. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ظاهر هذا السياق يدل على أن رسول الله ﷺ لا يسرد بصوم شهرين متتابعين إلَّا أنه كان يصل شعبان بصومه حتى يقرب صوم رمضان، فإن الجملة الأولى تدل على عدم تتابع الصوم حقيقة، وأما الجملة الثانية الاستثنائية لو كان معناها أنه كان يصل شعبان برمضان حقيقة لقال إلَّا شعبان ورمضان، فزيادة قوله: "إنه كان يصل"، تدل على أن المراد بالوصول القرب.
ويؤيده ما روته عائشة ﵂: "كان يصومه كله إلا قليلًا بل كان يصومه كله"، وفي رواية: "كان يصوم شعبان أو عامة شعبان"، وفي رواية: "كان يصوم شعبان كله"، وفي رواية: "ولا صام شهرًا قط كاملًا غير رمضان"، وفي رواية: "لم يصم شهرًا قط منذ أتى المدينة إلَّا أن يكون رمضان"، وفي رواية: "قلت: هل كان رسول الله ﷺ يصوم شهرًا كله؟ قالت: لا، ما علمت صام شهرًا كله إلَّا رمضان"، وفي رواية: "قالت: والله إن صام شهرًا معلومًا سوى رمضان حتى مضى لوجهه، ولا أفطر حتى يصوم منه"، وهذه الروايات المختلفة كلها عند النسائي (١).
وأما لفظ حديث مسلم (٢): "ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط، إلَّا رمضان، فما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان"، وفي رواية: "لم أره صائمًا من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان إلا قليلًا".
فهذه الروايات المختلفة تجمع بأن يقال: المراد بالكل أكثره، والمراد بوصله برمضان أنه يقربه برمضان، ويؤيده ما قال الترمذي (٣) بعد تخريج الحديث: وروي عن ابن المبارك أنه قال في هذا الحديث: وهو جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليله
стр. 5112
(١٢) بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ ذَلِكَ
٢٣٣٧ - نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَدِمَ عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ الْمَدِينَةَ، فَمَالَ إِلَى مَجْلِسِ الْعَلَاءِ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا", فَقَالَ الْعَلَاءُ: اللَّهُمَّ إِنَّ أَبِى حَدَّثَنِى عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِذَلِكَ (١). [ت ٧٣٨، جه ١٦٥١، حم ٢/ ٤٤٢]
===
أجمع، ولعله تعشى واشتغل ببعض أمره، كأن ابن المبارك قد رأى كلا الحديثين متفقين. يقول: إنما معنى هذا الحديث أنه كان يصوم أكثر الشهر.
(١٢) (بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ ذلِكَ)
أي: الصوم في آخر شعبان
٢٣٣٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا عبد العزيز بن محمد) الدراوردي (قال: قدم عباد بن كثير المدينة، فمال إلى مجلس العلاء) أي ابن عبد الرحمن، (فأخذ بيده) أي بيد العلاء (فأقامه، ثم قال: اللَّهُمَّ إن هذا) أي العلاء (يحدث عن أبيه) أي عبد الرحمن، (عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا، فقال العلاء: اللَّهُمَّ إن أبي) أي عبد الرحمن (حدثني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بذلك).
стр. 5113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا حديث اختلف العلماء في صحته وضعفه، قال الترمذي (١): قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ.
وقال الحافظ في "الفتح" (٢): وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوعًا بعد النصف من شعبان، وضعَّفوا الحديث الوارد فيه، وقال أحمد وابن معين: إنه منكر، وقد استدل البيهقي بحديث: "لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين" الحديث، على ضعفه، فقال: الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء، وكذا صنع قبله الطحاوي، واستظهر بحديث ثابت عن أنس مرفوعًا: "أفضل الصيام بعد رمضان شعبان"، لكن إسناده ضعيف، واستظهر أيضًا بحديث عمران بن حصين: "أن رسول الله ﷺ قال لرجل: هل صمت من سرر شعبان شيئًا؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين"، ثم جمع بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يُضعفه الصوم، وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان، وهو جمع حسن.
قال القاري (٣): إذا مضى النصف الأول من شعبان فلا تصوموا بلا انضمام شيء من النصف الأول، أو بلا سبب من الأسباب المذكورة، والنهي للتنزيه رحمة على الأمة أن يضعفوا عن حق القيام بصيام رمضان على وجه النشاط، وأما من صام شعبان كله، فيتعود بالصوم وتزول عنه الكلفة، ولذا قيده بالانتصاف، أو نهى عنه لأنه نوع من التقدم المقدم (٤)، والله أعلم.
стр. 5114
(١٣) بَابُ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّال
٢٣٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ، أَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, نَا عَبَّادٌ, عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ، نَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَارِثِ الْجَدَلِىُّ - مِنْ جَدِيلَةِ قَيْسٍ -:
===
قال القاضي: المقصود [استجمام] من لا يقوى على تتابع الصيام، فاستحب الإفطار كما استحب إفطار عرفة، ليتقوى على الدعاء، فأما من قدر فلا نهي له، ولذلك جمع النبي ﷺ بين الشهرين في الصوم، انتهى. وهو كلام حسن، لكن يخالف مشهور مذهبه أن الصيام بلا سبب بعد نصف شعبان مكروه.
وفي "شرح ابن حجر": قال بعض أئمتنا: يجوز بلا كراهة الصوم بعد النصف مطلقًا تمسكًا بأن الحديث غير ثابت، أو محمول على من يخاف الضعف بالصوم، ورده المحققون بما تقرر أن الحديث ثابت، بل صحيح، وبأنه مظنة للضعف، وما نيط بالمظنة لا يشترط فيه تحققها.
(١٣) (بَابُ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّال) (١)
٢٣٣٨ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزاز) الملقب بصاعقة، (أنا سعيد بن سليمان) الضبي المعروف بسعدويه (نا عباد) بن العوام، (عن أبي مالك الأشجعي، نا حسين بن الحارث الجدلي- جديلة قيس-).
قال في "معجم البلدان" للحموي (٢): جديلة بالفتح، ثم الكسر، والجديلة: الشاكلة، والجديلة: الناحية (٣)، وجديلة اسم قبيلة من طيءٍ، وقبيلة من الأنصار ومن قيس.
стр. 5115
"أَنَّ أَمِيرَ مَكَّةَ خَطَبَ ثُمَّ قَالَ: عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَنْسُكَ لِلرُّؤْيَةِ, فَإِنْ لَمْ نَرَهُ (١) وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا، فَسَأَلْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ الْحَارِثِ: مَنْ أَمِيرُ مَكَّةَ؟ فقَالَ (٢): لَا أَدْرِى، ثُمَّ لَقِيَنِى بَعْدُ فَقَالَ (٣): هُوَ الْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ،
===
(أن أمير مكة خطب ثم قال: عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك) أي نتعبد لمناسك الحج (للرؤية، فإن لم نره) بأنفسنا (وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما، فسألت) السائلُ أبو مالك الأشجعي (الحسين بن الحارث: من أمير مكة؟ ) أي ما اسمه؟ (فقال: لا أدري، ثم لقيني بعد فقال: هو الحارث بن حاطب أخو محمد بن حاطب).
وهو الحارث بن حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، القرشي الجمحي، هاجر أبوه إلى الحبشة فولد له الحارث بها ومحمد، قاله الزهري، وللحارث بن حاطب رواية عن النبي ﷺ ، وروايته في أبي داود والنسائي، روى عنه حسين بن الحارث الجدلي وغيره، وقال مصعب الزبيري: استعمله مروان على المساعي بالمدينة، وعمل لابنه عبد الملك على مكة، وأما ابن حبان فذكره في التابعين فوهم, لأن نص حديثه: "عهد إلينا رسول الله ﷺ "، قاله الحافظ في "الإصابة" (٤).
وقال في "أسد الغابة" (٥): واستعمل عبد الله بن الزبير الحارث على مكة سنة ست وستين، وقيل: إنه كان يلي المساعي أيام مروان لما كان أميرًا على المدينة لمعاوية، قاله أبو عمر، والزبير بن البكار، وابن الكلبي.
