عن عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ: "أَتَانَا عَلِيٌّ وَقَدْ صَلَّى فَدَعَا بِطَهُورٍ، فَقُلْنَا: مَا يَصْنَعُ بَالطَّهُورِ وَقَدْ صَلَّى؟ مَا يُرِيدُ إِلَّا لِيُعَلِّمَنَا
===
وهو وادعة بن عمرو بن عامر، انتهى. أبو حية الكوفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ، ووهم شعبة في تسميته وتسمية أبيه حيث قال: مالك بن عرفطة، وعاب بعضهم على أبي عوانة أنه كان يقول: خالد بن علقمة مثل الجماعة، ثم رجع عن ذلك حين قيل له: إن شعبة يقول: مالك بن عرفطة، واتبعه، وقال: شعبة أعلم مني، وحكاية أبي داود تدل على أنه رجع عن ذلك ثانيًا إلى ما كان يقول أولًا، وهو الصواب.
(عن عبد خير) بن يزيد الهمداني، أبو عمارة الكوفي، مخضرم أدرك الجاهلية، قال عثمان الدارمي عن يحيى بن معين: ثقة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال أبو جعفر محمد بن الحسين البغدادي: سألت أحمد بن حنبل عن الثبت في علي -رضي الله تعالى عنه - فذكر عبد خير فيهم، وقال الخطيب: يقال: اسم عبد خير عبد الرحمن، عُمِّر طويلًا، قال عبد الملك بن سلعة: قلت لعبد خير: كم أتى عليك؟ قال: عشرون ومئة سنة.
(قال: أتانا) (١) أي جاء عندنا في مجالسنا في رحبة الكوفة (علي وقد صلَّى) الغداة، أي والحال أنه ﵁ فرغ من صلاة الغداة قريبًا (فدعا) أي علي ﵁ (بطهور) بفتح الطاء أي ماء للوضوء (فقلنا) أي في أنفسنا أو بعضنا لبعض: (ما يصنع بالطهور و) الحال أنه (قد صلى؟ ) فما استفهامية واستعمل في التعجب (ما يريد) أي علي بالوضوء بعد الفراغ من الصلاة، ولفظة ما نافية (إلَّا ليعلمنا) صفة الوضوء بأن يتوضأ بمرأى منا.
стр. 527
فَأُتِيَ بَإِنِاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَطَسْتٍ، فَأَفْرَغَ مِنَ الإِنَاءِ عَلَى يَمِينِهِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ (١) وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، فَمَضْمَضَ وَنَثَرَ مِنَ الْكَفِّ الَّذِي يَأخُذُ فِيهِ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَ (٢) غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَغَسَلَ يَدَهُ الشِّمَالَ ثَلَاثًا، ثُمَّ جَعَلَ يَدَهُ في الإِنَاءِ فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَرِجْلَهُ الْيُسْرَى (٣) ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ:
===
(فأتي) بصيغة المجهول (بإناء فيه ماء وطست) (٤) بجره عطفًا على إناء كعبد وسدر، من آنية صفر، مؤنث، أصله طَسٌّ أبدلت إحدى سينيه تاء تخفيفًا (فأفرغ) أي صَبَّ (من الإناء على يمينه فغسل يده) إلى الرسغين (ثلاثًا، ثم تمضمض واستنثر ثلاثًا، فمضمض ونثر) (٥) أي استنثر (من الكف الذي يأخذ فيه) الماء، والمراد به اليمنى، فالمَسْنون أن يمضمض ويستنشق باليمنى، وأما النثر أي إخراج الماء من الأنف فالمسنون فيه أن يكون باليسرى، كما ورد في حديث غير هذا.
(ثم غسل وجهه ثلاثًا، وغسل يده اليمنى ثلاثًا، وغسل (٦) يده الشمال ثلاثًا، ثم جعل يده في الإناء) فأخذ منه ماء جديدًا للمسح (فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثًا، ورجله اليسرى ثلاثًا، ثم قال)
стр. 528
مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَعْلَمَ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهُوَ هَذَا". [ن ٩٢، حم ١/ ١٤١ - ١٥٤، ت ٤٩]
١١٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ قال: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ الْجُعْفِىُّ, عَنْ زَائِدَةَ قال: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ الْهَمْدَانِىُّ, عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ: صَلَّى عَلِيٌّ رضى الله عنه الْغَدَاةَ, ثُمَّ دَخَلَ الرَّحْبَةَ فَدَعَا بِمَاءٍ, فَأَتَاهُ الْغُلَامُ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ, وَطَسْتٍ, قَالَ: فَأَخَذَ الإِنَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى, وَغَسَلَ (١) كَفَّيْهِ
===
أي علي ﵁: (من سره) من السرور أي أعجبه وفرحه، وكل مسلم يعجبه أن يتعلم ما فعل رسول الله ﷺ (أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا) أي وضوء رسول الله ﷺ ، لكمال شبهه كأنه هو، والمراد به التثليث في غسل الأعضاء، والتوحيد في مسح الرأس.
١١٢ - (حدثنا الحسن بن علي الحلواني) الخلال (قال: حدثنا الحسين بن علي الجعفي) بضم الجيم وسكون العين المهملة، نسبة إلى جعفي بن سعد من مذحج، ينسب إليه البخاري ولاء، وثقه ابن معين والعجلي وعثمان بن أبي شيبة، مات سنة ٢٠٣ هـ.
(عن زائدة) بن قدامة الثقفي (قال: حدثنا خالد بن علقمة الهمداني، عن عبد خير) بن يزيد (قال) أي عبد خير: (صلَّى علي) بن أبي طالب صلاة (الغداة) أي فرغ منها، (ثم دخل الرحبة) بفتح الراء وسكون المهملة بعدها موحدة، أي فضاء الكوفة وفسحتها، وقال في "القاموس": محلة بالكوفة (فدعا بماء، فأتاه الغلام بإناء فيه ماء، وطست، قال) أي عبد خير: (فأخذ الإناء بيده اليمنى) ووضعه عنده (فأفرغ) من الإناء على يده اليمنى ومنها (على يده اليسرى، وغسل كفيه) أي يديه إلى الرسغين
стр. 529
ثَلَاثًا, ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فِى الإِنَاءِ فَتَمَضْمَضَ (١) ثَلَاثًا, وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا, ثُمَّ سَاقَ قَرِيبًا مِنْ حَدِيثِ أَبِى عَوَانَةَ, قَالَ: ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ مُقَدَّمَهُ وَمُؤَخَّرَهُ مَرَّةً". ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ.
١١٣ - حَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قال: حَدَّثَنِى (٣) مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قال: حَدَّثَنِا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ عُرْفُطَةَ قال: سَمِعْتُ عَبْدَ خَيْرٍ قَالَ: "رَأَيْتُ عَلِيًّا - رضى الله عنه - أُتِىَ بِكُرْسِىٍّ
===
(ثلاثًا، ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فتمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا) يعني تمضمض باليمنى بثلاث غرفات، وكذلك استنشق باليمنى بثلاث غرفات، كما قلنا في الحديث المتقدم في شرح قوله: "ونثر من الكف الذي يأخذ فيه".
(ثم ساق) أي زائدة هذا الحديث (قريبًا من حديث أبي عوانة) في الألفاظ، ثم بينه زائدة (قال) في حديثه: (ثم مسح) علي ﵁ (رأسه مقدَّمه ومؤخَّره) بأنه بدأ بمقدم رأسه فذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه (مرة، ثم ساق) زائدة (الحديث) أي حديثه (نحوه) أي نحو حديث أبي عوانة.
١١٣ - (حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثني محمد بن جعفر) غندر (قال: نا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت مالك بن عرفطة)، قال في "التهذيب": مالك بن عرفطة عن عبد خير عن علي في الوضوء، وعنه شعبة، كذا سمَّاه، وخالفه الجماعة، فقالوا: خالد، وهو الصواب.
(قال: سمعت عبد خير قال: رأيت عليًا) أي في الكوفة (أتي بكرسي)، قال في "القاموس": الكرسي بالضم وبالكسر: السرير، وقال في "تفسير
стр. 530
فَقَعَدَ عَلَيْهِ, ثُمَّ أُتِىَ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا, ثُمَّ تَمَضْمَضَ مَعَ الاِسْتِنْشَاقِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ"
===
البيضاوي": وهو في الأصل اسم لما يقعد عليه، ولا يفضل عن مقعد القاعد (فقعد عليه، ثم أتي بكوز) بالضم، وهو ما له عروة من أواني الشرب، وما لا فهوكوب، كذا في "المجمع" (من ماء فغسل يده) وفي نسخة: يديه، وهو الأوفق بالروايات (ثلاثًا، ثم تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد).
