصتي (فقال) أي رسول الله ﷺ توبيخًا: (أنت بذاك) أي أنت الفاعل بذاك الفعل (يا سلمة؟ قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين، وأنا صابر لأمر الله أي في قصتي، (فاحكم في ما أراك الله! قال: حرر) أي أعتق (رقبة، قلت (٤): والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها، وضربت صفحة رقبتي) بيدي (قال: فصم شهرين متتابعين) أي لم يفصل بينها بالجماع (قال: وهل أصبت الذي أصبت) من المصيبة (إلَّا من) أجل (الصيام، قال) رسول الله ﷺ : (فأطعم (٥) وسقا من
стр. 4878
تَمْر بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا"، قَالَ (١): وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقّ لَقَدْ بِتْنَا وَحْشَيْنِ مَا لنَا طَعَامٌ. قَالَ: "فَانْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُريقٍ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ، فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسَقًا مِنْ تَمْرٍ، وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيَّتَهَا".
فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي، فَقُلْتُ: وَجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ وَسُوءَ الرَّأْي، وَوَجَدْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ السَّعَةَ وَحُسْنَ الرَّأْيِ، وَقَدْ (٢) أَمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُم. [ت ٣٢٩٩، جه ٢٠٦٢، حم ٤/ ٣٧، دي ٢٢٧٣، خزيمة ٢٣٧٨]
(٣) زَادَ ابْنُ الْعَلَاءِ: قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: وَبَيَاضَةُ بَطْنٌ مِنْ بَنِي زُريقٍ.
===
تمر بين ستين مسكينًا).
(قال) سلمة: (والذي بعثك بالحق لقد بتنا) أي أنا وزوجتي (وحشين) أي خالي البطن (ما لنا طعام، قال) رسول الله ﷺ : (فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق) أي عاملها (فليدفعها) أي تمر الصدقة (إليك، فأطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر، وكل أنت وعيالك بقيتها، فرجعت إلى قومي، فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند النبي ﷺ السعة وحسن الرأي، وقد أمر لي بصدقتكم).
(زاد ابن العلاء، قال ابن إدريس: وبياضة بطن من بني زريق) بتقديم الزاي على الراء، قال السمعاني في "الأنساب" (٤): الزُّرَقي: بضم الزاي وفتح الراء وفي آخرها القاف، هذه النسبة إلى بني زريق، وهم بطن من الأنصار، ويقال لهم: بنو زريق بن عبد حارثة بن مالك.
стр. 4879
٢٢١٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، نَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عن مُحَمَّدِ بْن إِسْحَاقَ، عن مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، عن يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، عن خُوَيْلَةَ بنْتِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ
===
وقال (١): البياضي بفتح الباء المنقوطة بواحدة والياء المنقوطة باثنتين من تحتها وفي آخرها الضاد المعجمة، هذه النسبة إلى أشياء، [منها إلى] بياضة الأنصار، وهم بطن منه، منهم سلمة بن صخر البياضي له صحبة، وجماعة نسبوا إلى لبس الثياب البيض ببغداد. والنسبة الثالثة: هي النسبة إلى بيع الثياب القطنية تكون بالري، انتهى ملخصًا.
٢٢١٦ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يحيى بن آدم، نا ابن إدريس) عبد الله، (عن محمد بن إسحاق، عن معمر بن (٢) عبد الله بن حنظلة) الحجازي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: أخرج حديثه في "صحيحه"، وفيه تصريح ابن إسحاق بالسماع، وقال القطان: مجهول الحال، وتبعه الذهبي، وقال: تفرد عنه ابن إسحاق.
(عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة)، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب": خولة بنت ثعلبة بن أصرم بن فهو بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصارية الخزرجية، ويقال: خولة بنت ثعلبة بن مالك، ويقال: بنت مالك بن ثعلبة، ويقال: دُليج، ويقال: بنت صامت، روى حديثها ابن إسحاق، عن معمر بن عبد الله بن حنظلة، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خويلة قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت.
قلت: هذه رواية إبراهيم بن سعد، وقال يونس بن بكير: عن إسحاق
стр. 4880
قَالَتْ: ظَاهَرَ مِنِّي زَوْجي أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَشْكُو إِلَيْهِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يجَادِلُنِي فِيهِ، وَيقُولُ: "اتَّقِي الله فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّكِ"،
===
خولة بغير تصغير، وكذا قال ابن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وكذا هو في تفسير النخعي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال محمد بن أبي حرملة: عن عطاء بن يسار: أن خويلة بنت ثعلبة، وكذا سماها محمد بن كعب، وعروة، وعكرمة، وقال محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق: خويلة بنت ثعلبة، أخرجه الطبراني، وقال يحيى بن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق: بنت مالك بن ثعلبة، أخرجه الحسن بن سفيان، وكذا قال جعفر بن الحارث عن ابن إسحاق، أخرجه ابن منده، وأخرجه يحيى الحماني في "مسنده" من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن زيد بن يزيد، عن خولة بنت الصامت، انتهى.
(قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت) الأنصاري الخزرجي، أخو عبادة بن الصامت، شهد بدرًا، وهو الذي ظاهر من امرأته، رواه أبو داود من رواية الأوزاعي عن عطاء عنه، وقال عقبة: عطاء لم يدرك أوسًا، وهو من أهل بدر قديم الموت، والحديث مرسل، قلت: وقال ابن حبان: مات أيام عثمان، وله خمس وثمانون سنة.
(فجئت رسول الله ﷺ أشكو إليه) أي سوء خلقه وشدته (ورسول الله ﷺ يجادلني فيه، ويقول: اتقي الله، فإنه ابن (١) عمك).
وهذا الكلام بظاهره يخالف ما وقع في سائر الروايات من أنها كانت تشكو إلى رسول الله ﷺ وحدتها وفاقتها، ويقول رسول الله ﷺ بها: "حرمت عليه".
وهذا الكلام على أنها تشكو إلى رسول الله ﷺ سوء خلقه وفظاظته،
стр. 4881
فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إِلَى الفَرْضِ فَقَالَ: "يَعْتِقُ رَقَبَةً"، قَالَتْ: لَا يَجِدُ، قَالَ: "فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ" قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: "فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا"، قَالَتْ: مَا عِنْدَهُ مِنْ شَئٍ يَتَصدَّقُ (١) بهِ، قَالَتْ: فَأُتِيَ (٢) سَاعَتَئِذٍ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
===
ورسول الله ﷺ فَهِمَ من كلامها أنها تبغي مفارقته، فيشفع له إليها ويجادلها ويقول: اتقي الله فإنه ابن عمك.
