← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

٢٣٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ فِى شَهْرِ الصَّوْمِ". [م ١١٠٦، ت ٧٢٧، جه ١٦٨٣، حم ٦/ ١٣٠، قط ٢/ ١٨٠، ق ٤/ ٢٣٣] ٢٣٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ الْقُرَشِىَّ -، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُنِى وَهُوَ صَائِمٌ وَأَنَا صَائِمَةٌ". [حم ٦/ ١٣٤، خزيمة ٢٠٠٤] ٢٣٨٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ. (ح): وَحَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْن === ٢٣٨٣ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، ثنا أبو الأحوص، عن زياد بن علاقة، عن عمرو بن ميمون، عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقبِّل في شهر الصوم)، أي: في حالة الصوم نهارًا. ٢٣٨٤ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن طلحة بن عبد الله -يعني ابن عثمان القرشي-، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقبلني وهو صائم وأنا صائمة) (١). ٢٣٨٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا الليث، ح: وحدثنا عيسى بن حماد، أنا الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله، عن عبد الملك بن

стр. 5182

سَعِيدٍ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: هَشِشْتُ فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَنَعْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا، قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، قَالَ: "أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنَ الْمَاءِ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ ! ". قَالَ عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ في حَدِيثِهِ: قُلْتُ: لَا بَأْسَ (١)، قَالَ: "فَمَهْ". [دي ١٧٢٤، حم ١/ ٢١، خزيمة ١٩٩٩، السنن الكبرى للنسائي ٣٠٣٦، ك ١/ ٤٣١، حب ٣٥٤٤] === سعيد، عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب: هششت) أي: فرحت وارتحت، أي: لزوجتي (فقبَّلت) أي إياها (وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبلت وأنا صائم، قال) أي رسول الله ﷺ : (أرأيت) أخبرني (لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟ ! قال عيسى بن حماد في حديثه: قلت: لا بأس) أي بالمضمضة في حالة الصوم، (قال) أي رسول الله ﷺ : (فمه) أي: فماذا هو، أي: التقبيل، وقيل: كلمة زجر وكَفٍّ، أي: اكفف عن السؤال، فإن القبلة لا يضر في الصوم كما لا يضر المضمضة. قال الحافظ (٢): قال المازري: ومن بديع ما روي في ذلك قوله ﷺ للسائل عنها: "أرأيت لو تمضمضت؟ " فأشار إلى فقه بديع، وذلك أن المضمضة لا تنقض الصوم، وهي أول الشرب ومفتاحه، كما أن القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع، وكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا يفسد الصيام، فكذلك أوائل الجماع، انتهى، والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو داود والنسائي (٣) من حديث عمر، قال النسائي: منكر، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (٤).

стр. 5183

(٣٤) بَابُ الصَّائِمُ يَبْلَعُ الرِّيقَ (١) ٢٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ، نَا سَعْدُ بْنُ أَوْسٍ الْعَبْدِىُّ، عَنْ مِصْدَعٍ أَبِى يَحْيَى، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ وَيَمُصُّ لِسَانَهَا" (٢). [حم ٦/ ١٢٣، خزيمة ٢٠٠٣] === (٣٤) (بَابُ الصَّائِمِ يَبْلَعُ الرِّيقَ) ٢٣٨٦ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا محمد بن دينار) الأزدي ثم الطاحي بمهملتين، هذه النسبة إلى بني طاحية، وهي محلة بالبصرة، أبو بكر بن أبي الفرات البصري، عن ابن معين: ليس به بأس، وعنه: ضعيف، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال: أبو داود: تَغَيَّرَ قبل أن يموت، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في موضع آخر: ضعيف، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عدي: هو مع هذا كله حسن الحديث، وقال البرقاني عن الدارقطني: ضعيف، وقال مرة: متروك، وقال العقيلي: في حديثه وهن، وقال العجلي: لا بأس به، وقال النسائي في حديث عائشة: "كان يقبلها ويمص لسانها": هذه اللفظة لا توجد إلَّا في رواية محمد بن دينار. (نا سعد بن أوس العبدي) قال في "التقريب": أو العدوي، صدوق، له أغاليط، (عن مصدع أبي يحيى، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم ويَمَصُّ) (٣) أي: يرشف (لسانها).

стр. 5184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال القاري (١): قال ميرك: اعلم أن في إسناد هذا الحديث محمد بن دينار، قال ابن معين: ضعيف، وقال مرة: ليس به بأس، ولم يكن له كتاب، وقال غيره: ضعيف، وفي إسناده أيضًا سعد بن أوس، قال ابن معين: بصري ضعيف، فإن قيل: إن ابتلاع ريق الغير يفطر إجماعًا، وأجيب على تقدير صحة الحديث أنه واقعة حال فعلية محتملة أنه ﵊ كان يبصقه ولا يبتلعه، وكان يمصه ويلقي جميع ما في فمه في فمها، والواقعة الفعلية إذا احتملت لا دليل فيها، انتهى. ولا يخفى أن الوجه الثاني مع بُعده إنما يتصور فيما إذا كانت غير صائمة. ونقل في الحاشية عن "فتح الودود": إن صح يحمل على غير حالة الصوم، أو على أنه يخرج ذلك الريق. وكتب مولانا محمد يحيى من تقرير شيخه ﵀: قوله: "يمص لسانها"، ليس فيه حجة لمن لم يذهب إلى فساد الصوم بابتلاع ريق الحبيب والحبيبة، إذ لا تصريح فيه بفعله هذا في الصوم، ولو سلِّم كونه في الصوم، فلا يلزم بلوغه قدرًا يتحقق فيه الابتلاع، ولو سلِّم فليس فيه نص بأنه كان يبتلعه، بل المقصود منه بيان ما لعائشة من الوقوع في قلبه ﷺ ، ذكره استطرادًا بذكر تقبيله إياها في الصوم، فإن تقبيله إياها وهما صائمان كما يدل على محبته لها، فكذلك مص لسانها، وإن كان الأخير حالة الإفطار لا الصوم، والمذهب عندنا وجوب الكفارة إذا ابتلع ريق حبيب أو حبيبة لما أنه مرغوب فيه طبعًا، ولا شيء إذا بلع ريق نفسه، والقضاء دون الكفارة إن بلع ريق غيرهما أو نخامته.

стр. 5185

(٣٥) كَرَاهِيَّتُهُ (١) لِلشَّاب ٢٣٨٧ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ - يَعْنِى الزُّبَيْرِىَّ -، أَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِى الْعَنْبَسِ، عَنِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: "أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِىَّ ﷺ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ، فَرَخَّصَ لَهُ، وَأَتَاهُ آخَرُ (٢) فَنَهَاهُ، فَإِذَا الَّذِى رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ، وَالَّذِى نَهَاهُ شَابٌّ". [حم ٢/ ١٨٥ - ٢٢٩] === (٣٥) (كَرَاهِيتُه)، أي: التقبيل والمباشرة (لِلشَّابِ) (٣) ٢٣٨٧ - (حدثنا نصر بن علي، نا أبو أحمد -يعني الزبيري-، أنا إسرائيل، عن أبي العنبس) العدوي الكوفي، اسمه الحارث بن عبيد بن كعب، من بني عدي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن الأغر) أبي مسلم، (عن أبي هريرة: أن رجلًا) لم أقف على تسميته (سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم)، قيل: هي مس الزوج المرأة فيما دون الفرج، وقيل: هي القبلة واللمس باليد (فرخص له، وأتاه آخر) فسأله- كما في نسخة- عن المباشرة (فنهاه)، قال أبو هريرة: فتأملنا حالهما (فإذا الذي رخص له) في المباشرة (شيخ، والذي نهاه) أي عنها (شاب). فيه إشارة إلى أنه ﷺ أجابهما بمقتضى الحكمة، إذ الغالب على الشيخ سكون الشهوة وأمن الفتنة، فأجاز له، بخلاف الشاب فنهاه اهتمامًا له، واختلف في أن هذا النهي للتنزيه أو للتحريم، "علي القاري" (٤).

