أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، جَمِيعًا عن طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عن عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ قَالَ: "هَلْ عِنْدَكُم طَعَامٌ؟ " فَإِذَا قُلْنَا: لَا، قَالَ: "إِني صَائِمٌ".
زَادَ وَكِيع: فَدَخَلَ عَلَيْنَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَحَبَسْنَاهُ لَكَ، فَقَالَ: "أَدْنِيهِ" (١)، فَأَصْبَحَ صَائِمًّا وَأَفْطَرَ (٢). [م ١١٥٤، ن ٢٣٢٤، ت ٧٣٣، حم ٦/ ٤٩، خزيمة ٢١٤١]
===
أبي شيبة، نا وكيع جميعًا) أي سفيان ووكيع رويا (عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا دخل عليَّ قال: هل عندكم طعام؟ فإذا قلنا: لا، قال: إني صائم)، وإلى ها هنا اتفق سفيان ووكيع في لفظ الحديث (٣).
(زاد وكيع: فدخل علينا يومًا آخر، ففلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس) هو طعام متخذ من تمر وأقط وسمن، أو دقيق، أو فَتِيتٍ بدل أقط (فحبسناه لك، فقال) أي رسول الله ﷺ : (أَدْنيه) من الإدناء أي: قَرِّبِيْه، وفي لفظ مسلم: "أرينيه" من الإراءة (فأصبح صائمًا وأفطر).
قال الحافظ (٤): قال ابن المنذر: اختلفوا فيمن أصبح يريد الإفطار، ثم بدا له أن يصوم تطوعًا، فقالت الطائفة: له أن يصوم متى بدا له، قال: وبه قال الشافعي وأحمد، قال: وقال ابن عمر: "لا يصوم تطوعًا حتى يجمع من الليل
стр. 5322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أو يتسحَّر"، وقال مالك في النافلة: لا يصوم إلَّا أن يُبَيِّت، إلا إن كان يسرد الصوم فلا يحتاج إلى التبييت، وقال أهل الرأي: من أصبح مفطرًا ثم بدا له أن يصوم قبل منتصف النهار أجزأه، وإن بدا له ذلك بعد الزوال لم يجزئه، قلت: وهذا هو الأصح عند الشافعية، انتهى.
قال النووى (١): في هذا الحديث دليل للجمهور في أن صوم النافلة يجوز نيته في النهار قبل زوال الشمس، وتأوَّله الآخرون على أن سؤاله: "هل عندكم شيء؟ "، لكونه كان نوى الصوم من الليل، ثم ضعف عنه وأراد الفطر لذلك، وهو تأويلٌ فاسدٌ، وتكلُّف بعيدٌ.
قال القاري (٢): قال ميرك: الحديث يدل على جواز إفطار النفل، وبه قال الأكثرون، وقال أبو حنيفة: يجوز بعذر، وأما بدونه فلا، وقال القاضي: دل الحديث على أن الشروع في النفل لا يمنع الخروج عنه، كما قال: الصائم المتطوع أمير نفسه، وقال أصحاب أبي حنيفة (٣): يجب إتمامه، ويلزمه قضاؤه إن أفطر، وقال مالك: يقضي حيث لا عذر له، واحتجوا بحديث عائشة أن رسول الله ﷺ أمر بالقضاء، والحديث مرسل لا يقاوم الصحيح، على أن الأمر يحتمل الاستحباب كالأصل.
ولنا الكتاب والسنَّة والقياس، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ (٥) الآية، سيقت في معرض ذمهم على عدم رعاية ما التزموه من القرب التي لم تكتب عليهم، والقدر المؤدى عمل كذلك، فوجب صيانته عن الإبطال بهذين النصين، فإذا أفطر وجب قضاؤه تفاديًا
стр. 5323
٢٤٥٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عن أمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ الْفَتْح- فَتْحِ مَكَّةَ- جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَجَلَسَتْ عن يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأُمُّ هَانِئٍ عن يَمِينِهِ، قَالَتْ: فَجَاءَتِ الْوَليدَةُ بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ فَنَاوَلَتْهُ، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ أُمَّ هَانِئٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ أَفْطَرْتُ وَكُنْتُ صَائِمَةً،
===
عن الإبطال، وأما السنَّة فحديث عائشة عند الترمذي (١): قالت: "كنت أنا وحفصة صائمتين" الحديث. وأما القياس فعلى الحج والعمرة النفلين حيث يجب قضاؤهما إذا أفسدا.
٢٤٥٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن أم هانئ قال: لما كان يوم الفتح - فتح مكة- جاءت فاطمة) بنت رسول الله ﷺ (فجلست عن يسار رسول الله ﷺ ، وأم هانئ عن يمينه) أي والحال أن أم هانئ جالسة عن يمينه، والكلام على خلاف مقتضى الظاهر, لأن الظاهر أن يقال: وأنا جالسة عن يمينه، أو جلست عن يمينه، فإما أن يحمل على التجريد، كأنها تحكي عن نفسها بذلك، أو أنَّ الراوي وضع كلامه مكان كلامها، فنقله بالمعنى.
(قالت) أي أم هانئ: (فجاءت الوليدة) أي الأمة، ولم أقف على تسميتها (بإناء فيه شراب) أي من ماء، فإنه المراد عند الإطلاق (فناولته) أي أعطت الجارية الإناء رسول الله ﷺ (فشرب) أي رسول الله ﷺ (منه، ثم ناوله) أي الإناء (أم هانئ) إما لكونها عن اليمين، أو لسبقها بالإيمان، أو لكبر سنها (فشربت) أي أم هانئ (منه فقالت) أي أم هانئ: (يا رسول الله، لقد أفطرت وكنت) الواو للحال (صائمة) فما الحكم فيه؟ وإنما لم تسأل قبل تناوله ترجيحًا لسؤره على الصوم، أو خوفًا عن فوت سؤره ﵇.
стр. 5324
فَقَالَ لَهَا: "أَكُنْتِ تَقْضِينَ شَيئًا؟ "، قَالَتْ: لَا، قَالَ: "فَلَا يَضُرُّكِ إِنْ كَانَ تَطَوّعًا"". [ت ٧٣١، حم ٦/ ٣٤٣، ق ٤/ ٢٧٦، دي ١٧٣٦]
===
(فقال) رسول الله ﷺ (لها: أكنتِ تقضين) أي بهذا الصوم (شيئًا؟ ) أي من الواجبات عليك (قالت) أي أم هانئ: (لا، قال) أي رسول الله ﷺ : (فلا يضرك) (١) أي الإفطار (إن كان) أي صومك (تطوعًا)، ولا دلالة فيه على وجوب القضاء وعدمه، وإنما وجب القضاء بدليل آخر وقد تقدم.
قال الترمذي (٢): حديث أم هانئ في إسناده مقال (٣)، والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، أن الصائم المتطوع إذا أفطر فلا قضاء (٤) عليه إلا أن يحِبَّ أن يقضيَه، وهو قول سفيان الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي.
وقال الذهبي: في إسناده يزيد بن أبي زياد وهو صدوق، رديء الحفظ، وقد غلط سماك في هذا الحديث، فقال في بعض الروايات: إن ذلك كان يوم الفتح، ويوم الفتح كان في رمضان، فكيف يتصور أن تكون صائمة قضاءً أو تطوعًا؟
قلت: وهذا الاستدلال في توهين الحديث فاسد، فإن رسول الله ﷺ خرج في فتح مكة من المدينة لعاشر رمضان، وكان الفتح لعشرين من رمضان، وأقام بمكة خمسة عشر ليلة بعد الفتح، ثم خرج النبي ﷺ إلى حنين لعاشر شوال.