قلت: لا مخالفة فيه، فإن في الحديث اختصارًا ذكر بعض القصة في بعضها، وتركت أخرى، وذكر في بعضها بعضًا آخر، فإن خولة جاءت رسول الله ﷺ ، فذكرت سوء خلقه وغلظته، ثم لما أخبرت بأنها حرمت عليه، جعلت تبكي وتهتف وتجادل رسول الله ﷺ في المفارقة؛ لأنها رجع إليها عقلها، وفهمت عاقبة أمرها، فنزلت آية الظهار.
(فما برحت حتى نزل القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٣) إلى الفرض) أي إلى المفروض من الكفارة (فقال) رسول الله ﷺ : (يعتق رقبة، قالتْ: لا يجد، قال فيصوم شهرين متتابعين، قالت: يا رسول الله إنه شيخ كبير ما) نافية (به) أي بأوس قوة (من صيام) من زائدة أي قوة صيام، (قال) أي رسول الله ﷺ : (فليطعم ستين مسكينًا، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به) أي في كفارة الظهار.
(قالتْ: فأتي ساعتئذ) أي في تلك الساعة (بعرَق) بفتح الراء، زنبيل منسوج من نسائج الخوص (من تمر) أي فأعطاه إياه رسول الله ﷺ في كفارته، ولما كان هذا المقدار يكفي نصف مقدار الكفارة، قالت: (قلت: يا رسول الله
стр. 4882
فَإِنِّي أُعِينُهُ (١) بِعَرَقٍ آخَرَ، قَالَ: "قَدْ أَحْسَنْتِ، اذْهَبِي فَأَطْعِمِي بِهَا عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَارْجِعِي إِلَى ابْنِ عَمِّكِ". قَالَ: وَالْعَرَقُ سِتُّونَ صَاعًا. [حم ٦/ ٤١٠]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وهَذَا (٢) إِنَّمَا كَفَّرَتْ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْتَأْمِرَهُ (٣).
===
فإني أعينه (٤) بعرَق آخر، قال: قد أحسنت، اذهبي فأطعمي بها) أي بالتمر (عنه) أي عن كفارته (ستين مسكينًا، وارجعي إلى ابن عمك، قال) يحيى بن آدم: (والعرَق ستون صاعًا).
(قال أبو داود: وهذا إنما كفَّرت عنه من غير أن تستأمره)، أي: تستأذنه. قلت: ليس في الحديث دلالة على أن خولة كَفَرت عنه بغير إذنه وعلمه، بل في الحديث دلالة على أنها فعلت ذلك بإذنه؛ لأنهما كانا عند رسول الله ﷺ لما أعانه رسول الله ﷺ بعرق، كما يدل عليه سائر الروايات.
ولو سُلِّم أنهما لم يكونا موجودين عند رسول الله ﷺ ، وكانت خولة وحدها موجودة عنده، فلما أعطاها رسول الله ﷺ عرق تمر، ووعدت عرقًا آخر، فالظاهر أنها ذهبت به إلى بيتها، وزادت فيه عرقًا آخر، فبعيد أن لا يطلع عليه أوس بن الصامت ﵁، فسكوته يكون إذنًا، والله أعلم.
وهذا الحديث مختصر، أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" مطولًا، من شاء فلينظر فيه.
واختلفت الروايات في تقدير العرَق (٥)، ففي هذه الرواية: أن العرق ستون
стр. 4883
٢٢١٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى (١)، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "وَالْعَرَقُ مِكْتَلٌ يَسَعُ ثَلَاثينَ صَاعًا". [انظر سابقيه]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا أَصَحُّ (٢) مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ.
===
صاعًا، وفي الرواية الثانية: أنه ثلاثون صاعًا، وفي الرواية الثالثة: خمسة عشر صاعًا، وهذا الاختلاف ليس باختلاف في الواقع، بل هو مبني على اختلاف المكاتل، فإنه قد يكون كبيرًا يسع ستين صاعًا، وقد يكون صغيرًا يسع ثلاثين صاعًا، وقد يكون أصغر فيسع خمسة عشر صاعًا.
٢٢١٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد العزيز بن يحيى) الحراني، (نا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، بهذا الإسناد) المتقدم (نحوه) أي نحو الحديث المتقدم، (إلَّا أنه) أي عبد العزيز بن يحيى (قال: والعرق مكتل) كمنبر (يسع ثلاثين صاعًا).
(قال أبو داود: وهذا) الحديث (أصح من حديث يحيى بن آدم).
قلت: لم أقف على أصحية حديث عبد العزيز بن يحيى من حديث يحيى بن آدم، فإن رجال حديث يحيى بن آدم، وهما يحيى بن آدم وابن إدريس أقوى من رجال حديث عبد العزيز بن يحيى، فباعتبار رجال السند كونه أصح مشكل، إلَّا أن يقال: إن المراد بالأصحية في تقدير العرق بأنه ستون صاعًا، فإنه إذا كان العرق ستين صاعًا لا تحتاج إلى الإعانة بعرق آخر، فإن ستين صاعًا من التمر تكفي للكفارة، فالأصح أن العرق الذي أتي إلى رسول الله ﷺ كان يسع ثلاثين صاعًا، وهو نصف ما يكفي للكفارة، فأعانتُه بعرق آخر يسع ثلاثين صاعًا، وهو نصف آخر لا بد أن يزاد في الكفارة.
стр. 4884
٢٢١٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ، نَا يَحْيَى، عن أَبِي سَلَمَة بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ قَالَ: يَعْنِي الْعَرَقَ (١): زَنْبِيلًا يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا. [حم ٤/ ٣٧]
٢٢١٩ - حَدَّثَنَا ابْن السَّرْحِ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عن بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ بِهَذَا الْخَبرِ، قَالَ: فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَمْرٍ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَهوَ قَرِيبٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا. قَالَ: "تَصَدَّقْ بِهَذَا"،
===
٢٢١٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان، نا يحيى، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: يعني العرق) وفي نسخة: "بالعرق" (زنبيلًا يأخذ خمسة عشر صاعًا)، أخرجه الترمذي (٢): حدثنا إسحاق بن منصور، ثنا هارون بن إسماعيل الخزاز، ثنا علي بن المبارك، ثنا يحيى بن أبي كثير، ثنا أبو سلمة ومحمد بن عبد الرحمن [بن ثوبان، كما في "المستدرك" (٣)]، أن سلمان بن صخر (٤) الأنصاري، أحد بني بياضة، الحديث، وفيه: العرق: وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعًا أو ستة عشر صاعًا، إطعام ستين مسكينًا.
