وَسَاقِيًا يَسْقِينِي". [خ ١٩٦٣، حم ٣/ ٨، دي ١٧٠٥، خزيمة ٢٠٧٣]
===
"إني أبيت، لي مُطعِم يطعمني" (وساقيًا يسقيني) (١) بإثبات الياء، ولفظ البخاري: "وساقٍ" بحذفها.
قال الحافظ (٢): وقع عند ابن خزيمة في حديث أبي صالح، عن أبي هريرة من طريق عبيدة بن حميد، عن الأعمش عنه تقييد وصال النبي ﷺ بأنه إلى السحر، ولفظه: "كان ﷺ يواصل إلى السحر، ففعل بعض أصحابه ذلك فنهاه، فقال: يا رسول الله إنك تفعل ذلك! " الحديث.
وظاهره يعارض حديث أبي سعيد هذا، فإن مقتضى حديث أبي صالح النهي عن الوصال إلى السحر، وصريح حديث أبي سعيد الإذن بالوصال إلى السحر، والمحفوظ في حديث أبي صالح إطلاق النهي عن الوصال بغير تقييد بالسحر، ولذلك اتفق عليه جميع الرواة عن أبي هريرة، فروأية عبيدة بن حميد هذه شاذة، وقد خالفه أبو معاوية وهو أضبط أصحاب الأعمش فلم يذكر ذلك، أخرجه أحمد وغيره عن أبي معاوية، وتابعه عبد الله بن نمير عن الأعمش، كما تقدم.
وعلى تقدير أن تكون رواية عبيدة بن حميد محفوظة، فقد أشار ابن خزيمة إلى الجمع بينهما، بأنه يحتمل أن يكون نهى ﷺ عن الوصال أولًا مطلقًا سواء جميع الليل أو بعضه، وعلى هذا يحمل حديث أبي صالح، ثم خص النهي بجميع الليل، فأباح الوصال إلى السحر، وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد، أو يحمل النهي في حديث أبي صالح على كراهة التنزيه، والنهي في حديث أبي سعيد على ما فوق السحر على كراهة التحريم.
стр. 5147
(٢٥)(١) الْغِيبَةِ لِلصَّائِمِ
٢٣٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ, فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ"
===
(٢٥) (الْغِيبَةُ (٢) لِلصَّائِمِ)
٢٣٦٢ - (حدثنا أحمد بن يونس، ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من لم (٣) يدع قول الزور) (٤) أي الباطل، وهو ما فيه إثم، والإضافة بيانية، وقال الطيبي: الزور الكذب والبهتان، أي: من لم يترك القول الباطل من قول الكفر، وشهادة الزور، والافتراء، والغيبة، والبهتان، والقذف، والسب، والشتم، واللعن، وأمثالها مما يجب على الإنسان اجتنابها ويحرم عليه ارتكابها.
(والعمل به) أي بالزور، يعني الفواحش من الأعمال, لأنها في الإثم كالزور (فليس لله حاجة) أي: التفات، ومبالاة، وهو مجاز عن عدم القبول بنفي السبب، وإرادة نفي المسبب في (أن يدع) أي يترك (طعامه وشرابه)
стр. 5148
قَالَ أَحْمَدُ: فَهِمْتُ إِسْنَادَهُ مِنَ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ، وَأَفْهَمَنِى الْحَدِيثَ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ أُرَاهُ ابْنَ أَخِيهِ. [خ ١٩٠٣، ت ٧٠٧، حم ٢/ ٤٥٢، خزيمة ١٩٩٥، جه ١٦٨٩، ق ٤/ ٢٧٠]
٢٣٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ،
===
فإنهما مباحان في الجملة، فإذا تركهما وارتكب أمرًا حرامًا من أصله، استحق المقت، وعدم قبول طاعته في الوقت، فإن المطلوب منه ترك المعاصي مطلقًا.
قال الحافظ (١): قال ابن بطال: ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه، وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه، وهو مثل قوله: "من باع الخمر فليشقص الخنازير"، أي: يذبحها، ولم يأمره بذبحها، ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر، وأما قوله: "فليس لله حاجة"، فلا مفهوم له، فإن الله لا يحتاج إلى شيء، وإنما معناه: فليس لله إرادة في صيامه، فوضع الحاجة موضع الإرادة.
(قال أحمد) شيخ المصنف: (فهمت (٢) إسناده) أي الحديث (من) شيخي (ابن أبي ذئب) ولم أفهم متن الحديث عنه، (وأفهمني الحديث رجل إلى جنبه) أي ابن أبي ذئب (أراه ابن أخيه) أي ابن أخي ابن أبي ذئب، قلت: لم أقف على تسمية (٣) ابن أخي ابن أبي ذئب ولا على حاله.
٢٣٦٣ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد،
стр. 5149
عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ (١) ﷺ قَالَ (٢): "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّى صَائِمٌ إِنِّى صَائِمٌ". [خ ١٨٩٤، م ١١٥١، ن ٢٢١٧]
===
عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث) أي لا يفحش في الكلام (٣) (ولا يجهل) أي لا يعمل فعل المجهل كالصخب والسخرية، أو لا يسفه، قال القرطبي: لا يفهم من هذا أن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم.
(فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم)، قال الحافظ (٤): واتفقت الروايات كلها على أنه يقول: "إني صائم"، فمنهم من ذكرها مرتين، ومنهم من اقتصر على واحدة، وقد استشكل ظاهره بأن المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين، والصائم لا تصدر منه الأفعال التي رتب عليها الجواب خصوصًا المقاتلة، والجواب عن ذلك أن المراد بالمفاعلة التهيُّؤ لها، أي إن تهيأ أحد لمقاتلته أو مشاتمته، فليقل: إني صائم، فإنه إذا قال ذلك أمكن أن يكف عنه، فإن أصَرَّ دفعه بالأخف فالأخف كالصائل.
واختلف في المراد بقوله: "إني صائم"، هل يخاطب بها الذي يكلمه بذلك، أو يقولها في نفسه؟ وبالثاني جزم المتولي، ونقله الرافعي عن الأئمة، ورجح النووي الأول في "الأذكار"، وقال في "شرح المهذب": كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسنًا، وقال الروياني: إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره فليقل في نفسه، وادَّعى ابن العربي
стр. 5150
(٢٦) بابُ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ
٢٣٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ،
===
أن موضع الخلاف في التطوع، وأما في الفرض فيقوله بلسانه قطعًا (١)، وأما تكرير قوله: "إني صائم" فليتأكد الانزجار منه، أو ممن يخاطبه بذلك.
(٢٦) (بَابُ السِّوَاكِ) أي: استعماله (لِلصَّائِمِ)
٢٣٦٤ - (حدثنا محمد بن الصباح، نا شريك، ح ونا مسدد، نا يحيى)، كلاهما رويا (عن سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة) العنزي، أبو محمد المدني، حليف بني عدي، ولد في عهد النبي ﷺ ، وكان له أخ أكبر منه اسمه أيضًا عبد الله استشهد يوم الطائف، وأمهما أم عبد الله ليلى بنت أبي حَثْمة، قال ابن منده: أدرك النبي ﷺ ، ومات وهو ابن خمس، وقيل: أربع سنين، وقال ابن معين: لم يسمع من النبي ﷺ .
قال الترمذي في "الصحابة": رأى النبي ﷺ ، وروى عنه حرفًا، وإنما روايته عن أصحاب محمد ﷺ ، وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: ما أرى هذا الحديث محفوظًا، يعني الحديث الذي رواه أن النبي ﷺ دخل بيتهم، فقالت له أمه: يا عبد الله تعالَ أعطك، الحديث، كذا قال، ويحتمل أن يكون أمه أخبرته بذلك، فأرسله هو.
стр. 5151
عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ".