стр. 5325
(٧٢) بَابُ مَنْ رَأَى عَلَيْهِ الْقَضَاء
٢٤٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عن ابْنِ الْهَادِ، عن زُمَيْلٍ مَوْلَى عُرْوَةَ، عن عُرْوَةَ بْن الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: أُهْدِيَ لِي وَلحَفْصَةَ طَعَامٌ وَكُنَّا صَائِمَتَيْنِ فَأَفْطَرْنَا، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ فَاشْتَهَيْنَاهَا فَأَفْطَرْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
===
صرح بهذا أهل التاريخ، فظهر بهذا أن رسول الله ﷺ أقام بمكة بعد رمضان عدة أيام، فعلى هذا ما وقع في الحديث من قولها: "لما كان يوم فتح مكة" يشمل جميع الأيام التي أقام فيها بمكة زمن الفتح، كما هو ظاهر، وليس المراد من يوم فتح مكة اليوم الخاص الذي كان فيه الفتح.
(٧٢) (بَابُ مَنْ رأى عَلَيْهِ)
أي: على الصائم المتطوع (القَضَاءَ) إذا أفطر
٢٤٥٧ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، عن زميل) بن عباس المدني الأسدي مولى عروة، روى عن عروة بن الزبير عن عائشة: "أهدي بي ولحفصة طعام وكنا صائمتين"، الحديث. وعنه يزيد بن الهاد، قال البخاري: ولا يعرف لزميل سماع من عروة، ولا ليزيد من زميل، ولا تقوم به الحجة، وقال النسائي: ليس بالمشهور، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى حديثه أبو داود والنسائي، وعنه التصريح بسماع يزيد من زميل، قال ابن عدي: وهذا الحديث يعرف بزميل هذا، وإسناده لا بأس به، وقال مُهَنَّا عن أحمد: لا أدري من هو؟ وقال الخطابي: مجهول.
(مولى عروة، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: أهدي لي ولحفصة) أم المؤمنين (طعام وكنا صائمتين) أي تطوعًا (فأفطرنا) بأكل الطعام (ثم دخل رسول الله ﷺ فقلنا له: يا رسول الله، إنا أهديت لنا هدية فاشتهيناها) وكنا صائمتين (فأفطرنا، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 5326
"لَا عَلَيْكمَا، صُومَا مَكانَهُ يَوْمًا آخَرَ". [ت ٧٣٥، حم ٦/ ١٤١، ق ٤/ ٢٨٠]
(٧٣) بَابُ الْمَرْأَةِ تَصُومُ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا
٢٤٥٨ - حَدّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عن هَمَّامِ بْنِ مُنَبَّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَصُومُ امْرَأَةٌ (١) وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ
===
لا عليكما) أي لا بأس عليكما في الإفطار للعذر وهو الاشتهاء، (صومًا مكانه) أي مكان ذلك الصوم (يومًا آخر)، ولفظ الترمذي: "اقضيا يومًا آخر مكانه".
وهذا الحديث فيه دليل للحنفية (٢) على وجوب قضاء صوم التطوع إذا أفطر، فإن الأمر أصله للوجوب، فلا يعدل عنه إلَّا بدليل، ولا دليل على العدول.
(٧٣) (بَابُ المَرْأَةِ تَصُومُ)
أي: تطوعًا (بِغيرِ إِذْنِ زَوْجِهَا) هل يجوز لها ذلك؟
٢٤٥٨ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : لا تصوم) أي (٣) نفلًا، لئلا يفوت على الزوج الاستمتاع بها (امرأة وبعلها شاهد) أي حاضر معها في
стр. 5327
إِلَّا بِإِذْنِهِ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَلَا تَأْذَنُ في بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ". [خ ٥١٩٢، م ١٠٢٦، ت ٧٨٢، حم ٢/ ٢٤٥، جه ١٧٦١، دي ١٧٢٠]
٢٤٥٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ زَوْجِي صَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطَّلِ يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، وُيفَطِّرُنِي إِذَا صُمْتُ، وَلَا يُصَلِّي صَلَاةَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. قَالَ: وَصَفْوَانُ عِنْدَهُ، قَالَ: فَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَتْ، فَقَالَ:
===
بلدها (إلَّا بإذنه) أي تصريحًا أو تلويحًا (غير رمضان، ولا تأذن) بالنصب (١) عطفًا على تصوم، أي ولا يحل لها أن تأذن أحدًا من الأجانب أو الأقارب حتى النساء (في بيته) أي في دخول بيته (وهو شاهد إلَّا بإذنه) أي بإذن الزوج، وفي معناه العلم برضاه.
٢٤٥٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش (٢)، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: جاءت امرأة) لم أقف على تسميتها (إلى النبي ﷺ ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صفوان بن المعطل (٣) بتشديد الطاء المفتوحة (يضربني إذا صليت، ويُفَطِّرُني) بالتشديد، أي يأمرني بالإفطار، أو يبطل صومي (إذا صمت، ولا يصلي صلاةَ الفجر حتى تطلع الشمس، قال) أي أبو سعيد: (وصفوان) الواو للحال (عنده) أي عند رسول الله ﷺ .
(قال) أي أبو سعيد: (فسأله) أي: فسأل رسول الله ﷺ صفوان ابن المعطل (عما قالت) امرأته في شكواها (فقال) أي صفوان:
стр. 5328
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا قَوْلُهَا: يَضْرُبنِي إِذَا صَلَّيْتُ، فَإنَهَا تَقْرأُ بِسُورَتي وَقَدْ نَهَيْتُهَا، قَالَ: فَقَالَ: "لَوْ كَانَتْ سُورَةً وَاحِدَةً لَكَفَتِ النَّاسَ"،
===
(يا رسول الله، أما قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتي) (١) هكذا في المجتبائية والمصرية والمكتوبة الأحمدية بإضافة لفظ "السورة" (٢) إلى ياء المتكلم، والنسخة الأخرى على حاشية المكتوبة الأحمدية وحاشية المجتبائية: "بسورتين" بصيغة التثنية، وهكذا في متن نسخة "العون" و"المشكاة"، وأَقَرَّه القاري فقال في "شرحه" (٣): بسورتين طويلتين في ركعة أو ركعتين.
وكتب على حاشية المكتوبة الأحمدية معزوًا إلى مولانا، والمراد به مولانا محمد إسحاق الدهلوي ثم المهاجر المكي: قوله: "بسورتي"، وفي بعض النسخ: "بسورتين" بصيغة التثنية، الثاني هو الظاهر الموافق للجواب لمولانا.
(وقد نهيتها) أي عن تطويل القراءة أو إطالة الصلاة (قال) أي أبو سعيد: (فقال) أي رسول الله ﷺ : (لو كانت) أي القراءة بعد بالفاتحة، وقال الطيبي (٤): لو كانت القراءة سورة واحدة وهي الفاتحة (٥) (سورة واحدة) أي: أيَّ سورة كانت ولو أقصرها (لكفت الناس) أي لأجزأتهم كافتهم جمعًا وأفرادًا، فمعنى قوله ﷺ : "لو كانت سورة" إلى آخره على النسخة التي فيها لفظ السورة مضاف إلى ياء المتكلم، معناه لو كانت سورة واحدة في القرآن لكفت الناس قراءتها في الصلاة، فلا ينبغي لك أن تنهاها عن السورة التي تقرأها، فعلى هذا في الكلام زجر لصفوان عن نهيها عن السورة التي تقرؤها.