٢٢١٩ - (حدثنا ابن السرح، نا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار) أي عن سلمة بن صخر (بهذا الخبر) المتقدم من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن في قصة سلمة بن صخر (قال: فأتي رسول الله ﷺ بتمر، فأعطاه) أي التمر (إياه) أي سلمة بن صخر، (وهو قريب من خمسة عشر صاعًا، قال) رسول الله ﷺ : (تصدق بهذا،
стр. 4885
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلَى (١) أَفْقَرَ مِنِّي وَمِنْ أَهْلِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُكَ".
٢٢٢٠ - (٢) قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ وَزِيرٍ الْمِصْرِيِّ (٣):
===
قال) أي سلمة: (يا رسول الله على) حرف جر، بحذف همزة الاستفهام، وفي نسخة بذكرها (أفقر) أي أحوج (مني ومن أهلي؟ فقال رسول الله ﷺ : كله أنت وأهلك).
وهذا الحديث يخالف ما تقدم من حديث سليمان بن يسار في قصة سلمة بن صخر أن رسول الله ﷺ بعثه إلى صاحب صدقة بني زريق ليدفع إليه صدقتهم، وهذا الحديث على أن رسول الله ﷺ أتي بتمر، فأعطاه إياه.
ويمكن أن يجاب عنه: بأن رسول الله ﷺ لما علم شدة فقرهم وحاجتهم فأعطاه التمر الذي أتي به، بعد ما أمره بالانطلاق إلى صاحب صدقة بني زريق ليؤدي بهما الكفارة، ويأكل هو وأهله بقيتهما، وكان ذلك التمر لا يكفي الكفارة، فلا مخالفة فيه، والله أعلم.
وإنما أمره بالتصدق بالتمر الذي أتي به ليكون أداء بعض الصدقة في الحال، وبقيتها يؤديها مما يأخذ من صدقة بني زريق، ولما أخبر رسول الله ﷺ بحاجته وجوعه، أذن له في الأكل، فقدم الأكل على أداء الكفارة، والكفارة تكون عليه دينًا فيؤديها كلها فيما بعد مما يأخذ من صدقة بني زريق.
٢٢٢٠ - (قرأت على محمد بن الوزير المصري) روى عنه أبو داود، وأغفله صاحب "النبل". قلت: حديثه عنه في الطلاق، وأظنه أحمد بن الوزير
стр. 4886
حَدَّثَكُمْ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، نَا الأَوْزَاعِيُّ، نَا عَطَاءٌ، عن أَوْسٍ أَخِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا". [ق ٧/ ٣٩٢]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَعَطَاءٌ لَمْ يُدْرِكْ أَوْسًا، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، قَدِيمُ
===
الذي تقدم، أو كان له أخ اسمه محمد، وقد ذكره في "الميزان" (١)، وقال: ما رأيت أحدًا روى عنه سوى أبي داود.
وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب" في ترجمة أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان التجيبي، أبو عبد الله المصري، قال ابن عساكر في "الأطراف" في مسند أوس بن الصامت: "د" قرأت على ابن وزير المصري، يعني أحمد بن يحيى، فذكر حديثًا، قال المزي: كذا قال، وهو في عدة أصول من "سنن أبي داود": قرأت على محمد بن الوزير.
(حدثكم) بتقدير حرف الاستفهام (بشر بن بكر) التنيسي، أبو عبد الله البجلي، دمشقي الأصل، قال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: ما به بأس، وقال الدارقطني: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس، ما علمت إلَّا خيرًا، قال محمد بن الوزير: سمعت بشر بن بكر يقول: إنه ولد سنة ١٤٠ هـ، وقال العجلي والعقيلي: ثقة، وقال الحاكم: مأمون، وقال مسلمة بن قاسم: روى عن الأوزاعي أشياء انفرد بها إن شاء الله، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(نا الأوزاعي، نا عطاء، عن أوس أخي عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ أعطاه خمسة عشر صاعًا من شعير إطعام ستين مسكينًا)، وهذا مخالف لما تقدم من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام، فإن فيه بعرق من تمر، وفي هذه القصة اختلاف كثير.
(قال أبو داود: وعطاء لم يدرك أوسًا، وهو من أهل بدر، قديم
стр. 4887
الْمَوْتِ، وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ (١).
٢٢٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّ جَمِيلَةَ كَانَتْ تَحْتَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، وَكَانَ رَجُلًا بِهِ لَمَمٌ،
===
الموت، والحديث مرسل).
٢٢٢١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن هشام بن عروة، أن جميلة كانت تحت أوس بن الصامت)، قال الحافظ في ترجمتها: ونسبه أبو نعيم إلى التصحيف، وليس كما زعم، فقد وقع تسميتها كذلك في حديث عائشة من "مسند أحمد"، لكن المعروف أنها خولة، فلعل جميلة (٢) لقب (وكان رجلًا به لمم) أي خبل وجنون، وكتب بالحاشية: قال الخطابي (٣)، وابن الأثير (٤): اللمم هنا الإلمام بالنساء وشدة الحرص عليهن والتوقان، وليس من الخبل والجنون، فإنه لو ظاهر في تلك الحال لم يلزمه شيء، وهو في غير هذا طرف من المجنون يلم بالإنسان، أي يقرب منه ويعتريه.
قلت: ينافي هذا التفسير ما في "مستدرك الحاكم" (٥) و"سنن البيهقي" (٦) عن عائشة: "أن جميلة كانت امرأة أوس بن الصامت وكان امرأ به لمم، فإذا اشتدَّ لممه ظاهر من امرأته".
وما في "طبقات ابن سعد" (٧): عن عمران بن أنس قال: "كان أول من ظاهر في الإِسلام أوس بن الصامت، وكان به لمم، وكان يفيق أحيانًا فلاخى
стр. 4888
فَكَانَ إِذَا اشْتَدَّ (١) لَمَمُهُ ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ، فَأَنْزَلَ الله فِيهِ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ. [ق ٧/ ٣٨٢]
٢٢٢٢ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ،
===
امرأته خولة بنت ثعلبة في بعض صحواته، فقال: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم" الحديث، فعرف بهذا أن اللمم ها هنا: هو الخبل، وأن الظهار وقع في ضمن إفاقته منه، "مرقاة الصعود".
قلت: وينافيه رواية أبي داود: "فإذا اشتد به اللمم ظاهر"، بل الصواب أن المراد باللمم سوء الفكر والغضب فيما لا يغضب فيه الناس لا الجنون، "مولانا الشاه ولي الله المحدث الدهلوي ﵀".