وهذا الحديث حجة للشافعي ﵀، فإنه قال بالجمع (١) بينهما بماء واحد، بأن ياخذ الماء بكفه، فيمضمض ببعضه، ويستنشق ببعضه، وقال الترمذي في "سننه": قال الشافعي: إن جمعهما في كف واحد فهو جائز، وإن فَرَّقهما فهو أحب (٢) إلينا، وهذا قول ثان له (٣)، وهذا عين مذهب أبي حنيفة ﵀.
والجواب عن هذا الحديث بأن هذا اللفظ تفرد به شعبة بل خالف رواة ذلك الحديث، فإن زائدة روى عن خالد بن علقمة، قال في حديثه: "فتمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا"، وكذلك روى أبو إسحاق عن أبي حية عن علي هذا الحديث، فقال في حديثه: "ثم مضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا"، وقد وهم شعبة في هذا الحديث في ذكر اسم الراوي، فقال: مالك بن عرفطة، والصحيح خالد بن علقمة.
стр. 531
وَذَكَرَ الْحَدِيث (١)(٢). [حم ١/ ١٢٢ , ن ٩٣]
١١٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ
===
وكذلك ما أخرجه الترمذي بسنده عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد قال: "رأيت النبي ﷺ مضمض واستنشق من كف واحد، فعل ذلك ثلاثًا"، ثم قال الترمذي: وقد روى مالك وابن عيينة وغير واحد هذا الحديث، عن عمرو بن يحيى، ولم يذكروا هذا الحرف "أن النبي ﷺ مضمض واستنشق من كف واحد"، وإنما ذكره خالد بن عبد الله، وخالد ثقة حافظ عند أهل الحديث، انتهى. فإما أن يقال: هذه الزيادة شاذَّة، ويمكن أن يحمل أنه ﷺ فعل ذلك مرة لبيان الجواز.
(وذكر الحديث) أي ذكر شعبة هذا الحديث بتمامه، وقد أخرجه النسائي مطولاً في "المجتبى" (٣).
١١٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا أبو نعيم) مصغرًا،
стр. 532
قَالَ: حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ الْكِنَانِيُّ، عن الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو،
===
الفضل بن دكين، وهو لقب، واسمه عمرو بن حماد بن زيد بن درهم، مولى آل طلحة الملائي الكوفي الأحول، ذكره الحافظ في "تهذيب التهذيب" في ترجمة طويلة، خلاصتها أنه وثقه كثير من المحدثين، ومدحه كثير، فهو عندهم ثقة ثبت، إلَّا أنه قال: قال أحمد بن صالح: ما رأيت محدثًا أصدق من أبي نعيم، وكان يدلس أحاديث مناكير، وقال ابن معين: كان مزاحًا، ذكر له حديث عن زكريا بن عدي، فقال: ما له وللحديث، ذاك بالتوراة أعلم، يعني أن أباه كان يهوديًا فأسلم، مات سنة ٢١٨ هـ، وهو من كبار شيوخ البخاري.
(قال: حدثنا ربيعة الكناني) (١) هو ربيعة مكبرًا، ابن عتبة، بمضمومة وسكون فوقية وبموحدة، ويقال: ابن عبيد الكناني، بكسر الكاف ونونين بينهما ألف، قال أبو نعيم: ثقة، وقال أبو حاتم الهمداني: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في مسح الرأس في الوضوء. قلت: وقال العجلي: ثقة، ووهم أبو الحسن بن القطان، فزعم أن البخاري أخرج له، وليس كذلك.
(عن المنهال (٢) بن عمرو) بكسر الميم وسكون النون، ابن عمرو الأسدي مولاهم، الكوفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال العجلي: كوفي ثقة، وتركه شعبة, لأنه سمع من منزله صوت الطنبور، ويقال: صوت قراءة بالتطريب، وقال الغلابي: كان ابن معين يضع من شأن المنهال، وقال الجوزجاني: سيِّئ المذهب.
стр. 533
عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا رضى الله عنه, وَسُئِلَ عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ, وَقَالَ: وَمَسَحَ رَأْسَهُ حَتَّى لَمَّا يَقْطُرْ, وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا, ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [حم ١/ ١١٠]
١١٥ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ الطُّوسِيُّ
===
(عن زر بن حبيش) زر بكسر زاي وشدة راء، ابن حبيش بالتصغير، ابن حباشة بضم مهملة وخفة موحدة وستين معجمة، ابن أوس بن بلال، وقيل: هلال، الأسدي، أبو مريم، ويقال: أبو مطرف الكوفي، مخضرم أدرك الجاهلية، قال ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات سنة ٨٣ هـ، وهو ابن ١٢٧ سنة.
(أنه) أي زر بن حبيش (سمع عليًا) ﵁ يعني قوله بعد الفراغ من الوضوء (وَسُئل) الواو للحال، أي والحال أن عليًّا ﵁ سئل (عن وضوء رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث) أي فذكر زر قصة الوضوء بتمامها (وقال) زر فيه: (ومسح) على (رأسه حتى لمَّا يقطر) (١) يعني زاد في المسح لفظ "حتى لما يقطر"، وهذه الزيادة تشير إلى أن المسح كان مرة واحدة (٢) , لأنه لو كان ثلاثًا لتقاطر الماء عن رأسه بعد المسح (وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال) أي علي ﵁: (هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ ).
١١٥ - (حدثنا زياد بن أيوب الطوسي) هو زياد بن أيوب بن زياد البغدادي، أبو هاشم، المعروف بدلُّويه، بفتح الدال المهملة وضم اللام
стр. 534
قَالَ: ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى
===
المشددة، وكان يغضب منه، طوسي الأصل، وطوس بلدة بخراسان (١)، قال المروزي عن أحمد: اكتبوا عنه، فإنه شعبة الصغير , وقال أبو إسحاق الأصبهاني: ليس على بسيط الأرض أحد أوثق من زياد بن أيوب، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في موضع آخر: ثقة، وقال الدارقطني: دلُّويه ثقة مأمون، مات سنة ١٥٢ هـ.
(قال: ثنا عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار، واسمه باذام العبسي بموحدة، مولاهم، الكوفي، أبو محمد الحافظ، اختلف فيه، قال الميموني: ذكر عند أحمد عبيد الله بن موسى فرأيته كالمنكر له، وقال: كان صاحب تخليط، وحدَّث بأحاديث سوء، قيل له: فابن فضيل؟ قال: كان أستر منه، وقال يعقوب بن سفيان: شيعي، وإن قال قائل: رافضي لم أنكر عليه، وهو منكر الحديث، وقال الجوزجاني: وعبيد الله بن موسى أغلى وأسوأ مذهبًا، وأروى للعجائب، وقال الحاكم: سمعت قاسم بن قاسم السياري، سمعت أبا مسلم البغدادي الحافظ يقول: عبيد الله بن موسى من المتروكين، تركه أحمد لتشيعه، قال الساجي: صدوق، كان يفرط بالتشيع، قال أحمد: روى مناكير، وقد رأيته بمكة فأعرضت عنه، وبعد ذلك عتبوا عليه، ترك الجمعة مع إدمانه على الحج، وأما الموثقون له، فقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة حسن الحديث، وقال العجلي: ثقة، وقال ابن عدي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا إن شاء الله تعالى، كثير الحديث حسن الهيئة، وكان يتشيع، ويروي أحاديث في التشيع منكرة، وضعف بذلك عند كثير من الناس،
стр. 535
قَالَ: حَدَّثَنَا فِطْرٌ، عن أَبِي فَرْوَةَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى،
===
وقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق ثقة، وكان يضطرب في حديث سفيان اضطرابًا قبيحًا، مات سنة ٢١٣ هـ.