وأما على النسخة الأُخرى فمعناها: لو كانت سورة واحدة، أي لو كانت
стр. 5329
وَأَمَّا قَوْلُهَا: يُفَطِّرُنِي، فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ فَتَصُومُ، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلَا أَصْبِرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يوْمَئِذٍ: "لَا تَصُومُ امْرَأَةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا". وَأَمَّا قَوْلُهَا: إِنِّي لَا أُصَلِّي حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ قَدْ عُرِفَ
===
قراءة الناس في الصلاة بسورة واحدة لكفت الناس، وفي هذا زجر لامرأة صفوان على أنه لا ينبغي لها أن تُطَوِّل القراءة بقراءة سورتين، فإنها يكفي لها أن تقرأ بسورة واحدة قصيرة، والله أعلم.
وقد أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في "مسنده" (١) من طريق جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد على لفظ أبي داود ولفظه: "فإنها تقرأ سورتين فقد نهيتها عنها".
ثم أخرج من طريق أبي بكر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: "جاءت امرأة صفوان بن معطل إلى النبي ﷺ قالت: إن صفوان يُفَطِّرُني إذا صمت، ويضربني إذا صليت، ولا يصلي الغداة حتى تطلع الشمس، قال: فأرسل إليه، فقال: ما تقول هذه؟ قال: أما قولها: يفطرني، فإني رجل شاب وقد نهيتها أن تصوم، قال: فيومئذ نهى رسول الله ﷺ أن تصوم المرأة إلَّا بإذن زوجها، قال: وأما قولها: إني أضربها على الصلاة، فإنها تقرأ بسورتي فتُعَطِّلني، قال: لو قرأها الناس ما ضرك، وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإني ثقيل الرأس، وأنا من أهل بيت يُعرفون بذاك، بثَقل الرؤوس، قال: فإذا قمت فصل".
(وأما قولها: يفطرني، فإنها تنطلق فتصوم) أي نفلًا (وأنا رجل شاب فلا أصبر) (٢) أي عن جماع النهار (فقال رسول الله ﷺ يومئذ: لا تصوم المرأة) أي تطوعًا (إلَّا بإذن زوجها، وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإنَّا أهل بيت) أي: إنا أهل بيت لهم شغل لا ننام الليل (قد عرف
стр. 5330
لَنَا ذَاكَ، لَا نَكَادُ نَسْتَيْقِظُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، قَالَ: "فَإِذَا اسْتَيْقَظْتَ فَصَلِّ". [جه ١٧٦٢، حم ٣/ ٨٠، دي ١٧١٩]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ- عن حُمَيْدٍ أَوْ ثَابِتٍ عن أَبِي الْمُتَوَكِّلِ.
===
لنا ذاك) أي عادتنا ذلك، وهي أنهم كانوا يسقون الماء في طول الليالي، (لا نكاد نستيقظ) أي إذا رقدنا آخر الليل (حتى تطلع الشمس) (١) حقيقة أو مجاز مشارفة.
(قال) أي رسول الله ﷺ : (فإذا استيقظت) يا صفوان (فصَلِّ)، وقد روي عنه ﷺ : "أنه لا تفريط في النوم"، وروي عنه: "إذا نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، وكان صفوان معذورًا في ترك الجماعة أو في ترك الصلاة، قلت: والعذر بالاستيقاظ في أول الليل للسقي، ذكره القاري في شرحه على "المشكاة" (٢)، ولكن رواية أبي بكر التي أخرجها الإِمام أحمد في "مسنده" المذكورة قبل تدل على أن ليس لهم عذر إلَّا ثقل النوم.
(قال أبو داود: رواه حماد - يعني ابن سلمة- عن حميد أو ثابت عن أبي المتوكل)، قال الحافظ (٣): وإسناد هذا الحديث صحيح، ولكن يشكل عليه أن عائشة قالت في حديث الإفك: "إن صفوان قال: ما كشفت كنف أنثى قط"، وقد أورد هذا الإشكال قديمًا على البخاري، ومال إلى تضعيف حديث أبي سعيد بذلك، ويمكن أن يجاب بأنه تزوَّج بعد ذلك، أكلت: ويمكن أن يجاب عنه أن معنى قوله: "ما كشفت كنف أنثى قط" أي: حرامًا.
قلت: ولم أجد هذا الحديث بهذا الطريق فيما عندي من كتب الحديث (٤).
стр. 5331
(٧٤) في الصَّائِمِ يُدْعَى إِلَى وَليمَةٍ
٢٤٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، نَا أَبُو خَالِدٍ، عن هِشَامٍ، عن ابْنِ سِيرِينَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائمًا فَليُصَلِّ".
قَالَ هِشَامٌ: وَالصَّلَاةُ الدُّعَاءُ. [م ١١٥٠، ت ٧٨٠، حم ٢/ ٢٧٩]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ أَيضًا (١).
===
(٧٤) (في الصَّائِمِ يُدْعَى إِلَى وَليْمَةٍ)
٢٤٦٠ - (حدثنا عبد الله بن سعيد، نا أبو خالد، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا دعي أحدكم) أي إلى طعام عرسًا كان أو نحوه (فليجب) أي فليحضر، قال ابن الملك (٢): قيل: الأمر للوجوب، وهذا فيمن ليس له عذر، وأما من كان معذورًا بأن كان الطريق بعيدًا يلحقه به مشقة، فلا بأس بالتخلف عن الإجابة، قيل: ومن الأعذار أن يعتذر إلى الداعي فيتركه، والجمهور على أنه للندب.
(فإن كان مفطرًا فليطعم) أي: ندبًا، وقيل: وجوبًا إن خاف المعاداة (وإن كان صائمًا فليصل) ورواه الطبراني عن ابن مسعود ولفظه: "فليدع بالبركة" بدل قوله: "فليصل"، وقيل: "فليصل ركعتين"، وفي الحديث الآتي: "فليقل: إني صائم"، والجمع بين الحديثين أنه يعتذر أولًا ويقول: إني صائم، فإن أبى فليحضر وليدع له بالبركة، (قال هشام: والصلاة) أي المراد بالصلاة في قوله: "فليصل" (الدعاء) أي للداعي.
(قال أبو داود: رواه حفص بن غياث (٣) أيضًا)، أي عن هشام كما في نسخة.
стр. 5332
(١)
٢٤٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن أَبِي الزِّنَادِ، عن الأَعْرَج، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُم إِلَى طَعَامٍ (٢) وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ". [م ١١٥١، ت ٧٨١، جه ١٧٥٠، حم ٢/ ٢٤٢، دي ١٧٣٧]
(٧٥) الاعْتِكَافِ
===
٢٤٦١ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم)، أي: فليظهر عذره بأني صائم، فإن قبل عذره فبها، وإلَّا حضر الدعوة وهو مخير في الأكل وتركه إلَّا أن يتأذى بترك الإفطار، فحينئذ الأفضل الإفطار وإلَّا فلا.
(٧٥) (الاعْتِكَافُ) (٣)
وهو لغةً: لزوم الشيء وحبس النفس عليه، وشرعًا: المقام في المسجد (٤) من شخص مخصوص على صفة مخصوصة، وهو في الأصل سنَّة، وليس بواجب إجماعًا إلَّا على من نذره، وكذا من شرع فيه فقطعه عامدًا عند قوم، وعند الحنفية سنَّة مؤكدة في العشر الأخير من رمضان سنَّة كفاية، كما في "البرهان" وغيره، لاقترانها بعدم الإنكار على من لم يفعله من الصحابة ﵃.
стр. 5333
٢٤٦٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن عُقَيْلٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّه، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ". [خ ٢٠٢٦، م ١١٧١، ت ٧٩٠، حم ٢/ ٢٨١]
٢٤٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى (١)، نَا حَمَّادٌ، أَنَا ثَابِتٌ، عن أَبِي رَافِعٍ، عن أُبَيِّ بْنِ كَعْب: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا، فَلمَّا كَانَ في الْعَامِ الْمُقْبِلِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ لَيْلَةً". [جه ١٧٧٠، حم ٥/ ١٤١، خزيمة ٣/ ٣٤٦، ن ٣٣٤٤]
===
٢٤٦٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أنَّ النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله) وهذا يدل على أنه لم ينسخ، (ثم اعتكف أزواجه من بعده) أي في بيوتهن، وهذا يدل على أنه ليس من الخصائص.