وقد غلط صاحب "العون"، فنقل عن الخطابي: قال: معنى اللمم ها هنا: شدة الإلمام بالنساء وشدة الحرص والتوقان إليهن، ثم قال: يدل على ذلك قوله في هذا الحديث من الرواية الأولى: "كنت امرءًا أصيب من النساء ما لا يصيب غيري"، انتهى.
قلت: هذا غلط، ليس في هذ الحديث في شيء من الروايات: "كنت امرءًا أصيب من النساء ما لا يصيب غيري"، بل الواقع في بعض هذه الروايات أن أوسًا كان شيخًا ضعيفًا، بل الحديث الذي وقع فيه: "كنت امرءًا أصيب من النساء ما لا يصيب غيري"، هو حديث سلمة بن صخر، لا حديث قصة أوس بن الصامت، وهو حديث غير هذا الحديث، فلا يستدل بما وقع في قصة سلمة بن صخر من حاله الخاصة على قصة أوس بن الصامت، والله تعالى أعلم.
(فكان إذا اشتد لممه ظاهر من امرأته)، أي: فيكثر من الظهار في حال غلبة الخبل عليه، حتى اعتاد ذلك، فجرى على لسانه في حالة الإفاقة، (فأنزل الله فيه كفارة الظهار).
٢٢٢٢ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا محمد بن الفضل،
стр. 4889
نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ ﵂ مِثْلَهُ. [ق ٧/ ٣٨٢، ك ١/ ٨٢]
٢٢٢٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالْقَانِيُّ، نَا سُفْيَانُ، نَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ، عن عِكْرِمَةَ: "أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ ثمَّ وَاقَعَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، فَأَتَى (١) النَّبِيَّ ﷺ ! فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ "، قَالَ: رَأَيْتُ بَيَاضَ سَاقَيْهَا في الْقَمَرِ، قَالَ: "فَاعْتَزِلْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ عَنْكَ" (٢). (٣) [انظر سابقه]
===
نا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة ﵂ مثله).
٢٢٢٣ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، نا سفيان) بن عيينة، (نا الحكم بن أبان، عن عكرمة، أن رجلًا ظاهر من امرأته) لم أقف على تسميته، والذي يظهر لي أن الرجل سلمة بن صخر البياضي، فإنه وقع في الحديث المذكور في أول باب الظهار أنه واقع امرأته بعد ما ظاهر منها، والله تعالى أعلم.
(ثم واقعها قبل أن يكفِّر، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال) النبي ﷺ : (ما حملك على ما صنعت؟ ) الظاهر أنه لم يكن غرض الاستفهام السؤال، بل الاستفهام كان للتوبيخ والزجر والتنديم، ولكنه فهم من ظاهره السؤال (قال: رأيت بياض ساقيها في القمر) فلم أملك نفسي حتى واقعتها (قال) النبي ﷺ : (فاعتزلها) أي جماعها ودواعيها (٤) (حتى تكفِّر عنك) أي عن ظهارك.
стр. 4890
٢٢٢٤ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نَا إِسْمَاعِيلُ، نَا الْحَكَمُ بْنُ
===
قال الشوكاني (١): فيه دليل على أنه يحرم على الزوج الوطء قبل التكفير (٢)، وهو الإجماع، وأن الكفارة واجبة عليه، لا تسقط بالوطء قبل إخراجها.
وروى سعيد بن منصور عن الحسن وإبراهيم أنه يجب على من وطئ قبل التكفير ثلاث كفارات، وذهب الثوري (٣)، وسعيد بن جبير، وأبو يوسف إلى سقوط الكفارة بالوطء.
قلت: لم أقف على هذه الرواية لأبي يوسف في كتب الحنفية، ولا أثر من ذلك، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه تجب عليه كفارتان، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي، وذهب الجمهور إلى أن الواجب كفارة واحدة مطلقًا، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم.
واختلف في مقدمات الوطء، هل تحرم مثل الوطء إذا أراد أن يفعل شيئًا منها قبل التكفير أم لا؟ فذهب الثوري والشافعي في أحد قوليه إلى أن المحرم هو الوطء وحده لا المقدِّمات، وذهب الجمهور (٤) إلى أنها تحرم كما يحرم الوطء، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، وهو يصدق على الوطء ومقدماته، انتهى.
٢٢٢٤ - (حدثنا زياد بن أيوب، نا إسماعيل) بن علية، (نا الحكم بن
стр. 4891
أَبَانَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ السَّاقَ. [انظر الحديث السابق]
===
أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس) كذا في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندنا بذكر قوله: "عن ابن عباس" بعد قوله: "عكرمة"، إلَّا في النسخة المكتوبة الأحمدية، فإن فيها في أصل النسخة: "عن عكرمة، عن النبي ﷺ " من غير ذكر ابن عباس، ولكن رقم بقلم خفي فيها: "عن ابن عباس"، كأنه لم يكن في أصل النسخة، وزيد بعدها، والظاهر أنه غير صحيح، وكذا ما في جميع النسخ من لفظ "عن ابن عباس" غير صحيح.
والدليل عليه أن العلامة الزيلعي قال في "نصب الراية" (١) في باب الظهار: وأخرجه أبو داود، عن سفيان، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، أن رجلًا، فذكره مرسلًا، وكذلك أخرجه عن إسماعيل، عن الحكم مرسلًا، فشهد الزلجحي أن هذا الحديث في رواية إسماعيل عن الحكم مرسل، فلو كانت زيادة قوله: "عن ابن عباس" في هذا السند صحيحة لم يكن مرسلًا، بل كان مسندًا، فدل ذلك على أن هذا في السند لفظ "عن ابن عباس" غلط من الكاتب، والله تعالى أعلم.
(عن النبي ﷺ نحوه) أي نحو الحديث المتقدم (ولم يذكر) إسماعيل في حديثه (الساق) أي قصة الساق، وإنما أعاد هذا السند لأنه اختلف في إرساله وإسناده.
قال الشوكاني (٢): وحديث ابن عباس أخرجه أيضًا الحاكم وصححه، قال الحافظ: ورجاله ثقات، لكن أعلَّه أبو حاتم والنسائي بالإرسال، وقال ابن حزم: رواته ثقات، ولا يضر إرسال من أرسله. وأخرج البزار شاهدًا له من طريق خصيف عن عطاء عن ابن عباس: "أن رجلًا قال: يا رسول الله،
стр. 4892
٢٢٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، أَنَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْمُخْتَارِ حَدَّثَهُمْ (١)، نَا خَالِدٌ (٢)، حَدَّثَنِي مُحَدِّثٌ (٣)، عن عِكْرِمَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ. [ق ٧/ ٣٨٦]
===
إني ظاهرت من امرأتي، فرأيت ساقها في القمر، فواقعتها قبل أن أكفِّر، فقال: كفِّر ولا تعد"، وقد بالغ أبو بكر بن العربي فقال: ليس في الظهار حديث صحيح.
