. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ذلك الاحتباس بعد الطلاق في حالة العدة، وتأيد بانضمام حق الشرع إليه؛ لأن الحبس قبل الطلاق كان حقًا للزوج على الخلوص، وبعد الطلاق تعلق به حق الشرع حتى لا يباح لها الخروج، وإن أذن لها الزوج بالخروج، فلما وجبت به النفقة قبل التأكد فلأن تجب بعد التأكد أولى.
وأما الآية: ففيها أمر بالإنفاق على الحامل، وأنه لا ينفي وجوب الإنفاق على غير الحامل ولا يوجبه أيضًا، فيكون مسكوتًا موقوفًا على قيام الدليل، وقد قام دليل الوجوب وهو ما ذكرنا.
وأما حديث فاطمة بنت قيس فقد رده عمر ﵁، فإنه روي: أنها لما روت "أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة"، قال عمر ﵁: "لا ندع كتاب ربنا ولا سنَّة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت".
وفي بعض الروايات قال: "لا ندع كتاب ربنا وسنَّة نبينا، ونأخذ بقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها"، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة".
وقول عمر ﵁: "لا ندع كتاب ربنا" يحتمل: أنه أراد به قوله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، ويكون قراءته كقراءة ابن مسعود.
ويحتمل: أنه أراد قوله : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (١).
ويحتمل: أنه أراد بقوله: "لا ندع كتاب ربنا" في السكنى خاصة، وهو قوله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٢)، كما
стр. 5007
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
هو القراءة الظاهرة. وأراد بقوله ﵁: "بسنَّة نبينا" ما روي عنه ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لها النفقة والسكنى".
ويحتمل: أن يكون عند عمر ﵁ في هذا تلاوة رفعت عينها، وبقي حكمها، فأراد بقوله: "لا ندع كتاب ربنا" تلك الآية، كما روي عنه أنه قال في باب الزنا: كنا نتلو في سورة الأحزاب: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالًا من الله والله عزيز حكيم"، ثم رفعت التلاوة وبقي حكمها، كذا ها هنا.
وروي: "أن زوجها أسامة بن زيد كان إذا سمعها تتحدث بذلك، حصبها بكل شيء في يده"، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت لها: "لقد فتنت الناس بهذا الحديث"، وأقل أحوال إنكار الصحابة على راوي الحديث أن يوجب طعنًا فيه.
ثم قد قيل في تأويله: إنها كانت تبذو على أحمائها، فنقلها رسول الله ﷺ إلى بيت ابن أم مكتوم، ولم يجعل لها نفقة ولا سكنى؛ لأنها صارت كالناشزة إذ كان سبب الخروج منها.
وهكذا نقول فيمن خرجت من بيت زوجها في عدتها أو كان منها سبب أوجب الخروج: إنها لا تستحق النفقة ما دامت في بيت غير الزوج، وقيل: إن زوجها كان غائبًا فلم يقض لها بالنفقة والسكنى على الزوج لغيبته، إذ لا يجوز القضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر.
فإن قيل: روي أن زوجها خرج إلى اليمن، وقد كان وكَّل أخاه.
فالجواب: أنه إنما وكله بطلاقها أو بإيصال النفقة، ولم يوكله بالخصومة، "بدائع" (١) ملخصًا.
стр. 5008
٢٢٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيل، نَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي (١) أَبُو سلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ حَدَّثَتْهُ أَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ فِيهِ: وَأَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَنَفَرًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ أَتَوا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَإِنَّهُ تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً يَسِيرَةً، فَقَالَ: "لَا نَفَقَةَ لَهَا". وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَحَدِيثُ مَالِكٍ أَتَمُّ. [م ١٤٨٠، ن ٣٥٥١]
٢٢٨٦ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا الْوَلِيدُ، نَا أَبُو عَمْرٍو، عن يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ،
===
٢٢٨٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان بن يزيد العطار، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن فاطمة بنت قيس حدثته، أن أبا حفص بن المغيرة)، وقد تقدم أنه اختلف في اسم زوج فاطمة بنت قيس، فالأكثر على أن اسمه أبو عمرو بن حفص بن المغيرة، وقيل: اسمه أبو حفص بن المغيرة.
(طلقها ثلاثًا، وساق) أي يحيى بن أبي كثير (الحديث فيه) أي وفي الحديث: (وأن خالد بن الوليد ونفرًا) أي: جماعة، وهو ما دون العشرة من الرجال (من بني مخزوم) قبيلة من قريش (أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا نبي الله، إن أبا حفص بن المغيرة طلق امرأته ثلاثًا)، وفي الرواية المتقدمة: "طلقها البتة" (وإنه ترك لها نفقة يسيرة) أي قليلة (فقال) أي رسول الله ﷺ : (لا نفقة لها، وساق) أي يحيى بن أبي كثير (الحديث، وحديث مالك أتم) أي من حديث يحيى بن أبي كثير.
٢٢٨٦ - (حدثنا محمود بن خالد، نا الوليد) بن مسلم القرشي، (نا أبو عمرو) الأوزاعي، (عن يحيى) بن أبي كثير، (حدثني أبو سلمة،
стр. 5009
حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ الْمَخْزُومِيَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَخَبَرَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ وَلَا مَسْكَنٌ". قَالَ فِيهِ: وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنْ لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ" [انظر الحديث السابق]
٢٢٨٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُمْ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عن يَحْيَى، عن أَبِي سَلَمَةَ،
===
حدثتني فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص المخزومي طلقها ثلاثًا، وساق) أي الأوزاعي (الحديث، وخبر خالد بن الوليد) بالنصب عطفًا على الحديث، أي وساق خبر خالد بن الوليد، وهو الذي تقدم أن خالد بن الوليد ونفرًا من بني مخزوم، الحديث.
(قال) أي الأوزاعي في هذا الحديث: (فقال النبي ﷺ : ليست لها نفقة ولا مسكن) فزاد: "ولا سكن" (قال) أي الأوزاعي (فيه) أي في الحديث: (وأرسل إليها) أي فاطمة (رسول الله ﷺ ) رسالة وهي (أن لا تسبقيني بنفسك) أي لا تَعِدِي أحدًا بالنكاح قبل مشورتي، وهو من باب التعريض للخطبة، ولا بأس بذلك، كما ورد في التنزيل من قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (١) الآية.
٢٢٨٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، أن محمد بن جعفر حدثهم، نا محمد بن عمرو، عن يحيى، عن أبي سلمة)، هكذا في النسخة المجتبائية، والقادرية، ونسخة "العون"، والكانفورية، وأما في النسخة المكتوبة: "نا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة"، ثم كتب على الحاشية بين "محمد بن عمرو" وبين لفظ "عن أبي سلمة" لفظ: "عن يحيى".
وأخرج مسلم هذا الحديث من طريق محمد بن بشر قال: نا محمد بن عمرو قال: نا أبو سلمة، ولم يذكر "يحيى" بينهما.
стр. 5010
عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَطَلَّقَنِي الْبَتَّةَ، ثُمَّ سَاقَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، قَالَ فِيهِ: "وَلَا تُفَوِّتِينِي بِنَفْسِكِ". [انظر الحديث السابق]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ، وَالْبَهِيُّ، وَعَطَاءٌ
===
وكذا أخرج الإِمام أحمد (١) هذا الحديث بهذا السند: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، ولم يذكر بينهما يحيى، والذي أظن أن ما في النسخ من ذكر يحيى بين محمد بن عمرو وبين أبي سلمة غلط من الكاتب، فإن محمد بن عمرو بن علقمة يروي عن أبي سلمة بغير واسطة، فإن الحافظ ذكر في "تهذيب التهذيب" (٢) في ترجمة محمد بن عمرو في شيوخه أبا سلمة، ولم يذكر في شيوخه يحيى بن أبي كثير، وكذلك في ترجمة يحيى بن أبي كثير (٣)، لم يذكر في تلاميذه محمد بن عمرو بن علقمة.
(عن فاطمة بنت قيس قالت: كنت عند رجل) وهو أبو عمرو بن حفص المتقدم (من بني مخزوم) أي في نكاحه، (فطلقني البتة، ثم ساق) أي محمد بن عمرو (نحو حديث مالك، قال) أي محمد بن عمرو (فيه) أي في الحديث: (ولا تفوتيني) أي بعد تمام العدة (بنفسك) بل شاوريني في نكاحك إذا أردت النكاح بعد العدة.
(قال أبو داود: وكذلك رواه الشعبي)، وسيخرج المصنف روايته بعد هذه الرواية متصلًا (٤)، (والبهي) هو عبد الله بن يسار، وهو يعرف بالبهي لبهائه وجماله، أخرج حديثه مسلم في "صحيحه" (٥)، (وعطاء) بن أبي رباح
стр. 5011
عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَاصِم، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ، كُلُّهُمْ عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: "أَنَّ زَوْجَهَا طَلقهَا ثَلَاثًا".
