(٤٠) بَابُ تَأْخِيرِ قَضَاءِ رَمَضَان
٢٣٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: "إِنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَستَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ حَتَّى يَأْتِيَ شَعْبَانُ". [خ ١٩٥٠، م ١١٤٦، ن ٢٣١٩، جه ١٦٩٦]
===
يوجد في الكل، وهو أنه فعل مضاف إلى الله تعالى على طريق التمحيض بقوله: "فإنما أطعمه الله وسقاه"، قطع إضافته عن العبد لوقوعه فيه من غير قصده واختياره، وهذا المعنى يوجد في الكل، والعلة إذا كانت منصوصًا عليها كان الحكم منصوصًا عليه، ويتعمم الحكم بعموم العلة، وكذا معنى الحرج يوجد في الكل، انتهى "بدائع" (١).
(٤٠) (بَابُ تَأْخِيرِ قَضَاءِ (٢) رَمَضَانَ)، أي: يجوز أم لا؟
٢٣٩٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه سمع عائشة تقول: إن) مخففة من المثقلة أي إنه (كان ليكون عليَّ الصوم من رمضان) أي الذي فات عني بعذر الحيض (فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان).
استدل بهذا على أن عائشة كانت لا تتطوع بشيء من الصيام، ولا في عشر ذي الحجة، ولا عاشوراء، ولا غير ذلك, لأنها لما لم تصم ما وجب عليها من قضاء رمضان لمكان النبي ﷺ ، فترك صوم التطوع أولى منه، وفي لفظ البخاري: "الشغل بالنبي ﷺ "، ولفظ مسلم: "لمكان رسول الله ﷺ ".
стр. 5217
(٤١) بَابٌ: فِيمَنْ مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَامٌ
===
وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقًا، سواء كان لعذر أو لغير عذر, لأن الزيادة أعني قوله: "وذلك لمكان رسول الله ﷺ "، قد جزم جماعة من الحفاظ بأنها مدرجة، ولكن الظاهر اطلاع النبي ﷺ على ذلك، لا سيما مع توفر دواعي أزواجه إلى سؤاله عن الأحكام الشرعية، فيكون ذلك أعني جواز التأخير مقيدًا بالعذر المسوغ لذلك، قاله الشوكاني (١).
واختلفوا في القضاء، فبعضهم أوجب (٢) أن يكون القضاء متتابعًا على صفة الأداء كما هو القياس، وبعضهم لم يوجب ذلك، والجمهور على ترك (٣) إيجاب التتابع، وظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤) إنما يقتضي إيجاب العدد فقط، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: نزلت: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ متتابعات)، فسقطت "متتابعات"، وفي "الموطأ": أنَّها قراءة أُبي بن كعب، وهذا إن صح يشعر بعدم وجوب التتابع، فكأنه كان أولًا واجبًا ثم نسخ، ولا يختلف المجيزون للتفريق أن التتابع أولى (٥).
(٤١) (بَابٌ: فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَائم)
قال الحافظ (٦): أي هل يشرع قضاؤه عنه أم لا؟ وإذا شرع هل يختص بصيام دون صيام أو يعم كل صيام؟ وهل يتعين الصوم أو يجزئ الإطعام؟ وهل يختص الولي بذلك أو يصح منه ومن غيره؟ والخلاف في ذلك مشهور للعلماء.
стр. 5218
٢٤٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي جَعْفَرٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عُرْوَةَ (١)، عن عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وليُّهُ" (٢). [خ ١٩٥٢، م ١١٤٧، حم ٦/ ٦٩]
===
٢٤٠٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن عبيد الله بن أبي جعفر) المصري، أبو بكر الفقيه، مولى بني كنانة، ويقال: مولى بني أمية، واسم أبي جعفر يسار، قال أبو حاتم: ثقة مثل يزيد بن أبي حبيب، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن خراش: صدوق، وقال ابن سعد: ثقة فقيه زمانه، وقال ابن يونس: كان عالمًا عابدًا زاهدًا، وقال أحمد: ليس بقوي، وروى عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، كان يتفقه.
(عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: من مات وعليه صيام) أي قضاء صيام (صام) أي كفر (عنه وليه).
قال الطيبي: تأويل الحديث أنه يتدارك ذلك وليه بالإطعام، فكأنه صام.
قال القاري (٣): واختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب، فذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عنه، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في أصح قوليه، وأولوا الحديث على أنه يطعم عنه وليه، وذهب آخرون إلى أن الولي يصوم عنه عملًا بظاهر هذا الحديث، وبه قال أحمد، وهو (٤) أحد قولي
стр. 5219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الشافعي، وصححه النووي، وإنما أوَّلوا الحديث لأن القياس وفتوى الصحابة يخالفانه، وكذا الحديث الآتي، وهو وإن كان موقوفًا فهو في حكم المرفوع، انتهى.
قال الحافظ في "الفتح" (١): وأجاب الماوردي عن الجديد بأن المراد بقوله: "صام عنه وليه" أي فعل عنه وليه ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام، قال: وهو نظير قوله: "التراب وضوء المسلم إذا لم يجد الماء"، قال: فسمي البدل باسم المبدل، فكذلك هنا.
وأما الحنفية فاعتلُّوا (٢) لعدم القول بهذين الحديثين بما روي عن عائشة أنها سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم قالت: يطعم عنها، وعن عائشة قالت: "لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم"، أخرجه البيهقي (٣).
وبما روي عن ابن عباس قال في رجل مات وعليه رمضان قال: "يطعم عنه ثلاثون مسكينًا"، أخرجه عبد الرزاق (٤).
وروى النسائي (٥) عن ابن عباس قال: "لا يصوم أحد عن أحد".
стр. 5220
٢٤٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، نَا سُفْيَانُ، عن أَبِي حَصِينٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "إِذَا مَرِضَ الرَّجُلُ في رَمَضَانَ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَصِحَّ (١) أُطْعِمَ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ،
===
وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "من مات وعليه صيام شهر رمضان فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا"، رواه الترمذي (٢) وقال: والصحيح أنه موقوف على ابن عمر.
وروى مالك في "الموطأ" (٣): بلغه أن ابن عمر كان يسأل هل يصوم أحد عن أحد، أو يصلي أحد عن أحد؟ فيقول: لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد".
وفتوى الراوي على خلاف مرويه بمنزلة روايته للناسخ، ونسخ الحكم يدل على إخراج المناط عن الاعتبار، ومما يؤيد النسخ أن مالكًا قال: لم أسمع عن أحد من الصحابة ولا من التابعين بالمدينة أن أحدًا منهم أمر أحدًا يصوم عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، فعلم بذلك أنه الأمر الذي استقر عليه الشرع آخرًا.
٢٤٠١ - (حدثنا محمد بن كثير، نا سفيان، عن أبي حصين) مكبرًا، (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصح) أي من مرضه (أطعم عنه (٤) ولم يكن عليه قضاء).
قوله: "لم يصح"، هكذا في النسخة المجتبائية والقادرية والكانفورية والمكتوبة الأحمدية، وهو تصحيف، والصواب ما في النسخة المصرية من قوله "ولم يصم"، وكذا على حاشية المجتبائية والقادرية، يدل عليه أن هذا الحديث
стр. 5221
وَإِنْ نَذر قَضَى عَنْهُ وَليُّهُ" (١)(٤٢) بَابُ الصَّوْمِ في السَّفَرِ
٢٤٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا، نَا حَمَّادٌ،
===
أخرجه شيخ الإِسلام ابن تيمية في "منتقى الأخبار"، وفيه: "ولم يصم"، وأما النسخة الأحمدية وإن كتب فيها دائرة الحاء المهملة، ولكن كتب رأس الحاء كأنه ميم.
وأما باعتبار المعنى فلا يصح هذا اللفظ، لأن الرجل إذا مرض في رمضان، ثم مات ولم يصح من مرضه، ولم يدرك عدة أيام أخر صحيحًا، لا يلزم عليه قضاء الصوم ولا الإطعام، فعلى هذا الصواب: "ولم يصم"، ومعنى الكلام على هذا: إذا مرض الرجل في رمضان ولم يصم لأجل المرض، ثم لما مضى رمضان صح عن المرض، وأدرك عدة أيام أخر، ولم يصم في قضاء ما فات عنه، ثم مات، أطعم عنه وليه، ولم يكن عليه قضاء، أي لم يجز للولي أن يصوم عنه قضاء لصومه.
(وإن نذر قضى عنه وليه) أي إن نذر ثم مات ولم يف بنذره قضى عنه أي يقضي عنه وليه بأن يصوم عنه، فالقضاء بالصوم مختص بالنذر، وأما رمضان فلا يؤدى صومه إلَّا بالإطعام، وهذا قول داود، قال القاري (٢): قال داود: هذا في النذر، وفي قضاء رمضان يطعم عنه وليه ولا يصوم.