٢٤٦٣ - (حدثنا موسى، نا حماد، أنا ثابت، عن أبي رافع، عن أُبيِّ بن كعب: أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عامًا) لعذر، (فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين ليلة).
وأخرج ابن ماجه (٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي بن كعب: "أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فسافر عامًا، فلما كان من العام المقبل اعتكف عشرين يومًا"، وهذا صريح في أن العذر كان هو السفر.
قال السندي في بيان سفره ﷺ : الظاهر أنه عام الفتح، وفي هذا دلالة
стр. 5334
٢٤٦٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ،
===
على أنه ﷺ يقضي الاعتكاف الفائت، فإما لأنه كان واجبًا عليه مخصوصًا فيقضيه أو لتأكد سُنِّيتِه.
٢٤٦٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو معاوية ويعلي بن عبيد، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلَّى الفجر، ثم دخل معتكفه) (١).
قال الحافظ (٢): وفي الحديث أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، وهو قول الأوزاعي والليث والثوري، وقال الأئمة الأربعة وطائفة: يدخل قبيل غروب الشمس، وأوَّلوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعدَّه لنفسه بعد صلاة الصبح، وهذا الجواب يشكل على من منع الخروج من العبادة بعد الدخول فيها.
قلت: لا إشكال فيه على منع الخروج من العبادة بعد الدخول فيها، فإنه ليس في الحديث ذكر الخروج من العبادة، بل معنى الحديث أنه إذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان دخل المسجد قبيل ليلة إحدى وعشرين، ولبث في المسجد بالليل حتى صلَّى الفجر، ثم دخل معتكفه أي البناء الذي بُني له في المسجد لاعتكافه، وإنما لم يدخل في بنائه بالليل، لأن الدخول فيه للتخلي، وزمان الليل بنفسه وقت الخلوة، فلم يحتج بالليل إلى الخلوة، وإنما الاحتياج إلى الخلوة بالنهار، فتخلى بالدخول في المعتكف.
стр. 5335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال السندي (١): ظاهره أن المعتكف يشرع في الاعتكاف بعد صلاة الصبح، ومذهب الجمهور أنه يشرع من ليلة الحادي والعشرين، وقد أخذ بظاهر الحديث قوم إلَّا أنهم حملوه على أنه يشرع من صبح الحادي والعشرين، فرد عليه الجمهور بأن المعلوم أنه كان ﷺ يعتكف العشر الأواخر، ويحث الصحابة عليه، وعدد العشر عدد الليالي، فتدخل فيه الليلة الأولى، وإلَّا لا يتم هذا العدد أصلًا، وأيضًا من أعظم ما يطلب بالاعتكاف إدراك ليلة القدر، وهي قد تكون ليلة الحادي والعشرين كما جاء في حديث أبي داود، فينبغي له أن يكون معتكفًا فيها، لا أن يعتكف بعدها.
وأجاب النووي عن الجمهور بتأويل الحديث أنه دخل معتكفه وانقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح، لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان قبل المغرب معتكفًا لابثًا في جملة المسجد، فلما أصبح انفرد، انتهى.
ولا يخفى أن قولها: "كان إذا أراد أن يعتكف"، يفيد أنه كان يدخل المعتكف حين يريد الاعتكاف، لا أنه يدخل في الشروع في الاعتكاف في الليل، وأيضًا المتبادر من لفظ الحديث أنه بيان لكيفية الشروع في الاعتكاف و [على] هذا التأويل لم يكن بيانًا لكيفية الشروع، ثم لازم هذا التأويل أن يقال: السنة للمعتكف أن يلبث أول ليلة في المسجد، ولا يدخل في المعتكف، وإنما يدخل فيه من الصبح، وإلَّا يلزم ترك العمل بالحديث، وعند تركه لا حاجة إلى التأويل، والجمهور لا يقول بهذه السنَّة، فيلزم عليهم ترك العمل بالحديث.
وأجاب القاضي أبو يعلى من الحنابلة يحمل الحديث على أنه كان يفعل ذلك في يوم العشرين، ليستظهر ببياض يوم زيادة قبل العشر.
قلت: وهذا الجواب هو الذي يفيده النظر في أحاديث الباب فهو أولى، وبالاعتماد أحرى.
стр. 5336
قَالَتْ: وَإِنَّهُ أَرَادَ مَرَّةً أَنْ يَعْتَكِفَ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَتْ: فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَمَرْتُ بِبِنَائِي فَضُرِبَ،
===
بقي أنه يلزم أن تكون السنَّة الشروع في الاعتكاف من صبح العشرين استظهارًا باليوم الأول، ولا بُعد في التزامه، وكلام الجمهور لا ينافيه فإنهم ما تعرضوا له لا إثباتًا ولا نفيًا، وإنما تعرضوا لدخول ليلة الحادي والعشرين وهو حاصل، غاية الأمر أن قواعدهم تقتضي أن يكون هذا الأمر سنَّة عندهم فلنقل، وعدم التعرض ليس دليلًا على العدم، ومثل هذا الإيراد يرد على جواب النووي مع ظهور مخالفة الحديث، انتهى.
قلت: والذي قال السندي في تأييد قول من قال بشروع الاعتكاف من صبح الحادي والعشرين بعيد، وما تأوَّله النووي هو الأقرب، ويمكن أن يعترض على القائلين بشروع الاعتكاف من صبح الحادي والعشرين أنه ترك العمل بالحديث، فإن الحديث لا ثبت أن شروع الاعتكاف من الحادي والعشرين، بل الثابت بالحديث أن السنَّة في الاعتكاف أن يشرع بعد مضي جزء من النهار، وهو من طلوع الصبح إلى ما بعد الصلاة، فعلى هذا لا يكون اعتكافه اعتكاف نهار تام، فلم يكن معتكف العشر تامًا، والله أعلم.
(قالت: وإنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، قالت: فأمر) أي رسول الله ﷺ (ببنائه) أي خبائه (فضرب) وفي رواية البخاري: "فكنت أضرب له خباءً"، (فلما رأيت (١) ذلك) أي ضرب خباء النبي ﷺ (أمرت ببنائي فضرب).
قال الحافظ (٢): في رواية الأوزاعي المذكورة: "فاستأذنته عائشة فأذن
стр. 5337
قَالَتْ: وَأَمَرَ غَيْرِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِبِنَائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ نَظَرَ إِلَى الأَبْنِيَةِ، فَقَالَ: "مَا هَذِهِ؟ آلْبِرّ تُرِدْنَ؟ "، قَالَتْ: فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَقُوِّضَ
===
لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت"، وفي رواية ابن فضيل المذكورة: "فاستأذنت عائشة أن تعتكف فأذن لها، فضربت قبة، فسمعت بها حفصة، فضربت قبة"، وهذا يشعر أنها فعلت ذلك بغير إذن، لكن رواية ابن عيينة عند النسائي: "ثم استأذنته حفصة فأذن لها"، وقد ظهر من رواية حماد والأوزاعي أن ذلك كان على لسان عائشة.
(قالت: وأمر غيري من أزواج النبي ﷺ ببنائه)، وفي نسخة: "ببنائها" بتأنيث الضمير، وهو أوفق بالقواعد، وأما التذكير فباعتبار أن المرجع لفظ غيري، أو لفظ الزوج في الأزواج، والمراد بالغير حفصة وزينب.
(فضرب، فلما صلَّى) أي رسول الله ﷺ (الفجر) أي صلاة الفجر، وأراد أن ينصرف إلى بنائه (نظر إلى الأبنية، فقال: ما هذه؟ )، وفي رواية البخاري: "ما هذا؟ " فأخبر، أي هذه الأبنية أبنية أزواجه (آلبر) بهمزة استفهام ممدودة (تردن؟ )، ولفظ رواية البخاري: "آلبر ترون بهن"، ولفظ آخر: "آلبر تقولون بهن"، قال الحافظ: ووقع في رواية الأوزاعي: "آلبر أردن بهذا"، وفي رواية ابن عيينة: "آلبر تقولون يردن بهذا".
والخطاب للحاضرين من الرجال وغيرهم، وما في أبي داود "تردن" بصيغة جمع المؤنث المخاطبة، هكذا في جميع نسخه، ولفظ مسلم: "آلبر يردن" بصيغة الغيبة، وفي نسخة: "تردن" بصيغة الخطاب للنساء.
(قالت: فأمر ببنائه فَقُوِّض) أي: أزيل وقلع، وفي رواية بعد قوله: آلبر: "انزعوها فلا أراها"، قال الحافظ (١): وكأنه ﷺ خشي أن يكون الحامل لهن على ذلك المباهاة والتنافس الناشئ عن المغيرة حرصًا على القرب منه خاصة، فيخرج الاعتكاف عن موضوعه، أو لما أذن لعائشة وحفصة أولًا كان ذلك
стр. 5338
وَأَمَرَ أَزْوَاجُهُ بِأَبْنِيَتِهِنَّ فَقُوِّضَتْ، ثُمَّ أَخَّرَ الاِعْتِكَافَ إِلَى الْعَشْرِ الأُوَّلِ يَعْنِى مِنْ شَوَّالٍ. [خ ٢٠٣٣، م ١١٧٣، جه ١٧٧١، ت ٧٩١ (مختصرًا)]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالأَوْزَاعِيُّ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ نَحْوَهُ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: "اعْتَكَفَ عِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ".
===
خفيفًا بالنسبة إلى ما يفضي إليه الأمر من توارد بقية النسوة على ذلك فيضيق المسجد على المصلين، أو بالنسبة إلى أن اجتماع النسوة عنده يصيِّره كالجالس في بيته، وربما شغلته عن التخلي لما قصد من العبادة، فيفوت مقصود الاعتكاف.
(وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت، ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأول يعني من شوال)، لفظ البخاري في حديث حماد بن زيد: "ثم اعتكف عشرًا من شوال"، ولفظ مالك عند البخاري: "حتى اعتكف عشرًا من شوال"، قال الحافظ: وفي رواية ابن فضيل: "فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال"، وفي رواية أبي معاوية: "فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال"، ويجمع بينه وبين رواية ابن فضيل بأن المراد بقوله: "آخر العشر من شوال" انتهاء اعتكافه.
(قال أبو داود: رواه ابن إسحاق والأوزاعي (١) عن يحيى بن سعيد نحوه) أي نحو حديث أبي معاوية ويعلي بن عبيد عن يحيى بن سعيد في قوله: عشرًا من شوال (ورواه مالك (٢) عن يحيى بن سعيد قال) أي يحيى بن سعيد: (اعتكف عشرين (٣) من شوال).
стр. 5339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: هذا القول مخالف لما أخرجه البخاري في "صحيحه" (١) عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، وفيه: "فلم يعتكف حتى اعتكف عشرًا من شوال"، وكذلك أخرج مالك فى "موطئه" (٢): حدثني يحيى عن زياد عن مالك عن ابن شهاب عن عمرة بنت عبد الرحمن [عن عائشة: ] أن رسول الله ﷺ أراد أن يعتكف، وفيه: "فلم يعتكف حتى اعتكف عشرًا من شوال".
قال الزرقاني في "شرحه" (٣): قال ابن عبد البر (٤): هذا غلط وخطأ مفرط، لا أدري هل هو من يحيى أم من زياد؟ إلَّا أن منهم من يصله عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، ومنهم من يرسله، ولم يتابعه أحد عليه من رواة "الموطأ"، ولا يعرف هذا الحديث لابن شهاب لا من حديث مالك ولا من غيره، وإنما الحديث لجميع رواة "موطأ مالك" عن يحيى بن سعيد الأنصاري، إلَّا أن منهم من يصله عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، ومنهم من يرسله فلا يذكر عائشة، ومنهم من يقطعه فلا يذكر عمرة، انتهى، وبه يتعقب قول "فتح الباري": إنه مرسل عن عمرة في "الموطآت" كلها.
قال الحافظ (٥): قال الإسماعيلي: فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم، لأن أول شوال هو يوم الفطر، وصومه حرام.
قال الزرقاني (٦): فتعقب بأن المعنى كان ابتداؤه في العشر الأول، وهو صادق بما إذا ابتدأ باليوم الثاني فلا دليل فيه لما قاله، واستدل به المالكية على وجوب قضاء النفل لمن شرع فيه ثم أبطله، وقال غيرهم: يقضي ندبًا.
стр. 5340
(٧٦) بَاب: أَيْنَ يَكُونُ الاعْتِكَاف ؟
٢٤٦٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. قَالَ نَافِعٌ: وَقَدْ أَرَانِى عَبْدُ اللَّهِ الْمَكَانَ الَّذِى يَعْتَكِفُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَسْجِدِ. [خ ٢٠٢٥، م ١١٧١، جه ١٧٧٣]
===
(٧٦) (بَابٌ: أَيْنَ يَكُونُ الاعْتِكَافُ؟ )
٢٤٦٥ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، عن يونس، أن نافعًا أخبره، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، قال نافع: وقد أراني عبد الله) أي ابن عمر (المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ من المسجد)، وقد روى ابن ماجه (١) بسنده عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ : "أنه كان إذا اعتكف، طرح له فراشُهُ، أو يوضع له سريره وراء أسطوانة التوبة".
قال في "وفاء الوفاء" (٢): قال البدر ابن فرحون: ونقل الطبراني في "معجمه" عن ابن عمر ﵄: أن ذلك مما يلي القبلة يستند إليها.
قلت: ورواه البيهقي (٣) بسند حسن، ولفظه: "أن رسول الله ﷺ كان إذا اعتكف يُطْرَحُ له فراشه أو سريره إلى أسطوانة التوبة مما يلي القبلة يستند إليها".
قال النووي (٤): وفي هذه الأحاديث أن الاعتكاف لا يصح إلَّا في المسجد، لأن النبي ﷺ وأزواجه وأصحابه إنما اعتكفوا في المسجد مع المشقة
стр. 5341
٢٤٦٦ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، عن أَبِي بَكْرٍ، عن أَبِي حَصِينٍ،
===
في ملازمته، فلو جاز في البيت لفعلوه ولو مرة لا سيما النساء، لأن حاجتهن إليه في البيوت أكثر.
وهذا الذي ذكرناه من اختصاصه بالمسجد، وأنه لا يصح في غيره، هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وداود والجمهور، سواء الرجل والمرأة، وقال أبو حنيفة: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيته، وهو الموضع المهيَّأ من بيتها لصلاتها، قال: ولا يجوز للرجل في مسجد بيته، وكمذهب أبي حنيفة قول قديم للشافعي ضعيف عند أصحابه، وجوَّزه بعض أصحاب مالك وبعض أصحاب الشافعي للمرأة والرجل في مسجد بيتهما.
ثم اختلف الجمهور المشترطون المسجد العام، فقال الشافعي ومالك وجمهورهم: يصح الاعتكاف في كل مسجد، وقال أحمد (١): يختص بمسجد تقام الجماعة الراتبة فيه، وقال أبو حنيفة: يختص بمسجد تصلَّى فيه الصلوات كلها، وقال الزهري وآخرون: يختص بالجامع الذي تقام فيه الجمعة، ونقلوا عن حذيفة بن اليمان الصحابي اختصاصه بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام ومسجد المدينة، والأقصى، وأجمعوا على أنه لا حَدَّ لأكثر الاعتكاف، والله أعلم، انتهى.
٢٤٦٦ - (حدثنا هناد، عن أبي بكر) بن عياش، (عن أبي حصين) بفتح
стр. 5342
عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ كُلَّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا". [خ ٢٠٤٤، جه ١٧٦٩، حم ٢/ ٣٣٦، ن ٣٣٤٣]
===
المهملة مُكَبَّرًا، عثمان بن عاصم بن حصين، (عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ يعتكف كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا).
قال الحافظ (١): قيل: السبب في ذلك أنه ﷺ علم بانقضاء أجله، فأراد أن يستكثر من أعمال الخير ليتبين لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمر (٢) ليلقوا الله على خير أحوالهم.
وقيل: السبب فيه أن جبرائيل كان يعارضه بالقرآن في كل رمضان مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه به مرتين.
وقال ابن العربي (٣): يحتمل أن يكون سبب ذلك أنه لما ترك الاعتكاف في العشر الأخير بسبب ما وقع من أزواجه، واعتكف بدله عشرًا من شوال، اعتكف في العام الذي يليه عشرين ليتحقق قضاء العشر في رمضان، انتهى.
وأقوى من ذلك أنه إنما اعتكف في ذلك العام عشرين, لأنه كان في العام الذي قبله مسافرًا، ويدل لذلك ما أخرجه النسائي (٤) واللفظ له وأبو داود وصحَّحه ابن حبان وغيره من حديث أُبَيِّ بن كعب: "أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فسافر عامًا فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين"، ويحتمل تعدد هذه القصة بتعدد السبب، فيكون مرة بسبب تركه الاعتكاف لعذر السفر، ومرة بسبب عرض القرآن مرتين.
стр. 5343
(٧٧) الْمُعْتَكِفُ يَدْخُلُ البَيْتَ لِحَاجَتِهِ (١)
٢٤٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ (٢)، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِى إِلَىَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ (٣) لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ". [خ ٢٠٢٩، م ٢٩٧، ت ٨٠٤، ن ٣٨٧، جه ٦٣٣، حم ٦/ ٨١]
===
(٧٧) (الْمُعْتَكِفُ يَدْخُلُ البَيْتَ لِحَاجَتِهِ)
٢٤٦٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة)، وفي رواية الليث جمع بينهما، فقال: "عن عروة وعن عمرة"، ورواه يونس عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة وحده، فذكر عمرة في رواية مالك من المزيد في متصل الأسانيد (بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني) أي يقرب "إِلَيَّ رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلَّا لحاجة الإنسان).
قال الحافظ (٤): وفسرها الزهري بالبول والغائط، وقد اتفقوا على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، ولو خرج لهما فتوضأ خارج المسجد لم يبطل، ويلتحق بهما القيء والفصد لمن احتاج إليه، وروينا عن علي والنخعي والحسن البصري: إن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضًا أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون وابن المنذر في الجمعة، وقال الثوري والشافعي وإسحاق: إن شرط شيئًا من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله، وهو رواية عن أحمد.
стр. 5344
٢٤٦٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَة قَالَا: نَا اللَّيْثُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. [انظر سابقه]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُسُ، عن الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يُتَابِعْ أَحَدٌ مَالِكًا عَلَى: عُرْوَةَ عن عَمْرَةَ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمَا، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ.
===
٢٤٦٨ - (حدثنا قتيبة بن سعيد وعبد الله بن مسلمة قالا: نا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ نحوه) أي نحو حديث مالك.
(قال أبو داود: وكذلك) أي كما روى الليث (رواه يونس (١) عن الزهري) عن عروة وعمرة عن عائشة (ولم يتابع أحد مالكًا (٢) على: عروة عن عمرة) أي في إيراد لفظ "عن" بين عروة وعمرة، قال الحافظ (٣): وذكر البخاري أن عبيد الله بن عمر تابع مالكًا، وذكر الدارقطني أن أبا أويس رواه كذلك عن الزهري، (ورواه معمر وزياد بن سعد (٤) وغيرهما عن الزهري عن عروة عن عائشة) أي ولم يذكروا عمرة، وإنهم اختصروا بترك ذكر عمرة (٥).
стр. 5345
٢٤٦٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: نَا حَمَّادٌ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكُونُ مُعْتَكِفًا فِي الْمَسْجِدِ، فَيُنَاوِلُنِي رَأْسَهُ مِنْ خَلَلِ الْحُجْرَةِ فَأَغْسِلُ رَأْسَهُ - وَقَالَ مُسَدَّدٌ: فَأُرَجِّلُهُ - وَأَنَا حَائِضٌ. [انظر الحديث السابق]
٢٤٧٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّويَةَ الْمَرْوَزِىُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عن صَفِيَّةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعْتَكِفًا، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ،
===
٢٤٦٩ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: نا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكون معتكفًا في المسجد، فيناولني رأسه من) جانب (خلل الحجرة فأغسل رأسه).
قال الحافظ (١): في رواية أحمد والنسائي: "كان يأتيني وهو معتكف في المسجد، فيتكئ على باب حجرتي، فأغسل رأسه، وسائره في المسجد"، وفي إخراج رأسه دلالة على اشتراط المسجد للاعتكاف، وعلى أن من أخرج بعض بدنه من مكان حلف أن لا يخرج منه، لم يحنث حتى يُخرجَ رجليه ويعتمد عليهما.
(وقال مسدد: فأرجِّله) أي: أمشطه (وأنا حائض).
٢٤٧٠ - (حدثنا أحمد بن محمد بن شبويه المروزي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين) زين العابدين، (عن صفية) أم المؤمنين (قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا فحدثته)،
стр. 5346
ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ، فَقَامَ مَعِى لِيَقْلِبَنِى، وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِى دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ،
===
ولفظ البخاري في حديث شعيب: "إنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت عنده ساعة" (ثم قمت فانقلبت) أي إلى بيتي (فقام) أي رسول الله ﷺ (معي ليقلبني) أي يردني إلى بيتي (وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد).
قال الحافظ (١): وفي رواية هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري: "كان النبي ﷺ في المسجد وعنده أزواجه فرحن، وقال لصفية: لا تعجلي حتى أنصرف معك"، والذي يظهر أن اختصاص صفية بذلك لكون مجيئها تأخر عن رفقتها، فأمرها بتأخير التوجه ليحصل لها التساوي في مدة جلوسهن عنده، أو أن بيوت رفقتها كانت أقرب من منزلها، فخشي النبي ﷺ عليها، أو كان مشغولًا فأمرها بالتأخر ليفرغ من شغله ويشيِّعها، وقول الراوي: "وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد"، معناه: الدار التي صارت بعد ذلك لأسامة بن زيد, لأن أسامة إذ ذاك لم يكن له دار مستقلة بحيث تسكن فيها صفية.
(فمر رجلان من الأنصار)، ولفظ البخاري في حديث شعيب عن الزهري: "حتى إذا بلغت باب المسجهد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار".
قال الحافظ (٢): لم أقف على تسميتهما في شيء من كتب الحديث، إلَّا أن ابن العطار في "شرح العمدة" زعم أنهما أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، ولم يذكر لذلك مستندًا، ووقع في رواية سفيان: "فأبصره رجل من الأنصار" بالإفراد، قال ابن التين: إنه وهم، ثم قال: يحتمل تعدد القصة، قلت: والأصل عدمه، بل هو محمول على أن أحدهما كان تبعًا للآخر، أو خص أحدهما بخطاب المشافهة دون الآخر، ويحتمل أن يكون الزهري كان يشك فيه، فيقول تارة رجل، وتارة رجلان.
стр. 5347
فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ ﷺ أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ"، قَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، فَخَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا" أَوْ قَالَ: "شَرًّا". [خ ٢٠٣٨، م ٢١٧٥، جه ١٧٧٩، دي ١٧٨٠، حم ٣/ ١٥٦]
٢٤٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، نَا أَبُو الْيَمَانِ، نَا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا، قَالَتْ:
===
(فلما رأيا النبي ﷺ ) ورأيا امرأة معه (أسرعا) أي في المشي (فقال النبي ﷺ : على رسلكما) بكسر الراء ويجوز فتحها، أي: امشيا على هيئتكما في المشي، فليس هنا شيء تكرهانه (إنها صفية بنت حيي، قالا: سبحان الله يا رسول الله) زاد في البخاري: "وكبُر عليهما" (قال) أي رسول الله ﷺ : (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم)، والمراد من ابن آدم جنس أولاد آدم، فيدخل فيه الرجال والنساء، كقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ بلفظ المذكر إلَّا أن العرف عمَّمه، فأدخل فيه النساء (فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا، أو) للشك من الراوي (قال: شرًا).
قال الحافظ (١): والمحصل من هذه الروايات أن النبي ﷺ لم ينسبهما إلى أنهما يظنان به سوءًا، لما تقرر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك, لأنهما غير معصومين، فقد يفضي بهما ذلك إلى الهلاك، فبادر إلى إعلامهما حسمًا للمادة، وتعليمًا لمن بعدهما إذا وقع له مثل ذلك.
٢٤٧١ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا أبو اليمان، نا شعيب، عن الزهري بإسناده) أي بإسناد الزهري (بهذا) أي بهذا الحديث، والفرق بين حديث معمر وحديث شعيب، أن شعيبًا قال في حديثه: (قالت) أي صفية:
стр. 5348
"حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ بَابَ الْمَسْجِدِ الَّذِي عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ بِهِمَا رَجُلَانِ"، وَسَاقَ مَعْنَاهُ [انظر سابقه]
(٧٨) الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ الْمَرِيضَ
٢٤٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: نَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، أَنَا اللَّيْثُ بْنُ أَبِى سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ النُّفَيْلِىُّ:
===
(حتى إذا كان) أي رسول الله ﷺ (عند باب المسجد)، وفي رواية البخاري في حديث شعيب: "حتى إذا بلغت باب المسجد" (الذي عند باب أم سلمة) قال الحافظ (١): في رواية ابن أبي عتيق: "الذي عند مسكن أم سلمة"، والمراد بهذا بيان المكان الذي لقيه الرجلان فيه لإتيان مكان بيت صفية.
(مر بهما رجلان، وساق) أي شعيب (معناه) أي معنى حديث معمر، وليس في الحديث دلالة على أن رسول الله ﷺ خرج من المسجد حين قام ليرد صفية، ولهذا (٢) ترجم البخاري: "هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد؟ "، ليدل على أنه ﷺ لم يخرج من المسجد بل خرج إلى بابه فقط.
(٧٨) (الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ المَرِيض)
معناه: إذا خرج المعتكف من المسجد
لحاجة الإنسان فيمر بالمريض فيعوده أم لا؟
٢٤٧٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ومحمد بن عيسى قالا: نا عبد السلام بن حرب، أنا الليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قال النفيلي) أي عبد الله بن محمد شيخ المصنف في
стр. 5349
قَالَتْ: "كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ، وَلَا يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ". وَقَالَ ابْنُ عِيسَى: قَالَتْ: "إِنْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَعُودُ الْمَرِيضَ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ". [ق ٤/ ٣٢١]
===
حديثه: (قالت) أي عائشة: (كان النبي ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر كما هو، ولا يعرِّج) أي لا يميل إليه ولا يقوم عنده (يسأل عنه) أي عن حاله ويعوده.
(وقال ابن عيسى) شيخ آخر للمصنف: (قالت) أي عائشة: (إن) مخففة من الثقيلة (كان النبي ﷺ يعود المريض) أي إذا مر به (وهو) أي رسول الله ﷺ (معتكف) فخرج لحاجة الإنسان.
والمذهب عند الحنفية أن المعتكف لا يخرج لعيادة مريض ولا لصلاة جنازة, لأنه لا ضرورة إلى الخروج, لأن عيادة المريض ليست من الفرائض بل من الفضائل، وصلاة الجنازة ليست بفرض عين، بل فرض كفاية، تسقط عنه بقيام الباقين بها.
وما روي عن النبي ﷺ من الرخصة في عيادة المريض وصلاة الجنازة، فقد قال أبو يوسف: ذلك محمول عندنا على الاعتكاف الذي يتطوع به من غير إيجاب، فله أن يخرج متى شاء، ويجوز أن تحمل الرخصة على ما إذا كان خرج المعتكف لوجه مباح، كحاجة الإنسان أو للجمعة، ثم عاد مريضًا أو صلَّى على جنازة من غير أن كان خروجه لذلك قصدًا.
وأما حضور الجمعة فيجوز الخروج لها, لأنها فرض عين، ولا يمكن إقامتها في كل مسجد، فيحتاج إلى الخروج إليها، كما يحتاج إلى الخروج لحاجة الإنسان، فلم يكن الخروج إليها مبطلًا لاعتكافه.
وقال الشافعي: إذا خرج إلى الجمعة بطل اعتكافه.
стр. 5350
٢٤٧٣ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَنَا خَالِدٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ إِسْحَاقَ -، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتِ: "السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ،
===
٢٤٧٣ - (حدثنا وهب بن بقية، أنا خالد) بن عبد الله، (عن عبد الرحمن -يعني ابن إسحاق-، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: السنَّة على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة) أي بشهوة (ولا يباشرها) وهو تخصيص بعد التعميم (ولا يخرج لحاجة إلَّا لما لا بد منه) أي من حاجة الإنسان.
(ولا اعتكاف إلَّا بصوم) وباشتراط الصيام قال ابن عمر وابن عباس، أخرجه عبد الرزاق (١) عنهما بإسناد صحيح [و]، عن عائشة نحوه، وبه قال مالك والأوزاعي والحنفية (٢)، واختلف عن أحمد وإسحاق، واحتج عياض بأنه ﷺ لم يعتكف إلَّا بصوم.
واستدل على جواز الاعتكاف بغير صوم بقصة عمر ﵁، أنه سأل النبي ﷺ : أني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: "أَوْف بنذرك"، لأن الليل ليس ظرفًا للصوم، فلو كان شرطًا لأمره النبي ﷺ به.
стр. 5351
وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِى مَسْجِدٍ جَامِعٍ". [ق ٤/ ٣٢١]
===
وتعقب بأن في رواية شعبة عن عبيد الله عند مسلم "يومًا" بدل "ليلة"، فجمع ابن حبان وغيره بين الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يومًا أراد بليلته، وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو ابن دينار، عن ابن عمر صريحًا، لكن إسنادها ضعيف، وقد زاد فيها: "أن النبي ﷺ قال له: اعتكف وصم"، أخرجه أبو داود والنسائي من طريق عبد الله بن بديل وهو ضعيف، كذا قال الحافظ في "الفتح" (١).
قلت: تكلم فيه ابن عدي، فقال: له أشياء تنكر من الزيادة والنقص، وغمزه الدارقطني ومشَّاه غيره، قال ابن معين: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(ولا اعتكاف إلَّا في مسجد جامع)، قال الحافظ (٢): اتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلَّا محمد بن عمرو بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعد للصلاة فيه، وفيه قول للشافعي قديم، وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء, لأن التطوع في البيوت أفضل.
وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصَّه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد، وقال الجمهور بعمومه في كل مسجد إلَّا لمن تلزمه الجمعة، فاستحب له الشافعي في الجامع، وشرطه مالك, لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة، ويجب بالشروع عند مالك.
وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقًا، وأومأ إليه الشافعي في القديم، وخصَّه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجد مكة
стр. 5352
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ لَا يَقُولُ فِيهِ "قَالَتِ: السُّنَّةُ".
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: جَعَلَهُ قَوْلَ عَائِشَةَ.
٢٤٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ،
===
والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة، استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١)، ووجه الدلالة أنه لو صح في غير المسجد لم يختصر تحريم المباشرة به, لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلَّا فيها، كذا قال الحافظ.
(قال أبو داود: غير عبد الرحمن بن إسحاق (٢) لا يقول فيه) أي في هذا الحديث (قالت: السنَّة) يعني لا يقول لفظ السنَّة.
(قال أبو داود: جعله) أي جعل الحديث غير عبد الرحمن بن إسحاق (قول عائشة) ولم يرفعه غير عبد الرحمن بن إسحاق كما رفعه هو، قال الحافظ (٣): وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها: "لا يخرج إلَّا لحاجة"، وما عداه ممن دونها (٤).
٢٤٧٤ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم، نا أبو داود، حدثنا عبد الله بن بديل) بن ورقاء، ويقال: ابن بشر الخزاعي، ويقال: الليثي المكي، قال
стр. 5353
عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ - رضى الله عنه - جَعَلَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ لَيْلَةً أَوْ يَوْمًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَسَأَلَ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: «اعْتَكِفْ وَصُمْ». [خ ٢٠٤٣، م ١٦٥٦، ت ١٥٣٩، جه ١٧٧٢، ن ٣٨٢٠، حم ١/ ٣٧]
٢٤٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ الْقُرَشِيُّ،
===
ابن معين: صالح، وقال ابن عدي: له ما ينكر عليه الزيادة في متن أو إسناد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ.
(عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، أن عمر ﵁ جعل عليه) أي على نفسه نذرًا (أن يعتكف في الجاهلية) متعلق بجعل، أي نذر في الجاهلية أن يعتكف (ليلة أو يومًا)، هكذا في جميع النسخ الموجودة بلفظ "أو" للشك من الراوي، وفي رواية البخاري من حديث يحيى بن سعيد عن عبيد الله: "أن أعتكف ليلة"، وعند مسلم من طريق شعبة عن عبيد الله: "يومًا" بدل ليلة (عند الكعبة) أي في المسجد الحرام، (فسأل) (١) أي عمر (النبي ﷺ فقال) أي النبي ﷺ (اعتكف وصم) (٢).
٢٤٧٥ - (حدثنا عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان بن صالح) بن عمير (القرشي) الأموي مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي، لقبه مشكدانة، بضم الميم والكاف بينهما معجمة ساكنة وبعد الألف نون، وهو وعاء المسك بالفارسية,
стр. 5354
نَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلٍ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ مُعْتَكِفٌ إِذْ كَبَّرَ النَّاسُ فَقَالَ: مَا هذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: سَبْيُ هَوَازِنَ أَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (١) ﷺ ، قَالَ: وَتِلْكَ الْجَارِيَةُ فَأَرْسِلْهَا مَعَهُمْ. [خ ٢٠٤٣، م ١٦٥٦]
===
ويقال له: الجعفي، قال عبدان: لأن حسين بن علي الجعفي خاله، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، كان يقول: إنما لقبني مشكدانة أبو نعيم، كنت إذا أتيته تطيَّبت وتلبَّست، فإذا رآني قال: قد جاء مشكدانة، قال صاحب حماه: كان غاليًا في التشيع، فكان يمتحن كل من يجيئه من أهل الحديث، يروي عنه مسلم اثني عشر حديثًا.
(نا عمرو بن محمد) العنقزي، نسب إليه لأنه كان يبيع العَنْقَز وهو المَرْزَنْجُوش (٢)، قال أحمد والنسائي: ثقة، وقال العجلي: ثقة جائز الحديث، وقال ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن عبد الله بن بديل بإسناده نحوه) أي نحو الحديث المتقدم، زاد أي عمرو بن محمد في حديثه عن عبد الله بن بديل: (قال) أي ابن عمر: (فبينما هو) أي عمر (معتكف إذ كبر الناس فقال: ما هذا) أي التكبير، وما سبب رفع صوتهم بالتكبير (يا عبد الله؟ قال) أي عبد الله بن عمر: (سبي هوازن أعتقهم رسول الله ﷺ ، قال) أي عمر: (وتلك الجارية) أي التي كانت عند عمر من سبي هوازن (فأرسلها) بصيغة الأمر (معهم) أي مع الذين أعتقهم رسول الله ﷺ ، وقيل: "فأرسلها" بصيغة الماضي، أي عمر، وهو بعيد.
стр. 5355
(٧٩) بَابٌ: فِي الْمُسْتَحَاضَةِ تَعْتَكِفُ
٢٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَقُتَيْبَةُ قَالَا: نَا يَزِيدُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: "اعْتَكَفَتْ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الصُّفْرَةَ وَالْحُمْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا (١) الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِىَ تُصَلِّى". [خ ٢٠٣٧، جه ٧٨٠، حم ٦/ ١٣١، دي ٨٧٧]
آخرُ كِتَابِ الصِّيَامِ وَالاِعْتِكَافِ
===
(٧٩) (بَابٌ: فِى الْمُسْتَحَاضَةِ تَعْتَكِفُ)
٢٤٧٦ - (حدثنا محمد بن عيسى وقتيبة قالا: نا يزيد) بن زريع، (عن خالد، عن عكرمة، عن عائشة قالت: اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه) أي مستحاضة كما في رواية البخاري (فكانت ترى الصفرة) أي مرة عند قلة الدم (والحمرة) مرة أخرى عند غلبتها (فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي) للأمن من تلويث المسجد.
قال الحافظ (٢): وقرأت في "سنن سعيد بن منصور": حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا خالد هو الحذاء، عن عكرمة، أن امرأة من أزواج النبي ﷺ كانت معتكفة وهي مستحاضة، قال: وحدثنا به خالد مرة أخرى عن عكرمة أن أم سلمة كانت عاكفة وهي مستحاضة، وربما جعلت الطست تحتها، قلت: وهذا أولى ما فسرت به هذه المرأة لاتحاد المخرج، وقد أرسله إسماعيل بن علية عن عكرمة.
آخرُ كِتَابِ الصِّيَامِ وَالاِعْتِكَافِ
والحمد لله على ما وفقنا لإتمامه والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه أجمعين
стр. 5356
تمَّ بحمد الله وتوفيقه المجلد الثامن
ويتلوه إن شاء الله تعالى المجلد التاسع، وأوله: "كتاب الجهاد"
وصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا
محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
стр. 5357
بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد
تأليف
الإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري
(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)
مَعَ تعليقات
الإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي
(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)
اعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ
الْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي
الْجُزْء التَّاسع
طبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان
نَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة
стр. 5358
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5359
بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (٩)
стр. 5360
الطَّبعَة الأولى
مُحقّقَة وَمُنَقّحَة
١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق
مَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي
للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد
SHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER
For Research & Islamic Studies
MOZAFFARPUR, AZAMGARH, U.P - INDIA
الْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١
الفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١
متحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١
الْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae