(٤٩) بَابُ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ
===
والجواب عنه ما قال القاري (١): إن الحديث لم يثبت، فإن محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس بن عمرو، فليس فيه حجة، وأيضًا لما ثبت نهيه ﷺ عن الصلاة بعد الصبح فسكوته ﵇ لا يحمل على التقرير، ويحتمل أن تكودن هذه الواقعة قبل النهي، والله تعالى علم.
(٤٩) (بَابُ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)
أي: الأيام التي بعد يوم النحر
وقد اختلف في كونها يومين (٢) أو ثلاثة.
قلت: وهي عند الحنفية ثلاث: حادي عشرة وثاني عشرة وثالث عشرة من ذي الحجة.
قال الحافظ (٣): وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي: تنشر في الشمس، وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس، وقيل: التشريق التكبير دبر كل صلاة.
قال الحافظ: وهل تلتحق بيوم النحر في ترك الصيام كما تلتحق به في النحر وغيره من أعمال، أو يجوز صيامها مطلقًا، أو للمتمتع خاصة، أو له ولمن هو في معناه؟ وفي كل ذلك اختلاف (٤) للعلماء، والراجح عند البخاري جوازها للمتمتع، وقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام
стр. 5252
٢٤١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عن أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى أَبِيهِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ (١)، فَقَرَّبَ
===
وأبي طلحة من الصحابة الجواز مطلقًا، وعن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص المنع مطلقًا، وهو المشهور عن الشافعي- قلت: وهو قول الحنفية- وعن ابن عمر وعائشة وعبيد بن عمير في آخرين منعه إلَّا للمتمتع الذي لا يجد الهدي، وهو قول مالك والشافعي في القديم، وعن الأوزاعي وغيره [يصومها أيضًا المحصر والقارن].
وحجة من منع حديث نبيشة الهذلي عند مسلم (٢) مرفوعًا: "أيام التشريق أيام أكل وشرب"، وله من حديث كعب بن مالك: "أيام مني أيام أكل وشرب"، ومنها حديث عمرو بن العاص أنه قال لابنه عبد الله في أيام التشريق: "إنها الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صومهن وأمر بفطرهن"، أخرجه أبو داود وابن المنذر وصححه ابن خزيمة والحاكم.
٢٤١٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن يزيد بن الهاد، عن أبي مرة مولى أم هانئ) ويقال: مولى عقيل بن أبي طالب، وهو يزيد الهاشمي، حجازي، مشهور بكنيته، قال الواقدي: هو مولى أم هانئ، وكان يلزم عقيلًا فَنُسِبَ إليه، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص، فَقَرَّب)
стр. 5253
إِلَيْهِمَا طَعَامًا فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ عَمْرٌو: كُلْ فَهَذه الأَيَّامُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا بإفْطَارِهَا وَيَنْهَى عن صِيَامِهَا. قَالَ مَالِكٌ: وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (١). [ط ١/ ٣٠٠/ ٣٧، حم ٤/ ١٩٧، دي ١٧٦٧، خزيمة ٢١٤٩، ق ٤/ ٢٩٧، ك ١/ ٤٣٥]
٢٤١٩ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا وَهْبٌ، نَا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ. (ح): وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، عن مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ،
===
أي عمرو بن العاص (إليهما) أي إلى أبي مرة وعبد الله بن عمرو (طعامًا فقال) أي عمرو بن العاص لعبد الله بن عمرو: (كل) الطعام (قال) عبد الله بن عمرو: (إني صائم، فقال عمرو: كل فهذه الأيام التي كان رسول الله ﷺ يأمرنا بإفطارها) أي بترك الصوم فيها (وينهى عن صيامها، قال مالك: وهي أيام التشريق).
ويخالف هذا الحديث ما أخرجه مالك في "موطئه" (٢)، ففيه: مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أبي مرة مولى أم هانئ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه أخبره أنه دخل على أبيه عمرو بن العاص، فوجده يأكل، قال: فدعاني، قال: فقلت له: إني صائم، فقال: هذه الأيام التي نهانا رسول الله ﷺ عن صيامهن وأمرنا بفطرهن.
فسياق حديث أبي داود يدل على أن رواية أبي مرة عن عمرو بن العاص، وسياق حديث "الموطأ" يدل على أن أبا مرة يروي هذا الحديث بواسطة عبد الله بن عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص.
٢٤١٩ - (حدثنا الحسن بن علي، نا وهب، نا موسى بن علي، ح: ونا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، عن موسى بن علي،
стр. 5254
- وَالإِخْبَارُ في حَدِيثِ وَهْبٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَوْمُ عَرَفَةَ وَيوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْل وَشُرْبٍ". [ت ٧٧٣، ن ٣٠٠٤، حم ٤/ ١٥٢، دي ١٧٦٤، خزيمة ٢١٠٠، ق ٤/ ٢٩٨، ك ١/ ٤٣٤]
===
- والإخبار في حديث وهب-) أي وألفاظ الحديث ما في حديث وهب (قال: سمعت أبي) علي بن رباح (أنه سمع عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : يوم عرفة) أي تاسع ذي الحجة (ويوم النحر) عاشرها (وأيام التشريق عيدنا أهلَ الإِسلام، وهي أيام أكل وشرب).
وظاهر هذا الحديث يدل على أن صوم هذه الأيام المذكورة في الحديث منهي عنه، فأما صوم يومي العيدين فالإجماع على النهي عن صومهما، وأما صوم أيام التشريق فقد تقدم ما فيه من الاختلاف.
وأما صوم يوم عرفة فقد ذهب إلى كراهته بعض أهل العلم، وقالوا: لم يصم رسول الله ﷺ في حجة الوداع يوم عرفة, لأنه يوم عيد لأهل الموقف، ويؤيده هذا الحديث، ويؤيده ما روى أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة والحاكم من طريق عكرمة أن أبا هريرة حدثهم: "أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة" (١).
قال الحافظ (٢) بعد نقل هذا الحديث: وأخذ بظاهره بعض السلف، فجاء عن يحيى بن سعيد الأنصاري [قال: ] يجب الفطر بعرفة للحاج، انتهى.
ومذهب الجمهور: يستحب فيه الصوم وإن كان حاجًّا إلَّا من يضعفه الصوم عن الوقوف بعرفات، ويكون مخلًّا له في الدعوات، واحتجوا بما روي من الفضل في صوم يوم عرفة، وهو ما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي قتادة: "صيام يوم عرفة أَحْتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده".
стр. 5255
(٥٠) بَابُ النَّهْي أَنْ يُخَصَّ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ
===
والجواب عن حديث عقبة أنه ليس فيه نهي صريح عن صوم يوم عرفة، فكونه عيدًا لا ينافي الصوم مع أنه مختص بأهل عرفات، والظاهر أن قوله: "وهي أيام أكل وشرب"، راجع إلى يوم النحر وأيام التشريق.
ثم رأيت في "النيل"، فقال الشوكاني (١): واعلم أن ظاهر حديث أبي قتادة المذكور في الباب أنه يستحب الصوم يوم عرفة مطلقًا، وظاهر حديث عقبة بن عامر أيضًا أنه يكره صومه مطلقًا لجعله قريبًا في الذكر ليوم النحر وأيام التشريق، وتعليل ذلك بأنها عيد وأنها أيام أكل وشرب، وظاهر حديث أبي هريرة أنه لا يجوز صومه بعرفات، فيجمع بين الأحاديث بأن صوم هذا اليوم مستحب لكل أحد، مكروه لمن كان بعرفات حاجًّا، والحكمة في ذلك أنه ربما مؤديًا إلى الضعف عن الدعاء والذكر يوم عرفة هنالك، والقيام بأعمال الحج.
(٥٠) (بَابُ النَّهْي أَنْ يُخَصَّ (٢) يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ)
стр. 5256
٢٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَصُمْ (١) أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أَوْ بَعْدَهُ". [خ ١٩٨٥، م ١١٤٤، ت ٧٤٣، جه ١٧٢٣، حم ٢/ ٤٩٥]
===
٢٤٢٠ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا يصم أحدكم يوم الجمعة، إلَّا أن يصوم قبله بيوم أو بعده).
قال الحافظ (٢): واستدل بأحاديث الباب على منع إفراد يوم الجمعة بالصيام، نقله أبو الطيب الطبري عن أحمد وابن المنذر وبعض الشافعية، وقال: أبو جعفر الطبري: يفرق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد ولو صام قبله أو بعده، بخلاف يوم الجمعة فالإجماع منعقد على جواز صومه لمن صام قبله أو بعده، ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي وأبي هريرة وسليمان وأبي ذر، قال ابن حزم: لا نعلم لهم مخالفًا من الصحابة، وذهب الجمهور إلى أن النهي فيه للتنزيه، وعن مالك وأبي حنيفة: لا يكره، قال مالك: لم أسمع أحدًا ممن يقتدى (٣) به ينهى عنه.
واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود (٤): "كان رسول الله ﷺ يصوم من كل
стр. 5257
(٥١) بَابُ النَّهْي أَنْ يُخَصّ (١) يَوْمُ السَّبْتِ بِصَوْمٍ
٢٤٢١ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ. (ح): وحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ قُبَيْسٍ
===
شهر ثلاثة أيام، وقلما كان يفطر يوم الجمعة" (٢).
وذكر في "الدر المختار" في المندوب صومَ يوم الجمعة ولو منفردًا، قال الشامي (٣): صرح به في "النهر"، وكذا في "البحر" فقال: إن صومه بانفراده مستحب عند العامة كالاثنين والخميس، وكره الكل بعضهم، فما في "الأشباه" وتبعه في "نور الإيضاح" من كراهة إفراده بالصوم قول البعض، وفي "الخانية": ولا بأس بصوم يوم الجمعة عند أبي حنيفة ومحمد لما روي عن ابن عباس أنه كان يصومه ولا يفطر، وفي "التجنيس": قال أبو يوسف: جاء حديث في كراهته إلَّا أن يصوم قبله أو بعده، فكان الاحتياط أن يضم إليه يومًا آخر، انتهى.
قال الطحطاوي: قلت: ثبت بالسنَّة طلبه والنهي عنه، والآخر منهما النهي كما أوضحه شراح "الجامع الصغير" لأن فيه وظائف، فلعله إذا صام ضعف عن فعلها، انتهى ملخصًا.
(٥١) (بَابُ النَّهْي أَنْ يُخَصّ يَوْمُ السَّبْتِ بِصَوْمٍ)
٢٤٢١ - (حدثنا حميد بن مسعدة، نا سفيان بن حبيب) البصري أبو محمد، ويقال: أبو معاوية، ويقال: أبو حبيب البزار، وثَّقه عمرو بن علي، وقال يعقوب بن شيبة والنسائي: ثقة ثبت، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال عثمان بن أبي شيبة: سفيان بن حبيب لا بأس به، ولكن كان له أحاديث مناكير.
(ح: وحدثنا يزيد بن قبيس) بضم القاف وفتح الموحدة مصغرًا،
стр. 5258
مِنْ أَهْلِ جَبَلَةَ، نَا الْوَلِيدُ، جَمِيعًا، عن ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عن خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنُ بُسْرٍ السُّلَمِيِّ، عن أُخْتِهِ- وَقَالَ يَزِيدُ: الصَّمَّاءِ-
===
ابن سليمان السيلحيني، أبو سهل، ويقال: أبو خالد الشامي (من أهل جبلة) ذكره ابن حبان في "الثقات"، من أهل جبلة أي جبلة الشام، وهي قلعة مشهورة بساحل الشام من أعمال حلب قرب اللاذقية، صرح به ياقوت الحموي في "معجم البلدان" (١).
(نا الوليد) بن مسلم (جميعًا) أي روى سفيان بن حبيب والوليد بن مسلم جميعًا (عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر السلمي).
قال ابن الأثير في "أسد الغابة" (٢) تحت ترجمة عبد الله بن بسر المازني: قال ابن منده: عبد الله بن بسر السلمي المازني، وهذا لا يستقيم، فإن سليمًا أخو مازن، وليس لعبد الله حلف في سليم حتى ينسب إليهم بالحلف.
وقال الحافظ في "الإصابة" (٣): عبد الله بن بسر بضم الموحدة وسكون المهملة، المازني، أبو بسر الحمصي، وقال البخاري: أبو صفوان السلمي المازني من مازن بن منصور أخو بني سليم، وقيل: من مازن الأنصار، وهو قول ابن حبان، وهو مقتضى صنيع ابن منده, فإنه قال فيه السلمي المازني، وعاب ذلك ابن الأثير ولم يفهم مراده، بل استبعد اجتماع النسبة لشخص إلى بني سليم وإلى [بني] مازن، ولعل ابن منده إنما ذكره بفتح السين نسبة إلى بني سلمة من الأنصار، لكن يرده أيضًا أن بني مازن الأنصار ليسوا من بني سلمة، له ولأبويه وأخويه عطية وصماء صحبة.
(عن أخته- وقال يزيد: الصماء-)، أي: وزاد يزيد بعد قوله: "عن أخته" لفظ "الصماء"، أو يقال: قال يزيد بدل "عن أخته" "عن الصماء"، وهي بنت بسر المازنية، واسمها نُهيمة، ويقال: بهيمة، وهي أخت عبد الله بن بسر،
стр. 5259
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَصومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُم، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْهُ" (١). [ت ٧٤٤، جه ١٧٢٦، حم ٦/ ٣٨٦، ق ٤/ ٣٠٢، ك ١/ ٤٣٥، دي ١٧٤٩]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخ.
===
وقيل: عمته، وقيل: خالته، روت عن النبي ﷺ ، وقيل: عن عائشة عنه، قال أبو زرعة: قال لي دحيم: أهل بيت أربعة صحبوا النبي ﷺ ، بسر وابناه عبد الله وعطية وأختهما الصماء.
(أن النبي ﷺ قال: لا تصوموا يوم السبت إلَّا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلَّا لِحاء) بكسر اللام وبالحاء المهملة، قال في "القاموس": وككسار: قشر الشجر (عنب أو عودَ شجرةٍ فليمضغه) أي فليأكله بعد المضغ (قال أبو داود: هذا الحديث منسوخ).
قال الشوكاني (٢): أخرج هذا الحديث ابن حبان والحاكم والطبراني والبيهقي، وصححه ابن السكن، قال أبو داود في "السنن": قال مالك: هذا الحديث كذب، وقد أعلَّ بالاضطراب كما قال النسائي، لأنه روي كما ذكر المصنف، وروي عن عبد الله بن بسر، وليس فيه عن أخته، كما وقع لابن حبان.
قال الحافظ (٣): وهذه ليست بعلة قادحة، فإنه أيضًا صحابي، وقيل: عنه عن أبيه بسر، وقيل: عنه عن أخته الصماء عن عائشة، قال الحافظ: ويحتمل أن يكون عند عبد الله عن أبيه وعن أخته، وعند أخته بواسطة.
قال: ولكن هذا التلوُّن في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد
стр. 5260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المخرج يوهن الرواية, وينبئ عن قلة ضبطه، إلَّا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالًّا على قلة ضبطه، وليس الأمر هنا كذا، بل اختلف أيضًا على الراوي عبد الله بن بسر، وقد ادعى أبو داود أن هذا الحديث منسوخ.
قال في "التلخيص" (١): ولا يتبين وجه النسخ فيه، ثم قال: يمكن أن يكون أخذه من كون النبي ﷺ كان يحبُّ موافقة أهل الكتاب في أول الأمر، ثم في آخر الأمر قال: "خالفوهم"، والنهي عن صوم يوم السبت يوافق الحالة الأولى، وصيامُه إياه يوافق الحالة الثانية، وهذه صورة النسخ، والله أعلم، انتهى.
وقد أخرج النسائي والبيهقي وابن حبان والحاكم عن كريب "أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ بعثوه إلى أم سلمة يسألها عن الأيام التي كان رسول الله ﷺ أكثر لها صيامًا؟ فقالت: يوم السب والأحد، فرجعتُ إليهم، فكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها، فسألوها فقالت: صدق، وكان يقول: إنهما يوما عيدٍ للمشركين، فأنا أريد أن أخالفهم" (٢)، وصحح الحاكم إسناده، وصححه أيضًا ابن خزيمة.
وروى الترمذي من حديث عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر: الثلاثاء والأربعاء والخميس" (٣)، وقد جمع صاحب "البدر المنير" بين هذه الأحاديث فقال: النهي متوجه إلى الإفراد، والصوم باعتبار انضمام ما قبله أو بعده إليه، ويؤيد هذا
стр. 5261
(٥٢) الرُّخْصَةُ في ذَلِكَ
٢٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ. (ح)، نَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا هَمَّامٌ، نَا قَتَادَةُ، عن أَبِي أَيُّوبَ- قَالَ حَفْصٌ: الْعَتَكِيُّ-، عن جُوَيْريةَ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ، قَالَ: "أَصُمْتِ أَمْسِ؟ " قَالَتْ: لَا، قَالَ: "تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي (١) غَدًا؟ " قَالَت: لَا، قَالَ: "فَأَفْطِرِي". [خ ١٩٨٦، حم ٦/ ٣٢٤، خزيمة ٢٦٦٤]
===
ما تقدم من إذنه ﷺ لمن صام الجمعة أن يصوم السبت بعدها، والجمع مهما أمكن أولى من النسخ.
