(٣٣) بَابٌ: في وُجُوهِ النِّكَاحِ الَّتِي كَانَ يَتَنَاكَحُ بِهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ (١)
٢٢٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَنْبَسَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَاب: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: "أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النِّكَاحَ كَانَ في الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءَ:
===
(٣٣) (بَابٌ: في وُجُوهِ النِّكَاحِ) أي طرقه وأنواعه (الَّتِي كَانَ يَتَنَاكَحُ بِهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ)
٢٢٧٢ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة بن خالد، حدثني يونس بن يزيد قال: قال محمد بن مسلم بن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير: أن عائشة (٢) ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء) جمع نحو، أي: ضرب، وزنًا ومعنى، ويطلق النحو أيضًا على الجهة والنوع، وعلى العلم المعروف اصطلاحًا.
قال الداودي وغيره: بقي عليها أنحاء لم تذكرها.
الأول: نكاح الخدن، وهو في قوله تعالى: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (٣) يقولون: ما استتر فلا بأس به، وما ظهر فهو لوم.
الثاني: نكاح المتعة.
الثالث: نكاح البدل. وقد أخرج الدارقطني من حديث أبي هريرة: "كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: أنزل لي عن امرأتك، وأنزل لك
стр. 4972
فَنِكَاحٌ مِنْهَا: نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ، يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَليَّتَهُ، فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يُنْكِحُهَا.
وَنِكَاحٌ آخَرُ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا: أَرْسِلِي إِلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، وَيعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِنْ أَحَبَّ، وإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً
===
عن امرأتي وأزيدك"، ولكن إسناده ضعيف جدًا، قاله الحافظ (١).
(فنكاح منها: نكاح الناس اليوم) أي كما ينكح في هذا الوقت، كذلك ينكح في الجاهلية، وتفسيره: (يخطب الرجل إلى الرجل) الولي (وليته، فيصدقها) أي يعين الولي صداقها (ثم ينكحها) أي يعقد عليها.
(ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته: إذا طهرت) بصيغة الغائبة (من طمثها) بفتح المهملة وسكون الميم بعدها مثلثة، أي حيضها، وكان السِرُّ في ذلك أن يسرع علوقها منه (أرسلي إلى فلان) أي: أرسلي إليه رسالة للاستبضاع (فاستبضعي منه) بموحدة بعدها ضاد معجمة، أي اطلبي منه المباضعة، وهو الجماع لتحملي منه. والمباضعة: المجامعة، مشتقة من البضع وهو الفرج.
(ويعتزلها زوجها) بعد الاستبضاع (ولا يمسها) أي: لا يجامعها (أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه) وإنما لا يمسها إلى تبين الحمل، لئلا يشك في نسب الولد أنه من الزوج أو من الرجل المستبضع منه؛ فإذا تبين حملها من الرجل المستبضع منه، لم يبق ريب في أن الولد من المستبضع منه.
(فإذا تبين حملها أصابها) أي جامعها (زوجها إن أحب، وإنما يفعل) بصيغة المعلوم، أي: الزوج، أو بصيغة المجهول (ذلك) أي: الاستبضاع (رغبةً
стр. 4973
في نَجَابَةِ الْوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ يُسَمَّى: نِكَاحَ الاسْتِبْضَاعِ.
وَنكَاحٌ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ دُونَ الْعَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ، وَمَرَّ لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِع حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، فَتَقُولُ لَهُم: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ، وَقَدْ وَلَدْتُ، وَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ، فتُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ مِنْهُمْ بِاسْمِهِ، فيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا.
وَنِكَاح رَابِعٌ: يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ
===
في نجابة الولد) لأنهم كانوا يطلبون ذلك من أكابرهم ورؤسائهم في الشجاعة والكرم أو غير ذلك، (فكان هذا النكاح يُسمَّى: نكاح الاستبضاع) بالنصب والتقدير يسمى، وبالرفع أي هو.
(ونكاح آخر: يجتمع الرهْط) أي الجماعة (دون العشرة) ولما كان هذا النكاح يجتمع عليه أكثر من واحد، كان لا بد من الضبط العدد الزائد لئلا ينتشر (فيدخلون على المرأة) أي واحد بعد واحد (كلهم يصيبها) أي يطأها في نوبته؛ والظاهر أن ذلك إنما يكون رضًا منها، وتواطؤ بينهم وبينها.
(فإذا حملت ووضعت) أي الحمل، (ومر ليال بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم) أي رسالة تدعوهم، (فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع) عن المجيء إليها، فيحضرونها (حتى يجتمعوا) أي كلهم (عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت) بصيغة المتكلم (وهو ابنك يا فلان) أي لواحد منهم هذا إن كان ذكرًا، فلو كانت أنثى لقالت: هي ابنتك، (فتُسمِّي من أحبَّتْ منهم باسمه، فيلحق به) أي بالرجل الذي سمته (ولدها).
(ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا) أي الزواني (كن يَنصبن علي أبوابهن رايات
стр. 4974
تَكُنْ (١) عَلَمًا لَمِنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ فَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا (٢) لَهَا، وَدَعَوْا لَهُمُ الْقَافَة، ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَهُ، وَدُعِيَ ابْنَهُ، لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ.
فَلَمَّا بَعَثَ الله مُحَمَّدًا ﷺ هدَمَ نِكَاحَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلَّا نِكَاحَ أَهْلِ الإِسْلَامِ الْيَوْمَ". [خ ٥١٢٧]
===
تكن) أي تلك الرايات (علمًا) أي علامة (لمن أرادهن)، وفي رواية: "فمن أرادهن".
قال الحافظ (٣): وقد ساق هشام بن الكلبي في "كتاب المثالب" أسامي صواحبات الرايات في الجاهلية، فسمَّى منهن أكثر من عشر نسوة مشهورات.
(دخل عليهن، فإذا حملت فوضعت حملها، جمعوا) أي: اجتمعوا (لها، ودعوا لهم القافة) جمع قائف، بقاف ثم فاء، وقد تقدَّم تفسيره (ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون) أي على لسان القائف (فالتاطه) أي استلحقه به، وأصل اللَّوْط بفتح اللام: اللصوق، (ودُعي ابنه، لا يمتنع من ذلك).
(فلما بعث الله محمدًا ﷺ هدَم نكاح أهل الجاهلية كله)، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، أي: حرم ذلك النكاح الذي ينكح الزناة والزواني على رسم الجاهلية (إلَّا نكاح أهل الإسلام اليوم) وهو أن يخطب الرجل إلى الرجل فيزوجه، احتج بهذا على اشتراط الولي، والجواب عنه: أنه ليس في الحديث لفظ يدل على اشتراطه، بل فيه بيان العادة على الأغلب.
стр. 4975
(٣٤) بَابٌ "الْوَلَدُ لِلفِرَاش "
٢٢٧٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ في ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: أَوْصَانِي أَخِي عُتْبَةُ إِذَا قَدِمْتُ مَكَّة أَنِ انْظُرْ إِلَى ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ فَاقْبِضْهُ فَإِنَّهُ ابْنُهُ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي ابْنُ أَمَةِ أَبِي، وُلدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي، فَرَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ،
===
(٣٤) (بَابٌ "الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ")
٢٢٧٣ - (حدثنا سعيد بن منصور ومسدد قالا: نا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: اختصم سعد بن أبي وقاص) وهو أحد العشرة المبشرة (وعبد بن زمعة) وهو أخو سودة بنت زمعة، وكان شريفًا سيدًا من سادات الصحابة (إلي رسول الله ﷺ في ابن أمة زمعة) واسم ابن أمة زمعة عبد الرحمن بن زمعة بن قيس القرشي العامري، وكانت أمه أمة يمانية لأبيه، ووقعت هذه الخصومة عام فتح مكة.
(فقال سعد: أوصاني أخي عتبة) بضم أوله وسكون فوقية، ابن أبي وقاص، وهو الذي كسر رباعية النبي ﷺ يوم أحد، ومات كافرًا، (إذا قدمت مكة أن انظر) بصيغة الأمر (إلي ابن أمة زمعة) أي عبد الرحمن (فاقبضه فإنه) أي عبد الرحمن (ابنه) أي ابن عتبة، جعل نفسه غائبًا، ويحتمل أن يقال: "أن انظر وأقبضه" صيغتين للمتكلم الواحد، يعني كان عتبة زنى بوليدة زمعة في الجاهلية، وولدت ابنًا، فظن على رسم الجاهلية أن نسب ولد الزنا ثابت بالزاني، فأوصى لأخيه أن يقبض ذلك الابن إلى نفسه ويُرَبِّيْه.
(وقال عبد بن زمعة: ) هو (أخي ابن أمة أبي، ولد على فراش أبي) لأن أبي كان يطؤها بملك اليمين، وقد ولدت ولدها على فراشه فهو أولى، وأنا ابنه فأنا أحق بأخي (فرأى رسول الله ﷺ شبهًا بينًا) أي في الصورة (بعتبة).