(قال: حدثنا فطر) بكسر الفاء وسكون الطاء في آخره راء، ابن خليفة القرشي المخزومي مولاهم، أبو بكر الحفاظ الكوفي، مختلف فيه، وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد القطان وابن معين والنسائي في موضع، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وقال الساجي: صدوق ثقة ليس بمتقن، كان أحمد بن حنبل يقول: هو خشبي أي من الخشبية - فرقة من الجهمية - مفرط، وقال السعدي: زائغ غير ثقة، وقال الدارقطني: فطر زائغ ولم يحتج به البخاري، وقال أبو بكر بن عياش: ما تركت الرواية عنه إلَّا لسوء مذهبه، وقال ابن سعد: ومن الناس من يستضعفه، وكان لا يدع أحدًا يكتب عنه، وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا نعيم يرفع من فطر ويوثقه، ويذكر أنه كان ثبتًا في الحديث، وقال النسائي: حدثنا يعقوب بن سفيان عن ابن نمير قال: فطر حافظ كيِّس، مات سنة ١٥٣ هـ.
(عن أبي فروة) مسلم بن سالم النهدي، أبو فروة الأصغر الكوفي، ويعرف بالجهني لنزوله فيهم، قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به.
(عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري (١) المدني ثم الكوفي،
стр. 536
قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا - رضى الله عنه - تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا, وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا, وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً, ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
١١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو تَوْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ. (ح): وَأخبرَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ, عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ,
===
أبو عيسى، ثقة، اختلف في سماعه من عمر، ولد لست بقين من خلافة عمر، ومات بوقعة الجماجم سنة ٣٨ هـ، وقيل: إنه غرق.
(قال) عبد الرحمن بن أبي ليلى: (رأيت عليًا) بن أبي طالب (توضأ) ثم فسره بقوله: (فغسل وجهه ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه) مرة (واحدة، ثم قال: هكذا توضأ رسول الله ﷺ ) يعني أن غسل الأعضاء كان ثلاثًا، والمسح مرة واحدة، ولم يذكر فيه غسل الرجلين، فلعله اختصار من بعض الرواة.
١١٦ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (وأبو توبة) ربيع بن نافع (قالا: ثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم (ح) (١): هذا تحويل من سند إلى سند آخر.
(وأخبرنا عمرو بن عون) بن أوس بن الجعد، أبو عثمان الواسطي البزار، مولى أبي العجفاء السلمي، سكن البصرة، أطنب في الثناء عليه يحيى بن معين، وقال العجلي: ثقة، وقال أبو زرعة: قَلَّ من رأيت أثبت منه، وقال أبو حاتم: حجة ثقة، مات سنة ٢٢٥ هـ.
(قال: أنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني، أبو إسحاق السبيعي مكبرًا، والسبيع من همدان، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وثَّقه ابن معين والنسائي والعجلي وأبو حاتم
стр. 537
عن أَبِي حَيَّةَ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ، فَذَكَرَ وُضُوءَهُ كُلَّهُ
===
وأحمد بن حنبل، وقال ابن حبان في "كتاب الثقات": كان مدلسًا، وكذا ذكره في المدلسين حسين الكرابيسي وأبو جعفر الطبري.
وقال أبو إسحاق الجوزجاني: كان قوم من أهل الكوفة لا تحمد مذاهبهم يعني التشيع، هم رؤوس محدثي الكوفة، مثل أبي إسحاق والأعمش ومنصور والزبيد وغيرهم من أقرانه، احتملهم الناس على صدق ألسنتهم في الحديث، ووقفوا عندما أرسلوا لما خافوا أن لا تكون مخارجها صحيحة، فأما أبو إسحاق فروى عن قوم لا يعرفون، ولم ينتشر عنهم عند أهل العلم إلَّا ما حكى أبو إسحاق عنهم، فإذا روى تلك الأشياء عنهم (١) كان التوقف في ذلك عندي الصواب، وحدثنا إسحاق ثنا جرير عن معن قال: أفسد حديث أهل الكوفة الأعمش وأبو إسحاق يعني بالتدليس، واختلط بأخرة، قال يحيى بن معين: سمع منه ابن عيينة بعد ما تغير، مات ما بين سنة ١٢٦ هـ إلى سنة ١٢٩ هـ.
(عن أبي حية) بن قيس الوادعي الخارفي، نسبة إلى خارف، وهي بطن من همدان، نزل الكوفة، اختلف في اسمه، وقال أبو أحمد الحاكم (٢) وغيره: لا يعرف اسمه، وقال أبو زرعة: لا يسمى، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو الوليد بن الفرضي: مجهول، قال ابن المديني: وقال ابن القطان: وثَّقه بعضهم، وصحح حديثه ابن السكن وغيره، وقال ابن الجارود في "الكنى": وثَّقه ابن نمير.
(قال) أي أبو حية: (رأيت عليًّا توضأ، فذكر) أبو حية (وضوءه كله)
стр. 538
ثَلَاثًا ثَلَاثًا, قَالَ: ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ, ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ, ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ طُهُورَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [ت ٤٤ - ٤٩، ن ٩٦، حم ١/ ٧٠]
١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِىُّ قال: حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ سَلَمَةَ -, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ,
===
أي أكثره إلى غسل الذراعين (ثلاثًا ثلاثًا، قال) أبو حية: (ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه إلى الكعبين) ولم يذكر في مسح الرأس وغسل الرجلين (٢) عددًا (ثم قال) أي علي ﵁: (إنما أحببت أن أريكم طهور رسول الله ﷺ ) يعني ما كان بي للوضوء من حاجة، وما كنت أريد الصلاة فأتوضأ لها , ولكني أحببت أن أعلِّمكم صفة وضوء رسول الله ﷺ .
١١٧ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني (٣) قال: حدثنا محمد - يعني ابن سلمة -) بن عبد الله الباهلي مولاهم، أبو عبد الله الحراني، قال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة فاضلاً عالمًا، له فضل ورواية وفتوى، وقال أبو عروبة: أدركنا الناس لا يختلفون في فضله وحفظه، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات" مات سنة ١٩١ هـ.
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار، (عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة) بضم الراء (٤) بعد الألف نون، ابن عبد يزيد بن المطلب بن
стр. 539
عن عُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ، عن ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: "دَخلَ عَلَيَّ عَلِيٌّ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي طَالِبٍ -
===
عبد مناف المطلبي المكي، وثَّقه ابن معين وأَبو داود، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات بالمدينة في أول خلافة هشام سنة ١١١ هـ، وكان قليل الحديث.
(عن عبيد الله الخولاني) هو عبيد الله بن الأسود، ويقال: ابن الأسد الخولاني، بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو، هذه النسبة إلى خولان، وعبس وخولان قبيلتان نزلتا بالشام، هكذا في "الأنساب" (١)، ربيب ميمونة ﵂ يعني: أنها رَبَّتْه، فقيل: كان مولاها لا أنه ابن زوجها، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن ابن عباس) ﵁ (قال) ابن عباس: (دخل عَليَّ عليٌّ)، وفي "مسند أحمد": "دخل عليَّ علي بيتي" (يعني ابن أبي طالب) هكذا في النسخة المجتبائية الدهلوية بإدخال لفظة "يعني" بين لفظة "علي" ولفظة "ابن أبي طالب"، وفي النسخة المكتوبة: دخل عليَّ علىُّ بن أبي طالب، فلم يزد لفظة "يعني"، فإن كانت لفظة "يعني" موجودة، فكأنها إشارة إلى أن لفظة "ابن أبي طالب" لم تكن في كلام ابن عباس ﵄، ولكن بَيَّنَ الراوي مراده بأن مراده من علي هو ابن أبي طالب، فحينئذ يكون هذا اللفظ لبعض الرواة، وأما إذا لم تكن لفظة يعني موجودة، كما في النسخة المكتوبة، فحينئذ تكون لفظة "ابن أبي طالب" من كلام ابن عباس.
وأما في النسخة المصرية فهكذا: دخل عليَّ يعني علي بن أبي طالب،
стр. 540
وَقَدْ أَهْرَاقَ الْمَاءَ, فَدَعَا بِوَضُوءٍ, فَأَتَيْنَاهُ بِتَوْرٍ فِيهِ مَاءٌ حَتَّى وَضَعْنَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ, فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ, أَلَا أُرِيكَ كَيْفَ كَانَ يَتَوَضَّأُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟
===
فعلى هذا تكون لفظة علي بن أبي طالب من بعض الرواة لا من كلام ابن عباس.