قلت: ومطابقة الحديث بالباب بأن الحديث على تقدير عدم نسخه محمول على أن النهي مخصوص بمن يفرد يوم السبت بصوم، فمن ضم معه صوم يوم قبله أو بعده، فليس في حقه النهي، ومذهب الحنفية فيه أنه يكره صوم يوم السبت وحده للتشبه باليهود، قال الشامي (٢): أفاده قوله: "وحده" أنه لو صام معه يومًا آخر فلا كراهة؛ لأن الكراهة في تخصيصه بالصوم للتشبه.
(٥٢) (الرُّخْصَةُ في ذلِكَ)
أي: في تخصيص يوم السبت بصوم
٢٤٢٢ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا همام، عن قتادة، ح: وحدثنا حفص بن عمر، نا همام، ثنا قتادة، عن أبي أيوب، قال حفص: العَتَكِيُّ) أي زاد حفص بعد قوله: عن أبي أيوب، العتكي، فوصفه بكونه عتكيًا، (عن جويرية بنت الحارث، أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، قال: أصمتِ أمس؟ ) أي يوم الخميس (قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا، قال) رسول الله ﷺ : (فأَفطري).
стр. 5262
٢٤٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ اللَّيْثَ يُحَدِّثُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذُكِرَ لهُ أَنَّهُ نهِي عن صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ يَقُولُ ابْنُ شِهَابٍ: هَذَا حَدِيثٌ حِمْصِيٌّ. [ق ٤/ ٣٠٢]
===
وقد مر البحث في صوم يوم الجمعة في "باب النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم"، والحديث لا يطابق الباب، فإنه ليس فيه الرخصة في تخصيص يوم السبت بصوم، فالظاهر أن هذا غلط من النساخ، بل لعل الحديث كان تحت "باب النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم"، كما ذكره البخاري في "صحيحه"، أو في "باب النهي أن يخص يوم السبت بصوم" كما يظهر من النسخة التي على الحاشية، فأدخله في هذا الباب.
٢٤٢٣ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب، نا ابن وهب قال: سمعت الليث يحدث، عن ابن شهاب، أنه كان إذا ذكر له أنه نُهِيَ عن صيام يوم السبت يقول ابن شهاب: هذا حديث حمصي) أي الحديث الذي ورد فيه النهي عن صيام يوم السبت، وهو حديث عبد الله بن بسر حديث حمصي أي ضعيف.
نقل في الحاشية عن "فتح الودود": قوله: حديث حمصي، كأنه يريد تضعيفه، وقول مالك: "هذا كذب" أصرح في ذلك وأبلغ، لكن قال الترمذي (١): حديث حسن، والظاهر أن سبب ما ذكروا عدم ظهور المعنى حتى قال بعضهم: منسوخ، وبعضهم: ضعيف.
وما قال صاحب "عون المعبود" (٢): يريد تضعيفه, لأن في حديث عبد الله بن بسر راويان حمصيان، أحدهما ثور بن يزيد، وثانيهما خالد بن معدان، تكلم فيهما بعض، ووثقهما بعض.
قلت: كلاهما ثقتان لم أجد من تكلم فيهما في حفظهما أو في
стр. 5263
٢٤٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح بْنِ سُفْيَانَ، نَا الْوَلِيدُ، عن الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: مَا زِلْتُ لَهُ كَاتِمًا حَتَّى (١) رَأَيْتُهُ انْتَشَرَ، يَعْنِي حَدِيثَ ابْن بُسْرٍ هَذَا في صَوْمٍ يَوْمِ السَّبْتِ. [ق ٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مَالِكٌ (٢): هَذَا كَذِبٌ.
(٥٣) بَابٌ: في صَوْمِ الدَّهْرِ (٣)
٢٤٢٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا، نَا حَمَّادُ بْنُ
===
عدالتهما (٤)، إلَّا أنهم قالوا: إن ثورًا كان يرى القدر، وكان الأوزاعي يتكلم فيه ويهجوه، فالمراد به التكلم لأجل القدر وهجوه به، أما خالد بن معدان فلم أجد من تكلم فيه بشيء، أخرج له الستة، وثور أخرج له البخاري، والأربعة، فليس تضعيفه لأجل ما ذكر من التكلم فيه، بل لما قال صاحب "فتح الودود": إن سبب ما ذكروا عدم ظهور المعنى.
٢٤٢٤ - (حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، نا الوليد، عن الأوزاعي قال: ما زلت له) أي لحديث عبد الله بن بسر (كاتمًا) والكتمان الستر (حتى رأيته انتشر، يعني حديث ابن بسر هذا في صوم يوم السبت، قال أبو داود: قال مالك: هذا كذب) أي حديث عبد الله بن بسر، وغرض المصنف بذكر قول ابن شهاب وبقول الأوزاعي وبقول مالك بن أنس أنهم تكلموا فيه فلا يعتد به، فثبتت الرخصة في يوم السبت.
(٥٣) (بَابٌ: في صَوْمِ الدَّهْرِ)
٢٤٢٥ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: نا حماد بن
стр. 5264
زيدٍ، عن غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عن عَمْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ، عن أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَصُومُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ،
===
زيد، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد الزماني) بكسر الزاي وتشديد الميم المفتوحة وفي آخرها النون، هذه النسبة إلى زمان، وهي فخذ في قبائل مختلفة، وهذا منسوب إلى زمان بن مالك من بني بكر بن وائل كما صرح به في "القاموس"، قال: وزِمَّان بالكسر والشدِّ: جد لِفِند الزِمَّاني، واسم الفِنْدِ شَهْلُ بنُ شَيبانَ بنِ ربيعةَ بن زِمَّان بن مالك بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وقول الجوهري: زمان بن تيم الله إلى آخره سهو، ومنهم عبد الله بن معبد التابعي البصري، قال النسائي: ثقة، وقال البخاري: لا يعرف سماعه من أبي قتادة، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أبي قتادة، أن رجلًا) لم أقف على تسميته (أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف تصوم؟ فغضب رسول الله ﷺ ) أي: ظهر أثر الغضب على وجهه (من قوله)، أي: قول الرجل وسوء سؤاله.
قال النووي (١): سبب (٢) غضبه كراهة مسألته, لأنه خشي من جوابه مفسدة، وهي أنه ربما يعتقد السائل وجوبه أو يستقله أو يقتصر عليه، وكان حق السائل أن يقول: كيف أصوم؟ أو كم أصوم؟ فيخص السؤال بنفسه ليجاب بمقتضى حاله، والنبي ﷺ إنما لم يبالغ في الصوم لأنه كان مشتغلًا بمصالح المسلمين وحقوق عباده وأضيافه، ولئلا يقتدي به كل أحد فيتضرر بعضهم.
стр. 5265
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عُمَرُ قَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَام دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَب اللهِ وَمِنْ غَضَبِ رَسُولِهِ (١)، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَدِّدُهَا حَتَّى سَكَنَ غَضَبُ (٢) النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ (٣) بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟ قَالَ: "لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ".
قَالَ مُسَدِّدٌ: "لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ، أَوْ مَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ" - شَكَّ غَيْلَانُ-.
===
وأيضًا كان صومه ﷺ لم يكن على منوال واحد، بل كان يختلف باختلاف الأحوال، فتارة يكثر الصوم وتارة يقله، ومثل هذا الحال لا يمكن أن يدخل تحت المقال، فيتعذر جواب السؤال، ولذا وقع لجماعة من الصحابة أنهم سألوا عن عبادته لله تعالى، فتقالُّوها فبلغه، فاشتد غضبه عليهم، وقال: "أنا أتقاكم لله وأخوفكم منه".
(فلما رأى ذلك) أي غضبه (عمر) بن الخطاب ﵁ (قال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد) ﷺ (نبيًا، نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، فلم يزل عمر يرددها) أي هذه الكلمات (حتى سكن غضب النبي ﷺ ، فقال) أي عمر: (يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله؟ ) أي هل محمود أو مذموم؟
(قال) رسول الله ﷺ : (لا صام ولا أفطر) أي لا صام صومًا فيه كمال الفضيلة، ولا أفطر فطرًا يمنع جوعه وعطشه (قال مسدد: لم يصم ولم يفطر، أو ما صام ولا أفطر، شك غيلان)، الظاهر أن الشك مختص برواية مسدد، وأما رواية سليمان بن حرب فخالية عن الشك.
