(٥٨) بَابٌ: كَيْفَ كَانَ يَصُومُ النَّبِيِّ ﷺ -؟
٢٤٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْن عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (١) ﷺ يصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وُيفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ
===
عامة المتأخرين لم يروا به بأسًا، قوله: "وقيل: تفريقها"، قال في "التنوير" و"شرحه": وندب تفريق صوم الست من شوال، ولا يكره التتابع على المختار خلافًا للثاني.
قال ابن عابدين في "منحة الخالق" (٢): قوله: لكن عامة المتأخرين لم يروا به بأسًا، قد سرد عبارتهم العلامة القاسم في "فتاواه" ورد قول من صحح الكراهة، فراجعه.
(٥٨) (بَابٌ: كَيْفَ كَانَ يَصُومُ النبيُّ ﷺ ؟ )
أي: تطوعًا
٢٤٣٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم) من الشهر (٣) متتابعًا (حتى نقول: لا يفطر) في الشهر (ويفطر) كذلك في هذا الشهر أو غيره متتابعًا (حتى نقول:
стр. 5287
لا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَام شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ في شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ في شَعْبَان". [خ ١٩٦٩، م ١١٥٦، ن ٢١٧٩]
٢٤٣٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّاد، عن مُحَمَّدِ بْنِ
===
لا يصوم (١)، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلَّا رمضان)، وهذا يدل على أن الذي روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - "أن رسول الله ﷺ يصوم شعبان حتى يصله برمضان"، فالوصل محمول على القرب (وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه) أي من رسول الله ﷺ كان أكثر صيامًا (في شعبان) (٢) من باقي المشهور، وقد تقدم ما قيل في الحكمة في ذلك.
٢٤٣٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمد بن
стр. 5288
عَمْرٍو، عن أَبي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِي ﷺ بِمَعْنَاهُ (١)، زَادَ: كَانَ يَصُومُهُ إِلّا قَلِيلًا، بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ. [انظر سابقه]
(٥٩) بَابٌ: في صَوْمِ الاثْنينِ وَالْخَمِيس
٢٤٣٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ، نَا يَحْيَى، عن عُمَرَ بْنِ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ،
===
عمرو، عن أبو سلمة، عن أبو هريرة، عن النبي ﷺ بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم (زاد) أبو سلمة عن أبي هريرة على حديثه عن عائشة: (كان يصومه إلَّا قليلًا، بل كان يصومه كله).
أخرج مسلم في "صحيحه" (٢) هذه الزيادة في حديث أبي سلمة عن عائشة - رضي الله تعالى عنها -، ولفظه: "كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلَّا قليلًا"، ولم أجدها في حديث أبي سلمة عن أبي هريرة في شيء من كتب الحديث، بل لم أجد هذا الحديث مع الزيادة في كتب الحديث برواية أبي سلمة عن أبي هريرة، بل ولا برواية غير أبي سلمة عن أبي هريرة.
وقال الترمذي بعد تخريج حديث عائشة (٣) برواية عبد الله بن شقيق: وفي الباب عن أنس وابن عباس ولم يذكر أبا هريرة.
(٥٩) (بَابٌ: في صَوْمِ الاثْنينِ والخَمِيسِ)
أي: مع يوم الخميس
٢٤٣٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان) بن يزيد العطار، (نا يحيى) ابن أبي كثير، (عن عمر بن أبي الحكم بن ثوبان)، وكذلك في "مسند أحمد"
стр. 5289
عن مَوْلَى قدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ،
===
برواية أبان: ثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني عمر بن أبي الحكم، ولكن لم يذكر فيه ثوبان بعد أبي الحكم كما ذكره في أبي داود، وفي رواية الدارمي و"مسند أحمد" والطيالسي (١) برواية هشام عن عمر بن الحكم بن ثوبان، وكلاهما صحيحان، فإنما في الدارمي و"مسند أحمد" والطيالسي نسبته إلى أبيه "الحكم" وما وقع في أبي داود منسوب إلى جده "أبي الحكم" فإنه عمر بن الحكم بن أبي الحكم.
ولكن في سند أبي داود إشكال من وجه آخر، فإنه قال: أبو الحكم بن ثوبان، فجعل أبا الحكم ابنًا لثوبان، والحال أن أبا الحكم هو ثوبان، فإن أبا الحكم اسمه ثوبان.
قال الحافظ في "تهذيبه" (٢): قال ابن حبان: وكان من أجِلَّة أهل المدينة، وهو عمر بن الحكم بن أبي الحكم، واسم أبي الحكم ثوبان، وقال ابن سعد في "الطبقات": ويكنى عمر أبا حفص، فعلى هذا فالذي يغلب على الظن أن لفظ "ابن" الواقع بين أبي الحكم وثوبان في رواية أبي داود غلط من النساخ، ولكن النسخ الموجودة اتفقت على وجودها.
(عن مولى قدامة بن مظعون)، قال في "تهذيب التهذيب" (٣) في المبهمات: عمر بن الحكم بن ثوبان عن مولى قدامة بن مظعون عن مولى أسامة بن زيد، روى عبيد الله بن سالم عن أبي عبيد الله [مولى قدامة]، وفي "التقريب" (٤) في المبهمات: عمر بن الحكم بن ثوبان عن مولى قدامة بن مظعون
стр. 5290
عن مَوْلَى أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، أَنَّهُ انْطَلَقَ مَعَ أُسَامَةَ إِلَى وَادِي الْقُرَى في طَلَبِ مَالٍ لَهُ، فَكَانَ يَصُومُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيوْمَ الْخَمِيسِ، فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: لِمَ تَصُومُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيوْمَ الْخَمِيسِ، وَأَنْتَ شَيْخٌ كَبِيرٌ؟
فَقَالَ (١): إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وَسُئِلَ (٢) عن ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ (٣) تُعْرَضُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيوْمَ الْخَمِيسِ". [ن ٢٣٥٨، حم ٥/ ٢٠٠، دي ١٧٥٠]
===
يقال: هو أبو عبد الله، وفي "الخلاصة" (٤) في المبهمات: عمر بن الحكم عن مولى قدامة لعله أبو عبيد.
(عن مولى أسامة بن زيد) ولم أجد ترجمته في كتب الرجال (أنه) أي مولى أسامة بن زيد (انطلق مع أسامة إلى وادي القرى) وهو وادٍ بين المدينة والشام، من أعمال المدينة، كثير القرى، فتحها النبي ﷺ في جمادى الآخرة، سنة سبع بعد خيبر عنوة، ثم صولحوا على الجزية (في طلب مال له) أي لأسامة.
(فكان) أسامة (يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، فقال له مولاه: لم تصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وأنت) الواو للحال (شيخ كبير؟ )، وفي رواية أحمد (٥) بعد قوله: "وأنت شيخ كبير": "قد رققت" (فقال) أسامة: (إن نبي الله ﷺ كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وسئل عن ذلك) أي عن سبب صوم الاثنين والخميس (فقال) أي النبي ﷺ : (إن أعمال العباد تعرض) على الله ﵎ (يوم الاثنين ويوم الخميس).
стр. 5291
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذَا قَالَ هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ عن يَحْيَى، عن عُمَرَ بْنِ أَبِي الْحَكَمِ.
===
قال القاري (١): قال ابن الملك: وهذا لا ينافي قوله ﵊: "يرفع عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل" للفرق بين الرفع والعرض، لأن الأعمال تجمع في الأسبوع وتعرض في هذين اليومين، قال ابن حجر: ولا ينافي هذا رفعها في شعبان، فقال: "إنه شهر ترفع فيه الأعمال، وأُحِبَّ أن يرفع عملي وأنا صائم" لجواز رفع أعمال الأسبوع مفصلة وأعمال العام مجملة (٢).
(قال أبو داود: كذا قال هشام الدستوائي) أي كما قال أبان بن يزيد (عن يحيى عن عمر بن أبي الحكم).
حاصل هذا الكلام أنه اختلف في هذا، فقال بعضهم: عمر بن أبي الحكم، وقال بعضهم: عمر بن الحكم، وروى أبو داود برواية أبان عن يحيى، وسماه عمر بن أبي الحكم، ثم قواه برواية هشام الدستوائي (٣) بأن هشامًا قال في حديثه عن يحيى: عمر بن أبي الحكم.