زَادَ مُسَدَّدٌ (١): "مَا لَا أَعُدُّ وَلَا أُحْصِي". [ت ٧٢٥، حم ٣/ ٤٤٥، خزيمة ٢٠٠٧، ق ٤/ ٢٧٢]
===
قال الواقدي: وكان عبد الله ثقة قليل الحديث؛ وقال أبو زرعة: مدني أدرك النبي ﷺ ، وهو ثقة، وقال العجلي: مدني، تابعي، ثقة، من كبار التابعين، وقال أبو حاتم: رأى النبي ﷺ لما دخل على أمه وهو صغير، وقال ابن حبان في "الصحابة": أتاهم النبي ﷺ في بيتهم وهو غلام.
(عن أبيه) عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك العنزي، بسكون النون، حليف بني عدي، ثم آل الخطاب، صحابي مشهور، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، ومعه امرأته ليلى بنت أبي حَثْمة، ثم هاجر إلى المدينة أيضًا، وشهد بدرًا وما بعدها، قال ابن سعد: كان الخطاب والد عمر - رضي الله تعالى عنه - قد تبنى عامرًا، فكان يقال له: عامر بن الخطاب، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٢).
(قال: رأيت رسول الله ﷺ يستاك وهو صائم، زاد مسدد) بعد قوله: رأيت رسول الله ﷺ : (ما لا أعد ولا أحصي) أي هذا اللفظ.
وقد أخرجه الترمذي (٣) ثم قال: قال أبو عيسى: حديث عامر بن ربيعة حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بالسواك للصائم بأسًا، إلا أن بعض أهل العلم كرهوا السواك للصائم بالعود الرطب، وكرهوا له السواك آخر النهار، ولم ير الشافعي (٤) بالسواك بأسًا أول النهار وآخره، وكره أحمد وإسحاق السواك آخر النهار.
стр. 5152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال الشوكاني (١): وقال الحافظ (٢) أيضًا: إسناده حسن، والحديث يدل على استحباب السواك للصائم من غير تقييد بوقت دون وقت، وهو يرد على الشافعي قوله بالكراهة بعد الزوال للصائم مستدلًا بحديث الخلوف، وقد نقل الترمذي أن الشافعي قال: لا بأس بالسواك للصائم أول النهار وآخره، واختاره جماعة من أصحابه، منهم أبو شامة، وابن عبد السلام، والنووي، والمزني.
قال الحافظ في "التلخيص" (٣): استدلال أصحابنا بحديث: "خلوف فم الصائم" على كراهة الاستياك بعد الزوال لمن يكون صائمًا، فيه نظر.
قال الشوكاني: فالحق أنه يستحب السواك للصائم أول النهار وآخره، وهو مذهب جمهور الأئمة، انتهى.
وقال في "البدائع" (٤): ولا بأس للصائم أن يستاك سواء كان السواك يابسًا أو رطبًا (٥)، مبلولًا أو غير مبلول، وقال أبو يوسف: إذا كان مبلولًا يكره.
وقال الشافعي: يكره السواك آخر النهار كيف ما كان، واحتج بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لخلوف (٦) فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (٧)، والاستياك يزيل الخلوف فيكره.
стр. 5153
(٢٧) بَابُ الصَّائِمِ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاء مِنَ الْعَطَشِ وَيُبَالِغُ في الاسْتِنْشَاقِ
٢٣٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ النَّاسَ فِى سَفَرِهِ عَامَ الْفَتْحِ بِالْفِطْرِ وَقَالَ: "تَقَوَّوْا لِعَدُوِّكُمْ" وَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
===
وجه قول أبي يوسف: أن الاستياك بالمبلول من السواك إدخال الماء في الفم من غير حاجة.
ولنا ما روي أن النبي ﷺ قال: "خير خلال الصائم السواك" (١)، والحديث حجة على أبي يوسف والشافعي، لأنه وصف الاستياك بالخيرية مطلقًا من غير فصل بين المبلول وغير المبلول، وبين أن يكون في أول النهار وآخره، لأن المقصود منه تطهير الفم فيستوي فيه المبلول وغيره، وأول النهار وآخره كالمضمضة، وأما الحديث فالمراد منه تفخيم شأن الصائم والترغيب في الصوم والتنبيه على كونه محبوبًا لله تعالى ومرضيه، ونحن به نقول، أو يحمل على أنهم كانوا يتحرجون عن الكلام مع الصائم لتغير فمه بالصوم، فمنعهم عن ذلك ودعاهم إلى الكلام.
(٢٧) (بَابُ الصَّائِمِ يَصُبُّ عَلَيْهِ المَاءَ مِنَ العَطَشِ ويُبَالِغُ في الاسْتِنْشَاقِ)
٢٣٦٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي ﷺ ) وإبهام الصحابي لا يضر لأنهم كلهم عدول (قال: رأيت النبي ﷺ أمر الناس في سفره) إلى مكة (عام الفتح بالفطر، وقال: تقووا لعدوكم) بمنزلة التعليل للأمر، كأنه قيل لأجل أن تقووا لملاقاة عدوكم (وصام رسول الله ﷺ ) لأنه لا يخاف
стр. 5154
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ الَّذِى حَدَّثَنِى: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْعَرْجِ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ. [ط ١/ ٢٩٤/ ٢٢، ق ٤/ ٢٤٢]
===
عليه الضعف من الصوم، بل يزيده الصوم قوة ونشاطًا، أو لأن الصوم في السفر أفضل لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١).
(قال أبو بكر: قال الذي حدثني) أي الصحابي الذي حدثني هذا الحديث: (لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعرج) بفتح العين وسكون الراء المهملتين، وبالجيم، قرية جامعة على نحو ثلاث مراحل من المدينة (يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر)، لفظ: "أو" للشك من الراوي، أي قال هذا اللفظ أو ذاك، ويحتمل التنويع.
قال في "البدائع" (٢): وأما الاستنشاق والاغتسال وصبُّ الماء على الرأس والتلفف بالثوب المبلول، فقد قال أبو حنيفة (٣): إنه يكره.
وقال أبو يوسف: لا يكره، واحتج بما روي أن رسول الله ﷺ صب (٤) على رأسه ماءً من شدة الحر وهو صائم.
وعن ابن عمر ﵁، أنه كان يبل الثوب ويتلفف به وهو صائم، ولأنه ليس فيه إلَّا دفع أذى الحر، فلا يكره كما لو استظل.
ولأبي حنيفة أن فيه إظهار الضجر من العبادة والامتناع عن تحمل مشقتها، وفعل رسول الله ﷺ محمول على حال مخصوصة، وهي حال خوف
стр. 5155
٢٣٦٦ - نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نِا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ، عَنْ أَبِيهِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "بَالِغْ في الاِسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا". [ت ٧٨٨، ن ٨٧، ق ٤/ ٢٦١]
===
الإفطار من شدة الحر، وكذا فعل ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - محمول على مثل هذه الحالة، ولا غلام في هذه الحالة.
قلت: وقول أبي يوسف هو المفتى به، قال في "الدر المختار" (١): وكذا لا تكره حجامة، وتلفف بثوب مبتل، ومضمضة أو استنشاق أو اغتسال للتبرد عند الثاني، وبه يفتى. "شرنبلالية" عن "البرهان".
٢٣٦٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه لقيط بن صبرة قال: قال رسول الله ﷺ : بالغ في الاستنشاق (٢) إلَّا أن تكون صائمًا)، وقد تقدم هذا الحديث مطولًا في باب الاستنثار، فالحديث الأول يناسب الجزء الأول من الترجمة، وهو جواز صب الماء عليه، والحديث الثاني يناسب الجزء الثاني، وهو عدم جواز المبالغة في الاستنشاق.
قال الترمذي (٣) بعد تخريج حديث لقيط بن صبرة: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد كره أهل العلم السعوط للصائم، ورأوا أن ذلك يفطره، وفي الحديث (٤) ما يقوي قولهم، انتهى.
стр. 5156
(٢٨)(١) في الصَّائِمِ يَحْتَجِم
٢٣٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ. (ح): وَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، نَا شَيْبَانُ, جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى, عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى أَسْمَاءَ - يَعْنِى الرَّحَبِىَّ - عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ".