في "شرح السنَّة" (٤): معناه الدعاء عليه زجرًا له، ويجوز أن يكون إخبارًا،
стр. 5266
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يَومًا؟ قَالَ: "أَوَ يُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ"؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَومًا؟ قَالَ: "ذَاكَ صَوْمُ دَاوُدَ".
===
لأنه إذا اعتاد ذلك لم يجد رياضة ولا كلفة يتعلق بها مزيد ثواب، فكأنه لم يصم، وحيث لم ينل راحة المفطرين ولذتهم فكأنه لم يفطر، قال مالك والشافعي: وهذا في حق من أدخل الأيام المنهية في الصوم، وأما من لم يدخلها فلا بأس عليه في القوم ما عداها, لأن أبا طلحة الأنصاري وحمزة بن عمرو الأسلمي كانا يصومان الدهر سوى هذه الأيام، ولم ينكر عليهما رسول الله ﷺ .
أو علة النهي أن ذلك الصوم يجعله ضعيفًا، فيعجز عن الجهاد وقضاء الحقوق، فمن لم يضعف فلا بأس عليه، قال ابن الهمام (١): يكره صوم الدهر، لأنه يضعفه أو يصير طبعًا له، ومبنى العبادة على مخالف العادة.
(قال) عمر ﵁: (يا رسول الله، كيف بمن يصوم يومين ويفطر يومًا؟ قال) رسول الله ﷺ في جوابه: (أَوَ) الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على المقدر، أي: أتقول ذلك و (يطيق ذلك أحد؟ )، فيه إشارة إلى أن العلة في نهي صوم الدهر إنما هو الضعف، فيكون المعنى أنه إن أطاقه أحد فلا- بأس، أو هو أفضل.
(قال) عمر: (يا رسول الله، فكيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال) رسول الله ﷺ : (ذاك صوم داود) يعني وهو في غاية من الاعتدال ومراعاة لجانب العبادة والعادة بأحسن الأحوال، ولذا قال بعض العلماء: اجتهد في العلم بحيث لا يمنعك من العمل، واجتهد في العمل بحيث لا يمنعك من العلم، فخير الأمور أوساطها، وشرها تفريطها وإفراطها، وكذا ورد: "أفضل الصيام صيام داود ﵇".
стр. 5267
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمًا وُيفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: "وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ (١) ذَلِكَ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ،
===
(قال) عمر: (يا رسول الله، فكيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومين؟ قال) رسول الله ﷺ : (وددت) بكسر الدال، أحببت وتمنيت (أني طوقت ذلك) أي جعلني الله مطيقًا لذلك الصيام المذكور.
نقل في "الحاشية" عن الخطابي (٢): يحتمل أن يكون إنما خاف العجز عن ذلك للحقوق التي تلزمه لنسائه، لأن ذلك يخل بحظوظهن منه، لا لضعف جِبِلَّته عن احتمال الصيام وقلة صبره عن الطعام في هذه المدة.
فإن قلت: كيف نفى الإطاقة رسول الله ﷺ في صوم يومين وإفطار يوم، وتمنى الإطاقة في صوم يوم وإفطار يومين، وقد قال رسول الله ﷺ : "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني"، فإذا كان يُطعم ويسقى من ربه ﵎ فمحال أن لا يكون مطيقًا للنوعين المذكورين من الصوم؟
والجواب عنه بوجهين: الأول: أنه ﷺ نفى الإطاقة باعتبار عدم إطاقة الأمة، فإنه ﷺ تمنى باليسر في الأمة، فلا يفعل أمرًا فيه عسر على الأمة.
وثانيهما: يمكن أن يكون الإطعام والسقي من الرب ﵎ مختصًا بالوصال دون غيره من الصيام.
(ثم قال رسول الله ﷺ : ثلاثة من كل شهر) أي صوم الإنسان ثلاثة أيام من كل شهر، قيل: هو أيام البيض، وقيل: أي ثلاث كان (ورمضان) أي وصوم رمضان من كل سنة (إلى رمضان) القياس انصرافهما, لأن المجموع المركب من المضاف والمضاف إليه جعل علمًا، فمنع من الصرف للعَلَمية والألف والنون المزيدتين، وأما الجزء الآخر منها وهو رمضان فليس بعَلَم، فيكون منصرفًا.
стр. 5268
فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، وَصِيَامُ عَرَفَةَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ،
===
(فهذا صيام الدهر) أي المحمود (كله) معناه عندي أن كل واحد منهما من صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ومن صوم رمضان إلى رمضان، كل واحد منهما صيام الدهر، أما صوم ثلاثة أيام من كل شهر، فكونه صيام الدهر ظاهر، لأن الحسنة بعشرة أمثالها، فإن من صام ثلاثة أيام من شهر فكأنه صام الشهر، ومن صام ثلاثة أيام من شهور السنة فقد صام السنة، فهذا صيام الدهر.
وأما صيام رمضان إلى رمضان، فيحتمل أن يكون المراد أن صيام رمضان مع ست من شوال صيام الدهر، كما وقع في الرواية، أو يقال: إن صيام رمضان من حيث كونه صوم فرض يزيد على النفل، فيكون صيامه مساويًا لصيام الدهر، بل زائدًا عليه، فأخبر ﷺ أوّلًا بأن صيام رمضان مع ست من شوال صيام الدهر، ثم أخبر ﷺ بأن صيام رمضان فقط من غير صوم ست من شوال ليساوي صيام الدهر في الثواب.
(وصيام عرفة إني أحتسب على الله)، في "النهاية" (١): الاحتساب في الأعمال الصالحة هو البدار إلى طلب الأجر، وتحصيله باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبًا للثواب المرجُوِّ فيها، قال الطيبي (٢): كان الأصل أن يقال: أرجو من الله أن يكفر، فوضع موضعه أحتسب، وعداه بِعَلَى الذي للوجوب على سبيل الوعد مبالغة لحصول الثواب.
(أن يكفر) ضمير الفاعل يرجع إلى الله أو الصيام (السنة التي قبله) أي ذنوبها (والسنة التي بعده) (٣)، قال إمام الحرمين (٤): والمكفر الصغائر، قال عياض: وهو مذهب أهل السنَّة والجماعة، وأما الكبائر فلا يكفرها إلَّا التوبة ورحمة الله تعالى.
стр. 5269
وَصَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ". [م ١١٦٢، ت ٧٦٧ (مختصرًا)، ن ٢٣٨٣، ٢٣٨٧، حم ٤/ ٢٥]
٢٤٢٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مَهْدِيٌّ، نَا غَيْلَانُ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ، عن أَبِي قَتَادَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. زَادَ: قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ صَوْمَ يَوْمِ الاثْنَيْنِ وَيوْمِ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: "فِيهِ وُلدْتُ، وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ الْقُرْءَانُ". [م ١١٦٢، حم ٥/ ٢٩٩، ق ٤/ ٢٩٣]
===
وقال النووي (١): المراد بالذنوب الصغائر، وإن لم تكن الصغائر يرجى تخفيف الكبائر، فإن لم تكن رفعت الدرجات. قال المظهر: وقيل: تكفير السنة الآتية أن يحفظه من الذنوب فيها، وقيل: أن يعطيه من الرحمة والثواب قدر أن يكون كفارة للسنة الماضية والآتية إذا جاءت واتفقت له ذنوب.
(وصوم يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)، وهذا يدل على أن صيام عرفة أفضل من صيام عاشوراء، وسيجيء ما ظاهره ما يدل على أن صوم عاشوراء أفضل من صيام عرفة وغيره.
٢٤٢٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا مهدي) بن ميمون، (نا غيلان) بن جرير، (عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة بهذا الحديث) أي المتقدم (زاد) موسى بن إسماعيل: (قال: يا رسول الله، أرأيت قوم يوم الاثنين ويوم الخميس؟ )، يحتمل السؤال احتمالين: أحدهما: أن يكون السؤال من كثرة صيامه ﵇ فيه، ويحتمل أن يكون السؤال من مطلق الصيام وخصوص فضله من بين الأيام.