стр. 5116
ثُمَّ قَالَ الأَمِيرُ: إِنَّ فِيكُمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنِّى، وَشَهِدَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى رَجُلٍ.
قَالَ الْحُسَيْنُ: فَقُلْتُ لِشَيْخٍ إِلَى جَنْبِي: مَنْ هَذَا الَّذِى أَوْمَأَ إِلَيْهِ الأَمِيرُ؟ قَالَ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَصَدَقَ، كَانَ أَعْلَمَ بِاللَّهِ مِنْهُ، فَقَالَ: بِذَلِكَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " [ق ٤/ ٢٤٧، قط ٢/ ١٦٧]
٢٣٣٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْمُقْرِئُ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِىِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِى آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ،
===
(ثم قال الأمير: إن فيكم من هو أعلم بالله ورسوله مني، وشهد هذا من رسول الله ﷺ ، وأومأ بيده إلى رجل) أي جالس في الحاضرين (قال الحسين: فقلت لشيخ إلى جنبي: من هذا الذي أومأ إليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر، وصدق، كان) عبد الله بن عمر (أعلم بالله منه) أي من الحارث (فقال) عبد الله بن عمر: (بذلك) أي بأن ننسك للرؤية (أمرنا رسول الله ﷺ ).
قلت: وقد أخرج النسائي (١) بنحو هذا الحديث من حديث ابن أبي زائدة، عن حسين بن الحارث الجدلي، عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه، الحديث، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٢): ولاه يزيد بن معاوية مكة سنة ثلاث وستين.
٢٣٣٩ - (حدثنا مسدد وخلف بن هشام المقرئ قالا: نا أبو عوانة، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ) لم أقف (٣) على تسميته (قال) الرجل من الصحابة: (اختلف الناس في آخر يوم من رمضان)
стр. 5117
فَقَدِمَ أَعْرَابِيَّانِ فَشَهِدَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّهِ لأَهَلَّا الْهِلَالَ أَمْسِ عَشِيَّةً، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا. زَادَ خَلَفٌ فِى حَدِيثِهِ: وَأَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ. [ق ٤/ ٢٤٨، قط ٢/ ١٦٩، حم ٤/ ٣١٤]
(١٤) بَابٌ في شَهَادَةِ الوَاحِدِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ (١) رَمَضَانَ
٢٣٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، نَا الْوَلِيدُ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى ثَوْرٍ -. (ح): وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، نَا الْحُسَيْنُ - يَعْنِى الْجُعْفِىَّ - عَنْ زَائِدَةَ, الْمَعْنَى،
===
أي في يوم الثلاثين من رمضان، فقال بعضهم: هو الثلاثون من رمضان، وقال بعضهم: هو أول يوم من شوال.
(فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي ﷺ بالله) أي: نشهد بالله (لأهلَّا) أي: رأيا الهلال (أمس عشية) وهي من زوال الشمس إلى الغروب، ظرف لقوله: لأهلَّا أو لشهدا (فأمر رسول الله ﷺ الناس أن يفطروا) أي الصوم في اليوم الذي كان ثلاثين من شعبان، فثبت بشهادة أعرابيين أنه اليوم الأول من شوال.
(زاد خلف في حديثه: وأن يغدوا) أي يذهبوا في أول النهار (إلى مصلاهم) أي لصلاة العيد.
(١٤) بَابٌ: في شَهَادَةِ الْوَاحِدِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ (٢) رَمَضَانَ)
٢٣٤٠ - (حدثنا محمد بن بكار بن الريان، نا الوليد -يعني ابن أبي ثور-، ح: وحدثنا الحسن بن علي، نا الحسين -يعني الجعفي-، عن زائدة، المعنى)
стр. 5118
عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّى رَأَيْتُ الْهِلَالَ - قَالَ الْحَسَنُ فِى حَدِيثِهِ: يَعْنِى (١) رَمَضَانَ -، فَقَالَ "أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ ". قَالَ نَعَمْ, قَالَ: "يَا بِلَالُ, أَذِّنْ فِى النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا". [ت ٦٩١، ن ٢١١٢، جه ١٦٥٢، خزيمة ١٩٢٣، ق ٤/ ٢١١، ك ١/ ٤٢٤، قط ٢/ ١٥٨]
===
أي: معنى حديثهما واحد، (عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال، قال الحسن في حديثه: يعني) هلال (رمضان، فقال) النبي ﷺ : (أتشهد (٢) أن لا إله إلَّا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال، أذن في الناس) أي: أعلمهم (فليصوموا غدًا).
قال في "البدائع" (٣): أما بيان ما يعرف به وقته، فإن كانت السماء مصحية يعرف برؤية الهلال، وإن كانت متغيمة يعرف بإكمال شعبان ثلاثين يومًا لقول النبي ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين يومًا ثم صوموا" (٤)، فإن كانت السماء مصحية، ورأى الناس الهلال صاموا، وإن شهد واحد برؤية الهلال لا تقبل شهادته ما لم تشهد جماعة يقع العلم للقاضي بشهادتهم في ظاهر الرواية، ولم يقدر في ذلك تقديرًا.
وروي عن أبي يوسف أنه قدر عدد الجماعة بعدد القسامة خمسين رجلًا.
стр. 5119
٢٣٤١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُمْ شَكُّوا فِى هِلَالِ رَمَضَانَ مَرَّةً، فَأَرَادُوا أَنْ لَا يَقُومُوا وَلَا يَصُومُوا، فَجَاءَ أَعْرَابِىٌّ مِنَ الْحَرَّةِ, فَشَهِدَ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ، فَأُتِىَ بِهِ النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ: "أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، وَشَهِدَ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِى النَّاسِ أَنْ يَقُومُوا وَأَنْ يَصُومُوا. [ق ٤/ ٢١٢، وانظر سابقه]
===
وعن خلف بن أيوب أنه قال: خمسمائة ببلخ قليل، وقال بعضهم: ينبغي أن يكون من كل مسجد جماعة واحد أو اثنان.
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يقبل فيه شهادة الواحد العدل، وهو أحد قولي الشافعي، وقال في قول آخر: تقبل فيه شهادة اثنين.
وجه رواية الحسن: أن هذا من باب الإخبار لا من باب الشهادة، بدليل أنه تقبل شهادة الواحد إذا كان بالسماء علة، ولو كان شهادة لما قُبِل, لأن العدد شرط في الشهادات، وإذا كان إخبارًا لا شهادة، فالعدد ليس بشرط في الإخبار عن الديانات، وإنما تشترط العدالة فقط، كما في رواية الإخبار عن طهارة الماء ونجاسته ونحو ذلك، انتهى بقدر الحاجة.
٢٣٤١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن سماك بن حرب، عن عكرمة) أي مرسلًا، (أنهم) أي الصحابة (شكوا في هلال رمضان مرة، فأرادوا أن لا يقوموا) للتراويح ليله (ولا يصوموا) نهاره، (فجاء أعرابي من الحرة) أرض حول المدينة فيها حجارة سود (فشهد أنه رأى الهلال، فأتي به النبي ﷺ ، فقال: أتشهد أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله؟ قال) الأعرابي: (نعم، وشهد) الأعرابي (أنه رأى الهلال، فأمر) رسول الله ﷺ بلالًا (فنادى في الناس أن يقوموا (١) وأن يصوموا).
стр. 5120
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِيَامَ أَحَدٌ إلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ (١).
٢٣٤٢ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمَرْقَنْدِىُّ، وَأَنَا لِحَدِيثِهِ أَتْقَنُ، قَالَا: نَا مَرْوَانُ - هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ -، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ, عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "تَرَاءَى النَّاسُ
===
(قال أبو داود (٢): رواه جماعة عن سماك عن عكرمة مرسلًا) (٣) من غير ذكر ابن عباس (عن النبي ﷺ ) ورواه زائدة عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس موصولًا (ولم يذكر القيام أحد إلَّا حماد بن سلمة) فإنه زاد فيه: "وأن يقوموا" (٤).