قلت: أخرج النسائي هذا الحديث من طريق الفضل بن موسى، عن معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس مسندًا، ثم أخرجه من طريق عبد الرزاق قال: ثنا معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة مرسلًا، ثم أخرجه كذلك من طريق المعتمر قال: سمعت الحكم بن أبان قال: سمعت عكرمة ولم يسنده، ثم قال: قال أبو عبد الرحمن: المرسل أولى بالصواب من المسند، انتهى. ولعله رجح الإرسال لأنه مروي من طريقين، وأما المسند فمروي عنده من طريق واحد.
٢٢٢٥ - (حدثنا أبو كامل، أن عبد العزيز بن المختار حدثهم) أي أبا كامل وغيره، (نا خالد، حدثني محدث) كذا في النسخ الموجودة وفي المصرية، ونسخة "العون" والمجتبائية، والقادرية، والكانفورية، إلَّا أنه كتب على حاشية المجتبائية والقادرية لفظ "محمد" بطريق النسخة؛ وأما في النسخة المكتوبة الأحمدية القديمة، ففي متنها: "حدثني محمد"، وكتب على حاشيتها "محدث"، فإن كان لفظ "محمد" محفوظًا، فلعله هو ابن سيرين، وإلَّا فهو مجهول.
(عن عكرمة، عن النبي ﷺ نحو حديث سفيان) مرسلًا لم يذكر فيه ابن عباس.
стр. 4893
٢٢٢٦ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عِيَسَى يُحَدِّثُ بِهِ، (١) نَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَكَمَ بْنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَلَمْ يَذْكُر ابْنَ عَبَّاسٍ. [انظر الأحاديث السابقة]
٢٢٢٧ - (٢) كَتَبَ إِلَيَّ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ: أَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عن مَعْمَرٍ، عن الْحَكَم بْنِ أَبَانَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَاهُ عن النَّبِيِّ ﷺ .
===
٢٢٢٦ - (قال أبو داود: وسمعت محمد بن عيسى يحدث به) أي بهذا الحديث، (نا معتمر قال: سمعت الحكم بن أبان يحدث بهذا الحديث) أي عن عكرمة كما في رواية عند النسائي (ولم يذكر) المعتمر (ابن عباس).
٢٢٢٧ - (كتب (٣) إليّ الحسين بن حريث قال: أنا الفضل بن موسى، عن معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم (عن النبي ﷺ ).
وهذا الحديث مسند، وغرض المصنف بذكر هذا الحديث: أن هذا الحديث مختلف في إرساله وإسناده، فذكر أولًا إرساله بطرق مختلفة، ثم أخرج مسندًا بطريق واحد، ليستدل على رجحان كونه مرسلًا على كونه مسندًا، وأخرج هذا الحديث (٤) النسائي في "مجتباه" (٥). بهذا الطريق مسندًا، ثم أخرج هذا الحديث من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الحكم بن أبان مرسلًا، فاختلف عن معمر في الإرسال والإسناد.
стр. 4894
(١٨) بَابٌ: في الْخُلْعِ
===
(١٨) (بَابٌ: في الْخُلْعِ) (١)
بضم المعجمة وسكون اللام، وهو في اللغة فراق الزوجة على مال، مأخوذ من خلع الثوب؛ لأن المرأة لباس الرجل معنى، وضم مصدره تفرقة بين الحسي والمعنوي، يقال: خلع ثوبه ونعله خلعًا بفتح الخاء، وخلع امرأته خُلعًا وخُلعة بالضم.
أما حقيقته الشرعية: فهو فراق الرجل امرأته على عوض يحصل له، وقال كثيرون من الفقهاء: هو مفارقة الرجل امرأته على مال، وليس بجيد، فإنه لا يشترط كون عرض الخلع مالًا، فإنه لو خالعها عليه من دين، أو خالعها على قصاص لها عليه، فإنه صحيح، وإن لم يأخذ الزوج منها شيئًا.
قلت: قال أصحابنا: الخلع إزالة الزوجية بما تعطيه من المال، انتهى.
واختلف في ماهية الخلع، قال أصحابنا: هو طلاق، وهو مروي عن عمر، وعثمان ﵄، وللشافعي (٢) قولان: في قول مثل قولنا. وفي قول ليس بطلاق، بل هو فسخ، وهو مروي عن ابن عباس ﵁.
وفائدة الاختلاف: أنه إذا خالع امرأته ثم تزوجها، تعود إليه بطلاقين عندنا، وعنده بثلاث تطليقات، حتى لو طلقها بعد ذلك بتطليقتين حرمت عليه حرمة غليظة عندنا، وعنده لا تحرم إلَّا بثلاث.
стр. 4895
٢٢٢٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّاد، عن أَيُّوبَ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن أَبِي أَسْمَاءَ، عن ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا في غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ" (١). [ت ١١٨٧، جه ٢٢٧٠، حم ٥/ ٢٧٧، دي ٢٢٧٥]
===
احتج الشافعي بظاهر قوله : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾، ذكر سبحانه الطلاق مرتين، ثم ذكر الخلع بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ به﴾ (٣)، ثم ذكر الطلاق أيضًا بقوله : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾، فلو جعل الخلع طلاقًا، لازداد عدد الطلاق على الثلاث، وهذا لا يجوز.
والجواب عن الآية: أنه لا حجة له فيها؛ لأن ذكر الخلع يرجع إلى الطلاقين المذكورين، إلَّا أنه ذكرهما بغير عوض، ثم ذكر بعوض، ثم ذكر الثالثة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾، فلم تلزم الزيادة على الثلاث، بل يجب حمله على هذا، لئلا يلزمنا القول بتغيير المشروع.
٢٢٢٨ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : أيما) لفظ ما زائدة (امرأة سألت زوجها طلاقًا) سواء كانت الطلاق بعوض أو بغير عوض (في غير ما) لفظ ما زائدة (بأس) أي في غير شدة يلجئها إلى المفارقة (فحرام) أي ممنوع (عليها) أي عنها (رائحة الجنة) أي أول مرة.