стр. 5186

(٣٦) (١) مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا في شَهْرِ رَمَضَانَ ٢٣٨٨ - نَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ. (ح): وَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاق الأَذْرَمِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ (٢)، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عن أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام، عن عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَة زَوْجَي النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمَا قَالَتَا: كَانَ رَسُول اللهِ (٣) ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا === كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: "والذي نهاه شاب"، فعلم أن القبلة نفسها غير مكروهة، وإنما الكراهة لأجل إفضائها إلى الحرام، وكذلك كثير من المباحات ينهى عنه لأجل كونه سببًا لحرام، ومن ذلك تنشأ قاعدة: "المفضي إلى الحرام حرام". (٣٦) (مَنْ أَصْبَحَ (٤) جُنُبًا في شَهْرِ رَمَضَانَ) هل يسلم له صومه؟ ٢٣٨٨ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، ح: ونا عبد الله بن محمد بن إسحاق الأذرمي) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح الراء، وفي "لب اللباب": أنه نسبة إلى أذرمة قرية بنصيبين، (نا عبد الرحمن بن مهدي) كلاهما أي القعنبي وابن مهدي رويا (عن مالك، عن عبد ربه بن سعيد، عن أبي بكر (٥) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن عائشة وأم سلمة زوجي النبي ﷺ أنهما قالتا: كان رسول الله منهم يصبح جنبًا) أي يدخل في الصباح في حالة الجنابة.

стр. 5187

- قَالَ عَبْدُ اللهِ الأَذْرَمِيُّ في حَدِيثِهِ: في رَمَضَانَ- مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمّ يَصُومُ. [خ ١٩٢٥، م ١١٠٩، السنن الكبرى للنسائي ٢٩٧٥، حم ٦/ ٣٦] === (قال عبد الله الأذرمي في حديثه: في رمضان) أي زاد عبد الله الأذرمي في حديثه لفظ "في رمضان" فقط، ثم اتفقا في قوله: (من جماع غير احتلام، ثم يصوم). فالاختلاف الواقع في حديث القعنبي وفي حديث الأذرمي في ذكر لفظ: "في رمضان" فقط، وفي عدم ذكره، فإن الأذرمي زاد هذا اللفظ في حديثه ولم يذكره القعنبي، وأشار مسلم بن الحجاج في "صحيحه" (١) إلى هذا، فقال: قلت لعبد الملك: أقالتا في رمضان؟ قال: كذلك، [كان] يصبح جنبًا من غير حلم. قلت: وأصل القصة في ذلك أن أبا هريرة (٢) ﵁ كان يقول: من أصبح جنبًا ويريد الصوم ليس له صوم بل يفطر، أخرج الطحاوي (٣): حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عبد الله بن عون، عن رجاء بن حيوة، عن يعلي بن عقبة قال: أصبحت جنبًا وأنا أريد الصوم، فأتيت أبا هريرة فسألته فقال لي: أفطر. وأخرج البخاري (٤) تعليقًا: قال همام وابن عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة:

стр. 5188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === كان النبي ﷺ يأمر (١) بالفطر، فذكر قول أبي هريرة هذا عند مروان وهو أمير المدينة، فأرسل مروان عبد الرحمن بن الحارث إلى عائشة وأم سلمة، فذهب إليهما ومعه ابنه أبو بكر، فسألهما عن المسألة، فأجابتا بالاتفاق: أن الجنابة في الصبح غير مفطر، لأنه كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا من جماع غير احتلام، ثم يصوم ذلك اليوم، فرجع إلى مروان فأخبره بذلك، ثم أرسله مروان إلى أبي هريرة، فأخبره بذلك، فرجع أبو هريرة عن قوله. قال الحافظ (٢): قال القرطبي: في هذا فائدتان، إحداهما: أنه كان يجامع في رمضان، ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بيانًا للجواز، والثاني: أن ذلك كان من جماع لا من احتلام, لأنه كان لا يحتلم (٣)، إذ الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه. وقال غيره: في قولها: "من غير احتلام"، إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلَّا لما كان للاستثناء معنى، ورُدَّ بأن الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه، وأجيب (٤) بأن الاحتلام يطلق على الإنزال، وقد يقع (٥) الإنزال بغير روية شيء في المنام، وأرادت بالتقييد بالجماع المبالغة في الرد على من زعم أن فاعل ذلك عمدًا يفطر، وإذا كان الفاعل عمدًا لا يفطر، فالذي ينسى الاغتسال، أو ينام عنه أولى بذلك.

стр. 5189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال ابن دقيق العيد: لما كان الاحتلام يأتي للمرء على غير اختياره، فقد يتمسك به من يرخص لغير المتعمد الجماع، فبين في هذا الحديث أن ذلك كان من جماع لإزالة هذا الاحتمال. قلت: وهذا المذهب هو الذي أجمع عليه الأئمة وارتضاه الجمهور، وقد بقي على العمل بحديث أبي هريرة بعض التابعين، كما نقله الترمذي، ويقوي قول الجمهور أن قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (١)، يقتضي إباحة الوطء في ليلة الصوم، ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر فيباح الجماع فيه. ومن ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنبًا، ويؤيد دعوى النسخ رجوع أبي هريرة عن الفتوى بذلك، كما في رواية البخاري: "أنه لما أخبر بما قالت أم سلمة وعائشة فقال: هما أعلم برسول الله ﷺ "، وفي رواية ابن جريج: "رجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك". وكتب في الحاشية بطريق النسخة: قال أبو داود: وما أقل من يقول هذه الكلمة، يعني يصبح جنبًا في رمضان، أي لفظ "في رمضان" فقط، وإنما الحديث "أن النبي ﷺ كان يصبح جنبًا وهو صائم". حاصل هذا الكلام أن رواة هذا الحديث لم يذكروا في حديثهم لفظ: "في رمضان" إلَّا القليل منهم. قلت: وقد ذكر الأذرمي في حديثه هذا اللفظ، كما أخرجه أبو داود، وقد أخرج مسلم (٢) هذا الحديث من طريق يونس عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن، عن عائشة، وفيه: "قد كان رسول الله ﷺ يدركه الفجر في رمضان وهو جنب" الحديث، وأخرج أيضًا من طريق مالك عن عبد ربه بن سعيد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام،

стр. 5190

٢٣٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ - يَعْنِى الْقَعْنَبِىَّ -، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ أَبِى يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ ﵂، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَأَغْتَسِلُ وَأَصُومُ". فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلَنَا، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَغَضِبَ === عن عائشة وأم سلمة، ولفظه: "إن كان رسول الله ﷺ ليصبح جنبًا من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم". ٢٣٨٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة -يعني القعنبي-، عن مالك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر) بن حزم (الأنصاري)، قال البخاري: أبو طوالة بضم الطاء وفتح الواو، المدني، كان قاضي المدينة، ثقة. وقال الدقاق: لا يعرف في المحدثين من يكنى أبا طوالة سواه. (عن أبي يونس مولى عائشة ﵂، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أن رجلًا) لم أقف على تسميته (قال لرسول الله ﷺ وهو) أي الرجل (١) (واقف على الباب: يا رسول الله، إني أصبح جنبًا وأنا أريد الصيام) فهل أصوم ذلك اليوم؟ (فقال رسول الله ﷺ : وأنا أصبح جنبًا، وأنا أريد الصيام، فأغتسل وأصوم، فقال الرجل: يا رسول الله إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) فتفعل ما تشاء لا مؤاخذة عليك (فغضب (٢)

стр. 5191

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ للهِ وَأَعْلَمَكُم بِمَا أَتَّبعُ". [م ١١١٠، ط ١/ ٢٨٩/ ٩، خزيمة ٢٠١٤، حم ٦/ ٦٧] (٣٧) بَابُ كَفَّارَة مَنْ أَتَى أَهْلَه في (١) رَمَضَانَ ٢٣٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، الْمَعْنَى، قَالَا، نَا سُفْيَانُ، قَالَ مُسَدَّدٌ: قَالَ: نَا الزُّهْرِيُّ، عن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ === رسول الله ﷺ وقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتبع) بصيغة المتكلم، أي: بما أعمل من وظائف العبودية. نقل في الحاشية عن "الفتح": قوله: "لأرجو"، ولعل استعماله الرجاء من جملة الخشية، وإلَّا فكونه أخشى وأعلم متحقق قطعًا، وهذا الحديث يدل على أن الجنابة في فجر الصيام لا يضر الصوم لرسول الله ﷺ ، ولا في حق أمته. (٣٧) (بَابُ كفَّارَةِ مَنْ أَتَى أَهْلَه) أي متعمدًا (٢) (في رَمَضَانَ) أي صومه ٢٣٩٠ - (حدثنا مسدد ومحمد بن عيسى المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: نا سفيان، قال مسدد: قال: نا الزهري) أي قال مسدد: قال نا سفيان، قال -أي سفيان-: حدثنا الزهري بصيغة التحديث لئلا يتوهم التدليس، أو للفرق بين لفظ مسدد ولفظ محمد بن عيسى، فلعل ابن عيسى حدث بلفظ "عن"، (عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة (٣) قال: أتى رجل).