قَالَ شَيْبَانُ (٢): قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو قِلَابَةَ, أَنَّ أَبَا أَسْمَاءَ
===
قلت: وكذلك قول الحنفية: إن الصائم إذا استعطَّ فوصل إلى دماغه أفطر، فلأجل ذلك نهى النبي ﷺ عن المبالغة في الاستنشاق.
وقال الشوكاني في "النيل" (٣): وإنما كره المبالغة للصائم خشية أن ينزل إلى حلقه ما يفطره، انتهى. وهذا يوهم أن الوصول إلى الدماغ غير مفطر ما لم ينزل إلى الحلق.
(٢٨) (في الصائِمِ يَحْتَجِمُ)
٢٣٦٧ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن هشام، ح: ونا أحمد بن حنبل، نا حسن بن موسى) الأشيب بمعجمة، ثم تحتانية، أبو علي البغدادي، قاضي طبرستان والموصل وحمص، ثقة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره مسلم في رجال شعبة الثقات في الطبقة الثالثة.
(نا شيبان جميعًا) أي هشام وشيبان (عن يحيى)، بن أبي كثير، (عن أبي قلابة، عن أبي أسماء - يعني الرحبي-، عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: أفطر الحاجم والمحجوم، قال شيبان: قال) يحيى: (أخبرني أبو قلابة، أن أبا أسماء
стр. 5157
الرَّحَبِىَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ . [جه ١٦٨٠، حم ٥/ ٢٧٧، دي ١٧٣١، خزيمة ١٩٦٢]
===
الرحبي حدَّثه، أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أخبره، أنه سمع النبي ﷺ )، وغرض المصنف من إعادة سند شيبان وتكريره أن سند هشام معنعن، وأما سند شيبان فهو بلفظ الإخبار والتحديث.
وقد اختلف السلف في الحجامة للصائم، فالجمهور على عدم الفطر بها مطلقًا، وعن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور: يفطر الحاجم والمحجوم، وأوجبوا عليهما القضاء، وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضًا، وقال بقول أحمد من الشافعية ابن خزيمة، وابن المنذر، وأبو الوليد النيسابوري، وابن حبان، ونقل الترمذي عن الزعفراني أن الشافعي علق القول على صحة الحديث، وبذلك قال الداودي من المالكية (١).
وفي "بداية المجتهد" (٢): أن الحجامة فيها ثلاث مذاهب (٣)، قوم قالوا: إنها تفطر، وإن الإمساك عنها واجب، وبه قال أحمد، وداود، والأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وقوم قالوا: إنها مكروهة للصائم وليست تفطر، وبه قال مالك والشافعي والثوري، وقوم قالوا: إنها غير مكروهة ولا مفطرة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
وسبب اختلافهم تعارض الآثار الواردة في ذلك، وذلك أنه ورد في ذلك حديثان: أحدهما ما روي من طريق ثوبان، ومن طريق رافع بن خديج أنه ﵊ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم"،
стр. 5158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وحديث ثوبان هذا كان يصححه أحمد، والحديث الثاني حديث عكرمة عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم"، وحديث ابن عباس هذا صحيح.
فذهب العلماء بهذين الحديثين ثلاثة مذاهب، أحدها: (١) مذهب الترجيح، والثاني: مذهب الجمع، والثالث: مذهب الإسقاط عند التعارض والرجوع إلى البراءة الأصلية إذا لم يعلم الناسخ من المنسوخ.
فمن ذهب مذهب الترجيح قال بحديث ثوبان، وذلك أن هذا موجب حكمًا، وحديث ابن عباس رافعه، والموجب مرجح عند كثير من العلماء على الرافع؛ لأن الحكم إذا ثبت بطريق يوجب العمل لم يرتفع إلَّا بطريق يوجب العمل برفعه، وحديث ثوبان قد وجب العمل به، وحديث ابن عباس يحتمل أن يكون ناسخًا، ويحتمل أن يكون منسوخًا، وذلك شك، والشك لا يوجب عملًا، ولا يرفع العلم الموجب للعمل، وهذا على طريقة من لا يرى الشك مؤثرًا في العلم.
ومن رام الجمع بينهما حمل حديث النهي على الكراهية، وحديث الاحتجام على رفع الخطر.
ومن أسقطهما للتعارض قال: بإباحة الاحتجام للصائم، انتهى.
قلت: والذين رجَّحوا حديث ابن عباس وعملوا به أوَّلوا حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم"، بأن المراد به أنهما سيفطران كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (٢) أي ما يؤول إليه، وكذا قال البغوي في "شرح السنَّة": معنى قوله: "أفطر الحاجم والمحجوم" أي: تعرَّضا للإفطار، أما الحاجم فلأنه لا يأمن وصول شيء من الدم إلى جوفه من المص، وأما المحجوم فإنه لا يأمن
стр. 5159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ضعف قوته فيؤول أمره إلى أن يفطر، وقيل: معنى أفطر، فعلَا مكروهًا وهو الحجامة، فصارا كأنهما غير متلبسَيْن بالعبادة.
وقيل: إنه ﷺ إنما قال: "أفطر الحاجم والمحجوم", لأنهما كان يغتابان، وقال ابن حزم: صح حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد: "أرخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم"، وإسناده صحيح، فوجب الأخذ به, لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجمًا أو محجومًا، والحديث المذكور أخرجه النسائي وابن خزيمة والدارقطني، ورجاله ثقات، ولكن اختلف في رفعه ووقفه، وله شاهد من حديث أنس أخرجه الدارقطني، ولفظه: "أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمر به رسول الله ﷺ فقال: أفطر هذان، ثم رخص النبي ﷺ بعد في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم"، ورجاله كلهم من رجال البخاري، إلَّا أن في المتن ما ينكر، لأن فيه أن ذلك كان في الفتح، وجعفر كان قتل قبل ذلك.
وقيل: إنما نهى عن الحجامة لأجل الضعف، فروى عبد الرزاق وأبو داود من طريق عبد الرحمن بن عابس، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: "نهى النبي ﷺ عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة، ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه"، قوله: "إبقاء على أصحابه" يتعلق بقوله: "نهى"، وقد رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري بإسناده هذا، ولفظه: "عن أصحاب محمد ﷺ قالوا: إنما نهى النبي ﷺ عن الحجامة للصائم وكرهها للضعف"، أي: لئلا يضعف (١).
стр. 5160
٢٣٦٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، نَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِى أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِىُّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ بَيْنَمَا هُوَ يَمْشِى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ (١)، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. [جه ١٩٨١، حم ٥/ ٢٨٣، ق ٤/ ٢٦٥]
٢٣٦٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، نَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى الأَشْعَثِ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى عَلَى
===
٢٣٦٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا حسن بن موسى، نا شيبان، عن يحيى، حدثني أبو قلابة الجرمي، أنه) أي أبا قلابة (أخبره) أي يحيى (إن شداد بن أوس بينما هو يمشي مع النبي ﷺ ، فذكر نحوه).
قال الحافظ (٢): ونقل الترمذي عن البخاري أنه قال: ليس في هذا الباب أصح من حديث شداد وثوبان، قلت: فكيف بما فيهما من الاختلاف؟ يعني عن أبي قلابة، قال: كلاهما عندي صحيح، لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان، وعن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد، روى الحديثين جميعًا، يعني فانتفى الاضطراب، وتعين الجمع بذلك، وقال المروزي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين قال: ليس فيه شيء يثبت، فقال: هذا مجازفة.
قلت: ولم يذكر فيه بين أبي قلابة وبين شداد بن أوس أبا الأشعث، وهكذا رواه ابن ماجه، فلم يذكر أبا الأشعث، فالظاهر أن فيه انقطاعًا.