стр. 4896
٢٢٢٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنٍ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عن حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْل الأَنْصَاريَّةِ: أَنَّهَا كَانتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خرَجَ إِلَى الصُّبْحِ، فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ عِنْدَ بَابِهِ في الْغَلَسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ هَذِهِ؟ "، قَالَتْ: أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ، قَالَ: "مَا شَانُكِ؟ "، قَالَتْ: لَا أَنَا وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ - لِزَوْجِهَا-. فَلَمَّا جَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ" فَذَكَرَتْ (١) مَا شَاءَ الله أَنْ تَذْكُرَ،
===
٢٢٢٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، أنها أخبرته، عن حبيبة بنت سهل الأنصارية: أنها كانت تحت ثابت (٢) بن قيس بن شماس، وأن رسول الله ﷺ خرج إلى) صلاة (الصبح، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه) أي باب رسول الله ﷺ (في الغلس، فقال رسول الله ﷺ : من هذه؟ قالت: أنا حبيبة بنت سهل، قال) رسول الله ﷺ : (ما شأنك) أي: أيّ حاجة جاءت بك؟ (قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس- لزوجها-) أي لا نجتمع، (فلما جاء ثابت بن قيس قال له) أي لثابت (رسول الله ﷺ : هذه حبيبة بنت سهل، فذكرت ما شاء الله أن تذكر).
سياق أبي داود يقتضي أن قوله: "فذكرت ما شاء الله أن تذكر" من قول الراوي، وأخرج النسائي هذا الحديث ولفظه: "قال له رسول الله ﷺ : هذه حبيبة بنت سهل، قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر"، وهذا السياق يدل على أنه من قول رسول الله ﷺ ، وهذا أحسن وأوضح، ولعل في سياق أبي داود تصحيفًا من الكاتب، ترك الدال وغَيَّر نقطة "قد".
стр. 4897
وَقَالَتْ (١) حَبِيبَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كُلُّ مَا أَعَطَانِي عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ: "خُذْ مِنْهَا"، فَأَخَذَ مِنْهَا، وَجَلَسَتْ في أَهْلِهَا. [ن ٣٤٦٢، ط ٢/ ٥٦٤/ ٣١، حم ٦/ ٤٣٣، دي ٢٢٧١]
٢٢٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، نَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرو، نَا أَبُو عَمْرو السَّدُوسِيُّ الْمَدِينِيُّ،
===
(وقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي) موجودًا أردُّه إليه (فقال رسول الله ﷺ لثابث بن قيس: خذ منها) ما أعطيتها في المهر، وخالعها، (فأخذ) ثابت (منها) أي من حبيبة وفارقها، (وجلست في أهلها).
٢٢٣٠ - (حدثنا محمد بن معمر) بن ربعي القيسي، بقاف، أبو عبد الله البصري، المعروف بالبحراني، بالموحدة والمهملة، قال أبو داود: ليس به بأس، صدوق، وقال النسائي: ثقة، وقال مرة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال البزار: ثنا محمد بن معمر، وكان من خيار عباد الله، وقال الخطيب: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(نا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، نا أبو عمرو السدوسي المديني)، قال الحافظ في ترجمة أبي عمرو: السدوسي المدني، وعزاه إلى أبي داود، وقيل: إنه سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، قال ابن صاعد: أبو عمرو السدوسي، هو سعيد بن سلمة، حدثنا هشام بن علي بالبصرة، ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، حدثني عبد الله بن أبي بكر، فذكر ذلك الحديث بعينه، فتعين أن أبا عمرو المديني السدوسي المذكور، هو سعيد بن سلمة.
وقال البخاري في "تاريخه" في ترجمة سعيد بن سلمة: هو مولى آل عمر بن الخطاب، وقال أبو عامر العقدي: ثنا أبو عمرو السدوسي المدني، فلا أدري
стр. 4898
عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ (١)، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ كَانَتْ عِنْدَ ثَابِتِ بْنِ قيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ فَضَرَبَهَا فَكَسَرَ بَعْضَهَا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ الصُّبْحِ، فَاشْتَكَتْهُ إِلَيْهِ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ ثَابِتًا، فَقَالَ: خُذْ بَعْضَ مَالِهَا وَفَارِقْهَا، فَقَالَ (٢): وَيَصْلُحُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: فَإِنِّي أَصْدَقْتُهَا حَدِيقَتَيْنِ وَهُمَا بِيَدِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "خُذْهُمَا فَفَارِقْهَا فَفَعَلَ" (٣). [تفسير الطبري ٤/ ٥٥٤، ح ٤٨٠٨]
===
هو هذا أو غيره، قال النسائي: شيخ ضعيف، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال أبو سلمة: ما رأيت كتابًا أصح من كتابه.
(عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة: أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شماس) خطيب الأنصار (فضربها، فكسر بعضها) أي: بعض أعضائها، وفي نسخة: "نَغْضها" (٤) (فأتت النبي ﷺ بعد الصبح، فاشتكته) أي ثابتًا (إليه) أي إلى رسول الله ﷺ (فدعا النبي ﷺ ثابتًا) فجاء (فقال) له رسول الله ﷺ : (خذ بعض مالها)، والمراد ببعض مالها ما أعطاها ثابت في مهرها من حديقتين (وفارقْها) بصيغة الأمر.
(فقال) ثابت: (ويصلح) بتقدير الاستفهام، أي هل يجوز (ذلك يا رسول الله؟ قال) رسول الله ﷺ : (نعم، قال) ثابت: (فإني أصدقتها) أي أعطيتها في صداقها (حديقتين وهما بيدها، فقال النبي ﷺ : خذهما ففارقها ففعل) ثابت بأنه أخذهما وفارقها.
стр. 4899
(١٩) بَابٌ: في الْمَمْلُوكَةِ تُعْتَقُ وَهِيَ تَحْتَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ
===
واختلفت الروايات في قصة ثابت بن قيس بن شماس: بأنه خالع من زوجته جميلة، وفي بعضها: أنه خالع من زوجته حبيبة بنت سهل، ولا اختلاف فيه، فإنه كان في خُلقه شدة وغلظة، فتزوج منهما، وخالعتاه كل واحدة منهما.
(١٩) (بَابٌ: في الْمَمْلُوكَةِ تُعْتَقُ وَهِيَ تَحْتَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ)
هل لها الخيار في فسخ نكاحها أم لا؟ أما إذا كان الزوج عبدًا فأعتقت زوجته، فلها الخيار اتفاقًا. وأما إذا كان الزوج حرًا، فأعتقت زوجته، هل يثبت لها الخيار أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يثبت، وجعلوا العلة في الفسخ عدم الكفاءة؛ لأن المرأة إذا صارت حرة، وكان الزوج عبدًا لم يكن كفؤًا لها، ويؤيد هذا قول عائشة في حديث الباب: "ولو كان حرًا لم يخيرها".