стр. 4976
فَقَالَ (١): "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَللْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سوْدَةُ". [خ ٢٠٥٣، م ١٤٥٧، ن ٣٤٨٧، جه ٢٠٠٤]
زَادَ مُسَدَّدٌ في حَدِيثِهِ فَقَالَ (٢): "هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدُ".
٢٢٧٤ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا حُسَيْنٌ
===
(فقال) أي رسول الله ﷺ : (الولد للفراش) أي صاحب الفراش (وللعاهر الحجر) أي وللزاني الحجارة بأن يرجم إن كان محصنًا، ويحتمل أن يكون معناه: الحرمان عن الميراث والنسب، كما يقال للمحروم: "في يده التراب والحجر"، فأبطل رسول الله ﷺ ما كانوا عليه من جاهلية، وأبطل ما كان يثبت من القيافة بأنه مولود من ماء عتبة بن أبي وقاص ويشبهه.
(واحتجبي منه) (٣) أي من الولد (يا سودة! ) وإنما أمرها بالاحتجاب لما رأى من شبهه ذلك الولد بعتبة، يعني أن ظاهر الشرع يحكم أن هذا الابن أخوك، ولكن حكم التقوى أن تحتجبي منه؛ لأنه لشبهه بعتبة كأنه أجنبي عنها، (زاد مسدد في حديثه فقال) أي مسدد في حديثه: (هو أخوك يا عبد).
٢٢٧٤ - (حدثنا زهير بن حرب، نا يزيد بن هارون، أنا حسين
стр. 4977
الْمُعَلِّمُ، عن عَمرو بْنُ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ فُلَانًا ابْنِي عَاهَرْتُ بِأُمِّهِ في الْجَاهِليَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا دِعْوَةَ في الإِسْلَامِ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِليَّةِ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَللْعَاهِرِ الْحَجَرُ". [حم ٢/ ٢٠٧]
٢٢٧٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ أَبُو يَحْيَى، نَا مَحُمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، عن الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ مَولَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَن رَبَاحٍ
===
المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال) أي جد شعيب وهو عبد الله بن عمرو بن العاص: (قام رجل) لم أقف على تسميته (فقال: يا رسول الله إن فلانًا ابني) ولم أقف على تسمية هذا الابن (عاهرت) أي زنيت (بأمه في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : لا دعوة) بالكسر، وهي ادِّعاء الولد، قال في "النهاية" (١): الدِّعوة بالكسر في النسب (في الإسلام) أي لا دعوة بالزنا في زمان الإسلام، وأما ما كان في الجاهلية فقد بطل، (ذهب) أي زال وبطل (أمر الجاهلية، الولد للفراش وللعاهر) الزاني (الحجر).
٢٢٧٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا مهدي بن ميمون أبو يحيى، نا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب) التميمي الضبي البصري، وقد ينسب إلى جده، ثقة، (عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي بن أبي طالب) ويقال: مولى علي، وهو الحسن بن سعد بن معبد الهاشمي مولاهم، الكوفي، ثقة، له في "صحيح مسلم" حديث واحد عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في إردافه خلفه وإسراره إليه.
(عن رباح) الكوفي من الموالي، روى عن عثمان بن عفان حديث: "الولد للفراش"، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وبقية كلامه لا أدري من هو، ولا ابن من هو؟ وقال في "التقريب": مجهول.
стр. 4978
قَالَ: "زَوَّجَنِي أَهْلِي أَمَةً لَهُمْ رُومِيَّةً، فَوَقَعْتُ عَلَيهَا، فَوَلَدَتْ (١) غُلَامًا، أَسْوَدَ مِثْلِي فَسَمَّيْتُهُ عَبْدَ اللهِ. ثُمَّ وَقَعْتُ عَلَيهَا فَوَلَدَتْ (٢) غُلَامًا أَسْوَدَ مِثْلِي فَسَمَّيْتُهُ عُبَيْدَ اللهِ، ثُمَّ طَبِنَ لَهَا غُلَامٌ لأَهْلِي (٣) رُومِيٌّ، يُقَالُ لَهُ: يُوحَنَّه، فَرَاطَنَهَا بِلسَانِهِ، فَوَلَدَتْ (٤) غُلَامًا كَأَنَّهُ وَزَغَةٌ مِنَ الْوَزَغَاتِ (٥)، فَقُلْتُ لَهَا: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: هَذَا ليُوحَنَّهَ، فَرَفَعْنَا (٦)
===
(قال: زوجني أهلي أمة لهم رومية، فوقعت عليها) أي: جامعتها (فولدت غلامًا أسود مثلي، فسميته عبد الله، ثم وقعت عليها فولدت غلامًا) آخر (أسود مثلي فسميته عبيد الله، ثم طَبِنَ لها).
قال في "النهاية" (٧): أصل الطَّبَنِ والطَّبَانةِ: الفِطْنَةُ، يقال: طبِن لكذا طبانة فهو طبِنٌ: أي هجم على باطنها، وأنها ممن تُواتِيه على المُرَاوَدَة، هذا إذا روي بكسر الباء، وإن روي بالفتح كان معناه خَيَّبها وأفسدها.
(غلام لأهلي رومي، يقال له: يوحنه فراطنها) الرطانة: بفتح الراء وكسرها، والتراطن: كلام لا يفهمه الجمهور، وإنما هو مواضعة بين اثنين أو جماعة، والعرب تخص بها غالبًا كلام العجم (بلسانه) أي: كلَّمها كلامًا بلسان العجم فأمالها إلى نفسه، (فولدت غلامًا كأنه وزغة من الوزغات) وهي دابة لها قوائم تعدو في أصول الحشيش، وهي ما يقال له: سام أبرص.
(فقلت لها) أي للأمة: (ما هذا؟ ) أي: من أين هذا، ولِمَ لَمْ يكن على لوني؟ (قالت) أي الأمة: (هذا) أي الولد (ليوحَنَّه، فرفعنا) أي الأمر
стр. 4979
إِلَى عُثْمَانَ- أَحْسِبُهُ قَالَ مَهْدِيٌّ: قَالَ: فَسَأَلَهُمَا، فَاعْتَرَفَا- فَقَالَ: أَتَرْضَيَانِ أَنْ أَقْضِيَ بَيْنَكُمَا بَقَضَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ، وَأَحْسِبُهُ قَالَ: فَجَلَدَهَا وَجَلَدَهُ وَكَانَا مَمْلُوكَيْنِ". [حم ١/ ٥٩]
(٣٥) بَابُ مَنْ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ
===
(إلى عثمان، أحسبه قال مهدي: قال) أي محمد بن عبد الله: (فسألهما) أي عثمانُ العبدَ الروميَّ والأمةَ الروميةَ (فاعترفا) أي بالزنا.
(فقال) أي عثمان لهما: (أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ قضى أن الولد للفراش) أي لصاحب الفراش وهو الزوج (وأحسبه قال) أي قال مهدي بن ميمون، وأحسب محمد بن عبد الله قال: (فجلدها) أي الأمة (وجلده) أي الغلام الرومي (وكانا مملوكين).
(٣٥) (بَابُ مَنْ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ) (١) أي للحضانة
стр. 4980
٢٢٧٦ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ السُّلَمِيُّ (١)، نَا الْوَلِيدُ، عن أَبِي عَمْرٍو -يَعْنِي الأَوْزَاعِيَّ-، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ،
===
٢٢٧٦ - (حدثنا محمود بن خالد السلمي، نا الوليد) بن مسلم، أبي عمرو - يعني الأوزاعي-، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه،
стр. 4981
عن جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحَجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ (١) مِنِّي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي". [حم ٢/ ١٨٢، ك ٧/ ٢٠٢]
===
عن جده عبد الله بن عمرو، أن امرأة) لم أقف على تسميتها (قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء) أي زمان الحمل، (وثديي له سقاء) أي وقت الرضاع (وحجري) بالفتح، أي حضني (له حواء) هو اسم مكان يحوي الشيء أي يضمه ويجمعه، (وإن أباه) لم أقف على تسميته (طلقني وأراد أن ينتزعه) أي الولد (مني، فقال لها رسول الله ﷺ : أنت أحق به ما لم تنكحي).
قال الطيبي (٢): لعل هذا الصبي ما بلغ سن التمييز فقدم الأم لحضانته، والصبي في حديث أبي هريرة كان مميزًا فخيره، قوله: "ما لم تنكحي" يعني كل من تزوجت من النساء ممن كان لها حق الحضانة سقط حقها.
قال العيني في "شرح الهداية" (٣): وفيه خلاف الحسن البصري. قال ابن المنذر: وأجمع على هذا أهل العلم إلَّا الحسن البصري، وهو رواية عن أحمد، فإن عندهما لا يسقط حقها بالتزوج.