(قال: فيه) أي في يوم الاثنين (ولدت، وفيه أنزل عليَّ القرآن) يعني حصل لي فيه بدء الكمال الصوري، وطلوع الصبح المعنوي المقصود الظاهري والباطني، والتفضل الابتدائي والانتهائي، فوقت يكون منشأ للنعم الدنيوية
стр. 5270
٢٤٢٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١) قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ (٢): "أَلمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَقُولُ: لأَقُومَنَّ اللَّيْلَ وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ؟ "، قَالَ: (٣) أَحْسِبُهُ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ قُلْتُ ذَاكَ، قَالَ: "قُمْ (٤) وَنَمْ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَصُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَذَاكَ (٥)
===
والأخروية، حقيق بأن يوجد فيه الطاعة الظاهرية والباطنية، فيجب شكره تعالى عليَّ والقيام بالصيام لديَّ، لما أولى من تمام النعمة إليَّ.
٢٤٢٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لقيني رسول الله ﷺ فقال: ألم أحدث) (٦) بصيغة المجهول معناه أخبرت (أنك تقول: لأقومن الليل) أي كله ولا تنام (ولأصومن النهار؟ ) أي: ولا تفطر.
(قال) الراوي: (أحسبه) أي الشيخ، فإن كان المراد من الراوي ابن المسيب أو أبا سلمة فضمير المفعول في أحسبه إلى عبد الله بن عمرو، وإن كان غيره فالضمير يرجع إلى شيخه (قال: نعم يا رسول الله، قد قلت ذاك) أي بقيام الليل وصوم النهار.
(قال) أي رسول الله ﷺ : (قم ونم) أي: اجمع في الليل بالقيام والنوم (وصم) في بعض الأيام (وأفطر) في بعضها (وصم من كل شهر ثلاثة أيام، وذاك
стр. 5271
مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ" قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ"، قَالَ: فَقُلْتُ (١): إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَهُوَ (٢) أَعْدَلُ الصِّيَامِ، وَهُوَ صِيَامُ دَاوُدَ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ". [خ ١٩٧٦، م ١١٥٩، ن ٢٣٩٢]
(٥٤) بَابٌ: في صَوْمِ أَشْهُرِ الْحُرُمِ
===
مثل صيام الدهر) لأن الحسنات بعشر أمثالها.
(قال) عبد الله: (قلت: يا رسول الله، إني أطيق أفضل) أي أكثر (من ذلك، قال) رسول الله ﷺ : (فصم يومًا وأفطر يومين، قال) عبد الله: (فقلت: إني أطيق أفضل) أي أكثر (من ذلك، قال: فصم يومًا وأفطر يومًا، وهو أعدل الصيام) أي أفضله (وهو صيام داود، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال رسول الله ﷺ : لا أفضل من ذلك).
نقل في الحاشية عن "فتح الودود": ظاهره أنه أفضل من صوم يومين وإفطار يوم، ومن صيام يوم الدهر بلا صيام أيام الكراهة، وبه قال بعض أهل العلم، وهو أشد الصيام على النفس، لأنه لا يعتاد الصوم ولا الإفطار فيصعب عليه كل منهما.
(٥٤) (بَابٌ: في صَوْمِ أَشْهُرِ الحُرُمِ)
وهي أربعة أشهر التي ذكرها الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (٣) ثلاثة منها سرد، وواحد فرد، وهي (٤): ذو القعدة، وذو الحجة،
стр. 5272
٢٤٢٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن سعيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عن أَبِي السَّلِيلِ، عن مُجِيبَةَ الْبَاهِليَّةَ، عن أَبِيهَا- أَوْ عَمِّهَا-:
===
والمحرم، ورجب مضر التي بين جمادى وشعبان، وإنما سُمِّيت الحُرُم لحرمتها وحرمة القتال فيها في الجاهلية وبدء الإِسلام، ثم نسخت حرمة القتال فيها عند الجمهور، وقال عطاء بعدم النسخ.
٢٤٢٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل، عن مجيبة الباهلية، عن أبيها أو عمها) واختلف فيه، فقيل هكذا، وقيل: عن أبي مجيبة عن أبيه عن عمه، وقيل: عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها، وقال بعضهم: عن مجيبة امرأة من أهله، وقال بعضهم: عن مجيبة عجوز من عجائز المسلمين، وذكر البغوي أن اسم والد محبيبة عبد لله بن الحارث، كذا في "تهذيب التهذيب" (١).
وقال في "الإصابة" (٢) في الكنى: أبو مجيبة بضم أوله وكسر الجيم وبموحدة، ذكره ابن حبان في "الصحابة"، وقال أبو عمر: لا أعرفه، وقال البغوي: أبو مجيبة أو عمها سكن البصرة، قلت: هو والد مجيبة الباهلي أو الباهلية، وقع عند ابن ماجه عن مجيبة الباهلي عن أبيه، وعند ابن أبي داود مجيبة الباهلية عن أبيها، وأفاد البغوي أن اسم والد مجيبة عبد الله بن الحارث، والصواب أن مجيبة امرأة، فقد وقع عند سعيد بن منصور عن ابن علية، عن الجريري، عن أبي السليل، عن مجيبة
стр. 5273
أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْطَلَقَ فَأَتَاهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ وَهَيْئَتُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: "وَمَنْ أَنْتَ؟ "، قَالَ: أَنَا الْبَاهِليُّ الَّذِي جِئْتُكَ عَامَ الأَوَّلِ، قَالَ: "فَمَا غَيَّرَكَ وَقَدْ كُنْتَ حَسَنَ الْهَيْئَةِ؟ " قُلْتُ: مَا أَكَلْتُ طَعَامًا مُنْذُ فَارَقْتُكَ إِلَّا بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِمَ عَذَّبْتَ نَفْسَكَ؟ "، ثُمَّ قَالَ: "صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ وَيوْمًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ"، قَالَ: زِدْنِي فَإِنَّ بِي قُوَّةً، قَالَ: "صُمْ يَوْمَيْنِ"، قَالَ: زِدْنِي (١)، قَالَ: "صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ"،
===
الباهلية عجوز من قومها، عن أبيها، أو- شك من الراوي- عمها، لم أقف على تسمية العم.
(أنه أتى رسول الله ﷺ ، ثم انطلق) أي رجع إلى وطنه (فأتاه) أي رسول الله ﷺ (بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته) بأن تغير لونه وصار جسمه ناحلًا (فقال: يا رسول الله أما تعرفني؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول) أي في العام الماضي (قال: فما غيرك) أي: غيَّر هيئتك وحالتك، (وقد) الواو للحال كنت حسن الهيئة؟ أكلت: ما أكلت طعامًا) بالنهار (منذ فارقتك إلَّا بليل) أي صمت في جميع أيام السنة، ولعله لم ينه حينئذ عن صوم يومي العيد وأيام التشريق، أو نهى عنها ولم يعلم به.
(فقال رسول الله ﷺ : لم عذبت نفسك؟ ) حيث تغيرت حالك، (ثم قال) رسول الله ﷺ : (صم شهر الصبر) أي شهر رمضان فرضًا، وسمي به لحبس النفس في نهاره عن المفطرات (ويومًا من كل شهر) نفلًا.
(قال: زدني) من الصوم (فإن بي قوة، قال: صم يومين) أي صم شهر الصبر ويومين من كل شهر (قال: زدني) فإن بي قوة، (قال: صم ثلاثة أيام)
стр. 5274
قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: "صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُم وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ" (١)، وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ الثلَاثَةِ فَضَمَّهَا ثمَّ أَرْسَلَهَا". [ق ٤/ ٢٩١]
===
أي من كل شهر مع صيام شهر الصبر (قال: زدني، قال: صم من الحُرُم) بضم الحاء المهملة والراء جمع حرام، أي: الأشهر الحرم (٢) (واترك) أي الصوم منها (صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، وقال) أي أشار (بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها) (٣) أي يشير بضم أصابعه الثلاثة إلى أنه يصوم من الأشهر الحرم ثلاثة أيام، ثم يشير بإرسالها إلى أنه يفطر كذلك ثلاثة أيام مع صيام شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر من الأشهر السبعة الباقية.
فالحاصل على هذا التأويل أنه ﷺ أمره أن يصوم شهر رمضان، ثم يصوم ثلاثة أيام من سبعة أشهر، لأنه خرج رمضان، وخرجت الأشهر الحرم الأربعة، فبقيت سبعة أشهر، يصوم ثلاثة أيام في كل شهر من السبعة، ثم أمره أن يصوم من الأشهر الحرم في كل شهر منها ثلاثة أيام، ثم يترك ثلاثة أيام منها ويفطر، ثم يصوم كذلك إلى آخر الأشهر الأربعة، فيكون صائمًا نصف شهر من الأشهر الحرم، ومفطرًا في النصف، فصار صيام التطوع له على هذا أحدًا وثمانين يومًا.