(٤٢) (بَابُ الصَّوْمِ في السَّفَرِ) (٣)
أي: إباحة ذلك، وتخيير المكلف فيه سواء كان رمضان أو غيره
٢٤٠٢ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: نا حماد،
стр. 5222
عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ، أَنَّ حَمْزَةَ الأَسْلَمِيَّ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ، أَفَأَصُومُ في السَّفَرِ؟ قَالَ (١): "صُمْ إِنْ شِئْتَ، وَأَفْطِرْ إِنْ شِئْتَ". [خ ١٩٤٣، م ١١٢١، ت ٧١١، ن ٢٢٨٧، جه ١٦٦٢، حم ٦/ ٤٦، دي ١٧٠٨]
===
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن حمزة الأسلمي) هو حمزة بن عمرو بن عويمر الأسلمي، أبو صالح، صحابي، استنارت أصابعه في ليلة ظلماء مع رسول الله ﷺ ، مات سنة ٩١ هـ، وهو ابن إحدى وسبعين، وقيل: بلغ ثمانين سنة.
(سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رجل أسرُد) بضم الراء، أي: أتابع (الصوم) أي في الحضر، فإنه كان مولعًا بالصوم (أفأصوم في السفر؟ قال: صم إن شئت، وأفطر إن شئت)، ظاهر هذا الحديث أن السؤال كان من صيام التطوع في السفر، فإن السرد في الصوم يدل على أنه في التطوع.
قال الشوكاني (٢): قال ابن دقيق العيد: ليس فيه تصريح (٣) بأنه رمضان، فلا يكون فيه حجة على من منع صوم رمضان في السفر.
قال الحافظ (٤): هو كما قال بالنسبة إلى سياق حديث الباب، لكن في روايةٍ لمسلم أنه أجابه بقوله: "هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه"، وهذا يشعر بأنه سأل عن صيام الفريضة، لأن الرخصة إنما تطلق في مقابل ما هو واجب، وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود والحاكم عن حمزة الأسلمي أنه قال: يا رسول الله إني صاحبُ ظَهْرٍ أعالجه، الحديث.
стр. 5223
(١)
٢٤٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَجيدِ الْمَدَنِيُّ قَالَ: سمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ الأَسْلَمِيَّ يَذْكُرُ أَنًّ أَبَاه
===
قلت: جعل رواية مسلم قرينة على أن السؤال كان في فريضة رمضان موقوف على أن السؤال الذي روته عائشة ﵂ هو السؤال الذي رواه هو بنفسه، وأما إذا كان السؤال الذي روته عائشة عنه غير السؤال الذي رواه بنفسه، فلا تكون رواية مسلم ولا رواية أبي داود قرينة على أن السؤال الذي وقع في حديث عائشة أن يكون في الفريضة، والظاهر أنه سأل مرتين: مرة عن صوم التطوع، ومرة عن صوم رمضان.
٢٤٠٣ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن عبد المجيد) بن سهيل مصغرًا، ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري (المدني) ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: قال ابن القطان: لا يعرف، ولا ذكر له إلَّا في هذا الحديث، قال في "الميزان" (٢): لا يعرف، ما روى عنه سوى أبي جعفر النفيلي، وقيل: الصواب اسم أبيه عبد الحميد.
(قال: سمعت حمزة بن محمد بن حمزة الأسلمى)، روى بحديث واحد عند أبي داود في الصوم في السفر، قلت: وحمزة ضعَّفه ابن حزم، وقال ابن القطان: مجهول، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا (يذكر أن أباه) أي أبا حمزة، وهو محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي، حجازي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: ضعَّفه ابن حزم، وعاب ذلك عليه القطب الحلبي، وقال: لم يضعفه قبله أحد، انتهى. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله.
стр. 5224
أَخْبَرَهُ عن جَدِّهِ قَالَ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي صَاحِبُ ظَهْرٍ أُعَالِجُهُ: أُسَافِرُ عَلَيْهِ، وَأُكْرِيهِ، وَإِنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَنِي هَذَا الشَّهْرُ يَعْنِي رَمَضَانَ وَأَنا أَجِدُ الْقُوَّةَ، وَأَنَا شَابٌّ، فَأَجِدُ بِأَنْ أَصُوم يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ أَنَّ أُؤَخِّرَهُ فيَكُونُ دَيْنًا، أَفَأَصُومُ يَا رَسُولَ اللهِ أَعْظَمُ لأَجْرِي أَوْ أُفْطِرُ؟ قَالَ: "أَيَّ ذَلِكَ شِئْتَ يَا حَمْزَةُ" (١). [ق ٤/ ٢٤١، ك ١/ ٤٣٣]
===
(أخبره عن جده) وهو حمزة بن عمرو الأسلمي المتقدم في الحديث المار (قال: قلت: يا رسول الله إني صاحب ظهر) وهو إبل يحمل عليها ويركب، جمعه ظهران بالضم (أعالجه) أي أستعمله وأمارسه (أسافر عليه) أي أذهب معه في السفر (وأكريه) أي أكاري عليه (وإنه ربما صادفني) أي أدركني (هذا الشهر -يعني رمضان-، وأنا أجد القوة) على الصيام (وأنا شاب، فأجد) (٢) في نفسي (بأن أصوم يا رسول الله أهون عليَّ من أن أؤخره فيكون) أي الصوم عليَّ (دَينًا، أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أو أفطر؟ ) أي: صومي يا رسول الله أعظم أجرًا أو الإفطار؟ (قال: أي ذلك شئت يا حمزة).
قال القاري (٣): قال في "شرح السنَّة": هذا التخيير قول عامة أهل العلم إلَّا ابن عمر فإنه قال: إن صام في السفر قضى في الحضر، وإلَّا ابن عباس فإنه قال: لا يجوز الصوم في السفر، وإليه ذهب داود بن علي من المتأخرين، وكأنهم تعلقوا بظاهر الآية، ثم اختلفوا في الأفضل منهما، فقال بعضهم: الصوم أفضل، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب أبي حنيفة، وقال بعضهم: الفطر أفضل، وقال بعضهم: أفضل الأمرين أيسرهما لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ (٤)، وأما الذي يجهده الصوم في السفر ولا يطيقه فإفطاره أولى لقوله ﷺ حين رأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه: "ليس من البر الصيام في السفر".
стр. 5225
٢٤٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن مَنْصُورٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن طَاوسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى فِيهِ
===
٢٤٠٤ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس (١) قال: خرج النبي ﷺ من المدينة إلى مكة) (٢) أي عام الفتح فصام (حتى بلغ عسفان) بضم العين وسكون السين المهملتين، موضع على مرحلتين من مكة.
قال في "معجم البلدان" (٣): قال أبو منصور: عسفان منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة، وقال غيره: عسفان بين المسجدين وهي من مكة على مرحلتين، وقيل: عسفان قرية جامعة، بها منبر ونخيل ومزارع على ستة وثلاثين ميلًا من مكة، وهي حد تهامة، وقال السكري: عسفان على مرحلتين من مكة على طريق المدينة، والجحفة على ثلاث مراحل، غزا النبي ﷺ بني لحيان بعسفان، وقد مضى لهجرته خمس سنين وشهران واحد عشر يومًا، وما قال ابن الملك من أنه اسم موضع قريب من المدينة هو سهو قلم أو خطأ قدم، قاله القاري (٤).
(ثم دعا بإناء)، ولفظ البخاري: "ثم دعا بماء" (فرفعه إلى فيه)، ولفظ البخاري: "فرفعه إلى يده"، قال الحافظ في "الفتح" (٥): كذا في الأصول التي وقفت عليها من البخاري، وهو مشكل لأن الرفع إنما يكون باليد،
стр. 5226
لِيُرِيَهُ النَّاسَ، وَذَلِكَ في رَمَضَانَ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ النَّبِيُّ ﷺ وأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ. [خ ١٩٤٨، م ١١١٣، ن ٢٢٨٨]
٢٤٠٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زَائِدَةُ، عن حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عن أَنَسٍ قَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في رَمَضَانَ، فَصَامَ بَعْضُنَا، وَأَفْطَرَ بَعْضُنَا، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. [خ ١٩٤٧، م ١١١٨]
===
وأجاب الكرماني بأن المعنى يحتمل أن يكون رفعه إلى أقصى طول يده، أي: انتهى الرفع إلى أقصى غايتها، قلت: وقد وقع عند أبي داود عن مسدد عن أبي عوانة بالإسناد المذكور في البخاري "فرفعه إلى فيه"، وهذا أوضح، ولعل الكلمة تصحَّفت.
(ليريه الناس) ولفظ البخاري: "ليراه الناس" (وذلك) أي الإفطار بالماء بمرأى من الناس (في رمضان، فكان ابن عباس يقول: قد صام النبي ﷺ ) رمضان في السفر (وأفطر) أي فعل الأمرين (فمن شاء صام، ومن شاء أفطر) وكان هذا الفعل لبيان الجواز، ففهم ابن عباس منه ذلك، ولهذا سوَّى بين الصوم والإفطار.
٢٤٠٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زائدة، عن حميد الطويل، عن أنس قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان، فصام بعضنا، وأفطر بعضنا، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم).