стр. 5192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال الحافظ (١): قيل هو سلمة بن صخر البياضي (٢)، ولا يصح ذلك كما سيأتي، ثم قال في محل آخر (٣): لم أقف على تسميته إلَّا أن عبد الغني في "المبهمات"- وتبعه ابن بشكوال- جزما بأنه سلمان، أو سلمة بن صخر البياضي، واستند إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عن سلمة بن صخر، أنه ظاهر من امرأته في رمضان، وأنه وطئها، فقال له النبي ﷺ ، الحديث. والظاهر أنهما واقعتان، فإن في قصة المجامع أنه كان صائمًا، وفي قصة سلمة بن صخر أن ذلك كان ليلًا فافترقا، ولا يلزم من اجتماعهما في كونهما من بني بياضة وفي صفة الكفارة وكونها مرتبة، وفي كون كل منهما كان لا يقدر على شيء من خصالها اتحاد القصتين، وسنذكر أيضًا ما يؤيد المغايرة بينهما. وأخرج ابن عبد البر في ترجمة عطاء الخراساني من "التمهيد" عن سعيد بن المسيب: أن الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان في عهد النبي ﷺ هو سلمان بن صخر، قال ابن عبد البر: أظن هذا وهمًا، لأن المحفوظ أنه ظاهر من امرأته، ووقع عليها في الليل، لا أن كان ذلك منه بالنهار، انتهى. ويحتمل أن يكون قوله في الرواية المذكورة: "وقع على امرأته في رمضان"، أي ليلًا بعد أن ظاهر، فلا يكون وهمًا، ولا يلزم الاتحاد، ووقع في مباحث العام من "شرح ابن الحاجب" ما يوهم أن هذا الرجل هو أبو بردة بن يسار، وهو وهم، يظهر من تأمل بقية كلامه.

стр. 5193

النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: هَلَكْتُ، قَالَ: "وَمَا شَأنُكَ؟ " قَال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي في رَمَضَانَ، قَالَ: "فَهَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ " قَالَ: لَا، === (النبي ﷺ فقال) أي الرجل: (هلكت (١)، قال: وما شأنك؟ ) أي: حالك، لأي شيء هلكت (قال) ذلك الرجل: (وقعت على امرأتي) أي جامعتها (في رمضان) أي في نهار رمضان في حال الصوم (قال: فهل تجد ما) أي شيئًا من المال (تعتق به رقبة؟ (٢) قال) الرجل: (لا، قال: فهل (٣) تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ (٤) قال: لا) (٥)، فإنه لما لم يستطع أن يصوم شهرًا لا يستطيع أن يصوم شهرين. قال الحافظ (٦): وفي حديث سعد: "قال: لا أقدر"، وفي رواية ابن إسحاق: "وهل لقيت ما لقيت إلَّا من الصيام؟ "، قال ابن دقيق العيد: لا إشكال في الانتقال عن الصوم إلى الإطعام، لكن رواية ابن إسحاق هذه اقتضت أن عدم استطاعته لشدة شبقه وعدم صبره عن الوقاع، فنشأ للشافعية نظر،

стр. 5194

قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "اجْلِسْ" (١)، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ === هل يكون ذلك عذرًا -أي شدة الشبق- حتى يعد صاحبه غير مستطيع للصوم أو لا؟ والصحيح عندهم اعتبار ذلك، ويلتحق به من لا يجد رقبة لا غنى به عنها، فإنه يسوغ له الانتقال إلى الصوم مع وجودها لكونه في حكم غير الواجد (٢). (قال) أي رسول الله ﷺ : (فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ ) (٣) قال الحافظ (٤): ذكر في حكمة هذه الخصال من المناسبة: أن من انتهك حرمة الصوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية، فناسب أن يعتق رقبة فيفدي نفسه، وقد صح أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار، وأما الصيام فمناسبته ظاهرة, لأنه كالمقاصة بجنس الجناية، وأما كونه شهرين فلأنه لما أمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر رمضان على الولاء، فلما أفسد منه يومًا كان كمن أفسد الشهر كله من حيث أنه عبادة واحدة بالنوع، فكلف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده، وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة, لأنه مقابلة كل يوم بإطعام مسكين. (قال) أي الرجل: (لا، قال) أي رسول الله ﷺ : (اجلس) (٥) وانتظر فرج الله تعالى، (فأتي النبي ﷺ بعَرَق)، هو زنبيل منسوج من نسائج الخوص

стр. 5195

فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: "تَصَدَّقْ بِهِ"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنَّا، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ (١) ثنَايَاهُ، قَالَ: "فَأَطْعِمْهُ إِيَّاهُمْ". وَقَالَ مُسَدَّدٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ: "أَنْيَابُهُ". [خ ١٩٣٦، م ١١١١، ت ٧٢٤، جه ١٦٧١، حم ٢/ ٢٠٨] === (فيه تمر، فقال) أي رسول الله ﷺ : (تصدق به) عن كفارة إفساد الصوم. (فقال) أي الرجل: (يا رسول الله ﷺ ، ما بين لابتيها) أي حَرَّتَي المدينة (أهل بيت أفقر) أي أحوج (منا، قال) أي أبو هريرة: (فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت ثناياه) وهي الأسنان المتقدمة اثنتان فوق واثنتان تحت (قال) أي رسول الله ﷺ : (فأطعمه) أي التمر (إياهم) (٢) أي أهلك (وقال مسدد في موضع آخر: أنيابه). واختلف العلماء (٣) في من أفطر بجماع متعمدًا في رمضان، فإن الجمهور على أن الواجب عليه القضاء والكفارة، وشذَّ قومٌ فلم يوجبوا على المفطر عمدًا بالجماع إلَّا القضاء فقط، إما لأنه لم يبلغهم هذا الحديث، وإما لأنه لم يكن الأمر عزمة في هذا الحديث، لأنه لو كان عزمة لوجب إذا لم يستطع الإعتاق أو الإطعام أن يصوم، ولا بُدَّ إذا كان صحيحًا على ظاهر الحديث. وأيضًا لو كان عزمة لأعلمه ﵊ أنه إذا صح أنه يجب عليه الصيام أن لو كان مريضًا، وكذلك شذَّ قوم أيضًا، فقالوا: ليس عليه إلا الكفارة فقط، إذ ليس في الحديث ذكر القضاء، والقضاء الواجب بالكتاب إنما هو لمن أفطر ممن يجوز له الفطر، أو ممن لا يجوز له الصوم على

стр. 5196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الاختلاف المتقدم، فأما من أفطر متعمدًا، فليس في إيجاب القضاء عليه نص. ثم اختلفوا من ذلك في مواضع، منها: هل الإفطار متعمدًا بالأكل والشرب، حكمه حكم الإفطار بالجماع في القضاء والكفارة أم لا؟ ومنها: إذا جامع ساهيًا ماذا عليه؟ ومنها: ماذا على المرأة إذا لم تكن مكرهة؟ ومنها: هل الكفارة الواجبة فيه مترتبة أو على التخيير؟ ومنها: كم المقدار الذي يجب أن يعطى كل مسكين إذا كفر بالإطعام؟ ومنها هل الكفارة متكررة بتكرر الجماع أم لا؟ ومنها: إذا لزمه الإطعام وكان معسرًا هل يلزمه الإطعام إذا أثري أم لا؟ أما المسألة الأولى: وهي: هل تجب الكفارة بالإفطار بالأكل والشرب متعمدًا؟ فإن مالكًا وأصحابه وأبا حنيفة وأصحابه والثوري وجماعة ذهبوا إلى أن من أفطر متعمدًا بأكل أو شرب أن عليه القضاء والكفارة، وذهب الشافعي وأحمد وأهل الظاهر إلى أن الكفارة إنما تلزم في الإفطار من الجماع فقط، وجه قول الشافعي وأحمد وغيرهما أن وجوب الكفارة ثبت معدولًا به عن القياس، لأن وجوبها لدفع الذنب، والتوبة كافية لدفع الذنب، ولأن الكفارة من باب المقادير، والقياس لا يهتدي إلى تعيين المقادير، وإنما عرف وجوبها بالنص، والنص ورد في الجماع، والأكل والشرب ليسا في معناه, لأن الجماع أشد حرمة منهما، حتى يتعلق به وجوب الحد دونهما، فالنص الوارد في الجماع لا يكون واردًا في الأكل والشرب، فيقتصر على مورد النص. واحتجَّ أبو حنيفة ومالك وغيرهما بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أفطر في رمضان متعمدًا فعليه ما على المُظاهر" (١)، وعلى المُظاهر الكفارة بنصِّ الكتاب، فكذا على المفطر متعمدًا. واحتجُّوا أيضًا بالاستدلال بالمواقعة والقياس عليها، أما الاستدلال بها