٢٢٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، نَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: "أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ نَفَقَةً وَلَا سُكْنَى". [م ١٤٨٠، ت ١١٨٠، جه ٢٠٢٤، حم ٦/ ٣٧٣]
٢٢٨٩ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، نَا اللَّيْثُ، عن عُقَيْلٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن أَبي سَلَمَةَ، عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ أبِي حَفْصِ بْنِ الْمُغِيْرَةِ، وَأَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ
===
(عن عبد الرحمن بن عاصم) بن ثابت، وأخرج حديثه النسائي في "المجتبى" (١)، (وأبو بكر بن أبي الجهم) هو أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم العدوي، وقد ينسب إلى جده، كان قليل الحديث، وكان فقيهًا ثقة، أخرج حديثه مسلم في "صحيحه" (٢) (كلهم عن فاطمة بنت قيس) قالوا: (إن زوجها طلقها ثلاثًا) أي ولم يقولوا لفظ: "البتة".
٢٢٨٨ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، نا سلمة بن كهيل، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس: أن زوجها طلقها ثلاثًا، فلم يجعل لها) أي لفاطمة (النبي ﷺ نفقة ولا سكنى).
٢٢٨٩ - (حدثنا يزيد بن خالد الرملي، نا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس، أنها أخبرته) أي أبا سلمة (أنها) أي فاطمة بنت قيس (كانت عند أبي حفص بن المغيرة، وأن أبا حفص بن
стр. 5012
الْمُغِيرَةِ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَاسْتَفْتَتْهُ في خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى، فَأَبَى مَرْوَانُ أَنْ يُصَدِّقَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ في خُرُوجِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ بَيْتِهَا. قَالَ عُرْوَةُ: أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. [م ١٤٨٠، ن ٣٥٤٦]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، كُلُّهُمْ عن الزُّهْرِيِّ.
===
المغيرة طلقها آخر ثلاث تطليقات) أي طلاقًا آخر ثلاث تطليقات كان باقية لها، وقد كان طلقها تطليقتين قبل.
(فزعمت أنها جاءت رسول الله ﷺ فاستفتته في خروجها من بيتها، فأمرها أن تنتقل إلى ابن مكتوم الأعمى)، واختلف في سبب خروجها من بيت زوجها، فقيل: كانت تبذو على أحمائها، وقيل: تخوَّفت عن الاقتحام عليها (فأبى مروان أن يصدق حديث فاطمة في خروج المطلقة من بيتها)؛ لأنه ورد في التنزيل: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (١)، فسكونها في بيتها كان واجبًا عليها بهذه الآية، (قال عروة: أنكرت عائشة على فاطمة بنت قيس)، هذا التعليق (٢) وصله مسلم في "صحيحه" (٣).
(قال أبو داود: وكذلك) أي كما رواه عقيل (رواه صالح بن كيسان (٤)، وابن جريج (٥)، وشعيب بن أبي حمزة، كلهم عن الزهري،
стр. 5013
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، وَاسْمُ أَبِي حَمْزَةَ دِينَارٌ، وَهُوَ مَوْلَى زِيادٍ.
٢٢٩٠ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَرْسَلَ مَرْوَانُ إِلَى فَاطِمَةَ، فَسَأَلَهَا، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ أَبِي حَفْصٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَّرَ عَليَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ- يَعْنِي عَلَى بَعْضِ الْيَمَنِ- فَخَرَجَ مَعَهُ زَوْجُهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ لَهَا، وَأَمَرَ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ
===
قال أبو داود: شعيب بن أبي حمزة، واسم أبي حمزة دينار، وهو مولى زياد).
٢٢٩٠ - (حدثنا مخلد بن خالد، نا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله قال: أرسل مروان) أي: قبيصة بن ذؤيب (إلى فاطمة، فسألها) أي مروان فاطمة، (فأخبرته أنها كانت عند أبي حفص) بن المغيرة (وكان النبي ﷺ أمَّر) من باب التفعيل (علي بن أبي طالب، يعني على بعض اليمن).
قال أهل التاريخ: إن رسول الله ﷺ أرسل خالد بن الوليد قبل حجة الوداع في ربيع الأول، أو الآخر، أو جمادى الأولى سنة عشر إلى عبد المدان قبيلة بنجران، ثم كتب إليه أن ارجع إلى المدينة، ثم بعث عليًا بعد ذلك مكانه، وعقد له لواء، وعمَّمه بيده، فخرج علي في ثلاث مائة فارس، ثم قفل فوافى النبي ﷺ بمكة، قد قدمها للحج سنة عشر.
(فخرج معه) أي علي بن أبي طالب (زوجها) أي زوج فاطمة بنت قيس أبو عمرو بن حفص (فبعث إليها) أي إلى فاطمة بنت قيس (بتطليقة) أي ثالثة كانت) أي التطليقة (بقيت لها) من ثلاث تطليقات، فإنه طلقها تطليقتين قبل ذلك (وأمر) زوج فاطمة أبو عمرو بن حفص (عياش بن أبي ربيعة) واسمه عمرو ذو الرمحين، ابن المغيرة بن عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن المخزومي، كان أحد المستضعفين، وهاجر الهجرتين، وهو أحد من كان النبي ﷺ يدعو له
стр. 5014
وَالْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ أَنْ يُنْفِقَا عَلَيْهَا، فَقَالَا (١): وَاللهِ مَا لَهَا نَفَقَةٌ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، فأَتَتِ النَبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "لَا نَفَقَةَ لَكِ إلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا"
===
بالنجاة من المستضعفين في القنوت، روى عن النبي ﷺ في تعظيم مكة، وأرَّخ ابن قانع والقراب وغيرهما وفاته سنة خمس عشرة.
(والحارث بن هشام) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو عبد الرحمن المكي، أخو أبي جهل، أسلم يوم الفتح، وخرج إلى الشام مجاهدًا، فقتل يوم اليرموك، وذكر ابن سعد (٢) وغيره أنه توفي في طاعون عمواس سنة ١٨ هـ.
(أن ينفقا عليها) أي فاطمة بنت قيس، فنازعتهما وتقالَّتْها، (فقالا: والله ما لها نفقة إلَّا أن تكون حاملًا) ولعل قولهما هذا كان اجتهادًا منهما مستنبطًا من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (٣)، (فأتت) أي فاطمة بنت قيس (النبي ﷺ فقال) أي رسول الله ﷺ : (لا نفقة لك إلَّا أن تكوني حاملًا).
وقد تقدم من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن فاطمة بنت قيس حدثته: أن خالد بن الوليد ونفرًا من بني مخزوم أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا نبي الله، إن أبا حفص بن المغيرة طلق امرأته ثلاثًا، وإنه ترك لها نفقة يسيرة، فقال: "لا نفقة لها".
والعجب كل العجب أن جماعة المخزوميين سمعوا من في رسول الله ﷺ أنه قال: "لا نفقة لها"، ولم يرو أحد منهم أن رسول الله ﷺ قضى بذلك، مع أن قضاء رسول الله ﷺ بذلك وافق اجتهادهم، فلا يظن بهم أنهم نسوا ذلك.
стр. 5015
وَاسْتَأْذَنَتْهُ (١) في الاِنْتِقَالِ، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: أَيْنَ أَنْتَقِلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ (٢) رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ" وَكَانَ أَعْمَى، تَضَعُ ثِيَابَهَا عِنْدَهُ وَلَا يُبْصِرُهَا، فَلَمْ تَزَلْ هُنَاكَ (٣) حَتَّى مَضَتْ عِدَّتُهَا، فَأَنْكَحَهَا النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ، فَرَجَعَ قَبِيصَةُ إِلَى مَرْوَانَ، فَأَخْبَرَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ مَرْوَانُ: لَمْ نسْمَعْ (٤) هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ امْرَأَةٍ
===
(واستأذنته) أي فاطمة بنت قيس رسول الله ﷺ (في الانتقال) أي من بيت زوجها (فأذن لها، فقالت) أي فاطمة: (أين أنتقل يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : عند ابن أم مكتوم، وكان أعمى، تضع ثيابها عنده ولا يبصرها، فلم تزل هناك) أي عند ابن أم مكتوم (حتى مضت عدتها، فأنكحها النبي ﷺ أسامة) بن زيد.
(فرجع قبيصة إلى مروان فأخبره ذلك) أي الخبر، (فقال مروان: لم نسمع هذا الحديث إلَّا من امرأة) أي واحدة.
فإن قلت: كثير من الأحاديث روي عن النساء، عن عائشة ﵂ وغيرها، وتلقتها الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم بالقبول، فكيف جاز لمروان أن يرد الحديث الذي بلغته فاطمة بنت قيس؟
فالجواب عنه: أن مروان لما علم أن الحديث ورد في قصة شاعت في ذلك العصر، وقضى فيها رسول الله ﷺ بمحضر من الصحابة ﵃، ولم يروه إلَّا امرأة واحدة منهم، وقد سمعوا من في رسول الله ﷺ ، ثم علم أن الناس كلهم قالوا بخلاف ذلك، فظن أن الإجماع خالف ذلك الحديث، فلم يقبله.