قال الحافظ (١): في حديث أبي سعيد عند مسلم (٢): "كنا نغزو مع رسول الله ﷺ فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن
стр. 5227
٢٤٠٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَوَهْبُ بْنُ بَيَانَ، الْمَعْنَى، قَالَا، نَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، عن رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عن قَزَعَةَ قَالَ: أَتَيتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَهُوَ يُفْتِي النَّاسَ وَهُمْ مُكِبُّونَ عَلَيْهِ فَانْتَظَرْتُ خَلْوَتَهُ، فَلَمَّا خَلَا سَأَلْتُهُ عن صِيَام رَمَضَانَ في السَّفَرِ؟ فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في رَمَضَانَ عَامَ الْفَتْحِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ وَنَصُومُ، حَتَّى بَلَغَ مَنْزِلًا مِنَ الْمَنَازِلِ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ"، فَأَصْبَحْنَا: مِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا
===
من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ومن وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن"، وهذا التفصيل هو المعتمد، وهو نص رافع للنزاع.
٢٤٠٦ - (حدثنا أحمد بن صالح ووهب بن بيان، المعنى، قالا: نا ابن وهب) أي عبد الله، (حدثني معاوية) أي ابن صالح، (عن ربيعة بن يزيد، أنه حدثه عن قزعة) بن يحيى أبي الغادية البصري (قال: أتيت أبا سعيد الخدري) ولعله أتاه في المدينة من البصرة (وهو) أي أبو سعيد (يفتي الناس وهم مكبون عليه)، أي: وكان الناس لكثرتهم وغلبة شوقهم إلى السؤال عنه كأنهم مكبون عليه، وفي نسخة: "وهو مكثور عليه"، وهذا هو لفظ مسلم، أي: عنده كثيرون من الناس.
(فانتظرت خلوته) أي: وحدته ورجوع الناس عنه، (فلما خلا سألته عن صيام رمضان في السفر؟ فقال) أي أبو سعيد: (خرجنا مع النبي ﷺ في رمضان عام الفتح) أي فتح مكة (فكان رسول الله ﷺ يصوم ونصوم، حتى بلغ منزلًا من المنازل فقال: إنكم قد دنوتم) أي قربتم (من عدوكم) وهم مشركو أهل مكة (والفطر أقوى لكم، فأصبحنا منا الصائم، ومنا المفطر)، فإن النبي ﷺ لم يعزم علينا الإفطار، بل ندب إليها بقوله: "والفطر أقوى لكم"، ورغب فيها.
(قال) أي أبو سعيد: (ثم سرنا فنزلنا منزلًا) آخر، أي أقرب إلى مكة من
стр. 5228
فَقَالَ: "إِنَّكُمْ تُصَبِّحُونَ عَدُوَّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا"، فَكَانَتْ عَزِيمَةً (١) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَصُومُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَ ذَلِكَ. [م ١١٢٠، حم ٥/ ٣٥، خزيمة ٢٠٢٣، ن ٢٣١٠، ت ٧١٢]
===
المنزل الأول (فقال: إنكم تصبِّحون) من التفعيل أي تلاقون في الصباح (عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا، فكانت عزيمة) أي إيجابًا (من رسول الله ﷺ ) بصيغة الأمر، والأول كانت رخصة.
(قال أبو سعيد: ثم لقد رأيتني)، ولفظة "ثم" هذا لتراخي البيان (أصوم مع النبي ﷺ قبل ذلك وبعد ذلك)، فكانت عزيمة الإفطار مختصة بهذه الأيام للقوة على جهاد الكفار، فالحاصل: أن صوم رمضان في السفر والإفطار كلاهما جائزان، فمن شاء صام ومن شاء أفطر.
قال الشوكاني في "النيل" (٢): فيه دليل على أن الفطر لمن وصل في سفر إلى موضع قريب من العدو أولى، لأنه ربما وصل إليهم العدو إلى ذلك الموضع الذي هو مظنة ملاقاة العدو، ولهذا كان الإفطار أولى، ولم يتحتم، وأما إذا كان لقاء العدو متحققًا؛ فالإفطار عزيمة، لأن الصائم يضعف عن منازلة الأقران، ولا سيما عند غليان مراجل الضراب والطعان.
(فائدة): المسافة التي يباح الإفطار فيها هي المسافة التي يباح القصر فيها، والخلاف هنا كالخلاف هناك.
فإن قلت: ظاهر هذا الحديث يدل على أن الأمر بالفطر من رسول الله ﷺ كان لأجل لقاء العدو لا للسفر، فهل للغازي إذا تيقن لقاء العدو وخاف الضعف أن يفطر في الحضر أم لا؟
стр. 5229
(٤٣) بَابُ اخْتِيَارِ الْفِطْرِ (١)
٢٤٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا شُعْبَةُ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ- يَعْنِي ابْنَ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ-، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ،
===
قلت: قال في "البحر الرائق" (٢): وقالوا: الغازي إذا كان يعلم يقينًا أنه يقاتل العدو في شهر رمضان، ويخاف الضعف إن لم يفطر، يفطر قبل الحرب مسافرًا كان أو مقيمًا.
(٤٣) (بَابُ اخْتِيَارِ الْفِطْرِ)
أي: ترجيح الفطر على الصوم لمن أجهده الصوم في السفر (٣)
٢٤٠٧ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، يعني ابن سعد بن زرارة) الأنصاري المدني، وهو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، ويقال: ابن محمد بدل عبد الله، ومنهم من ينسبه إلى جده لأمه، فيقول: محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، وثقه ابن سعد والنسائي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي خيثمة: مصعب بن عبد الله يقول: كان محمد بن عبد الرحمن واليًا على اليمامة لعمر بن عبد العزيز، وكان رجلًا صالحًا.
(عن محمد بن عمرو بن حسن)، ولفظ البخاري ومسلم: "قال: سمعت محمد بن عمرو بن الحسن"، زاد البخاري: ابن علي، قال الحافظ (٤):
стр. 5230
عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُظَلَّلُ عَلَيْهِ وَالزِّحَامُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ". [خ ١٩٤٦، م ١١١٥، ن ٢٢٥٨]
===
أدخل محمد بن عبد الرحمن بن سعد بينه وبين جابر محمد بن عمرو بن الحسن في رواية شعبة عنه، واختلف في حديثه على يحيى بن أبي كثير، فأخرجه النسائي من طريق شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، حدثني جابر بن عبد الله، فذكره، قال النسائي: هذا خطأ، قلت: وجه الخطأ فيه أنه لم يذكر بين محمد بن عبد الرحمن وبين جابر "محمد بن عمرو".
(عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ رأى رجلًا يظلل عليه) أي من الشمس (والزحام عليه)، قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذا الرجل، ولولا ما قدمته من أن عبد الله بن رواحة استشهد قبل غزوة الفتح لأمكن أن يفسر به لقول أبي الدرداء: إنه لم يكن من الصحابة في تلك السفرة صائمًا غيره، وزعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل، وعزا ذلك لمبهمات الخطيب، ولم يقل الخطيب ذلك، ثم قال: إن قصة إسرائيل كان في الحضر في المسجد، وصاحب القصة في حديث جابر كان في السفر تحت ظلال الشجر، والله أعلم.
(فقال) أي رسول الله ﷺ : (ليس من البر الصيام في السفر)، قال الحافظ (١): وقد اختلف السلف (٢) في هذه المسألة، أي: الصوم في السفر، فقالت الطائفة (٣): لا يجزئ الصوم في السفر عن الفرض، بل من صام في
стр. 5231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر لظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١)، ولقوله ﷺ : "ليس من البر الصيام في السفر"، ومقابلة البر الإثم، وإذا كان آثمًا بصومه لم يجزئه، وهذا قول بعض أهل الظاهر، وحكي عن عمر وابن عمر وأبي هريرة والزهري، وتأول الجمهور الآية بأن التقدير: فأفطر فعدة من أيام أخر، ومقابل هذا القول قول من قال: إن الصوم (٢) في السفر لا يجوز إلَّا لمن خاف على نفسه الهلاك، أو المشقة الشديدة، حكاه الطبري عن قوم.
وذهب أكثر العلماء ومنهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق عليه، وقال كثير منهم: الفطر أفضل عملًا بالرخصة، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال آخرون: هو غير مطلقًا، وقال أَخرون: أفضلهما أيسرهما لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ (٣)، وهو قول عمر بن عبد العزيز، واختاره ابن المنذر، والذي يترجح قول الجمهور.
وأما الجواب عن قوله ﷺ : "ليس من البر الصيام في السفر"، فسلك المجيزون فيه طرقًا، فقال بعضهم: قد خرج على سبب فيقتصر عليه، وعلى من كان في مثل حاله، وإلى هذا جنح البخاري في ترجمته، وحمل الشافعي نفي البر المذكور في الحديث على من أبى قبول (٤) الرخصة، فقال: معنى قوله: "ليس من البر" أن يبلغ رجل هذا بنفسه في فريضة صوم ولا نافلة، وقد أرخص الله تعالى له أن يفطر وهو صحيح، قال: ويحتمل أن يكون معناه: ليس من البر المفروض الذي من خالفه أثم، وجزم ابن خزيمة وغيره بالمعنى الأول.