стр. 5275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ويحتمل أن يقال: إنه ﷺ أمره أن يصوم ثلاثة أيام من الأشهر الحرم الأربعة، ويترك ثلاثة أيام بدلًا من صوم ثلاثة أيام من كل شهر، فحينئذ يكون صيامه تطوعًا ستين يومًا.
وقد أخرج ابن ماجه (١) هذا الحديث، ولفظه في آخره: "وصم أشهر الحرم" ولم يفصل كم يصوم منها.
وأخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" (٢) عن إسماعيل بن علية، ثنا الجُرَيْريُّ، عن أبي السليل قال: حدثتني مجيبة عجوزٌ من باهلةَ، عن أبيها أو عمِّها قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ لحاجةٍ مرةً، فقال: "من أنت؟ "، قال: أَوَ مَا تعرفني؟ قال: "وَمَن أنتَ؟ "، قال: أنا الباهليُّ الذي أتيتُكَ عامَ أَوَّل، قال: "فإنَّك أتيتَني وجسمُك ولونُك وهيئتُك حَسَنةٌ، فما بلغ بك ما أرَى؟ "، فقال: إني والله ما أفطرتُ بعدَك إلا ليلًا، قال: "من أَمَرَكَ أن تعذِّب نَفْسَكَ؟ مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفسَكَ؟ مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ؟ - ثلاث مرات- صُمْ شهرَ الصبر رَمَضَان"، قلت: إني أجد قُوَّةً وإني أحبُّ أن تزيدَني، فقال: "صُمْ يومًا من الشهر"، قلت: إني أجد قوة، وإني أحب أن تزيدني، قال: "فيومين من الشهر"، قلت: إني أجد قوَّة، وإني أحب أن تزيدني، قال: "وما تبغي عن شهر الصبر ويومين في الشهر"، قال: قلت: إني أجد قوة، وإني أحب أن تزيدني. قال: "فثلاثَةَ أيام من الشهر"، قال: وأَلْحَمَ (٣) عند الثالثة، فما كاد، قلت: إني أجد قوة، وإني أحب أن تزيدني، قال: "فمن الحُرُم، وأَفطرْ".
стр. 5276
(٥٥) بَابٌ: في صَوْمِ الْمُحَرَّمِ
٢٤٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن أَبِي بشْرٍ، عن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمِ،
===
(٥٥) (بَابٌ: في صَوْمِ المُحَرَّمِ)
٢٤٢٩ - (حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد قالا: نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة) ﵁ (قال: قال رسولُ الله ﷺ : أفضلُ الصيامِ بعدَ شَهرِ (١) رمضانَ) صيام (شهر الله المحرم)، إضافة الشهر إلى الله للتشريف، وقيل: يوم (٢) عاشوراء، قلت: في "الترمذي" (٣) عن علي مرفوعًا ما يفيد أن المراد تمام الشهر، كذا في "الحاشية" عن "فتح الودود".
قلت: فإن كان المراد من صوم شهر الله المحرم تمام الشهر، فلا تعارض بينه وبين الحديث المتقدم في فضل صوم عرفة وكثرة ثوابه، وإن كان المراد يوم عاشوراء فهو بظاهره يعارض (٤) ما تقدم من كثرة الثواب في صوم عرفة، فيمكن
стр. 5277
وَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَفْرُوضَةِ صَلَاةٌ مِنَ اللَّيْلِ"، لَمْ يَقُلْ قُتَيْبَةُ: شهْر، قَالَ: "رَمَضَانَ". [م ١١٦٣، ت ٧٤٠، جه ١٧٤٢، دي ١٧٥٧، خزيمة ٢٠٧٦، حم ٢/ ٣٠٣]
٢٤٣٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، نَا عِيسَى، نَا عُثْمَانُ- يَعْنِي
===
أن يجاب عنه: أن في صوم عاشوراء تصريحًا بالأفضلية، وفي صوم عرفة ليس فيه تصريح بالأفضلية، وأيضًا صوم عاشوراء فصومه متفق عليه، وأما صوم عرفة فمختلف فيه.
قال في "بداية المجتهد" (١): وأما اختلافهم في يوم عرفة، فلأن النبي ﵊ أفطر يوم عرفة وقال فيه: "صيام عرفة يكفر السنة الماضية والآتية"، ولذلك اختلف الناس في ذلك، واختار الشافعي الفطرَ فيه للحاج وصيامَه لغير الحاج جمعًا بين الأثرين، وخرَّج أبو داود "أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم عرفة بعرفة".
(وإن أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة من الليل)، وهذه الأفضلية في الصلوات المندوبة، وأما السنن (٢) المؤكدات فلما أنها ملحقات بالفرائض كركعتي الفجر وغيرها، وكذلك الوتر، فهي أفضل من صلاة الليل.
(لم يقل قتيبة) لفظ: (شهر) بل (قال: رمضان)، غرض المصنف بهذا بيان الفرق بين لفظ مسدد وقتيبة، فإن مسددًا قال: "أفضل الصيام بعد شهر رمضان" بإدخال لفظ "شهر" على رمضان، وأما قتيبة فلم يقل لفظ "شهر"، بل قال: "أفضل الصيام بعد رمضان".
٢٤٣٠ - (حدثنا إبراهيم بن موسى، أنا عيسى، نا عثمان- يعني
стр. 5278
ابْنَ حَكِيمٍ - قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عن صِيَامِ رَجَبَ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَصُومُ حَتَّى نقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ. [خ ١٩٧١، م ١١٥٧، ن ٢٣٤٦، جه ١٧١١]
(٥٦) بَابٌ: في صَوْمِ (١) شَعْبَانَ
٢٤٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ
===
ابن حكيم- قال: سألت سعيد بن جبير عن صيام رجب، فَقَالَ: أخبرني ابن عباس أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يصومُ حتى نقولَ: لا يفطرُ، وبفطرُ حتى نقولَ: لا يصومُ).
ومطابقة الحديث بالباب بأن رجب من أشهر الحرم، فمعنى الحديث يمكن أن يقال فيه: كان يصوم أي من رجب حتى نقول: لا يفطرُ، فعلى هذا ثبت فضل الصوم في رجب، فإنه ﷺ كان يصوم فيه كثيرًا، ويمكن أن يقال: إنه ﷺ كان يصوم من المشهور حتى نقول: لا يفطر، وفي الشهور التي كان يصوم فيها يدخل رجب.
وقال النووي (٢) في شرح هذا الحديث: الظاهر أن مراد سعيد بن جبير بهذا الاستدلال أنه لا نهى عنه، ولا ندب فيه لعينه، بل له حكم باقي المشهور، ولم يثبت في صوم رجب نهي ولا ندب لعينه، ولكن أصل الصوم مندوب إليه، وفي "سنن أبي داود": أن رسول الله ﷺ ندب إلى الصوم من الأشهر الحرم، ورجب أحدها، والله أعلم، انتهى.
(٥٦) (بَابٌ: في صَوْمِ شَعْبَانَ) (٣)
٢٤٣١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاويةَ بن
стр. 5279
صَالِحٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: "كَانَ احَبُّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَصُومَهُ (١) شَعْبَانُ،
===
صالح، عن عبدِ الله بن أبي قيس سمع عائشةَ تقول: كان أحبُّ المشهور إلى رسول الله ﷺ أن يصومَه شعبان).
قال الحافظ (٢): ما ملخصه: واختلف في الحكمة في إكثاره ﷺ من صوم شعبان، فقيل: كان يشتغل عن صوم ثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره، فتجتمع فيقضيها في شعبان، أشار إلى ذلك ابن بطال، وفيه حديث ضعيف.
وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان، وورد فيه حديث آخر أخرجه الترمذي (٣) من طريق صدقة بن موسى (٤)، قال الترمذي: وصدقة عندهم ليس بذاك القوي.
وقيل: الحكمة في إكثاره من الصيام في شعبان دون غيره أن نساءه كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان.
وقيل: الحكمة في ذلك أنه يعقبه رمضان وصومه مفترض، وكان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره؛ لما يفوته من التطوع بذلك في أيام رمضان.
والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصح مما مضى، أخرجه النسائي وأبو داود، وصححه ابن خزيمة، عن أسامة بن زيد قال: أكلت يا رسول الله ﷺ
стр. 5280
ثُمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ". [ن ٢٣٥٠، حم ٦/ ١٨٨، خزيمة ٢٠٧٧]
===
لم أرك تصوم من شهر من المشهور ما تصوم من شعبان، قال: "ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأُحبُّ أن يرفع عملي وأنا صائم"، ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلى، انتهى.