стр. 5197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فهو أن الكفارة في المواقعة وجبت لكونها إفسادًا لصوم رمضان من غير عذر ولا سفر على ما نطق به الحديث، والأكل والشرب إفساد لصوم رمضان متعمدًا من غير عذر ولا سفر، فكان إيجاب الكفارة هناك إيجابًا ها هنا دلالة. والدليل على أن الوجوب في المواقعة لما ذكرنا وجهان، أحدهما مجمل، والآخر مفسر، أما المجمل فاستدلال بحديث الأعرابي، وأما المفسر فلأن إفساد صوم رمضان ذنب، ورفع الذنب واجب عقلًا وشرعًا لكونه قبيحًا، والكفارة تصلح رافعة له, لأنها حسنة، وقد جاء الشرع بكون الحسنات ذاهبة للسيئات، إلا أن الذنوب مختلفة المقادير، وكذا الروافع لها لا يعلم مقاديرها إلَّا الشارع للأحكام، وهو الله تعالى، فمتى ورد الشرع في ذنب خاص بإيجاب رافع خاص، ووجد مثل ذلك الذنب في موضع آخر، كان ذلك إيجابًا لذلك الرافع فيه، ويكون الحكم فيه ثابتًا بالنص لا بالتعليل والقياس (١). وقال الإمام السرخسي في "المبسوط" (٢): ولنا حديث أبي هريرة: أن رجلًا قال: يا رسول الله أفطرت في رمضان فقال: "من غير مرض ولا سفر؟ "، فقال: نعم، فقال: "أعتق رقبة"، وذكر أبو داود أن الرجل قال: شربت في رمضان، وقال علي ﵁: إنما الكفارة في الأكل والشرب والجماع. ثم نحن لا نوجب الكفارة بالقياس، وإنما نوجبها استدلالًا بالنص، لأن السائل ذكر المواقعة، وعينها ليس بجناية، بل هو فعل في محل مملوك، وإنما الجناية الفطرية، فتبين أن الموجب للكفارة فطر وهو جناية، ألا ترى أن الكفارة تضاف إلى الفطر، والواجبات تضاف إلى أسبابها؟ والدليل عليه أنه لا تجب على الناسي لانعدام الفطر، والفطر الذي هو جناية متكاملة يحصل بالأكل كما يحصل بالجماع، ولأنه آلة له، ويتعلق الحكم بالسبب لا بالآلة.

стр. 5198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ثم إيجابه في الأكل أولى، لأن الكفارة وجبت زاجرة، ودعاء الطبع في وقت الصوم إلى الأكل أكثر منه إلى الجماع، والصبر عنه أشد، فإيجاب الكفارة فيه أولى، كما أن حرمة التأفيف يقتضي حرمة الشتم بطريق الأولى، ثم لأجل العبادة استوى حرمة الجماع وحرمة الأكل بخلاف حال عدم الملك، فإن حرمة الجماع أغلظ حتى تزيد حرمة الجماع على حرمة الأكل، وبخلاف الحج فإن حرمة الجماع فيه أقوى، حتى لا يرتفع بالحلق، والدليل على المساواة هنا فصل الناسي، فقد جعلنا النص الوارد في الأكل حال النسيان كالوارد في الجماع، فكذلك يجعل النص الوارد في إيجاب الكفارة بالمواقعة كالوارد في الأكل، انتهى. ثم استدلوا بالقياس على المواقعة وهو أن الكفارة هناك وجبت للزجر عن إفساد صوم رمضان صيانة له في الوقت الشريف، لأنها تصلح زاجرة، والحاجة مست إلى الزاجر، أما الصلاحية فلأن من تأمل أنه لو أفطر يومًا من رمضان لزمه إعتاق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا لامتنع منه. وأما الحاجة إلى الزجر فلوجود الداعي الطبعي إلى الأكل والشرب والجماع، وهو شهوة الأكل والشرب والجماع، وهذا في الأكل والشرب أكثر، لأن الجوع والعطش يقلل الشهوة، فكانت الحاجة إلى الزجر عن الأكل والشرب أكثر، فكان شرع الزاجر هناك شرعًا ها هنا من طريق الأولى، وعلى هذه الطريقة يمنع عدم جواز إيجاب الكفارة بالقياس. وأما المسألة الثانية: وهو إذا جامع ناسيًا لصومه، فإن الشافعي وأبا حنيفة يقولان: لا قضاء عليه ولا كفارة، وقال مالك: عليه القضاء دون الكفارة، وقال أحمد وأهل الظاهر: عليه القضاء والكفارة، واحتج الشافعي وأبو حنيفة بما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما

стр. 5199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أطعمه الله وسقاه" (١)، ويشهد له عموم قوله ﵊: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان". وأما المسألة الثالثة: وهو اختلافهم في وجوب الكفارة على المرأة إذا طاوعته على الجماع، فإن أبا حنيفة وأصحابه ومالكًا وأصحابه أوجبوا عليها الكفارة، وقال الشافعي وداود: لا كفارة عليها. قلت: وللشافعي قولان (٢): في قول: لا يجب عليها أصلًا، وفي قول: يجب عليها ويتحملها الرجل. وجه قوله الأول: أن وجوب الكفارة عرف نصًا بخلاف القياس، والنص ورد في الرجل دون المرأة، وكذا ورد بالوجوب بالوطء، وأنه لا يتصور من المرأة، فإنها موطوءة، وليست بواطئة، فبقي الحكم فيها على أصل القياس. وجه قوله الثاني: أن الكفارة إنما وجبت عليها بسبب فعل الرجل فوجب عليه التحمل كثمن ماء الاغتسال. ولهما: أن النص وإن ورد في الرجل لكنه معلول بمعنى يوجد فيهما، وهو إفساد صوم رمضان بإفطار كامل حرام محض متعمدًا، فتجب الكفارة عليها بدلالة النص، وبه تبين أنه لا سبيل إلى التحمل؛ لأن الكفارة إنما وجبت عليها بفعلها، وهو إفساد الصوم. ويجب مع الكفارة القضاء عند عامة العلماء. وقال الأوزاعي: إن كفر بالصوم فلا قضاء عليه، وزعم أن الصومين يتداخلان، وهذا غير سديد, لأن صوم الشهرين يجب تكفيرًا زجرًا عن جناية الإفساد، أو رفعًا لذنب الإفساد، وصوم القضاء يجب جبرًا للفائت، فكل واحد

стр. 5200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === منهما شرع لغير ما شرع له الآخر، فلا يسقط صوم القضاء بصوم شهرين كما لا يسقط بالإعتاق، وقد روي عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ أمر الذي واقع امرأته أن يصوم يومًا". وأمّا المسألة الرابعة: وهي هل هذه الكفارة مرتبة، ككفارة الظهار، أو على التخيير؟ والمراد بالترتيب أن لا ينتقل المكلف إلى واحد من الواجبات المخيرة إلَّا بعد العجز عن الذي قبله، وبالتخيير أن يفعل منها ما شاء ابتداء من غير عجز عن الآخر، فاختلفوا في ذلك، فقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وسائر الكوفيين: هي مرتبة، فالعتق أولًا، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يستطع فالإطعام. وقال مالك: هي على التخيير، ولكن وقع في "المدونة": ولا يعرف مالك غير الإطعام، ولا يأخذ بعتق ولا صيام، قال ابن دقيق العيد: وهي معضلة لا يهتدى إلى توجيهها مع مصادمة الحديث الثابت، غير أن بعض المحققين من أصحابه حمل هذا اللفظ، وتأوله (١) على الاستحباب في تقديم الطعام على غيره من الخصال. وأما المسألة الخامسة: وهو اختلافهم في مقدار الإطعام (٢)، فإن مالكًا والشافعي وأصحابهما قالوا: يطعم لكل مسكين مدًا بمد النبي ﷺ ، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجزئ أقل من مُدَّين بمُد النبي ﷺ ، وذلك نصف صاع لكل مسكين، فالحنفية يقيسونها على صدقة الفطر بعلة أنه أوجب كفاية للمسكين في يومه.