(وقد أهراق (١) الماء) قال في "القاموس": هَراقَ الماءَ يُهَرِيقُه بفتح الهاء هِراقة بالكسر، وأَهْرَقَه يُهْرِيقَهُ إهراقًا، وَأَهْرَاقَه يُهْرِيقُه إِهْرياقًا فهو مُهَرِيقٌ، وذاك مُهَرَاقٌ وَمُهْراقٌ: صَبَّه، وأصله أراقَه يُرِيْقُه إراقَة، وأصل أراقَ أَرْيَقَ، وأصل يُرِيْقُ يُرْيِقُ، وأصل يُرْيِقُ: يُؤَرْيِقُ، انتهى.
وقال في "المجمع": وهو كناية عن البول، فيؤخذ منه استحباب الكناية فيه، ولا يمكن أن يكون المراد به الاستنجاء بعد البول, لأنه أخرج هذه الرواية الإِمام أحمد في "مسنده"، فقال فيه: "وقد بال"، فهذا يدل على أن المراد بإهراق الماء البول لا غير.
(فدعا) أي علي (بوضوء) أي ماء للوضوء (فأتيناه بتور فيه ماء حتى وضعناه بين يديه، فقال) أي علي بن أبي طالب: (يا ابن عباس، ألا أريك كيف كان يتوضأ رسول الله ﷺ ؟ ) أي في بعض الأحيان، وما كان يفعله في بعض الأحيان، يمكن أن يخفى على بعض الصحابة الذين لم يكونوا موجودين في ذلك الوقت، فعلى هذا لو حمل إراءة الوضوء لابن عباس لأجل التعليم لم يبعد.
стр. 541
قُلْتُ: بَلَى, فَأَصْغَى الإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ (١) فَغَسَلَهَا (٢) , ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى, فَأَفْرَغَ بِهَا عَلَى الأُخْرَى, ثُمَّ غَسَلَ كَفَّيْهِ, ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ, ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِى الإِنَاءِ جَمِيعًا, فَأَخَذَ بِهِمَا حُفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَضَرَبَ بِهَا عَلَى وَجْهِهِ, ثُمَّ أَلْقَمَ إِبْهَامَيْهِ مَا أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ, ثُمَّ الثَّانِيَةَ, ثُمَّ الثَّالِثَةَ مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ أَخَذَ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى قَبْضَةً مِنْ مَاءٍ, فَصَبَّهَا عَلَى نَاصِيَتِهِ فَتَرَكَهَا تَسْتَنُّ عَلَى وَجْهِهِ, ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا, ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ وَظُهُورَ
===
(قلت: بلى، فأصغى الإناء على يده) أي اليمنى (فغسلها، ثم أدخل يده اليمنى) بعد ما غسلها، (فأفرغ بها على الأخرى) أي اليسرى، (ثم غسل كفيه) أي كلتا يديه إلى الرسغين، (ثم تمضمض واستنثر، ثم أدخل يديه في الإناء جميعًا، فأخذ بهما (٣) حفنة) (٤) بالضم، في "القاموس": الحفنة ملء الكف (من ماء، فضرب بها على وجهه) أي أفاض ذلك الماء على وجهه، وليس المراد بالضرب اللطم، (ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه) أي أدخل إبهاميه، وجعلهما كاللقمة في باطن أذنيه وصماخهما، (ثم الثانية) أي ثم فعل المرة الثانية كذلك، (ثم) فعل المرة (الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء، فصبَّها على ناصيته فتركها تستن) أي تسيل (على وجهه، ثم كسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح رأسه وظهور (٥)
стр. 542
أُذُنَيْهِ, ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ جَمِيعًا, فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ, فَضَرَبَ بِهَا عَلَى رِجْلِهِ وَفِيهَا النَّعْلُ, فَفَتَلَهَا (١) بِهَا, ثُمَّ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ: قُلْتُ: وَفِى النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ وَفِى النَّعْلَيْنِ, قَالَ: قُلْتُ: وَفِى النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: وَفِى النَّعْلَيْنِ, قَالَ: قُلْتُ: وَفِى النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: وَفِى النَّعْلَيْنِ. [حم ١/ ٨٢، خزيمة ١٥٣، ق ١/ ٧٤، حب ١٠٨٠]
===
أذنيه، ثم أدخل يديه جميعًا، فأخذ حفنة من ماء، فضرب بها) أي أفاض وصبَّ بها (على رجله، وفيها النعل) (٢) الواو للحال أي والحال أن في رجله النعل، (ففتلها بها) أي فدلك الرجل بتلك الحفنة، وفي نسخة: "فغسلها" وهو ظاهر (ثم الأخرى مثل ذلك) أي أخذ حفنة أخرى من ماء، فغسل بها رجله اليسرى.
(قال) أي ابن عباس: (قلت) لعلي بن أبي طالب راوي الحديث: (وفي النعلين؟ ) أي أو غسل الرجلين في النعلين؟ فالاستفهام للتعجب (قال) أي علي: (وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين).
وفي هذا الحديث (٣) عدة أبحاث:
أولها: أن ظاهر هذا الحديث يقتضي لطم الوجه بالماء، وقد ورد
стр. 543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في "مسند أحمد" (١) بهذا اللفظ، فقال: "ثم أخذ بيديه فصَكَّ بهما وجهه"، وكذلك أخرج ابن حبان في "صحيحه" (٢)، فقال فيه: "فصَكَّ به وجهه"، وبوَّب عليه استحباب صَكِّ الوجه بالماء للمتوضئ عند غسل الوجه، وأما العلماء الحنفية والشافعية، فقالوا بكراهة لَطْمِ الوجه بالماء، وصرَّحوا بأنه يندب للمتوضئ أن لا يلطم وجهه بالماء.
قلت: قال الشوكاني في "النيل" (٣): قال المنذري: في هذا الحديث مقال، وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عنه فضعفه، وقال: ما أدري ما هذا، انتهى.
قلت: ولم أدر ما أراد المنذري في هذا الحديث من المقال، وكذلك وجه تضعيف البخاري وعلته، فإن رواته كلهم ثقات، وأما مظنة تدليس ابن إسحاق، فارتفعت برواية الإِمام أحمد في "مسنده"، فإنه صرح بالتحديث فيه، وأما ما قال البزار: لا نعلم أحدًا روى هذا هكذا إلَّا من حديث عبيد الله الخولاني، ولا نعلم أن أحدًا رواه عنه إلَّا محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، فهذا كلام البزار لا يقتضي ضعفه، فإنه لا يدل إلَّا على انفراد الخولاني، وانفراد محمد بن طلحة عنه، والانفراد لا يقتضي إلَّا غرابة الحديث، وغرابة الحديث غير مستلزم لضعفه، كما هو ظاهر، ولكن لما حكم عليه البخاري بالضعف، وإن كان غير موجه، لا ينبغي لمقلديه أن
стр. 544
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يستدلوا به، والجواب الثاني عنه ما أجاب به الشيخ ولي الدين: ويمكن تأويل الحديث بأن معناه صب الماء على وجهه لا لطمه به، انتهى.
قلت: والقرينة على ذلك أن جميع من حكوا وضوء رسول الله ﷺ لا يذكرون فيه اللطم، فيكون اللطم محمولاً على الصبِّ والإفاضة أو يكون شاذًّا، وأيضًا يطلق الضرب ويراد به الإلصاق، كما في قوله في هذا الحديث: "فضرب به على رجله اليمنى"، وكما في قوله ﷺ : "يضرب الملائكة بأجنحتها".
وثانيها: أن في هذا الحديث مسح باطن الأذنين مع الوجه وظاهرهما مع الرأس، وهو قول إسحاق، قال الترمذي: قال إسحاق: واختار أن يمسح مقدمهما مع وجهه ومؤخرهما مع رأسه، فهذا الحديث حجة له، قال الترمذي: وقال بعض أهل العلم: ما أقبل من الأذنين فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس.
قال الشوكاني في "النيل": والحديث يدل على أنه يغسل ما أقبل من الأذنين مع الوجه، ويمسح ما أدبر منهما مع الرأس، وإليه ذهب حسن بن صالح والشعبي.
قلت: لا دلالة في هذا الحديث على ما قال الشوكاني من أنه يغسل ما أقبل من الأذنين مع الوجه, لأن إلقام الإبهامين المبتلين في صماخ الأذنين لا يقتضي الغسل، بل يدل على المسح فقط.
وأغرب (١) من ذلك ما قال الشوكاني في شرح هذا اللفظ: "وألقم
стр. 545
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إبهاميه"، جعل إبهاميه للبياض الذي بين الأذن والعذار كاللقمة للفم توضع فيه، وهذا تفسير لا يساعده لفظ الحديث، ويخالف هذا التفسير ما قال أولاً: والحديث يدل على أنه يغسل ما أقبل ... إلخ، ثم قال الشوكاني: وذهب الزهري وداود إلى أنهما من الوجه فيغسلان معه.
قلت: ولم أظفر على دليل من الكتاب والسنَّة يثبت به هذا المذهب، وأما جمهور أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، قالوا: إن الأذنين من الرأس فيمسح ظاهرهما وباطنهما معه.
وثالثها (١): إرسال غَرفة من الماء على الناصية بعد غسل الوجه، قال في "مرقاة الصعود": قال النووي في "شرحه": هذه اللفظة مشكلة إذ ظاهره أنها مرة رابعة بغسل وجهه، وهذا خلاف إجماع المسلمين، فيتأول على أنه بقي من أعلى وجهه شيء لم يكمل بالثلاث، فأكمله بهذه القبضة، وقال ولي الدين: الظاهر أنه إنما صبه على جزء من رأسه، وقصد به تحقق استيعاب وجهه، كما قال الفقهاء، ويجب غسل جزء من رأسه لتحقق غسل وجهه.
ونقل مولانا محمد يحيى ﵀ عن شيخه - رحمه الله تعالى - في توجيه هذا الفعل: أن إلقاء الحفنة من الماء على ناصيته كان دفعًا للحر
стр. 546
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لا لإدخاله في الوضوء، وقد فعل النبي ﷺ مثل ذلك لمثل ذلك، ولذلك تركها يستن على ناصيته، ولم يمسح بها رأسه، ومسح الناصية على حدة من تلك الحفنة، والقصد بذلك إلى إظهار أن مثل هذه الزيادة جائزة ما لم يعدها من آداب الوضوء وسننه، فإن ذلك بدعة، أو لعل عليًّا فعل ذلك من دون أن يكون النبي ﷺ فعله لما قلنا، انتهى.
ورابعها: أن الضمير في "قال: قلت: " هل يعود إلى ابن عباس ﵄ أو إلى عبيد الله الخولاني، فقال الإِمام الشعراني "في كشف الغمة عن جميع الأمة" (١): إن ضمير "قال" يعود إلى ابن عباس، وهو الذي سأل عليًّا ﵁ على سبيل التعجب أنه ﷺ غسل رجليه حال كونهما في النعلين، وهذا لفظه: قال ابن عباس فسألت عليًّا ﵁ فقلت: في النعلين؟ قال: وفي النعلين، قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين.
ويشكل على هذا أن ابن عباس ﵄ يحدث عن رسول الله ﷺ أنه ﷺ غسل رجليه، وفيها النعل، كما يأتي بعد ورقتين من السنن في "باب الوضوء مرتين"، فكيف يتعجب مما يحدث هو بنفسه.
ويمكن الجواب عنه أنه ﵁ غفل في ذلك الوقت عما روى هو عن رسول الله ﷺ ، وأما إذا كان مرجع الضمير عبيد الله فلا يرد عليه هذا الإشكال، ولكنه خلاف ظاهر (٢) سياق الحديث، والله تعالى أعلم.
стр. 547
ِقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ عن شَيْبَةَ يُشْبِهُ حَدِيثَ عَلِيٍّ، لأنَّهُ قَالَ فِيهِ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن ابْنِ جُرَيْجٍ: وَمَسَحَ بِرَأسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِيهِ عن ابْنِ جُرَيْجٍ: وَمَسَحَ بِرَأسهِ ثَلَاثًا.
===
(قال أبو داود: وحديث ابن جريج عن شيبة) (١) هو ابن نِصاح، بكسر النون بعدها مهملة وآخرها مهملة، ابن سرجس بن يعقوب المخزومي المدني القارئ، مولى أم سلمة ﵂، أتي به إليها وهو صغير، فمسحت رأسه، كان قاضياً بالمدينة، قال النسائي: ثقة، روى النسائي حديث حجاج عن ابن جريج عن شيبة عن أبي جعفر عن أبيه عن جده عن علي في "باب صفة الوضوء" ولم ينسب شيبة النسائي أيضًا في روايته كما لم ينسبه أبو داود، وقد قال الحافظ في "التقريب": شيبة غير منسوب عن أبي جعفر، هو ابن نصاح، مات سنة ١٣٠ هـ.
(يشبه حديث علي) المذكور فيما تقدم في هذا الباب بروايات مختلفة. (لأنه) الضمير للشأن، أو لحديث علي، وهذا اللفظ موجود في النسخة المجتبائية الدهلوية، وكذا في المصرية، وأما في النسخة الدهلوية المطبوعة القديمة والمكتوبة فلا يوجد فيهما هذا اللفظ (قال فيه حجاج بن محمد عن ابن جريج: ومسح برأسه مرة واحدة، وقال ابن وهب فيه) أي في حديث علي ﵁، ويحتمل أن يرجع الضمير إلى مسح الرأس، فأما إرجاع الضمير إلى حديث شيبة كما فعله صاحب "غاية المقصود" فبعيد, لأن حديث وهب عن ابن جريج ليس فيه شيبة بن نصاح، لأن ابن جريج يروي عن محمد بن علي بلا واسطة شيبة بن نصاح كما في "السنن الكبير" للبيهقي، ولم أجد حديث ابن وهب في غير هذا الكتاب وسيجيء مفصلًا (عن ابن جريج: ومسح برأسه ثلاثًا).
стр. 548
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أما حديث حجاج بن محمد عن ابن جريج، فقد ذكرنا تخريجه عند النسائي في "باب صفة الوضوء" من "المجتبى".
وأما حديث ابن وهب عن ابن جريج، فقد أخرجه البيهقي في "السنن الكبير" (١) فقال: وأحسن ما روي عن علي فيه ما أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عباس بن الفضل، ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا ابن وهب، عن ابن جريج، عن محمد بن علي بن حسين، عن أبيه، عن جده، عن علي أنه توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه ثلاثًا، ومسح برأسه ثلاثًا، وغسل رجليه ثلاثًا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، هكذا قال ابن وهب: ومسح برأسه ثلاثًا، وقال فيه حجاج عن ابن جريج: ومسح برأسه مرة، انتهى بلفظه.
وغرض المصنف بإيراد هذا الكلام بيان أن ابن جريج اختلف الرواة عنه، فروى حجاج بن محمد عنه مسح الرأس مرة واحدة، وروى ابن وهب عنه مسح الرأس ثلاثًا، ولكن حديث حجاج أقوى, لأنه يشبه حديث علي المذكور فيما قبل، فإن فيه بعض الرواة قالوا بمسح الرأس مرة، وبعضهم لم يذكروا العدد، وأما ابن وهب فخالف تلك الروايات، وقال: ومسح برأسه ثلاثًا، فيسقط هذا بمقابلة الصحيح من الروايات.
قلت: وقد صرح أهل الحديث بأن ابن وهب مدلس، ويروي عن محمد بن علي معنعنة، ولا يذكر شيبة، فلهذا أيضًا لا يقاوم حديث حجاج بن محمد.
стр. 549
١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنيِّ، عن أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ الله بْنِ زيدٍ
===
١١٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب، (عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن عمرو بن يحيى المازني) مازن الأنصار، (عن أبيه) وهو يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري. (أنه) أي يحيى بن عمارة (١) (قال لعبد الله بن زيد) فعلى هذا سائل عبد الله بن زيد عن صفة الوضوء هو يحيى بن عمارة، وهكذا قال الشافعي في "الأم": عن مالك عن عمرو عن أبيه أنه قال لعبد الله بن زيد، ومثله رواية الإسماعيلي عن أبي خليفة عن القعنبي عن مالك عن عمرو عن أبيه قال.
وأما الإِمام محمد بن الحسن الشيباني فروى عن مالك، حدثنا عمرو عن أبيه يحيى أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد، وكذا ساقه سحنون في "المدونة"، وقال معن بن عيسى في روايته عن عمرو عن أبيه يحيى أنه سمع أبا حسن - وهو جد عمرو بن يحيى - قال لعبد الله بن زيد وكان من الصحابة، فذكر الحديث.