ولكنه تعقب ذلك: بأن هذه الزيادة مدرجة من قول عروة، كما صرح بذلك النسائي في "سننه"، وبينه أيضًا أبو داود في رواية مالك.
ولو سُلِّم أنه من قولها، فهو اجتهاد وليس بحجة، وذهب الشعبي والنخعي والثوري والحنفية إلى أنه يثبت لها الخيار، ولو كان الزوج حرًا، وتمسكوا بالرواية التي فيها أنه كان زوج بريرة حرًا، كذا في "النيل" (١).
وقال ابن القيم في "الهدي" (٢): إن حديث عائشة رواه ثلاثة: الأسود، وعروة، وقاسم، فأما الأسود: فلم يختلف عنه أنه كان حرًا. وأما عروة فعنه روايتان صحيحتان متعارضتان، إحداهما: أنه كان حرًا. والثانية: أنه كان عبدًا. وأما عبد الرحمن بن القاسم، فعنده روايتان صحيحتان، إحداهما: أنه كان حرًا، والثانية: الشك، انتهى.
قلت: لا معارضة في كونه عبدًا أو حرًا، فإنه كان في أول الأمر عبدًا، ثم أعتق فصار حرًا، فمن قال فيه: عبدًا، فهو على أصله، ومن قال: حرًا، فهو
стр. 4900
٢٢٣١ - حَدَّثَتا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْن عَبَّاسٍ: أَنَّ مُغِيثًا كَانَ عَبْدًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْفَعْ لِي إِلَيْهَا، قَالَ (١) رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا بَرَيرَةُ! اتَّقِي الله، فَإِنَّهُ زَوْجُكِ وَأَبُو وَلَدِكِ"، فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللهِ، أَتَأمُرُنِي بِذَاكَ (٢)؟ قَالَ: "لَا، إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ"، فَكَانَ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدِّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ: "أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَبُغْضِهَا إِيَّاهُ". [خ ٥٢٨٣، ن ٥٤١٧، جه ٢٠٧٥، حم ١/ ٢١٥، ت ١١٥٦]
===
أخبر بحريته العارضة بعد العتق، ليس فيه معارضة؛ فإنه مثبت للحرية بعد العتق، وليس في قول من قال: إنه كان عبدًا نفي ذلك.
٢٢٣١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن مغيثًا (٣)) زوج بريرة مولاة عائشة (كان عبدًا، فقال) مغيث: (يا رسول الله، اشفع لي إليها) أي إلى بريرة (قال رسول الله ﷺ : يا بريرة! اتقي الله) في مفارقة مغيث (فإنه زوجك، وأبو ولدك) لا ينبغي لك أن تفارقيه.
(فقالت: يا رسول الله، أتأمرني بذاك؟ ) أي بالتمكن والاستقرار في عصمته (قال) رسول الله ﷺ : (لا) أي لا آمرك إيجابًا (إنما أنا شافع، فكان) مغيث (دموعه تسيل على خده) في فراق بريرة، (فقال رسول الله ﷺ للعباس (٤): ألا تعجب من حب مغيث بريرة وبغضها إياه).
стр. 4901
٢٢٣٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا عَفَّانُ، ثَنَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْن عَبَّاسٍ: "أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُسَمَّى مُغِيثًا، فَخَيَّرَهَا- يَعْني النَّبِيَّ ﷺ وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ". [خ ٥٢٨٣، ت ١١٥٦، جه ٢٠٧٥، حم ١/ ٢٨١، ن ٥٤١٧]
٢٢٣٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن هِشَامِ ابْن عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ في قِصَّةِ بَرِيْرَةَ قَالَتْ: "كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا". [م ١٥٠٤، ت ١١٥٤، ن ٣٤٥١، حم ٦/ ٣٣]
٢٢٣٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالْوَليدُ بْنُ عُقْبَةَ، عن زَائِدَةَ، عن سِمَاكٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْن الْقَاسِمِ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ: "أَنَّ بَرِيرَةَ خَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا". [م ١٥٠٤، ن ٣٤٥٣]
===
٢٢٣٢ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا عفان، ثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن زوج بريرة كان- عبدًا أسود يسمى مغيثًا) فأعتقت (فخيَّرها) أي بريرة (يعني النبي ﷺ ، وأمرها) أي بريرة (أن تعتد) أي بثلاث حيض، كما في حديث عائشة عند ابن ماجه: "قالت: أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض".
٢٢٣٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قصة بريرة قالت: كان زوجها عبدًا، فخيرها النبي ﷺ ، فاختارت نفسها، ولو كان حرًا لم يخيرها)، وقد تقدم أن قوله: "ولو كان حرًا لم يخيرها" مدرج من قول عروة، فإن النسائي أخرج في "مجتباه"، ولفظه: "قال عروة: ولو كان حرًا ما خيرها رسول الله ﷺ ".
٢٢٣٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا حسين بن علي، والوليد بن عقبة، عن زائدة، عن سماك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أن بريرة خيرها النبي ﷺ وكان زوجها عبدًا).
стр. 4902
(٢٠) بَابُ مَنْ قَالَ: كَانَ حُرًّا
٢٢٣٥ - حَدَّثَنَا (١) ابْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَان، عن مَنْصُورٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن الأسْوَدِ، عن عَائِشَةَ: "أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا حِينَ أُعْتِقَتْ، وَأَنَّهَا خُيِّرَتْ فَقَالَتْ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مَعَهُ وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا". [خ ٦٧٥٤، ن ٣٤٤٩، ت ١١٥٥، جه ٢٠٧٤، حم ٦/ ٤٢]
===
(٢٠) (بَابُ مَنْ قَالَ: كَانَ حُرًّا)
٢٢٣٥ - (حدثنا ابن كثير، أنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة) ﵂: (أن زوج بريرة كان حرًا حين أعتقت، وأنها خيرت، فقالت: ما أحب أن أكون معه) أي في نكاحه (وأن لي كذا وكذا) وإنما كرهته, لأنها كانت جميلة، وأن مغيثًا كان أسود دميمًا.
وحاصل كلام العيني في "شرح البخاري" (٢) في هذا البحث: أن الاحتجاج بهذه الأحاديث التي فيها أنه كان عبدًا على أنه كان [عبدًا]، حين أعتقت بريرة غير قوي، وكذلك قول ابن عباس: "رأيته عبدًا" لا يدل على أنه كان عبدًا حين أعتقت بريرة؛ لأن الظاهر أنه كان يخبر أنه كان عبدًا، فلا يتم الاستدلال به.