٢٣٤٢ - (حدثنا محمود بن خالد وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي، وأنا لحديثه) أي حديث عبد الله (أتقن، قالا) أي محمود وعبد الله: (نا مروان - هو ابن محمد-، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن أبي بكر بن نافع) المدني العدوي، مولى ابن عمر، عن أحمد: هو أوثق ولد نافع، وعن ابن معين: ليس به بأس، وقال مرةً: ليس بشيء، وقال الآجري عن أبي داود: من ثقات الناس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج حديثه في "صحيحه"، وسمَّاه عمرًا، وقال الحاكم أبو أحمد: لم أقف على اسمه، ويقال: هو ثقة.
(عن أبيه) نافع، (عن ابن عمر قال: تراءى الناس) أي طلبوا أن يروا
стр. 5121
الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنِّى رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ". [دي ١٦٩١، قط ٢/ ١٥٦، ك ١/ ٤٢٣]
(١٥) بَابٌ فِى تَوْكِيدِ السُّحُورِ
٢٣٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عن مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عن أَبيهِ، عن أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١)، عن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ فَصْلَ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أُكْلَةُ (٣) السَّحَرِ" (٤). [م ١٠٩٦، ت ٧٠٩، ن ٢١٦٦، دي ١٦٩٧، حم ٤/ ١٩٧، خزيمة ١٩٤٠]
===
(الهلال) وفتشوا، (فأخبرت (٥) رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه)، وقبول خبر الواحد في الصوم محمول على ما إذا كان في السماء علة.
(١٥) (بَابٌ: في تَوْكِيدِ السَّحُورِ)
السحور بالضم مصدر، وبالفتح اسم ما يُتسحر به من الطعام والشراب
٢٣٤٣ - (حدثنا مسدد، نا عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عُلَيٍّ) بالتصغير (ابن رباح، عن أبيه) علي بن رباح، (عن أبي قيس) السهمي (مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر) بضم الهمزة، اللقمة،
стр. 5122
(١٦) بَابُ مَنْ سَمَّى (١) السَّحُورَ غَدَاءً (٢)
٢٣٤٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ،
===
وبالفتح المرة، وإن كثر المأكول، ففي التسحر مخالفة أهل الكتاب فإنهم لا يتسحرون.
قال الشوكاني (٣): وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ندبية السحور، انتهى. وليس بواجب بما ثبت عنه ﷺ وعن أصحابه أنهم واصلوا.
وقال في "البدائع" (٤): يسن للصائم السحور لما روي عن عمرو بن العاص مرفوعًا أنه قال: "إن فصلًا بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر"، والسنَّة فيه التأخير، فإنه روي عنه ﷺ أنه من سنن المرسلين، وفي رواية: من أخلاق المرسلين.
(١٦) (بَابٌ مَنْ سَمَّى السَّحُورَ غَدَاءً)
الغداء طعام يؤكل أول النهار، سُمِّي به السحور لأنه (٥) للصائم بمنزلته للمفطر، وهو بفتح الغين ومد
٢٣٤٤ - (حدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا حماد بن خالد الخياط،
стр. 5123
نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ سَيْفٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِى رُهْمٍ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: دَعَانِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى السَّحُورِ فِى رَمَضَانَ فَقَالَ: "هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ
===
نا معاوية بن صالح، عن يونس بن سيف) القيسي الكلاعي الحمصي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال البزار: صالح الحديث، وقال الدارقطني: ثقة، حمصي، وحكى البخاري أنه قال فيه يوسف بن سيف، وقال الحافظ في "التقريب": ووهم من سمَّاه يوسف.
(عن الحارث بن زياد) شامي، أخرج له أبو داود والنسائي حديثًا واحدًا في الصوم، ذكره أبو القاسم البغوي في الصحابة، وقال الحافظ في "التقريب": وأخطأ من زعم أن له صحبة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين.
(عن أبي رهم) هو أحزاب بن أسيد بفتح الهمزة، ويقال بالضم، قاله البخاري، ويقال: ابن أسد السماعي، ويقال: السمعي، بفتح المهملة والميم، مختلف في صحبته، والصحيح أنه مخضرم، ثقة، قال البخاري: هو تابعي.
(عن العرباض) بكسر أوله وسكون الراء، بعدها موحدة، وبعد الألف معجمة (ابن سارية) السلمي، أبو نجيح، صحابي مشهور، من أصحاب الصفة، وهو ممن نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (١) الآية، مات في فتنة ابن الزبير، وقال أبو مسهر وغير واحد: مات سنة ٧٥ هـ.
(قال: دعاني رسول الله ﷺ إلى السحور في رمضان فقال: هلم إلى الغداء (٢)
стр. 5124
الْمُبَارَكِ" (١). [ن ٢١٦٣، حم ٤/ ١٢٩، ق ٤/ ٢٣٦، خزيمة ١٩٣٨]
(١٧) بَابُ وَقْتِ السَّحُورِ
٢٣٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَادَةَ الْقُشَيْرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ
===
المبارك) وكونه مباركًا (٢) لكونه يقوي على الصوم، ويُنَشِّطُ له، ويُخَفِّفُ المشقة فيه.
(١٧) (بَابُ وَقْتِ السَّحُورِ)
٢٣٤٦ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، عن عبد الله بن سوادة) بن حنظلة (القشيري) مصغرًا، البصري، قال ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس وبه بأس، له في الكتب حديثان، أحدهما في السحور، والثاني تقدم في أنس (٣)، قلت: وقال العجلي: ثقة.
(عن أبيه) هو سوادة بن حنظلة القشيري البصري، روى عن سمرة بن
стр. 5125
قَالَ: سَمِعْتُ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَمْنَعَنَّ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا بَيَاضُ الأُفُقِ (١) هَكَذَا حَتَّى يَسْتَطِيرَ". [م ١٠٩٤، ت ٧٠٦، ن ٢١٧١، حم ٥/ ٩، خزيمة ١٩٢٩]
٢٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى عَنِ التَّيْمِىِّ. (ح): وَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِىُّ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ - أَوْ قَالَ: يُنَادِى - لِيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ وَيَنْتَبِهَ نَائِمُكُم،
===
جندب حديث: "لا يغرنَّكم أذان بلال"، قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: سمع من علي بن أبي طالب.
(قال: سمعت سمرة بن جندب يخطب وهو يقول: قال رسول الله ﷺ : لا يمنعن من سحوركم أذان بلال) لأنه يؤذن بليل (ولا بياض الأُفق هكذا) أي: المستطيل، فإنه الفجر الكاذب (حتى يستطير) أي: حتى ينتشر في الأفق عرضًا، والصبح الصادق المبدأ للصوم.
٢٣٤٧ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن التيمي، ح ونا أحمد بن يونس، نا زهير، نا سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن أو) للشك من الراوي (قال) الراوي: (ينادي ليرجع) بفتح المثناة التحتية وفتح الجيم المخففة (قائمكم) أي المتهجد المجتهد، لينام لحظة، ليصبح نشيطًا، أو يتسحر إن أراد الصيام، (وينتبه)، ولفظ البخاري: "ولينبه" (نائمكم) ليتأهب للصلاة بالغسل ونحوه، وهذا يدل على أن أذان بلال لم يكن لوقت الفجر، بل كان
стр. 5126
وَلَيْسَ الْفَجْرُ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا". وَجَمَعَ يَحْيَى كَفَّيْهِ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا، وَمَدَّ يَحْيَى بِأُصْبَعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ (١). [خ ٦٢١، م ١٠٩٣، جه ١٦٩٦، ن ٢١٧٠، حم ١/ ٣٩٦]
===
لمعنى آخر، ولهذا كان ابن أم مكتوم ينادي بعده (وليس الفجر أن يقول) أي يظهر (هكذا، وجمع يحيى كفه) (٢) أي المستطيل (حتى يقول) أي يظهر (هكذا، ومدَّ يحيى بإصبعيه السبابتين) أي المستطيل عرضًا.
قال الحافظ (٣): اختلفوا هل يحرم الأكل بطلوع الفجر، أو بتبينه عند الناظر تمسكًا بظاهر الآية؟ وذهب جماعة من الصحابة- وبه قال الأعمش من التابعين وصاحبه أبو بكر بن عياش- إلى جواز السحور إلى أن يتَّضح الفجر.
فروى سعيد بن منصور بسنده عن حذيفة قال: "تسحرنا مع رسول الله ﷺ هو والله النهار غير أن الشمس لم تطلع"، وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن عاصم نحوه، وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق ذلك عن حذيفة من طرق صحيحة.
ووى ابن المنذر بإسناد صحيح عن علي أنه صلَّى الصبح، ثم قال: الآن حين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال ابن المنذر: وذهب بعضهم إلى أن المراد بتبين بياض النهار من سواد الليل أن ينتشر البياض في الطرق والسكك والبيوت، وروى بإسناد صحيح عن سالم بن عبيد الأشجعي- وله صحبة- أن أبا بكر قال له: "اخرج فانظر هل طلع الفجر؟ قال: فنظرت، ثم أتيته قلت: قد ابيضَّ وسطع، ثم قال: اخرج فانظر هل طلع؟ فنظرت فقلت: قد اعترض، فقال: الآن أبلغني شرابي".
стр. 5127
٢٣٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنِى قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "كُلُوا وَاشْرَبُوا، وَلَا يَهِيدَنَّكُمُ السَّاطِعُ الْمُصْعِدُ، فَكُلُوا (١) وَاشْرَبُوا حَتَّى
===
قال إسحاق: هؤلاء رأوا جواز الأكل والصلاة بعد طلوع الفجر المعترض حتى يتبين بياض النهار من سواد الليل، قال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن علي من تأول الرخصة كالقول الثاني، ولا أرى عليه قضاءً ولا كفارةً، انتهى مختصرًا.
قلت: وقال في "رد المحتار" (٢) المعروف بالشامي: وهل المراد أول زمان الطلوع أو انتشار الضوء كالخلاف في الصلاة، والأول أحوط، والثاني أوسع، كما قال الحلواني، كما في "المحيط"، وقد فصل فيه البحث ابن رشد في "بداية المجتهد" (٣).
٢٣٤٨ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن النعمان) السحيمي بمهملتين مصغرًا، اليمامي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: يماني ثقة، وقال عثمان الدارمي: سألت ابن معين فقلت: عبد الله بن النعمان عن قيس بن طلق، فقال: يمامية ثقات، وقال ابن خزيمة: لا أعرفه بعدالة ولا جرح.
(حدثني قيس بن طلق) بن علي، (عن أبيه) طلق بن علي (قال: قال رسول الله ﷺ : كلوا واشربوا ولا يهيدنكم) بكسر الهاء، أي: يزعجنَّكم فتمتنعوا به عن السحور، فإنه الفجر الكاذب، يقال: هدته أهيده إذا أزعجته، وأصل الهيد بالكسر الحركة (الساطع المصعد) أي: المرتفع طولًا (فكلوا واشربوا حتى
стр. 5128
يَعْتَرِضَ لَكُمُ الأَحْمَرُ" (١). [ت ٧٠٥، حم ٤/ ٢٣، خزيمة ١٩٣٠، قط ٢/ ١٦٦]
٢٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ. (ح): وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا ابْنُ إِدْرِيسَ، الْمَعْنَى،
===
يعترض لكم الأحمر).
قال في "الدرجات" (٢): أي يستبطن البياض المعترض أوائل حمرة، لأن البياض إذا تتام طلوعه ظهرت أوائل الحمرة، والعرب تشبه الصبح بالبلق في الخيل لما به من بياض وحمرة.
قلت: لا يصح كونه أحمر إلَّا قبل نزول قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ (٣) الآية, لأنه معنى الآخر (٤) هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع، وكلاهما يعارض الآية، وهذا كله على ظاهره، وإلَّا فإن الأحمر يطلق على الأبيض أيضًا، فإن أطلق عليه وافق الآية، فتنبه له إن كنت فائق السجية.
٢٣٤٩ - (حدثنا مسدد، نا حصين بن نمير) مصغرًا، الواسطي، أبو محصن، الضرير، مولى همدان، كوفي الأصل، قال ابن معين: [صالح]، وقال العجلي وأبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي خيثمة: قلت لأبي: لم لا تكتب عن أبي محصن؟ قال: أتيته فإذا هو يحمل على علي - رضي الله تعالى عنه - فلم أعد إليه، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم.
(ح: ونا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن إدريس) هو عبد الله بن إدريس، كما هو مصرح في مسلم والطحاوي (المعنى) أي معنى حديث ابن نمير وابن إدريس واحد، كلاهما، أي حصين بن نمير وابن إدريس يرويان
стр. 5129
عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ , قَالَ: أَخَذْتُ عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ، فَوَضَعْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِى، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَتَبَيَّنْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ فَقَالَ: "إِنَّ وِسَادَكَ وِسَادَكَ إِذًا لَطَوِيلٌ عَريضٌ (١)،
===
(عن حصين) وهو ابن عبد الرحمن السلمي (عن الشعبي، عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ (٢).
قال الحافظ (٣): ظاهره أن عديًا كان حاضرًا لما نزلت هذه الآية، وهو يقتضي تقدم إسلامه، وليس كذلك, لأن نزول فرض الصوم كان متقدمًا في أوائل الهجرة، وإسلام عدي كان في التاسعة أو العاشرة، كما ذكره أهل المغازي، فإما أن يقال: إن الآية تأخر نزولها عن نزول فرض الصوم وهو بعيد جدًا، وإما أن يؤول قول عدي هذا على أن المراد بقوله: "لما نزلت"، أي لما تليت عليَّ عند إسلامي، أو لما بلغني نزول الآية، أو في السياق حذف، تقديره: لما نزلت الآية، ثم قدمت فأسلمت وتعلمت الشرائع عمدت.
(قال: أخذت عقالًا أبيض وعقالًا أسود) والعقال- بكسر العين-: حبل يشد به الوظيف مع الذراع، جمعه عُقُل بضم عين وقاف، ويسكن، (فوضعتهما تحت وسادتي، فنظرت فلم أتبين) أي: فأكلت إلى وقت التبين (فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فضحك، فقال: إن وسادك إذًا لطويل عريض).
قال الحافظ: قال الخطابي في "المعالم" (٤): في قوله: "إن وسادك لعريض" قولان:
أحدهما: يريد أن نومك لكثير، وكنى بالوسادة عن النوم, لأن النائم يتوسد، أو أراد أن ليلك لطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل حتى يتبين لك العقال.
стр. 5130
إِنَّمَا هُوَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ".
===
والقول الآخر: أنه كنى بالوسادة عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه على الوسادة إذا نام، والعرب تقول: فلان عريض القفا إذا كان فيه غباوة وغفلة، وقد روي في هذا الحديث من طريق أخرى: "إنك عريض القفا".
وجزم الزمخشري بالتأويل الثاني فقال: إنما عرَّض النبي ﷺ قفا عدي, لأنه غفل عن البيان، وعرض القفا مما يستدل به على قلة الفطنة، وأنشد في ذلك شعرًا.
وقد أنكر ذلك كثير، منهم القرطبي فقال: حمله بعض الناس على الذم له على ذلك الفهم، وكأنهم فهموا أنه نسبه إلى الجهل والجفاء وعدم الفقه، وعضدوا ذلك بقوله: "إنك عريض القفا"، وليس الأمر على ما قالوه, لأن من حمل اللفظ على حقيقته اللسانية التي هي الأصل إن لم يتبين له دليل التجوز لم يستحق ذمًّا، ولا ينسب إلى جهل، وإنما عني- والله أعلم- أن وسادك إن كان يغطي الخيطين اللذين أراد الله فهو إذًا عريض واسع، ولهذا قال في إثر ذلك: "إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار"، فكأنه قال: فكيف يدخلان تحت وسادتك؟ وقوله: "إنك لعريض القفا"، أي: إن الوساد الذي يغطي الليل والنهار لا يرقد عليه إلا قفا عريض للمناسبة.
(إنما هو) أي الخيط الأسود والخيط الأبيض (الليل والنهار) أي سواد الليل وبياض النهار، وحديث عدي هذا يقتضي أن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ نزل متصلًا من قوله: "حتى يتبين لكم الخيط الأبيض", لأنه قد ثبت أن عديًا تأخر إسلامه إلى السنة التاسعة أو العاشرة، فلعل عديًا حمل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ على السببية، أو نسي قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ حتى ذكره بها النبي ﷺ .
وأما حديث سهل بن سعد الذي أخرجه البخاري في "الصحيح" قال: أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (١)، ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، الحديث، فإنه ظاهر في أن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ نزل بعد ذلك برفع ما وقع لهم من الإشكال، وقد قيل: إنه كان بين نزولهما عام كامل.
стр. 5131
وَقَالَ عُثْمَانُ: "إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ". [خ ١٩١٦، م ١٠٩٠، ت ٢٩٧٠، ن ٢١٦٩، حم ٤/ ٣٧٧]
(١٨) بَابُ الرَّجُلِ يَسْمَعُ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى (١) يَدِهِ
٢٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، نَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَاجَتَهُ مِنْهُ". [حم ٢/ ٥١٠، ك ١/ ٤٢٦]
===
والجواب عنه أن عديًا كان متأخر الإِسلام، ولم يبلغه ما جرى في حديث سهل، وإنما سمع الآية مجردة ففهمها على ما وقع له، فبيَّن له النبي ﷺ أن المراد بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ أن ينفصل أحد الخيطين عن الآخر، وأن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ متعلق بقوله: "يتبين"، قاله الحافظ في "الفتح" (٢).
(وقال عثمان: إنما هو سواد الليل وبياض النهار)، وهذا بيان الفرق بين لفظ مسدد ولفظ عثمان بن أبي شيبة، فإن مسددًا لم يذكر لفظ السواد ولفظ البياض، وذكرهما عثمان بن أبي شيبة.
(١٨) (بَابُ الرَّجُلِ يَسْمَعُ النّدَاءَ)، أي: نداء الصبح (وَالإنَاءُ)، أي: إناء الشراب (عَلَى يَدِهِ)، هل يمتنع عن الشرب أو لا؟
٢٣٥٠ - (حدثنا عبد الأعلي بن حماد، نا حماد) بن سلمة، (عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا سمع أحدكم النداء) أي أذان الفجر (والإناء) أي إناء الطعام والشراب (على يده) يريد أن يأكل أو يشرب منه (فلا يضعه) أي من يده لأجل الأذان (حتى يقضي حاجته منه).
стр. 5132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال في "الدرجات" (١): هذا يحمل على قوله: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، وقال البيهقي (٢): هذا أرجح (٣)، فإنه محمول عند عوام أهل العلم على أنه ﷺ علم أن المنادي كان ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبل طلوع الفجر، انتهى.
وقال القاري (٤): وهذا إذا علم أو ظن عدم الطلوع، وقال ابن الملك: هذا إذا لم يعلم طلوع الصبح، أما إذا علم أنه قد طلع أو شك فيه فلا.
قلت: والأولى في تأويل هذا الحديث عندي أن يقال: إن في هذا القول أشار رسول الله ﷺ إلى أن تحريم الأكل متعلق بالفجر لا بالأذان، فإن المؤذن قد يبادر بالأذان قبل الفجر، فلا عبرة بالأذان إذا لم يعلم طلوع الفجر، وهذا الحكم للعارفين بالفجر، وأما العوام الذين لا يعرفون فعليهم بالاحتياط، والله تعالى أعلم.
ثم أقول: إن هذا الحديث محمول على قول من اعتبر في المنع عن الأكل والشرب تبين الفجر لا طلوعه، فإن هذا الحديث يحمل على وفق هذا القول، فإن الأذان يشرع على أول طلوع الفجر، وهو ليس بمانع من الأكل والشرب، بل المانع هو تبين الفجر.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - رحمه الله تعالى-: قوله: "إذا سمع أحدكم النداء ... إلخ"، إن كان المراد بالنداء نداء المغرب فالمعنى ظاهر، وهو أنه لا ينبغي له أن ينتظر بعد الغروب شيئًا من تمام النداء أو غيره، بل يجب له المسارعة في الإفطار، وإن أريد بها نداء صلاة الفجر، فالمعنى أن النداء لا يعتدُّ به، وإنما المناط هو الفجر، فلو أذَّن المؤذن والصائم
стр. 5133
(١٩) بَابُ (١) وَقْتِ فِطْرِ الصَّائِم
٢٣٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا وَكِيعٌ، نَا هِشَامٌ. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ هِشَامٍ، الْمَعْنَى، قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : "إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَذَهَبَ النَّهَارُ
===
يعلم أن الفجر لم ينبلج بعد، فليس له أن يضعه من يده حتى يقضي حاجته، هذا وقد ذهب به وبما يشير إليه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ إلى أن المراد هو التبين دون نفس انبلاج الفجر، وهو أولى بحال العوام نظرًا إلى تيسير الشرع، فإن أكثر الخواص أيضًا عاجزون عن درك حقيقته، فكيف لغير الخواص؟
فإناطة الأمر بنفس الانبلاج لا يخلو عن إحراج وتكليف، ولك أن تحمل الرواية على غير حالة الصوم، فلا تتعلق هي بالفجر ولا بالمغرب، بل هي واردة على أمر الصلاة كورود قوله ﵊: "إذا حضر العَشاء وأقيمت العِشاء فابدأوا بالعَشاء"، فإنهما سيقا على نمط واحد، والمرعى فيهما قطع بال المصلي عن الاشتغال بغير أمر الصلاة، فكما أنها واردة بقضاء حاجته، فكذلك هي واردة بقضاء حاجته من الشراب، فلا يلزم ما لزم، والله تعالى أعلم، انتهى.
(١٩) (بَابُ وَقْتِ فِطْرِ الصَّائِمِ)
٢٣٥١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا وكيع، نا هشام، ح: ونا مسدد، نا عبد الله بن داود، عن هشام، المعنى) أي معنى حديث وكيع وعبد الله بن داود واحد، (قال هشام بن عروة، عن أبيه) أي عروة، (عن عاصم بن عمر، عن أبيه) أي عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - (قال: قال النبي ﷺ : إذا جاء الليل) أي الظلمة (من ها هنا) أي من جانب المشرق (وذهب النهار)
стр. 5134
مِنْ هَا هُنَا". زَادَ مُسَدَّدٌ: "وَغَابَتِ الشَّمْسُ (١)، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ". [خ ١٩٥٤، م ١١٠٠، ت ٦٩٨، حم ١/ ٢٨]
٢٣٥٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، نَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِىُّ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِى أَوْفَى يَقُولُ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ: "يَا بِلَالُ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا", قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ، قَالَ: "انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا،
===
أي الشمس (من ها هنا) أي من جهة المغرب (زاد مسدد: وغابت الشمس) أي جرم الشمس (فقد أفطر الصائم).
قال الحافظ (٢): أي دخل في وقت الفطر، كما يقال: أَنْجَدَ إذا أقام بنجد، وأَتْهَمَ إذا أقام بتهامة، ويحتمل أن يكون معناه: فقد صار مفطرًا في الحكم لكون الليل ليس ظرفًا للصيام الشرعي، وقد رد ابن خزيمة هذا الاحتمال، وأومأ إلى ترجيح الأول، فقال: قوله: "فقد أفطر الصائم" لفظ خبر، ومعناه الأمر، أي فليفطر الصائم، ولو كان المراد فقد صار مفطرًا كان فطر جميع الصوام واحدًا، ولم يكن للترغيب في تعجيل الإفطار معنى، انتهى. وقد يجاب بأن المراد فعل الإفطار حسًا ليوافق الأمر الشرعي، ولا شك أن الأول أرجح.
٢٣٥٢ - (حدثنا مسدد، نا عبد الواحد، نا سليمان الشيباني، سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: سرنا مع رسول الله ﷺ وهو صائم) يشبه أن يكون غزوة الفتح، (فلما غربت الشمس قال) رسول الله ﷺ : (يا بلال انزل) عن الراحلة (فاجدح لنا)، والجدح تحريك السويق ونحوه بالماء بعود يقال له: المِجدح، (قال) بلال: (يا رسول الله لو أمسيت، قال) رسول الله ﷺ : (انزل فاجدح لنا. قال: يا رسول الله إن عليك نهارًا).
стр. 5135
قَالَ: "انْزِلْ فَاجْدَحْ لنَا"، فَنَزَلَ فَجَدَحَ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هنهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ"، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ. [خ ١٩٥٦، م ١١٠١]
(٢٠) بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَعْجِيلِ الفِطْرِ (١)
٢٣٥٣ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ، عن مُحَمَّدٍ- يَعْنِي
===
قال الحافظ (٢): يحتمل أن يكون المذكور كان يرى كثرة الضوء من شدة الصحو، فيظن أن الشمس لم تغرب، ويقول: لعلها غطاها شيء من جبل ونحوه، أو كان هناك غير فلم يتحقق غروب الشمس، وأما قول الراوي: "وغربت الشمس" فإخبار منه في نفس الأمر، وإلَّا فلو تحقق الصحابي أن الشمس غربت ما توقف، لأنه حينئذ يكون معاندًا، وإنما توقف احتياطًا واستكشافًا عن حكم المسألة.
(قال: انزل فاجدح لنا، فنزل فجدح، فشرب رسول الله ﷺ ثم قال: إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم) أي دخل في وقت الإفطار (وأشار بإصبعه قِبَلَ المشرق).
(٢٠) (بَابُ مَا يُسْتَحَب مِنْ تَعْجيلِ الفِطْرِ)
قال الحافظ (٣): قال ابن عبد البر: أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة، وعند عبد الرزاق وغيره بإسناد صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال: "كان أصحاب محمد ﷺ أسرع الناس إفطارًا وأبطأهم سحورًا"
٢٣٥٣ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن محمد- يعني
стр. 5136
ابْنَ عَمْرٍو-، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ الدَّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ، لأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ". [جه ١٦٩٨، حم ٢/ ٤٥٠، خزيمة ٢٠٦٠، ك ١/ ٤٣١]
٢٣٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ،
===
ابن عمرو-، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا يزال الدين ظاهرًا)، ولفظ حديث سهل بن سعد عند البخاري (١): "لا يزال الناس بخير" (ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون) أي الفطر إلى ظهور النجم، نقل في الحاشية عن "فتح الودود": تعليل لما ذكر بأن فيه مخالفة أعداء الله تعالى، ويظهر دينهم ما دام الناس يراعون مخالفة أعداء الله تعالى.
قال الحافظ (٢): قال المهلب: والحكمة في ذلك أن لا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة، واتفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عدلين، وكذا عدل واحد في الأرجح.
ثم قال: تنبيه: من البدع المنكرة ما أحدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب لمن يريد الصيام زعمًا ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلَّا آحاد الناس، وقد جَرَّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلَّا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت زعموا، فأخَّروا الفطر، وعجَّلوا السحور، وخالفوا السنَّة، فلذلك قل عنهم الخير وكثر فيهم الشر، والله المستعان.
٢٣٥٤ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية، عن الأعمش،
стр. 5137
عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِى عَطِيَّةَ قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ أَنَا وَمَسْرُوقٌ فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ، وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، قَالَتْ: أَيُّهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قُلْنَا: عَبْدُ اللَّهِ (١)، قَالَتْ: كَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ". [م ١٠٩٩، ت ٧٠٢، ن ٢١٦٠، حم ٦/ ٤٨]
===
عن عمارة بن عمير، عن أبي عطية) الوادعي الهمداني الكوفي، اسمه مالك بن عامر، وقيل: ابن أبي عامر، أو ابن عوف، وقيل: ابن حمزة، وقيل: ابن أبي حمزة، وقيل: اسمه عمرو بن جندب، وقيل: إنهما اثنان، قال ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، ووثَّقه أبو داود، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(قال: دخلت على عائشة أنا ومسروق فقلنا: يا أم المومنين، رجلان من أصحاب محمد ﷺ ، أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة) (٢)، ولعل المراد بالصلاة المغرب (والآخر يؤخر الإفطار ويوخر الصلاة، قالت) عائشة: (أيهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، قلنا: عبد الله) بن مسعود - رضي الله تعالى عنه -، والآخر أبو موسى الأشعري (قالت: كذلك) أي مثل ما صنع عبد الله بن مسعود (كان يصنع رسول الله ﷺ ).
قال القاري (٣): قال الطيبي: الأول عمل بالعزيمة والسنَّة، والثاني بالرخصة، انتهى، وهذا إنما يصح لو كان الاختلاف في الفعل فقط، أما إذا كان الخلاف قوليًا، فيحمل على أن ابن مسعود اختار المبالغة في التعجيل، وأبو موسى اختار عدم المبالغة فيه، وإلَّا فالرخصة متفق عليها عند الكل،
стр. 5138
(٢١) بَابٌ مَا يُفْطَرُ عَلَيْهِ
٢٣٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ, عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ عَمِّهَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلْيُفْطِرْ عَلَى التَّمْرِ (١)، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ فَعَلَى الْمَاءِ, فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ". [ت ٦٥٨، جه ١٦٩٩، دي ١٧٠١، حم ٤/ ١٧، خزيمة ٢٠٦٧، ق ٤/ ٨٣٨، ك ١/ ٤٣١]
===
والأحسن أن يحمل عمل ابن مسعود على السنَّة، وعمل أبي موسى على بيان الجواز، كما سبق من عمل عمر وعثمان (٢) - رضي الله تعالى عنهما-.
(٢١) (بَابٌ مَا يُفْطَرُ عَلَيْهِ)
٢٣٥٥ - (حدثنا مسدد، نا عبد الواحد بن زياد، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب) بفتح أولها وتخفيف الموحدة وآخرها موحدة، بنت صليع بمهملتين مصغرًا، الضبية البصرية، ذكرها ابن حبان في "الثقات"، (عن سلمان بن عامر) بن أوس بن حجر بن عمرو بن الحارث الضبي، له صحبة (عمها) بدل من سلمان، وهو عم الرباب أم الرائح (قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كان أحدكم صائمًا فليفطر) الأمر للندب (٣) (على التمر، فإن لم يجد التمر فعلى الماء، فإن الماء طهور).
قال الحاكم في "المستدرك" (٤): هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه.
стр. 5139
٢٣٥٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِىُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّىَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ" (١). [ت ٦٩٦، حم ٣/ ١٦٤ قط ٢/ ١٨٥، ق ٤/ ٢٣٩، ك ١/ ٤٣٢]
===
وقال القاري (٢): ولعل الحكمة فيه أن الحَلاء يسرع القوة إلى القوى، وفيه إيماء إلى حلاوة الإيمان، وإشارة إلى زوال مرارة العصيان، قال ابن الملك: الأولى أن تحال علَّته إلى الشارع، وأما ما يجري في الخاطر، وهو أن التمر حلو وقوت، والنفس قد تعبت بمرارة الجوع، فأمر الشارع بإزالة هذا التعب بشيء هو قوت وحلو، وقال ابن حجر: ومن خواص التمر أنه إذا وصل إلى المعدة إن وجدها خالية حصل به الغذاء، وإلَّا أخرج ما هناك من بقاء الطعام، وقول الأطباء: إنه يضعف البصر، محمول على كثيره المضر دون قليله فإنه يقويه.
٢٣٥٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، نا جعفر بن سليمان، أنا ثابت البناني، أنه سمع أنس بن مالك يقول: كان رسول الله ﷺ يفطر) صومه (على رطبات قبل أن يصلي) المغرب، وفيه إشارة إلى المبالغة في استحباب تعجيل الفطر، وأما ما صح أن عمر وعثمان - رضي الله تعالى عنهما- كانا برمضان يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود، ثم يفطران بعد الصلاة، فهو لبيان جواز التأخير لئلا يظن وجوب التعجيل.
(فإن لم تكن) أي الرطبات موجودة (فعلى تمرات، فإن لم تكن) أي التمرات موجودة (حسا) أي شرب (حسوات) بفتحتين (من ماء).
стр. 5140
(٢٢) بَابُ (١) الْقَوْلِ عِنْدَ الإِفْطَارِ
٢٣٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نَا عَلِىُّ بْنُ الْحَسَنِ، نَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، نَا مَرْوَانُ - يَعْنِى ابْنَ سَالِمٍ الْمُقَفَّعُ -
===
قال في "النهاية" (٢): الحسوة بالضم: الجرعة من الشراب بقدر ما يُحسى مرة واحدة، وبالفتح المرة، وقيل: تقديم التمر في الشتاء، والماء في الصيف لرواية به، وروى أبو يعلى (٣): "كان رسول الله ﷺ يحب أن يفطر على ثلاث تمرات، أو شيء لم تصبه النار".
(٢٢) (بَابُ الْقَوْلِ عِنْدَ الإفْطَارِ)
٢٣٥٧ - (حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى) الطرسوسي، أبو محمد المعروف بالضعيف, لأنه كان كثير العبادة، أو لضعف في جسده، أو لإتقانه، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: شيخ صالح ثقة، والضعيف لقب، وقال مسلمة والخليلي: ثقة.
(نا علي بن الحسن) وهو الصواب، وفي نسخة: الحسين، وهو تصحيف، (أنا الحسين بن واقد، نا مروان، يعني ابن سالم المقفع) (٤) وهو الصواب، قال في "التقريب": بقاف، ثم فاء ثقيلة، وقال في "القاموس": ومروان بن المقفع تابعي، ذكره في القفعة في فصل القاف، وما في النسخة الأحمدية القلمية، وحاشية المجتبائية: "المفقع"، بتقديم الفاء على القاف، فالظاهر أنه تصحيف من الكاتب.
стр. 5141
قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَيَقْطَعُ مَا زَادَتْ (١) عَلَى الْكَفِّ، وَقَالَ: كَانَ النبي ﷺ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: "ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ". [ق ٤/ ٢٣٩، السنن الكبرى للنسائي ١٠١٣١]
٢٣٥٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ زُهْرَةَ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ
===
(قال رأيت ابن عمر يقبض (٢) على لحيته فيقطع ما زادت) اللحية (على الكف) والغرض من ذكر هذا الفعل إثبات أنه تابعي لقي ابن عمر وحكى من فعله (وقال) ابن عمر: (كان النبي ﷺ إذا أفطر قال) بعد الإفطار: (ذهب الظمأ) بفتحتين بلا مد، العطش (وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله)، متعلق بالأخير على سبيل التبرك، ويصح التعليق لعدم وجوب الأجر عليه تعالى ردًا على المعتزلة.
٢٣٥٨ - (حدثنا مسدد، نا هشيم، عن حصين) بن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل ابن عم منصور بن المعتمر، (عن معاذ (٣) بن زهرة) (٤) الضبي، تابعي، أرسل عن النبي ﷺ في القول عند الإفطار، ولكن وقع عند أبي داود في "السنن"، وفي "المراسيل": عن معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبي ﷺ ، ذكره ابن حبان في "الثقات" (أنه بلغه أن النبي ﷺ كان إذا أفطر قال) أي دعا: (اللَّهُمَّ لك صمت
стр. 5142
وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ". [ق ٤/ ٢٣٩، سي ٤٨١]
(٢٣)(١) الْفِطْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ
٢٣٥٩ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، الْمَعْنَى، قَالَا، نَا أَبُو أُسَامَةَ، نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ قَالَتْ: "أَفْطَرْنَا يَوْمًا فِى رَمَضَانَ فِى غَيْمٍ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: قُلْتُ لِهِشَامٍ: أُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟
===
وعلى رزقك أفطرت (٢)، قال القاري (٣): قال الطيبي: قدم الجار والمجرور في القرينتين على العامل، دلالة على الاختصاص إظهارًا للاختصاص في الافتتاح، وإبداءً لشكر الصنيع المختص به في الاختتام.
(٢٣) (الفِطْر قَبْلَ غُرُوبِ الشَمْسِ)
٢٣٥٩ - (حدثنا هارون بن عبد الله، ومحمد بن العلاء، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: نا أبو أسامة، نا هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: أفطرنا يومًا في رمضان في غيم في عهد رسول الله ﷺ ، ثم طلعت) أي ظهرت (الثمس).
(قال أبو أسامة: قلت لهشام: أمروا بالقضاء؟ ) بحذف حرف الاستفهام
стр. 5143
قَالَ وَبُدٌّ (١) مِنْ ذَلِكَ؟ ". [خ ١٩٥٩، جه ١٦٧٤، حم ٦/ ٣٤٦، خزيمة ١٩٩١]
(٢٤)(٢) فِي الْوِصَالِ
٢٣٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْوِصَالِ،
===
(قال) هشام في جواب أبي أسامة: (وبد من (٣) ذلك؟ ) بتقدير حرف الاستفهام، أي: وهل بد من القضاء، يعني أن قضاء الصوم الذي أفطر نهارًا غلطًا لازم، وهو مذهب الأئمة الأربعة (٤) , لأنه إذا أفطر غلطًا في غيم، ثم بدت الشمس، يقضي يومًا مكانه، ولا تلزم الكفارة، ولكن يلزم عليه أن لا يأكل ولا يشرب بعد بُدُوَّ الشمس إلى الغروب.
(٢٤) (فِي الْوِصَالِ) (٥)
هو تتابع الصيام في يومين أو أكثر من غير إفطار بالليل
٢٣٦٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ نهى عن الوصال).
قال القاري (٦): والحكمة في النهي أنه يورث الضعف والسآمة والقصور
стр. 5144
قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ (١): "إِنِّى لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّى أُطْعَمُ وَأُسْقَى". [خ ١٩٦٢، م ١١٠٢، حم ٢/ ١١٢]
===
عن أداء غيره من الطاعات، فقيل: النهي للتحريم، وقيل: للتنزيه، قال القاضي: والظاهر الأول، انتهى. ويؤيد الثاني ما روته عائشة أنه ﷺ نهاهم عن الوصال رحمةً لهم، وقيل: هو صوم السنَّة من غير أن يفطر الأيام المنهية، ويرده ما ورد عليه من السؤال.
وقال في "البحر الرائق" (٢): ومن المكروه صوم يوم الشك على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، ومنه صوم الوصال، وقد فسره أبو يوسف ومحمد بصوم يومين لا فطر بينهما (٣).
(قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله! قال: إني لست كهيئتكم)، وفي رواية: "وأيكم مثلي؟ " (إني أطعم وأسقى)، ولفظ رواية أخرى: "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني"، قال القاضي: أراد بقوله: "وأيكم مثلي؟ " الفرق بينه وبين غيره, لأنه تعالى يفيض (٤) عليه ما يسد مسد طعامه وشرابه من حيث إنه
стр. 5145
٢٣٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ مُضَرَ حَدَّثَهُمْ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ"، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ: "إِنِّى لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنَّ لِى مُطْعِمًا يُطْعِمُنِى
===
يشغله عن الإحساس بالجوع والعطش، ويقويه على الطاعة ويحرسه عن الخلل المفضي إلى ضعف القوى وكلال الأعضاء.
قال الطيبي (١): هذا أحد قولي الخطابي، والقول الآخر ذكر في "شرح السنَّة"، وهو أن يحمل على الظاهر بأن يرزقه الله تعالى طعامًا وشرابًا ليالي صيامه، فيكون ذلك كرامة له، والقول الأول أرجح، لأن الاستفهام في قوله: "أيكم مثلي؟ " يفيد التوبيخ المُؤْذن بالبُعد البعيد، وكذلك لفظة "مثلي"، لأن معناه من هو على صفتي ومنزلتي وقربي من الله تعالى، ومن ثمة أتبعه بقوله: "أبيت"، انتهى، وهو ظاهر.
وحاصله: أن الحمل على أن يأتيه طعام وشراب من عنده تعالى كرامة له ﵊، يدفعه قوله: "وأيكم مثلي؟ "، كما أنه يضعفه أيضًا قولهم: "إنك تواصل"، فإن الوصال مع تناول الطعام والشراب من المحال.
٢٣٦١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، أن بكر بن مضر حدثهم) أي قتيبة وغيره، (عن ابن الهاد) يزيد بن عبد الله، (عن عبد الله بن خباب) الأنصاري النجاري مولاهم، قال أبو حاتم والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات" (عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر، قالوا: فإنك تواصل! قال: إني لست كهيئتهم، إن لي مُطْعِمًا يطعمني)، ولفظ البخاري:
стр. 5146
وَسَاقِيًا يَسْقِينِي". [خ ١٩٦٣، حم ٣/ ٨، دي ١٧٠٥، خزيمة ٢٠٧٣]
===
"إني أبيت، لي مُطعِم يطعمني" (وساقيًا يسقيني) (١) بإثبات الياء، ولفظ البخاري: "وساقٍ" بحذفها.
قال الحافظ (٢): وقع عند ابن خزيمة في حديث أبي صالح، عن أبي هريرة من طريق عبيدة بن حميد، عن الأعمش عنه تقييد وصال النبي ﷺ بأنه إلى السحر، ولفظه: "كان ﷺ يواصل إلى السحر، ففعل بعض أصحابه ذلك فنهاه، فقال: يا رسول الله إنك تفعل ذلك! " الحديث.
وظاهره يعارض حديث أبي سعيد هذا، فإن مقتضى حديث أبي صالح النهي عن الوصال إلى السحر، وصريح حديث أبي سعيد الإذن بالوصال إلى السحر، والمحفوظ في حديث أبي صالح إطلاق النهي عن الوصال بغير تقييد بالسحر، ولذلك اتفق عليه جميع الرواة عن أبي هريرة، فروأية عبيدة بن حميد هذه شاذة، وقد خالفه أبو معاوية وهو أضبط أصحاب الأعمش فلم يذكر ذلك، أخرجه أحمد وغيره عن أبي معاوية، وتابعه عبد الله بن نمير عن الأعمش، كما تقدم.
وعلى تقدير أن تكون رواية عبيدة بن حميد محفوظة، فقد أشار ابن خزيمة إلى الجمع بينهما، بأنه يحتمل أن يكون نهى ﷺ عن الوصال أولًا مطلقًا سواء جميع الليل أو بعضه، وعلى هذا يحمل حديث أبي صالح، ثم خص النهي بجميع الليل، فأباح الوصال إلى السحر، وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد، أو يحمل النهي في حديث أبي صالح على كراهة التنزيه، والنهي في حديث أبي سعيد على ما فوق السحر على كراهة التحريم.
стр. 5147
(٢٥)(١) الْغِيبَةِ لِلصَّائِمِ
٢٣٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ, فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ"
===
(٢٥) (الْغِيبَةُ (٢) لِلصَّائِمِ)
٢٣٦٢ - (حدثنا أحمد بن يونس، ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من لم (٣) يدع قول الزور) (٤) أي الباطل، وهو ما فيه إثم، والإضافة بيانية، وقال الطيبي: الزور الكذب والبهتان، أي: من لم يترك القول الباطل من قول الكفر، وشهادة الزور، والافتراء، والغيبة، والبهتان، والقذف، والسب، والشتم، واللعن، وأمثالها مما يجب على الإنسان اجتنابها ويحرم عليه ارتكابها.
(والعمل به) أي بالزور، يعني الفواحش من الأعمال, لأنها في الإثم كالزور (فليس لله حاجة) أي: التفات، ومبالاة، وهو مجاز عن عدم القبول بنفي السبب، وإرادة نفي المسبب في (أن يدع) أي يترك (طعامه وشرابه)
стр. 5148
قَالَ أَحْمَدُ: فَهِمْتُ إِسْنَادَهُ مِنَ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ، وَأَفْهَمَنِى الْحَدِيثَ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ أُرَاهُ ابْنَ أَخِيهِ. [خ ١٩٠٣، ت ٧٠٧، حم ٢/ ٤٥٢، خزيمة ١٩٩٥، جه ١٦٨٩، ق ٤/ ٢٧٠]
٢٣٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ،
===
فإنهما مباحان في الجملة، فإذا تركهما وارتكب أمرًا حرامًا من أصله، استحق المقت، وعدم قبول طاعته في الوقت، فإن المطلوب منه ترك المعاصي مطلقًا.
قال الحافظ (١): قال ابن بطال: ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه، وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه، وهو مثل قوله: "من باع الخمر فليشقص الخنازير"، أي: يذبحها، ولم يأمره بذبحها، ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر، وأما قوله: "فليس لله حاجة"، فلا مفهوم له، فإن الله لا يحتاج إلى شيء، وإنما معناه: فليس لله إرادة في صيامه، فوضع الحاجة موضع الإرادة.
(قال أحمد) شيخ المصنف: (فهمت (٢) إسناده) أي الحديث (من) شيخي (ابن أبي ذئب) ولم أفهم متن الحديث عنه، (وأفهمني الحديث رجل إلى جنبه) أي ابن أبي ذئب (أراه ابن أخيه) أي ابن أخي ابن أبي ذئب، قلت: لم أقف على تسمية (٣) ابن أخي ابن أبي ذئب ولا على حاله.
٢٣٦٣ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد،
стр. 5149
عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ (١) ﷺ قَالَ (٢): "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّى صَائِمٌ إِنِّى صَائِمٌ". [خ ١٨٩٤، م ١١٥١، ن ٢٢١٧]
===
عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث) أي لا يفحش في الكلام (٣) (ولا يجهل) أي لا يعمل فعل المجهل كالصخب والسخرية، أو لا يسفه، قال القرطبي: لا يفهم من هذا أن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم.
(فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم)، قال الحافظ (٤): واتفقت الروايات كلها على أنه يقول: "إني صائم"، فمنهم من ذكرها مرتين، ومنهم من اقتصر على واحدة، وقد استشكل ظاهره بأن المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين، والصائم لا تصدر منه الأفعال التي رتب عليها الجواب خصوصًا المقاتلة، والجواب عن ذلك أن المراد بالمفاعلة التهيُّؤ لها، أي إن تهيأ أحد لمقاتلته أو مشاتمته، فليقل: إني صائم، فإنه إذا قال ذلك أمكن أن يكف عنه، فإن أصَرَّ دفعه بالأخف فالأخف كالصائل.
واختلف في المراد بقوله: "إني صائم"، هل يخاطب بها الذي يكلمه بذلك، أو يقولها في نفسه؟ وبالثاني جزم المتولي، ونقله الرافعي عن الأئمة، ورجح النووي الأول في "الأذكار"، وقال في "شرح المهذب": كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسنًا، وقال الروياني: إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره فليقل في نفسه، وادَّعى ابن العربي
стр. 5150
(٢٦) بابُ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ
٢٣٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ،
===
أن موضع الخلاف في التطوع، وأما في الفرض فيقوله بلسانه قطعًا (١)، وأما تكرير قوله: "إني صائم" فليتأكد الانزجار منه، أو ممن يخاطبه بذلك.
(٢٦) (بَابُ السِّوَاكِ) أي: استعماله (لِلصَّائِمِ)
٢٣٦٤ - (حدثنا محمد بن الصباح، نا شريك، ح ونا مسدد، نا يحيى)، كلاهما رويا (عن سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة) العنزي، أبو محمد المدني، حليف بني عدي، ولد في عهد النبي ﷺ ، وكان له أخ أكبر منه اسمه أيضًا عبد الله استشهد يوم الطائف، وأمهما أم عبد الله ليلى بنت أبي حَثْمة، قال ابن منده: أدرك النبي ﷺ ، ومات وهو ابن خمس، وقيل: أربع سنين، وقال ابن معين: لم يسمع من النبي ﷺ .
قال الترمذي في "الصحابة": رأى النبي ﷺ ، وروى عنه حرفًا، وإنما روايته عن أصحاب محمد ﷺ ، وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: ما أرى هذا الحديث محفوظًا، يعني الحديث الذي رواه أن النبي ﷺ دخل بيتهم، فقالت له أمه: يا عبد الله تعالَ أعطك، الحديث، كذا قال، ويحتمل أن يكون أمه أخبرته بذلك، فأرسله هو.