وأما البخاري فأخرج رواية سليمان بن بلال في "باب الوضوء من التور"، قال: ثني عمرو بن يحيى عن أبيه قال: كان عمي يعني عمرو بن أبي حسن يكثر الوضوء، فقال لعبد الله بن زيد: أخبرني، وأما أكثر الرواة فأبهموا سائل عبد الله بن زيد، ولم يعيِّنوه، كما وقع في رواية مسلم عن محمد بن الصباح عن خالد الواسطي عن عمرو بن يحيى عن أبيه
стр. 550
- وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنيِّ-:
===
عن عبد الله بن زيد قال: قيل له: توضأ لنا، فذكره مبهمًا، وفي رواية للبخاري بسنده عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى، الحديث، ولكن مع كون السائل في هذه الروايات مبهمًا تدل على أن السائل غير يحيى بن عمارة المازني.
قال الحافظ في "فتح الباري" (١): والذي يجمع هذا الاختلاف أن يقال: اجتمع عند عبد الله بن زيد أبو الحسن الأنصاري وابنه عمرو وابن ابنه يحيى بن عمارة بن أبي حسن، فسألوه عن صفة وضوء النبي ﷺ ، وتولى السؤال منهم له عمرو بن أبي حسن، فحيث نسب إليه السؤال كان على الحقيقة، وحيث نسب السؤال إلى أبي حسن فعلى المجاز لكونه كان الأكبر، وكان حاضرًا، وحيث نسب السؤال ليحيى بن عمارة فعلى المجاز أيضًا، لكونه ناقل الحديث وقد حضر السؤال، انتهى، وهذا جمع حسن يدفع به الاختلاف ويحصل الاتفاق، ولله الحمد.
(وهو جد عمرو بن يحيى المازني)، الظاهر أن الضمير يرجع إلى عبد الله بن زيد، أي عبد الله بن زيد هو جد عمرو بن يحيى، لكنه غلط ووهم نشأ من هذه الرواية , والصواب ما في البخاري هكذا: عن أبيه أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى، فعلى هذا مرجع الضمير هو الرجل السائل، وهو عمرو بن أبي حسن عم يحيى بن عمارة بن أبي حسن، فما قال صاحب "الكمال" ومن تبعه في ترجمة عمرو بن يحيى: أنه ابن بنت عبد الله بن زيد فغلط (٢)، كذا قال الحافظ في "الفتح".
стр. 551
هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِى كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ, فَدَعَا بِوَضُوءٍ,
===
فإن قلت: قد علم من التحقيق المار أن السائل حقيقة هو عمرو بن أبي حسن، وليس هو جدّاً لعمرو بن يحيى، بل اسم جد عمرو بن يحيى عمارة بن أبي حسن، فكما لا يصح كون عبد الله بن زيد جد عمرو بن يحيى، كذلك لا يصح كون عمرو بن أبي حسن جدّاً لعمرو بن يحيى، قلت: نعم، ليس عمرو بن أبي حسن جدّاً لعمرو بن يحيى على الحقيقة بل على المجاز, لأنه أخو جده عم أبيه، فإن عمارة جده الحقيقي وعمرو بن أبي حسن كلاهما شقيقان، فإطلاق الجد على عمرو بن أبي الحسن على المجاز (١).
(هل تستطيع أن تريني) قال الحافظ (٢): فيه ملاطفة الطالب للشيخ، وكأنه أراد أن يريه بالفعل ليكون أبلغ في التعليم، وسبب الاستفهام ما قام عنده من احتمال أن يكون الشيخ نسي ذلك لبعد العهد (كيف كان رسول الله يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء) (٣) أي بماء يتوضأ به في
стр. 552
فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ (١) , ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا, ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا, ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ,
===
إناء (فأفرغ) الماء (على يديه فغسل يديه). لم يذكر في هذه الرواية عدد الغسل، وأما في البخاري "فغسل مرتين" (٢)، وفي بعض الروايات للحفاظ ثلاثًا، قال الحافظ (٣): وهؤلاء حفاظ وقد اجتمعوا، فزيادتهم مقدمة على الحافظ الواحد، فإن قلت: لم لا يحمل هذا على واقعتين؟ قلت: المخرج واحد والأصل عدم التعدد.
(ثم تمضمض واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين)، ولم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرتين، لكن في رواية مسلم من طريق حبان بن واسع عن عبد الله بن زيد أنه رأى النبي ﷺ توضأ وفيه: ويده اليمنى ثلاثًا، ثم الأخرى ثلاثًا، والمرفق بكسر الميم وفتح الفاء هو العظم الناتي في آخر الذراع، سمي بذلك لأنه يرتفق به في الاتكاء ونحوه.
وقد اختلف العلماء: هل يدخل المرفقان في غسل اليدين أم لا؟ فقال المُعْظَمُ: نعم، وخالف زفر، وحكاه بعضهم عن (٤) مالك، واستدل بعضهم بأن "إلى" في الآية بمعنى "مع"، وقال ابن القصار: اليد يتناوله الاسم إلى الإبط لحديث عمار أنه تيمم إلى الإبط، وهو من أهل اللغة، فلما جاء قوله تعالى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ بقي المرفق مغسولاً مع الذراعين بحق الاسم، انتهى،
стр. 553
ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ, فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ: بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ
===
فعلى هذا "فإلى" ها هنا حد للمتروك من غسل اليدين لا للمغسول، قال الزمخشري: لفظ "إلى" يفيد معنى الغاية مطلقًا، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لا دليل فيه على أحد من الأمرين، فأخذ العلماء بالاحتياط ووقف زفر مع المتيقن.
ويمكن أن يستدل لدخولهما بفعله ﷺ ، ففي الدارقطني (١) بإسناد حسن من حديث عثمان: فغسل يديه مع المرفقين حتى مسَّ أطراف العضدين، وفيه عن جابر: كان إذا توضأ أدار الماء على المرفقين، لكن إسناده ضعيف، وفي البزار والطبراني (٢) من حديث وائل بن حجر: وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق، وفي "الطحاوي" و"الطبراني" من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعًا: ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه، فكان فعله بياناً لمجمل الكتاب، والمجمل إذا التحق به البيان يصير مفسرًا من الأصل.
وقال الشافعي في "الأم": لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، فعلى هذا فزفر محجوج بالإجماع قبله. وكذا من قال بذلك من أهل الظاهر بعده، كذا قال الحافظ (٣).
(ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما (٤) وأدبر)، وهذا تفسير لمسح الرأس باليدين، أي فأقبل رسول الله ﷺ باليدين وأدبر بهما، ثم فسَّر الإقبال والإدبار بقوله: (بدأ بمقدم رأسه) يعني بدأ رسول الله ﷺ بمسح
стр. 554
ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ, ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِى بَدَأَ مِنْهُ, ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. [خ ١٨٥، م ٢٣٥، ت ٢٨، ن ٩٧، جه ٤٣٤]
===
مقدم رأسه الشريف، (ثم ذهب) ﷺ (بهما) أي بيديه (إلي قفاه، ثم ردهما) أي اليدين (حتى رجع) أي كل واحد من اليدين، أو الضمير للمسح (إلى المكان الذي بدأ) المسح (منه) فالظاهر أن قوله: "بدأ بمقدم رأسه" من الحديث وليس مدرجًا من كلام مالك، والحكمة في هذا الإقبال والإدبار استيعاب جهتي الرأس بالمسح.
(ثم غسل رجليه) وفي رواية وهب: إلى الكعبين، والبحث فيه كالبحث في قوله إلى المرفقين، والمشهور أن الكعب هو العظم الناشز عند ملتقى الساق والقدم، وحكى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة: أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك، وروي عن ابن القاسم عن مالك مثله، والأول هو الصحيح الذي يعرفه أهل اللغة، وقد أكثر المتقدمون من الرد على من زعم ذلك، كذا قاله الحافظ (١).
قلت: لم يقل محمد في الطهارة: إن الكتب هو العظم الناتي في ظهر القدم عند معقد الشراك، بل إنما قال محمد في مسألة المحرم إذا لم يجد نعلين أنه يقطع الخف أسفل الكعب فقال: إن الكتب ها هنا الذي في مفصل القدم، فنقل هشام ذلك إلى الطهارة.
стр. 555
١١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِىِّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ, بِهَذَا الْحَدِيثِ, قَالَ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ (١) مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ, يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.
===
قال العيني (٢): قال بعضهم: وحكي عن أبي حنيفة أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك، قلت: هذا مختلق على أبي حنيفة ﵀ ولم يقل أصلاً، بل نقل ذلك عن محمد بن الحسن، وهو أيضًا غلط, لأن هذا التفسير فسَّره محمد في حق المحرم، إذا لم يجد نعلين يلبس خفين يقطعهما أسفل من الكعبين بالتفسير الذي ذكره.