وأجاب النووي (١) عن كونه لم يكثر من الصوم في المحرم مع قوله: إن أفضل الصيام ما يقع [فيه]، لأنه يحتمل أن يكون ما علم ذلك إلَّا في آخر عمره، فلم يتمكن من كثرة الصوم في المحرم، أو اتفق له فيه من الأعذار بالسفر والمرض مثلًا ما منعه من كثرة الصوم فيه.
(ثم يصله برمضان) أي يصوم في آخر شعبان حتى يقرب أن يصله برمضان، وقيل: كان يصوم شعبان كله تارة فيصله برمضان، ويصوم معظمه أخرى فلا يصل برمضان، لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان.
وقيل: المراد [بقولها: ] "كله"، أنه كان يصوم من أوله تارة، ومن آخره أخرى، ومن أثنائه طورًا، فلا يخلي شيئًا منه من صيام، ولا يخص بعضه بصيام دون بعض، وقال الزين بن المنير: إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة، والمراد الأكثر، وإما أن يجمع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول، فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، ثم أخبرت ثانيًا عن آخر أمره أنه كان يصومه كله، والأول هو الصواب، كذا قال الحافظ في "الفتح" (٢).
ثم اعلم أنه لم يكتب ها هنا باب في النسخة المكتوبة الأحمدية والمصرية والكانفورية والقادرية، ولكن كتب في نسخة العون "باب في صوم شوال"، وكذا في حاشية المجتبائية وهو أولى.
стр. 5281
٢٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعِجْلِيُّ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ- يَعْنِي ابْنَ مُوسَى-، عن هَارُونَ بْنِ سَلْمَانَ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيِّ، عن أَبِيهِ
===
٢٤٣٢ - (حدثنا محمد بن عثمان) بن كرامة بفتح الكاف وتخفيف الراء (العجلي) مولاهم، أبو جعفر، وقيل: أبو عبد الله الكوفي، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، روى عنه البخاري في "الصحيح" حديثًا واحدًا، وقال مسلمة: بغدادي ثقة.
(نا عبيد الله -يعني ابن موسى-، عن هارون بن سلمان) ويقال: ابن موسى المخزومي، مولى عمرو بن حريث، كوفي، يكنى أبا موسى، روى عن عبيد الله بن مسلم، ويقال: مسلم بن عبيد الله، عن أبيه في صوم الدهر وغيره، قال ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم: لا بأس، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن عبيد الله بن مسلم القرشي) عن أبيه عن النبي ﷺ في صوم الدهر، وقال بعضهم: عن مسلم بن عبيد الله، وقال بعضهم: ابن عبد الله عن أبيه، ورجح البغوي وغير واحد أنه مسلم بن عبيد الله، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أبيه) قال في "الإصابة" (١) في ترجمة مسلم بن عبيد الله القرشي: وقيل: عبيد الله بن مسلم، وقيل: إنه مسلم بن مسلم، حديثه في صيام الدهر يدور على هارون بن سلمان الفراء، أخرجه أبو داود والترمذي من طريق عبيد الله بن موسى، عن هارون، عن عبيد الله بن مسلم القرشي، عن أبيه قال: سألت أو سئل، الحديث، قال البخاري: قال أبو نعيم عن هارون، فذكره، وأخرجه النسائي عن أحمد بن يحيى، عن أبي نعيم به، وعن إبراهيم بن يعقوب، عن أبي نعيم، عن هارون، عن مسلم، عن أبيه، كذا قال، وأشار الترمذي إلى هذه الرواية فقال: روى بعضهم عن هارون به، وقد وافق زيد بن
стр. 5282
قَالَ: "سَأَلْتُ- أَوْ سُئِلَ- النَّبِيّ ﷺ عن صِيَامٍ الدَّهْرِ فَقَالَ: "إِنَّ لأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، صُمْ رَمَضَانَ وَالَّذِي يَلِيهِ، وَكُلَّ أَرْبِعَاءَ وَخَمِيسٍ (١)،
===
الحباب عبيد الله بن موسى، وأخرجه النسائي من طريقه، وصوب غير واحد أن اسم الصحابي مسلم، وقال البغوي: سكن الكوفة.
وقال في "الاستيعاب" (٢): مسلم بن عبيد الله القرشي، وليس بوالد ريطة، ولا أدري أيضًا من أي قريش هو، واختلف فيه، فقيل: مسلم بن عبيد الله، وقيل: عبيد الله بن مسلم، ومن قال: "عبيد الله" عندي أحفظ، له حديث واحد في صوم رمضان، والذي يليه وصوم كل أربعاء وخميس، وكراهية صوم الدهر، وقد قيل: إن الصحبة لابنه عبيد الله القرشي.
(قال: سألت- أو سئل- النبي ﷺ عن صيام الدهر فقال) رسول الله ﷺ : (إن لأهلك عليك حقًا) فإذا صمت الدهر ضعفت، حتى لا تستطيع أن تقوم بأداء حق الأهل، فلا آذن لك أن تصوم الدهر، وإنما أذن لحمزة بن عمرو الأسلمي في صيام الدهر, لأنه لم يخف عليه فوت حق واجب عليه.
(صم رمضان والذي يليه)، الظاهر أن المراد بالذي يليه شوال، كما يدل عليه حديث أبي أيوب: "ثم أتبعه بست من شوال"، فعلى هذا ليس للحديث مطابقة بالباب في صوم شعبان، نعم يطابق ما وقع في النسخة: "باب في صوم شوال"، ويحتمل أن يكون المراد مما يليه شعبان، فعلى هذا يناسب الباب في صوم شعبان.
(وكل أربعاء وخميس) وفي نسخة: "وخمسين"، ولكن لم أجد هذه النسخة إلَّا في حاشية المجتبائية، ولفظ الترمذي أيضًا: وخميس، وكذا في "الاستيعاب" (٣).
стр. 5283
فَإِذًا أَنْتَ قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ" (١). [ت ٧٤٨]
(٥٧) بَابٌ: في صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّال
٢٤٣٣ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ وَسَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عن عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ
===
(فإذا) أي إذا أنت صمت رمضان والذي يليه أي ستًا من شوال، وكذلك إذا صمت كل أربعاء وخميس من الشهر (أنت قد صمت الدهر) لأن الحسنة بعشرة أمثالها، فصوم رمضان وست من شوال يساوي الدهر، وكذلك كل أربعاء وخميس، بل هذا يزيد على الدهر، فإن الشهر لا يخلو عن أربعة أربعاء وأربعة خميس، فإذا صام أربعة أربعاء وأربعة خميس، فقد صام في الشهر ثمانية أيام، فإذا ساوى صوم ثلاثة أيام صوم جميع الشهر، فيزيد صوم ثمانية أيام من صوم الشهر، وأما على النسخة التي على الحاشية فمعناه: كل أربعاء وخميسين أي صوم ثلاثة أيام من كل شهر فيكون هذا صوم الدهر بقاعدة: الحسنة بعشر أمثالها.
(٥٧) (بَابٌ: في صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّال)
٢٤٣٣ - (حدثنا النفيلي، نا عبد العزيز بن محمد، عن صفوان بن سليم وسعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت) بن الحارث، ويقال:
стр. 5284
الأَنْصَارِيِّ (١)، عن أَبِي أَيُّوبَ صَاحِبِ النَّبِيِّ ﷺ ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالَ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ". [م ١١٦٤، ت ٧٥٩، جه ١٧١٦، دي ١٧٥٤، حم ٥/ ٤١٧]
===
ابن الحجاج (الأنصاري) (٢) الخزرجي المدني، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له عندهم الحديثان، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن منده: يقال: إنه ولد في عهد النبي ﷺ ، وقال السمعاني: هو من ثقات التابعين.
(عن أبي أيوب صاحب النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: من صام رمضان ثم أتبعه) (٣) أي رمضان (بست) أي بستة أيام، قال النووي (٤): قوله ﷺ : "ستًا من شوال" صحيح، ولو قال: "ستة" بالهاء جاز أيضًا، قال أهل اللغة: يقال: صمنا خمسًا وستًا، وخمسة وستة، وإنما يلتزمون إثبات الهاء في المذكر إذا ذكروه بلفظه صريحًا، فيقولون: صمنا ستة أيام، ولا يجوز: ست أيام، فإذا حذفوا الأيام جاز الوجهان.
(من شوال، فكأنما صام الدهر) (٥)، قال النووي (٦): فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعي وأحمد وداود وموافقيهم في استحباب صوم هذه الستة،
стр. 5285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال مالك (١) وأبو حنيفة: يكره ذلك، قال مالك في "الموطأ" (٢): ما رأيت أحدًا من أهل العلم يصومها، قالوا: وتكره لئلا يظن وجوبها، ودليل الشافعي وموافقيه هذا الحديث الصريح الصحيح، وإذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها، وقولهم: قد يظن، ينتقض بصوم عرفة وعاشوراء وغيرهما من الصوم المندوب، قال أصحابنا: والأفضل أن تصام الستة متوالية عقب يوم الفطر، فإن فرقها أو أخرها عن أوائل شوال إلى أواخره حصلت فضيلة المتابعة، لأنه يصدق أنه أتبعه ستًا من شوال، قال العلماء: وإنما كان ذلك كصيام الدهر, لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر والستة بشهرين، انتهى.
وأما مذهب الحنفية في ذلك، فقال في "نور الإيضاح" وشرحه "مراقي الفلاح" (٣): وأما القسم الرابع وهو المندوب، فهو صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ويندب كونها الأيام البيض، ومن هذا القسم صوم يوم الاثنين ويوم الخميس، ومنه صوم ست من شهر شوال، لقوله ﷺ : "من صام رمضان فأتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر"، ثم قيل: الظاهر (٤) وصلها، لظاهر قوله: "فأتبعه"، وقيل: تفريقها إظهارًا لمخالفة أهل الكتاب في التشبيه بالزيادة على المفروض.
قال الطحطاوي في "شرحه": قوله: "وصوم ست من شهر شوال"، قال في "البحر": الست من شوال صومها مكروه عند الإِمام متفرقة أو متتابعة، لكن
стр. 5286
(٥٨) بَابٌ: كَيْفَ كَانَ يَصُومُ النَّبِيِّ ﷺ -؟
٢٤٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْن عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (١) ﷺ يصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وُيفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ
===
عامة المتأخرين لم يروا به بأسًا، قوله: "وقيل: تفريقها"، قال في "التنوير" و"شرحه": وندب تفريق صوم الست من شوال، ولا يكره التتابع على المختار خلافًا للثاني.
قال ابن عابدين في "منحة الخالق" (٢): قوله: لكن عامة المتأخرين لم يروا به بأسًا، قد سرد عبارتهم العلامة القاسم في "فتاواه" ورد قول من صحح الكراهة، فراجعه.
(٥٨) (بَابٌ: كَيْفَ كَانَ يَصُومُ النبيُّ ﷺ ؟ )
أي: تطوعًا
٢٤٣٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم) من الشهر (٣) متتابعًا (حتى نقول: لا يفطر) في الشهر (ويفطر) كذلك في هذا الشهر أو غيره متتابعًا (حتى نقول:
стр. 5287
لا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَام شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ في شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ في شَعْبَان". [خ ١٩٦٩، م ١١٥٦، ن ٢١٧٩]
٢٤٣٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّاد، عن مُحَمَّدِ بْنِ
===
لا يصوم (١)، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلَّا رمضان)، وهذا يدل على أن الذي روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - "أن رسول الله ﷺ يصوم شعبان حتى يصله برمضان"، فالوصل محمول على القرب (وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه) أي من رسول الله ﷺ كان أكثر صيامًا (في شعبان) (٢) من باقي المشهور، وقد تقدم ما قيل في الحكمة في ذلك.
٢٤٣٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمد بن
стр. 5288
عَمْرٍو، عن أَبي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِي ﷺ بِمَعْنَاهُ (١)، زَادَ: كَانَ يَصُومُهُ إِلّا قَلِيلًا، بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ. [انظر سابقه]
(٥٩) بَابٌ: في صَوْمِ الاثْنينِ وَالْخَمِيس
٢٤٣٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ، نَا يَحْيَى، عن عُمَرَ بْنِ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ،
===
عمرو، عن أبو سلمة، عن أبو هريرة، عن النبي ﷺ بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم (زاد) أبو سلمة عن أبي هريرة على حديثه عن عائشة: (كان يصومه إلَّا قليلًا، بل كان يصومه كله).
أخرج مسلم في "صحيحه" (٢) هذه الزيادة في حديث أبي سلمة عن عائشة - رضي الله تعالى عنها -، ولفظه: "كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلَّا قليلًا"، ولم أجدها في حديث أبي سلمة عن أبي هريرة في شيء من كتب الحديث، بل لم أجد هذا الحديث مع الزيادة في كتب الحديث برواية أبي سلمة عن أبي هريرة، بل ولا برواية غير أبي سلمة عن أبي هريرة.
وقال الترمذي بعد تخريج حديث عائشة (٣) برواية عبد الله بن شقيق: وفي الباب عن أنس وابن عباس ولم يذكر أبا هريرة.
(٥٩) (بَابٌ: في صَوْمِ الاثْنينِ والخَمِيسِ)
أي: مع يوم الخميس
٢٤٣٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان) بن يزيد العطار، (نا يحيى) ابن أبي كثير، (عن عمر بن أبي الحكم بن ثوبان)، وكذلك في "مسند أحمد"
стр. 5289
عن مَوْلَى قدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ،
===
برواية أبان: ثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني عمر بن أبي الحكم، ولكن لم يذكر فيه ثوبان بعد أبي الحكم كما ذكره في أبي داود، وفي رواية الدارمي و"مسند أحمد" والطيالسي (١) برواية هشام عن عمر بن الحكم بن ثوبان، وكلاهما صحيحان، فإنما في الدارمي و"مسند أحمد" والطيالسي نسبته إلى أبيه "الحكم" وما وقع في أبي داود منسوب إلى جده "أبي الحكم" فإنه عمر بن الحكم بن أبي الحكم.
ولكن في سند أبي داود إشكال من وجه آخر، فإنه قال: أبو الحكم بن ثوبان، فجعل أبا الحكم ابنًا لثوبان، والحال أن أبا الحكم هو ثوبان، فإن أبا الحكم اسمه ثوبان.
قال الحافظ في "تهذيبه" (٢): قال ابن حبان: وكان من أجِلَّة أهل المدينة، وهو عمر بن الحكم بن أبي الحكم، واسم أبي الحكم ثوبان، وقال ابن سعد في "الطبقات": ويكنى عمر أبا حفص، فعلى هذا فالذي يغلب على الظن أن لفظ "ابن" الواقع بين أبي الحكم وثوبان في رواية أبي داود غلط من النساخ، ولكن النسخ الموجودة اتفقت على وجودها.
(عن مولى قدامة بن مظعون)، قال في "تهذيب التهذيب" (٣) في المبهمات: عمر بن الحكم بن ثوبان عن مولى قدامة بن مظعون عن مولى أسامة بن زيد، روى عبيد الله بن سالم عن أبي عبيد الله [مولى قدامة]، وفي "التقريب" (٤) في المبهمات: عمر بن الحكم بن ثوبان عن مولى قدامة بن مظعون
стр. 5290
عن مَوْلَى أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، أَنَّهُ انْطَلَقَ مَعَ أُسَامَةَ إِلَى وَادِي الْقُرَى في طَلَبِ مَالٍ لَهُ، فَكَانَ يَصُومُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيوْمَ الْخَمِيسِ، فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: لِمَ تَصُومُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيوْمَ الْخَمِيسِ، وَأَنْتَ شَيْخٌ كَبِيرٌ؟
فَقَالَ (١): إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وَسُئِلَ (٢) عن ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ (٣) تُعْرَضُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيوْمَ الْخَمِيسِ". [ن ٢٣٥٨، حم ٥/ ٢٠٠، دي ١٧٥٠]
===
يقال: هو أبو عبد الله، وفي "الخلاصة" (٤) في المبهمات: عمر بن الحكم عن مولى قدامة لعله أبو عبيد.
(عن مولى أسامة بن زيد) ولم أجد ترجمته في كتب الرجال (أنه) أي مولى أسامة بن زيد (انطلق مع أسامة إلى وادي القرى) وهو وادٍ بين المدينة والشام، من أعمال المدينة، كثير القرى، فتحها النبي ﷺ في جمادى الآخرة، سنة سبع بعد خيبر عنوة، ثم صولحوا على الجزية (في طلب مال له) أي لأسامة.
(فكان) أسامة (يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، فقال له مولاه: لم تصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وأنت) الواو للحال (شيخ كبير؟ )، وفي رواية أحمد (٥) بعد قوله: "وأنت شيخ كبير": "قد رققت" (فقال) أسامة: (إن نبي الله ﷺ كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وسئل عن ذلك) أي عن سبب صوم الاثنين والخميس (فقال) أي النبي ﷺ : (إن أعمال العباد تعرض) على الله ﵎ (يوم الاثنين ويوم الخميس).