стр. 5201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وأما المسألة السادسة: وهي تكرر الكفارة بتكرر الإفطار، فإنهم أجمعوا على أن من وطئ في رمضان ثم كفَّر ثم وطئ في يوم آخر أن عليه كفارة أخرى، وأجمعوا على أنه من وطئ مرارًا في يوم واحد أنه ليس عليه إلَّا كفارة واحدة، واختلفوا فيمن وطئ في يوم من رمضان ولم يكفر حتى وطئ في يوم ثان، فقال مالك والشافعي وجماعة: عليه لكل يوم كفارة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه كفارة واحدة، ما لم يكفِّر عن الجماع الأول. وأما المسألة السابعة: وهي هل يجب عليه الإطعام إذا أيسر، وكان معسرًا في وقت الوجوب؟ فإن الأوزاعي قال: لا شيء عليه إن كان معسرًا، وأما الشافعي فتردد في ذلك، والسبب في اختلافهم في ذلك أنه حكم مسكوت عنه، فيحتمل أن يشبه بالديون، فيعود الوجوب عليه في وقت الإثراء، ويحتمل أن يقال: لو كان ذلك واجبًا عليه لبينه له ﵊. قال العيني في "شرح البخاري" (١): إن قلت: لم يبين في هذا الحديث مقدار ما في المكتل من التمر؟ قلت: وقع في رواية ابن أبي حفصة: "فيه خمسة عشر صاعًا"، وفي رواية مؤمل عن سفيان: "فيه خمسة عشر أو نحو ذلك"، وفي رواية مهران بن أبي عمرو عن الثوري عند ابن خزيمة: "فيه خمسة عشر أو عشرون"، وكذا هو عند مالك، وفي مرسل سعيد بن المسيب عند الدارقطني الجزم بعشرين صاعًا، ووقع في حديث عائشة عند ابن خزيمة: "فأتي بعرق فيه عشرون صاعًا". وقال بعضهم: فيه رد على الكوفيين في قولهم: إن واجبه من القمح ثلاثون صاعًا، ومن غيره ستون صاعًا.

стр. 5202

٢٣٩١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ. زَادَ (١) الزُّهْرِىُّ: وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا رُخْصَةً لَهُ خَاصَّةً، === قلت: ليت شعري كيف فيه رد على الكوفيين، وهم قد احتجُّوا بما رواه مسلم من حديث عائشة: "فجاءه عَرْقان فيهما طعام"، وقد ذكرنا فيما مضى أن [ما في] العرقين يكون ثلاثين صاعًا، فيعطى لكل مسكين نصف صاع، بل الرد على أئمتهم حيث احتجوا فيما ذهبوا إليه بالروايات المضطربة، وفي بعضها الشك. قلت: وقال في "الجوهر النقي" (٢): قال الخطابي ما ملخصه: ظاهر الحديث أن خمسة عشر صاعًا كاف لكفارة، لكل مسكين مد، وجعله الشافعي أصلًا في أكثر المواضع التي فيها الإطعام، إلا أنه روي في خبر سلمة وأوس في كفارة الظهار في أحدهما أطعم وسقًا، والوسق ستون صاعًا، وفي الآخر "أتي بعرق"، وفسره ابن إسحاق في روايته ثلاثين صاعًا، فالاحتياط أن لا يقتصر على مد، لجواز أن يكون التقدير بخمسة عشر صاعًا أمر بأن يتصدق به، وتمام الكفارة باق عليه إلى زمن السعة، كمن عليه ستون درهمًا، فيعطي صاحب الحق خمسة عشر درهمًا، وليس فيه إسقاط ما وراءه من حقه ولا براءة ذمته منه. قلت: ألا ترى أن رسول الله ﷺ أذن له بإطعامه ذلك أهله، فكما بقي جميع الكفارة في ذمته في هذه الصورة، فكذلك بقي في ذمته بعض الكفارة في صورة إطعام العرق المساكين. ٢٣٩١ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري بهذا الحديث بمعناه) أي حدث معمر عن الزهري نحو ما حدث سفيان عنه موافقًا له في معناه (زاد الزهري) أي في حديث معمر: (وإنما كان هذا رخصة له خاصة)

стр. 5203

فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فَعَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّكْفِيرِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَمَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، === وحاصل معنى هذا القول: أنها لما وجبت عليه الكفارة بإفساد الصوم بالجماع، ثم أمره ﷺ بأدائها بإعطاء العَرَق له، فاعتذر بالفقر والجوع، فأباحه رسول الله ﷺ بإطعامه إياهم، فكأنه أسقط عنه رسول الله ﷺ الكفارة الواجبة عليه بإطعامه أهله، فهذا الحكم مختص به. (فلو أن رجلًا فعل ذلك) أي إفساد الصوم (اليوم) أي بعد زمان رسول الله ﷺ (لم يكن له بد من التكفير) أي من أداء الكفارة، فلو أطعم اليوم قدر الكفارة من التمر وغيره أهله لا يكون مؤديًا لها بل يكون دينًا عليه، ويجب عليه أداؤها. قال في "نصب الراية" (١): قال المنذري في حواشيه: وقول الزهري: "إنما كان هذا رخصة له خاصة" دعوى لم يكن (٢) له عليها برهان، وقال غيره: إنه منسوخ، وهو أيضًا دعوى. (قال أبو داود: رواه الليث بن سعد)، أخرجه مسلم في "صحيحه" (٣)، وأخرجه أيضًا الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٤)، وخالفه في السند فقال: حدثني الليث، قال حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، فزاد بين الليث والزهري عبد الرحمن بن خالد، ولم يزده مسلم. (والأوزاعي (٥)، ومنصور بن المعتمر)، أخرج البخاري حديث منصور في

стр. 5204

وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ، عَلَى مَعْنَى ابْنِ عُيَيْنَةَ، زَادَ فِيهِ الأَوْزَاعِيُّ: "وَاسْتَغْفِر اللَّه". ٢٣٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ في رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا === "صحيحه" (١)، وذكر حديثهما الطحاوي (٢)، فأخرج بسنده عن منصور، عن الزهري، وقال: فذكر بإسناده مثله، ثم أخرج حديث الأوزاعي قال: سألت الزهري عن رجل جامع امرأته في شهر رمضان، فقال: حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: حدثني أبو هريرة، فذكره نحوه. (وعراك بن مالك) ولم أجد رواية عراك بن مالك فيما عندي من كتب الحديث (٣)، ولكن قال العيني (٤): وعراك بن مالك عند النسائي (على معنى) حديث (ابن عيينة، زاد فيه) أي الحديث (الأوزاعي: واستغفر الله) أي عما فعلت، والأمر بالاستغفار بعد الأمر بالكفارة دليل على أن الكفارات ليست رافعة للذنب، بل هي زواجر، والرافع للذنب التوبة والاستغفار. ٢٣٩٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله ﷺ أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينًا) واحتج مالك بهذا السياق على التخيير في هذه الخصال، وإلى القول بالترتيب ذهب الجمهور.

стр. 5205

قَالَ: لَا أَجِدُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اجْلِسْ"، فَأُتيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: "خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ"، فَقَالَ: يَا رَسولَ اللَّهِ، مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنِّي، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَاُبهُ، وَقَالَ لَهُ: "كُلْهُ". [ط ١/ ٢٩٦/ ٢٨] === قال الشوكاني (١): وقد وقع في الروايات ما يدل على الترتيب والتخيير، والذين رووا الترتيب أكثر، ومعهم الزيادة، وجمع المهلب والقرطبي بين الروايات بتعدد الواقعة، قال الحافظ (٢): وهو بعيد, لأن القصة واحدة، والمخرج متحد، والأصل عدم التعدد، وجمع بعضهم يحمل (٣) الترتيب على الأولوية، والتخيير على الجواز، وعكسه بعضهم. (قال: لا أجد، فقال له رسول الله ﷺ : اجلس، فأتي) بضم الهمزة على البناء للمجهول، والرجل الآتي لم يسم، ووقع في روايةٍ للبخاري: "فجاء رجل من الأنصار"، وفي أخرى للدارقطني: "رجل من ثقيف" (رسول الله ﷺ بعرق) بفتح المهملة والراء وهو الزنبيل، والزنبيل المكتل (فيه تمر، فقال: خذ هذا فتصدق به، فقال: يا رسول الله ما أحد أحوج مني، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أنيابه، وقال له: كله)، وفي رواية: "أطعمه أهلك". قيل: إنه دل على سقوط الكفارة بالإعسار المقارن لوجوبها، لأن الكفارة لا تصرف إلى النفس ولا إلى العيال، ولم يبين النبي ﷺ استقرارها في ذمته إلى حين يساره، وقال الأوزاعي: يستغفر الله ولا يعود، وليس في الخبر ما يدل على إسقاطها، بل فيه ما يدل على استمرارها على العاجز، وقال الجمهور: لا تسقط الكفارة بالإعسار، والذي أذن له في التصرف فيه ليس على سبيل الكفارة.