стр. 5016
فَسَنَأخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ حِينَ بَلَغَهَا ذَلِكَ: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ، قَالَ الله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ حَتَّى (١) ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، قَالَتْ: فَأَيُّ أَمْرٍ يُحْدِثُ بَعْدَ الثَّلاثِ؟ ". [م ١٤٨٠، ن ٣٥٥٢]
===
(فسنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها) هو بكسر العين، أي بالثقة والأمر القوي الصحيح (فقالت فاطمة حين بلغها ذلك) أي قول مروان من رد حديثها: (بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢) حتى) أي إلى قوله تعالى: (﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ قالت) أي فاطمة: (فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ ).
قد احتجت فاطمة بنت قيس صاحبة القصة على مروان حين بلغها إنكاره بقولها: "بيني وبينكم كتاب الله"، وقرأت أول سورة الطلاق. وحاصل استدلالها أن قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ ورد في المطلقة الرجعية، فإنه تعالى يقول في آخر ذلك: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، فالمراد بإحداث الأمر هو أن يلقي في قلبه الرغبة إليها فيراجعها. وهذا يدل على أن النهي عن الخروج والإخراج كانت في الطلاق الرجعي.
فأما إذا طلقها ثلاثًا، أو أبانها، فما بقي له عليها من شيء حتى يحدث الله بعد الإبانة أمرًا، فقالت: هذا الحكم إذا كانت له عليها مراجعة.
وأما إذا طلقها ثلاثًا، فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ وإذا لم يكن لها نفقة، وليست حاملًا، فعلى ما تحبسونها في بيت الزوج، فيجوز لها الخروج؟ .
وقد وافق فاطمة على أن المراد بقوله تعالى: ﴿يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ المراجعة: قتادة، والحسن، والسُّدِّي، والضحاك، أخرجه الطبري (٣) عنهم،
стр. 5017
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُسُ، عن الزُّهْرِيِّ، وَأَمَّا الزُّبَيْدِيُّ فَرَوَى الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا: حَدِيثَ عُبَيْدِ اللهِ بِمَعْنَى مَعْمَرٍ، وَحَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ بِمَعْنَى عُقَيلٍ.
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عن الزُّهْرِيٍّ، أَنَّ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤيبٍ حَدَّثَهُ بِمَعْنَى دَلَّ عَلَى خَبَرِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله
===
وحكى غيره أن المراد بالأمر ما يأتي من قِبل الله تعالى من نسخ أو تخصيص أو نحو ذلك، فلم ينحصر ذلك في المراجعة.
وأما قولها: إذا لم تكن لها نفقة فعلى ما تحبسونها؟ ، فأجاب بعض العلماء عنه: بأن السكنى التي تتبعها النفقة هو حال الزوجية الذي يمكن معه الاستمتاع، ولو كانت رجعية، وأما السكنى بعد البينونة فهو حق لله تعالى، بدليل أن الزوجين لو اتفقا على إسقاط العدة لم تسقط بخلاف الرجعية، فدل على أن لا ملازمة بين السكنى والنفقة، وهذا الجواب على مذهب الشافعي ﵀.
وأما على مذهب الحنفية: فالإشكال ليس بوارد عليهم، فإنهم أوجبوا النفقة والسكنى، فلا يرد عليهم ما يرد على الشافعية.
(قال أبو داود: وكذلك) أي كما روى معمر عن الزهري (رواه يونس عن الزهري، وأما الزبيدي) (١) أي محمد بن الوليد (فروى الحديثين جميعًا، حديثَ عبيد الله بمعنى حديث معمر، وحديثَ أبي سلمة بمعنى) حديث (عقيل) ولفظ حديث عبيد الله وحديث أبي سلمة منصوب بدل من لفظ "الحديثين".
(ورواه) أي حديث فاطمة بنت قيس (محمد بن إسحاق، عن الزهري، أن قبيصة بن ذؤيب حدثه) أي الزهري (بمعنى دل على خبر عبيد الله بن عبد الله
стр. 5018
حِينَ قَالَ: فَرَجَعَ قَبِيصَةُ إِلَى مَرْوَانَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ (١).
===
حين قال) أي عبيد الله بن عبد الله: (فرجع قبيصة إلى مروان فأخبره بذلك).
حاصل هذا الكلام أن أبا داود أخرج أولًا حديث عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس، أنها ذكرت قصة طلاقها، ثم قالت: فأبى مروان أن يصدق حديث فاطمة في خروج المطلقة من بيت زوجها، وهذا الحديث لا يدل إلَّا على أن مروان أنكر قبول حديثها، وأبى أن يصدقها، ولم يعلم منه أن فاطمة بنت قيس شافهت مروان بالحديث أو بلغه بالواسطة.
ثم أخرج حديث معمر، عن الزهري، عن عبيد الله، وفيه تصريح بأن مروان أرسل قبيصة إلى فاطمة، فسألها قبيصة فأخبرته بقصتها، فرجع قبيصة إلى مروان فأخبره بذلك، أي بما روته من القصة.
ثم قال أبو داود بعد تخريج رواية عقيل عن الزهري، ورواية معمر عن الزهري: بأن يونس روى هذا الحديث عن الزهري، ووافق معمرًا في روايته، ولم يوافق عقيلًا.
وأما الزبيدي وهو من كبار أصحاب الزهري، فروى الحديثين، أي روى عن الزهري موافقًا لما روى معمر عن الزهري، عن عبيد الله، وأيضًا روى موافقًا لما روى عقيل عن الزهري، عن أبي سلمة.
ثم يقول أبو داود: إن هذا الحديث رواه محمد بن إسحاق، عن الزهري من حديث قبيصة بن ذؤيب أن قبيصة حدث الزهري موافقًا بمعنى دل هذا المعنى على صحة خبر عبيد الله بن عبد الله حين قال، أي عبيد الله بن عبد الله: "فرجع قبيصة إلى مروان فأخبره بذلك".
وحديث محمد بن إسحاق عن الزهري، أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" (٢): حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يعقوب قال: حدثنا أبي،
стр. 5019
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عن ابن إسحاق، قال: وذكر محمد بن مسلم الزهري، أنَّ قَبيصَة بن ذؤيب حدثه: "أن بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، وكانت فاطمة بنت قيس خالتها، وكانت عند عبد الله بن عمرو بن عثمان طلَّقها ثلاثًا، فبعثت إليها خالتها فاطمة بنت قيس فَنَقَلَتها إلى بيتها، ومروان بن الحكم على المدينة. قال قَبِيصَة: فبعثني إليها مروان، فسألتها ما حملها على أن تُخْرج امرأة من بيتها قبل أن تنقضي عدتها؟ قال: فقالت: لأن رسول الله ﷺ أمرني بذلك، قال: ثم قَصَّت عليَّ حديثها، ثم قالت: وأنا أُخُاصِمُكم بكتاب الله يقول الله في كتابه: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إلى ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١)، ثم قال عز جل: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، الثالثة: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِحُهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢)، والله ما ذكر الله بعد الثالثة حبْسًا مَعَ ما أمرني به رسول الله ﷺ . قال: فرجعت إلى مروان، فأخبرته خَبَرها، فقال: حديث امْرأة، حديث امرأة، قال: ثم أمَرَ بالمرأة، فرُدَّتْ إلى بيتها حتى انقضت عدتها".
فالحاصل: أن حديث عقيل عن الزهري، وأحد حديثي الزبيدي فيهما اختصار وسقوط؛ لأنه لم يذكر فيهما أن مروان أخذ حديث فاطمة بنت قيس منها بواسطة قبيصة بن ذؤيب، وحديث معمر عن الزهري أتم منهما، فإنه يؤيده حديث يونس عن الزهري، وأحد حديثي الزبيدي، وكذلك يؤيده ما رواه محمد بن إسحاق عن الزهري أن قبيصة بن ذؤيب بنفسه حدث الزهري بمثل ما حدثه عبيد الله بن عبد الله، فهذه الطرق تقوي وترجح حديث معمر عن الزهري عن عبيد الله.
стр. 5020
(٤٠) بَابُ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَة
٢٢٩١ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَني أَبُو أَحْمَدَ (١)، نَا عَمَّارُ بْنُ رُزيقٍ، عن أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: كُنْتُ في الْمَسْجِدِ الْجَامِح مَعَ الأَسْوَدِ فَقَالَ: أَتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْس عُمَرَ بْنَ الْخَظَابِ ﵁ فَقَالَ: مَا كُنَّا لِنَدَعَ (٢) كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنّةَ نَبِيِّنَا ﷺ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَحَفِظَتْ (٣) أَمْ لَا". [م ١٤٨٠، ت ١١٨٠، ن ٣٥٤٩]
===
(٤٠) (بَابُ مَنْ أَنْكَرَ ذلِكَ)، أي: عدم وجوب نفقة المبتوتة وسكناها على زوجها وجواز خروجها وانتقالها من البيت (عَلَى فَاطِمَة) أي بنت قيس
٢٢٩١ - (حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبو أحمد) الزبيري، (نا عمار بن رزيق) بتقديم الراء على الزاي، (عن أبي إسحاق قال: كنت في المسجد الجامع) أي في الكوفة (مع الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي (فقال) أي الأسوفى: (أتت فاطمة بنت قيس عمر بن الخطاب ﵁)، فلعلها قالت له: إن النبي ﷺ لم يجعل لي نفقة ولا سكنى وكنت مبتوتة (فقال) أي عمر: (ما كنا لندع كتاب ربنا وسنَّة نبينا) أي حكمها القول امرأة، لا ندري أحفظت أم لا).