والتحقيق فيه أن نقول (٣): إن اختلافهم فيه في صفتين لا يجتمعان في حالة واحدة، فنجعلهما في حالتين، بمعنى أنه كان عبدًا في حالة، حرًا في حالة أخرى، فبالضرورة تكون إحدى الحالتين متأخرة عن الأخرى، وقد علم أن الرق تعقبه الحرية، والحرية لا يعقبها الرق، فإذا كان كذلك جعلنا حال العبودية متقدمة، وحال الحرية متأخرة، فثبت بهذا الطريق أنه كان حرًا في الوقت الذي
стр. 4903
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
خيرت فيه بريرة، وعبدًا قبل ذلك، فيكون قول من قال: "كان عبدًا" محمولًا على الحالة المتقدمة، وقول من قال: "كان حرًا" محمولًا على الحالة المتأخرة، فإذًا لا يبقى تعارض، ويثبت قول من قال: إنه كان حرًا، فيتعلق الحكم به.
ولئن سَلَّمنا أن جميع الروايات أخبرت بأنه كان عبدًا، فليس فيه ما يدل على عدم صحة ما يذهب ممن يذهب: أن زوج الأمة إذا كان حرًا فأعتقت الأمة ليس لها الخيار؛ لأنه ليس فيه ما يدل على ذلك؛ لأنه لم يأت عنه ﷺ أنه قال: إنما خيرتها, لأن زوجها عبد، وهذا لا يوجد أصلًا في الآثار, فثبت أنه خيرها لكونها قد أعتقت، فحينئذ يستوي فيه أن يكون زوجها حرًا أو عبدًا، وردَّ بهذا على صاحب "التوضيح" في قوله: لأن خيارها إنما وقع من أجل كونه عبدًا، ولو اطلع هذا على ما قلنا من التحقيق لما قال هكذا، انتهى.
وأجاب عنه الحافظ (١) فقال: وحاول بعض الحنفية ترجيح رواية من قال: "كان حرًا" على رواية من قال: "كان عبدًا"، فقال: الرق تعقبه الحرية بلا عكس، وهو كما قال، لكن محل طريق الجمع إذا تساوت الروايات في القوة، أما مع التفرد في مقابلة الاجتماع، فتكون الرواية المنفردة شاذة، والشاذ مردود، ولهذا لم يعتبر الجمهور طريق الجمع بين الروايتين، مع قولهم: إنه لا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع.
قلت: وهذا عجيب من مثله، فإنه اشترط في الشذوذ المخالفة، وإذا لم تكن بين الحديثين مخالفة لا يحكم بالشذوذ، والأصل في الروايات الجمع. وأما الاختلاف فهو خلاف الأصل، وهذان الحديثان واقعتان على الأصل ليس بينهما اختلاف أصلًا، وكون مغيث عبدًا وكونه حرًا كلاهما صحيح، فلما لم يكن بينهما اختلاف، لا يصار إلى ترجيح أحدهما على الآخر، فدعوى الشذوذ باعترافه باطل.
стр. 4904
(٢١) بَابٌ: حَتَّى (١) مَتَى يَكُونُ لَهَا الْخِيَارُ؟
٢٢٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِىُّ (٢)، حَدَّثَنِى مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ سَلَمَةَ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِى جَعْفَرٍ، وَعَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
===
(٢١) (بَابٌ: حَتَّى مَتَى يَكُونُ لَهَا الْخِيَارُ ؟ )
٢٢٣٦ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني، حدثني محمد -يعني ابن سلمة-، عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر) لم أقف على تسميته وتعيينه، ولم أقف على روايته إلَّا ما قال الحافظ في "فتح الباري" (٣): وقد قال الدارقطني في "العلل": لم يختلف على عروة عن عائشة: "أنه كان عبدًا"، وكذا قال جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن عائشة، انتهى، وليس فيه ذكر مجاهد ولا ابن إسحاق.
(وعن أبان بن صالح) عطف على قوله: عن أبي جعفر، فإن الحافظ ذكر في ترجمة أبان بن صالح في تلامذته محمد بن إسحاق، ولم يذكر فيه محمد بن سلمة.
(عن مجاهد) أي كلاهما عن مجاهد، فالحاصل أن محمد بن إسحاق يروي هذا الحديث عن أبي جعفر، وعن أبان بن صالح، وكلاهما يرويان عن مجاهد، ويحتمل أن يكون رواية أبي جعفر عن عائشة من غير واسطة مجاهد، إن كان أبو جعفر هذا محمد الباقر كما في رواية الدارقطني المتقدمة، ويكون واسطة مجاهد مختصًا برواية أبان بن صالح.
(وعن هشام بن عروة) عطف على قوله: عن أبان بن صالح، أي وروى
стр. 4905
عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ - عَبْدٍ لآلِ أَبِي أَحْمَدَ- فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وقَالَ لَهَا: "إِنْ قَرِبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ". [ق ٧/ ٢٢٥]
===
محمد بن إسحاق عن أبي جعفر وعن أبان بن صالح وعن هشام بن عروة (عن أبيه) أي عروة، (عن عائشة) ظاهر معناه أن يقال: إن مجاهدًا وعروة كليهما يرويان عن عائشة ﵂، ويؤيده رواية البيهقي أنه قال: رواه ابن إسحاق عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن عائشة، نقله صاحب "الجوهر النقي" عنه.
وهذا يخالف ما قال صاحب "العون" (١) عن المزي، إذ قال: أنه عن مجاهد مرسل، هكذا قاله المزي في "الأطراف"، فإنه أورد رواية مجاهد هذه في المراسيل في ترجمة أبان بن صالح بن عمير القرشي، عن مجاهد ابن جبر أبي الحجاج المكي.
(أن بريرة أعتقت وهي عند مغيث -عبد لآل أبي أحمد-)، قال الحافظ (٢): عند الترمذي من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب: "كان عبدًا أسود لبني المغيرة"، وفي رواية هشيم عن سعيد بن منصور: "وكان عبدًا لآل المغيرة من بني مخزوم"، ووقع في "المعرفة" لابن منده: "مغيث مولى أحمد بن جحش"، لكن وقع في "أبي داود" بسند فيه ابن إسحاق: "وهي عند مغيث عبد لآل أبي أحمد". وقال ابن عبد البر: "مولى بني مطيع".
والأول أثبت لصحة إسناده، ويبعد الجمع, لأن بني المغيرة من آل مخزوم، وبني جحش من أسد بن خزيمة، وبني مطيع من آل عدي بن كعب، ويمكن أن يدعى أنه كان مشتركًا بينهم على بعده أو انتقل، انتهى.
(فخيرها رسول الله ﷺ ، وقال لها: إن قربكِ) أي: جامعكِ (فلا خيار لكِ)