стр. 5206

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْج عن الزُّهْرِيِّ عَلَى لَفْظِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ، وَقَالَ فِيهِ: "أَوْ (١) تعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا". === ثم اختلفوا فقال الزهري: هو خاص بهذا الرجل، وإلى هذا نحا إمام الحرمين، ورُدُّ بأن الأصل عدم الخصوصية، وقال بعضهم: هو منسوخ، ولم يبين قائله ناسخه، وقيل: المراد بالأهل الذين أمر بصرفها إليهم من لا تلزمه نفقته من أقاربه، وضعف بالرواية الأخرى التي فيها عيالك، وبالرواية المصرحة بالإذن له في الأكل من ذلك، وقيل: لما كان عاجزًا عن نفقة أهله جاز له أن يصرف الكفارة لهم، وهذا هو ظاهر الحديث. قال الشيخ تقي الدين: وأقوى من ذلك أن يجعل الإعطاء لا على جهة الكفارة، بل على جهة التصدق عليه وعلى أهله بتلك الصدقة لما ظهر من حاجتهم، وأما الكفارة فلم تسقط بذلك، ولكن ليس استقرارها في ذمته مأخوذًا من هذا الحديث (٢)، انتهى. (قال أبو داود: رواه ابن جريج عن الزهري على لفظ مالك: أن رجلًا أفطر) (٣) أي متعمدًا في رمضان (وقال) أي ابن جريج (فيه) أي في حديثه: (أو تعتق رقبة، أو تصوم شهرين، أو تطعم ستين مسكينًا) بلفظة "أو" الدالة على التخيير كما هو في حديث مالك بلفظة "أو"، أخرج مسلم في "صحيحه" (٤) حديث ابن جريج بلفظة "أو" في الخصال الثلاثة.

стр. 5207

٢٣٩٣ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ (١)، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، نَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي ﷺ أفْطَرَ في رَمَضَانَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، وَقَالَ فِيهِ: "كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ، وَصُمْ يَوْمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّه". [خزيمة ١٩٥٤، ق ٤/ ٢٢٦] === ٢٣٩٣ - (حدثنا جعفر بن مسافر، نا ابن أبي فديك، نا هشام (٢) بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ أفطر في رمضان، بهذا الحديث) المتقدم (قال) أي أبو هريرة: (فأتي) بصيغة المجهول، رسول الله ﷺ (بعرق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعًا، وقال) أي هشام بن سعد (فيه: كله) أي ما في العرق (أنت وأهل بيتك، وصم (٣) يومًا) أي بدل صوم اليوم الذي أفسدت فيه صومك (واستغفر (٤) الله). قال الزيلعي في "نصب الراية" (٥): قال ابن القطان: وعلة (٦) هذا الحديث ضعف هشام بن سعد، انتهى، وقال عبد الحق في "أحكامه": طرق مسلم في هذا الحديث أصح وأشهر، وليس فيها صم يومًا ولا مكتلة التمر ولا الاستغفار، وإنما يصح القضاء مرسلًا، انتهى كلامه، وهذا المرسل في "موطأ مالك"

стр. 5208

٢٣٩٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: أَتَى رَجُلٌ (١) النَّبِيَّ ﷺ في الْمَسْجِدِ في رَمَضَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، احْتَرَقْتُ، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَا شأْنهُ؟ فَقَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي، قَالَ: "تَصَدَّقْ"، قَالَ: === عن [عطاء بن] عبد الله الخراساني، عن سعيد بن المسيب قال: جاء أعرابي، فذكره، وفي آخره: فقال له ﵇: "كله وصم يومًا مكان ما أصبت"، مختصر. وقال العيني في "شرحه على الصحيح" (٢): وقد رواه هشام بن سعد، عن الزهري فخالف الجماعة في إسناده، فرواه [عنه] عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وزاد فيه: "وصم يومًا مكانه"، رواه أبو داود وسكت عليه، وقال أبو عوانة الإسفرائني: غلط فيه هشام بن سعد. ٢٣٩٤ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه، أن محمد بن جعفر بن الزبير حدثه، أن عباد بن عبد الله بن الزبير حدثه، أنه سمع عائشة زوج النبي ﷺ تقول: أتى رجل (٣) النبي ﷺ في المسجد في رمضان، فقال: يا رسول الله احترقت) أي: ارتكبت معصية توجب الاحتراق بالنار، وفي رواية: "هلكت"، وهذا يدل على أن ذلك الفعل صدر منه متعمدًا ذاكرًا صومه. (فسأله النبي ﷺ ما شأنه؟ فقال) الرجل: (أصبت أهلي) أي جامعتها متعمدًا في نهار رمضان (قال) أي رسول الله ﷺ : (تصدق، قال) أي الرجل:

стр. 5209

وَاللَّهِ مَا لِي شَيْءٌ، وَلَا (١) أَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَالَ: "اجْلِسْ" فَجَلَسَ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ رَجُلٌ يَسُوقُ حِمَارًا عَلَيْهِ طَعَامٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ آنِفًا؟ " فَقَامَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَصَدَّقْ بِهَذَا"، فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، أَعَلَى غَيْرِنَا؟ فَوَاللَّةِ إِنَّا لَجِيَاعٌ، مَا لنَا شَيئٌ، قَالَ: "كُلُوهُ". [م ١١١٢، خ ١٩٣٥] ٢٣٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، نَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن عَائِشَةَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ: "فَأتيَ بِعَرَقٍ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا". [خزيمة ١٩٤٧، ق ٤/ ٢٢٣] === (والله ما لي شيء) أي من المال (ولا أقدر عليه) أي على المال حتى أتصدق به (قال) أي رسول الله ﷺ : (اجلس فجلس، فبينما هو على ذلك أقبل رجل يسوق حمارًا عليه طعام)، والظاهر أن هذا الطعام هو ما وقع في حديث مسلم من حديث عائشة ﵂: "فجاءه عرقان فيهما طعام". (فقال رسول الله ﷺ : أين المحترق آنفًا؟ ) أي أين الذي يخبرنا باحتراقه آنفًا (فقام الرجل) أي المحترق، (فقال رسول الله ﷺ : تصدق بهذا) أي بهذا الطعام على ستين مسكينًا (فقال: يا رسول الله، أعلى غيرنا؟ ) أي أتصدق على غيرنا وإنا لمحتاجون إليه (فوالله إنا لجياع) أي: أنا وأهلي (ما لنا شيء، قال) أي رسول الله ﷺ : (كلوه) أي كلوا أنتم ذلك الطعام. ٢٣٩٥ - (حدثنا محمد بن عوف، نا سعيد بن أبي مريم، ثنا ابن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عباد بن عبد الله، عن عائشة بهذا القصة) المتقدمة، وخالفه فيما أتى به من الطعام (قال) أي عبد الرحمن بن الحارث: (فأتي بعرق فيه عشرون صاعًا)

стр. 5210

(٣٨) بَابُ التَّغْلِيظِ فِيمَنْ أَفْطَرَ عَمْدًا ٢٣٩٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: نَا شُعْبَةُ. (ح): وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنا شُعْبَةُ، عن حَبِيب بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عن عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عن ابْنِ مُطَوِّسٍ (١)، عن أَبِيهِ- قَاَلَ ابْنُ كَثيرٍ: عن أَبِي الْمُطَوَّسِ، عن أَبِيهِ- === وفي سنده عبد الرحمن بن الحارث، قال أحمد: متروك، وقال النسائي: ليس بالقوي، وضعفه علي بن المديني، ولكن وثقه العجلي وابن سعد. (٣٨) (بَابُ التَّغْلِيظِ فِيمَنْ أَفْطَرَ) أي: أفسد صومه في رمضان (عَمدًا)، وفي نسخة: "متعمدًا" ٢٣٩٦ - (حدثنا سليمان بن حرب قال: نا شعبة، ح: وحدثنا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عمارة بن عمير، عن ابن مطوس) قال القاري (٢): بكسر الواو المشددة، وقال في "القاموس": والمطوس كمعظم: الشيء الحسن، وصحابي ولم أجده في "الإصابة" ولا في "أسد الغابة" (عن أبيه) وهذا قول سليمان بن حرب، أي: ابن المطوس، وخالفه ابن كثير (قال ابن كثير: عن أبي المطوس عن أبيه). قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٣): أبو المطوس، وقيل: ابن المطوس، عن أبيه عن أبي هريرة "من أفطر في رمضان"، وعنه حبيب بن أبي ثابت، وقيل: عن حبيب، عن عمارة بن عمير عنه، قال ابن معين: أبو المطوس عبد الله أراه كوفيًا ثقة، وقال البخاري: اسمه يزيد بن المطوس، وقال أبو حاتم: لا يسمى، قلت: وقال أحمد: لا أعرفه، ولا أعرف حديثه عن غيره،

стр. 5211

عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ في (١) غَيْرِ رُخْصَةٍ رَخَّصَهَا اللَّهُ لَهُ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ". [خت (ك ٣٠ ب ٢٩)، ت ٧٢٣، جه ١٦٧٢، حم ٢/ ٢٨٦، دي ١٧١٥] === وقال البخاري: لا أعرف له غير حديث الصيام، ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا، وقال ابن حبان: يروي عن أبيه ما لا يتابع عليه، لا يجوز الاحتجاج بإفراده، انتهى. وإذا لم يكن له إلَّا هذا الحديث فلا معنى لهذا الكلام، وقد اختلف في رواية حبيب بن أبي ثابت عند الثوري عن حبيب، عن عمارة، عن أبي المطوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال حبيب: ثم لقيت أبا المطوس فحدثني به، وقال شعبة: أخبرني حبيب عن أبي المطوس، أما أنا فلم أسمع من أبي المطوس، ولكن أخبرني عمارة بن عمير، عن [أبي] المطوس، عن أبيه فذكره، وقال يزيد بن أبي أنيسة: عن حبيب عن أبي المطوس، عن المطوس، فعلى هذا من قال: أبو المطوس أو ابن المطوس فقد أصاب. (عن أبي هريرة (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : من أفطر يومًا من رمضان في غير رخصة رخصها الله له) أي في غير إذن أذن الله له من مرض أو سفر (لم يقض عنه صيام الدهر) أي لا تحصل به فضيلة رمضان وطهرته وبركته، وليس معناه لو صام الدهر بنية القضاء من يوم رمضان لا يسقط قضاء ذلك اليوم عنه، بل الحكم الشرعي فيه أنه لو صام بذلك اليوم يومًا آخر بعد رمضان يجزئه ويسقط عنه ما كان يجب عليه، فهذا من باب التغليظ (٣) والتشديد.

стр. 5212

٢٣٩٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي حَبيبٌ، عن عُمَارَةَ، عن ابْنِ الْمُطَوِّسِ قَالَ: فَلَقِيتُ ابْنَ الْمُطَوِّسِ (١) فَحَدَّثَنِي عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٢) ﷺ ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ كَثِيرٍ وَسُلَيْمَانَ. [دي ١٧١٤، حم ٢/ ٤٧٠، وانظر سابقه] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: واخْتُلِفَ عَلَى سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ عَنْهُمَا ابْنُ الْمُطَوِّسِ وَأَبُو الْمُطَوِّسِ. === ٢٣٩٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثني يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني حبيب) أي ابن أبي ثابت، (عن عمارة) أي ابن عمير، (عن ابن المطوس قال: فلقيت ابن المطوس فحدثني عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ، مثل حديث ابن كثير وسليمان) أي: حدث أحمد بن حنبل مثل حديث محمد بن كثير وسليمان بن حرب. (قال أبو داود: اختلف على سفيان وشعبة عنهما ابن المطوس وأبو المطوس) أي اختلف أصحاب سفيان وشعبة عنهما، فقال بعضهم: ابن المطوس، وبعضهم: أبو المطوس، فأما اختلاف أصحاب شعبة فبينه المصنف في الحديث المتقدم بأن سليمان بن حرب قال في حديثه عن شعبة: ابن المطوس، وقال ابن كثير عنه: أبو المطوس، وأما اختلاف أصحاب سفيان عنه فلم يُبَيِّنه، وأخرج حديثه أحمد بن حنبل، ففي حديثه عن يحيى بن سعيد عنه عن ابن المطوس، ولم يذكر من حديث أصحاب سفيان من هو في حديثه أبو المطوس.

стр. 5213

(٣٩) بَابُ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا ٢٣٩٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيل، نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ وَحَبِيبٍ وَهِشَامٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرينَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَكَلْتُ وَشَرِبْتُ نَاسِيًا وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ: "أَطْعَمَكَ الله (١) وَسَقَاكَ". [خ ١٩٣٣، م ١١٥٥، ت ٧٢١، جه ١٦٧٣، حم ٢/ ٤٢٥] === وأما الاختلاف الواقع في حديث شعبة وسفيان بأن في حديث سفيان الثوري: ثم لقيت أبا المطوس فحدثني به، وفي حديث شعبة: أما أنا فلم أسمع من أبي المطوس، ولكن أخبرني عمارة بن عمير عن أبي المطوس، فوجه المجمع بينهما أن حبيب بن أبي ثابت حدث بهذا الحديث شعبة أولًا حين لم يلق أبا المطوس، ثم لم يحدثه بعد ذلك، وأما سفيان الثوري فحدث بعد ما لقي أبا المطوس، فحدث أولًا عن عمارة عن أبي المطوس، ثم قال: لقيت أبا المطوس فحدثني به، فحدث الثوري بغير واسطة عمارة. (٣٩) (بَابُ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا) أي: ما حكمه هل يسلم له صومه، ولا يجب عليه قضاء ذلك اليوم أم لا؟ ٢٣٩٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن أيوب وحبيب) بن الشهيد (وهشام) الدستوائي، (عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: جاء رجل)، قال الحافظ (٢): وهذا الرجل هو أبو هريرة راوي الحديث (إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أكلت وشربت ناسيًا) أي للصوم (وأنا صائم، فقال: أطعمك الله وسقاك). قال الشوكاني (٣): وقد ذهب [إلى هذا] الجمهور، فقالوا: من أكل ناسيًا

стр. 5214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فلا يفسد صومه، ولا قضاء عليه ولا كفارة، وقال مالك وابن أبي ليلى: إن من أكل ناسيًا فقد بطل صومه، ولزمه القضاء، واعتذر بعض المالكية عن الحديث بأنه خبر واحد مخالف للقاعدة، وهو اعتذار باطل، والحديث قاعدة مستقلة في الصيام، وأجاب بعضهم يحمل الحديث على التطوع، واعتذر بأنه لم يقع في الحديث تعيين رمضان، وهو حمل غير صحيح، يرده ما وقع في لفظ الدارقطني: "من أفطر يومًا من رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه ولا كفارة"، قال الدارقطني (١): تفرد به ابن مرزوق وهو ثقة عن (٢) الأنصاري. وأما اعتذار ابن دقيق العيد عن الحديث بأن الصوم قد فات ركنه، وهو من باب المأمورات، والقاعدة: أن النسيان لا يؤثر في المأمورات، فيجاب عنه بأن غاية هذه القاعدة المدعاة أن تكون بمنزلة الدليل، فيكون حديث الباب مخصِّصًا لها، وأما قوله: "أطعمك الله وسقاك"، فهو كناية عن عدم الإثم, لأن الفعل إذا كان من الله كان الإثم منتفيًا. واختلفوا في المُجامع، فبعضهم ألحقه بمن أكل أو شرب، وبعضهم منع من الإلحاق لقصور حالة المجامع عن حالة الآكل والشارب، وفرق بعضهم بين الأكل والشرب القليل والكثير، وظاهر الحديث عدم الفرق، ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد عن أم إسحاق أنها كانت عند النبي ﷺ ، فأتي بقصعة من ثريد، فأكلت معه، ثم تذكرت أنها صائمة، فقال لها ذو اليدين: الآن بعد ما شبعت؟ فقال لها النبي ﷺ : "أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك" (٣)، وهذا ملخص ما في "النيل"، والتفصيل في "الفتح" (٤) للحافظ.