وقال الطحاوي (٥): المراد بالبر ها هنا البر الكامل الذي هو أعلى مراتب
стр. 5232
٢٤٠٨ - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، نَا أَبُو هِلَالٍ الرَّاسِبيُّ، نَا ابْنُ سَوَادَةَ الْقُشَيْرِيُّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الله بْنِ كَعْبٍ إِخْوَةِ بَنِي قُشَيْرٍ (١) -:
===
البر، وليس المراد به إخراج الصوم في السفر عن أن يكون برًا، لأن الإفطار قد يكون أبر من الصوم إذا كان للتقوي على لقاء العدو مثلًا، وهو نظير قوله ﷺ : "ليس المسكين بالطوَّاف" الحديث، فإنه لم يُرِدْ إخراجه من أسباب المسكنة كلها، وإنما أراد أن المسكين الكامل المسكنة الذي لا يجد غنى يغنيه، ويستحيي أن يسأل، ولا يُفْطَن له، انتهى.
٢٤٠٨ - (حدثنا شيبان بن فروخ، نا أبو هلال الراسبي) هو محمد بن سليم البصري، مولى بني سامة بن لؤي، نزل في بني راسب فنسب إليهم، قيل: كان مكفوفًا، قال عمرو بن علي: كان يحيى لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وقال ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في "الضعفاء"، وعن أبي داود: أبو هلال ثقة، ولم يكن له كتاب، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن سعد: فيه ضعف.
(نا ابن سوادة القشيري) هو عبد الله بن سوادة بن حنظلة القشيري البصري، قال ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال العجلي: ثقة.
(عن أنس بن مالك- رجل من بني عبد الله بن كعب إخوة بني قشير-)، قال الحافظ في "الإصابة" (٢): أنس بن مالك الكعبي القشيري أبو أمية، وقيل: أبو أميمة، وقيل: أبو مية، نزل البصرة، روى عن النبي ﷺ حديثًا (٣) واحدًا:
стр. 5233
"أَغَارَتْ عَلَيْنَا خَيْلٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَانْتَهَيْتُ، أَوْ قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَأْكُلُ، فَقَالَ: "اجْلِسْ فَأَصِبْ مِنْ طَعَامِنَا هَذَا"، فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: "اجْلِسْ أُحَدِّثُكَ عن الصَّلَاةِ وعن الصِّيامِ، إِنَّ الله وَضَعَ شَطْرَ الصَّلَاةِ- أَوْ نِصْفَ
===
"إن الله وضع عن المسافر"، الحديث. وفي رواية أبي داود عن أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب إخوة قشير لا من قشير، وهذا هو الصواب، وبذلك جزم البخاري في ترجمته، وعلى هذا فهو كعبي لا قشيري، ولأن قشيرًا هو ابن كعب، ولكعب ابن اسمه عبد الله، فهو من إخوة قشير، لا من قشير نفسه، وقد تعقب الرشاطي قول ابن عبد البر فيه القشيري، ويقال: الكعبي، وكعب أخو قشير، فإن كعبًا والد قشير لا أخوه، والله أعلم، ووقع في رواية (١) ابن ماجه: أنس بن مالك رجل من بني عبد الأشهل، وهو غلط.
قال -أي أنس بن مالك-: (أغارت علينا) أي على (٢) قومنا، لأنه كان مسلمًا من قبل (خيل لرسول الله ﷺ فانتهيت، أو قال: فانطلقت إلى رسول الله ﷺ ).
وأما وجه انطلاقه إلى رسول الله ﷺ فقد ذكره الإِمام أحمد قال: "أتيت رسول الله ﷺ في إبلٍ لجار لي أُخذت"، وفي "النسائي" (٣): قال: "أتيت رسول الله ﷺ في إبل كانت لي أخذت".
(وهو يأكل، فقال) أي رسول الله ﷺ : (اجلس فأصب من طعامنا هذا) أي: كل معنا منه، (فقلت: إني صائم، قال: اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصيام، إن الله وضع شطر الصلاة) الرباعية (أو) للشك من الراوي (نصف
стр. 5234
الصَّلَاةِ- وَالصَّوْمَ عن الْمُسَافِرِ، وعن الْمُرْضِع، أَوْ الْحُبْلَى"، وَاللهِ لَقَدْ قَالَهُمَا جَمِيعًا أَوْ أَحَدَهُمَا.
قَالَ: فَتَلَهَّفَتْ نَفْسِي أَنْ لَا أَكُونَ أَكَلْتُ مِنْ طَعَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . [ت ٧١٥، ن ٢٢٧٥، جه ١٦٦٧، حم ٤/ ٣٤٧، خزيمة ٢٠٤٤]
===
الصلاة، والصوم) عطف على قوله: شطر الصلاة (عن المسافر) والفرق بين سقوط الصوم وشطر الصلاة أن الصوم يجب قضاؤه في أيام أخر، وأما الصلاة فقد سقط شطرها من غير وجوب قضائها.
(وعن المرضع أو الحبلى) أي: وضع (١) الصوم عن المسافر، وعن المرضع أو الحبلى، فهو عطف على قوله: عن المسافر، وقوله: "أو الحبلى" بحرف "أو" الدالة على الشك، أو التنويع، وهكذا في هذا الحديث عند الترمذي من رواية وكيع "أو المرضع" بحرف "أو"، وأما في رواية أحمد من حديث أيوب ووكيع بحرف الواو، ولفظ "الترمذي": "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام"، ولفظ أحمد في "مسنده": "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام".
(والله لقد قالهما) أي قال رسول الله ﷺ الكلمتين وهما المرضع والحبلى (جميعًا أو أحدهما) أي أحد الكلمتين (قال: فتلهفت نفسي)، ولفظ الترمذي وأحمد: "فيا لهْفَ نفسي" (أن لا أكون أكلت من طعام رسول الله ﷺ )، وهذا (٢) يدل على أن أنس بن مالك كان مسافرًا أيضًا.
стр. 5235
(٤٤) بَابٌ: فِيمَنْ اخْتَارَ الصِّيَامَ
٢٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، نَا الْوَلِيدُ، نَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَتْنِي أُمُّ الدَّرْدَاءِ، عن أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ غَزَوَاتِهِ
===
قال أبو عيسى الترمذي: حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن، ولا نعرف لأنس بن مالك هذا عن النبي ﷺ غير هذا الحديث الواحد، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان، وبه يقول سفيان ومالك والشافعي وأحمد، وقال بعضهم: تفطران وتطعمان ولا قضاء عليهما، إن شاءتا قضتا ولا إطعام عليهما، وبه يقول إسحاق.
قال الشوكاني (١): وقد قال بعدم وجوب الكفارة مع القضاء الأوزاعي والزهري والشافعي في أحد أقواله، و [قال] مالك والشافعي في أحد أقواله: إنها تلزم المرضع لا الحامل إذ هي كالمريض.
قلت: وأما عند الحنفية فهما كالمريض يجب القضاء عليهما إن أفطرتا ولا إطعام عليهما.
(٤٤) (بَابٌ: فِيمَنْ اخْتَارَ الصِّيَامَ)
أي: على الفطر في السفر
٢٤٠٩ - (حدثنا مؤمل بن الفضل، نا الوليد) بن مسلم، (نا سعيد بن عبد العزيز) التنوخي، (حدثني إسماعيل بن عبيد الله) بن أبي المهاجر المخزومي مولاهم، الدمشقي، أبو عبد الحميد، ثقة (حدثتني أم الدرداء) الصغرى التابعية، (عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته)، وزاد في رواية مسلم: "في شهر رمضان في حر شديد".
стр. 5236
في حَرِّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ- أَوْ كَفَّهُ عَلَى رَأسِهِ- مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، مَا فِينَا صَائِم إِلَّا رَسُولُ الله ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ". [خ ١٩٤٥، م ١١٢٢، جه ١٦٦٣]
٢٤١٠ - حَدَّتنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى، نَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسَمِ. (ح): وَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، نَا أَبُو قُتَيْبَةَ، الْمَعْنَى، قَالَا:
===
قال الحافظ (١): وبهذه الزيادة يتم المراد من الاستدلال، ويتوجه الرد بها على أبي محمد بن حزم في زعمه أن حديث أبي الدرداء هذا لا حجة فيه لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعًا، وقد كنت ظننت أن هذه السفرة غزوة الفتح، لكنني رجعت عن ذلك وعرفت أنه ليس بصواب، وأن عبد الله بن رواحة استشهد بمؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلاف، وإن كانتا جميعًا في سنة واحدة، وقد استثناه أبو الدرداء في هذه السفرة مع النبي ﷺ ، فصح أنها كانت سفرة أخرى، وأيضًا فإن في سياق أحاديث غزوة الفتح أن الذين استمروا من الصحابة صيامًا كانوا جماعة، وفي هذا أنه عبد الله بن رواحة وحده، ولا يصح حمله على بدر (٢) , لأن أبا الدرداء لم يكن حينئذ أسلم.