٢٣٦٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، نا أيوب، عن أبو قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس: أن رسول الله ﷺ أتى على
стр. 5161
رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ، وَهُوَ يَحْتَجِمُ، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِى، لِثَمَانَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ" (١). [حم ٤/ ١٢٣، السنن الكبرى للنسائي ٣١٣٨، ق ٤/ ٢٦٥]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَى (٢) خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ بِإِسْنَادِ أَيُّوبَ مِثْلَهُ.
===
رجل (٣) بالبقيع) ولم أقف على تسميته، وقد أخرج الإِمام أحمد (٤) هذا الحديث من طريق داود بن أبي هند، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس قال: مرَّ رسول الله ﷺ عليَّ وأنا أحتجم في ثمان عشرة خلون من رمضان، فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
(وهو) أي الرجل (يحتجم، وهو) أي رسول الله ﷺ (آخذ بيدي، لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم).
(قال أبو داود: روى خالد الحذاء) أي هذا الحديث (عن أبي قلابة بإسناد أيوب مثله) أي كما روى أيوب عن أبي قلابة، كذلك رواه خالد الحذاء عن أبي قلابة موافقًا لإسناد أيوب ومثل حديثه، وقد أخرج الإِمام أحمد (٥) حديث خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث مثل حديث أيوب، وكأن أبا داود أشار إلى ما وقع من الاختلاف فيه في السند والمتن.
فأما في السند فقد روى عاصم الأحول، عن عبد الله بن زيد أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس.
وكذلك روى معمر من حديث أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث،
стр. 5162
٢٣٧٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ. (ح): وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، نَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ إِبْرَاهِيمَ -, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, أَخْبَرَنِى مَكْحُولٌ، أَنَّ شَيْخًا مِنَ الْحَيِّ - قَالَ عُثْمَانُ فِى حَدِيثِهِ: مُصَدَّقٌ-
===
عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس، وروى قتادة عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن شداد بن أوس، وروى سعيد بن أبي عروبة، عن عاصم الأحول، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس، وروى إسماعيل، ثنا أيوب، عن أبي قلابة، عمن حدثه، عن شداد بن أوس.
وأما الاختلاف في المتن ففي أكثر الروايات أن شدَّاد بن أوس كان مع رسول الله ﷺ يمشي معه، فمر على رجل يحتجم، وأما في حديث داود بن أبي هند ففيه: قال: "مر رسولى الله ﷺ عليَّ (١) وأنا أحتجم"، وهذه الروايات المختلفة كلها أخرجها الإِمام أحمد في "مسنده" (٢)، فهذه الاختلافات كلها تدل على الاضطراب في الحديث، فما حكى الترمذي عن البخاري في رفع الاضطراب لعله لا يوجَّه بالنظر إلى هذه الاختلافات، والله تعالى أعلم.
٢٣٧٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن بكر وعبد الرزاق، ح: ونا عثمان بن أبي شيبة، نا إسماعيل، يعني ابن إبراهيم) كلهم، أي: محمد بن بكر وعبد الرزاق وإسماعيل رووا (عن ابن جريج) قال: (أخبرني مكحول، أن شيخًا من الحي، قال عثمان في حديثه: مصدق) بالرفع، أي: وهو مصدق، وفي نسخة بالنصب صفة لشيخ.
стр. 5163
أَخْبَرَهُ أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى النَّبِىَّ ﷺ أَخْبَرَهُ، أَنَّ نَّبِىَّ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ". [حم ٥/ ٢٨٢، السنن الكبرى للنسائي ٣١٣٤]
٢٣٧١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا مَرْوَانُ، نَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِى أَسْمَاءَ الرَّحَبيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ". [السنن الكبري للنسائي ٣١٣٥]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابْنُ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَكْحُولٍ
===
قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١): مكحول عن شيخ من الحي مصدق عن ثوبان: "أفطر الحاجم والمحجوم"، روى مكحول عن أبي أسماء الرحبي يعني عن ثوبان.
(أخبره أن ثوبان مولى النبي ﷺ أخبره، أن نبي الله ﷺ قال: أفطر الحاجم والمحجوم).
٢٣٧١ - (حدثنا محمود بن خالد، نا مروان، نا الهيثم بن حميد، نا العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: أفطر الحاجم والمحجوم)، أورد المصنف حديث العلاء بن الحارث بعد حديث ابن جريج ليدل على أن المبهم من شيخ مكحول هو أبو أسماء الرحبي.
(قال أبو داود: رواه ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول) ولم أجد رواية ابن ثوبان فيما عندي من كتب الحديث (٢)، وقال في "تهذيب التهذيب" (٣)
стр. 5164
مِثْلَهُ بِإِسْنَادِهِ (١).
(٢٩)(٢) في الرُّخْصَةِ
٢٣٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ،
===
و"التقريب" (٣): ابن ثوبان هو محمد بن عبد الرحمن المدني، وعبد الرحمن بن ثابت الشامي، والمراد ها هنا هو عبد الرحمن بن ثابت الشامي، يروي عن أبيه "عبد الرحمن" (٤)، وأبوه ثابت بن ثوبان يروي عن مكحول، وليس المراد محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشي العامري، فإنه ليس له رواية عن أبيه، ولا أبوه يروي عن مكحول، بل لم أجد ترجمته فيما عندي من كتب رواة الحديث وأسماء الرجال، وقد غلط صاحب "العون" (٥) فقال: هو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبيه عبد الرحمن بن ثوبان.
(مثله) أي مثل الحديث المتقدم (بإسناده) أي بإسناد الحديث المتقدم، أو بإسناد مكحول.
(٢٩) (في الرُّخْصَةِ)
في الاحتجام للصائم
٢٣٧٢ - (حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو، نا عبد الوارث،
стр. 5165
عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ". [خ ١٩٣٩، ت ٧٧٥، حم ١/ ٢٣٦، ق ٤/ ٢٦٣]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عن أَيُّوبَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
===
عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم).
قال الحافظ (١): قال ابن عبد البر وغيره: فيه دليل على أن حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" منسوخ، لأنه جاء في بعض طرقه أن ذلك كان في حجة الوداع، وسبق إلى ذلك الشافعي.
واعترض ابن خزيمة بأن في هذا الحديث أنه كان صائمًا محرمًا، قال: ولم يكن قط محرمًا مقيمًا ببلده، إنما كان محرمًا وهو مسافر، والمسافر إن كان ناويًا للصوم، فمضى عليه بعض النهار وهو صائم أبيح له الأكل والشرب على الصحيح، فإذا جاز له ذلك جاز له أن يحتجم وهو مسافر، قال: فليس في خبر ابن عباس ما يدل على إفطار المحجوم فَضلًا عن الحاجم، انتهى.
وتعقب بأن الحديث ما ورد هكذا إلا لفائدة، فالظاهر أنه وجد منه الحجامة وهو صائم لم يتحلل من صومه واستمر.
(قال أبو داود: رواه وهيب بن خالد عن أيوب بإسناده) أي بإسناد أيوب (مثله) أي: مثل الحديث المتقدم.
قال الحافظ (٢): هكذا أخرجه أي البخاري من طريق وهيب، عن أيوب عن عكرمة، عن ابن عباس، وتابعه عبد الوارث عن أيوب موصولًا كما سيأتي في الطب، ورواه ابن علية ومعمر عن أيوب عن عكرمة مرسلًا، واختلف على حماد بن زيد في وصله وإرساله، وقد بين ذلك النسائي (٣).
стр. 5166
وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَهِشَامٌ - يَعْنِي ابْنَ حَسَّانَ-، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسِ (١).
٢٣٧٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (٢) ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ". [ت ٧٧٧، جه ١٦٨٢، حم ١/ ٢١٥، قط ٢/ ٢٣٩، ق ٤/ ٢٦٣]
===
(وجعفر بن ربيعة) عطف على وهيب، أي: ورواه جعفر بن ربيعة، وأخرج روايته الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣). (وهشام -يعني ابن حسان-، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله) أي: مثل ما روى أيوب موصولًا، أما حديث هشام بن حسان فلم أجده فيما عندي من الكتب (٤).
٢٣٧٣ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم محرم).
وغرض المصنف بذكر حديث (٥) وهيب بن خالد، وجعفر بن ربيعة، وهشام بن حسان، ومقسم تقوية الوصل على الإرسال، فإن ابن علية ومعمر روياه عن أيوب عن عكرمة مرسلًا، واختلف على حماد بن زيد في وصله وإرساله، وقد بيَّن ذلك النسائي (٦)؛ فأراد المصنف بإيراد هذه الأسانيد بأن عبد الوارث عن أيوب رواه موصولًا، وتابعه وهيب بن خالد عن أيوب، وكذلك
стр. 5167
٢٣٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، حَدَّثَنِى رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْحِجَامَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ، فَقَالَ: "إِنِّى أُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ وَرَبِّى يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِى". [حم ٤/ ٣١٤]
٢٣٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ الْمُغِيرَةِ -، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: "مَا كُنَّا نَدَعُ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ إلَّا كَرَاهِيَةَ الْجَهْدِ". [خ ١٩٤٠، ق ٤/ ٢٦٣]
===
رواه أيوب موصولًا، وتابعه على ذلك جعفر بن ربيعة وهشام بن حسان عن عكرمة، وكذلك رواه عكرمة موصولًا، وتابعه على الوصل مقسم، فأثبت بهذا أن الراجح هو الوصل.
٢٣٧٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة)، أي: للصائم (والمواصلة) أي: الوصال في الصوم (ولم يحرمهما إبقاء) أي: شفقة ورحمة (على أصحابه) متعلق بقوله: نهى، قاله الحافظ في "الفتح" (١).
(فقيل له: يا رسول الله، إنك تواصل إلى السحر، فقال: إني أواصل إلى السحر وربي يطعمني ويسقيني)، وتقدم البحث فيه في الوصال، وهذا الحديث وكذلك حديث ابن عباس يدلان على الرخصة في الاحتجام للصائم.
٢٣٧٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا سليمان - يعني ابن المغيرة -، عن ثابت قال: قال أنس: ما كنا ندع) أي نترك (الحجامة للصائم، إلَّا كراهية الجهد) أي: المشقة والتعب.
стр. 5168
(٣٠)(١) في الصَّائِم يَحْتَلِم نَهَارًا في شَهْرِ رَمَضَان
٢٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُفْطِرُ مَنْ قَاءَ وَلَا مَنِ احْتَلَمَ، وَلَا مَنِ احْتَجَمَ". [ق ٤/ ٢٢٠]
===
وقد أخرج البخاري (٢) هذا الحديث من طريق شعبة، قال: سمعت ثابتًا البناني قال: سئل أنس بن مالك أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلَّا من أجل الضعف، والسائل هو ثابت البناني، يدل عليه رواية الإسماعيلي وأبي نعيم والبيهقي من طريق جعفر بن محمد القلانسي وأبي قرصافة محمد بن عبد الوهاب وإبراهيم بن الحسين بن دريد كلهم عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري فيه، فقال: عن شعبة عن حميد قال: سمعت ثابتًا وهو يسأل أنس بن مالك، فذكر الحديث، وأشار الإسماعيلي والبيهقي إلى أن الرواية التي وقعت للبخاري خطأ، وأنه سقط منه حميد بين شعبة وثابت، قال الإسماعيلي: وكذلك رواه علي بن سهل عن أبي النضر عن شعبة عن حميد.
(٣٠) (بَابٌ في الصَّائِم يَحْتَلِم نَهَارًا في شَهْرِ رَمَضَان)
هل يفسد صومه أم لا؟
٢٣٧٦ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن رجل من أصحابه، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يفطر من قاء، ولا من احتلم، ولا من احتجم).
وقد أخرجه الترمذي (٣) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه،
стр. 5169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لا يفطرن"، الحديث، ثم قال: قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد الخدري غير محفوظ، وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم وعبد العزيز بن محمد وغير واحد هذا الحديث عن زيد بن أسلم مرسلًا، ولم يذكروا فيه عن أبي سعيد، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم يضعف في الحديث، انتهى.
وأخرجه الدارقطني (١) من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يفطرن الصائم"، الحديث.
وقال الزيلعي في "نصب الراية" (٢) بعد ذكر حديث الدارقطني هذا، قال: وهشام بن سعد وإن تكلم فيه غير واحد، فقد احتج به مسلم واستشهد به البخاري، ورواه ابن عدي في "الكامل"، وأسند تضعيف هشام بن سعد عن النسائي وأحمد وابن معين، ولينه هو، وقال: ومع ضعفه يكتب حديثه، وقال عبد الحق في "أحكامه": هشام بن سعد يكتب حديثه ولا يحتج به.
ثم أخرج هذا الحديث من حديث ابن عباس من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لا يفطرن الصائم"، الحديث، رواه البزار في "مسنده"، قال: وهذا من أحسنها إسنادًا وأصحها، إلَّا أن عبد العزيز لم يكن بالحافظ.
ثم أخرج هذا الحديث من حديث ثوبان، فرواه الطبراني في "معجمه الوسط": حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، ثنا يزيد بن موهب، ثنا ابن وهب، أخبرني يزيد بن عياض، عن أبي عدي التركي، عن القاسم أبي عبد الرحمن،
стр. 5170
(٣١) بَابٌ: في الكُحْلِ عِنْدَ النَّوْمِ (١)
٢٣٧٧ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ، نَا عَلِىُّ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ هَوْذَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ،
===
عن ثوبان، أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث لا يفطرن"، الحديث، وقال: لا يروى هذا الحديث عن ثوبان إلَّا بهذا الإسناد، تفرد به ابن وهب، انتهى.
(٣١) (بَابٌ: في الكُحْلِ عِنْدَ النَّوْمِ)
٢٣٧٧ - (حدثنا النفيلي، نا علي بن ثابت) الجزري، أبو أحمد، ويقال: أبو الحسن، مولى العباس بن محمد الهاشمي، عن أحمد: صدوق ثقة، وقال أبو داود: ثقة، وقال ابن معين: ثقة إذا حدث عن ثقة، وقد وثقه غيرهم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وضعفه الأزدي بلا حجة.
(حدثني عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة) الأنصاري، أبو النعمان الكوفي، قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: صدوق، روى له أبو داود حديثًا واحدًا عن أبيه عن جده هذا الحديث، وقال ابن المديني: عبد الرحمن بن النعمان مجهول.
(عن أبيه) نعمان بن معبد بن هوذة الأنصاري، حجازي، روى عن أبيه، وعنه ابنه عبد الرحمن، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن جده) معبد بن هوذة الأنصاري عن النبي ﷺ أنه أمر بالإثمد المروح، الحديث، روى حديثه عبد الرحمن بن نعمان بن معبد عن أبيه عن جده، قلت: وجعل ابن منده وجماعة الضمير في قوله: "عن جده" للنعمان، وتكون الرواية والصحبة [لهوذة]، ونسبوه فقالوا: هوذة بن قيس بن عبادة بن دهيم، والله تعالى أعلم، قاله الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٢) في ترجمة [معبد بن] هوذة.
стр. 5171
عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِالإِثْمِدِ الْمُرَوَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ وَقَالَ: "لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ". [حم ٣/ ٤٩٩ - ٥٠٠]
===
قلت: وقد صرح الحافظ في "الإصابة" (١) بكونه خطأ في ترجمة هوذة بن قيس، فقال: هوذة بن قيس بن عبادة بن دهيم الأنصاري، ذكره ابن شاهين وابن منده وَوَهِما فيه، وإنما الصحبة لولده معبد، فأخرج ابن شاهين من طريق صالح بن رزيق عن علي بن ثابت، عن عبد الرحمن بن معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جده. وأخرج ابن منده من طريق النفيلي، عن علي بن ثابت، عن عبد الرحمن بن النعمان بن هوذة، عن أبيه، عن جده.
والصواب ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن قانع من طرف عن علي بن ثابت، عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جده، فسقط من الرواية الأولى في نسب الراوي النعمان، ومن الثانية معبد، نبه عليه العلائي، فالصحبة لمعبد بن هوذة، وقد اغتر ابن الأثير بما ذكره ابن منده، فأخرج في هذه الترجمة من "مسند أحمد"، وساقه على سياق ابن منده، فوهم، وإنما هو في "المسند" بإثبات النعمان في السند، انتهى.
(عن النبي ﷺ أنه أمر بالإثمد)، قال في "القاموس": الإثمد بالكسر حجر للكحل (المروح) (٢) أي المطيب بالمسك، كأنه جعل له رائحة تفوح بعد أن لم تكن له رائحة (عند النوم، وقال) رسول الله ﷺ : (ليتقه) أي الإثمد أو الاكتحال بالإثمد (الصائم).
قال الشوكاني في "النيل" (٣): وقد استدل بهذا الحديث ابن شبرمة
стр. 5172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وابن أبي ليلى، فقالا: إن الكحل يفسد الصوم، وخالفهما العترة والفقهاء (١) وغيرهم، فقالوا: إن الكحل لا يفسد الصوم، وأجابوا (٢) عن الحديث بأنه ضعيف لا ينتهض للاحتجاج به، واستدلا بما أخرجه البخاري تعليقًا، ووصله البيهقي والدارقطني وابن أبي شيبة من حديث ابن عباس بلفظ: "الفطر مما دخل، والوضوء مما خرج" (٣) ويجاب بأن في إسناده الفضل بن المختار، وهو ضعيف جدًا، وفيه أيضًا شعبة مولى ابن عباس، وهو ضعيف أيضًا، وقال ابن عدي: الأصل في هذا الحديث أنه موقوف.
واحتج الجمهور على أن الكحل لا يفسد الصوم بما أخرجه ابن ماجه عن عائشة: "أن النبي ﷺ اكتحل في رمضان وهو صائم" (٤)، وفي إسناده بقية عن الزبيدي، واسمه سعيد بن أبي سعيد، وقال البيهقي: إنه مجهول، وقال النووي في "شرح المهذب" (٥): إنه ضعيف، قال: وقد اتفق الحفاظ على أن رواية بقية عن المجهولين مردودة.
ورواه البيهقي من طريق محمد بن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده، "أن رسول الله ﷺ كان يكتحل وهو صائم" (٦)، قال أبو حاتم:
стр. 5173
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ لِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: هُوَ مُنْكَرٌ، يَعْنِي حَدِيثَ الْكُحْلِ.
٢٣٧٨ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُتْبَةَ عَنْ أَبِى مُعَاذٍ،
===
هذا حديث منكر، ومحمد منكر الحديث، وكذا قال البخاري، ورواه ابن حبان في "الضعفاء" من حديث ابن عمر، قال في "التلخيص" (١): وسنده مقارب.
ورواه ابن أبي عاصم في "كتاب الصيام" له من حديث ابن عمر أيضًا بلفظ: "خرج علينا رسول الله ﷺ وعيناه مملوءتان من الإثمد، وذلك في رمضان، وهو صائم".
ورواه الترمذي (٢) من حديث أنس في الإذن فيه لمن اشتكت عينه، وقال: إسناده ليس بالقوي، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، ورواه أبو داود من فعل أنس، قال الحافظ (٣): ولا بأس بإسناده، قال: وفي الباب عن بريرة مولاة عائشة في الطبراني، وعن ابن عباس في "شعب الإيمان" للبيهقي، انتهى.
قلت: وقال في "البدائع" (٤): ولا بأس بأن يكتحل الصائم بالإثمد وغيره ولو فعل لا يفطره، وإن وجد طعمه في حلقه عند عامة العلماء، لما رُوينا "أن رسول الله ﷺ اكتحل وهو صائم"، ولما ذكرنا أنه ليس للعين منفذًا إلى الجوف، وإن وجده في حلقه فهو أثره لا عينه.
(قال أبو داود: قال لي يحيى بن معين: هو منكر، يعني حديث الكحل) لأنه مخالف فعل رسول الله ﷺ فإنه اكتحل وهو صائم.
٢٣٧٨ - (حدثنا وهب بن بقية، أنا أبو معاوية) الضرير، (عن عتبة أبي معاذ)
стр. 5174
عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْتَحِلُ وَهُوَ صَائِمٌ.
٢٣٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (١) الْمُخَرِّمِىُّ وَيَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِىُّ قَالَا، نَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى،
===
هو عتبة بن حميد الضبي أبو معاذ، ويقال: أبو معاوية البصري، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال أحمد: ضعيف ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس) بن مالك، أبو معاذ الأنصاري، روى عن جده، وقيل: عن أبيه عن جده، قال أحمد وابن معين وأبو داود والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أنس بن مالك أنه كان يكتحل وهو صائم).
٢٣٧٩ - (حدثنا محمد بن عبيد الله)، هكذا في النسخة القادرية والكانفورية والمجتبائية والمكتوبة الأحمدية بالتصغير، وهو تصحيف، والصواب عبد الله مكبرًا كما في النسخة المصرية ونسخة "العون"، وقد تقدم ترجمته في المجلد الأول (٢) ص ١٠٨ في "باب الرجل يدلك يده بالأرض إذا استنجى".
(المخرمي، ويحيى بن موسى البلخي قالا: نا يحيى بن عيسى) بن عبد الرحمن، ويقال: ابن محمد التميمي النهشلي، أبو زكريا الكوفي الفاخوري بالفاء والخاء المعجمة، الجرار بفتح الجيم وتشديد الراء بعدها ألف وفي آخرها راء مهملة، هذه النسبة إلى عمل الجرار، وهو جمع جرة يعني الحنتم الذي يشرب منه، سكن الرملة، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما أقرب حديثه،
стр. 5175
عن الأَعمَشِ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا يَكْرَهُ الْكُحْلَ لِلصَّائِمِ، وَكَانَ (١) إِبْرَاهِيمُ يُرَخِّصُ أَنْ يَكْتَحِلَ الصَّائِمُ بِالصَّبِرِ.
(٣٢) بَابُ الصَّائِم يَسْتَقِيءُ (٢) عَامِدًا
٢٣٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ ذَرَعَهُ قَىْءٌ (٣) وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ،
===
وقال أبو داود: بلغني عن أحمد أنه أحسن الثناء فيه، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال العجلي: ثقة، وكان فيه تشيع، وقال النسائي: ليس بالقوي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال مسلمة: لا بأس به، وفيه ضعف.
(عن الأعمش قال: ما رأيت أحدًا من أصحابنا) وهم الفقهاء والمحدثون (يكره الكحل للصائم، وكان إبراهيم) النخعي (يرخص أن يكتحل الصائم بالصبر) فإذا أباح استعمال الصبر في الاكتحال يثبت به إباحة الاكتحال بالإثمد، ونقل في الحاشية عن "فتح الودود": قيل: هو نوع من الكحل، انتهى. ولم أجده في كتب اللغة.
(٣٢) (بَابُ الصَّائِمِ يَسْتَقِيءُ عَامِدًا)
أي: يعالج حتى يقيء
٢٣٨٠ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من ذرعه) أي سبقه وغلبه في الخروج (قيء وهو صائم فليس عليه قضاء) لأنه لم يفسد
стр. 5176
وَإِنِ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ" (١). [ت ٧٢٠، دي ١٧٢٩، جه ١٦٧٦، حم ٢/ ٤٩٨، خزيمة ١٩٦٠]
===
صومه، فلا يجب قضاؤه (وإن استقاء) (٢) عمدًا (فليقض).
قال الشوكاني: الحديث أخرجه ابن حبان والدارقطني والحاكم وله ألفاظ، قال النسائي: وقفه عطاء على أبي هريرة، قال الترمذي: لا نعرفه إلَّا من حديث هشام عن محمد عن أبي هريرة، تفرد به عيسى بن يونس، وقال البخاري: لا أراه محفوظًا، وقد روي من غير وجه، ولا يصح (٣) إسناده، وصححه الحاكم على شرطهما، وفي الباب موقوفًا عن ابن عمر عند مالك في "الموطأ" والشافعي بلفظ: "من استقاء وهو صائم فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فليس عليه القضاء" (٤).
قال: والحديث يدل على أنه لا يبطل صوم من غلبه القيء، ولا يجب عليه القضاء، ويبطل صوم من تعمد إخراجه ولم يغلبه، ويجب عليه القضاء، وقد ذهب إلى هذا علي وابن عمر وزيد بن أرقم وزيد بن علي والشافعي.
стр. 5177
٢٣٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ يَعِيشَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، حَدَّثَنِى مَعْدَانُ بْنُ طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَهُ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاءَ وأَفْطَرَ (١)، فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ
===
قلت: وكذلك قالت الحنفية، وقال ابن مسعود وعكرمة وربيعة والهادي والقاسم: إنه لا يفسد الصوم سواء كان غالبًا أو مستخرجًا ما لم يرجع منه شيء باختيار، واستدلوا بحديث أبي سعيد: "ثلاث لا يفطرن"، الحديث.
وأجيب بأن فيه المقالَ المتقدم، فلا ينتهض معه للاستدلال، ولو سلِّم صلاحيته لذلك، فهو محمول- كما قال البيهقي- على من ذرعه القيء، وهذا لا بد منه, لأن ظاهر حديث أبي سعيد أن القيء لا يفطر مطلقًا، وظاهر حديث أبي هريرة أنه يفطر نوع منه خاص، فيبني العام على الخاص.
٢٣٨١ - (حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو، نا عبد الوارث) بن سعيد، (نا الحسين) بن ذكوان المعلم، (عن يحيى) بن أبي كثير، (حدثني عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد بن هشام) بن معاوية بن هشام بن عقبة بن أبي معيط الأموي الدمشقي، نزيل قرقيسيا، قال العجلي والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(إن أباه) أي أبا يعيش، وهو الوليد بن هشام بن معاوية بن هشام بن عقبة بن أبي معيط- بالتصغير- الأموي، أبو يعيش المعيطي، كان عامل عمر بن عبد العزيز على قنسرين، وثقه ابن معين والعجلي، وقال الأوزاعي: هو ثقة عدل، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس بحديثه.
(حدثه) قال الوليد: (حدثني معدان بن طلحة، أن أبا الدرداء حدثه، أن رسول الله ﷺ قاء وأفطر، فلقيت ثوبان
стр. 5178
مَوْلَى رَسُولِ الله ﷺ في مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ، قَالَ: صَدَقَ، وَأَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ. [دي ١٧٢٨، حم ٦/ ٤٤٣، خزيمة ١٩٥٦، ك ١/ ٤٢٦]
===
مولى رسول الله ﷺ في مسجد دمشق، فقلت: إن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر، قال) ثوبان: (صدق) أبو الدرداء (وأنا صببت له) أي لرسول الله ﷺ (وضوءه) أي ماء وضوئه فتوضأ.
قال الترمذي (١): وروي عن أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد: أن النبي ﷺ قاء فأفطر، وإنما معنى هذا الحديث أن النبي ﷺ كان صائمًا متطوعًا، فقاء فضعف، فأفطر لذلك، هكذا روي في بعض الحديث مفسرًا، والعمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "أن الصائم إذا ذرعه القيء فلا قضاء عليه، وإذا استقاء عمدًا فليقض"، وبه يقول الشافعي وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق.
قال الزيلعي في "نصب الراية" (٢): ورواه ابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "المستدرك" وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ورواه الدارقطني في "سننه" وقال: رواته كلهم ثقات، انتهى.
قال القاري (٣): قال ميرك: احتج به أبو حنيفة وأحمد وإسحاق وابن المبارك والثوري على أن القيء ناقض للوضوء، وحمله الشافعي على غسل الفم والوجه، أو على استحباب الوضوء، والثاني أولى من الأول, لأن غلام الشارع إذا أمكن حمله على المعنى الشرعي لا ينبغي العدول عنه إلى المعنى اللغوي، نعم يتوقف الاستدلال به للنقض على تحقق الوضوء السابق مع أن الأصل في فعله ﵊ الخارج عن القرينة أن يحمل على الندب على الخلاف المذكور في أصول الفقه.
стр. 5179
(٣٣) بَابُ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ
٢٣٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَ لإِرْبِهِ". [خ ١٩٢٧، م ١١٠٦، جه ١٦٨٤]
===
(٣٣) (بَابُ القُبْلَةِ (١) لِلصَّائِمِ)
قال في القاموس: القبلة بالضم: اللثمة
٢٣٨٢ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقبِّل) أي عائشة (وهو صائم، ويباشر) والمباشرة الملامسة وإلصاق البشرة بالبشرة (وهو صائم، ولكنه) أي رسول الله ﷺ (كان أملك لإربه).
قال في "المجمع" (٢): أي لحاجته، أي كان غالبًا لهواه، فإن أكثر المحدثين يروونه بفتح همزة وراء، وبعضهم يرويه بكسر فسكون، وهو يحتمل معنى الحاجة، والعضو أي الذكر، تريد أنه يأمن مع هذه المباشرة الوقوع في الفرج، فهي علة في عدم إلحاق الغير به، ومن يجيزها له يجعل قولها علة في إلحاقه به، فإنه إذا كان أملك الناس لإربه يباشرها، فكيف لا تباح لغيره؟
قال الحافظ (٣): وقد اختلف في القُبلة والمباشرة للصائم، فكرهها قوم مطلقًا، وهو مشهور عند المالكية، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر "أنه كان يكره القبلة والمباشرة"، ونقل ابن المنذر وغيره عن قوم تحريمها واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ (٤) الآية، فمنع من المباشرة في هذه الآية نهارًا، والجواب عن ذلك أن النبي ﷺ هو المبيِّن عن الله تعالى، وقد أباح
стр. 5180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المباشرة نهارًا فدل على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع لا ما دونه من قبلة ونحوها، والله أعلم.
وممن أفتى بإفطار من قُبُلٍ وهو صائم عبد الله بن شبرمة أحد فقهاء الكوفة، ونقله الطحاوي عن قوم لم يُسَمِّهم (١)، وأباح القبلة قوم مطلقًا، وهو المنقول صحيحًا عن أبي هريرة، وبه قال سعيد وسعد بن أبي وقاص وطائفة (٢)، بل بالغ بعض أهل الظاهر فاستحبها، وفرق آخرون بين الشاب والشيخ، فكرهها للشاب وأباحها للشيخ، وهو مشهور عن ابن عباس، وفرق آخرون بين من يملك نفسه ومن لا يملك كما أشارت إليه عائشة.
واختلف فيما إذا باشر أو قَبَّل أو نظر فأنزل أو أمذى، فقال الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أنزل في غير النظر، ولا قضاء في الإمذاء، وقال مالك وإسحاق: يقضي في كل ذلك ويكفر، إلا في الإمذاء فيقضي فقط، واحتج له بأن الإنزال أقصى ما يطلب بالجماع من الالتذاذ في كل ذلك، وتعقب بأن الأحكام علقت بالجماع ولو لم يكن إنزال فافترقا.
قلت: ومذهب الحنفية في ذلك أن من قَبَّل ولم يُنزل، أو أنزل بنظر ولو إلى فرجها، أو بفكر وإن طال، أو جامع في ما دون السبيلين ولم ينزل (٣)، ليس عليه القضاء، ومن قَبَّل أو لمس فأنزل قضى فقط.
стр. 5181
٢٣٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ فِى شَهْرِ الصَّوْمِ". [م ١١٠٦، ت ٧٢٧، جه ١٦٨٣، حم ٦/ ١٣٠، قط ٢/ ١٨٠، ق ٤/ ٢٣٣]
٢٣٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ الْقُرَشِىَّ -، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُنِى وَهُوَ صَائِمٌ وَأَنَا صَائِمَةٌ". [حم ٦/ ١٣٤، خزيمة ٢٠٠٤]
٢٣٨٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ. (ح): وَحَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْن
===
٢٣٨٣ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، ثنا أبو الأحوص، عن زياد بن علاقة، عن عمرو بن ميمون، عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقبِّل في شهر الصوم)، أي: في حالة الصوم نهارًا.
٢٣٨٤ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن طلحة بن عبد الله -يعني ابن عثمان القرشي-، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقبلني وهو صائم وأنا صائمة) (١).
٢٣٨٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا الليث، ح: وحدثنا عيسى بن حماد، أنا الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله، عن عبد الملك بن
стр. 5182
سَعِيدٍ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: هَشِشْتُ فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَنَعْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا، قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، قَالَ: "أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنَ الْمَاءِ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ ! ". قَالَ عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ في حَدِيثِهِ: قُلْتُ: لَا بَأْسَ (١)، قَالَ: "فَمَهْ". [دي ١٧٢٤، حم ١/ ٢١، خزيمة ١٩٩٩، السنن الكبرى للنسائي ٣٠٣٦، ك ١/ ٤٣١، حب ٣٥٤٤]
===
سعيد، عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب: هششت) أي: فرحت وارتحت، أي: لزوجتي (فقبَّلت) أي إياها (وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبلت وأنا صائم، قال) أي رسول الله ﷺ : (أرأيت) أخبرني (لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟ ! قال عيسى بن حماد في حديثه: قلت: لا بأس) أي بالمضمضة في حالة الصوم، (قال) أي رسول الله ﷺ : (فمه) أي: فماذا هو، أي: التقبيل، وقيل: كلمة زجر وكَفٍّ، أي: اكفف عن السؤال، فإن القبلة لا يضر في الصوم كما لا يضر المضمضة.
قال الحافظ (٢): قال المازري: ومن بديع ما روي في ذلك قوله ﷺ للسائل عنها: "أرأيت لو تمضمضت؟ " فأشار إلى فقه بديع، وذلك أن المضمضة لا تنقض الصوم، وهي أول الشرب ومفتاحه، كما أن القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع، وكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا يفسد الصيام، فكذلك أوائل الجماع، انتهى، والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو داود والنسائي (٣) من حديث عمر، قال النسائي: منكر، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (٤).
стр. 5183
(٣٤) بَابُ الصَّائِمُ يَبْلَعُ الرِّيقَ (١)
٢٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ، نَا سَعْدُ بْنُ أَوْسٍ الْعَبْدِىُّ، عَنْ مِصْدَعٍ أَبِى يَحْيَى، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ وَيَمُصُّ لِسَانَهَا" (٢). [حم ٦/ ١٢٣، خزيمة ٢٠٠٣]
===
(٣٤) (بَابُ الصَّائِمِ يَبْلَعُ الرِّيقَ)
٢٣٨٦ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا محمد بن دينار) الأزدي ثم الطاحي بمهملتين، هذه النسبة إلى بني طاحية، وهي محلة بالبصرة، أبو بكر بن أبي الفرات البصري، عن ابن معين: ليس به بأس، وعنه: ضعيف، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال: أبو داود: تَغَيَّرَ قبل أن يموت، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في موضع آخر: ضعيف، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عدي: هو مع هذا كله حسن الحديث، وقال البرقاني عن الدارقطني: ضعيف، وقال مرة: متروك، وقال العقيلي: في حديثه وهن، وقال العجلي: لا بأس به، وقال النسائي في حديث عائشة: "كان يقبلها ويمص لسانها": هذه اللفظة لا توجد إلَّا في رواية محمد بن دينار.
(نا سعد بن أوس العبدي) قال في "التقريب": أو العدوي، صدوق، له أغاليط، (عن مصدع أبي يحيى، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم ويَمَصُّ) (٣) أي: يرشف (لسانها).
стр. 5184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال القاري (١): قال ميرك: اعلم أن في إسناد هذا الحديث محمد بن دينار، قال ابن معين: ضعيف، وقال مرة: ليس به بأس، ولم يكن له كتاب، وقال غيره: ضعيف، وفي إسناده أيضًا سعد بن أوس، قال ابن معين: بصري ضعيف، فإن قيل: إن ابتلاع ريق الغير يفطر إجماعًا، وأجيب على تقدير صحة الحديث أنه واقعة حال فعلية محتملة أنه ﵊ كان يبصقه ولا يبتلعه، وكان يمصه ويلقي جميع ما في فمه في فمها، والواقعة الفعلية إذا احتملت لا دليل فيها، انتهى. ولا يخفى أن الوجه الثاني مع بُعده إنما يتصور فيما إذا كانت غير صائمة.
ونقل في الحاشية عن "فتح الودود": إن صح يحمل على غير حالة الصوم، أو على أنه يخرج ذلك الريق.
وكتب مولانا محمد يحيى من تقرير شيخه ﵀: قوله: "يمص لسانها"، ليس فيه حجة لمن لم يذهب إلى فساد الصوم بابتلاع ريق الحبيب والحبيبة، إذ لا تصريح فيه بفعله هذا في الصوم، ولو سلِّم كونه في الصوم، فلا يلزم بلوغه قدرًا يتحقق فيه الابتلاع، ولو سلِّم فليس فيه نص بأنه كان يبتلعه، بل المقصود منه بيان ما لعائشة من الوقوع في قلبه ﷺ ، ذكره استطرادًا بذكر تقبيله إياها في الصوم، فإن تقبيله إياها وهما صائمان كما يدل على محبته لها، فكذلك مص لسانها، وإن كان الأخير حالة الإفطار لا الصوم، والمذهب عندنا وجوب الكفارة إذا ابتلع ريق حبيب أو حبيبة لما أنه مرغوب فيه طبعًا، ولا شيء إذا بلع ريق نفسه، والقضاء دون الكفارة إن بلع ريق غيرهما أو نخامته.
стр. 5185
(٣٥) كَرَاهِيَّتُهُ (١) لِلشَّاب
٢٣٨٧ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ - يَعْنِى الزُّبَيْرِىَّ -، أَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِى الْعَنْبَسِ، عَنِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: "أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِىَّ ﷺ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ، فَرَخَّصَ لَهُ، وَأَتَاهُ آخَرُ (٢) فَنَهَاهُ، فَإِذَا الَّذِى رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ، وَالَّذِى نَهَاهُ شَابٌّ". [حم ٢/ ١٨٥ - ٢٢٩]
===
(٣٥) (كَرَاهِيتُه)، أي: التقبيل والمباشرة (لِلشَّابِ) (٣)
٢٣٨٧ - (حدثنا نصر بن علي، نا أبو أحمد -يعني الزبيري-، أنا إسرائيل، عن أبي العنبس) العدوي الكوفي، اسمه الحارث بن عبيد بن كعب، من بني عدي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن الأغر) أبي مسلم، (عن أبي هريرة: أن رجلًا) لم أقف على تسميته (سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم)، قيل: هي مس الزوج المرأة فيما دون الفرج، وقيل: هي القبلة واللمس باليد (فرخص له، وأتاه آخر) فسأله- كما في نسخة- عن المباشرة (فنهاه)، قال أبو هريرة: فتأملنا حالهما (فإذا الذي رخص له) في المباشرة (شيخ، والذي نهاه) أي عنها (شاب).
فيه إشارة إلى أنه ﷺ أجابهما بمقتضى الحكمة، إذ الغالب على الشيخ سكون الشهوة وأمن الفتنة، فأجاز له، بخلاف الشاب فنهاه اهتمامًا له، واختلف في أن هذا النهي للتنزيه أو للتحريم، "علي القاري" (٤).