وقال الشوكاني (٤): وروي عن عثمان أن الحضانة لا تبطل بالنكاح، وإليه ذهب الحسن البصري، وابن حزم؛ واحتجوا بما روي أن أم سلمة تزوجتْ بالنبي ﷺ وبقي ولدها في كفالتها، ويجاب بأن مجرد البقاء مع عدم المنازع لا يصلح للاحتجاج به على محل النزاع؛ لاحتمال أنه لم يبق له قريب غيرها.
стр. 4982
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد ذهب أبو حنيفة والهادوية إلى أن النكاح إذا كان لذي رحم محرم للمحضون لم يبطل به حق حضانتها. وقال الشافعي: يبطل مطلقًا؛ لأن الدليل لم يفصِّل، وحديث ابنة حمزة (١) لا يصلح للتمسك به؛ لأن جعفرًا ليس بذي رحم محرم لابنة حمزة.
وقد استدل لمن قال بأن النكاح إذا كان بذي رحم للمحضون لم يبطل حق المرأة من الحضانة بما رواه عبد الرزاق (٢)، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه قال: "جاءتِ امْرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إنَّ أبي أَنْكَحَني رجلًا لا أُريده، وتَرَكَ عَمَّ ولدي، فأُحِذ مني ولدي، فدعا رسول الله ﷺ أباها، ثم قال لها: اذْهبي فانْكِحِي عَمَّ ولدكِ". وهذا مع كونه مرسلًا، في إسناده رجل مجهول، ولم يقع التصريح فيه بأنه أرجع الولد إليها بعد (٣) أن زوجها بذي رحم له، انتهى ملخصًا.
قلت: والجواب عنه أن المتعقب تعقب بثلاثة أمور:
الأول: أنه حديث مرسل.
والثاني: أن في سنده مجهولًا.
والثالث: أنه ليس في الحديث تصريح بأن رسول الله ع ﷺ أعاد الولد إلى الأم.
والجواب عن الأول: أن المرسل عندنا حجة، فلا يضرنا إرساله. وأما جهالة الراوي فيمكن أن يكون مجهولًا عندهم، ولا يكون مجهولًا عندنا.
وعن الثالث: بأن المرأة ادَّعت أمرين:
أولهما: أن أبي أنكحني رجلًا لا أريده
стр. 4983
٢٢٧٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَاقِ وَأَبُو عَاصِمٍ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زِيَادٌ،
===
وثانيهما: أن أبي لم ينكحني من (١) عم ولدي، فأخذ عم الولد مني ولدي.
فعُلِمَ منه أن أبا الولد لم يكن موجودًا؛ لأنه لو كان موجودًا لم يكن لعم الولد حق في أخذه، فقضى رسول الله ﷺ في الأولى، بأنه أبطل نكاحها برجل لم تكن تريده، وقال: "أنْكِحِي عَمَّ ولدكِ"، وسكت عن القضاء في الدعوى الثانية، وسكوته عنه يدل على عدم سقوط حقها في الولد.
ودل الحديث أيضًا بأن نكاحها بغير ذي رحم محرم من الولد يبطل حق حضانتها؛ لأنه ﷺ سكت على قولها: "فأُخِذ مني ولدي". وأشار لها بأن "انْكِحي عمَّ ولدكِ".
ثم أقول: إن الحديث المذكور في الباب يدل على أن الحادث من النكاح يبطل حقها في الحضانة. وأما النكاح القائم قبل ذلك فلا يسقط حقها، مثلًا: امرأة ولدت ولدًا ثم ماتت، ولها أم وهي أم الأم للولد، ولها زوج وهو الجد للولد، فلا يسقط حق الحضانة لها بحكم هذا الحديث؛ لأنها لم تحدث نكاحًا. والراجح عند الشافعية هو هذا القول الموافق للحنفية.
قال في "التوشيح": والشرط السابع: الخلو، أي خلو أم المميز من زوج ليس من محارم الطفل، فإن نكحت شخصًا من محارمه والمراد من له حق في الحضانة، كعم الطفل، أو ابن عمه، أو ابن أخيه، ورضي كل منهم بالمميز؛ فلا تسقط حضانتها بذلك، أي النكاح على الأصح؛ لأن لكل منهم حقًا في الحضانة بخلاف الأجنبي.
٢٢٧٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق وأبو عاصم، عن ابن جريج، أخبرني زياد) بن سعد بن عبد الرحمن الخراساني
стр. 4984
عن هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، أَنَّ أَبَا مَيْمُونَةَ سُلْمَى- مَوْلًى مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رَجُلَ صِدْقٍ - قَالَ: بَيْنَمَا (١) أَنَا جَالِسٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَارِسِيَّةٌ مَعَهَا ابْنٌ لَهَا فَادَّعَيَاهُ، وَقَدْ طَلَقَّهَا زَوْجُهَا، فَقَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ - رَطَنَتْ (٢) بِالْفَارِسِيَّةِ - زَوْجِيِ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اسْتَهِمَا عَلَيْهِ، وَرَطَنَ لَهَا بِذلِكَ، فَجَاءَ زَوْجُهَا فَقَالَ: مَنْ يُحَاقُّنِي
===
أبو عبد الرحمن، سكن مكة، ثم تحول إلى اليمن، وكان شريك ابن جريج، ثقة، (عن هلال بن أسامة) وهو هلال بن علي بن أسامة، نسب إلى جده، ويقال: هلال بن أبي ميمونة، وهلال بن أبي هلال العامري مولاهم، المدني، وبعضهم نسبه إلى جده، فقال: ابن أسامة، قال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطني: هلال بن علي ثقة، وقال مسلمة في "الصلة": ثقة قديم.
(أن أبا ميمونة سُلمى) لم أر ضبط حركاته فيما عندي من الكتب، هو أبو ميمونة الفارسي المدني الأبار. قيل: اسمه سليم، أو سلمان، أو سُلمى، وقيل: أسامة، ثقة، منهم من فرق بين الفارسي والأبار، وكل منهما مدني، يروي عن أبي هريرة، ثقة.
(مولى من أهل المدينة، رجل صدق، قال: بينما أنا جالس مع أبي هريرة، جاءته امرأة فارسية معها ابن لها، فادَّعياه) أي: هي وزوجها (وقد طلقها زوجها، فقالت: يا أبا هريرة- رطنتْ) تكلمت (بالفارسية-، زوجي يريد أن يذهب بابني، فقال أبو هريرة: استهما) أي اقترعا (عليه) أي على الولد.
(ورطن) أي تكلم أبو هريرة (لها) أي للمرأة (بذلك) أي الجواب (فجاء زوجها فقال: من يُحاقُّني) بضم حرف المضارعة وتشديد القاف، أي من
стр. 4985
في وَلَدِي؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أَقُولُ هَذَا، إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا قَاعِدٌ عِنْدَهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بابْنِي، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، وَقَدْ نفَعَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (١) ﷺ : "اسْتَهِما عَلَيْهِ"، فَقَالَ زَوْجُهَا: مَنْ يُحَاقُّنِي في وَلَدِي؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : "هَذَا أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيّهِمَا شِئْتَ"، فَأَخَذَ بِيَدِ أمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ. [ت ١٣٥٧، ن ٣٤٩٦، جه ٢٣٥١، حم ٢/ ٤٤٧، ق ٨/ ٣، ك ٤/ ٩٧]
===
يخاصمني في حقي (في ولدي؟ فقال أبو هريرة؟ اللَّهُمَّ إني لا أقول هذا) أي الكلام (إلَّا أني سمعت امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ وأنا قاعد عنده) أي عند رسول الله ﷺ ، (فقالت: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني) أي جاءني الماء (من بئر أبي عِنبة (٢) بئر بالمدينة بكسر العين (٣) وفتح النون (وقد نفعني) أي بالخدمة.
(فقال رسول الله ﷺ : استهما عليه، فقال زوجها: من يحاقُّني في ولدي؟ فقال النبي ﷺ : هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه (٤) فانطلقت به).
стр. 4986
٢٢٧٨ - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن نَافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ، عن أَبِيهِ،
===
فإن قلت: قضى رسول الله ﷺ في هذه القصة بقضائين: أولهما الاستهام والاقتراع، وثانيهما التخيير للولد. وأما أبو هريرة فقضى في القصة التي وردت عليه بالاستهام فقط؛ فكيف خالف رسول الله ﷺ ؟
قلت: أما قضاء رسول الله ﷺ بقضائين، فإنه ﷺ قضى أولًا باجتهاده لقطع النزاع بينهما بالاستهام، فلما رأى الولد كبيرًا، وقد قالت: "وقد سقاني من بئر أبي عنبة"، ولا يقدر على الاستقاء من الأبيار إلَّا الكبير البالغ، فقضى رسول الله ﷺ بالتخيير للغلام، ونسخ القضاء الأول.