١١٩ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: نا خالد) بن عبد الله الواسطي، (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة (المازني، عن أبيه) يحيى بن عمارة، (عن عبد الله بن زيد بن عاصم بهذا الحديث) أي حدثنا مسدد بواسطة خالد، عن عمرو بن يحيى بهذا الحديث، أي بالحديث الذي رواه مالك عن عمرو بن يحيى، ولكن في رواية خالد زيادة ليست في رواية مالك، فإن خالدًا (قال: فمضمض واستنشق من كف واحدة) (٣) فزاد لفظ: "من كف واحدة" (يفعل ذلك) أي المضمضة والاستنشاق (ثلاثًا، ثم ذكر) خالد (نحوه) أي نحو حديث مالك.
وقوله في الحديث: (فمضمض واستنشق من كف واحدة) يحتمل معنيين؛ أحدهما: معناه أنه جمع المضمضة والاستنشاق في كف واحدة من الماء، وثانيهما: معناه أنه مضمض من كف واحدة واستنشق من كف
стр. 556
١٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ, أَنَّ حَبَّانَ بْنَ وَاسِعٍ حَدَّثَهُ, أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ, أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِىَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَذَكَرَ وُضُوءَهُ
===
واحدة، أي لا من كفين، فعلى الأول يحمل على بيان الجواز، وقد سبق بحثه فيما تقدم قريبًا.
١٢٠ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: ثنا ابن وهب) عبد الله بن وهب، (عن عمرو بن الحارث) بن يعقوب بن عبد الله الأنصاري مولى قيس، أبو أمية المصري، أصله مدني، كان ابن معين يوثقه جدًّا، وقال أبو زرعة والنسائي والعجلي وغير واحد: ثقة، وقال أبو داود عن أحمد: ليس فيهم مثل الليث لا عمرو ولا غيره، وقد كان عمرو عندي ثقة، ثم رأيت له مناكير، وقال في موضع آخر: يروي عن قتادة أشياء يضطرب فيها ويخطئ، مات قبل سنة ١٥٠ هـ.
(أن حبان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة (ابن واسع) بن حبان بن منقذ، بمضمومة وسكون نون وكسر قاف وبذال معجمة، ابن عمرو الأنصاري المازني المدني، ابن عم محمد بن يحيى، أخرجوا له حديثًا واحدًا في الوضوء. قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات"، "تهذيب التهذيب". (حدثه) أي حدث حبان عمرًا (أن أباه) أي أبا حبان وهو واسع (١) (حدثه) أي حبان (أنه) واسع (سمع عبد الله بن زيد بن عاصم المازني يذكر أنه) أي عبد الله (رأى رسول الله ﷺ ، فذكر) أي عبد الله بن زيد (وضوءه)
стр. 557
وَقَالَ: وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ (١) ,
===
أي وضوء رسول الله ﷺ . (وقال: ومسح رأسه بماء غير فضل (٢) يديه) قال النووي (٣): معناه أنه مسح الرأس بماء جديد لا ببقية من ماء يديه، ولا يستدل بهذا على أن الماء المستعمل لا تصح الطهارة به, لأن هذا إخبار عن الإتيان بماء جديد للرأس، ولا يلزم من ذلك اشتراطه، انتهى.
قلت: قال الحلبي في "شرح المنية" (٤): ولو توضأ ومسح ببلة بقيت على كفيه بعد الغسل يجوز مسحه, لأن البلة الباقية بعد الغسل غير مستعملة، إذ المستعملة فيه ما سال على العضو، وانفصل عنه، ولو مسح رأسه ثم مسح خفيه ببلة بقيت بعد المسح لا يجوز مسحه على الخف, لأن البلة الباقية بعد المسح مستعملة, لأن المستعمل فيه ما أصاب الممسوح وقد أصابه، انتهى.
قال الترمذي في "سننه" (٥): وروى ابن لهيعة هذا الحديث عن حبان بن واسع عن أبيه عن عبد الله زيد: "أن النبي ﷺ توضأ وأنه مسح رأسه بما غَبَرَ فضلُ يديه"، ورواية عمرو بن الحارث عن حبان أصح, لأنه قد روي من غير وجه هذا الحديث عن عبد الله بن زيد وغيره أن النبي ﷺ أخذ لرأسه ماءً جديدًا، انتهى.
стр. 558
وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا. [م ٢٣٦، حم ٤/ ٣٩، ت ٣٥]
١٢١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ
===
قلت: ويؤيد رواية عبد الله بن لهيعة ما أخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا الحسين بن إسماعيل، نا زيد بن أخزم، نا عبد الله بن داود، نا سفيان، عن ابن عقيل، عن الربيع بنت معوذ: "أن النبي ﷺ توضأ ومسح رأسه ببلل يديه"، وأخرج أيضًا، قال: ثنا محمد بن هارون أبو حامد، نا محمد بن يحيى الأزدي بهذا الإسناد، قالت: "كان النبي ﷺ يأتينا، فيتوضأ فمسح رأسه بما فضل في يديه من الماء" الحديث، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، قال الترمذي: صدوق، تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه، ونقل الترمذي عن البخاري قال: كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديثه.
(وغسل رجليه حتى أنقاهما) (٢) أي أزال الوسخ عنهما، أورد المصنف هذا الحديث لأجل زيادة وقعت فيه في مسح الرأس، وهو قوله: "بماء غير فضل يديه"، وفي غسل الرجلين وهو قوله: "حتى أنقاهما"، فهذه الزيادة لا توجد إلَّا في هذه الرواية.
١٢١ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: ثنا أبو المغيرة) هو عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي، قال أبو حاتم: كان
стр. 559
قال: حَدَّثَنَا حَرِيزٌ قال: حَدَّثَنِى (١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْسَرَةَ الْحَضْرَمِىُّ قال: سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِىَّ
===
صدوقًا، وقال العجلي والدارقطني: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ٢١٢ هـ.
(قال: ثنا حريز) بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وآخره زاي، ابن عثمان الرحبي بفتح الراء والحاء المهملة بعدها موحدة، الحمصي، قدم بغداد زمن المهدي، وثقه أحمد وابن معين، وقال ابن المديني: لم يزل من أدركناه من أصحابنا يوثقونه، وقال العجلي: شامي ثقة، وكان يحمل على علي، وقال عمرو بن علي: كان ينتقص علياً وينال منه. وقال في موضع آخر: ثبت شديد التحامل على علي، وقال ابن عدي: وحريز من الأثبات في الشاميين يحدث عن الثقات منهم، وقد وثقه القطان وغيره، وإنما وضع منه ببغضه لعلي، وحكى الأزدي في "الضعفاء": أن حريز بن عثمان روى أن النبي ﷺ لما أراد أن يركب بغلته جاء علي بن أبي طالب، فحل حزام البغلة ليقع النبي ﷺ ، انتهى ملخصًا. وبالجملة ذكر الحافظ توثيقه عن كثير من المحدثين، وأثبت نصبه كثير منهم، مات سنة ١٦٣ هـ.
(قال: حدثني عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي) (٢) أبو سلمة الحمصي، قال ابن المديني: مجهول لم يرو عنه غير حريز، وقال أبو داود: شيوخ حريز كلهم ثقات، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة. (قال: سمعت المقدام بن معدي كرب) (٣) بن عمرو (الكندي) نزل حمص، صحابي
стр. 560
قَالَ: أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ: فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا, وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا, ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا, ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا,
===
مشهور، وهو أحد الوفد الذين وفدوا على رسول الله ﷺ من كندة، مات بالشام (١) سنة ٨٧ هـ، وله إحدى وتسعون سنة (٢).
(قال: أتي رسول الله ﷺ بوضوء) أي بماء يتوضأ به (فتوضأ: فغسل كفيه ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا)، هذا على ما في كثير من النسخ، وفيها المضمضة والاستنشاق بعد غسل الذراعين، وفي نسخة على الحاشية: "ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا"، فعلى النسخة الأولى احتج بها من قال: الترتيب في الوضوء غير واجب (٣) لأنه أخَّر المضمضة والاستنشاق من غسل الذراعين، وعطف عليه بـ "ثم"، وأجاب عنها صاحب "غاية المقصود" فقال: قلت: هذه رواية شاذة لا تعارض الرواية المحفوظة التي فيها تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه.