وما نقل صاحب "العون" (٤) في توجيه هذا الكلام عن "غاية المقصود" ناقلًا عن "أطراف المزي" (٥): بأن معاوية بن سلام روى عن يحيى حدثني مولى
стр. 5292
(٦٠) بَابٌ: في صَوْمِ الْعَشْرِ
٢٤٣٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن الْحُرِّ بْنِ الصَّيَّاحِ، عن هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ، عن امْرَأَتِهِ،
===
قدامة، ولم يذكر عمر بن أبي الحكم، وروى الأوزاعي عن يحيى عن مولى لأسامة بن زيد، ولم يذكر عمر ولا مولى قدامة، فلم أجد رواية معاوية بن سلام ولا رواية الأوزاعي بهذا الحديث في شيء من الكتب الموجودة عندي (١) مع أنه قال الحافظ في ترجمة معاوية بن سلام في "تهذيبه" (٢): قال العجلي: دفع إليه يحيى بن أبي كثير كتابًا، ولم يقرأه ولم يسمعه.
(٦٠) (بَابٌ: في صَوْمِ العَشْرِ)
أي: عشر ذي الحجة
٢٤٣٧ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن الحر) بضم أوله وتشديد ثانيه (ابن الصياح) بمهملة ثم تحتانية وآخره مهملة، النخعي الكوفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث، (عن هنيدة) بنون مصغرًا (ابن خالد) الخزاعي، كانت أمه تحت عمر، روى عن أمه أو امرأته عن بعض أزواج النبي ﷺ ، هي أم سلمة، ذكره ابن حبان في "الثقات".
قلت: وذكره أيضًا في الصحابة، وقال: له صحبة، وكذا ذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٣).
(عن امرأته) قال الحافظ في "التقريب" (٤) في ترجمة هنيدة بن خالد في المبهمات من النسوة على ترتيب من روى منهن رجالًا ثم نساءً: هنيدة بن خالد
стр. 5293
عن بَعْضِ أَزْواجِ النَّبِيِّ ﵇ (١)
===
عن أم المؤمنين، هي حفصة، وعن امرأته، لم أقف على اسمها وهي صحابية، روت عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، وعن أمه، كانت تحت عمر ﵁، صحابية أيضًا.
(عن بعض أزواج النبي ﵇ وقد تقدم أنها أم سلمة أم المؤمنين، لما روى النسائي في "مجتباه" (٢) من حديث محمد بن فضيل، عن الحسن بن عبيد الله، عن هنيدة الخزاعي، عن أمه، عن أم سلمة، وقد أخرج النسائي وأشار إلى اختلاف في السند.
فأول حديث أخرجه من حديث هنيدة من طريق زهير عن الحر بن الصياح قال: سمعت هنيدة الخزاعي قال: دخلت على أم المؤمنين سمعتها تقول: "كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: أول اثنين من الشهر، [ثم الخميس] ثم الخميس الذي يليه"، فالمراد بأم المؤمنين في هذا السند هي حفصة ﵂.
ثم أخرج عن [عمرو بن] قيس الملائي، عن الحر بن الصياح، عن هنيدة بن خالد الخزاعي، عن حفصة قالت: "أربع لم يكن يدعهن النبي ﷺ : صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، وركعتين قبل الغداة"، ليدل على أن التي أبهمت قبل هي أم المؤمنين حفصة ﵂.
ثم أخرج من طريق أبي عوانة، عن الحر بن الصياح، عن هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي ﷺ ، وهذه المبهمة غير حفصة ﵂ بل هي أم سلمة، لما أنه أخرج عقب هذا من طريق محمد بن فضيل، عن الحسن بن عبيد الله، عن هنيدة الخزاعي، عن أمه، عن أم سلمة.
стр. 5294
قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَيوْمَ عَاشُورَاءَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ: أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ، وَالْخَمِيسَ". [ن ٢٤١٧، حم ٦/ ٢٨٨، ق ٤/ ٢٨٤]
٢٤٣٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، نَا الأَعْمَشُ،
===
فظهر بهذا أن رواية هنيدة عن امرأته أو عن أمه ثابتة عن أم سلمة، فرواية هنيدة عن حفصة ﵂ بغير واسطة، وأما روايته بواسطة امرأته أو أمه فهي عن أم سلمة، لا عن حفصة، والله تعالى أعلم.
(قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة) أي من أول ذي الحجة إلى التاسع منها، فإن العاشر يوم العيد (ويوم عاشوراء) ويحتمل أن يكون المراد من لفظة "العشر" في الترجمة تسع ذي الحجة مع يوم عاشوراء (وثلاثة أيام من كل شهر) بأنه قوم (أول) يوم (اثنين من الشهر والخميس) أي وأول الخميس، هكذا في سياق أبي داود في جميع النسخ، وفي سياق أحمد "والخميسين"، فإنه أخرج هذا الحديث في ثلاثة مواضيع من "المسند" (١)، وقال فيها: "وخميسين"، وهو الأوضح، لأنه يكون ثلاثة، وأما على سياق أبي داود فيكون ذكر الصوم في يومين لا في ثلاثة، وكذلك في رواية النسائي بهذا الطريق من حديث الحر بن الصياح.
قلت: والأولى أن يقال في تأويل قوله: "وثلائة أيام من كل شهر أول اثنين من الشهر": أي أول يومي الاثنين من الشهر، لما روى النسائي في "مجتباه" (٢) من حديث إبراهيم بن سعيد الجوهري: حدثنا محمد بن فضيل، عن الحسن بن عبيد الله، عن هنيدة الخزاعي، عن أمه، عن أم سلمة قالت: "كان رسول الله ﷺ يأمر بصيام ثلاثة أيام: أول خميس والاثنين والاثنين".
٢٤٣٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، نا الأعمش،
стр. 5295
عن أَبِي صَالِحٍ وَمُجَاهِدٍ وَمُسْلِم الْبَطِينِ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذ الأَيَّام" يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ قالَ: "وَلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيءٍ". [خ ٩٦٩، ت ٧٥٧، جه ١٧٢٧، حم ١/ ٢٢٤، دي ١٧٧٣]
===
عن أبي صالح ومجاهد ومسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الاْيام، يعني أيام العشر (١)، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلَّا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) أي: قتل في سبيل الله وأُخذ ماله.
قال العيني (٢): وفيه تفضيل بعض الأزمنة على بعض كالأمكنة، وفضل أيام عشر ذي الحجة على غيرها من أيام السنة، وتظهر فائدة ذلك فيمن نذر الصيام أو علق عملًا من الأعمال بأفضل الأيام، فلو أفرد يومًا منها تعين يوم عرفة، لأنه على الصحيح أفضل أيام العشر، فإن أراد أفضل أيام الأسبوع تعين يوم الجمعة، جمعًا بين حديث الباب وحديث أبي هريرة مرفوعًا: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة"، رواه مسلم (٣).
стр. 5296
(٦١)(١) في فِطْرِهِ
٢٤٣٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن الأَسْوَدِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَائِمًا الْعَشْرَ قَطُّ". [م ١١٧٦، ت ٧٥٦، جه ١٧٢٩، حم ٦/ ١٢٤، خزيمة ٢١٠٣]
(٦٢)(٢) في صَوْمِ عَرَفَة بِعَرَفَة
٢٤٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَوْشَبُ
===
وقال الداودي: لم يرد ﷺ أن هذه الأيام خير من يوم الجمعة، لأنه قد يكون فيها يوم الجمعة، فيلزم تفضيل الشيء على نفسه، ورد بأن المراد أن كل يوم من أيام العشر أفضل من غيره من أيام السنة، سواء كان الجمعة أم لا، ويوم الجمعة فيه أفضل من يوم الجمعة من غيره لاجتماع الفضيلتين فيه، والله أعلم.
(٦١) (في فِطْرِهِ)
أي: فطر عشر ذي الحجة وترك الصوم فيه
٢٤٣٩ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة) ﵂ (قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا العشر قط)، وهذا الحديث بظاهره يخالف ما تقدم من فضل الصوم وغيره فيه، والجواب عنه أولًا: أن في الحديث نفي الرؤية، وهو لا يستلزم نفي الصوم، أو أن المراد نفي جميع العشر، فإن فيها يوم العيد، وقد تقدم من حديث هنيدة أنه ﷺ كان يصوم تسع ذي الحجة.
(٦٢) (في صَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ)
٢٤٤٠ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حوشب) بفتح أوله وسكون الواو
стр. 5297
ابْنُ عَقِيلٍ، عن مَهْدِيِّ الْهَجَريِّ، نَا عِكْرِمَةُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ في بَيْتِهِ فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. [جه ١٧٣٢، حم ٢/ ٣٠٤، ق ٢٨٤]
٢٤٤١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن أَبِي النَّضْرِ، عن عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عن أُمّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ: "أَنَّ نَاسًا
===
وفتح المعجمة بعدها موحدة (ابن عقيل) الجرمي، وقيل: العبدي، أبو دحية البصري، قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: كان ثقة من الثقات، وقال ابن معين: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال أبو داود والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه يعقوب بن سفيان، وقال العقيلي: روى عن مهدي الهجري حديثًا لا يتابع عليه، وقال الأزدي: ضعيف.
(عن مهدي الهجري) وهو مهدي بن حرب العبدي، وهو مهدي بن أبي مهدي، قال ابن معين: مهدي الهجري لا أعرفه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وصَحَّحَ ابن خزيمة حديثه.
(نا عكرمة قال: كنا عند أبو هريرة في بيته فحدثنا أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة) (١)، وأما في غير عرفة فمندوب كما تقدم في حديث أبي قتادة: "وصيام عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده".
٢٤٤١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي النضر، عن عمير مولى عبد الله بن عباس، عن أم الفضل بنت الحارث: أن ناسًا) أي ص أصحاب
стр. 5298
تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ في صَوْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لبَنٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَ". [خ ١٩٨٨، م ١١٢٣]
===
رسول الله ﷺ (تماروا) أي اختلفوا (عندها يوم عرفة) بعرفة (في صوم رسول الله ﷺ ، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم) وكان من جزم بأنه صائم استند ما ألفه من العبادة، ومن جزم بأنه غير صائم قامت عنده قرينة كونه مسافرًا، أو قد عرف نهيه عن صوم الفرض في السفر فضلًا عن النفل.
(فأرسلت إليه بقدح لبن)، قال الحافظ (١): سيأتي في الحديث الذي يليه أن ميمونة بنت الحارث هي التي أرسلت، فيحتمل التعدد، ويحتمل أنهما معًا أرسلتا، فنسب ذلك إلى كل منهما، لأنهما كانتا أختين، فتكون ميمونة أرسلت بسؤال أم الفضل لها في ذلك لكشف الحال في ذلك، ويحتمل العكس، وستأتي الإشارة إلى تعيين كون ميمونة هي التي باشرت الإرسال، ولم بسم الرسول في طرق حديث أم الفضل، لكن روى النسائي (٢) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس ما يدل على أنه كان الرسول بذلك، ويقوي (٣) ذلك أنه كان ممن جاء عنه أنه أرسل إما أمه وإما خالته.
(وهو واقف على بعيره) أي يخطب الناس (بعرفة فشرب)، زاد في حديث ميمونة: "والناس ينظرون".
стр. 5299
(٦٣) بَابٌ: في صَوْمِ يَوْم عَاشُورَاء
===
(٦٣) (بَابٌ: في صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ) (١)
أي: ما حكمه؟ وعاشوراء بالمد على المشهور، وحكي فيه القصر، واختلف أهل الشرع في تعيينه، فقال الأكثر: هو اليوم العاشر.
قال القرطبي (٢): العاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة، فإذا قيل: يوم عاشوراء فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة، إلَّا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية، فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة، فصار هذا اللفظ علمًا على اليوم العاشر.
وذكر أبو المنصور الجواليقي أنه لم يسمع فاعولاء إلَّا هذا، وضاروراء، وساروراء، ودالولاء، من الضار والسار والدال، فعلى هذا يوم عاشوراء هو العاشر.
وقال الزين بن المنيِّر: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية، وقيل: هو اليوم التاسع، فعلى الأول فاليوم مضاف لليلته الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلته الآتية، وقيل: إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذًا من أوراد الإبل، كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام ثم أوردوها في التاسع، قالوا: وردنا عِشرًا بكسر العين.
وروى مسلم (٣) عن ابن عباس أنه قال: "إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأَصْبِحْ يومَ التاسع صائمًا، قلت: أهكذا كان النبي ﷺ يصومه؟ قال: نعم"، وهذا ظاهره أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع، لكن قال الزين بن المنير: إذا أصبحت من تاسعه فأصبح يشعر بأنه أراد العاشر؛ لأنه لا يصبح صائمًا بعد أن أصبح من تاسعه، إلَّا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة وهو الليلة العاشرة.
стр. 5300
٢٤٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ في الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ في الْجَاهِلِيَّةِ،
===
قلت: ويقوي هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضًا من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لئن بقيت إلى قابلٍ لأصومنَّ التاسع فمات قبل ذلك"، ثم ما هَمَّ به من صوم التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر، إما احتياطًا له، وإما مخالفة لليهود والنصارى، وهو الأرجح.
ولأحمد (١) من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعًا: "صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده"، وهذا كان في آخر الأمر، وقد كان ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب، فلما فتحت مكة، واشتهر أمر الإِسلام، أحب مخالفة أهل الكتاب أيضًا، فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر.
٢٤٤٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية).
قال الحافظ (٢): وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف، ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك، ثم رأيت في المجلس الثالث من "مجالس الباغندي الكبير" عن عكرمة أنه سئل عن ذلك، فقال: أذنبت قريش ذنبًا في الجاهلية، فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك، هذا أو معناه.
(وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية) أي قبل أن يهاجر إلى المدينة
стр. 5301
فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ". [خ ٢٠٠٢، م ١١٢٥، ت ٧٥٣، حم ٦/ ٢٩]
===
(فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة صامه وأمر (١) بصيامه)، وكان قدومي ﷺ المدينة في ربيع الأول، فصام، فكان صيامه والأمر به في أول السنة الثانية، وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلَّا في سنة واحدة، ثم فوض الأمر في صومه إلى رأي المتطوع، فعلى تقدير صحة قول من يدعي أنه كان قد فرض فقد نسخ فرضه بهذه الأحاديث الصحيحة، ونقل عياض: أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضية عاشوراء لكن انقرض القائلون بذلك، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض، والإجماع على أنه مستحب، وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم، ثم انقرض القول بذلك، قاله الحافظ (٢).
قال العيني (٣): اتفق العلماء على أن صوم عاشوراء اليوم سنَّة وليس بواجب، واختلفوا في حكمه أول الإِسلام، فقال أبو حنيفة: كان واجبًا، واختلف أصحاب الشافعي على وجهين: أشهرهما: أنه لم يزل سنَّة من حين شرع (٤) ولم يكن واجبًا قط، والثاني: كقول أبي حنيفة.
(فلما فرض رمضان كان هو الفريضة، وتُرِكَ) صوم (عاشوراء) على طريق الوجوب (فمن شاء صامه) تطوعًا (ومن شاء تركه) أي لم يصمه (٥).
стр. 5302
٢٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ عَاشُورَاءُ يَوْمًا نَصُومُهُ في الْجَاهِليَّةِ، فَلَمَّا نزَلَ رَمَضَانُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ". [خ ٤٥٠١، م ١١٢٦]
٢٤٤٤ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نَا هُشَيْمٌ، أَنَا أَبُو بِشْرٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ،
===
٢٤٤٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: كان عاشوراء يومًا نصومه في الجاهلية) ونصومه في ابتداء الإِسلام (فلما نزل رمضان) أي افتراض صومه (قال رسول الله ﷺ : هذا يوم من أيام الله) ليس فيه حكم بوجوب الصوم (فمن شاء صامه، ومن شاء تركه).
٢٤٤٤ - (حدثنا زياد بن أيوب، نا هشيم، أنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء).
قال الحافظ (١): وقد استشكل ظاهر الخبر لاقتضائه أنه ﷺ حين قدومه المدينة وجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، وإنما قدم المدينة في ربيع الأول، والجواب عن ذلك أن المراد أن أول علمه بذلك وسؤاله عنه كان بعد أن قدم المدينة، لا أنه قبل أن يقدمها، وغايته أن في الكلام حذفًا تقديره: قدم النبي ﷺ المدينة فأقام إلى يوم عاشوراء فوجد اليهود فيه صيامًا، ويحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه ﷺ المدينة، ولكن سياق الأحاديث تدفع هذا التأويل، والاعتماد على التأويل الأول.
стр. 5303
فَسُئِلُوا عن ذَلِكَ، فَقَالُوا: هُوَ (١) الْيَوْمُ الَّذِي أَظْهَرَ الله فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ، وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُم" وَأَمَرَ (٢) بِصِيَامِهِ. [خ ٣٩٤٣، م ١١٣٠، جه ١٧٣٤]
(٦٤)(٣) مَا رُوِي أَنَّ عَاشُورَاء الْيَوْمُ التَّاسِعُ
٢٤٤٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
===
(فسئلوا عن ذلك) أي عن سبب صومهم فيه (فقالوا) أي اليهود: (هو اليوم الذي أظهر الله فيه) أي نصر الله في هذا اليوم (موسى على فرعون)، وفي رواية لأحمد زاد فيه: "وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي، فصامه نوح شكرًا" (ونحن نصومه تعظيمًا له، فقال رسول الله ﷺ : نحن أولى بموسى منكم)، أي نحن أثبت وأقرب لمتابعة موسى ﵇ منكم، فإنا موافقون له في أصول الدين ومصدقون لكتابه، وأنتم مخالفون لهما بالتغيير والتحريف (وأمر بصيامه).
قال الحافظ (٤): واستشكل (٥) رجوعه إليهم في ذلك، وأجاب المازري باحتمال أن يكون أوحي إليه بصدقهم أو تواتر عنده الخبر بذلك، زاد عياض: أو أخبره به من أسلم منهم كابن سلام، ولا مخالفة بينه وبين حديث عائشة: أن أهل الجاهلية كانوا يصومونه، إذ لا مانع من توارد الفريقين على صيامه مع اختلاف السبب في ذلك.
(٦٤) (مَا رُوِيَ أَنَّ عَاشُورَاءَ اليَوْمُ التَّاسِعُ)
٢٤٤٥ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب،
стр. 5304
أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ الْقُرَشِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا غَطْفَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: حِينَ صَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَنَا بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَوْم تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبلُ صُمْنَا يَوْمَ التَّاسِعِ" فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . [م ١١٣٤، جه ١٧٣٦ (مختصرًا)]
===
أخبرني يحيى بن أيوب، أن إسماعيل بن أمية القرشي) الأموي (حدثه، أنه سمع أبا غطفان يقول: سمعت عبد الله بن عباس يقول: حين صام النبي ﷺ يوم عاشوراء وأمرنا بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تُعَظِّمُه اليهود والنصارى (١))، وأنت تخالفهم، فكيف تعظمه بالصوم فيه؟ (فقال رسول الله ﷺ : فإذا كان العام المقبل) أي الآتي (صمنا يوم التاسع (٢)، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ ) أي قبله.
ظاهر الحديث أن معنى قوله: "إذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع"، أي نصومه مع يوم عاشوراء لأجل مخالفة أهل الكتاب، وعلى هذا التأويل لا يناسب الحديث بالباب، نعم لو قيل في معناه: صمنا يوم التاسع بدل يوم العاشر، ونجعله عاشوراء كما قيل، لكان له مناسبة بالباب، وظاهر حديث الحكيم بن الأعرج يدل على أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع، كما قاله الحافظ في "الفتح" (٣).
стр. 5305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد تأول قول ابن عباس ﵁ هذا الزين بن المنيِّر بأن معناه أنه ينوي الصيام في الليلة المتعقبة للتاسع، وقواه الحافظ بحديث ابن عباس الآتي أنه ﷺ قال: "إذا كان المقبل إن شاء الله صمنا التاسع"، فلم يأت العام المقبل حتى توفي (١)، قال: فإنه ظاهر في أنه ﷺ كان يصوم العاشر، وَهَمَّ بصوم التاسع، فمات قبل ذلك.
وأقول: الأولى: أن يقال: إن ابن عباس أرشدَ السائل له إلى اليوم الذي يصام فيه، وهو التاسع، ولم يجب عليه بتعيين يوم عاشوراء أنه اليوم العاشر، لأن ذلك مما لا يسأل عنه، ولا يتعلق بالسؤال عنه فائدة، فابن عباس لما فهم من السائل أن مقصوده تعيين اليوم الذي يصام فيه، أجاب عليه أنه التاسع، وقوله: "نعم"، بعد قول السائل: "أهكذا كان النبي ﷺ يصوم؟ " بمعنى نعم هكذا كان يصوم لو بقي، لأنه قد أخبرنا بذلك، ولا بد من هذا، لأنه ﷺ مات قبل صوم التاسع، وتأويل ابن المنير في غاية البُعد، لأن قوله: "وأصبح يوم التاسع صائمًا"، لا يحتمله، قاله الشوكاني في "النيل" (٢).
ويستشكل حديث ابن عباس هذا بأنه مخالف بظاهره لحديث عائشة ﵂ المتقدم في أول الباب، بأن حديث عائشة ﵂ يدل على أن صومه ﷺ عاشوراء، والأمر بصومه كان في أول قدمة قدمها، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك عاشوراء، وحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - يدل على أنه ﷺ كان يصوم عاشوراء ويأمر بصيامه في آخر عمره، حتى قال له الصحابة ﵃: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ : "إذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع"، فلم يأت العام المقبل حتى توفي.
стр. 5306
٢٤٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى- يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ-، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ غَلَّاب. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا إِسمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي حَاجِبُ بْنُ عُمَرَ جَمِيعًا، الْمَعْنَى، عن الْحَكَمِ بْنِ الأَعْرَجِ
===
وقد تقدم أن الحافظ (١) قال في شرح حديث عائشة ﵂: ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول، فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية، وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلَّا في سنة واحدة، ثم فوض الأمر في صومه إلى رأي المتطوع، فيمكن أن يجاب عنه، بأن معنى قول ابن عباس: حين صام النبي ﷺ يوم عاشوراء، وأمرنا بصيامه، أي تطوعًا بعد نسخ الفرضية، فحينئذ لا مخالفة بين الحديثين.
٢٤٤٦ - (حدثنا مسدد، نا يحيى -يعني ابن سعيد-، عن معاوية بن غلاب) بفتح المعجمة وتخفيف اللام، النصري بالنون، البصري بالموحدة، منسوب إلى جد أبيه، وهو معاوية بن عمرو بن خالد بن غلاب، ويقال: إن غلاب اسم امرأة، وهي أم خالد، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له في الكتب حديث واحد في صوم عاشوراء.
(ح: ونا مسدد، نا إسماعيل، أخبرني حاجب بن عمر) الثقفي، أبو خشينة بمعجمتين ونون، مصغر، أخو عيسى بن عمر النحوي البصري، قال أحمد وابن معين والعجلي: ثقة، وعن أبي داود: رجل صالح، وحكى الساجي عن ابن عيينة أنه كان إباضيًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" (جميعًا) أي معاوية بن غلاب وحاجب بن عمر (المعنى) أي معنى حديثهما واحد.
(عن الحكم بن الأعرج) هو الحكم بن عبد الله بن إسحاق الأعرج البصري، قال أحمد: ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال مرة:
стр. 5307
قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَسَأَلْتُهُ عن صَوْمِ (١) عَاشُورَاء؟ فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّاسِعِ فَأَصْبِحْ صَائِمًا، فَقُلْتُ: كَذَا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَصُومُ؟ قَالَ: كَذلِكَ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَصُومُ. [م ١١٣٣، ت ٧٥٤، حم ١/ ٢٣٩، خزيمة ٢٠٩٧]
===
فيه لين، وقال العجلي: بصري تابعي، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(قال أتيت ابن عباس وهو متوسد رداءه) أي جاعلًا له رداءه وسادة (في المسجد الحرام) وفي رواية مسلم: "عند زمزم" (فسألته عن صوم عاشوراء؟ ) (٢) أي: أيِّ يوم يصام؟ (فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد) أي من أوله (فإذا كان يوم التاسع فأصْبِحْ صائمًا، فقلت: كذا كان محمد ﷺ يصوم؟ قال) ابن عباس: (كذلك كان محمد ﷺ يصوم).
فإن قلت: إن حديث ابن عباس برواية أبي غطفان يدل على أن رسول الله ﷺ لم يصم التاسع، بل روى قوله: "فإذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع، فلم يأت العام المقبل"، وهذا الحديث يدل على أنه كان يصوم.
قلت: معنى قوله: "كذلك كان محمد ثقيف يصوم"، أي يريد أن يصوم، وقد تقدم في كلام الشوكاني (٣) أنه تأول هذا القول، نعم هكذا كان يصوم لو بقي, لأنه قد أخبرنا بذلك.
стр. 5308
(٦٥) بَابٌ: في فَضْلِ صَوْمِهِ
٢٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ، نَا يَزِيدُ (١)، نَا سَعِيدٌ، عن قَتَادَةَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عن عَمِّهِ، أَنَ أَسْلَمَ
===
(٦٥) (بَابٌ: في فَضْلِ صَوْمِهِ) (٢)
أي عاشوراء
٢٤٤٧ - (حدثنا محمد بن المنهال، نا يزيد، نا سعيد، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن مسلمة) ويقال: ابن سلمة، ويقال: ابن المنهال بن سلمة الخزاعي، عن عمه في صيام عاشوراء، وعنه قتادة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال النسائي في "الكنى": أبو المنهال عبد الرحمن بن سلمة بن المنهال، قلت: وصوب أبو علي بن السكن أن اسم أبيه سلمة، قال: ويقال: إن شعبة أخطأ في اسمه حيث قال: عبد الرحمن بن المنهال بن مسلمة، وقد رويناه في "جزء ابن نجيح" من طريق شعبة عن قتادة سمعت ابن المنهال، وهو يؤيد ما قال النسائي، وقال ابن القطان: حاله مجهول.
(عن عمه) قال الحافظ في مبهمات "التهذيب" (٣): عبد الرحمن بن المنهال، وقيل: ابن مسلمة، وقيل: ابن سلمة عن عمه، روى عنه قتادة، سمى ابن قانع عمه مسلمة.
(إن أسلم) اسم قبيلة، وهي في قبائل مختلفة؛ فأسلم في خزاعة، وهو ابن أفصى، وهو خزاعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، وفي مذحِج أسلم بن
стр. 5309
أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "صُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هذَا؟ "، قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَاقْضُوهُ" (١). [ق ٤/ ٢٢١]
(٦٦)(٢) في صَوْمِ يَوْمِ وَفِطْرِ يَوْمٍ
٢٤٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَمُسَدَّدٌ - وَالإِخْبَارُ في حَدِيثِ أَحْمَدَ- قَالُوا، نَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرًا قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ، سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ
===
أوس الله بن سعد العشيرة بن مذحِج، وفي بجيلة أسلم بن عمرو بن لؤي، فالله أعلم من هي منهم (أتت النبي ﷺ فقال: صمتم) بتقدير همزة الاستفهام (يومكم هذا؟ ) أي عاشوراء (قالوا: لا، قال: فأتموا بقية يومكم) أي لا تفطروا فيها (واقضوه) (٣) أي صوم يوم عاشوراء، وهذا الحديث يدل على أن الصوم كان واجبًا (٤) فيه.
(٦٦) (في صَوْمِ يَوْمٍ وَفِطْرِ يَوْمٍ)
أي: في فضله
٢٤٤٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل ومحمد بن عيسى ومسدد، والإخبار) أي ألفاظ الحديث ما (في حديث أحمد، قالوا: نا سفيان قال: سمعت عمرًا قال: أخبرني عمرو بن أوس، سمعه من عبد الله بن عمرو) بن العاص (قال: قال لي رسول الله ﷺ ) في آخر الأمر بعد المناقصة: (أحب الصيام إلى الله صيام
стр. 5310
دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَهُ، وَيقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يُفْطِرُ يَوْمًا، وَيَصُومُ يَوْمًا". [خ ١٩٧٩، م ٩٨٩/ ١١٥١، ن ٢٣٨٨، جه ١٧١٢]
(٦٧) بَابٌ: في صَوْمِ الثَّلاثِ (١) مِنْ كلّ شَهْرٍ
٢٤٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا هَمَّام، عن أَنَسٍ أَخِي مُحَمَّدٍ، عن ابْنِ مِلْحَانَ الْقَيْسِيِّ، عن أَبِيهِ
===
داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود) ثم بينهما على غير ترتيب اللف (كان ينام نصفه) أي الليل (ويقوم) للصلاة (ثلثه، وينام سدسه) ثم بين الصوم، فقال: (وكان يفطر يومًا، ويصوم يومًا).
(٦٧) (بَابٌ: في صَوْمِ الثَّلاثِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ)
٢٤٤٩ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا همام) بن يحيى، (عن أنس) بن سيرين (أخي محمد) بن سيرين، (عن ابن ملحان) هو عبد الملك بن قتادة بن ملحان (القيسي) ويقال: قدامة بدل قتادة، ويقال: عبد الملك بن المنهال عن أبيه مرفوعًا في صوم الأيام البيض، قال ابن المديني: لم يرو عنه غيره، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال البخاري: عداده في البصريين، قال: أنا أبو الوليد الطيالسي: وَهِمَ شعبة في قوله: ابن المنهال، يعني أن الصواب ابن ملحان، والله أعلم، وأما ابن حبان فقال: هو عبد الملك بن المنهال بن ملحان، قال: وليس في الصحابة من يسمى المنهال غيره.
(عن أبيه) هو قتادة بن ملحان القيسي، قال البخاري وابن حبان: له صحبة، يعد في البصريين، له حديث واحد عن النبي ﷺ في صوم أيام البيض، قال أبو الوليد: وهم فيه شعبة فقال: عن عبد الملك بن المنهال
стр. 5311
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ، قَالَ: وَقَالَ: "هُنَّ (١) كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ". [ن ٢٤٣٢، جه ١٧٠٧، ق ٤/ ٢٩٤]
===
عن أبيه، وقال البخاري وغير واحد: إن شعبة أخطأ في ذلك، وقد روي عن شعبة على الصواب أيضًا فيما حكاه العسكري وابن عبد البر.
وأخرج ابن شاهين من طريق سليمان التيمي عن حيان بن عمير قال: مسح النبي ﷺ وجه قتادة بن ملحان، ثم كَبِرَ فَبَلِيَ منه كل شيء غير وجهه، قال: فحضرته عند الوفاة، فمرَّت امرأة، فرأيتها في وجهه كما أراها في المِرْآةِ.
(قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا) أي أمر استحباب (أن نصوم البيض) أي أيام الليالي البيض (٢) (ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة).
قال الشوكاني (٣): فيه دليل على استحباب صوم أيام البيض، وهي الثلاثة المعينة في الحديث، وقد وقع الاتفاق (٤) بين العلماء على أنه يستحب أن تكون الثلاثة المذكورة في وسط الشهر، كما حكاه النووي (٥)، واختلفوا في تعيينها، فذهب الجمهور إلى أنها ثالث عشر، ورابع عشر، وخامس عشر، وقيل: هي الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر، وحديث أبي ذر وغيره يرد ذلك.
(قال) أي ابن ملحان: (وقال) أي رسول الله ﷺ : (هن) أي صوم أيام البيض (كهيئة الدهر) أي تساوي صوم الدهر في الأجر على قاعدة: الحسنة بعشر أمثالها.
