٢٣١٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ, نَا قَتَادَةُ, أَنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: "أُثْبِتَتْ لِلْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ".
===
٢٣١٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان، نا قتادة، أن عكرمة حدثه، أن ابن عباس قال: أثبتت للحبلى والمرضع).
اختلفت الروايات في مسألة الحبلى والمرضع، ففي رواية عن ابن عباس: "للحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا، وأطعمتا مكان كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهما".
وفي رواية عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: ﴿وعلى الذين يطوِّقونه﴾ مشددة، قال: يكلفونه ولا يطيقونه، ويقول: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير الهرم و [العجوز] الكبيرة الهرمة، يطعمون لكل يوم مسكينًا ولا يقضون.
وفي رواية: ليست منسوخة، ولا يرخص إلا للكبير الذي لا يطيق الصوم، أو مريض يعلم أنه لا يشفى.
وفي رواية عنه: من لم يطق الصوم إلَّا على جهد، فله أن يفطر ويطعم كل يوم مسكينًا، والحامل، والمرضع، والشيخ الكبير، والذي سقمه دائم.
وعنه أنه قال لأم ولد له حامل أو موضع: أنت بمنزلة الذين لا يطيقون الصوم، عليك الطعام ولا قضاء عليك.
كذلك عن ابن عمر، قال نافع: أرسلت إحدى بنات ابن عمر إلى ابن عمر تسأله عن صوم رمضان وهي حامل، قال: تفطر وتطعم كل يوم مسكينًا.
وكذلك عن سعيد بن جبير قال: تفطر الحامل التي في شهرها، والمرضع التي تخاف على ولدها، تفطران وتطعمان كل يوم مسكينًا كل واحد منهما، ولا قضاء عليهما.
وعن عثمان بن الأسود قال: سألت مجاهدًا عن امرأتي، وكانت حاملًا، وشق عليها الصوم، فقال: مرها فلتفطر، ولتطعم مسكينًا كل يوم، فإذا صحَّت فلتقض.
стр. 5077
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وعن الحسن قال: المرضع إذا خافت أفطرت وأطعمت، والحامل إذا خافت على نفسها أفطرت وقضت، وهي بمنزلة المريض.
وعن الحسن قال: يفطران ويقضيان صيامًا.
وعن النخعي قال: الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا وقضتا مكان ذلك، أخرج هذه الروايات السيوطي في "الدر المنثور" (١).
فعلم بهذه الروايات أن مسألة الحبلى والمرضع مختلفة فيها، وأما روايات ابن عباس فكما أنها مخالفة للحنفية في وجوب الفدية على الحامل والمرضع، فكذلك مخالفة للشافعية في عدم وجوب القضاء، وكلها لا دليل فيها, لأن الحكم فيها اجتهادي، والله تعالى أعلم.
قال في "بداية المجتهد" (٢): وأما باقي هذا الصنف وهو المرضع والحامل والشيخ الكبير، فإن فيه مسألتين مشهورتين: إحداهما: الحامل والمرضع إذا أفطرتا ماذا عليهما؟ وهذه المسألة للعلماء فيها أربعة مذاهب:
أحدها: أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس.
والقول الثاني: أنهما يقضيان فقط ولا إطعام عليهما، وهو مقابل الأول، وبه قال أبو حنيفة (٣) وأصحابه، وأبو عبيد، وأبو ثور.
والثالث: أنهما يقضيان ويطعمان، وبه قال الشافعي.
والقول الرابع: أن الحامل تقضي ولا تطعم، والمرضع تقضي وتطعم.
وسبب اختلافهم تردد شبههما بين الذي يجهده الصوم وبين المريض، فمن شبَّههما بالمريض قال: عليهما القضاء فقط، ومن شبَّههما بالذي يجهده
стр. 5078
٢٣١٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ (١)، عَنْ سَعِيدٍ،
===
الصوم، قال: عليهما الإطعام فقط بدليل قراءة من قرأ: ﴿وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين﴾.
وأما من جمع عليهما الأمرين، فيشبه أن يكون رأى فيهما من كل واحد شبهًا، فقال: عليهما القضاء من جهة ما فيهما من شبه المريض، وعليهما الفدية من جهة ما فيهما من شبه الذين يجهدهم الصوم.
ومن فرق بين الحامل والمرضع، ألحق الحامل بالمريض، وأبقى حكم المرضع مجموعًا من حكم المريض وحكم الذي يجهده الصوم.
ومن أفرد لهما أحد الحكمين أولى ممن جمع، كما أن من أفردهما بالقضاء أولى ممن أفردهما بالإطعام فقط، لكون القراءة غير متواترة، فتأمل هذا فإنه بَيِّنٌ.
وأما الشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يقدران على الصيام فإنهم أجمعوا على أن لهما أن يفطرا، واختلفوا فيما عليهما إذا أفطرا، فقال قوم: عليهما إطعام، وقال قوم: ليس عليهما إطعام، وبالأول قال الشافعي وأبو حنيفة، وبالثاني قال مالك.
وسبب اختلافهم اختلافهم في القراءة التي ذكرنا، أعني قراءة من قرأ ﴿وعلى الذين يطوِّقونه﴾، فمن أوجب العمل بالقراءة التي لم تثبت في المصحف إذا وردت من طريق الآحاد العدول، قال: الشيخ منهم، ومن لم يوجب بها عملًا جعل حكم المريض الذي يتمادى به المرض حتى يموت.
٢٣١٨ - (حدثنا ابن المثنى، نا ابن أبي عدي، عن سعيد،
стр. 5079
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قَالَ: "كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ (١) الْكَبِيرَةِ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا،
===
عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان (٢) الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا).
قول ابن عباس (٣) بظاهره يخالف الآية، فإن الآية تدل على أن المطيقين للصيام إذا أفطروا عليهم فدية طعام مسكين، فلا يدخل فيهم الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة.
ففي قوله توجيهان: إما أن يقال: إن في الآية قوله: "يطيقونه" ليس من باب الإفعال، بل هو من باب الفيعلة على قراءة ابن عباس، فحينئذ يلتئم قوله: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام، أي بالجهد والمشقة بالآية.
وإما أن يقال: إن قوله: "يطيقونه" في الآية من باب الإفعال، فعلى هذا يقال: إن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - رجع عن قوله الأول إلى قول الجمهور، أي كان أولًا هذا الحكم أن المطيقين كانوا مخيرين بين الفدية والصيام، كما تقدم من رواية عكرمة عن ابن عباس، ثم نسخ ذلك الحكم
стр. 5080
وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا". [ق ٤/ ٢٣٠]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْني عَلَى أَوْلَادِهِمَا (١).
===
كما يدل عليه ما أخرجه السيوطي في "الدر المنثور" (٢): أخرج عبد بن حميد عن ابن سيرين قال: كان ابن عباس يخطب فقرأ هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾، قال: قد نسخت هذه الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم والنحاس في "ناسخه" وابن مردويه عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾، فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، ثم نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فنسخت الأولى إلا الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينًا وأفطر، ثم قال: ولكن كانت، أي: بقيت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام.
هكذا في جميع النسخ بدون ذكر "لا" النافية، وهو مخالف لسائر روايات ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -، فإن الشيخ السيوطي أخرج عن سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وأبي داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن حاتم، والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس في الآية قال: كانت مرخصة للشيخ الكبير والعجوز وهما يطيقان الصوم، أن يُفطرا ويطعما مكان كل يودا مسكينًا، ثم نسخت بعد ذلك، فقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وأثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما، وللحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكينًا، فإما أن يقال: وهما يطيقان الصوم أي بالجهد والكلفة، أو يقال: إن حرف "لا" سقطت من الناسخ، أو مقدرة كما قيل في الآية.
(والحبلى والمرضع إذا خافتا، قال أبو داود: يعني على أولادهما)، الغرض من هذا الكلام بيان الفرق بين الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة،
стр. 5081
(٤) بَابُ الشَّهْرِ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ
٢٣١٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ (١) - عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ؛
===
وبين الحبلى والمرضع، فإن الأولين رُخِّصَا للخوف على أنفسهما، وأما الثانيتان فمرخَّصتان خوفًا على غيرهما.
(٤) (بَابُ الشَّهْرِ) قَدْ (يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ)
وقد يكون ثلاثين
٢٣١٩ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا شعبة، عن الأسود بن قيس، عن سعيد بن عمرو، يعني ابن سعيد بن العاص) بن سعيد بن العاص بن أمية، أبو عثمان، ويقال: أبو عنبسة الأموي، كان مع أبيه إذا غلب على دمشق، قال أبو زرعة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال الزبير: كان من علماء قريش بالكوفة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وذكره ابن عساكر أنه بقي إلى أن وفد على الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وقال الكناني عن أبي حاتم: هو ثقة.
(عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إنا) أي: العرب، وقيل: أراد نفسه (أمة) أي جماعة (أميَّة) منسوب إلى أمة العرب، فإنهم غالبًا كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون، أو منسوب إلى الأم, لأنه باقٍ على الحال التي ولدته أمه، ولم يتعلم قراءة ولا كتابة، وقيل: منسوب إلى أم القرى، وهي مكة، أي إنا أُمة مكية (٢).
(لا نكتب ولا نحسب) بضم السين، وهذ الحكم بالنظر لأكثرهم، أو المراد
стр. 5082
الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا", وَخَنَسَ سُلَيْمَانُ إِصْبَعَهُ فِى الثَّالِثَةِ، يَعْنِى تِسْعًا وَعِشْرِينَ، وَثَلَاثِينَ". [خ ١٩١٣، م ١٠٨٠، ن ٢١٤٠]
===
لا نحسن الكتاب والحساب، ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب, لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة، والمراد بالحساب ها هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلَّا النزر اليسير، فعلَّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلًا، وقد ذهب قوم (١) إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك، وهم الروافض، قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم، وقال ابن بزيزة: وهو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم, لأنها حدس وتخمين، ليس فيها قطع ولا ظن غالب، مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق، إذ لا يعرفها إلَّا القليل.
(الشهر هكذا وهكذا وهكذا) ثلاث مرات، فأشار بنشر الأصابع العشرة (وخنس) بفتح المعجمة والنون المخففة، أي قبض، وأخَّرها عن مقام أخواتها فإنها كانت منشورة وهذه مقبوضة (سليمان إصبعه في) المرة (الثالثة، يعني) قد يكون (تسعًا وعشرين) ثم قال: والشهر هكذا وهكذا وهكذا، يعني تمام ثلاثين، أي أشار أولًا بأصابع يديه العشر جميعًا مرتين، وقبض الإبهام في المرة الثالثة، وهذا المعبر عنه بقوله: تسع وعشرون، وأشار مرة أخرى بهما ثلاث مرات وهو المعبر عنه بقوله: (وثلاثين).
هكذا أخرجه مسلم (٢) عن ابن المثنى، وغيره، عن غندر، عن شعبة بلفظ: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا، يعني تمام الثلاثين"، ففي حديث أبي داود اختصار.
стр. 5083
٢٣٢٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ، نَا حَمَّادٌ، نَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ, ولا تُفطروا حتَّي تَرَوْهُ
===
٢٣٢٠ - (حدثنا سليمان بن داود العتكي، نا حماد، نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : الشهر تسع وعشرون).
قال الحافظ (١): ظاهره حصر الشارع في تسع وعشرين، مع أنه لا ينحصر فيه بل قد يكون ثلاثين، والجواب: أن المعنى أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين، أو اللام للعهد، والمراد شهر بعينه، أو هو محمول على الأكثر الأغلب لقول ابن مسعود: "ما صمنا مع النبي ﷺ تسعًا وعشرين أكثر من ثلاثين" (٢)، أخرجه أبو داود والترمذي، ومثله عن عائشة عند أحمد، ويؤيد الأول قوله في حديث أم سلمة في الباب: "إن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا" (٣).
وقال ابن العربي (٤): قوله: "الشهر تسع وعشرون" معناه حصره من جهة أحد طرفيه، أي أنه يكون تسعًا وعشرين، وهو أقله، ويكون ثلاثين، وهو أكثره، فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطًا، ولا تقتصروا على الأقل تخفيفًا، ولكن اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله.
(فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه)، قال الحافظ (٥): ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في حق كل أحد، بل المراد بذلك رؤية بعضهم وهو من يثبت به ذلك، إما واحد على رأي الجمهور، أو اثنان على رأي آخرين.
стр. 5084
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ووافق الحنفية على الأول إلَّا أنهم خصوا ذلك بما إذا كان في السماء علة الغيم (١) وغيره، وإلَّا متى كان صحو لم يقبل إلَّا من جمع كثير يقع العلم بخبرهم، وقد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بلد غيرها، ومن لم يذهب إلى ذلك، قال: لأن قوله: "حتى تروه" خطاب لأناس مخصوصين، فلا يلزم غيرهم، ولكنه مصروف عن ظاهره، فلا يتوقف الحال على رؤية كل واحد، فلا يتقيد بالبلد.
وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
أحدها: لأهل كل بلد رؤيتهم، وفي "صحيح مسلم" من حديث ابن عباس ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه، وحكاه الماوردي وجهًا للشافعية.
ثانيها: مقابله إذا رُئيَ ببلدة لزم أهل البلاد كلها، وهو المشهور عند المالكية، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه، وقال: أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعُد من البلاد كخراسان والأندلس.
قال القرطبي: قد قال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نقل إلى غيرهم بشهادة الاثنين لزمهم الصوم، وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة، إلَّا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة، إلَّا أن يثبت عند الإِمام الأعظم، فيلزم [الناس كلهم]، لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع.
وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدًا، وإن تباعدت فوجهان: لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب، وحكاه البغوي عن الشافعي.
стр. 5085
فَإِنْ (١) غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ"
===
وفي ضبط البعد أوجه:
أحدها: اختلاف المطالع (٢)، قطع به العراقيون والصيدلاني، وصححه النووي في "الروضة" و"شرح المهذب".
ثانيها: مسافة القصر، قطع به الإِمام والبغوي، وصححه الرافعي في "الصغير"، والنووي في "شرح مسلم".
ثالثها: اختلاف الأقاليم.
رابعها: حكاه السرخسي فقال: يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض دون غيرهم.
خامسها: قول ابن الماجشون المتقدم، واستدل به على وجوب الصوم والفطر على من رأى الهلال وحده وإن لم يثبت بقوله، وهو قول الأئمة الأربعة في الصوم.
واختلفوا في الفطر فقال الشافعي: يفطر ويخفيه، وقال الأكثر: يستمر صائمًا احتياطًا.
(فإن غُمَّ عليكم) بضم المعجمة وتشديد الميم، أي حال بينكم وبينه غير، يقال: غممتُ الشيء إذا غَطَّيْتُه (فاقدروا له) بضم الدال وكسرها، يقال: قدرت لأمر كذا إذا نظرت فيه ودبرته، وفيه ثلاث تأويلات.
أحدها: ما قال الأئمة الثلاثة والجمهور: معناه: قدِّروا له تمام العدد ثلاثين يومًا، أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا ثلاثين يومًا، ويرجح هذا التأويل الروايات الآخر المصرحة بالمراد، وهي قوله: "فأكملوا العدة ثلاثين" ونحوها، وأولى ما فسر الحديث بالحديث.
стр. 5086
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وثانيها: ما قالت طائفة: معناه: ضيِّقوا له وقدروه تحت السحاب، وبه قال أحمد وغيره ممن يجوِّز صوم ليلة الغيم عن رمضان.
وثالثها: معناه: قدروه بحسب المنازل، ونقل ابن العربي عن ابن سريح: أن قوله: "فاقدروا له" خطاب لمن خصه الله تعالى بهذا العلم، وأن قوله: "فأكملوا العدة" خطاب للعامة، قال ابن العربي (١): فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال، يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب العدد، قال: هذا بعيد عن النبلاء.
فتعددت الآراء في هذه المسألة بالنسبة إلى خصوص النظر في الحساب والمنازل: أحدها: الجواز، ولا يجزئ عن الفرض، ثانيها: يجوز، ويجزئ، ثالثها: يجوز للحاسب ويجزئه لا للمنجِّم، رابعها: يجوز لهما، ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجِّم، خامسها: يجوز لهما ولغيرهما مطلقًا، وقال ابن الصباغ: أما بالحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا، قلت: ونقل ابن المنذر قبله الإجماع على ذلك، فقال في "الإشراف": صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته، هكذا أطلق ولم يفصل بين حاسب وغيره، فمن فرق بينهم كان محجوجًا بالإجماع قبله.
وقال في "الدر المختار" (٢): ولا عبرة بقول الموقتين ولو عدولًا على المذهب، قال الشامي: قوله: "ولا عبرة إلى آخره" أي في وجوب الصوم على الناس، بل في "المعراج": لا يعتبر قولهم بالإجماع، ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه، وفي "النهر": فلا يلزم بقول الموقتين: إنه أي الهلال يكون في السماء ليلة كذا وإن كانوا عدولًا في الصحيح كما في "الإيضاح"،
стр. 5087
قَالَ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا كَانَ شَعْبَانُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نُظِرَ لَهُ، فَإِنْ رُؤِىَ فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يُرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرَةٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَإِنْ (١) حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ أَصْبَحَ صَائِمًا
===
وللإمام السبكي الشافعي تأليف مال فيه إلى اعتماد قولهم, لأن الحساب قطعي، قلت: ما قاله السبكي رده متأخرو أهل مذهبه، انتهى.
(قال) نافع: (فكان ابن عمر إذا كان) أي بلغ (شعبان تسعًا وعشرين نُظِرَ له) أي: ينظر أهله الهلال, لأنه صار مكفوف البصر (فإن رُئِيَ) أي الهلال (فذاك) أي الموجب للصوم من رمضان و (إن لم يَرَ ولم يَحُلْ) من الحيلولة (دون منظره صحابي ولا قترة) أي غبار (أصبح مفطرًا، فإن حال دون منظره سحاب أو قترة أصبح صائمًا).
فإن قلت: كيف صام ابن عمر ﵄ وقد نهي عن صوم يوم الشك؟ أخرج البخاري: وقال صلة عن عمار (٢): "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ ".
قلت: الكراهة محمولة على أن يصوم من رمضان، وأما إذا نوى نفلًا فلا كراهة فيه.
في "موطأ" (٣): مالك أنه سمع أهل العلم ينهون أن يصام اليوم الذي يشك فيه من شعبان، إذا نوى به صيام رمضان، ولا يرون بصيامه تطوعًا بأسًا، قال مالك: وهذا الأمر عندنا، والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا.
قلت: وكذلك عند الحنفية، قال في "تنوير الأبصار": ولا يصام يوم
стр. 5088
قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفْطِرُ مَعَ النَّاسِ وَلَا يَأْخُذُ بِهَذَا الْحِسَابِ". [خ ١٩٠٦، م ١٠٨٠، ن ٢١٢٢، جه ١٦٥٤]
٢٣٢١ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنِى أَيُّوبُ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ: بَلَغَنَا عَنْ (١) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، زَادَ: "وَإِنَّ أَحْسَنَ مَا يُقَدَّرُ لَهُ إِذَا رَأَيْنَا هِلَالَ شَعْبَانَ لِكَذَا وَكَذَا، فَالصَّوْمُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِكَذَا وَكَذَا، إلَّا أَنْ تَرَوُا الْهِلَالَ قَبْلَ ذَلِكَ". [ق ٤/ ٢٠٥]
===
الشك إلَّا نفلًا، ولو صامه لواجب آخر كره، قال في "الدر المختار" (٢): ولو جزم أن يكون عن رمضان كره تحريمًا.
(قال: وكان ابن عمر يفطر مع الناس) أي: إذا أفطروا (ولا يأخذ بهذا الحساب) أي لا يعتبر بحساب الصوم الذي صامه من آخر شعبان، لأنه كان تطوع به (٣).
٢٣٢١ - (حدثنا حميد بن مسعدة، نا عبد الوهاب، حدثني أيوب قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل البصرة: بلغنا عن رسول الله ﷺ نحو حديث ابن عمر عن النبي ﷺ ، زاد) أي عمر بن عبد العزيز بعد سَوق الحديث من قوله، فهو مدرج، (وإن أحسن ما يقدر له إذا رأينا هلال شعبان لكذا وكذا، فالصوم إن شاء الله لـ) يوم (كذا وكذا) بعد مضي ثلاثين يومًا من شعبان (إلَّا أن يروا الهلال قبل ذلك) بيوم، فيكون الصوم بعد مضي تسع وعشرين يومًا من شعبان.
стр. 5089
٢٣٢٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى زَائِدَةَ، عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِى ضِرَارٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَا صُمْنَا مَعَ
===
وقال صاحب "العون" (١): زاد أي أيوب في رواية عبد الوهاب عنه دون حماد، وهو محتمل على بعدٍ.
٢٣٢٢ - (حدثنا أحمد بن منيع، عن ابن أبي زائدة) يحيى بن زكريا، (عن عيسى بن دينار) الخزاعي مولاهم، أبو علي الكوفي، المؤذن، وثقه ابن معين، وقال أحمد: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوق عزيز الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له عند أبي داود والترمذي حديث ابن مسعود في الصوم.
(عن أبيه) دينار الكوفي، والد عيسى، مولى عمرو بن الحارث بن أبي ضرار، روى عن مولاه، وعنه ابنه عيسى بن دينار، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحافظ (٢) في ترجمة عيسى بن دينار: قال علي بن المديني: عيسى بن دينار عن أبيه عن عمرو بن الحارث، عمرو معروف، ولا نعرف أباه، قلت: إنما قال ابن المديني: عيسى معروف ولا نعرف أباه يعني دينارًا، وأما عمرو بن الحارث فهو المصطلقي الخزاعي، وليس لأبيه هنا رواية حتى يحتاج إلى من يعرفه، نص عليه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في "سؤالاته" عن ابن المديني، والصواب عيسى لا محالة.
(عن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار) بكسر المعجمة، الخزاعي المصطلقي، أخو جويرية زوج النبي ﷺ ، وهو غير عمرو بن الحارث الثقفي ابن أخي زينب الثقفية على المرجح.
(عن ابن مسعود قال: لما) موصولة، أو مصدرية (صمنا مع
стр. 5090
النَّبِىِّ (١) ﷺ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرُ مِمَّا صُمْنَا مَعَهُ ثَلَاثِينَ". [ت ٦٨٩، حم ١/ ٣٩٧، خزيمة ١٩٢٢، ق ٤/ ٢٥٠]
٢٣٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ زُرَيْعٍ حَدَّثَهُمْ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ, عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: "شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ:
===
النبي ﷺ تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا (٢) معه) أي النبي ﷺ (ثلاثين).
٢٣٢٣ - (حدثنا مسدد، أن يزيد بن زريع حدثهم) قال يزيد بن زريع: (نا خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: شهرا عيد لا ينقصان).
قال الحافظ (٣): وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فمنهم من حمله على ظاهره، فقال: لا يكون رمضان وذو الحجة أبدًا إلَّا ثلاثين، وهذا قول مردود معاند للموجود المشاهد، ويكفي في رده قوله ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة"، فإنه لو كان رمضان أبدًا ثلاثين لم يحتج إلى هذا.
ومنهم من تأول له معنى لائقًا، قال أبو الحسن: كان إسحاق بن راهويه يقول: لا ينقصان في الفضيلة إن كانا تسعة وعشرين أو ثلاثين، انتهى. وقيل: لا ينقصان معًا، إن جاء أحدهما تسعًا وعشرين جاء الآخر ثلاثين ولا بد، وقيل: لا ينقصان في ثواب العمل فيهما، وهذان القولان مشهوران عن السلف، ووقع عند الترمذي نقل القولين عن إسحاق بن إبراهيم (٤) وأحمد بن حنبل (٥)، انتهى.
стр. 5091
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فعلى قول أحمد لا يجوز أن ينقصا معًا في سنة واحدة، إن نقص رمضان تم ذو الحجة، وإن نقص ذو الحجة تم رمضان، وعلى قول إسحاق يجوز أن ينقصا معًا في سنة واحدة.
قال الحافظ (١): وزاد القرطبي أن معناه لا ينقصان في عام بعينه، وهو العام الذي قال فيه ﷺ تلك المقالة، وهذا حكاه ابن بزيزة ومن قبله أبو الوليد بن رشد.
وقيل: المعنى لا ينقصان في الأحكام، وبهذا جزم البيهقي وقبله الطحاوي، فقال: معنى "لا ينقصان" أن الأحكام فيهما وإن كانا تسعة وعشرين متكاملة غير ناقصة عن حكمها إذا كانا ثلاثين.
وقيل: معناه لا ينقصان في نفس الأمر، ولكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع، ولا يخفى بُعده.
وقيل: معناه لا ينقصان معًا في سنة واحدة على طريق الأكثر الأغلب، وإن ندر وقوع ذلك، وهذا أعدل مما تقدم, لأنه ربما وجد وقوعهما ووقوع كل منهما تسعة وعشرين.
قال الطحاوي (٢): الأخذ بظاهره أو حمله على نقص أحدهما يدفعه العيان, لأنا قد وجدناهما ينقصان معًا في أعوام.
وقال الزين بن المنير: لا يخلو شيء من هذه الأقوال عن الاعتراض، وأقربها أن المراد أن النقص الحسي باعتبار العدد ينجبر، بأن كلًّا منهما شهر عيد عظيم فلا ينبغي وصفهما بالنقصان، بخلاف غيرهما من المشهور، وحاصله يرجع إلى تأييد قول إسحاق.
وقال البيهقي في "المعرفة" (٣): إنما خصهما بالذكر لتعلق حكم الصوم
стр. 5092
رَمَضَانُ، وَذُو الْحِجَّةِ". [خ ١٩١٢، م ١٠٨٩، ت ٦٩٢، جه ١٦٥٩، حم ٥/ ٣٨]
(٥) بَابٌ: إِذَا أَخْطَأَ القَوْمُ الْهِلَال
٢٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادٌ فِى حَدِيثِ أَيُّوبَ،
===
والحج بهما، وبه جزم النووي، وقال: إنه الصواب.
وقال الطيبي (١): ظاهر سياق الحديث بيان اختصاص الشهرين بمزية ليست في غيرهما من المشهور، وليس المراد أن ثواب الطاعة في غيرهما ينقص.
(رمضان وذو الحجة) قال الحافظ (٢): أطلق على رمضان أنه شهر عيد لقربه من العيد، أو لكونه هلال العيد ربما رُؤي في اليوم الأخير من رمضان، قاله الأثرم، والأول أولى، ونظيره قوله ﷺ : "المغرب وتر النهار"، وصلاة المغرب ليلية جهرية، وأطلق كونها وترَ النهار لقربها منه.
(٥) (بَابٌ: إِذَا أَخْطَأَ الْقَوْمُ الهِلَالَ)
أي: غلطوا في رؤية الهلال، فما حكمه؟
٢٣٢٤ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد في حديث أيوب)، أخرج الدارقطني في "سننه" (٣): حدثنا ابن مرداس، ثنا أبو داود، ثنا محمد بن عبيد، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة، ذكر النبي ﷺ نحوه، ثم قال: وتابعه أي أيوب روح بن القاسم عن ابن المنكدر، وهذا يدل على أن حماد بن زيد يروي هذا الحديث عن أيوب، وإنما أتى بلفظ "في حديث أيوب" دون لفظة "عن"؛ لأن المذكور ههنا قطعة من حديث أيوب دون تمامه، كما يدل عليه رواية إسماعيل وعبد الوهاب التي أخرجها الدارقطني في "سننه".
стр. 5093
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، ذَكَرَ النَّبِىَّ ﷺ فِيهِ قَالَ: "وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ, وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ،
===
(عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة ذكر) أي حماد بن زيد (النبي ﷺ فيه) أي في حديث أيوب، ويدل عليه أن الدارقطني روى أولًا عن إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة، ثم روى عن عبد الوهاب، عن أيوب، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة قوله، ثم قال: رواه عن حماد بن زيد، عن أيوب، ورفعه إلى النبي ﷺ ، فالظاهر أن الرافع إلى النبي ﷺ حماد بن زيد، ويمكن أن يقال: إن لفظ "قال حماد" مقدر قبل قوله: ذكر النبي ﷺ ، فحينئذ مرجع ضمير ذكر أيوب.
(قال: وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون)، نقل في الحاشية عن الخطابي (١): معنى الحديث أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قومًا اجتهدوا ولم يروا الهلال إلَّا بعد ثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعًا وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماض، ولا عتب عليهم، وكذا في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة، فإنه ليس عليهم إعادته، ويجزيهم أضحاهم كذلك، وهذا تخفيف من الله سبحانه ورفق بعباده.
وقال الترمذي (٢): فسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا: [أن] الصوم والفطر مع الجماعة وعُظْمِ الناس، أي إذا (٣) صام أو أفطر مع الجماعة وقد أخطأوا فيها، فلا مؤاخذة عليهم به.
قلت: وهذا الحكم فيما عند الله ، وأما الحكم في الدنيا بالحكم بالإعادة، فهو مبسوط في كتب الفقه، وليس هذا موضع تفصيله.
стр. 5094
وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ، وَكُلُّ جَمْعٍ مَوْقِفٌ". [ت ٦٩٧، جه ١٦٦٠، ق ٤/ ٢٥١]
(٦) بَاب: إِذَا أُغْمِيَ الشَّهْرُ
٢٣٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنِى مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَيْسٍ قَالَ:
===
(وكل عرفة موقف، وكل مني منحر، وكل فجاج) جمع فج، وهو الطريق الواسع (مكة منحر، وكل جمع) أي مزدلفة (موقف).
حاصل هذا الكلام: أن محل الوقوف في عرفة، ومحل النحر في مني ومكهَ، ومحل الوقوف في مزدلفة، لا ينحصر فيما وقف فيه النبي ﷺ ، ونحر من تلك الأماكن، بل يجوز الوقوف في جميع أمكنة عرفة، وجميع أمكة مزدلفة، ويجوز النحر في جميع أمكنة الحرم من مني ومكة.
قلت: وقد اختلف في سماع ابن المنكدر عن أبي هريرة، فقال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١): قال الترمذي: سألت محمدًا سَمِعَ محمد بن المنكدر عن عائشة؟ قال: نعم، ثم قال: قال البخاري عن هارون بن محمد الفروي: مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقال ابن المديني عن أبيه: بلغ ستًا وسبعين سنة، قلت: فيكون مولده على هذا قبل سنة ستين بيسير، فتكون روايته عن عائشة وأبي هريرة ونحوهم مرسلة، وقد قال ابن معين وأبو بكر البزار: لم يسمع من أبي هريرة، وقال أبو زرعة: لم يلقه، وإذا كان كذلك فلم يلق عائشة لأنها ماتت قبله.
(٦) (بَابٌ: إِذَا أُغْمِيَ الشَّهْرُ) أي: أخفي الشهر بعدم رؤية الهلال
٢٣٢٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثني عبد الرحمن بن مهدي، حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس قال:
стр. 5095
سَمِعْتُ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - تَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ". [حم ٦/ ١٤٩، خزيمة ١٩١٠]
٢٣٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الضَّبِّىُّ، عَنْ مَنْصُورٍ (١)، عَنْ رِبْعِىِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ, ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» (٢). [ن ٢١٢٦، خزيمة ١٩١١]
===
سمعت عائشة ﵂ تقول: كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان) أي يتكلف في حفظ أيام شعبان وعدها (ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية (٣) رمضان) إذا رُئِي الهلال ليلة ثلاثين من شعبان، (فإن غم عليه) الهلال ليلة ثلاثين من شعبان (عد) شعبان (ثلاثين يومًا ثم صام) بعد إكمال شعبان ثلاثين يومًا.
٢٣٢٦ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا جرير بن عبد الحميد الضبي، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقدموا الشهر) أي رمضان، نقل في الحاشية عن "فتح الودود": الأقرب معنى أنه من التقديم، أي لا تحكموا بالشهر قبل أوانه، ولا تقدموه قبل وقته، بل اصبروا (حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة) أي عدة أيام شهر شعبان (ثم صوموا) رمضان بعد الرؤية أو إكمال العدة (حتى تروا الهلال) أي هلال شوال لتسع وعشرين (أو تكملوا العدة) أي عدة أيام رمضان ثلاثين.
стр. 5096
(٧) بَابُ مَنْ قَالَ: فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا (١) ثَلَاثِينَ
٢٣٢٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ،
===
قال الحافظ (٢): وروى أبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، من طريق ربعي، عن حذيفة مرفوعًا: "لا تقدموا الشهر" الحديث، وقيل: الصواب فيه عن ربعي، عن رجل من الصحابة مبهم، ولا يقدح ذلك في صحته.
وقال في "التلخيص الحبير" (٣): ورواه الثوري، وجماعة عن منصور، عن ربعي، عن رجل من الصحابة غير مسمى، ورجحه أحمد على رواية جرير.
وقال الزيلعي في "نصب الراية" (٤): قال ابن الجوزي: وحديث حذيفة هذا ضعفه أحمد، قال في "التنقيح": وهذا وهم منه، فإن أحمد إنما أراد أن الصحيح قول من قال: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، وإنَّ تسمية حذيفة وَهْمٌ من جرير، فظن ابن الجوزي أن هذا تضعيف من أحمد للحديث، وأنه مرسل، وليس هو بمرسل، بل متصل، إما عن حذيفة، وإما عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، وجهالة الصحابة غير قادحة في صحة الحديث.
(٧) (بَابُ مَنْ قَالَ: فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثينَ)
والفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها بأن الترجمة الأولى عقدت لإغماء هلال رمضان، بأنه إن أغمي هلال رمضان، فيكمل عدة أيام شعبان ثلاثين، وأما هذه الترجمة فمنعقدة لإغماء هلال شوال، بأنه إن أغمي هلال شوال، فيكمل عدة أيام رمضان، بأن يصام ثلاثون يومًا من رمضان
٢٣٢٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا حسين، عن زائدة،
стр. 5097
عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ بِصِيَامِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ شَىْءٌ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ، وَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ حَالَ دُونَهُ غَمَامَةٌ فَأَتِمُّوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ،
===
عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقدموا) ولفظ البخاري (١): "لا يتقدمنَّ أحدكم"، (الشهر بصيام يوم ولا يومين، إلَّا أن يكون شيء يصومه أحدكم).
قال الحافظ (٢): قال العلماء: معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان، قال الترمذي (٣): العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان، انتهى.
والحكمة فيه التقوِّي بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط، وهذا فيه نظر, لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدمه بصيام ثلاثة أيام أو أربعة جاز.
وقيل: الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض، وفيه نظر أيضًا، لأنه يجوز لمن له عادة كما في الحديث.
وقيل: لأن الحكم علق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين، فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، وهذا هو المعتمد.
ومعنى الاستثناء أن من كان له ورد، فقد أذن له فيه, لأنه اعتاده وألفه، وترك المألوف شديد، وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء.
(ولا تصوموا) أي رمضان (حتى تروه) أي هلال رمضان (ثم صوموا) بعد رؤية الهلال، واستمروا على الصيام (حتى تروه) أي هلال شوال (فإن حال دونه) أي الهلال (غمامة) أي سحاب (فأتموا العدة) أي عدة أيام رمضان (ثلاثين،
стр. 5098
ثُمَّ أَفْطِرُوا، وَالشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ". [ت ٦٨٨، ن ٢١٣٠، حم ١/ ٢٥٨، خزيمة ١٩١٢، ق ٤/ ٢٠٨، ك ١/ ٤٢٤]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَاتِمُ بْنُ أَبِى صَغِيرَةَ، وَشُعْبَةُ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ سِمَاكٍ بِمَعْنَاهُ، لَمْ يَقُولُوا: ثُمَّ أَفْطِرُوا (١).
===
ثم أفطروا، والشهر تسع وعشرون)، وقد مرَّ شرح هذا الكلام قريبًا.
(قال أبو داود: رواه حاتم بن أبي صغيرة، وشعبة، والحسن بن صالح، عن سماك بمعناه (٢)، لم يقولوا: ثم أفطروا).
وأخرج النسائي حديث ابن عباس من طريق أبي خالد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، ثم قال بعد تخريج الحديث: قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، فالظاهر أن الإشارة بقوله: "هذا خطأ"، إلى حديث أبي سلمة، عن ابن عباس، فإن ذكر ابن عباس في حديث أبي سلمة ليس إلَّا في هذا الطريق، وأما حديث ابن عباس في غير هذا الطريق فهو صحيح، أخرجه أبو داود عن طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، ثم قال: قال أبو داود: رواه حاتم بن أبي صغيرة، وشعبة، والحسن بن صالح، عن سماك بمعناه.
قال الشوكاني (٣): حديث ابن عباس أخرجه أيضًا ابن حبان، وابن خزيمة، والحاكم، وهو من صحيح حديث سماك بن حرب، لم يدلس فيه ولم يلقن
стр. 5099
(٨) بَابٌ: في التَّقَدُّم
٢٣٢٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَسَعِيدٍ الْجُرَيْرِىِّ، عَنْ أَبِى الْعَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ:
===
أيضًا، فإنه من رواية شعبة عنه، وكان شعبة لا يأخذ عن شيوخه ما دَلَّسُوا فيه، ولا ما لَقَّنوا، انتهى.
(٨) (بَابٌ: في التَّقَدُّمِ)
أي في جواز تقدم الصوم على رمضان
وهذا يخالف بظاهره ما تقدم من النهي عن تقديم صوم يوم أو يومين على رمضان، ووجه الجمع بينهما أن يقال: إن النهي مقيد بصوم يوم أو يومين، فعلى هذا حكم الجواز في آخر شعبان مختص فيما قبل يوم أو يومين، أو يقال: إن الصوم المعتاد مستثنى من النهي، وحكم جواز التقديم في المعتاد.
٢٣٢٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت، عن مطرف، عن عمران بن حصين، وسعيد الجريري) بالجر عطف على ثابت، أي روى حماد بن سلمة عن ثابت، وعن سعيد الجريري.
وقد أخرج الطحاوي (١) هذا الحديث بهذين السندين من حديث عبيد الله بن محمد التيمي فقال: أخبرنا حماد، عن ثابت، عن مطرف، ثم قال: أخبرنا حماد عن الجريري، عن مطرف.
(عن أبي العلاء، عن مطرف، عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ قال لرجل) (٢)، ولفظ رواية غيلان بن جرير عن مطرف عند البخاري:
стр. 5100
"هَلْ صُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ شَيْئًا؟ "،
===
"عن النبي ﷺ سأله، أو - سأل رجلًا، وعمران يسمع"، قال الحافظ (١): هذا شك من مطرف، فإن ثابتًا رواه عنه بنحوه على الشك أيضًا، أخرجه مسلم، وأخرجه من وجهين آخرين عن مطرف بدون شك على الإبهام "أنه قال لرجل"، زاد أبو عوانة في "مستخرجه": "من أصحابه"، ورواه أحمد من طريق سليمان التيمي به "قال لعمران" بغير شك.
(هل صمت من سرر شعبان شيئًا؟ )، ووقع في رواية البخاري: "أما صمت سرر هذا الشهر؟ قال: أظنه قال: يعني رمضان".
قال الحافظ: قال الخطابي: ذكر رمضان ها هنا وهم، لأن رمضان يتعين صوم جميعه، وكذا قال الداودي وابن الجوزي.
وقال الحافظ: والسرر بفتح السين المهملة، ويجوز كسرها وضمها جمع سرة، ويقال أيضًا سرار بفتح أوله وكسره، ورجح الفراء الفتح، وهو من الاستسرار، قال أبو عبيد والجمهور: المراد بالسرر ههنا آخر الشهر، سميت بذلك لاستسرار القمر فيها، ونقل أبو داود عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: أن سرره أوله، ونقل الخطابي عن الأوزاعي كالجمهور.
وقيل: السرر وسط الشهر، حكاه أبو داود أيضًا، ورجحه بعضهم، ووجهه بأن السرر جمع سرة، وسرة الشيء وسطه، ويؤيده الندب إلى صيام البيض، وهي وسط الشهر، وأنه لم يَرِدْ في صيام آخر الشهر ندب، بل ورد فيه نهي خاص، وهو آخر شعبان لمن صامه لأجل رمضان، ورجحه النووي بأن مسلمًا أفرد الرواية التي فيها سرة هذا الشهر عن بقية الروايات، وأردف بها الروايات التي فيها الحض على صيام البيض، وهي وسط الشهر كما تقدم، لكن لم أره في جميع طرق الحديث باللفظ الذي ذكره.
стр. 5101
قَالَ لَا, قَالَ: "فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمًا". وَقَالَ أَحَدُهُمَا: "يَوْمَيْنِ". [خ ١٩٨٣، م ١١٦١]
٢٣٢٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلَاءِ الزُّبَيْدِيُّ
===
ونقل في الحاشية عن "فتح الودود": والخطاب لمن يعتاد، أو لبيان الجواز، ويحتمل أن يراد بالشهر كل شهر، والمراد: صوموا أول كل شهر وآخره، والمقصود بيان الإباحة.
(قال: لا، قال: فإذا أفطرت) أي من رمضان (فصم يومًا، وقال أحدهما) وهما ثابت وسعيد الجريري، والمراد بأحدهما ثابت (يومين) كما أخرج الطحاوي (١) عن حماد، عن ثابت، عن مطرف، عن عمران، ففيه: "فإذا أفطرت رمضان فصم يومين"، وأخرج الطحاوي حديث حماد، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف، عن عمران مثله، غير أنه قال: "صم يومًا".
ووافقه مسلم في "صحيحه" (٢)، فأخرج حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن مطرف، عن عمران، ولفظه: "فإذا أفطرت فصم يومين"، ثم خالفه في حديث الجريري، فأخرج من حديث يزيد بن هارون، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف، عن عمران، ولفظه: "فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه".
٢٣٢٩ - (حدثنا إبراهيم بن العلاء) بن الضحاك بن المهاجر بن عبد الرحمن بن زيد (الزبيدي) بالضم "الخلاصة"، أبو إسحاق الحمصي، المعروف بزبريق بكسر الزاي والراء بينهما موحدة ساكنة، والد إسحاق، مستقيم الحديث إلَّا في حديث واحد، يقال: إن ابنه محمد أدخله عليه، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٣): قال أبو داود: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في "الثقات"
стр. 5102
مِنْ كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِى الأَزْهَرِ الْمُغِيرَةِ بْنِ فَرْوَةَ قَالَ: قَامَ مُعَاوِيَةُ فِى النَّاسِ بِدَيْرِ مِسْحَلٍ الَّذِى عَلَى بَابِ حِمْصَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا قَدْ رَأَيْنَا الْهِلَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَأَنَا مُتَقَدِّمٌ بِالصِّيَامِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَفْعَلَهُ فَلْيَفْعَلْهُ، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ السَّبَئِىُّ،
===
(من كتابه) أي لا من حفظه، (نا الوليد بن مسلم، نا عبد الله بن العلاء، عن أبي الأزهر المغيرة بن فروة قال: قام معاوية في الناس) أي خطيبًا (بدير مسحلٍ الذي على باب حمص).
قال ياقوت الحموي في "معجم البلدان" (١): الدير بيت يتعبد فيه الرهبان، ولا يكاد يكون في العصر الأعظم، إنما يكون في الصحارى ورؤوس الجبال، فإن كان في المصر كانت كنيسة أو بيعة، وحكى عن "الفتوح" دير مسحلٍ بين حمص وبعلبك.
(فقال: يا أيها الناس، إنا قد رأينا الهلال) أي هلال شعبان (يوم كذا
وكذا، وأنا متقدم بالصيام) أي بصيام آخر أيام شهر شعبان على رمضان (فمن أحب أن يفعله) أي الصوم في آخر شعبان (فليفعله، قال) المغيرة بن فروة: (فقام إليه) أي إلى معاوية (مالك بن هبيرة السَّبَئِيُّ).
ذكر الحافظ في "الإصابة" (٢)، وفي "تهذيب التهذيب" (٣): مالك بن هبيرة بن خالد بن مسلم بن الحارث السكوني، ويقال: الكندي، قال ابن يونس: ولي حمص لمعاوية (٤)، وكذا ذكر ابن سعد في "الطبقات"، ولكن لم ينسبه أحد إلى السباء، فلم يقولوا له السَّبَئيُّ، واختلفوا في أنه صحابي، فذكره ابن حبان
стр. 5103
فَقَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ، أَشَىْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمْ شَىْءٌ مِنْ رَأْيِكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "صُومُوا الشَّهْرَ وَسِرَّهُ". [ق ٤/ ٢١٠]
٢٣٣٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِىُّ فِى هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: قَالَ الْوَلِيدُ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو - يَعْنِى الأَوْزَاعِىَّ - يَقُولُ: "سِرُّهُ أَوَّلُهُ". [انظر سابقه]
===
في الصحابة، ومحمد بن الربيع الجيزي في الصحابة الذين شهدوا فتح مصر، وقال البخاري في "التاريخ": له صحبة، وقال محمد بن عوف: ما أعلم له صحبة، وذكره أبو القاسم عبد الصمد بن سعيد الحمصي في "كتاب الصحابة" الذين نزلوا حمص.
(فقال: يا معاوية أ) هذا الذي قلته (شيء سمعته من رسول الله ﷺ أم شيء من رأيك؟ قال) معاوية: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: صوموا الشهر (١))، والظاهر أن المراد بالشهر شهر شعبان ليطابق الدليل المدعى (وسِرِّه) أي آخره، وأما التأويلات الآخر فلا يطابق بها الجواب السؤال، إلَّا أن يقال: أن يكون المراد بالشهر رمضان، وبِسِرِّه (٢): أي قبله، فعلى التأويل الأول معناه صوموا شعبان، ثم أكد بقوله: "وسره" بأن آخر شعبان أولى بالصيام.
٢٣٣٠ - (حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي في هذا الحديث قال) سليمان: (قال الوليد) بن مسلم: (سمعت أبا عمرو -يعني الأوزاعي- يقول: سِرُّه أوَّله)، قال الحافظ (٣): ونقل الخطابي عن الأوزاعي كالجمهور، أي فسره الأوزاعي كالجمهور بأن سِرَّه آخره.
стр. 5104
٢٣٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، نَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ: كَانَ سَعِيدٌ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - يَقُولُ: "سِرُّهُ أَوَّلُهُ" (١). [انظر الحديث السابق]
(٩) بَابٌ: إِذا رُؤي الْهِلَالُ في بَلَدٍ قَبْلَ الآخَرِينَ بِلَيْلَةٍ
٢٣٣٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ -، أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى حَرْمَلَةَ، أَخْبَرَنِى كُرَيْبٌ: "أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ ابْنَةَ (٢) الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ, قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا،
===
٢٣٣١ - (حدثنا أحمد بن عبد الواحد) بن واقد التميمي المعروف بابن عبود، قال ابن عساكر: ذكره محمد بن يحيى بن أحمد الفقيه فقال: هو ثقة، وقال النسائي: صالح لا بأس به، وقال العقيلي وابن أبي عاصم وغيرهما: ثقة، (نا أبو مسهر قال) أبو مسهر: (كان سعيد - يعني ابن عبد العزيز- يقول: سره أوله)، وهذا التفسير الذي حكاه عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز يناسب التأويل الثاني، أي صوموا رمضان وقبله من شعبان، وأطلق عليه كونه أول رمضان لقربه منه، والله أعلم.
(٩) (بَابٌ: إِذَا رُؤيَ الهَلَالُ في بَلَدٍ قَبْلَ الآخَرِين بِلَيْلَةٍ)
فهل يعتبر رؤية ذلك البلد للآخرين أم لا؟
٢٣٣٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا إسماعيل - يعني ابن جعفر-، أخبرني محمد بن أبي حرملة، أخبرني كريب) مولى ابن عباس، (أن أم الفضل) والدة ابن عباس (ابنة الحارث بعثته) أي كريبًا (إلى معاوية بالشام) في زمان إمارته، (قال) كريب: (فقدمت الشام) عند معاوية (فقضيت حاجتها) وبلغت
стр. 5105
فَاسْتُهِلَّ (١) رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْنَا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِى آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِى ابْنُ عَبَّاسٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ, وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُهُ حَتَّى نُكْمِلَ الثَّلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ.
فَقُلْتُ (٢): أَفَلَا تَكْتَفِى بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ قَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " (٣). [م ١٠٨٧، ت ٦٩٣، ن ٢١١١، حم ١/ ٣٠٦، خزيمة ١٩١٦، ق ٤/ ٢٥١، قط ٢/ ١٧١]
===
رسالتها إلى معاوية (فاستهل) بصيغة المجهول، هلال (رمضان، وأنا بالشام، فرأينا)، هكذا في رواية الترمذي بضمير الجمع المتكلم، وأما في لفظ مسلم والنسائي والدارقطني بلفظ "فرأيت الهلال" بضمير الواحد المتكلم (الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر) أي شهر رمضان.
(فسألني ابن عباس) أي عن حال السفر وحال معاوية وغيره (ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ قلت: رأيته)، ولفظ مسلم والنسائي والدارقطني والترمذي: "رأيناه" (ليلة الجمعة، قال) ابن عباس: (أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس)، هكذا لفظ مسلم والنسائي والدارقطني، أما لفظ الترمذي: "فقلت: رآه الناس"، والظاهر أن في سياق الترمذي سقوطًا سقط عنه "نعم رأيته" (وصاموا وصام معاوية، قال) ابن عباس: (لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصومه حتى نكمل الثلاثين) من رؤيتنا إذا لم نره (أو نراه) قبل الثلاثين فنفطر.
(فقلت: أفلا تكتفي برؤبة معاوية وصيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ).
стр. 5106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث حجة لمن قال باعتبار اختلاف المطالع، فلا يلزم الصوم برؤية أهل بلد على أهل بلد آخر.
قال الشوكاني (١) في جوابه (٢) عن هذا الحديث: واعلم أن الحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس، لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس، والمشار إليه بقوله: "هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ، وهو قوله: "فلا نزال نصومه حتى نكمل ثلاثين".
والأمر الكائن من رسول الله ﷺ هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" (٣)، وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم, لأنه إذا رآه أهل بلد، فقد رآه المسلمون، فيلزم غيرهم ما لزمهم.
ولو سلم توجه الإشارة في كلام ابن عباس إلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر لكان (٤) عدم اللزوم مقيدًا بدليل العقل، وهو أن يكون بين القطرين
стр. 5107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع، وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف عمل بالاجتهاد، وليس بحجة.
ولو سُلِّم عدم لزوم التقييد بالعقل، فلا يشك عالم أن الأدلة قاضية بأن أهل الأقطار يعمل بعضهم بخبر بعض وشهادته في جميع الأحكام الشرعية، والرؤية من جملتها، وسواء كان بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أم لا، فلا يقبل التخصيص إلَّا بدليل.
ولو سلِّم صلاحية حديث كريب هذا للتخصيص، فينبغي أن يقتصر فيه على محل النص، إن كان النص معلومًا، أو على المفهوم منه إن لم يكن معلومًا لوروده على خلاف القياس، ولم يأت ابن عباس بلفظ النبي ﷺ ولا بمعنى لفظه، حتى ننظر في عمومه وخصوصه، إنما جاءنا بصيغة مجملةٍ، أشار بها إلى قصة هي عدم عمل أهل المدينة برؤية أهل الشام على تسليم أن ذلك المراد، ولم نفهم منه زيادة على ذلك حتى نجعله مخصصًا لذلك العموم، فينبغي الاقتصار على المفهوم من ذلك الوارد على خلاف القياس، وعدم الإلحاق به، فلا يجب على أهل المدينة العمل برؤية أهل الشام دون غيرهم، ويمكن أن يكون في ذلك حكمة لا نعقلها.
ولو نسلم صحة الإلحاق وتخصيص العموم به، فغايته أن يكون في المحلات التي بينها من البعد ما بين المدينة والشام، أو أكثر، وأما في أقل من ذلك فلا، وهذا ظاهر، فينبغي أن ينظر ما دليل من ذهب إلى اعتبار البريد أو الناحية أو البلد في المنع من العمل بالرؤية؟
والذي ينبغي اعتماده هو ما ذهب إليه المالكية وجماعة من الزيدية، واختاره المهدي منهم، وحكاه القرطبي عن شيوخه: أنه إذا رآه أهل بلد لزم أهل البلاد كلها, ولا يلتفت إلى ما قاله ابن عبد البر [من] أن هذا القول خلاف الإجماع، قال: لأنهم قد أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بَعُدَ من البلدان كخراسان والأندلس، وذلك لأن الإجماع لا يتم، والمخالف مثل هؤلاء الجماعة، قاله الشوكاني في "النيل".
стр. 5108
(١٠) بَابُ كَرَاهِيَّة صَوْمِ (١) يَوْمِ الشَّكِّ
٢٣٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ, حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ قَالَ: "كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ فِى الْيَوْمِ الَّذِى يُشَكُّ فِيهِ, فَأُتِىَ بِشَاةٍ، فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقَالَ عَمَّارٌ: مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ". [ت ٦٨٦، ن ٢١٨٨، جه ١٦٤٥، دي ١٦٨٢، خزيمة ١٩١٤، ق ٤/ ٢٠٨، ك ١/ ٤٢٣]
===
قلت: ويمكن أن يقال: إن ابن عباس لم يقبل هذه الشهادة, لأنها فات حملها، فإذا قبل هذه الشهادة كأنه يقبل على الإفطار، ولا يقبل شهادة الواحد على الفطر، وقد تقدم اختلاف المذاهب في هذه المسألة قريبًا.
(١٠) (بَابٌ كَرَاهِيَّةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ)
قال القاري (٢): الشك هو استواء طرفي الإدراك من النفي والإثبات.
٢٣٣٤ - (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، نا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس، عن أبي إسحاق، عن صلة قال: كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه) في أنه من رمضان أو من شعبان (فأتي بشاة) مصلية (فتنحى بعض القوم) لأنهم كانوا صائمين (فقال عمار (٣): من صام هذا اليوم) أي يوم الشك (فقد عصى أبا القاسم ﷺ ) (٤).
стр. 5109
(١١) بَابٌ: فِيمَنْ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ
٢٣٣٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقَدَّمُوا صَوْمَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ (١)، إلَّا أَنْ يَكُونَ صَوْمًا يَصُومُهُ رَجُلٌ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الصَّوْمَ". [خ ١٩١٤، م ١٠٨٢، ت ٦٨٤، ٦٨٥، جه ١٦٥٠، ن ٢١٧٣، حم ٢/ ٢٣٤]
===
قال الحافظ (٢): استدل به على تحريم صوم يوم الشك, لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه، فيكون من قبيل المرفوع، قال ابن عبد البر: هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك، وخالفهم الجوهري المالكي، فقال: هو موقوف.
قال ابن الجوزي في "التحقيق" (٣): لأحمد في هذه المسألة، وهي ما إذا حال دون مطلع الهلال غير أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان، ثلاثة أقوال:
أحدها: يجب صومه على أنه من رمضان، ثانيها: لا يجوز فرضًا ولا نفلًا مطلقًا، بل قضاء وكفارة ونذرًا ونفلًا يوافق عادة، وبه قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز عن فرض رمضان، ويجوز عما سوى ذلك، ثالثها: المرجع إلى رأي الإِمام في الصوم والفطر.
(١١) (بَابٌ: فِيمَنْ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ)
أي: يصل شعبان بصوم آخر أيامه يومًا أو يومين برمضان
٢٣٣٥ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا تقدموا صوم رمضان) أي على صومه (بـ) صوم (يوم) من شعبان (ولا) بصوم (يومين) منه (إلَّا أن يكون صوم يصومه رجل) أي يعتاده (فليصم ذلك الصوم) المعتاد.
стр. 5110
٢٣٣٦ - نَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, نَا شُعْبَةُ, عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِىِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ أَبِى سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا إلَّا شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ. [ت ٧٣٦، ن ٢١٧٥، جه ١٦٤٨، دي ١٧٣٩، حم ٦/ ٢٩٣]
===
قال القاري (١): قال الطيبي: العلة ترك الاستراحة الموجبة للنشاط في صوم رمضان، وقيل: اختلاط النفل بالفرض فإنه يورث الشك بين الناس، فيتوهمون أنه رأى هلال رمضان، فلذلك يصوم فيوافقه بعض الناس على ظن أنه رأى الهلال، ثم هذا النهي في النفل، وأما القضاء والنذر ففيهما ضرورة، لأنهما فرض، وتأخيره غير مرضي، وأما الورد فتركه ليس بسديد, لأن أفضل العبادات أدومها، وتركه عند من ألف به شديد.
وقيل: العلة التقدم بين يدي الله ورسوله، فإنه ﵊ قيد الصوم بالرؤية، فهو كالعلة للحكم، أقول: وكذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢)، قال: فمن تقدم صومه فقد طعن في هذه العلة.
٢٣٣٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن توية العنبري، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ : أنه لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًا إلَّا شعبان يصله) بتتابع الصيام فيه حتى يقربه (برمضان).
ولفظ حديث النسائي (٣) عن سالم، عن أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلَّا أنه كان يصل شعبان برمضان".
стр. 5111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ظاهر هذا السياق يدل على أن رسول الله ﷺ لا يسرد بصوم شهرين متتابعين إلَّا أنه كان يصل شعبان بصومه حتى يقرب صوم رمضان، فإن الجملة الأولى تدل على عدم تتابع الصوم حقيقة، وأما الجملة الثانية الاستثنائية لو كان معناها أنه كان يصل شعبان برمضان حقيقة لقال إلَّا شعبان ورمضان، فزيادة قوله: "إنه كان يصل"، تدل على أن المراد بالوصول القرب.
ويؤيده ما روته عائشة ﵂: "كان يصومه كله إلا قليلًا بل كان يصومه كله"، وفي رواية: "كان يصوم شعبان أو عامة شعبان"، وفي رواية: "كان يصوم شعبان كله"، وفي رواية: "ولا صام شهرًا قط كاملًا غير رمضان"، وفي رواية: "لم يصم شهرًا قط منذ أتى المدينة إلَّا أن يكون رمضان"، وفي رواية: "قلت: هل كان رسول الله ﷺ يصوم شهرًا كله؟ قالت: لا، ما علمت صام شهرًا كله إلَّا رمضان"، وفي رواية: "قالت: والله إن صام شهرًا معلومًا سوى رمضان حتى مضى لوجهه، ولا أفطر حتى يصوم منه"، وهذه الروايات المختلفة كلها عند النسائي (١).
وأما لفظ حديث مسلم (٢): "ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط، إلَّا رمضان، فما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان"، وفي رواية: "لم أره صائمًا من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان إلا قليلًا".
فهذه الروايات المختلفة تجمع بأن يقال: المراد بالكل أكثره، والمراد بوصله برمضان أنه يقربه برمضان، ويؤيده ما قال الترمذي (٣) بعد تخريج الحديث: وروي عن ابن المبارك أنه قال في هذا الحديث: وهو جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليله
стр. 5112
(١٢) بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ ذَلِكَ
٢٣٣٧ - نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَدِمَ عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ الْمَدِينَةَ، فَمَالَ إِلَى مَجْلِسِ الْعَلَاءِ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا", فَقَالَ الْعَلَاءُ: اللَّهُمَّ إِنَّ أَبِى حَدَّثَنِى عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِذَلِكَ (١). [ت ٧٣٨، جه ١٦٥١، حم ٢/ ٤٤٢]
===
أجمع، ولعله تعشى واشتغل ببعض أمره، كأن ابن المبارك قد رأى كلا الحديثين متفقين. يقول: إنما معنى هذا الحديث أنه كان يصوم أكثر الشهر.
(١٢) (بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ ذلِكَ)
أي: الصوم في آخر شعبان
٢٣٣٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا عبد العزيز بن محمد) الدراوردي (قال: قدم عباد بن كثير المدينة، فمال إلى مجلس العلاء) أي ابن عبد الرحمن، (فأخذ بيده) أي بيد العلاء (فأقامه، ثم قال: اللَّهُمَّ إن هذا) أي العلاء (يحدث عن أبيه) أي عبد الرحمن، (عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا، فقال العلاء: اللَّهُمَّ إن أبي) أي عبد الرحمن (حدثني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بذلك).
стр. 5113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا حديث اختلف العلماء في صحته وضعفه، قال الترمذي (١): قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ.
وقال الحافظ في "الفتح" (٢): وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوعًا بعد النصف من شعبان، وضعَّفوا الحديث الوارد فيه، وقال أحمد وابن معين: إنه منكر، وقد استدل البيهقي بحديث: "لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين" الحديث، على ضعفه، فقال: الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء، وكذا صنع قبله الطحاوي، واستظهر بحديث ثابت عن أنس مرفوعًا: "أفضل الصيام بعد رمضان شعبان"، لكن إسناده ضعيف، واستظهر أيضًا بحديث عمران بن حصين: "أن رسول الله ﷺ قال لرجل: هل صمت من سرر شعبان شيئًا؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين"، ثم جمع بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يُضعفه الصوم، وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان، وهو جمع حسن.
قال القاري (٣): إذا مضى النصف الأول من شعبان فلا تصوموا بلا انضمام شيء من النصف الأول، أو بلا سبب من الأسباب المذكورة، والنهي للتنزيه رحمة على الأمة أن يضعفوا عن حق القيام بصيام رمضان على وجه النشاط، وأما من صام شعبان كله، فيتعود بالصوم وتزول عنه الكلفة، ولذا قيده بالانتصاف، أو نهى عنه لأنه نوع من التقدم المقدم (٤)، والله أعلم.
стр. 5114
(١٣) بَابُ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّال
٢٣٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ، أَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, نَا عَبَّادٌ, عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ، نَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَارِثِ الْجَدَلِىُّ - مِنْ جَدِيلَةِ قَيْسٍ -:
===
قال القاضي: المقصود [استجمام] من لا يقوى على تتابع الصيام، فاستحب الإفطار كما استحب إفطار عرفة، ليتقوى على الدعاء، فأما من قدر فلا نهي له، ولذلك جمع النبي ﷺ بين الشهرين في الصوم، انتهى. وهو كلام حسن، لكن يخالف مشهور مذهبه أن الصيام بلا سبب بعد نصف شعبان مكروه.
وفي "شرح ابن حجر": قال بعض أئمتنا: يجوز بلا كراهة الصوم بعد النصف مطلقًا تمسكًا بأن الحديث غير ثابت، أو محمول على من يخاف الضعف بالصوم، ورده المحققون بما تقرر أن الحديث ثابت، بل صحيح، وبأنه مظنة للضعف، وما نيط بالمظنة لا يشترط فيه تحققها.
(١٣) (بَابُ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّال) (١)
٢٣٣٨ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزاز) الملقب بصاعقة، (أنا سعيد بن سليمان) الضبي المعروف بسعدويه (نا عباد) بن العوام، (عن أبي مالك الأشجعي، نا حسين بن الحارث الجدلي- جديلة قيس-).
قال في "معجم البلدان" للحموي (٢): جديلة بالفتح، ثم الكسر، والجديلة: الشاكلة، والجديلة: الناحية (٣)، وجديلة اسم قبيلة من طيءٍ، وقبيلة من الأنصار ومن قيس.
стр. 5115
"أَنَّ أَمِيرَ مَكَّةَ خَطَبَ ثُمَّ قَالَ: عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَنْسُكَ لِلرُّؤْيَةِ, فَإِنْ لَمْ نَرَهُ (١) وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا، فَسَأَلْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ الْحَارِثِ: مَنْ أَمِيرُ مَكَّةَ؟ فقَالَ (٢): لَا أَدْرِى، ثُمَّ لَقِيَنِى بَعْدُ فَقَالَ (٣): هُوَ الْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ،
===
(أن أمير مكة خطب ثم قال: عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك) أي نتعبد لمناسك الحج (للرؤية، فإن لم نره) بأنفسنا (وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما، فسألت) السائلُ أبو مالك الأشجعي (الحسين بن الحارث: من أمير مكة؟ ) أي ما اسمه؟ (فقال: لا أدري، ثم لقيني بعد فقال: هو الحارث بن حاطب أخو محمد بن حاطب).
وهو الحارث بن حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، القرشي الجمحي، هاجر أبوه إلى الحبشة فولد له الحارث بها ومحمد، قاله الزهري، وللحارث بن حاطب رواية عن النبي ﷺ ، وروايته في أبي داود والنسائي، روى عنه حسين بن الحارث الجدلي وغيره، وقال مصعب الزبيري: استعمله مروان على المساعي بالمدينة، وعمل لابنه عبد الملك على مكة، وأما ابن حبان فذكره في التابعين فوهم, لأن نص حديثه: "عهد إلينا رسول الله ﷺ "، قاله الحافظ في "الإصابة" (٤).
وقال في "أسد الغابة" (٥): واستعمل عبد الله بن الزبير الحارث على مكة سنة ست وستين، وقيل: إنه كان يلي المساعي أيام مروان لما كان أميرًا على المدينة لمعاوية، قاله أبو عمر، والزبير بن البكار، وابن الكلبي.