وأما قضاء أبي هريرة فإنه لم يخالف في قضائه قضاء رسول الله ﷺ ، بل وافقه، ولكن اختصر الراوي، فذكر من قضائه الاستهام فقط، وتَرَك ذكرَ التخيير، يدل عليه ما نقله الزيلعي (١) عن ابن حبان بعد تخريج هذا الحديث، فقال: ورواه ابن حبان في "صحيحه" في النوع السادس والثلاثين من القسم الخامس بلفظ الترمذي، وزاد فيه: "وأن أبا هريرة خَيَّر غلامًا بين أبيه وأمه".
وهذا يدل على أن تخيير أبي هريرة للغلام كان في الحديث، فكأنه تركه الراوي، فتخيير أبي هريرة للغلام إن كان للكبير البالغ فهو يوافقنا، وإن كان للصغير فهو اجتهاد منه ﵁، ولا يضرنا، وقد ثبت عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قضى في عاصم بن عمر بن الخطاب لأمه، ولم يخيره ذلك، وكان بمحضر من الصحابة ﵃، ولم ينكره أحد.
٢٢٧٨ - (حدثنا العباس بن عبد العظيم، نا عبد الملك بن عمرو، نا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن نافع بن عجير، عن أبيه) أي: عجير بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف
стр. 4987
عن عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: خَرَجَ زيدُ بْنُ حَارِثَةَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَدِمَ بِابْنَةِ حَمْزَةَ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: أَنَا آخُذهَا، أَنَا أَحَقُّ بِهَا، ابْنَةُ (١) عَمِّي وَعِنْدِي خَالَتُهَا، وَإِنَّمَا الْخَالَةُ أُمٌّ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا
===
المطلبي، أخو ركانة، وركانة هو الذي صارع النبي ﷺ ، وعجير أطعمه رسول الله ﷺ بخيبر ثلاثين وسقًا، وأمهم العجلة بنت العجلان من بني ليث، روى له أبو داود هذا الحديث الواحد.
قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" في ترجمة نافع بن عجيرة: وقع في رواية أبي داود، عن محمد بن إبراهيم، عن نافع بن عجيرة، عن أبيه، عن علي، وأوضح البيهقي أن الصواب (٢): عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن نافع بن عجيرة، عن أبيه، عن علي، وليست فيه لعجيرة رواية. وعجير هذا كان من مشايخ قريش، وممن بعثه عمر لتجديد أعلام الحرم.
(عن علي ﵁ قال: خرج زيد بن حارثة إلى مكة) من مرِّ الظهران، أو من بطن يأجج موقف رسول الله ﷺ في زمان عمرة القضاء (فقدم) أي زيد بن حارثة من مكة (بابنة حمزة) بن عبد المطلب، اسمها عمارة، وقيل: فاطمة. وقيل: أمامة. وقيل: أمة الله. وقيل: سلمى. والأول هو المشهور.
(فقال جعفر) أي ابن أبي طالب: (أنا آخذها، أنا أحق بها) أي بابنة حمزة، بوجهين: أولهما: أنها (ابنة عمي و) ثانيهما: أن (عندي خالتها) واسم الخالة أسماء بنت عميس، (وإنما الخالة أم، فقال علي: أنا أحق بها)
стр. 4988
ابْنَةُ (١) عَمِّي، وَعِنْدِي ابْنَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهِيَ أَحَقُّ بِهَا، فَقَالَ زَيدٌ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، أَنَا خَرَجْتُ إِلَيْهَا، وَسَافَرْتُ، وَقَدِمْتُ بِهَا،
===
لأنها (ابنة عمي، وعندي) أي في نكاحي (ابنة رسول الله ﷺ وهي أحق بها).
وفي رواية "البخاري" (٢) ذكر في وجوه الاستحقاق: "قال علي: أنا أخذتها". وهذا بظاهره يخالف ما وقع في هذ الحديث أن عليًا يقول: "خرج زيد بن حارثة إلى مكة، فقدم بابنة حمزة"، وهذا يدل على أن زيد بن حارثة هو الآخذ بها والقادم من مكة، وسنبيِّن في شرح الحديث الآتي وجه الجمع بينهما.
(فقال زيد: أنا أحق بها، أنا خرجت إليها وسافرت)، وليس المراد بالسفر السفر الشرعي، بل المراد السفر اللغوي من موقفه إلى مكة، (وقدمت بها) من مكة إلى الموقف.
واختلف في محل الخصومة، قال الحافظ في "الفتح" (٣): وذكر أن مخاصمة علي وجعفر وزيد إلى النبي ﷺ كانت بعد أن وصلوا إلى مر الظهران، ثم قال: وكانت خصومتهم في ذلك بعد أن قدموا المدينة، ثبت ذلك في حديث علي عند أحمد والحاكم (٤).
وفي "المغازي" لأبي الأسود، عن عروة في هذه القصة: "فلما دنوا من المدينة كَلَّمه فيها زيد بن حارثة، وكان وصي حمزة وأخاه"، وهذا لا ينفي أن المخاصمة إنما وقعت بالمدينة، فلعل زيدًا سأل النبي ﷺ في ذلك، ووقعت المنازعة بعد.
قلت: إن كان القول الأول: إن المخاصمة بينهم وقعت بعد أن وصلوا
стр. 4989
فَخَرَجَ النَّبيُّ ﷺ ، فَذَكَرَ حَدِيثًا، قَالَ: "وَأَمَّا الْجَارِيَةُ فَأَقْضِي بِهَا لِجَعْفَرٍ، تكون مَعَ خَالَتِهَا، وإنَّمَا الْخَالَةُ أُمٌّ" (١). [حم ١/ ١١٥، ك ٣/ ١٢٠]
٢٢٧٩ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ عِيسَى، نَا سُفْيَانُ، عن أَبِي فَرْوَةَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْن أَبِي لَيْلَى، بِهَذَا الْخَبَرِ، وَلَيْسَ بِتَمَامِهِ، قَالَ: وَقَضَى بِهَا لِجَعْفَرٍ، لأنَّ خَالَتَهَا عِنْدَهُ. [انظر سابقه]
===
إلى مر الظهران، صحيحًا ومحفوظًا، فلا مخالفة بين القولين؛ فإنه يمكن أن تكون المنازعة وقعت في مر الظهران أولًا بعد أن أخذها علي، وأوصلها إلى فاطمة، وهي في هودجها، وقال لفاطمة: أمسِكيها عندك، ولكن لم تبلغ هذه المنازعة إلى رسول الله ﷺ ، ثم كَلَّمه زيد بن حارثة قبل أن يصل إلى المدينة، ثم وقع المنازعة بعد ما دخلوا في المدينة، فعلم رسول الله ﷺ بها، وعند ذلك قضى فيها.
(فخرج النبي ﷺ ) إلى المدينة. قال الحافظ: زاد في رواية ابن سعد: "اختصم فيها علي وزيد وجعفر، حتى ارتفعت أصواتهم، وأيقظوا النبي ﷺ من نومه".
(فذكر) أي علي، أو راوٍ آخر (حديثًا، قال) أي علي أو الراوي: قال رسول الله ﷺ : (وأما الجارية فأقضي بها لجعفر، تكون) أي الجارية (مع خالتها، وإنما الخالة أم).
٢٢٧٩ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا سفيان، عن أبي فروة؛ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) أي عن علي (بهذا الخبر) أي الحديث المتقدم عن علي (وليس بتمامه) أي ليس هذا الحديث تامًا مثل تمام الخبر المتقدم (قال) أي الراوي: (وقضى بها) أي بابنة حمزة (لجعفر, لأن خالتها عنده).
стр. 4990
٢٢٨٠ - حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى، أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُمْ، عن إِسْرَائِيلَ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن هَانِئٍ (١) وَهُبَيْرَةَ (٢)، عن عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا خَرَجْنَا مِنْ مَكَّةَ تَبِعَتْنَا بِنْتُ حَمْزَةَ تُنَادِي: يَا عَمِّ يَا عَمِّ. فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ، فَأَخَذَ بِيَدِهَا
===
٢٢٨٠ - (حدثنا عباد بن موسى، أن إسماعيل بن جعفر حدثهم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ) بن هانئ الهمداني الكوفي، روى عن علي بن أبي طالب، وعنه أبو إسحاق السبيعي وحده، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال ابن سعد: كان يتشيع، وقال ابن المديني: مجهول، وقال حرملة عن الشافعي: هانئ بن هانئ لا يعرف، وأهل العلم بالحديث لا يثبتون حديثه لجهالة حاله.
(وهبيرة) مصغرًا، ابن يريم وزن عظيم، الشيباني، ويقال: الخارفي، أبو حارث الكوفي، قال الأثرم عن أحمد: لا بأس بحديثه، هو أحسن استقامة من غيره، يعني الذين تفرد أبو إسحاق بالرواية عنهم، وقال عبد الله بن أحمد: هبيرة أحب إلينا من الحارث، وقال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال يحيى بن معين: هو مجهول، وقال ابن خراش: ضعيف.
(عن علي قال: لما خرجنا من مكة تبعتنا بنت حمزة تنادي: يا عم يا عم)، قال الحافظ (٣): كأنها خاطبت النبي ﷺ بذلك إجلالًا له، وإلَّا فهو ابن عمها، أو بالنسبة إلى كون حمزة، وإن كان عمه من النسب، فهو أخوه من الرضاعة، وقد أقرها عليٌّ بذلك بقوله لفاطمة بنت رسول الله ﷺ : "دونك ابنة عمك".
(فتناولها علي، فأخذ بيدها)، وهذا بظاهره يخالف ما تقدم في الحديث المار "أن زيد بن حارثة خرج إلى مكة، فقدم بابنة حمزة"، وهذا الحديث يدل [على] أن ابنة حمزة تبعت رسول الله ﷺ حين خرجوا من مكة تنادي: يا عم يا عم.
стр. 4991
وَقَالَ: دُونَكِ بِنْتَ عَمِّكِ، فَحَمَلَتْهَا، فَقَصَّ الْخَبَرَ، قَالَ: وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ (١) عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي، فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: "الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ". [حم ١/ ٩٨ - ٩٩]
===
ووجه الجمع بين القصتين أن يقال: إن أول من أخرجها من مكة هو زيد بن حارثة كما تدل عليه الرواية المتقدمة، ويدل عليه ما حكى الحافظ (٢) عن مغازي سليمان التيمي: "أن النبي ﷺ لما رجع إلى أهله وجد بنت حمزة، فقال لها: ما أخرجك؟ قالت: رجل من أهلك، ولم يكن رسول الله ﷺ أمر بإخراجها، ثم لما وصلت إلى موقف رسول الله ﷺ كانت تطوف في الرجال، فرأت رسول الله ﷺ فتبعته تنادي: يا عم يا عم؛ فأخذها علي وأركبها في هودج فاطمة، وقال لها: أمسكيها عندك".
يدل عليه ما قال الحافظ: قال: وعند ابن سعد من مرسل محمد بن علي بن الحسين الباقر بإسناد صحيح إليه: "بينما بنت حمزة تطوف في الرجال، إذ (٣) أخذ علي بيدها، فألقاها إلى فاطمة في هودجها".
(وقال) أي علي لفاطمة: (دونك) أي خذي (بنت عمك) لأن حمزة عمها من الرضاعة، فإنه أخو رسول الله ﷺ رضاعًا (فحملتها) أي فاطمةُ بنتَ حمزة.
(فقص) أي أبو إسحاق (الخبر) أي الحديث (قال) أي أبو إسحاق بسنده: (وقال جعفر: ابنة عمي) أي هي (وخالتها تحتي) أي في نكاحي (فقضى بها) أي بابنة حمزة (النبي ﷺ لخالتها) أي واسطة زوجها جعفر (وقال: الخالة بمنزلة الأم) (٤).
стр. 4992
(٣٦) بَابٌ: في عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ
٢٢٨١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَهْرَانِيُّ، ثنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ،
===
قال الحافظ في "الفتح" (١): وإنما أقرهم النبي ﷺ على أخذها مع اشتراط المشركين أن لا يخرج أحد من أهلها أراد الخروج, لأنهم لم يطلبوها. وأيضًا فقد تقدم في الشروط، ويأتي في التفسير أن النساء المؤمنات لم يدخلن في ذلك، لكن إنما نزل القرآن في ذلك بعد رجوعهم إلى المدينة، ووقع في رواية أبي سعيد السكري: أن فاطمة قالت لعلي: "إن رسول الله ﷺ آلى أن لا يصيب منهم أحدًا إلَّا ردَّه عليهم، فقال لها علي: إنها ليست منهم إنما هي منَّا".
(٣٦) (بابٌ: في عِدَّة الْمُطَلَّقَةِ)
٢٢٨١ - (حدثنا سليمان بن عبد الحميد البهراني) وهو مختلف فيه، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: كذاب، ليس بثقة ولا مأمون، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ممن يحفظ الحديث وينتصب.
(ثنا يحيى بن صالح) الوُحاظي، بضم الواو وتخفيف المهملة ثم معجمة، أبو زكريا، ويقال: أبو صالح، الشامي، روى عنه البخاري، قال أبو زرعة الدمشقي: لم يقل فيه أحمد إلَّا خيرًا، قال: وسألت يحيى بن معين عنه؟ فقال: ثقة، وقال أبو عوانة الإسفرائني: كان حسن الحديث، وهو عديل محمد بن الحسن إلى مكة، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن عدي في جماعة من ثقات أهل الشام.
وقال العقيلي: حمصي جهمي، وقال يزيد بن عبد ربه: سمعت وكيعًا يقول ليحيى بن صالح: يا أبا زكريا احذر الرأي، فإني سمعت أبا حنيفة يقول:
стр. 4993
نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُهَاجِرٍ، عن أَبِيهِ، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ الأَنْصَارِيَّةِ: أَنَّهَا طُلِّقَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ (١) ﷺ ، وَلَمْ تَكُنْ لِلمُطَلَّقَةِ عِدَّةٌ، فَأَنْزَلَ الله حِينَ طُلِّقَتْ أَسْمَاءُ بِالْعِدَّةِ لِلطَّلَاقِ، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَنْ أُنْزِلَتْ (٢) فِيهَا الْعِدَّةُ لِلْمُطَلَّقَاتِ. [ق ٧/ ٤١٤]
===
البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالحافظ عندهم، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال سليمان بن عبد الحميد البهراني: سمعت أبا اليمان يقول: قدم الحسن بن موسى الأشيب علينا قاضيًا بحمص فقال: دلني على رجل ثقة موسر أستعين به على أمري، فقلت: لا أعرف أحدًا أوثق من يحيى بن صالح، وقال الساجي: هو عندهم من أهل الصدق والأمانة، وقال الخليلي: ثقة (٣).
(نا إسماعيل بن عياش، حدثني عمرو بن مهاجر) بن أبي مسلم، واسمه دينار، الأنصاري، أبو عبيد الدمشقي، مولى أسماء بنت يزيد، رأى أنسًا وواثلة، قال ابن معين، ودحيم، وأبو داود، وابن سعد، والعجلي، ويعقوب بن سفيان: ثقة، وقال ابن سعد: له حديث كثير، (عن أبيه) مهاجر بن أبي مسلم، واسمه دينار، الشامي الأنصاري، مولى أسماء بنت يزيد، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية أنها طلقت على عهد رسول الله ﷺ ولم تكن) أي في ذاك الوقت (للمطلقة عدة، فأنزل الله حين طلقت أسماء بالعدة للطلاق)، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤)، (فكانت) أي أسماء (أول من أنزلت فيها) أي في قصتها (العدة للمطلقات) قلت: ولم أر هذا الحديث لغير أبي داود.
стр. 4994
(٣٧) بَابٌ: في نَسْخِ مَا اسْتُثْنِي بِهِ مِنْ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَاتِ (١)
٢٢٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَليُّ بْنُ حُسَيْنٍ (٢)، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْويِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وَقَالَ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾، فَنُسِخَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: وإن ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٣) ". [ن ٣٤٩٩]
===
(٣٧) (بَابٌ: في نَسْخِ مَا اسْتثْنِيَ بِهِ مِنْ عِدَّة الْمُطَلَّقَاتِ)
يعني أن آية عدة المطلقات تشمل ذوات الأقراء، والآيسات، والصغائر، والممسوسة وغير الممسوسة، والحوامل وغير الحوامل، فاستثنى منها الآيسات والصغائر وغير الممسوسات والحوامل
٢٢٨٢ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن حسين) بن واقد، (عن أبيه) حسين بن واقد، (عن يزيد النحوي) هو ابن أبي سعيد، (عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وقال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾) ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾، (فنسخ من ذلك) أي نسخ هذا القول الثاني الشامل للآيسات والصغائر اللاتي لم يبلغن المحيض من ذلك أي من القول الأول الشامل لجميع أنواع المطلقات، فأوجب للآيسات والصغائر العدة ثلاثة أشهر مكان ثلاثة قروء، (وقال) أي ابن عباس: (وإن ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾)، فنسخت هذه الآية من آية عدة المطلقات غير الممسوسة، فإنه ليس عليهن عدة، ولم يذكر ابن عباس ﵄ الحوامل إذا
стр. 4995
(٣٨) بَابٌ: في الْمُرَاجَعَةِ
٢٢٨٣ - حَدّثَنَا سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْعَسْكَرِيُّ، نَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدة، عن صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ، عن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن عمَرَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا". [ن ٣٥٦٢، جه ٢٠١٦]
===
طلقت، لمكان الاختلاف فيها، أو لأن الغرض بهذا أن الآية المشتملة على عدة المطلقات ليس على عمومها وإطلاقها، بل الغرض أن بعض صور المطلقات أخرج منها، أو تركها الراوي اختصارًا.