وقد أخرج الإِمام أحمد في "مسنده" (٤): ثنا علي بن عاصم، قال حسين بن عبد الرحمن: ثنا عامر، عن فاطمة بنت قيس: "أن زوجها طلَّقها ثلاثًا، فأتتِ النبي ﷺ تَشْكُو إليه، فلم يجْعلْ لها سُكنى ولا نفقة. قال عمر بن الخطاب: لا نَدَع كتاب الله وسنَّة نبيه ﷺ لقول امرأة لعلها نَسِيَت"، قال: "قال عامر: وحدثتْني أن رسول الله ﷺ أمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم".
стр. 5021
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد أخرج الطحاوي (١) هذا الحديث بسند أبي داود، عن أبي إسحاق أطول منه قال: كنت عند الأسود بن يزيد في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فذكروا المطلقة ثلاثًا، فقال الشعبي: حدثتْني فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ قال لها: "لا سُكنى لكِ ولا نفقة"، قال: فرماه الأسود بحصاة، قال: ويلك، أتحدث بمثل هذا؟ قد رُفِعَ ذلك إلى عمر بن الخطاب، فقال: لسنا بتاركي كتاب ربنا وسنَّة نبينا ﷺ بقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ الآية (٢).
وأخرج بسنده عن الشعبي عن فاطمة عن النبي ﷺ أنه لم يجعل لها حين طلقها زوجها سكنى ولا نفقة، فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: قد رفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فقال: "لا نَدع كتاب ربنا وسنَّة نبينا ﷺ لقول امرأة، لها السكنى والنفقة".
ثم أخرج عن إبراهيم، عن عمر، وعبد الله أنهما كانا يقولان: "المطلقة ثلاثًا لها السكنى والنفقة".
ثم أخرج بسنده عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس: أن زوجها طلقها ثلاثًا، فأتت النبي ﷺ فقال: "لا نفقة لكِ ولا سكنى". قال: فأخبرت بذلك النخعي، فقال: قال عمر بن الخطاب، وأُخبر بذلك: لسنا بتاركي آية من كتاب الله تعالى وقول رسول الله ﷺ لقول امرأة، لعلها أوهمت، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة".
وهذا الحديث نص صريح على خلاف ما حدثت فاطمة من عدم وجوب النفقة والسكنى للمبتوتة على زوجها، وقد بالغ في التشنيع على هذا الحديث ابن القيم في "هديه" (٣)، فقال: نحن نشهَدُ بالله شهادةً نُسألُ عنها إذا لقيناه،
стр. 5022
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أن هذا كذبٌ على عُمَرَ ﵁، وكذب على رسول الله ﷺ ، وينبغي أن لا يَحمِلَ الإنسانُ فرطُ الانتصارِ للمذاهب والتعصب لها على معارضة سنن رسول الله ﷺ الصحيحةِ الصريحةِ بالكذب البحت، فلو يكونُ هذا عند عمر ﵁ عن النبي ﷺ ، لخَرِسَت فَاطمة وذووها. ولم يبرزوا (١) بكلمة إلى آخر ما قال.
قلت: وأنا متعجب من جرأة الشيخ ابن القيم على رد الحديث المعتبر الثابت عن عمر عن رسول الله ﷺ ، فكما أن الكذب على رسول الله ﷺ حرام، فكذلك تكذيب الحديث الصحيح الثابت، وهذا هو فرط الانتصار منه للمذهب والتعصب له. حمله على تكذيب حديث رسول الله ﷺ ، والذي قاله من القرينة: بأنه لو كان هذا عند عمر ﵁ لَخَرِسَت فاطمة ولم تبرز بكلمة سخيف جدًا، فإن ما سمعته من في رسول الله ﷺ وحفظت منه وإن كان أوهمت فيه أو دخله النسيان والغلط أقوى عندها مما سمعته بواسطة عمر ﵁، فكيف تخرس بالسماع من عمر.
وليس في هذا الحديث قدح، إلَّا أنه منقطع عن النخعي عن عمر، فإن كان النخعي هذا هو الأسود بن يزيد فلا انقطاع فيه، كما لا يخفى على الواقف على طبقات الرجال.
ويدل عليه ما تقدم من حديث الطحاوي عن أبي إسحاق السبيعي قال: كنت عند الأسود بن يزيد في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي، وذكر حديث فاطمة بنت قيس أن لا سكنى ولا نفقة لها، قال: فرماه الأسود بحصاة، الحديث.
وهذا يدل على أن الشعبي أخبر الأسود بحديث فاطمة بنت قيس، والأسود رده بحديث عمر بن الخطاب.
стр. 5023
٢٢٩٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ (١)، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: "لَقَدْ عَابَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ ﵂ أَشَدَّ العَيْب - يَعْنِي حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ- وَقَالَتْ:
===
وإن كان النخعي هو إبراهيم النخعي فهو منقطع، وإبراهيم النخعي وإن كان لم يدرك عمر إلَّا أن مراسيله صحيحة إلَّا حديثين، كذا قال ابن معين، وليس هذا الحديث منهما.
وقال صاحب "التمهيد" في أوائله (٢): مراسيل النخعي صحيحة. ثم ذكر بسنده عن الأعمش، قلت للنخعي: إذا حدثتني حديثًا فأَسْنِدْه، فقال: إذا قلت: "عن عبد الله"، فاعلم أنه عن غير واحد عنه، وإذا سميمت لك أحدًا فهو الذي سميت.
قال أبو عمر: في هذا ما يدل على أن مراسيله أقوى من مسانيده، وقال في موضع آخر: مراسيله عن ابن مسعود وعمر صحاح كلها، وما أرسل منها أقوى من الذي أسند، حكاه يحيى القطان وغيره.
قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٣): قال الحافظ أبو سعيد العلائي: هو مكثر من الإرسال، وجماعة من الأئمة صححوا مراسيله، وخص البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود، فعلى هذا الحديث صحيح على تصريح جمع من المحدثين من أهل الجرح والتعديل, وبطل تكذيب الشيخ ابن القيم.
٢٢٩٢ - (حدثنا سليمان بن داود، أنا ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال) أي عروة: (لقد عابت ذلك عائشة ﵂ أشد العيب، يعني) تفسير لاسم الإشارة في قوله: "عابت ذلك" (حديث فاطمة بنت قيس)، أي: أنكرت حديث فاطمة أشد الإنكار (وقالت)
стр. 5024
إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ في مَكَانٍ وَحْشٍ، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، فَلِذَلِك رَخَّصَ (١) لَهَا رسول اللهِ ﷺ ". [خ ٥٣٢٧ - ٥٣٢٨، جه ٢٠٣٢]
٢٢٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عن أَبِيهِ، عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: "أَنَّهُ قِيلَ لِعَائِشَةَ: أَلَمْ تَرَيْ إِلَى قَوْلِ فَاطِمَةَ؟ قَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَا خَيْرَ لَهَا في ذِكْرِ ذَلِكَ". [خ ٥٣٢٥ - ٥٣٢٦، م ١٤٨١]
٢٢٩٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زيدٍ (٢)، نَا أَبِي، عن سُفْيَانَ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ في خُرُوجِ فَاطِمَةَ قَالَ:
===
أي عائشة ﵂: (إن فاطمة كانت في مكان وحش) أي خلاء لا ساكن به، (فخيف على ناحيتها) أي جانبها، (فلذلك رخص لها) أي لفاطمة الانتقال من بيتها في عدَّتها (رسول الله ﷺ )، تعني أنه كان واجبًا عليها أن تسكن بيتها التي طلقت فيه أيام عدتها، ولكن أذن لها في الخروج للعذر، وهو الخوف عليها من الاقتحام واستطالة لسانها، ولا مخالفة فيه، بأنه وجد الأمران، فذكر بعضهم هذا وبعضهم ذلك.
٢٢٩٣ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه) أي القاسم بن محمد، (عن عروة بن الزبير أنه) الضمير للشأن (قيل لعائشة: ألم تَرَيْ إلى قول فاطمة؟ ) أي قولها: أن لا نفقة ولا سكنى للمبتوتة، بل لها أن تسكن حيث شاءت، (قالت: أما إنه لا خير لها في ذكر ذلك)، فإنها تذكر على وجه يقع الناس منه في الخطأ.
٢٢٩٤ - (حدثنا هارون بن زيد، نا أبي، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار في خروج فاطمة) أي من بيت الزوج (قال)
стр. 5025
"إِنَّمَا كَانَ ذَلكَ مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ". [ق ٧/ ٤٣٣]
٢٢٩٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا يَذكُرَانِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ طَلَّقَ بِنْتَ (١) عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَكَمِ الْبَتَّةَ، فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ ﵂ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، فَقَالَتْ لَهُ: اتَّقِ الله وَارْدُدِ الْمَرْأَةَ إِلَى بَيْتِهَا،
===
أي سليمان بن يسار: (إنما كان ذلك) أي خروجها من بيت زوجها (من) أجل (سوء الخلق) أي من استطالة لسانها على أحمائها، فكانت تؤذي، فأذن لها بالخروج.
٢٢٩٥ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد وسليمان بن يسار أنه) يحيى بن سعيد (سمعهما) أي القاسم بن محمد وسليمان بن يسار (يذكران أن يحيى بن سعيد بن العاص) الأموي، كان أخا عمر بن سعيد الأشدق، وكان عبد الملك بن مروان حين قتل أخاه الأشدق سيَّره إلى المدينة، فلحق بابن الزبير، ثم آمنه عبد الملك بعد قتل ابن الزبير.
(طلق بنت عبد الرحمن بن الحكم البتة)، قال الزرقاني (٢): قال في المقدمة: هي عمرة فيما أظن (فانتقلها) أي نقلها أبوها (عبد الرحمن) بن الحكم (فأرسلت عائشة ﵂) حين أخبرت بنقل عمرة (إلى مروان بن الحكم) عم عمرة (وهو أمير المدينة) أي من جهة معاوية (فقالت له) أي لمروان: (اتق الله) يا مروان في نقل عمرة، فإنه لا يحل أن تنتقل المطلقة من بيت زوجها، بل يجب عليها أن تعتد في بيت زوجها، (واردد المرأة إلى بيتها) تعتد فيه.
стр. 5026
فَقَالَ مَرْوَانُ في حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ غَلَبَنِي.
وَقَالَ مَرْوَانُ في حَدِيثِ الْقَاسِم: أَوَ مَا بَلَغَكِ شَأنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَا يَضُرُّكَ أَن لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ، فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنْ كَانَ بِكِ الشَّرُّ فَحَسْبُكِ مَا كَانَ بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ. [خ ٥٣٢١ - ٥٣٢٢، م ١٤٨١ مختصرًا]
٢٢٩٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ (١)، نَا زُهَيْرٌ، نَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، نَا مَيْمُونُ بْنُ مَهْرَانَ قَالَ: "قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ
===
(فقال مروان) في جواب عائشة ﵂ (في حديث سليمان) بن يسار: (إن عبد الرحمن غلبني) فلم أقدر على منعها، (وقال مروان في حديث القاسم) في جواب عائشة: (أو ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس) حيث انتقلت من بيت زوجها ولم تعتد فيه؟ (فقالت عائشة) لمروان: (لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة)؛ لأنه لا حجة فيه على التعميم؛ لأنه كان نقلها لعلة، وما كان لعلة لا يعم بل يكون مختصًا بمحل يوجد العلة فيه.
(فقال مروان) أي لعائشة ﵂: (إن كان بك الشر) أي إن كان عندك أن سبب خروج فاطمة بنت قيس ما وقع بينها وبين أقارب زوجها من الشر (فحسبك) أي يكفيك في جواز انتقال عمرة (ما كان بين هذين) أي عمرة وزوجها يحيى بن سعيد (من الشر) المجوز للانتقال، ولعل هذا الشر الذي وقع بين عمرة وزوجها يحيى بن سعيد لم يبلغ بمثابة أن يكون علة لجواز الانتقال من بيت زوجها.
٢٢٩٦ - (حدثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس، (نا زهير، نا جعفر بن برقان، نا ميمون بن مهران قال: قدمت المدينة) أي من
стр. 5027
فَدُفِعْتُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَقُلْتُ: فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ طُلِّقَتْ، فَخَرَجَت مِنْ بَيتِهَا، فَقَالَ (١) سَعِيدٌ: تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتِ النَّاسَ، إِنَّهَا كَانَتْ لَسِنَةً فَوُضِعَتْ عَلَى يَدَي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى".
(٤١) بَابٌ: في الْمَبْتُوتَة تَخْرُجُ بِالنَّهارِ
٢٢٩٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ (٢)،
===
الرقة (فدفعت إلى سعيد بن المسيب، فقلت: فاطمة بنت قيس طلقت، فخرجت من بيتها)، فهذا دليل على أن المبتوتة جاز لها الخروج من بيت زوجها في العدة. (فقال سعيد: تلك) أي فاطمة بنت قيس (امرأة فتنت الناس) أي أوقعت الناس في الفتنة بحديثها، (إنها كانت لَسِنةً) تؤذي الناس بلسانها (فوُضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى).
وهذا الحديث أخرجه الطحاوي (٣) أطول منه: حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا معاوية الضرير، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه قال: قلت لسعيد بن المسيب: أين تعتد المطلقة ثلاثًا؟ فقال: في بيتها، فقلت له: أليس قد أمر رسول الله ﷺ فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم؟ فقال: تلك المرأة فتنت الناس، واستطالت على أحمائها بلسانها، فأمرها رسول الله ﷺ أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وكان رجلًا مكفوف البصر.
(٤١) (بَابٌ: في الْمَبْتُوتَةِ) أي البائنة أو المطلقة ثلاثة (تَخْرُجُ بالنَّهَارِ) وبالليل تبيت في بيت زوجها في العدة
٢٢٩٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج،
стр. 5028
أَخْبَرَنِي (١) أَبُو الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: طُلِّقَتْ خَالَتِي ثَلَاثًا، فَخَرَجَتْ تَجُدُّ (٢) نَخْلًا لَهَا، فَلَقِيَهَا رَجُلٌ فَنَهَاهَا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهَا: "اخْرُجِي فَجُدِّي (٣) نَخْلَكِ، لَعَلَّكِ أَنْ تَصدَّقِي مِنْهُ، أَوْ تَفْعَلِي (٤) خَيْرًا". [م ١٤٨٣، ن ٣٥٥٢، جه ٢٠٣٤، حم ٣/ ٣٢١، دي ٢٢٨٨]
===
أخبرني أبو الزبير، عن جابر قال: طلقت خالتي ثلاثًا) لم أقف على تسميتها، وقال الحافظ في "التلخيص" (٥): ذكرها أبو موسى في "ذيل الصحابة" في المبهمات، (فخرجت تَجُدُّ نخلًا لها) أي تقطع ثمرة نخلها (فلقيها رجل) لم أقف على تسميته (فنهاها) عن الخروج لجداد النخل في العدة.
(فأتت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له) أي قصة خروجها إلى جداد النخل ونهي الرجل عن الخروج، (فقال) أي رسول الله ﷺ (لها: اخرجي (٦) فَجُدِّي نخلك، لعلك أن تصدقي منه) بحذف إحدى التائين (أو تفعلي خيرًا) أي معروفًا من التطوع والهدية والإحسان إلى الجيران ونحوها.
فإن قلت: ما وجه الفرق بين التصدق وفعل المعروف، والحال أن فعل المعروف شامل للتصدق أيضًا؟
стр. 5029
(٤٢) بَابُ نَسْخِ مَتَاعِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا (١) بِمَا فُرِضَ لَهَا مِنَ الْمِيرَاثِ
===
قلت: لعل وجه الفرق بينهما أن يكون المراد بالتصدق الصدقة الواجبة إذا بلغ نصابًا، والمراد بفعل المعروف التطوعات.
قال الشوكاني (٢): وظاهر إذنه ﷺ لها بالخروج لجد النخل، يدل على أنه يجوز لها الخروج لتلك الحاجة، ولما يشابهها بالقياس.
وقد بوَّب النووي لهذا الحديث فقال: "باب جواز خروج المعتدة البائن من منزلها في النهار للحاجة إلى ذلك ولا يجوز لغير الحاجة"، وقد ذهب إلى ذلك علي ﵁، وأبو حنيفة، والقاسم، والمنصور بالله، ويدل على اعتبار الغرض المديني أو الدنيوي تعليله ﷺ ذلك بالصدقة أو فعل الخير.
ولا معارضة بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (٣) الآية، بل الحديث مخصص لذلك العموم المشعور به من النهي، فلا يجوز الخروج إلَّا للحاجة لغرض من الأغراض.
وذهب الثوري، والليث، ومالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم، إلى أنه يجوز لها الخروج في النهار مطلقًا؛ وتمسكوا بظاهر الحديث، وليس فيه ما يدل على اعتبار الحاجة، وغايته اعتبار أن يكون الخروج لقربة من القرب كما يدل على ذلك آخر الحديث.
(٤٢) (بَابُ نَسْخِ مَتَاعِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِمَا فُرِضَ لَهَا مِنَ الْمِيرَاثِ)
أي كان للمتوفى عنها زوجها قبل نزول الميراث أن يوصي لها الزوج بطعامها وكسوتها وسكناها وما تحتاج إليه إلى تمام السنة، فنسخ ذلك الحكم بما جعل لها من الميراث
стр. 5030
٢٢٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، فَنُسِخَ ذَلِكَ بآيةِ الْمِيرَاثِ بِمَا فَرَضَ (١) لَهُنَّ مِنَ الرُّبُعِ وَالثُّمُنِ، وَنُسِخَ أَجَلُ الْحَوْلِ بَأَنْ جُعِلَ أَجَلُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. [ن ٣٥٤٣]
(٤٣) بَابُ إِحْدَادِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا
===
٢٢٩٨ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس) أي في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً﴾) أي: فليوصوا وصية (﴿لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا﴾) أي: متعوهن متاعًا، (﴿إِلَى﴾) تمام (﴿الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾) (٢) أي كان الواجب عليهم أن يوصوا لأزواجهم أن يمتعن ولا يخرجن (فنسخ ذلك بآية الميراث بما فرض لهن من الربع والثمن، ونسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرًا).
فالحاصل أن الآية الأولى كان فيها حكمان: أولهما: وجوب الوصية على الأزواج بتمتيعهن إلى الحول، وثانيهما: الحكم بعدم إخراجها من البيت إلى الحول، فالحكم الأول نسخ بما جعل لهن الميراث من الربع والثمن، وثانيهما نسخ بما جعل لها من الاعتداد بأربعة أشهر وعشر ليال.
(٤٣) (بَابُ إِحْدَادِ (٣) الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا)
والإحداد: الحزن على موت الزوج، ولبس ثياب الحزن، وترك الزينة، وأنكر الأصمعي الثلاثي
стр. 5031
٢٢٩٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عن حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عن زينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَة، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ بهَذِهِ الأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ. قَالَتْ زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ حِنَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فيِهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ،
===
٢٢٩٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة) ربيبة النبي ﷺ ، (أنها) أي زينب (أخبرته) أي حميد بن نافع (بهذه الأحاديث الثلاثة، قالت زينب: دخلت على أم حبيبة) بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ (حين توفي أبوها أبو سفيان، فدعت بطيب فيه صفرة).
وهكذا في "البخاري" في "باب تُحِدُّ المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرًا"، وأخرج البخاري (١) في الجنائز من طريق أيوب بن موسى [قال: ] أخبرني حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة قالت: "لما جاء نعي أبي سفيان من الشام". قال الحافظ (٢): وفي قوله: "من الشام" نظر؛ لأن أبا سفيان مات بالمدينة بلا خلاف بين أهل العلم (٣) بالأخبار، والجمهور على أنه مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث، ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث تقييده بذلك إلَّا في رواية سفيان بن عيينة هذه، وأظنها وهمًا، وكنت أظن أنه حذف منه لفظ "ابن"؛ لأن الذي جاء نعيه من الشام، وأم حبيبة في الحياة هو أخوها يزيد بن أبي سفيان الذي كان أميرًا على الشام.
(خلوق أو غيره) يحتمل: أن يكون لفظ "خلوق" ولفظ "غيره" مرفوعان بدلًا من "صفرة"، قال في "المجمع" (٤): فدعت بصفرة: هي نوع من الطيب فيه صفرة، ولفظ "غيره" عطف على خلوق.
стр. 5032
فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيب مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ, إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"
===
ويحتمل: أن يكون لفظ "صفرة" مضافًا إلى "خلوق"، ولفظ "غيره" عطف عليه مجرور.
ويحتمل: أن يكون خلوق بدلًا من طيب، فعلى هذا معنى الكلام: فدعت بطيب فيه صفرة، أي صفرة لون خلوق مجرورًا، وكذا لفظ "غيره"، أما الإضافة فلأبي ذر، وأما الرفع فلغير أبي ذر، قاله القسطلاني (١).
(فدهنت منه جارية) لم أقف على اسمها، قاله القسطلاني (ثم مَسَّتْ بعارضيها) أي مسحت أم حبيبة بجانبي وجه نفسها، والظاهر أنها جعلت الصفرة في يدها، ومسحتها بعارضيها، والباء للإلصاق.
(ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة)؛ لأن رسول الله ﷺ توفي فلا تحتاج إذًا إلى التزين بالطيب (غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله (٢) واليوم الآخر أن تحد على ميت) سواء كان قريبًا أو أجنبيًا (فوق ثلاث ليال إلَّا على زوج أربعة أشهر وعشرًا").
وهذا الحديث يدل على حرمة الإحداد للنساء على ميت، سواء كان أباها أو ابنها أو أخاها؛ إلا أن التقييد بقوله: "فوق ثلاث" (٣) يدل على أن الإحداد يباح لها في تلك المدة، ولكن لا يجب لها الإحداد في تلك المدة، فلو دعاها زوجها إلى الجماع لا يحل لها الامتناع.
стр. 5033
قَالَتْ زينَبُ: وَدَخَلْتُ عَلَى زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيب مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمَنْبَرِ: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"
===
(قالت زينب) بنت أبي سلمة: (ودخلت على زينب بنت جحش) أم المؤمنين (حين توفي أخوها) (١) حكى القسطلاني (٢) عن "فتح الباري": سمي أخوها في بعض "الموطآت" عبد الله، وكذا هو في "صحيح ابن حبان" من طريق أبي مصعب، لكن المعروف أن عبد الله بن جحش قتل بأُحد شهيدًا، وزينب بنت أبي سلمة يومئذ طفلة، فيستحيل أن تكون دخلت على زينب بنت جحش في تلك الحالة، ويجوز أن يكون عبيد الله المصغر، فإن دخول زينب بنت أبي سلمة عند بلوغ الخبر بوفاته كان وهي مميزة.
(فدعت بطيب، فمست منه، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلَّا على زوج أربعة أشهر وعشرًا")، أي مع أيامها كما قاله الجمهور، فلا تحل حتى تدخل الليلة الحادية عشر.
وقيل: الحكمة في هذا العدد أن الولد يتكامل تخليقه، وينفخ فيه الروح بعد مضي مائة وعشرين يومًا، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلة، فجبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط.
стр. 5034
قَالَتْ زينَبُ: وَسَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ لسَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّي زَوْجُهَا عَنْهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا (١) فَنَكْحَلُهَا (٢)؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا"،
===
(قالت زينب) أي بنت أبي سلمة وهذا هو الحديث الثالث: (وسمعت أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة) اسمها عاتكة بنت نعيم بن عبد الله بن النحام (إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي زوجها عنها) ولم أقف على تسمية البنت، وأما زوجها فهو المغيرة المخزومي، ولم يعرف اسم أبيه.
(وقد اشتكت عينها) ووقع في بعض الروايات: "عيناها"، قال ابن دقيق العيد: يجوز في لفظ العين وجهان: ضم النون على الفاعلية على أن تكون هي المشكتية، وفتحها على أن يكون في "اشتكت" ضمير الفاعل وهي المرأة. وما وقع في بعض الروايات بالتثنية فهو يرجح الضم، وهي في "مسلم"، وعلى الضم اقتصر النووي، ورجح المنذري النصب. وقال الحريري: إنه الصواب، وإن الرفع لحن.
قال في "دُرَّة الغواص": لا يقال: اشتكت عين فلان، والصواب أن يقال: اشتكى فلان عينه؛ لأنه هو المشتكي لا هي، انتهى. ورد عليه برواية التثنية المذكورة، إلَّا أن يجيب بأنه على لغةِ من يُعرب المثنى في الأحوال الثلاث بحركات مقدرة.
(فنكحلها؟ ) بتقدير همزة الاستفهام، وفي رواية "البخاري" بإظهارها (فقال رسول الله ﷺ : لا) أي: لا تكحلها (مرتين أو ثلاثًا) أَي سألته مرتين أو ثلاثًا (كل ذلك يقول: لا) أي: يقول رسول الله ﷺ لها في كل ذلك المرات: لا،
стр. 5035
ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ في الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأسِ الْحَوْلِ".
قَالَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِى بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّىَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا, وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيْئًا, حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ,
===
تأكيدًا للمنع، أو يقال: قال رسول الله ﷺ ذلك أي لفظ "لا" مرتين أو ثلاثًا في كل مرة يقول: لا، تأكيدًا للمنع.
قال الحافظ (١): قال النووي: فيه دليل على تحريم الاكتحال على العادة، سواء احتاجت إليه أم لا، وجاء في حديث أم سلمة في "الموطأ" وغيره: "أجعليه بالليل وامسحيه بالنهار"، ووجه الجمع أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل، وإن احتاجت لم يجز بالنهار، ويجوز بالليل مع أن الأولى تركه.
(ثم قال رسول الله ﷺ : إنما هي) أي العدة الشرعية (أربعة أشهر وعشرًا)، وفي نسخة: "عشر"، وهو الأوفق بالقواعد، وأما النصب فعلى حكاية لفظ القرآن العظيم، (وقد) الواو للحال (كانت إحداكن في الجاهلية) إذا كان توفي عنها زوجها (ترمي بالبعرة على رأس الحول)، والبعرة: رجيع ذي الخف والظلف.
(قال حميد: فقلت لزينب) بنت أبي سلمة: (وما) المراد بقوله ﷺ : (ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة) في الجاهلية (إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا) بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء بعدها شين معجمة: بيت صغير جدًا، (ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبًا ولا شيئًا) مما فيه الزينة (حتى تمر بها سنة) من وفاة زوجها، (ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر) ثلاثتها مجرورة على البدلية من لفظ "دابة" (فتفتض به) أي تكسر ما هي فيه من
стр. 5036
فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَىْءٍ إلَّا مَاتَ, ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِى بِهَا, ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ". [خ ٥٣٣٤, ٥٣٣٥، ٥٣٣٦، م ١٤٨٦، ١٤٨٧، ١٤٨٨، ت ١١٩٧، ن ٣٥٠٠، جه ٢٠٨٤، حم ٦/ ٢٩١، دي ٢٢٨٤]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْحِفْشُ بَيْتٌ صَغِيرٌ (١).
(٤٤) بَابٌ: في الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَنْتقِل ؟
٢٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن سَعِيدِ (٢) بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عن عَمَّتِهِ زينَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ:
===
العدة بدابة، تمسح بها جسدها أو قبلها. (فقلَّما تفتضُّ بشيء) من الدواب المذكورة (إلَّا مات) ذلك الطائر وغيره (ثم تخرج) أي من حفشها (فتُعطى) بضم الفوقية وفتح الطاء (بعرة فترمي بها) أي: أمامها، فتكون ذلك إحلالًا لها، كذا في رواية ابن الماجشون عن مالك، وفي رواية ابن وهب: "من وراء ظهرها" (ثم تراجع) على صيغة المعلوم (بعد) أي بعد ما ذكر من الافتضاض والرمي (ما شاءت من طيب أو غيره) بما كانت ممنوعة منه في العدة.
(قال أبو داود: الحفش بيت صغير).
(٤٤) (بَابٌ: فِي) المرأة (الْمُتَوَفَّى عَنْهَا) زوجها (تَنْتَقِلُ؟ )
أي: هل تنتقل من بيتها الذي طلقت (٣) فيه؟
٢٣٠٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة) الأنصارية زوج أبي سعيد الخدري، ذكرها ابن حبان في "الثقات"، وذكرها ابن الأثير
стр. 5037
أَنَّ الْفُرَيْعَةَ بنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ- وَهِيَ أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ-، "أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِى بَنِى خُدْرَةَ, فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِى طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا, حَتَّى إِذَا كَانُوا بِطَرَفِ الْقَدُومِ لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ, فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِى فَإِنِّى لَمْ يَتْرُكْنِى فِى مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةٍ. قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ",
===
وابن فتحون في الصحابة (أن الفريعة) مصغرًا (بنت مالك بن سنان- وهي أخت أبي سعيد الخدري-) أنصارية شهدت بيعة الرضوان، (أخبرتها) أي زينب بنت كعب بن عجرة (أنها) أي الفريعة (جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبَقوا حتى إذا كانوا) أي العبيد (بطرف القدوم).
قال ابن الأثير (١): بالتخفيف والتشديد، موضع على ستة أميال من المدينة، وقال في "القاموس": جبل بالمدينة، وقال في "معجم البلدان" (٢): والقدوم: اسم جبل بالحجاز قرب المدينة، وفي حديث فريعة بنت مالك قالت: "خرج زوجي في طلب أعلاج له إلى طرف القدوم"، قال: وأما قدوم بتشديد الدال، أنبأنا محمد بن عبد الملك بسنده عن أبي العباس أحمد بن يحيى يقول: القدُّوم بتشديد الدال: اسم موضع. قال أبو بكر بن موسى: إن أراد أبو العباس أحد هذين الموضعين الذين ذكرناهما فلا يتابع على ذلك لاتفاق أئمة النقل على خلافه، وإن أراد موضعًا ثالثًا صح ما قاله، ويكون تمام الباب.
(لحقهم) أي الأعبد (فقتلوه، فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي) أي أهل بيت أبي (فإني لم يتركني) زوجي (في مسكن يملكه ولا في نفقة) أي لم يتركني في نفقة، (قالت: فقال رسول الله ﷺ : نعم) ارجعي إلى أهلك.
стр. 5038
قَالَتْ: فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِى الْحُجْرَةِ (١) أَوْ فِى الْمَسْجِدِ دَعَانِى, أَوْ أَمَرَ بِى فَدُعِيتُ لَهُ, فَقَالَ: "كَيْفَ قُلْتِ"؟ فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِى ذَكَرْتُ مِنْ شَأْنِ زَوْجِى, قَالَتْ: فَقَالَ: «امْكُثِى فِى بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ".
قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا, قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَرْسَلَ إِلَىَّ فَسَأَلَنِى عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرْتُهُ فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ".
[ت ١٢٠٤، ن ٣٥٢٩، جه ٢٠٣١، حم ٦/ ٣٧٠]
===
(قالت: فخرجت) من عند رسول الله ﷺ (حتى إذا كنت في الحجرة أو) للشك من الراوي (في المسجد دعاني) أي ناداني رسول الله ﷺ بنفسه (أو) للشك من الراوي أي أو قالت: (أمر بي فدعيت له، فقال: كيف قلت؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت) أي ذكرتها له أولًا (من شأن زوجي) أنه قُتِل، ولم يترك لي مسكنًا ولا نفقة، وإني في دار من دور الأنصار شاسعة من دار أهلي.
(قالت: فقال) رسول الله ﷺ : (امكثي في بيتك) الذي جاء فيه نعي زوجك (حتى يبلغ الكتاب) أي المكتوب من العدة (أجله) بأن ينتهي، (قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فلما كان عثمان بن عفان) أي زمان خلافته (أرسل إليَّ فسألني عن ذلك فأخبرته) بالقصة وبقضاء رسول الله ﷺ في ذلك (فاتبعه وقضى به).
وقد استدل بهذا الحديث على أن المتوفى عنها تعتدُّ في المنزل الذي بلغها نعي زوجها، وهي فيه، ولا تخرج منه إلى غيره؛ وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعي وأصحا بهم، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو عبيد.
قال ابن عبد البر: وقد قال بحديث الفريعة جماعة من فقهاء الأمصار
стр. 5039
(٤٥) بَابُ مَنْ رَأَى التَّحَوُّلَ
٢٣٠١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، نَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ،
===
بالحجاز، والشام، والعراق، ومصر، ولم يطعن فيه أحد منهم، وقد روي جواز خروج المتوفى عنها للعذر عن جماعة، منهم: عمر، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن مسعود، وغيرهم.
فإن قلت: إن هذا الحديث يدل دلالة ظاهرة على أنه لا يجوز لها الخروج، وإن كان بعذر، فإن رسول الله ﷺ لم يلتفت إلى عذرها، ومع عذرها لم يأذن لها في الخروج (١).
قلت (٢): فرق بين الانتقال والخروج، فإن رسول الله ﷺ لم يأذن لها في الانتقال من المكان الذي أتاها نعي زوجها، وأما الخروج منه نهارًا والمبيت فيه بالليل، فلم يمنع عنه رسول الله ﷺ ، وروي الإذن فيه عن الصحاية ﵃، فيجوز ذلك بأن تخرج في النهار وتبيت بمنزلها في الليل.
(٤٥) (بَابُ مَنْ رَأَى التَّحَوُّلَ)
أي: من رأى للمعتدة أن تتحول من بيت زوجها إلى غيره
٢٣٠١ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، نا موسى بن مسعود) أبو حذيفة النهدي بفتح النون البصري، قال أبو أحمد: أبو حذيفة شِبْهٌ لا شيء، وقال بندار: موسى بن مسعود ضعيف في الحديث، كتبت عنه كثيرًا ثم تركته، وقال الترمذي: يضعف في الحديث، وقال الفلاس: لا يحدث عنه من يبصر الحديث، وقال ابن خزيمة: لا يحتجُّ به، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن قانع: فيه ضعف، وقال الحاكم أبو عبد الله: كثير الوهم سيِّئ الحفظ، وقال الساجي: كان يُصَحِّفُ وهو ليِّنٌ.
وقال الدارقطني: قد أخرج له البخاري، وهو كثير الوهم، تكلموا فيه،
стр. 5040
نا شِبْلٌ, عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِها فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾
===
وقال ابن محرز عن ابن معين: لم يكن من أهل الكذب (١)، فقيل له: إن بندارًا يقع فيه، قال يحيى: هو خير من بندار، ومنْ ملء الأرض مثله، وقال العجلي: ثقة صدوق، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: صدوق، معروف بالثوري، ولكن كان يصحف، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، ثقة إن شاء الله تعالى، وكان حسن الرواية عن عكرمة بن عمار والثوري وزهير بن محمد.
(نا شبل) بن عباد المكي القاري، وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، والدارقطني، وذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن ابن أبي نجيح) أي عبد الله (قال: قال عطاء) أي: ابن أبي رباح: (قال ابن عباس: نسخت هذه الآية) أي (٢) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، (عدتها عند أهلها) أي كانت سكناها في هذه العدة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٣) عند أهل زوجها واجبًا على المرأة التي توفي زوجها عنها بهذه الآية، فنسخها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (٤) الآية.
(فتعتد) المرأة المتوفى عنها زوجها (حيث شاءت) عند أهل زوجها أو في أهل بيت أبيها (وهو) أي الناسخ (قول الله : ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾) أي الآية
стр. 5041
قَالَ عَطَاءٌ: إِنْ شَاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِى وَصِيَّتِهَا, وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ﴾ , قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى, تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ". [خ ٥٣٤٤، ن ٣٥٣١]
===
التي فيها هذا اللفظ، فإن هذا القول يدل على أنه جعل الأمر إليها، فإن شاءت اعتدت عند أهل زوجها وإن شاءت خرجت.
(قال عطاء) في تفسير قول ابن عباس: (إن شاءت اعتدَّتْ عند أهله) أي أهل زوجها (وسكنت في وصيتها) ليس لأهل زوجها أن يخرجوها، (وإن شاءت خرجت) من بيت زوجها فتعتد حيث شاءت، لا يجب عليها أن تلازم بيت زوجها (لِقول الله : ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾، قال عطاء: ثم جاء الميراث) أي قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ (١)، (فنسخ) أي الميراث (السكنى) وتركت الوصية، فلا سكنى لها عليهم، (تعتد حيث شاءت) (٢).
قال القسطلاني (٣): قال ابن كثير: فهذا القول الذي عوَّل عليه مجاهد وعطاء من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنَّة، كما زعمه الجمهور حتى يكون ذلك منسوخًا بأربعة أشهر وعشرًا، وإنما دلَّت على أن ذلك كان من
стр. 5042
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
باب الوصية بالزوجات أن يمكَّن من السكنى في بيوت أزواجهم حولًا كاملًا إن اخترن ذلك، ولهذا قال: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾، أي: يوصيكم الله بهن.
وقد أخرج ابن جرير في "تفسيره" (١)، والبخاري في "صحيحه"، ولفظ ابن جرير عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، قال: كانت هذه للمعتدة تعتد عند أهل زوجها واجبًا ذلك عليها، فأنزل الله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَعْرُوفٍ﴾، قال: جعل الله لهم تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله تعالى ذكره: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. قال: والعدة كما هي واجبة.
ثم أخرج من طريق المثنى بسند أبى داود عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه قال: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها (٢) تعتد حيث شاءت، وهو قول الله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، قال عطاء: "إن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت لقول الله تعالى ذكره: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾، قال عطاء: جاء الميراث بنسخ السكنى، تعتد حيث شاءت ولا سكنى.
قلت: فالحاصل أن في بيان هاتين الآيتين اختلف أصحاب ابن عباس ﵄، فالجمهور على أن آية الوصية ﴿إِلَى الْحَوْلِ﴾ كانت متقدمة، ثم نزلت آية: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، فنسخت هذه الآية حكم الوصية إلى الحول.
стр. 5043
(٤٦) بَابٌ: فِيمَا تَجْتَنِبُ الْمُعْتَدَّة في عِدَّتِهَا
٢٣٠٢ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ, حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى بُكَيْرٍ, حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ, حَدَّثَنِى هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ, (ح): وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ الْقُهُسْتَانِىُّ،
===
وأما مجاهد وعطاء، عن ابن عباس (١) فإنهما قالا: إن حكم التربص أربعة أشهر وعشرًا كان واجبًا عليها أن تلازم في الاعتداد بيت زوجها، فنسختها آية الوصية ﴿إِلَى الْحَوْلِ﴾ بأنه لا يجب عليها أن تلازم بيت زوجها، بل لها أن تعتدَّ حيث شاءت، وكذلك ما كان لها من حق السكنى على أهل زوجها بأن لا يخرجوها، فنسخ ذلك بآية الميراث.
فأشار أبو داود بعقد الباب بقوله: "باب من رأى التحول" إلى أن بعض العلماء يقولون: إن المعتدة لا يجب عليها لزوم بيت زوجها، بل أبيح لها أن تعتد حيث شاءت، وتتحول من بيت زوجها، وأما الشارح صاحب "العون" (٢) فقد زل قلمه، وضل فهمه، وقدمه في شرح هذا الكلام وبيان المرام، والله الموفق.
(٤٦) (بَابٌ: فِيمَا تَجْتَنِبُ الْمُعْتَدَّةُ في عِدَّتِهَا)
٢٣٠٢ - (حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، نا يحيى بن أبي بكير، نا إبراهيم بن طهمان، حدثني هشام بن حسان، ح: ونا عبد الله بن الجراح) التميمي أبو محمد (القهستاني) سكن نيسابور، قال أبو حاتم: كان كثير الخطأ، ومحله الصدق، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"،
стр. 5044
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي (١) ابْنَ بَكْرٍ السَّهْمِىِّ -, عَنْ هِشَامٍ, وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ الْجَرَّاحِ - عَنْ حَفْصَةَ, عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: "لَا تُحِدُّ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ, فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا, ولَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ،
===
وقال مسلم: مستقيم الحديث، وقال الحاكم: محدث كبير، سكن نيسابور، وبها انتشر علمه.
(عن عبد الله -يعني ابن بكر السهمي-، عن هشام، وهذا) المذكور (لفظ ابن الجراح) لا لفظ الدورقي، (عن حفصة) بنت سيرين، (عن أم عطية أن النبي ﷺ قال: لا تحد) أي لا تترك الزينة (المرأة) على ميت (فوق ثلاث) أي ليال مع أيامها (إلَّا على زوج، فإنها) أي المرأة (تُحِدُّ عليه) أي تترك الزينة عليه إذا مات (أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس) بالرفع، وقيل: بالجزم (ثوبًا مصبوغًا) أي بالعصفر أو المغرة.
وفي "الكافي": إذا لم يكن لها ثوب إلَّا المصبوغ، فإنه لا بأس به لضرورة ستر العورة، لكن لا بقصد الزينة (إلَّا ثوب عصب) بسكون الصاد المهملة: نوع من البرود يعصب غزله، أي يجمع ويشدُّ، ثم يُصْبغ، ثم ينسج فيأتي موشّيًا، لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغٌ. والنهي للمعتدة عما يصبغ بعد النسخ، كذا قاله بعض الشراح من علمائنا، وتبعه الطيبي.
وقال ابن الهمام: لا تلبس العصب عندنا، وأجاز الشافعي رقيقه وغليظه، فمنع مالك رقيقه دون غليظه. واختلف الحنابلة فيه وفي تفسيره، في "الصحاح": العصب بُرْدٌ من برود اليمن، ينسج أبيض، ثم يصبغ بعد ذلك، وفي "المغني": الصحيح أنه نبت يصبغ به الثياب، وفسرت في الحديث بأنها ثياب من اليمن فيها بياض وسواد، قال: يباح لها لبس الأسود عند الأئمة،
стр. 5045
وَلَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إلَّا أَدْنَى طُهْرَتِهَا (١) إِذَا طَهُرَتْ مِنْ مَحِيضِهَا (٢) بِنُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ"
===
وجعله الظاهرية كالأخضر والأحمر، قاله القاري (٣).
(ولا تكتحل) قال ابن الهمام (٤): إلا من عذر؛ لأن فيه ضرورة، وهذا مذهب جمهور الأئمة، وذهب الظاهرية إلى أنها لا تكتحل، ولو من وجع وعذر، لما تقدم من الحديث الصحيح حيث نهى نهيًا مؤكدًا عن الكحل للتي اشتكت عينها، والجمهور حملوه على أنه لم يتحقق له الخوف علي عينها.
(ولا تمس طيبًا إلَّا أدنى) أي: أقرب (طهرتها) أي: طهارتها (إذا طهرت من محيضها بنبذة) أي يسير (من قسط) بضم القاف: ضرب من الطيب. وقيل: هو عود يحمل من الهند، ويجعل في الأدوية، (وأظفار) بفتح أوله، جنس من الطيب لا واحد له، وقيل: واحده ظفر، وقيل: يشبه الظفر المقلوم من أصله، وقيل: هو شيء من العطر أسود، والقطعة منه شبيهة بالظفر.
قال النووي: القسط والأظفار نوعان من العود، وليس المقصود بهما الطيب، ورخص فيهما للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة يتبع به أثر الدم لا للتطيب.
وفي الحديث دليل على وجوب الإحداد على المعتدة من وفاة زوجها، وهو مجمع عليه في الجملة، وإن اختلفوا في تفصيله، فذهب الشافعي والجمهور إلى التسوية بين المدخول بها وغيرها، صغيرةً كانت أو كبيرةً، بكرًا كانت أو ثيبًا، حرة أو أمة، مسلمةً أو كتابيةً.