стр. 5312
٢٤٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا أَبُو دَاوُدَ (١)، نَا شَيْبَانُ، عن عَاصِمٍ، عن زِرٍّ، عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ - يَعْنِي مِنْ غُرَّةِ كُلّ شَهْرٍ - ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ". [ت ٧٤٢، جه ١٧٢٥، حم ١/ ٤٠٦، خزيمة ٢١٢٩، ن ٢٣٦٨]
===
٢٤٥٠ - (حدثنا أبو كامل، نا أبو داود، نا شيبان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يصوم -يعني من غرة كل شهر-)، زاد لفظ "يعني"، كأنه لم يحفظ الراوي لفظ الشيخ، فقال: مراد الشيخ من كلامه أنه يصوم من غرة كل شهر، والمراد بالغرة أول الشهر (ثلاثة أيام).
وقد اختلفت الروايات في هذا الباب، فرواية ابن ملحان عن أبيه عند أبي داود والنسائي، وحديث أبي ذر عند أحمد والنسائي والترمذي على تعيين أيام البيض، وحديث ابن مسعود على تعيين غرة كل شهر، وحديث حفصة عند أبي داود والنسائي على تعيين يوم الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى، وكذا حديث عائشة ﵂ عند الترمذي على تعيين السبت والأحد والاثنين من الشهر، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس، ومن حديث عائشة عند مسلم: "كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يبالي من أي الشهر صام"، وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين: "أوصاني خليلي بصيام ثلاثة أيام"، وفي حديث أبي ذر عند ابن ماجه والترمذي: "من صام من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صيام الدهر"، الحديث.
قال الشوكاني (٢): اختلفوا في تعيين هذه الثلاثة الأيام المستحبة من كل شهر، ففسرها عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبو ذر وغيرهم من الصحابة، وجماعة من التابعين، وأصحاب الشافعي بأيام البيض،
стр. 5313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ويشكل على هذا قول عائشة المتقدم: "لا يبالي من أيِّ الشهر صام"، وأجيب عن ذلك بأن النبي ﷺ لعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز، وكل ذلك في حقه أفضل، والذي أمر به قد أخبر به أمته، ووصَّاهم به وعيَّنه لهم، فيحمل مطلق الثلاث على الثلاث المقيدة بالأيام المعينة.
واختار النخعي وآخرون أنها آخر الشهر، واختار الحسن البصري وجماعة أنها من أوله، واختارت عائشة وآخرون صيام السبت والأحد والاثنين من عدة شهر، ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من الشهر الذي بعده.
وقال البيهقي: كان النبي ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، لا يبالي من أي الشهر صام، قال: فكل من رآه فعل نوعًا ذكره، وعائشة رأت جميع ذلك فأطلقت.
وقال الروياني: صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، فإن اتفقت أيام البيض كان أحبَّ، وروي عن مالك: أنه يكره تعيين الثلاث.
قلت: وأما عند الحنفية فإنهم قالوا: والمندوب فهو صوم ثلاثة من كل شهر، ويندب كونها الأيام البيض، فعلى هذا من صام ثلاثة أيام من الشهر غير أيام البيض حصل له ثواب المندوب، ومن صام من الشهر أيام البيض، حصل له أجر مندوبين، ندب ثلاثة أيام من كل شهر وندب تعيين أيام البيض.
قال الشوكاني (١): قال في "الفتح": وكلام غير واحد من العلماء أن استحباب صيام أيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، انتهى، وهذا هو الحق، لأن حمل المطلق على المقيد ها هنا متعذر.
стр. 5314
(٦٨) بَابُ مَنْ قَالَ: الاثْنين وَالْخَمِيس
٢٤٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عن سَوَاءٍ الْخُزَاعِيِّ، عن حَفْصَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ: الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ، وَالاثْنَيْنِ مِنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى". [ق ٤/ ٢٩٤، ن ٢٤١٨]
٢٤٥٢ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، نَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، نَا الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عن هُنَيْدةَ الْخُزَاعِيِّ، عن أُمِّهِ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلْتُهَا عن الصِّيَامِ فَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُنِي أَنْ أَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
===
(٦٨) (بَابُ مَنْ قَالَ: الاثْنَيْنِ والْخَميِس)
أي من قال: إن صوم ثلاث من كل شهر هو صوم يوم الاثنين ويوم الخميس من أول الشهر، ثم يوم الاثنين من الجمعة الأخرى
٢٤٥١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن سواء الخزاعي) أخو مغيث، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مقبول، (عن حفصة) أم المؤمنين ﵂ (قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من الشهر: الاثنين والخميس) أي يوم الاثنين ويوم الخميس في الأسبوع الأول (و) الثالث يوم (الاثنين من الجمعة الأخرى) أي من الأسبوع الثاني.
٢٤٥٢ - (حدثنا زهير بن حرب، نا محمد بن فضيل، نا الحسن بن عبيد الله) بن عروة النخعي، أبو عروة الكوفي، ثقة فاضل، (عن هنيدة الخزاعي، عن أمه قالت: دخلت على أم سلمة فسألتها عن الصيام) أي عن صيام التطوع.
(فقالت: كان رسول الله ﷺ يأمرني) أي استحبابًا (أن أصوم ثلاثة أيام
стр. 5315
مِنْ كُلّ شَهْرٍ، أَوَّلُهَا الاثْنَيْن وَالْخَمِيس (١). [ن ٢٤١٩، حم ٦/ ٢٨٩]
===
من كل شهر، أولها الاثنين والخميس) أي في أول الأسبوع من الشهر يوم الاثنين ويوم الخميس، هكذا في النسخة المجتبائية والقادرية ونسخة "العون" والمصرية، ولم يذكر في هذه النسخ اليوم الثالث، وفي النسخة المكتوبة الأحمدية: "أولها الاثنين والخميس والخميس"، أي في أول أسبوع الشهر يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وفي الأسبوع الثاني منه يصوم يوم الخميس.
ويؤيده ما أخرجه النسائي (٢) من طريق الحر بن الصَّبَّاح، عن هنيدة، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي ﷺ : "أن رسول الله ﷺ كان يصوم تسعًا من ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر [أوَّلَ] اثنين من الشهر وخميسين.
ولكن يخالفه ما أخرجه النسائي (٣) من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري بسند أبي داود، عن هنيدة الخزاعي، عن أمه، عن أم سلمة قالت: "كان رسول الله ﷺ يأمر بصيام ثلاثة أيام: أوَّلِ خميس والاثنين والاثنين".
وأخرج الإِمام أحمد بسندهما في "مسنده" (٤) فخالفهما، ولفظه: "قال: دخلت على أم سلمة فسألتها عن الصيام، فقالت: كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أولها الاثنين والجمعة والخميس".
فإن قيل: قوله: "أولها الاثنين" يخالف قواعد العربية، والموافق للقواعد أن يقال: أولها الاثنان، قلت: قيل: إنه علم كالبحرين، والأعلام لا تتغير عن أصل وضعها باختلاف العوامل، قلت: يرده قول صاحب "القاموس": والاثنان والثِّنَى كإلَى: يَوْمٌ في الأُسْبُوع، جمعه أثناء وأثانين، وقيل: المضاف محذوف مع إبقاء المضاف إليه على حاله، وتقديره: أولها يوم الاثنين.
стр. 5316
(٦٩) بَابُ مَنْ قَالَ: لَا يُبَالِي مِنْ أَيّ الشَّهْرِ
٢٤٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن يَزِيدَ (١)، عن مُعَاذَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ (٢) كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ: مَا كَانَ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ. [م ١١٦٠، ت ٧٦٣، جه ١٧٠٩، حم ٦/ ١٤٥]
===
وعندي توجيه آخر بأن يقال: لفظ "أولها" بدل من لفظ من كل شهر بحذف حرف الجر، أي يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر من أولها (٣)، ولفظ الاثنين والخميس بدل من ثلاثة أيام، أي أصوم ثلاثة أيام الاثنين والخميس من أول كل شهر.
(٦٩) (بَابُ مَنْ قَالَ: لَا يُبَالِي مِن أَيِّ الشَّهْرِ)
أي: يصوم من أيام الشهر من أيِّها شاء (٤) ولا يبالي من أيِّ أيام الشهر يصوم
٢٤٥٣ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن يزيد، عن معاذة قالت: قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت) أي عائشة: (نعم، قلت: من أي) أيام (الشهر كان يصوم؟ قالت) أي عائشة: (ما كان) أي رسول الله ﷺ (يبالي) أي يهتم للتعيين (من أي أيام الشهر كان يصوم) أي فكان يصوم من أي أيام الشهر شاء.
стр. 5317
(٧٠) بَابٌ: في النِّيَّةِ في الصَّوْمِ (١)
٢٤٥٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْب، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ وَيحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَ بْنِ حَزْمٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن أَبِيهِ، عن حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ". [ن ٢٣٣١، ت ٧٣٠، جه ١٧٠٠، خزيمة ١٩٣٣، دي ١٦٩٨، حم ٦/ ٢٨٧]
===
(٧٠) (بَابٌ: في النِّيَّةِ في الصَّوْمِ) (٢)
أي: تلزم النية قبل الابتداء في الصوم
٢٤٥٤ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أيوب، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن حفصة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: من لم يجمع) من الإجماع، وهو العزم والقصد المحكم، أي لم ينو (الصيام قبل الفجر فلا صيام له).
قال الشوكاني في "النيل" (٣): والحديث فيه دليل على وجوب تبييت النية بإيقاعها في جزء من أجزاء الليل، وقد ذهب إلى ذلك ابن عمر وجابر بن يزيد من الصحابة، ومالك والليث وابن أبي ذئب، ولم يفرقوا (٤) بين الفرض والنفل،
стр. 5318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال أبو طلحة وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل: إنه لا يجب التبييت في التطوع، ويروى عن عائشة: أنها تصح النية بعد الزوال. وروي عن علي ﵁ وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي: أنها لا تصح النية بعد الزوال، وروي عن علي وابن مسعود والنخعي: أنه لا يجب التبييت إلَّا في صوم القضاء والنذر المطلق والكفارات، وأن وقت النية في غير هذه من غروب شمس اليوم الأول إلى بقية من نهار اليوم الذي صامه.
وقد استدل القائلون بأنه لا يجب التبييت بحديث سلمة بن الأكوع والربيع (١) عند الشيخين: أن رسول الله ﷺ أمر رجلًا من أسلم أَن أَذِّنْ في الناس إذ فرض صومُ عاشوراء "ألا، من أكل فليمسك، ومن لم يأكل فليصم".
وأجيب بأن خبر حفصة متأخر، فهو ناسخ لجوازها في النهار، ولو سلم عدم النسخ فالنية إنما صحت في نهار عاشوراء، لأن الرجوع إلى الليل غير مقدور، والنزاع فيما كان مقدورًا، فيخص الجواز بمثل هذه الصورة، أعني من ظهر له وجوب الصيام عليه من النهار كالمجنون يفيق، والصبي يحتلم، والكافر يسلم، وكمن انكشف له في النهار أن ذلك اليوم من رمضان.
واستدلوا أيضًا بحديث عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ذات يوم، فقال: هل عندكم من شيء؟ فقلنا: لا، فقال: فإني إذن صائم، الحديث.
وأجيب عنه بأنه ﷺ قد كان نوى الصوم من الليل، وإنما أراد الفطر لما ضعف عن الصوم، وهو محتمل، ولو سلم عدم الاحتمال كان غايته تخصيص صوم التطوع من عموم قوله: "فلا صيام له".
стр. 5319
قَال أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ اللَّيْثُ وَإِسْحَاقُ بْنُ حَازِمِ أَيْضًا جَمِيعًا، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
===
قال في "البدائع" (١): وأما الكلام مع الشافعي (٢) في صوم رمضان فهو يحتج بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا صيام لمن لم يعزم الصوم من الليل" (٣)، ولأن الإمساك من أول النهار إلى آخره ركن، فلا بد له من النية ليصير لله تعالى، وقد انعدمت في أول النهار، فلم يقع الإمساك في أول النهار لله تعالى لفقد شرطه، فكذا الباقي، لأن صوم الفرض لا يتجزأ.
ولنا قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٤)، أباح للمؤمنين الأكل والشرب والجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر، وأمر بالصيام عنها بعد طلوع الفجر متأخرًا عنه, لأن كلمة "ثم" للتعقيب مع التراخي، فكان هذا أمرًا بالصوم متراخيًا عن أول النهار، والأمر بالصوم أمر بالنية إذ لا صحة للصوم شرعًا بدون النية، فكان أمرًا بالصوم بنية متأخرة عن أول النهار، وقد أتى به فقد أتى بالمأمور به، فيخرج عن العهدة، إلى آخر ما قال.
ثم قال: وأما الحديث فهو من الآحاد فلا يصلح ناسخًا للكتاب، لكنه يصلح مكملًا له، فيحمل على نفي الكمال كقوله: "لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد" (٥)، ليكون عملًا بالدليلين بقدر الإمكان.
(قال أبو داود: رواه الليث وإسحاق بن حازم (٦) أيضًا جميعًا عن عبد الله بن
стр. 5320
أَبِي بَكْرٍ مِثْلَهُ، وَأَوْقَفَهُ (١) عَلَى حَفْصَةَ: مَعْمَرٌ (٢) وَالزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وُيونُسُ الأَيْلِيُّ (٣).
(٧١) بَابٌ: في الرُّخْصَةِ فِيهِ (٤)
٢٤٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، أَنا سُفْيَانُ. (ح): وَنَا عُثْمَانُ بْنُ
===
أبي بكر) (٥) كما روى عنه ابن لهيعة ويحيى بن أيوب (مثله) أي مرفوعًا. (وأوقفه) أي هذا الحديث (على حفصة: معمر والزبيدي وابن عيينة ويونس الأيلي (٦)).
قال الحافظ (٧): واختلف في رفعه ووقفه، ورجح الترمذي والنسائي الموقوف بعد أن أطنب النسائي في تخريج طرقه، وحكى الترمذي في "العلل" عن البخاري ترجيح وقفه، وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمة، فصححوا الحديث المذكور، منهم ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن حزم، وروى له الدارقطني طريقًا آخر وقال: رجالها ثقات.
(٧١) (بَابٌ: في الرخْصَةِ فِيهِ)
أي: في ترك النية بالليل في الصوم
٢٤٥٥ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، ح: ونا عثمان بن
стр. 5321
أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، جَمِيعًا عن طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عن عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ قَالَ: "هَلْ عِنْدَكُم طَعَامٌ؟ " فَإِذَا قُلْنَا: لَا، قَالَ: "إِني صَائِمٌ".
زَادَ وَكِيع: فَدَخَلَ عَلَيْنَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَحَبَسْنَاهُ لَكَ، فَقَالَ: "أَدْنِيهِ" (١)، فَأَصْبَحَ صَائِمًّا وَأَفْطَرَ (٢). [م ١١٥٤، ن ٢٣٢٤، ت ٧٣٣، حم ٦/ ٤٩، خزيمة ٢١٤١]
===
أبي شيبة، نا وكيع جميعًا) أي سفيان ووكيع رويا (عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا دخل عليَّ قال: هل عندكم طعام؟ فإذا قلنا: لا، قال: إني صائم)، وإلى ها هنا اتفق سفيان ووكيع في لفظ الحديث (٣).
(زاد وكيع: فدخل علينا يومًا آخر، ففلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس) هو طعام متخذ من تمر وأقط وسمن، أو دقيق، أو فَتِيتٍ بدل أقط (فحبسناه لك، فقال) أي رسول الله ﷺ : (أَدْنيه) من الإدناء أي: قَرِّبِيْه، وفي لفظ مسلم: "أرينيه" من الإراءة (فأصبح صائمًا وأفطر).
قال الحافظ (٤): قال ابن المنذر: اختلفوا فيمن أصبح يريد الإفطار، ثم بدا له أن يصوم تطوعًا، فقالت الطائفة: له أن يصوم متى بدا له، قال: وبه قال الشافعي وأحمد، قال: وقال ابن عمر: "لا يصوم تطوعًا حتى يجمع من الليل
стр. 5322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أو يتسحَّر"، وقال مالك في النافلة: لا يصوم إلَّا أن يُبَيِّت، إلا إن كان يسرد الصوم فلا يحتاج إلى التبييت، وقال أهل الرأي: من أصبح مفطرًا ثم بدا له أن يصوم قبل منتصف النهار أجزأه، وإن بدا له ذلك بعد الزوال لم يجزئه، قلت: وهذا هو الأصح عند الشافعية، انتهى.
قال النووى (١): في هذا الحديث دليل للجمهور في أن صوم النافلة يجوز نيته في النهار قبل زوال الشمس، وتأوَّله الآخرون على أن سؤاله: "هل عندكم شيء؟ "، لكونه كان نوى الصوم من الليل، ثم ضعف عنه وأراد الفطر لذلك، وهو تأويلٌ فاسدٌ، وتكلُّف بعيدٌ.
قال القاري (٢): قال ميرك: الحديث يدل على جواز إفطار النفل، وبه قال الأكثرون، وقال أبو حنيفة: يجوز بعذر، وأما بدونه فلا، وقال القاضي: دل الحديث على أن الشروع في النفل لا يمنع الخروج عنه، كما قال: الصائم المتطوع أمير نفسه، وقال أصحاب أبي حنيفة (٣): يجب إتمامه، ويلزمه قضاؤه إن أفطر، وقال مالك: يقضي حيث لا عذر له، واحتجوا بحديث عائشة أن رسول الله ﷺ أمر بالقضاء، والحديث مرسل لا يقاوم الصحيح، على أن الأمر يحتمل الاستحباب كالأصل.
ولنا الكتاب والسنَّة والقياس، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ (٥) الآية، سيقت في معرض ذمهم على عدم رعاية ما التزموه من القرب التي لم تكتب عليهم، والقدر المؤدى عمل كذلك، فوجب صيانته عن الإبطال بهذين النصين، فإذا أفطر وجب قضاؤه تفاديًا
стр. 5323
٢٤٥٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عن أمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ الْفَتْح- فَتْحِ مَكَّةَ- جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَجَلَسَتْ عن يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأُمُّ هَانِئٍ عن يَمِينِهِ، قَالَتْ: فَجَاءَتِ الْوَليدَةُ بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ فَنَاوَلَتْهُ، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ أُمَّ هَانِئٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ أَفْطَرْتُ وَكُنْتُ صَائِمَةً،
===
عن الإبطال، وأما السنَّة فحديث عائشة عند الترمذي (١): قالت: "كنت أنا وحفصة صائمتين" الحديث. وأما القياس فعلى الحج والعمرة النفلين حيث يجب قضاؤهما إذا أفسدا.
٢٤٥٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن أم هانئ قال: لما كان يوم الفتح - فتح مكة- جاءت فاطمة) بنت رسول الله ﷺ (فجلست عن يسار رسول الله ﷺ ، وأم هانئ عن يمينه) أي والحال أن أم هانئ جالسة عن يمينه، والكلام على خلاف مقتضى الظاهر, لأن الظاهر أن يقال: وأنا جالسة عن يمينه، أو جلست عن يمينه، فإما أن يحمل على التجريد، كأنها تحكي عن نفسها بذلك، أو أنَّ الراوي وضع كلامه مكان كلامها، فنقله بالمعنى.
(قالت) أي أم هانئ: (فجاءت الوليدة) أي الأمة، ولم أقف على تسميتها (بإناء فيه شراب) أي من ماء، فإنه المراد عند الإطلاق (فناولته) أي أعطت الجارية الإناء رسول الله ﷺ (فشرب) أي رسول الله ﷺ (منه، ثم ناوله) أي الإناء (أم هانئ) إما لكونها عن اليمين، أو لسبقها بالإيمان، أو لكبر سنها (فشربت) أي أم هانئ (منه فقالت) أي أم هانئ: (يا رسول الله، لقد أفطرت وكنت) الواو للحال (صائمة) فما الحكم فيه؟ وإنما لم تسأل قبل تناوله ترجيحًا لسؤره على الصوم، أو خوفًا عن فوت سؤره ﵇.
стр. 5324
فَقَالَ لَهَا: "أَكُنْتِ تَقْضِينَ شَيئًا؟ "، قَالَتْ: لَا، قَالَ: "فَلَا يَضُرُّكِ إِنْ كَانَ تَطَوّعًا"". [ت ٧٣١، حم ٦/ ٣٤٣، ق ٤/ ٢٧٦، دي ١٧٣٦]
===
(فقال) رسول الله ﷺ (لها: أكنتِ تقضين) أي بهذا الصوم (شيئًا؟ ) أي من الواجبات عليك (قالت) أي أم هانئ: (لا، قال) أي رسول الله ﷺ : (فلا يضرك) (١) أي الإفطار (إن كان) أي صومك (تطوعًا)، ولا دلالة فيه على وجوب القضاء وعدمه، وإنما وجب القضاء بدليل آخر وقد تقدم.
قال الترمذي (٢): حديث أم هانئ في إسناده مقال (٣)، والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، أن الصائم المتطوع إذا أفطر فلا قضاء (٤) عليه إلا أن يحِبَّ أن يقضيَه، وهو قول سفيان الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي.
وقال الذهبي: في إسناده يزيد بن أبي زياد وهو صدوق، رديء الحفظ، وقد غلط سماك في هذا الحديث، فقال في بعض الروايات: إن ذلك كان يوم الفتح، ويوم الفتح كان في رمضان، فكيف يتصور أن تكون صائمة قضاءً أو تطوعًا؟
قلت: وهذا الاستدلال في توهين الحديث فاسد، فإن رسول الله ﷺ خرج في فتح مكة من المدينة لعاشر رمضان، وكان الفتح لعشرين من رمضان، وأقام بمكة خمسة عشر ليلة بعد الفتح، ثم خرج النبي ﷺ إلى حنين لعاشر شوال.
стр. 5325
(٧٢) بَابُ مَنْ رَأَى عَلَيْهِ الْقَضَاء
٢٤٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عن ابْنِ الْهَادِ، عن زُمَيْلٍ مَوْلَى عُرْوَةَ، عن عُرْوَةَ بْن الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: أُهْدِيَ لِي وَلحَفْصَةَ طَعَامٌ وَكُنَّا صَائِمَتَيْنِ فَأَفْطَرْنَا، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ فَاشْتَهَيْنَاهَا فَأَفْطَرْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
===
صرح بهذا أهل التاريخ، فظهر بهذا أن رسول الله ﷺ أقام بمكة بعد رمضان عدة أيام، فعلى هذا ما وقع في الحديث من قولها: "لما كان يوم فتح مكة" يشمل جميع الأيام التي أقام فيها بمكة زمن الفتح، كما هو ظاهر، وليس المراد من يوم فتح مكة اليوم الخاص الذي كان فيه الفتح.
(٧٢) (بَابُ مَنْ رأى عَلَيْهِ)
أي: على الصائم المتطوع (القَضَاءَ) إذا أفطر
٢٤٥٧ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، عن زميل) بن عباس المدني الأسدي مولى عروة، روى عن عروة بن الزبير عن عائشة: "أهدي بي ولحفصة طعام وكنا صائمتين"، الحديث. وعنه يزيد بن الهاد، قال البخاري: ولا يعرف لزميل سماع من عروة، ولا ليزيد من زميل، ولا تقوم به الحجة، وقال النسائي: ليس بالمشهور، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى حديثه أبو داود والنسائي، وعنه التصريح بسماع يزيد من زميل، قال ابن عدي: وهذا الحديث يعرف بزميل هذا، وإسناده لا بأس به، وقال مُهَنَّا عن أحمد: لا أدري من هو؟ وقال الخطابي: مجهول.
(مولى عروة، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: أهدي لي ولحفصة) أم المؤمنين (طعام وكنا صائمتين) أي تطوعًا (فأفطرنا) بأكل الطعام (ثم دخل رسول الله ﷺ فقلنا له: يا رسول الله، إنا أهديت لنا هدية فاشتهيناها) وكنا صائمتين (فأفطرنا، فقال رسول الله ﷺ :