стр. 5215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ومذهب الحنفية في ذلك: أن الأصل أن ركن الصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، فإذا فات ركنه بأحد من هذه الثلاثة يفسد الصوم كيف ما كان, لأن انتقاض الشيء عند ذوات ركنه أمر ضروري، سواء كان بعذر أو بغير عذر، عمدًا أو خطأ، طوعًا أو كرهًا، بعد أن كان ذاكرًا لصومه، لا ناسيًا ولا في معنى الناسي، والقياس أن يفسد وإن كان ناسيًا، وهو قول مالك، لوجود ضد الركن، لكنا تركنا القياس بالنص، وهو ما روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من نسي وهو صائم" (١) الحديث، وعلل بانقطاع نسبة فعله عنه لإضافته إلى الله تعالى لوقوعه من غير قصده. وروي عن أبي حنيفة أنه قال: لا قضاء على الناسي للأثر المروي عن النبي ﷺ . والقياس أن يقضي ذلك، ولكنَّ اتباعَ الأثر أولى إذا كان صحيحًا، وحديث صَحَّحَه أبو حنيفة لا يبقى فيه لأحد مطعن، وكذا انتقده أبو يوسف حيث قال: وليس حديث شاذ نجترئ على رده، وكان من صيارفة الحديث، وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة ﵃ مثل مذهبنا، ولأن النسيان في باب الصوم ما يغلب وجوده، ولا يمكن دفعه إلَّا بحرج، فَجُعِلَ عذرًا دفعًا للحرج. وعن عطاء والثوري أنهما فرَّقا بين الأكل والشرب وبين الجماع ناسيًا، فقالا: يفسد صومه في الجماع، ولا يفسد في الأكل والشرب، لأن القياس يقتضي الفساد في الكل لفوات ركن الصوم في الكل، إلا أنا تركنا القياس بالخبر، وأنه ورد في الأكل والشرب، فبقي الجماع على أجل القياس. وإنا نقول: نعم، الحديث ورد في الأكل والشرب لكنه معلول بمعنى

стр. 5216

(٤٠) بَابُ تَأْخِيرِ قَضَاءِ رَمَضَان ٢٣٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: "إِنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَستَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ حَتَّى يَأْتِيَ شَعْبَانُ". [خ ١٩٥٠، م ١١٤٦، ن ٢٣١٩، جه ١٦٩٦] === يوجد في الكل، وهو أنه فعل مضاف إلى الله تعالى على طريق التمحيض بقوله: "فإنما أطعمه الله وسقاه"، قطع إضافته عن العبد لوقوعه فيه من غير قصده واختياره، وهذا المعنى يوجد في الكل، والعلة إذا كانت منصوصًا عليها كان الحكم منصوصًا عليه، ويتعمم الحكم بعموم العلة، وكذا معنى الحرج يوجد في الكل، انتهى "بدائع" (١). (٤٠) (بَابُ تَأْخِيرِ قَضَاءِ (٢) رَمَضَانَ)، أي: يجوز أم لا؟ ٢٣٩٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه سمع عائشة تقول: إن) مخففة من المثقلة أي إنه (كان ليكون عليَّ الصوم من رمضان) أي الذي فات عني بعذر الحيض (فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان). استدل بهذا على أن عائشة كانت لا تتطوع بشيء من الصيام، ولا في عشر ذي الحجة، ولا عاشوراء، ولا غير ذلك, لأنها لما لم تصم ما وجب عليها من قضاء رمضان لمكان النبي ﷺ ، فترك صوم التطوع أولى منه، وفي لفظ البخاري: "الشغل بالنبي ﷺ "، ولفظ مسلم: "لمكان رسول الله ﷺ ".

стр. 5217

(٤١) بَابٌ: فِيمَنْ مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَامٌ === وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقًا، سواء كان لعذر أو لغير عذر, لأن الزيادة أعني قوله: "وذلك لمكان رسول الله ﷺ "، قد جزم جماعة من الحفاظ بأنها مدرجة، ولكن الظاهر اطلاع النبي ﷺ على ذلك، لا سيما مع توفر دواعي أزواجه إلى سؤاله عن الأحكام الشرعية، فيكون ذلك أعني جواز التأخير مقيدًا بالعذر المسوغ لذلك، قاله الشوكاني (١). واختلفوا في القضاء، فبعضهم أوجب (٢) أن يكون القضاء متتابعًا على صفة الأداء كما هو القياس، وبعضهم لم يوجب ذلك، والجمهور على ترك (٣) إيجاب التتابع، وظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤) إنما يقتضي إيجاب العدد فقط، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: نزلت: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ متتابعات)، فسقطت "متتابعات"، وفي "الموطأ": أنَّها قراءة أُبي بن كعب، وهذا إن صح يشعر بعدم وجوب التتابع، فكأنه كان أولًا واجبًا ثم نسخ، ولا يختلف المجيزون للتفريق أن التتابع أولى (٥). (٤١) (بَابٌ: فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَائم) قال الحافظ (٦): أي هل يشرع قضاؤه عنه أم لا؟ وإذا شرع هل يختص بصيام دون صيام أو يعم كل صيام؟ وهل يتعين الصوم أو يجزئ الإطعام؟ وهل يختص الولي بذلك أو يصح منه ومن غيره؟ والخلاف في ذلك مشهور للعلماء.

стр. 5218

٢٤٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي جَعْفَرٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عُرْوَةَ (١)، عن عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وليُّهُ" (٢). [خ ١٩٥٢، م ١١٤٧، حم ٦/ ٦٩] === ٢٤٠٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن عبيد الله بن أبي جعفر) المصري، أبو بكر الفقيه، مولى بني كنانة، ويقال: مولى بني أمية، واسم أبي جعفر يسار، قال أبو حاتم: ثقة مثل يزيد بن أبي حبيب، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن خراش: صدوق، وقال ابن سعد: ثقة فقيه زمانه، وقال ابن يونس: كان عالمًا عابدًا زاهدًا، وقال أحمد: ليس بقوي، وروى عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، كان يتفقه. (عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: من مات وعليه صيام) أي قضاء صيام (صام) أي كفر (عنه وليه). قال الطيبي: تأويل الحديث أنه يتدارك ذلك وليه بالإطعام، فكأنه صام. قال القاري (٣): واختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب، فذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عنه، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في أصح قوليه، وأولوا الحديث على أنه يطعم عنه وليه، وذهب آخرون إلى أن الولي يصوم عنه عملًا بظاهر هذا الحديث، وبه قال أحمد، وهو (٤) أحد قولي

стр. 5219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الشافعي، وصححه النووي، وإنما أوَّلوا الحديث لأن القياس وفتوى الصحابة يخالفانه، وكذا الحديث الآتي، وهو وإن كان موقوفًا فهو في حكم المرفوع، انتهى. قال الحافظ في "الفتح" (١): وأجاب الماوردي عن الجديد بأن المراد بقوله: "صام عنه وليه" أي فعل عنه وليه ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام، قال: وهو نظير قوله: "التراب وضوء المسلم إذا لم يجد الماء"، قال: فسمي البدل باسم المبدل، فكذلك هنا. وأما الحنفية فاعتلُّوا (٢) لعدم القول بهذين الحديثين بما روي عن عائشة أنها سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم قالت: يطعم عنها، وعن عائشة قالت: "لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم"، أخرجه البيهقي (٣). وبما روي عن ابن عباس قال في رجل مات وعليه رمضان قال: "يطعم عنه ثلاثون مسكينًا"، أخرجه عبد الرزاق (٤). وروى النسائي (٥) عن ابن عباس قال: "لا يصوم أحد عن أحد".

стр. 5220

٢٤٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، نَا سُفْيَانُ، عن أَبِي حَصِينٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "إِذَا مَرِضَ الرَّجُلُ في رَمَضَانَ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَصِحَّ (١) أُطْعِمَ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، === وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "من مات وعليه صيام شهر رمضان فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا"، رواه الترمذي (٢) وقال: والصحيح أنه موقوف على ابن عمر. وروى مالك في "الموطأ" (٣): بلغه أن ابن عمر كان يسأل هل يصوم أحد عن أحد، أو يصلي أحد عن أحد؟ فيقول: لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد". وفتوى الراوي على خلاف مرويه بمنزلة روايته للناسخ، ونسخ الحكم يدل على إخراج المناط عن الاعتبار، ومما يؤيد النسخ أن مالكًا قال: لم أسمع عن أحد من الصحابة ولا من التابعين بالمدينة أن أحدًا منهم أمر أحدًا يصوم عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، فعلم بذلك أنه الأمر الذي استقر عليه الشرع آخرًا. ٢٤٠١ - (حدثنا محمد بن كثير، نا سفيان، عن أبي حصين) مكبرًا، (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصح) أي من مرضه (أطعم عنه (٤) ولم يكن عليه قضاء). قوله: "لم يصح"، هكذا في النسخة المجتبائية والقادرية والكانفورية والمكتوبة الأحمدية، وهو تصحيف، والصواب ما في النسخة المصرية من قوله "ولم يصم"، وكذا على حاشية المجتبائية والقادرية، يدل عليه أن هذا الحديث
следующие страницы →