(في حر شديد، حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه- أو) للشك من الراوي (كفه على رأسه- من شدة الحر، ما فينا)، هكذا في نسخ أبي داود الموجودة عندي، ولفظ البخاري ومسلم: "وما فينا" بالواو (صائم إلَّا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة).
٢٤١٠ - (حدثنا حامد بن يحيى، نا حاتم بن القاسم، ح: ونا عقبة بن مكرم، نا أبو قتيبة المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا) أي هشام (٣)
стр. 5237
نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَزْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ الله قَالَ: سَمِعْتُ سِنَانَ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ الْهُذَلِىَّ يُحَدِّثُ عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ حَمُولَةٌ يَأْوِي إِلَى شِبَعٍ فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أَدْرَكَهُ". [حم ٣/ ٤٧٦]
===
وأبو قتيبة: (نا عبد الصمد بن حبيب بن عبد الله الأزدي قال: حدثني حبيب بن عبد الله) أي: والد عبد الصمد.
(قال) أي حبيب: (سمعت سنان بن سلمة بن المحبق) كمعظم (الهذلي) أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو جبير، ويقال: أبو بشر البصري الهذلي، قال وكيع عن أبيه عن سنان: ولدت يوم حرب كان لرسول الله ﷺ فسمَّاني سنانًا، قال خليفة: ولَّاه زياد غزو الهند سنة خمسين، وقال العجلي: هو تابعي ثقة.
(يحدث عن أبيه) سلمة بن المحبق كمعظم أو محدث، وقيل: سلمة بن ربيعة بن المحبق، واسمه صخر بن عبيد، ويقال: عبيد بن صخر، الهذلي، أبو سنان، له صحبة، روى عن النبي ﷺ ، وسكن البصرة، وذكر أن سلمة لما بشر بابنه سنان وهو بخيبر، قال: "لَسَهْمٌ أرمي به عن رسول الله ﷺ أحبُّ إليَّ ممّا بشرتموني به".
(قال: قال رسول الله ﷺ : من كانت له حمولة) هو بالفتح ما يحمل عليه الناس من الدواب كانت عليه الأحمال أو لا كالركوبة (يأوي إلى شبع) أي يأوي (١) صاحبها، أو تأوي هي إلى شبع، أي إلى مقام يشبع فيه بأن يكون معه زاد، فهو متعد ولازم، يريد من لا يلحقه مشقة وعناء فليصم، وإن كان سفره طويلًا، وقيل: أراد من كان راكبًا وسفره قصير بحيث يبلغ المنزل في يوم فليصم، وفيه بعد.
(فليصم رمضان حيث أدركه) الأمر محمول على الندب على التأويل
стр. 5238
٢٤١١ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ- يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الوَارِثِ-، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَبِيب، حَدَّثَنِي أَبِي، عن سِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ، عن سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ قَالَ: قَال: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ في السَّفَرِ"، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. [حم ٥/ ٧]
(٤٥) بَابٌ: مَتَى يُفْطِر الْمُسَافِر إِذَا خَرَجَ
٢٤١٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ. (ح): وَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى، الْمَعْنَى، حَدَّثَنِي سَعِيدٌ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي أَيُّوبَ، زَادَ جَعْفَر:
===
الأول، وأما على الثاني فعلى الوجوب، وهذا الحديث ضعيف لأن عبد الصمد راوي الحديث متكلم (١) فيه.
٢٤١١ - (حدثنا نصر بن المهاجر، نا عبد الصمد -يعني ابن عبد الوارث-، نا عبد الصمد بن حبيب، حدثني أبي، عن سنان بن سلمة، عن سلمة بن المحبق (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : من أدركه رمضان في السفر، فذكر) أي عبد الصمد (معناه) أي معنى الحديث المتقدم.
(٤٥) (بَابٌ: مَتَى يُفْطِرُ المُسَافِرُ إِذَا خَرَجَ)، أي: إذا خرج للسفر
٢٤١٢ - (حدثنا عبيد الله بن عمر) القواريري، (حدثني عبد الله بن يزيد) المكي أبو عبد الرحمن المقرئ، (ح: ونا جعفر بن مسافر، نا عبد الله بن يحيى) المعافري (المعنى) أي معنى حديثهما واحد، كل واحد منهما قال: (حدثني سعيد -يعني ابن أبي أيوب- زاد جعفر) أي جعفر بن مسافر أحد شيخي
стр. 5239
وَاللَّيْثُ- قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ كُلَيْبَ بْنَ ذُهْلٍ الْحَضْرَمِيَّ أَخْبَرَهُ عن عُبَيْدٍ - قَالَ جَعْفَر: ابْنُ جَبْرٍ- قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ
===
المصنف: (والليث) أي حدثني سعيد والليث، والفرق بين لفظ عبيد الله بن عمر وبين لفظ جعفر بن مسافر أن عبيد الله بن عمر اقتصر على ذكر سعيد بن أبي أيوب في السند ولم يذكر الليث، وأما جعفر بن مسافر فذكرهما.
(قال) أي سعيد بن أبي أيوب: (حدثني يزيد بن أبي حبيب، أن كليب بن ذهل الحضرمي) المصري، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن خزيمة: لا أعرفه بعدالة، وقال الذهبي: تفرد عنه يزيد بن أبي حبيب.
(أخبره عن عبيد) مصغرًا (قال جعفر) أي زاد جعفر بعد قوله: "عن عبيد" لفظ (ابن جبر)، هكذا في جميع نسخ أبي داود الموجود عندي من غير ياء التصغير، وفي "الخلاصة": عبيد بن جبر بفتح الجيم الغفاري، أبو حفص المصري، وهو مصرح بأنه ليس فيه ياء التصغير، فما في نسخ "التقريب" من إدخال ياء التصغير بين الموحدة والراء (١) المهملة لعله تصحيف.
(قال) أي عبيد: (كنت) ولفظ أحمد في "مسنده" (٢): "ركبت مع أبي بصرة الغفاري"، ولكن في جميع النسخ لأبي داود الموجودة عندي "كنت"، ولكن ما في "مسند أحمد" أصوب وأوضح (مع أبي بصرة الغفاري) هو حُمَيل بن بصرة بن وقاص بن حاجب بن غفار، واختلف في اسمه، فقال الدراوردي: حميل بفتح الحاء، وذكر ابن المديني عن بعض الغفاريين أنه تصحيف، وذكر البخاري أنه وهم، وحُميل بالضم وعليه الأكثر، وصححه ابن المديني وابن حبان وابن عبد البر وابن ماكولا، ونقل الاتفاق عليه، وجميل بالجيم، قاله مالك في حديث أبي هريرة حين خرج إلى الطور، وذكر البخاري
стр. 5240
صَاحِب رَسُولِ اللَّهِ (١) ﷺ في سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ في رَمَضَانَ، فَرَفَعَ، ثُمَّ قُرِّبَ غَدَاؤُهُ- قَالَ جَعْفَرٌ في حَدِيثِهِ: فَلَمْ يُجَاوِز الْبُيُوتَ (٢)
===
وابن حبان أنه وهم، وقيل: اسمه زيد، حكاه الباوردي، وقد قيل فيه: بصرة بن أبي بصرة كأنه قلب، شهد فتح مصر، واختطَّ بها، ومات بها، ودفن في مقبرتها.
(صاحب رسول الله ﷺ في سفينة من الفسطاط) فيه لغات، فسطاط بضم أوله وبكسره، وفساط بضم أوله وكسره وإسقاط الطاء، وفستاط بضم الفاء وفتحها وبدل الطاء تاء، ففي الأول كان الفسطاط لعمرو بن العاص، فهو بيت من أدم أو شعر، وهو أول من فتحها في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وكل مدينة فسطاط، ومنه قيل لمدينة مصر التي بناها عمرو بن العاص الفسطاط، فلفظة "من" متعلق بقوله: "ركبت" في لفظ أحمد، وفي لفظ أبي داود متعلقة بمحذوف، أي: فسِرت من الفسطاط، أي: إلى الإسكندرية كما هو مصرح في حديث أحمد، قال: "ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية في سفينة"، وفي أخرى له: "ركبت مع أبي بصرة السفينة وهو يريد الإسكندرية"، والمسافة التي بين الإسكندرية والفسطاط مسافة طويلة مسافة القصر.