وقد أخرج النسائي (١) هذا الحديث من حديث زكريا بن يحيى قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: ثنا علي بن الحسين بن واقد أطول من هذا.
(٣٨) (بَابٌ: في الْمُرَاجَعَةِ)
أي: إذا طلق الرجل الزوج امرأته طلقة أو طلقتين فيراجعها
٢٢٨٣ - (حدثنا سهل بن محمد بن الزبير العسكري) أبو سعيد، وقيل: أبو داود، نزيل البصرة، قال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال النسائي: ثبت، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة. (نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن صالح بن صالح، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن عمر: أن النبي ﷺ طلق حفصة، ثم راجعها) (٢).
وأخرجه النسائي بهذا السند عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ كان طلق حفصة، ثم راجعها"، فالظاهر أن في هذا الحديث لفظ "ابن" في قوله: "عن ابن عمر" وهم وغلط من الكاتب.
стр. 4996
(٣٩) بَابٌ: في نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ
٢٢٨٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ
===
وأخرجه الدارمي (١) من حديث إسماعيل بن خليل وإسماعيل بن أبان قالا: ثنا يحيى بن أبي زائدة بسند أبي داود والنسائي، ثم أخرج بسند آخر قال: أخبرنا سعيد بن سليمان، عن هشيم، عن حميد، عن أنس: "أن النبي ﷺ طلق حفصة ثم راجعها"، قال أبو محمد: كان علي بن المديني أنكر هذا الحديث، قال: وليس عندنا هذا الحديث بالبصرة عن حميد.
قال مولانا الشيخ عبد الغني المهاجر المدني في "إنجاح الحاجة" (٢): قال الشيخ الدهلوي في "المدارج": "إن النبي ﷺ طلق حفصة واحدة، فلما بلغ هذا الخبر عمر ﵁، فاهتم له، فأوحي إلى النبي ﷺ : راجع حفصة، فإنها صوَّامة قوَّامة، وهي زوجتك في الجنة".
وأخرج الحاكم في "المستدرك" (٣) من طريق عمرو بن عون، ثنا هشيم، أنبأ حميد، عن أنس ﵁ قال: "لما طلق (٤) النبي ﷺ حفصة، أمر أن يراجعها، فراجعها"، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
(٣٩) (بَابٌ: في نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ)
مشتق من البت، وهو القطع، وهو يشمل طلاق البائن والثلاث، يعني إذا طلق الزوج زوجته طلاقًا بائنًا أو ثلاثًا هل تجب لها في عدتها النفقة على الزوج؟
٢٢٨٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن يزيد
стр. 4997
مَوْلَى الأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْن عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ،
===
مولى الأسود بن سفيان) من شيوخ مالك، ثقة، (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس) بن خالد، القرشية الفهرية، أخت الضحاك بن قيس الأمير، وكانت أسن منه، كانت من المهاجرات الأول، وكانت ذات جمال وعقل، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر، وكانت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها فتزوجها بعده أسامة بن زيد.
(أن أبا عمرو بن حفص) (١) بن المغيرة، وقيل: أبو حفص بن المغيرة، ويقال: أبو عمرو بن حفص بن عمرو بن المغيرة المخزومي القرشي، اختلف في اسمه، فقيل: أحمد، وقيل: عبد الحميد، وقيل: اسمه كنيته، وأمه درة بنت خزاعي بن الحويرث الثقفي، وكان خرج مع علي إلى اليمن في عهد النبي ﷺ ، فمات هناك، ويقال: بل رجع إلى أن شهد فتوح (٢) الشام، وكانت تحته فاطمة بنت قيس.
(طلقها البتة، وهو غائب) ويخالفه ما أخرجه الطحاوي (٣) من حديث الليث، عن أبي زبير المكي، أنه سأل عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو بن حفص عن طلاق جده أبي عمرو فاطمة بنت قيس، فقال له عبد الحميد: "طلقها البتة، ثم خرج إلى اليمن".
وكذلك أخرج من حديث ابن جريج قال: أخبرني عطاء قال: أخبرني عبد الرحمن بن عاصم بن ثابت: "أن فاطمة بنت قيس أخبرته، وكانت عند رجل من بني مخزوم، فأخبرته أنه طلقها ثلاثًا، وخرج إلى بعض المغازي، وأمر وكيلًا له أن يعطيها بعض النفقة" الحديث.
стр. 4998
فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ فَتَسَخَّطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَئءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ الله ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهَا: "لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ في بَيْتِ أمِّ شَرِيك"،
===
ووجه الجمع بينهما أن يقال: طلقها في المدينة، ولم يظهر أمر الطلاق حتى خرج مع علي ﵁، فوقع النزاع بينها وبين وكيل الزوج في وجوب النفقة، فظهر أمر الطلاق حينئذ، ظن أنه طلقها الآن، أو يقال طلقها ثنتين، ثم خرج إلى اليمن، فأرسل بطلاقها الثالث كما يدل عليه حديث مسلم (١).
(فأرسل إليها وكيله) وهو عياش بن أبي ربيعة والحارث بن هشام (بشعير) في نفقة العدة (فتسخطته) أي: سخطت على قلة النفقة بالشعير القليل وما رضيت به.
(فقال) أي الوكيل: (والله مالك علينا من شيء) من النفقة، (فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك) أي الحال (له، فقال) أي رسول الله ﷺ (لها: ليس لك عليه نفقة، وأمرها) أي رسول الله ﷺ فاطمة (إن تعتد) أي تقضي عدتها (في بيت أم شريك).
قال الحافظ في "الإصابة" (٢) في ترجمة أم شريك الأنصارية: قيل: هي بنت أنس الماضية، وقيل: هي بنت خالد المذكورة قبلها، وقيل: هي غيرهما، وقيل: هي أم شريك بنت أبي العكر بن سمي (٣)، ثم قال: قلت: ولها ذكر في حديث صحيح عند مسلم (٤) من رواية فاطمة بنت قيس في قصة الجساسة في
стр. 4999
ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي في بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثيَابَكِ، وَإِذَا حَلَلْتِ فَآذنينِي"،
===
حديث تميم الداري، قال فيه: "وأم شريك امرأة غنية من الأنصار، عظيمة النفقة في سبيل الله ، ينزل عليها الضِّيفان"، ثم قال: يقال: إنها التي أمرت فاطمة بنت قيس أن تعتد عندها، ثم قيل لها: "اعتدي عند ابن أم مكتوم".
ثم قال في ترجمة أم شريك: القرشية العامرية، من بني عامر بن لؤي، وأخرج الحميدي في "مسنده" (١) من رواية مجالد، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس: "أن النبي ﷺ قال لها: اعتدي عند أم شريك بنت أبي العكر" (٢)، وهذا يخالف ما تقدم أنها زوج أبي العكر، ويمكن الجمع بأن تكون كنية والدها وزوجها اتفقا.
ووقع في رواية النسائي (٣) من حديث مخلد، ثنا ابن جريج، عن عطاء قال: أخبرني عبد الرحمن بن عاصم: "أن فاطمة بنت قيس أخبرته، وكانت عند رجل من بني مخزوم أنه طلقها ثلاثًا" الحديث، وفيه قال النبي ﷺ : "فانتقلي إلى أم كلثوم، فاعتدي عندها"، ثم قال: "إن أم كلثوم امرأة تكثر عوادها، فانتقلي إلى عبد الله بن أم مكتوم".
(ثم قال: إن تلك امرأة يغشاها أصحابي) لأنها كانت كثيرة الضيفان، عظيمة النفقة في سبيل الله، وخص علي القاري (٤) الأصحاب بأقاربها وأولادها، ولا حاجة إلى ذلك، (اعتدي في بيت ابن أم مكتوم) هو عمرو بن أم مكتوم، اختلف في اسمه (فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك) أي في بيته فلا يراك، (وإذا حللت) أي: خرجت من العدة (فآذنيني) أي: أعلميني بالخروج من العدة.
стр. 5000
قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عن عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، اِنْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زيدٍ".
قَالَتْ: فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: "اِنْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ"، (١) فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ الله تَعَالَى فِيهِ خَيْرًا وَاغْتُبِطْتُ. [م ١٤٨٠، ن ٣٥٥٢]
===
(قالت) أي فاطمة: (فلما حللت ذكرت له) أي لرسول الله ﷺ (أن معاوية بن (٢) أبي سفيان وأبا جهم) بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي، واسمه عامر، وقيل: عبيد، أسلم عام الفتح، وكان معظمًا في قريش مقدمًا فيهم، فيه وفي بنيه شدة، وهو أحد الذين دفنوا عثمان ﵁، وهذا أبو جهم هو الذي كان أهدى إلى رسول الله ﷺ خميصة لها علم، فشغلته في الصلاة، فردها (٣) إليه.
(خطباني، فقال رسول الله ﷺ : أما أبو جهم فلا يضع عصاه (٤) عن عاتقه) أي ضَرَّاب للنساء، (وأما معاوية فصعلوك (٥) لا مال له، انكحي (٦) أسامة بن زيد، قالت: فكرهته) لأنه كان أسود دميمًا قصيرًا، وكان من الموالي.
(ثم قال) أي رسول الله ﷺ ثانيًا: (انكحي أسامة بن زيد، فنكحته، فجعل الله تعالى فيه) أي في أسامة (خيرًا واغتبطت) أي صرت ذات غبطة
стр. 5001
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تغتبطني النساء، يقال: غبطته (١) إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ما له بِدَوَامه له، وحسدته إذا اشتهيت لك ما له بزواله عنه.
وهذا الحديث استدل به من قال: إن المبتوتة لا نفقة لها ولا سكنى؛ لأنه وقع في بعض طرق الحديث: أنه ﷺ لم يجعل لها النفقة والسكنى.
واختلف فيه العلماء، فقال بعضهم: لا نفقة لها ولا سكنى، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وأتباعهم، وقال بعضهم: لا نفقة لها ولها السكنى، وهو قول الشافعي والجمهور، واحتجوا لإثبات السكنى بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٢)، ولإسقاط النفقة بمفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فإن مفهومه أن غير الحامل لا نفقة لها، وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر معنى، والسياق يفهم أنها في غير الرجعية؛ لأن نفقة الرجعية واجبة، ولو لم تكن حاملاً.
وذهب عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وأهل الكوفة من الحنفية، وغيرهم إلى وجوب النفقة والسكنى، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (٣).
فإن آخر الآية وهو النهي عن إخراجهن يدل على وجوب النفقة والسكنى.
وحكي في "البحر" عن أحمد بن حنبل أنه قال: إنها تستحق النفقة دون السكنى، واستدلوا على وجوب النفقة بقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤) الآية، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ (٥)، وبأن زوجة المطلقة بائنًا
стр. 5002
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
محبوسة بسبب الزوج، واستدلوا على عدم وجوب السكنى بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾، فإنه أوجب أن تكون حيث الزوج، وذلك لا يكون في البائنة.
وأما الجواب عن حديث فاطمة فإنه رده عمر ﵁، وقال: "لا ندع كتاب ربنا وسنَّة نبينا لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت". وقد أنكره أسامة بن زيد، فإنه كان إذا ذكرت فاطمة من ذلك شيئًا رماها بما كان في يده، وكذلك أنكرته عائشة ﵂، فإنها قالت: ما لفاطمة من خير أن تذكر هذا الحديث، يعني قولها: "لا نفقة لها ولا سكنى".
أخرج الطحاوي (١) هذه الأقاويل، ثم روى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن "أن الناس أنكروا عليها ما تُحَدِّث به من خروجها قبل أن تحل"، وقد أنكر عمر بن الخطاب ذلك بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ ، فلم ينكر عليه منهم منكر، فدل تركهم النكير في ذلك عليه أن مذهبهم فيه كمذهبه.
وخلاصة البحث في هذه المسألة أن الزوج تجب عليه نفقة زوجته، يدل على وجوبه الكتاب والسنَّة والإجماع والمعقول. أما الكتاب: فقوله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٢)، أي على قدر ما يجده أحدكم من السعة والمقدرة، والأمر بالإسكان أمر بالإنفاق؛ لأنها لا تصل إلى النفقة إلَّا بالخروج والاكتساب.
وفي حرف عبد الله بن مسعود ﵁: "أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم"، وهو نص.
وقوله : ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (٣) أي: لا تضارُّوهن في
стр. 5003
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الإنفاق عليهن فتضيقوا عليهن النفقة فيخرجن، أو لا تضارُّوهن في المسكن، فتدخلوا عليهن من غير استئذان، فتضيقوا عليهن المسكن فيخرجن.
وقوله : ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وقوله : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١)، وقوله : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٢) الآية، وقوله : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣)، قيل: هو المهر والنفقة.
وأما السنَّة: فروي عنه ﷺ أنه قال: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهم بالمعروف"، أو قال: "يطعمها إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى"، وقال لهند امرأة أبي سفيان: "خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف"، ولو لم تكن النفقة واجبة، لم يأذن لها بالأخذ من غير إذنه.
وأما الإجماع: فلأن الأمة أجمعت على هذا.
وأما المعقول: فهو أن المرأة محبوسة بحبس النكاح حقًا للزوج ممنوعة عن الاكتساب بحقه، فكان نفع حبسها عائدًا إليه، فكانت كفايتها عليه لقوله ﷺ : "الخَرَاج بالضَّمان"، ولأنها إذا كانت محبوسة بحبسه ممنوعة عن الخروج للكسب بحقه، فلو لم يكن كفايتها عليه لهلكت، ولهذا جُعل للقاضي رزق في بيت مال المسلمين لحقهم؛ لأنه محبوس لجهتهم ممنوع من الكسب، فجعلت نفقته في مالهم، وهو بيت المال، كذا ها هنا.
واختلف العلماء في سبب وجوب هذه النفقة، قال أصحابنا: سبب وجوبها استحقاق الحبس الثابت بالنكاح للزوج عليها.
стр. 5004
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال الشافعي: السبب هو الزوجية، وهو كونها زوجة له، وربما قالوا: السبب هو ملك النكاح للزوج عليها، وربما قالوا: القوَّامية.
واحتج بقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (١) الآية، أوجب النفقة عليهم لكونهم قوامين، والقوامية تثبت بالنكاح، فكانت سبب وجوب النفقة النكاح؛ لأن الإنفاق على المملوك من باب إصلاح الملك واستبقائه، فكان سبب وجوبه الملك.
ولنا: أن حق الحبس الثابت للزوج عليها بسبب النكاح مؤثر في استحقاق النفقة لها عليه لما بينا؛ لأنه قد قوبل بعوض مرة وهو المهر، فلا يقابل بعوض آخر، إذ العوض الواحد لا يقابل بعوضين، ولا حجة له في الآية؛ لأن فيها إثبات القوامية بسبب النفقة لا إيجاب النفقة بسبب القوامية.
وهذه الآيات والأحاديث وإن وردت في الزوجة لكن المعتدة في حكم الزوجة باعتبار أن النكاح قائم من وجه، فإنها محبوسة للزوج، فتستحق النفقة كما كانت تستحقها قبل الفرقة، بل أولى؛ لأن حق الحبس بعد الفرقة تأكد بحق الشرع، وتأكد السبب يوجب تأكد الحكم، فلما وجبت قبل الفرقة فبعدها أولى.
وجملة الكلام أن المعتدة إن كانت معتدة من نكاح صحيح عن طلاق، فإن كان الطلاق رجعيًا فلها النفقة والسكنى بلا خلاف, لأن ذلك النكاح قائم، فكان الحال بعد الطلاق كالحال قبله، وإن كان الطلاق ثلاثًا أو بائنًا فلها النفقة والسكنى إن كانت حاملًا بالإجماع لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢).
وإن كانت حاملًا، لها النفقة والسكنى عند أصحابنا.
стр. 5005
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال الشافعي: لها السكنى ولا نفقة لها، وقال ابن أبي ليلى: لا نفقة ولا سكنى، واحتجا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١)، خص الحامل بالأمر بالإنفاق عليها، فلو وجب الإنفاق على غير الحامل لبطل التخصيص.
وروي عن فاطمة بنت قيس، أنها قالت: "طلقني زوجي ثلاثًا، فلم يجعل لي النبي ﷺ نفقة ولا سكنى"؛ ولأن النفقة تجب بالملك، وقد زال الملك بالثلاث والبائن، إلَّا أن الشافعي يقول: عرفت وجوب السكنى في الحامل بالنص بخلاف البائن.
ولنا قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٢). وفي قراءة عبد الله بن مسعود ﵁: "أسكنوهن من حيث سكنتم، وأنفقوا عليهن من وجدكم"، ولا اختلاف بين القراءتين، لكن إحداهما تفسير للأخرى كقوله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣)، وقراءة ابن مسعود ﵁ "أيمانهما"، وليس ذلك اختلاف القراءة، بل قراءته تفسير للقراءة الظاهرة، كذا هذا.
ولأن الأمر بالإسكان أمر بالإنفاق؛ لأنها إذا كانت محبوسة ممنوعة عن الخروج لا تقدر على اكتساب النفقة، فلو لم تكن نفقتها على الزوج، ولا مال لها لهلكت، أو ضاق الأمر عليها وعسر، وهذا لا يجوز.
وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾، من غير فصل بين ما قبل الطلاق وبعده في العدة؛ ولأن النفقة إنما وجبت قبل الطلاق لكونها محبوسة عن الخروج والبروز لحق الزوج، وقد بقي
стр. 5006
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ذلك الاحتباس بعد الطلاق في حالة العدة، وتأيد بانضمام حق الشرع إليه؛ لأن الحبس قبل الطلاق كان حقًا للزوج على الخلوص، وبعد الطلاق تعلق به حق الشرع حتى لا يباح لها الخروج، وإن أذن لها الزوج بالخروج، فلما وجبت به النفقة قبل التأكد فلأن تجب بعد التأكد أولى.
وأما الآية: ففيها أمر بالإنفاق على الحامل، وأنه لا ينفي وجوب الإنفاق على غير الحامل ولا يوجبه أيضًا، فيكون مسكوتًا موقوفًا على قيام الدليل، وقد قام دليل الوجوب وهو ما ذكرنا.
وأما حديث فاطمة بنت قيس فقد رده عمر ﵁، فإنه روي: أنها لما روت "أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة"، قال عمر ﵁: "لا ندع كتاب ربنا ولا سنَّة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت".
وفي بعض الروايات قال: "لا ندع كتاب ربنا وسنَّة نبينا، ونأخذ بقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها"، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة".
وقول عمر ﵁: "لا ندع كتاب ربنا" يحتمل: أنه أراد به قوله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، ويكون قراءته كقراءة ابن مسعود.
ويحتمل: أنه أراد قوله : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (١).
ويحتمل: أنه أراد بقوله: "لا ندع كتاب ربنا" في السكنى خاصة، وهو قوله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٢)، كما
стр. 5007
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
هو القراءة الظاهرة. وأراد بقوله ﵁: "بسنَّة نبينا" ما روي عنه ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لها النفقة والسكنى".
ويحتمل: أن يكون عند عمر ﵁ في هذا تلاوة رفعت عينها، وبقي حكمها، فأراد بقوله: "لا ندع كتاب ربنا" تلك الآية، كما روي عنه أنه قال في باب الزنا: كنا نتلو في سورة الأحزاب: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالًا من الله والله عزيز حكيم"، ثم رفعت التلاوة وبقي حكمها، كذا ها هنا.
وروي: "أن زوجها أسامة بن زيد كان إذا سمعها تتحدث بذلك، حصبها بكل شيء في يده"، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت لها: "لقد فتنت الناس بهذا الحديث"، وأقل أحوال إنكار الصحابة على راوي الحديث أن يوجب طعنًا فيه.
ثم قد قيل في تأويله: إنها كانت تبذو على أحمائها، فنقلها رسول الله ﷺ إلى بيت ابن أم مكتوم، ولم يجعل لها نفقة ولا سكنى؛ لأنها صارت كالناشزة إذ كان سبب الخروج منها.
وهكذا نقول فيمن خرجت من بيت زوجها في عدتها أو كان منها سبب أوجب الخروج: إنها لا تستحق النفقة ما دامت في بيت غير الزوج، وقيل: إن زوجها كان غائبًا فلم يقض لها بالنفقة والسكنى على الزوج لغيبته، إذ لا يجوز القضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر.
فإن قيل: روي أن زوجها خرج إلى اليمن، وقد كان وكَّل أخاه.
فالجواب: أنه إنما وكله بطلاقها أو بإيصال النفقة، ولم يوكله بالخصومة، "بدائع" (١) ملخصًا.
стр. 5008
٢٢٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيل، نَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي (١) أَبُو سلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ حَدَّثَتْهُ أَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ فِيهِ: وَأَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَنَفَرًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ أَتَوا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَإِنَّهُ تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً يَسِيرَةً، فَقَالَ: "لَا نَفَقَةَ لَهَا". وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَحَدِيثُ مَالِكٍ أَتَمُّ. [م ١٤٨٠، ن ٣٥٥١]
٢٢٨٦ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا الْوَلِيدُ، نَا أَبُو عَمْرٍو، عن يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ،
===
٢٢٨٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان بن يزيد العطار، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن فاطمة بنت قيس حدثته، أن أبا حفص بن المغيرة)، وقد تقدم أنه اختلف في اسم زوج فاطمة بنت قيس، فالأكثر على أن اسمه أبو عمرو بن حفص بن المغيرة، وقيل: اسمه أبو حفص بن المغيرة.
(طلقها ثلاثًا، وساق) أي يحيى بن أبي كثير (الحديث فيه) أي وفي الحديث: (وأن خالد بن الوليد ونفرًا) أي: جماعة، وهو ما دون العشرة من الرجال (من بني مخزوم) قبيلة من قريش (أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا نبي الله، إن أبا حفص بن المغيرة طلق امرأته ثلاثًا)، وفي الرواية المتقدمة: "طلقها البتة" (وإنه ترك لها نفقة يسيرة) أي قليلة (فقال) أي رسول الله ﷺ : (لا نفقة لها، وساق) أي يحيى بن أبي كثير (الحديث، وحديث مالك أتم) أي من حديث يحيى بن أبي كثير.
٢٢٨٦ - (حدثنا محمود بن خالد، نا الوليد) بن مسلم القرشي، (نا أبو عمرو) الأوزاعي، (عن يحيى) بن أبي كثير، (حدثني أبو سلمة،
стр. 5009
حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ الْمَخْزُومِيَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَخَبَرَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ وَلَا مَسْكَنٌ". قَالَ فِيهِ: وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنْ لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ" [انظر الحديث السابق]
٢٢٨٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُمْ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عن يَحْيَى، عن أَبِي سَلَمَةَ،
===
حدثتني فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص المخزومي طلقها ثلاثًا، وساق) أي الأوزاعي (الحديث، وخبر خالد بن الوليد) بالنصب عطفًا على الحديث، أي وساق خبر خالد بن الوليد، وهو الذي تقدم أن خالد بن الوليد ونفرًا من بني مخزوم، الحديث.
(قال) أي الأوزاعي في هذا الحديث: (فقال النبي ﷺ : ليست لها نفقة ولا مسكن) فزاد: "ولا سكن" (قال) أي الأوزاعي (فيه) أي في الحديث: (وأرسل إليها) أي فاطمة (رسول الله ﷺ ) رسالة وهي (أن لا تسبقيني بنفسك) أي لا تَعِدِي أحدًا بالنكاح قبل مشورتي، وهو من باب التعريض للخطبة، ولا بأس بذلك، كما ورد في التنزيل من قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (١) الآية.
٢٢٨٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، أن محمد بن جعفر حدثهم، نا محمد بن عمرو، عن يحيى، عن أبي سلمة)، هكذا في النسخة المجتبائية، والقادرية، ونسخة "العون"، والكانفورية، وأما في النسخة المكتوبة: "نا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة"، ثم كتب على الحاشية بين "محمد بن عمرو" وبين لفظ "عن أبي سلمة" لفظ: "عن يحيى".
وأخرج مسلم هذا الحديث من طريق محمد بن بشر قال: نا محمد بن عمرو قال: نا أبو سلمة، ولم يذكر "يحيى" بينهما.
стр. 5010
عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَطَلَّقَنِي الْبَتَّةَ، ثُمَّ سَاقَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، قَالَ فِيهِ: "وَلَا تُفَوِّتِينِي بِنَفْسِكِ". [انظر الحديث السابق]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ، وَالْبَهِيُّ، وَعَطَاءٌ
===
وكذا أخرج الإِمام أحمد (١) هذا الحديث بهذا السند: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، ولم يذكر بينهما يحيى، والذي أظن أن ما في النسخ من ذكر يحيى بين محمد بن عمرو وبين أبي سلمة غلط من الكاتب، فإن محمد بن عمرو بن علقمة يروي عن أبي سلمة بغير واسطة، فإن الحافظ ذكر في "تهذيب التهذيب" (٢) في ترجمة محمد بن عمرو في شيوخه أبا سلمة، ولم يذكر في شيوخه يحيى بن أبي كثير، وكذلك في ترجمة يحيى بن أبي كثير (٣)، لم يذكر في تلاميذه محمد بن عمرو بن علقمة.
(عن فاطمة بنت قيس قالت: كنت عند رجل) وهو أبو عمرو بن حفص المتقدم (من بني مخزوم) أي في نكاحه، (فطلقني البتة، ثم ساق) أي محمد بن عمرو (نحو حديث مالك، قال) أي محمد بن عمرو (فيه) أي في الحديث: (ولا تفوتيني) أي بعد تمام العدة (بنفسك) بل شاوريني في نكاحك إذا أردت النكاح بعد العدة.
(قال أبو داود: وكذلك رواه الشعبي)، وسيخرج المصنف روايته بعد هذه الرواية متصلًا (٤)، (والبهي) هو عبد الله بن يسار، وهو يعرف بالبهي لبهائه وجماله، أخرج حديثه مسلم في "صحيحه" (٥)، (وعطاء) بن أبي رباح