قلت: قال الشوكاني في "النيل" (٤): الحديث إسناده صالح، وأما الروايات المحفوظة التي فيها تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، فإنها لا تدل على الترتيب، ولا ينتهض الترتيب بثُم في حديث
стр. 561
ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ: ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا. [جه ٤٤٢، حم ٤/ ١٣٢، ق ١/ ٧٦، ك ١/ ١٤٨]
===
الباب على الوجوب, لأنه من لفظ الراوي، وغايته أنه وقع من النبي ﷺ على تلك الصفة، والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب، فدعوى وجوب الترتيب لا تتم إلَّا بإبراز دليل عليها يتعين المصير إليه.
(ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما) ظاهر الأذنين ما يلي
الرأس وباطنهما ما يلي الوجه، وأما كيفية المسح فما أخرجها ابن ماجه (١) "أن رسول الله ﷺ مسح أذنيه وأدخلهما السبابتين، وخالف إبهاميه إلى ظاهر أذنيه، فمسح ظاهرهما وباطنهما"، وفي رواية النسائي (٢): "ثم مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه"، وظاهر حديث الباب يدل على أن الأذنين يمسحان ظاهرهما وباطنهما مع الرأس، وأيضًا يدل على أنه لم يأخذ للأذنين ماء جديداً (٣)، بل مسح الرأس والأذنين بماء واحد.
واختلف العلماء في أن الأذنين هل يمسحان ببقية ماء الرأس أو بماء جديد؟ فذهب (٤) مالك والشافعي وأحمد (٥) وأبو ثور إلى أنه يوخذ لهما ماء جديد، وذهب الثوري وأبو حنيفة إلى أنهما يمسحان مع الرأس بماء واحد،
стр. 562
١٢٢ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَيَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ الأَنْطَاكِىُّ, لَفْظُهُ, قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ,
===
ثم قال الشوكاني بعد بيان الاختلاف وتخريج الروايات على المذهب الأول: قال ابن القيم في "الهدي" (١): لم يثبت عنه ﷺ أنه أخذ لهما ماءً جديدًا، وإنما صح ذلك عن ابن عمر (٢).
١٢٢ - (حدثنا محمود بن خالد) السلمي (ويعقوب بن كعب الأنطاكي) هو يعقوب بن كعب بن حامد الحلبي أبو يوسف، نزيل أنطاكية بلدة بالشام، وثقه العجلي وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(لفظه) (٣) أي هذا لفظ يعني الحديث المذكور في الكتاب هو لفظ يعقوب بن كعب، وأما حديث محمود فهو في معناه نحو حديث يعقوب، وليس لفظه، وهو خبر حذف مبتدأه.
(قالا: ثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولى بني أمية، ثقة، وثقه كثير، لكنه كثير التدليس والتسوية، قال الدارقطني: كان الوليد يرسل، يروي عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي (٤) عن شيوخ ضعفاء قد أدركهم الأوزاعي، فيسقط أسماء الضعفاء ويجعلها عن الأوزاعي عن نافع، وقال مُهَنّا: سألت أحمد عن الوليد، فقال: اختلطت عليه أحاديث، ما سمع وما لم يسمع، وكانت له منكرات، مات سنة ١٩٥ هـ.
стр. 563
عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَيْسَرَةَ, عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ, فَلَمَّا بَلَغَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ, فَأَمَرَّهُمَا حَتَّى بَلَغَ الْقَفَا, ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِى مِنْهُ بَدَأَ (١). قَالَ مَحْمُودٌ: قَالَ: أَخْبَرَنِى حَرِيزٌ. [ق ١/ ٧٦]
١٢٣ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَهِشَامُ بْنُ خَالِدٍ,
===
(عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن المقدام بن
معدي كرب قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فلما بلغ مَسْحَ رأسِه) لفظ المسح ها هنا بسكون السين المهملة مضاف إلى الرأس ومفعول لقوله: بلغ.
(وضع كفيه على مقدم رأسه، فأمَرَّهما) من الإمرار أي أجراهما وأمضاهما (حتى بلغ القفا) (٢)، قال في "القاموس": القفا وراء العنق، وقد يمد، وفي رواية: "حتى بلغ القذال"، بفتح قاف فمعجمة فألف فلام، أول القفا (ثم ردهما إلى المكان الذي منه بدأ، قال محمود) أي محمود بن خالد أستاذ أبي داود: (قال) الوليد بن مسلم: (أخبرني حريز).
غرض أبي داود بهذا الكلام بيان أن كلا شيخيه اختلفا في السند، فأما يعقوب بن كعب فروى عن شيخه وليد بن مسلم بأنه يروي عن شيخه حريز بن عثمان معنعنة، وأما محمود فروى عنه بالتحديث (٣)، ويمكن أن يستدل به على استحباب مسح الرقبة، وسيجيء بحثه قريبًا.
١٢٣ - (حدثنا محمود بن خالد وهشام بن خالد) بن يزيد بن مروان
стр. 564
الْمَعْنَى, قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ: وَمَسَحَ بِأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا. زَادَ هِشَامٌ: وَأَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِى صِمَاخِ أُذُنَيْهِ. [جه ٤٤٢]
١٢٤ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِىُّ
===
الأزرق، أبو مروان الدمشقي، ويقال: مولى بني أمية، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال مسلمة في "الصلة": ثقة. مات سنة ٢٤٩ هـ، هكذا في "تهذيب التهذيب" - (المعنى) مبتدأ وخبره واحد، أو يقال: ذكرا المعنى فيكون مفعولًا، يقول: الحديثان وإن اختلفا في اللفظ لكنهما متحدان في المعنى.
(قالا: ثنا الوليد) بن مسلم (بهذا الإسناد) المذكور سابقًا، (قال) أي الوليد في هذه الرواية: (ومسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما) يعني هذه الزيادة مختصة برواية محمود وهشام ابني خالد، وليست في رواية يعقوب بن كعب، (زاد هشام: وأدخل أصابعه (١) في صماخ (٢) أذنيه) أي في جحري أذنيه، وهذه الزيادة مختصة برواية هشام بن خالد عن الوليد، وليست في رواية محمود بن خالد، ولا في رواية يعقوب بن كعب (٣).
١٢٤ - (حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني) (٤)، هو مؤمل بن فضل بن مجاهد، ويقال: ابن عمير الحراني، أبو سعيد الجزري، قال أبو حاتم: ثقة رضىً، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ٢٣١ هـ.
стр. 565
قال: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ قال: حَدَّثَنَا أَبُو الأَزْهَرِ الْمُغِيرَةُ بْنُ فَرْوَةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِى مَالِكٍ, أَنَّ مُعَاوِيَةَ
===
(قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا عبد الله بن العلاء) بن زبر بفتح الزاي وسكون الموحدة، ابن عطارد بن عمرو بن حجر الربعي، أبو زبر، ويقال: أبو عبد الرحمن الدمشقي، قال الدوري وابن أبي خيثمة وغير واحد عن ابن معين: ثقة، وكذا قال دحيم وأبو داود ومعاوية بن صالح وهشام بن عمار، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال الدارقطني: ثقة يجمع حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ونقل الذهبي في "الميزان": أن ابن حزم نقل عن ابن معين أنه ضعفه، قال شيخنا في "شرح الترمذي": لم أجد ذلك عن ابن معين بعد البحث، قال إبراهيم بن عبد الله: توفي أبي سنة ١٦٤ هـ، وهو ابن تسع وثمانين.
(قال: ثنا أبو الأزهر المغيرة بن فروة) الدمشقي، ويقال: فروة بن المغيرة، مشهور بكنيته، ذكره ابن حبان في "الثقات" (ويزيد بن أبي مالك) هو يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، واسمه هانئ الهمداني الدمشقي القاضي ولاه هشيم القضاء، قال ابن أبي حازم (١): سئل أبي عنه، فقال: من فقهاء أهل الشام، وهو ثقة، وقال الدارقطني والبرقاني: من الثقات، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال يعقوب بن سفيان: كان قاضيًا، وابنه خالد، في حديثهما لين، مات سنة ١٣٠ هـ.
(أن معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أسلم يوم الفتح، وقيل: قبل ذلك، وكتب الوحي، ولاه عمر بن الخطاب الشام بعد أخيه يزيد، فأقَرَّه عثمان مدة ولايته، ثم ولي الخلافة فكان أميرًا