(في رمضان فرفع) أي: مرساها، وهو الأنجر، أو (٣) أبو بصرة، وفي رواية لأحمد في "مسنده": "فدفع" بالدال المهملة، وفي أخرى له: "فلما دفعنا من مرسانا"، وما في "مسند أحمد" أوضح، (ثم قرِّب غداؤه) أي طعام الغداء هو طعام أول النهار (قال جعفر في حديثه: فلم يجاوز البيوت) (٤) أي لم يجاوز
стр. 5241
حَتَّى دَعَا بِالسُّفْرَةِ- قَالَ: اقْتَرِبْ، قُلْتُ: أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ؟ قَالَ أَبُو بَصرَةَ: أَتَرْغَبُ عن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ جَعْفَرٌ في حَدِيثِهِ: فَأَكَلَ. [حم ٦/ ٣٩٨، دي ١٧١٣]
===
عن محاذاة البيوت (حتى دعا بالسفرة) وإلى ها هنا لفظ جعفر، وأما عبيد الله بن عمر فلفظه: ثم قرب غداؤه، ثم اتفقا فقالا:
(قال) أي أبو بصرة لعبيد بن جبر: (اقترب) أي أدن من الطعام فَكُلْ معنا (قلت: ألستَ ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنَّة رسول الله ﷺ ؟ . قال جعفر في حديثه: فأكل) أي أبو بصرة، وأكلت معه لما في حديث أحمد في "مسنده": "فما زلنا مفطرين حتى بلغوا مكان كذا وكذا"، وفي أخرى له: "فلم نزل مفطرين حتى بلغنا مَا حَوَّزَنا" (١).
واختلفوا في المسافر إذا نوى الصيام من الليل وأصبح صائمًا، فقال الجمهور: له أن يفطر في أثناء النهار، وقال بعضهم: لا يحل ذلك، وهو قول الحنفية، وأما لو نوى الصوم وهو مقيم، ثم سافر في أثناء النهار، فليس له أن يفطر في أثناء النهار عند الجمهور، وقال أحمد وإسحاق بالجواز، واختاره المزني، والحنفية يقولون في هذه الصورة أيضًا بعدم جواز الإفطار، فهذا الحديث يخالف الحنفية سواء كان أبو بصرة مقيمًا في الفسطاط أو كان مسافرًا فيه، فيشكل هذا الحديث على مذهب الحنفية.
والجواب عن هذا الإشكال أولًا: أن أبا بصرة ﵁ لعل مذهبه أنه يجوز عنده الإفطار سواء كان مسافرًا أو مقيمًا إذا نوى الصوم بالليل، وأما استدلاله بكونه سنَّة رسول الله ﷺ ، فلعله ثبت عنده بنوع من الاجتهاد، وإلَّا فلا نص فيه عن رسول الله ﷺ .
وأما ثانيًا: فيمكن أن يقال: إن أبا بصرة كان مقيمًا في فسطاط، فخرج
стр. 5242
(٤٦) بَابُ مَسِيرَةِ مَا (١) يُفْطِرُ فِيهِ
٢٤١٣ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حمَّادٍ، أَنَا اللَّيْثُ- يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ -، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن أَبِي الخَيْرِ، عن مَنْصُورٍ الْكَلْبِى: "أَنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ
===
منها ليلًا قبل الصبح ولم ينو الصوم، وركب السفينة قبل الصبح فصار مسافرًا، فجاز له الإفطار لما فارق بيوت مصر في الجهة التي ركب فيها السفينة وإن كانت البيوت بمرأى منهم.
وأما ثالثًا: فيمكن أن يقال: إن أبا بصرة كان في فسطاط مسافرًا ولم ينو أن يصبح صائمًا، بل نوى أن يصبح مفطرًا، ثم أظهر الإفطار، والله تعالى أعلم.
(٤٦) (بَابُ مَسِيرَةِ مَا يُفْطِرُ فِيهِ) الصائم
٢٤١٣ - (حدثنا عيسى بن حماد، أنا الليث -يعني ابن سعد-، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله اليزني، (عن منصور) بن سعيد، ويقال: ابن زيد بن الأصبغ (الكلبي) جد أبي السحماء سهيل بن حسان بن منصور، روى عن دحية الكلبي في الإفطار في السفر القصير، وعنه أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني، قال ابن المديني: مجهول لا أعرفه، وقال ابن خزيمة: لا أعرفه، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة.
(أن دحية بن خليفة) بن فروة بن فضالة بن امرئ القيس، صحابي أسلم قديمًا، ولم يشهد بدرًا، وشهد المشاهد، وبقي إلى خلافة معاوية، وكان رسول نبيِّ الله ﷺ إلى قيصر، وكان أجمل الناس وجهًا، ينزل جبرئيل في صورته، سكن دمشق، وكان منزله بقرية المِزَّة.
стр. 5243
خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ دِمَشْقَ مَرَّةً إِلَى قَدْرِ قَرْيَةِ عُقْبَةَ مِنَ الْفُسْطَاطِ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، في رَمَضَانَ، ثُمَّ إِنَّهُ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ مَعَهُ نَاسٌ (١)، وَكَرِهَ آخَرُونَ أَنْ يُفْطِرُوا، فَلَمَّا وَجَعَ إِلَى قَرْيَتِهِ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رأَيتُ الْيَوْمَ أَمْرًا مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَرَاهُ، إِنَّ قَوْمًا رَغِبُوا عن هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
===
قال في "معجم البلدان" (٢): المرة بالكسر ثم التشديد، أظنه عجميًا، فإني لم أعرف له في العربية مع كسر الميم معنى: وهي قرية كبيرة غَنَّاء في وسط بساتين دمشق، بينها وبين دمشق نصف فرسخ، وبها فيما يقال قبر دحية الكلبي صاحب رسول الله ﷺ ، ويقال لها: مزَّة كلب.
(خرج من قرية من) قرى (دمشق) في "القاموس": دِمَشْق كحِضَجْرٍ، وقد تكسر ميمه: قاعدة الشام، سميت ببانيها دِمْشاق بن كنعان، أو دامَشْقَيوس (مرة إلى قدر قرية عقبة من الفسطاط) أي: مقدار مسافة قرية عقبة من الفسطاط، وهو المصر العتيق، والحاصل أن دحية بن خليفة خرج من قرية، وهي قرية مزة الكائنة من أعمال دمشق إلى قرية، أو محل آخر، والمسافة (٣) بينهما كالمسافة بين عقبة والفسطاط.
(وذلك) أي قدر المسافة (ثلاثة أميال) فخرج من قرية إلى ثلاثة أميال (في رمضان، ثم إنه) أي دحية الكلبي (أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع) أي دحية (إلى قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمرًا ما) نافية (كنت أظن أني أراه، إن قومًا رغبوا (٤) عن هدي رسول الله ﷺ
стр. 5244
وَأَصْحَابِهِ، يَقُولُ ذَلِكَ لِلَّذِينَ صَامُوا، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: اللهُمَّ اقْبِضْنِي إِلَيكَ". [حم ٦/ ٣٩٨]
===
وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا) أي ولم يقبلوا الرخصة في الإفطار.
ولعل دحية ﵁ فهم بالقرائن أن الذين صاموا ليس صيامهم على طريق العزيمة، بل على طريق الإعراض من الرخصة عن الإفطار، فلذلك عاب عليهم ذلك، أو يكون مذهبه وجوب الإفطار في السفر، (ثم قال عند ذلك: اللَّهُمَّ اقبضني إليك).
ولفظ حديث أحمد (١): حدثنا عبد الله، حدثني أبي قال: ثنا حجاج ويونس قالا (٢): ثنا الليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن منصور الكلبي، عن دحية بن خليفة أنه خرج من قريته (٣) إلى قريب من قرية عقبة في رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، قال: فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمرًا ما كنت أظن أن أراه، إن قومًا رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللَّهُمَّ اقبضني [إليك]، وهذا السياق يدل على أن عقبة قرية قريبة من دمشق، ولم أجده في "معجم البلدان".
واختلفوا في المسافة التي يجوز فيها الإفطار، فذهب الجمهور إلى أنه إنما يفطر في السفر الذي تقصر فيه الصلاة، وذلك على حسب اختلافهم في هذه المسألة، وذهب قوم إلى أنه يفطر في كل ما يطلق عليه اسم سفر، وهم أهل الظاهر، فمن الجمهور أبو حنيفة والكوفيون قالوا: لا يقصر في أقل من ثلاث مراحل، وذهب الشافعي ومالك والليث والأوزاعي وغيرهم إلى أنه
стр. 5245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لا يجوز إلَّا في مسيرة مرحلتين، وهما ثمانية وأربعون ميلًا هاشمية، وقال أنس -وهو مروي عن الأوزاعي-: إن مسافته يوم وليلة.
قال في "الفتح" (١): وقد أورد البخاري ما يدل على أن اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة، وأما أهل الظاهر فقالوا: أقل مسافة السفر ميل، كما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر، واحتج بإطلاق السفر في كتاب الله تعالى كقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)، وفي سنَّة رسول الله ﷺ ، قال: فلم يخص الله ولا رسوله ولا المسلمون بأجمعهم سفرًا من سفر، ثم احتجوا على ترك القصر فيما دون الميل, لأن النبي ﷺ قد خرج إلى البقيع لدفن الموتى، وخرج إلى الفضاء للغائط، والناس معه، فلم يقصر ولا أفطر، فحمل حديث الباب على قول أهل الظاهر ظاهر لا إشكال فيه، وأما على قول الجمهور ففيه إشكال.
والجواب عنه: أن يقال: إن قوله: "على قدر قرية عقبة من الفسطاط" ليس هو غاية السفر بأن يكون سفره منتهيًا إلى هذا الموضع بل هو غاية الخروج، أي خرج، فلما انتهى إلى هذا المحل أفطر، ولم يبين فيه غاية السفر، فلعله يكون مريدًا لموضع آخر أبعد منه.
ويرد على هذا الجواب أن قرية مزة كانت له وطنًا ومسكنًا، فاليوم الذي خرج منها فيه لم يجز له الفطر, لأنه كان صائمًا في أول النهار.
والجواب عنه: يحتمل أن يكون دحية ﵁ خرج من قرية مزة مسافرًا قبيل الفجر، فلما بلغ مسافة قدر عقبة من الفسطاط أي ثلاثة أميال أظهر الإفطار، والله تعالى أعلم، وأما قول الخطابي: إن الحديث ليس بالقوي، في إسناده رجل ليس بالمشهور، فهو قول غير متفق عليه, لأنه وإن قال فيه ابن المديني: إنه مجهول، فالعجلي قال فيه: ثقة.
стр. 5246
٢٤١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثنَا الْمُعْتَمِرُ، عن عُبَيْدِ اللهِ، عن نَافِعٍ: "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ (١) كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْغَابَةِ فَلَا يُفْطِرُ وَلَا يَقْصُرُ". [ق ٤/ ٢٤١]
(٤٧) بَابٌ: فِيمَنْ يَقُولُ: صُمْتُ رَمَضَان كلَّهُ
٢٤١٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن الْمُهَلَّب بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ، نَا الْحَسَنُ، عن أَبِي بَكَرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنِّي صُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَقُمْتُهُ كُلَّهُ"، فَلَا أَدْرِي أَكَرِهَ التَّزْكِيَةَ أَوْ قَالَ:
===
٢٤١٤ - (حدثنا مسدد، ثنا المعتمر، عن عبيد الله، عن نافع: أن ابن عمر كان يخرج إلى الغابة) وهو موضع (٢) قرب المدينة من ناحية الشام، فيه أموال لأهل المدينة، وقال الواقدي: الغابة بريد من المدينة على طريق الشام (فلا يفطر) الصوم (ولا يقصر) الصلاة.
(٤٧) (بَابٌ: فِيمَنْ يَقُولُ: صُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّه)
٢٤١٥ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن المهلب بن أبي حبيبة) البصري، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخ ثقة، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا، (نا الحسن) البصري، (عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا يقولن أحدكم إني صمت رمضان كله وقمته) أي: قمت رمضان (كله، فلا أدري)، الظاهر أن هذا قول الحسن كما يدل عليه حديث أحمد في "مسنده" (أَكَرِهَ) أي رسول الله ﷺ (التزكية) أي تزكية النفس، فكأنه نهى عن إطلاق هذا اللفظ, لأن فيه الإعجاب (أو قال) في النهي
стр. 5247
لَا بُدَّ مِنْ نَوْمَةٍ أَوْ رَقْدَةٍ؟ " (١). [ن ٢١٠٩، حم ٥/ ٤٩، خزيمة ٢٠٨٥]
===
عن ذلك, لأنه (لا بد من نومة أو رقدة؟ ).
اختلفت الروايات في هذا اللفظ، ففي أبي داود: "لا بد من نومة أو رقدة"، وهذا لا ينافي صوم رمضان فلا يناسبه، ولفظ النسائي: "لا بد من غفلة ويقظة"، وفي نسخة على الحاشية: "ورقدة"، وهذا السياق يناسب الصوم وقيام الليل، لأن الغفلة في الصوم بأنه لعله لأجل الغفلة يرتكب أمرًا لا يناسب الصوم، وكذلك الرقود ينافي قيام الليل، فهو المناسب لقيام الليل، وأما لفظ "يقظة" التي في نسخة المتن، فلا مناسبة له بالصوم ولا بالقيام.
وأما في "مسند أحمد" (٢) من حديث قتادة عن الحسن ولفظه: "أو يقول: لا بد من راقد أو غافل"، وفي أخرى له: "لا بد من نوم أو غفلة"، وفي رواية له من طريق يحيى بن سعيد، عن المهلب بن أبي حبيبة، ثنا الحسن، عن أبي بكرة، ولفظه: "فلا أدري أَكَرِهَ التزكية أم لا؟ فلا بد من غفلة أو رقدة"، فما في روايات أحمد والنسائي على إحدى النسختين هو الأوفق.
قال السندي (٣): قوله: "لا بد من غفلة"، أي: فيعصي في حال الغفلة بوجه لا يناسب الصوم، فكيف يدعي بعد ذلك الصوم لنفسه.
وأيضًا يدل هذا الحديث على أنه يجوز إطلاق رمضان بدون ذكر لفظ شهر معه، فما وقع في حديث أبي هريرة من النهي عن ذلك، فهو محمول على التنزيه، أو يقال: إن حديث النهي ضعيف لا يقاوم ما ثبت في الصحيح.
стр. 5248
(٤٨) بَابٌ: في صَوْمِ (١) الْعِيدَينِ
٢٤١٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَهَذَا حَدِيثُهُ، قَالَا، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: "شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عن صِيَامِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ: أَمَّا يَوْمُ الأَضْحَى فَتَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمِ نُسُكِكُمْ،
===
(٤٨) (بَابٌ: في صَوْمِ العِيدَيْنِ) (٢)
أي في كراهية صوم يوم عيد الفطر ويوم الأضحى
٢٤١٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، وزهير بن حرب، وهذا حديثه) أي لفظ حديث زهير (قالا: نا سفيان، عن الزهري، عن أبي عبيد) سعد بن عبيد الزهري، مولى ابن أزهر، ويقال: مولى عبد الرحمن بن عوف، كان من القراء وأهل الفقه، قال ابن سعد: كان ثقة، وقال الطبري: مجمع على ثقته، وقال مسلم في "الكنى": كان ثقة، وعن ابن معين: ثقة، ونقل ابن خلفون توثيقه عن الذهلي وابن البرزقي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من فقهاء أهل المدينة.
(قال: شهدت العيد مع عمر، فبدأ بالصلاة) أي بصلاة العيد (قبل الخطبة) أي خطبة العيد، وإنما صرح بذلك لأن هذه السُنَّةَ غيرت في زمن مروان، فجعل الخطبة قبل الصلاة (ثم قال) أي عمر ﵁: (إن رسول الله ﷺ نهى عن صيام هذين اليومين) أي يوم الأضحى ويوم الفطر.
(أما يوم الأضحى فتأكلون من لحم نسككم) وهو ضيافة الله
стр. 5249
وَأمَّا يَوْمُ الْفِطْرِ فَفِطْرُكُمْ مِنْ صِيَامِكُم". [خ ١٩٩٠، م ١١٣٧، ت ٧٧١، جه ١٧٢٢، حم ١/ ٢٤]
===
(وأما يوم الفطر ففطركم) أي: فهو يوم فطركم (من صيامكم)، وفيه إشارة إلى علة التحريم، والمراد بالنسك ها هنا الذبيحة المتقرب بها، فنهى عن الصوم يوم الأضحى لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه، فأما النهي في يوم الفطر فهو لأجل الفصل من الصوم وإظهار تمامه بفطر ما بعده.
وفي الحديث تحريم صومي العيد سواء كان صوم النذر والكفارة والتطوع والقضاء والتمتع وهو بالإجماع.
واختلفوا فيما لو نذر صومهما متعمدًا لعينهما، قال الشافعي والجمهور (١): لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاؤهما، وقال أبو حنيفة: ينعقد ويلزمه قضاؤهما، وأما إذا نذر صوم يوم الاثنين مثلًا فوافق يوم العيد، فقال النووي: لا يجوز له صوم العيد بالإجماع، قال: وهل يلزمه القضاء؟ فيه خلاف للعلماء، وفيه للشافعي قولان، أصحهما: لا يجب قضاؤه.
وقال في "الدر المختار" (٢): ولو نذر صوم الأيام المنهية أو صوم هذه السنة صح مطلقًا على المختار، وفرقوا بين النذر والشروع فيها بأن نفس الشروع معصية، ونفس النذر طاعة فصح، قال الشامي: أي لزم، والحكمة في النهي عن صوم العيدين أن فيه إعراضًا عن ضيافة الله تعالى لعباده.
стр. 5250
٢٤١٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، نَا عَمْرو بْنُ يَحْيَى، عن أَبِيهِ، عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيوْمِ الأَضْحَى، وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ: الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَعَنِ الصَّلَاةِ في سَاعَتَيْنِ: بَعْدَ الصُّبْحِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ". [خ ١٩٩١، م ٨٢٧، ت ٧٧٢، حم ٣/ ٩٦]
===
٢٤١٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، نا عمرو بن يحيى) بن عمارة المازني، (عن أبيه) يحيى بن عمارة، (عن أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول الله ﷺ عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى، وعن لبستين: الصماء).
قال في "المجمع" (١): وفيه نهي عن اشتمال الصماء، هو أن يتجلل الرجل بثوبه، ولا يرفع منه جانبًا، ويشد على يديه ورجليه المنافذ كلها، كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع، ويقول الفقهاء: هو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره، فيرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبه، فتنكشف عورته.
(وأن يحتبي الرجل بالثوب الواحد)، وهو أن يضم رجليه إلى بطنه بثوب يجمعها به مع ظهره ويشده عليها، وقد يكون باليدين، وهذا لأنه ربما تحرك أو تحرك الثوب فتبدو عورته، "مجمع" (٢).
(وعن الصلاة في الساعتين: بعد الصبح، وبعد العصر) أي بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، فيكره التطوع بعدهما، فإن قلت: قد تقدم في كتاب الصلاة في "باب من فاتته متى يقضيها" حديث قيس بن عمرو، قال: "رأى رسول الله ﷺ رجلًا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : "صلاة الصبح ركعتان"، فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما، فصليتهما الآن، فسكت رسول الله ﷺ ".
стр. 5251
(٤٩) بَابُ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ
===
والجواب عنه ما قال القاري (١): إن الحديث لم يثبت، فإن محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس بن عمرو، فليس فيه حجة، وأيضًا لما ثبت نهيه ﷺ عن الصلاة بعد الصبح فسكوته ﵇ لا يحمل على التقرير، ويحتمل أن تكودن هذه الواقعة قبل النهي، والله تعالى علم.
(٤٩) (بَابُ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)
أي: الأيام التي بعد يوم النحر
وقد اختلف في كونها يومين (٢) أو ثلاثة.
قلت: وهي عند الحنفية ثلاث: حادي عشرة وثاني عشرة وثالث عشرة من ذي الحجة.
قال الحافظ (٣): وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي: تنشر في الشمس، وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس، وقيل: التشريق التكبير دبر كل صلاة.
قال الحافظ: وهل تلتحق بيوم النحر في ترك الصيام كما تلتحق به في النحر وغيره من أعمال، أو يجوز صيامها مطلقًا، أو للمتمتع خاصة، أو له ولمن هو في معناه؟ وفي كل ذلك اختلاف (٤) للعلماء، والراجح عند البخاري جوازها للمتمتع، وقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام
стр. 5252
٢٤١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عن أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى أَبِيهِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ (١)، فَقَرَّبَ
===
وأبي طلحة من الصحابة الجواز مطلقًا، وعن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص المنع مطلقًا، وهو المشهور عن الشافعي- قلت: وهو قول الحنفية- وعن ابن عمر وعائشة وعبيد بن عمير في آخرين منعه إلَّا للمتمتع الذي لا يجد الهدي، وهو قول مالك والشافعي في القديم، وعن الأوزاعي وغيره [يصومها أيضًا المحصر والقارن].
وحجة من منع حديث نبيشة الهذلي عند مسلم (٢) مرفوعًا: "أيام التشريق أيام أكل وشرب"، وله من حديث كعب بن مالك: "أيام مني أيام أكل وشرب"، ومنها حديث عمرو بن العاص أنه قال لابنه عبد الله في أيام التشريق: "إنها الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صومهن وأمر بفطرهن"، أخرجه أبو داود وابن المنذر وصححه ابن خزيمة والحاكم.
٢٤١٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن يزيد بن الهاد، عن أبي مرة مولى أم هانئ) ويقال: مولى عقيل بن أبي طالب، وهو يزيد الهاشمي، حجازي، مشهور بكنيته، قال الواقدي: هو مولى أم هانئ، وكان يلزم عقيلًا فَنُسِبَ إليه، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص، فَقَرَّب)
стр. 5253
إِلَيْهِمَا طَعَامًا فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ عَمْرٌو: كُلْ فَهَذه الأَيَّامُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا بإفْطَارِهَا وَيَنْهَى عن صِيَامِهَا. قَالَ مَالِكٌ: وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (١). [ط ١/ ٣٠٠/ ٣٧، حم ٤/ ١٩٧، دي ١٧٦٧، خزيمة ٢١٤٩، ق ٤/ ٢٩٧، ك ١/ ٤٣٥]
٢٤١٩ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا وَهْبٌ، نَا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ. (ح): وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، عن مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ،
===
أي عمرو بن العاص (إليهما) أي إلى أبي مرة وعبد الله بن عمرو (طعامًا فقال) أي عمرو بن العاص لعبد الله بن عمرو: (كل) الطعام (قال) عبد الله بن عمرو: (إني صائم، فقال عمرو: كل فهذه الأيام التي كان رسول الله ﷺ يأمرنا بإفطارها) أي بترك الصوم فيها (وينهى عن صيامها، قال مالك: وهي أيام التشريق).
ويخالف هذا الحديث ما أخرجه مالك في "موطئه" (٢)، ففيه: مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أبي مرة مولى أم هانئ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه أخبره أنه دخل على أبيه عمرو بن العاص، فوجده يأكل، قال: فدعاني، قال: فقلت له: إني صائم، فقال: هذه الأيام التي نهانا رسول الله ﷺ عن صيامهن وأمرنا بفطرهن.
فسياق حديث أبي داود يدل على أن رواية أبي مرة عن عمرو بن العاص، وسياق حديث "الموطأ" يدل على أن أبا مرة يروي هذا الحديث بواسطة عبد الله بن عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص.
٢٤١٩ - (حدثنا الحسن بن علي، نا وهب، نا موسى بن علي، ح: ونا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، عن موسى بن علي،
стр. 5254
- وَالإِخْبَارُ في حَدِيثِ وَهْبٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَوْمُ عَرَفَةَ وَيوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْل وَشُرْبٍ". [ت ٧٧٣، ن ٣٠٠٤، حم ٤/ ١٥٢، دي ١٧٦٤، خزيمة ٢١٠٠، ق ٤/ ٢٩٨، ك ١/ ٤٣٤]
===
- والإخبار في حديث وهب-) أي وألفاظ الحديث ما في حديث وهب (قال: سمعت أبي) علي بن رباح (أنه سمع عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : يوم عرفة) أي تاسع ذي الحجة (ويوم النحر) عاشرها (وأيام التشريق عيدنا أهلَ الإِسلام، وهي أيام أكل وشرب).
وظاهر هذا الحديث يدل على أن صوم هذه الأيام المذكورة في الحديث منهي عنه، فأما صوم يومي العيدين فالإجماع على النهي عن صومهما، وأما صوم أيام التشريق فقد تقدم ما فيه من الاختلاف.
وأما صوم يوم عرفة فقد ذهب إلى كراهته بعض أهل العلم، وقالوا: لم يصم رسول الله ﷺ في حجة الوداع يوم عرفة, لأنه يوم عيد لأهل الموقف، ويؤيده هذا الحديث، ويؤيده ما روى أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة والحاكم من طريق عكرمة أن أبا هريرة حدثهم: "أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة" (١).
قال الحافظ (٢) بعد نقل هذا الحديث: وأخذ بظاهره بعض السلف، فجاء عن يحيى بن سعيد الأنصاري [قال: ] يجب الفطر بعرفة للحاج، انتهى.
ومذهب الجمهور: يستحب فيه الصوم وإن كان حاجًّا إلَّا من يضعفه الصوم عن الوقوف بعرفات، ويكون مخلًّا له في الدعوات، واحتجوا بما روي من الفضل في صوم يوم عرفة، وهو ما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي قتادة: "صيام يوم عرفة أَحْتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده".
стр. 5255
(٥٠) بَابُ النَّهْي أَنْ يُخَصَّ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ
===
والجواب عن حديث عقبة أنه ليس فيه نهي صريح عن صوم يوم عرفة، فكونه عيدًا لا ينافي الصوم مع أنه مختص بأهل عرفات، والظاهر أن قوله: "وهي أيام أكل وشرب"، راجع إلى يوم النحر وأيام التشريق.
ثم رأيت في "النيل"، فقال الشوكاني (١): واعلم أن ظاهر حديث أبي قتادة المذكور في الباب أنه يستحب الصوم يوم عرفة مطلقًا، وظاهر حديث عقبة بن عامر أيضًا أنه يكره صومه مطلقًا لجعله قريبًا في الذكر ليوم النحر وأيام التشريق، وتعليل ذلك بأنها عيد وأنها أيام أكل وشرب، وظاهر حديث أبي هريرة أنه لا يجوز صومه بعرفات، فيجمع بين الأحاديث بأن صوم هذا اليوم مستحب لكل أحد، مكروه لمن كان بعرفات حاجًّا، والحكمة في ذلك أنه ربما مؤديًا إلى الضعف عن الدعاء والذكر يوم عرفة هنالك، والقيام بأعمال الحج.
(٥٠) (بَابُ النَّهْي أَنْ يُخَصَّ (٢) يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ)