ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ: ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا. [جه ٤٤٢، حم ٤/ ١٣٢، ق ١/ ٧٦، ك ١/ ١٤٨]
===
الباب على الوجوب, لأنه من لفظ الراوي، وغايته أنه وقع من النبي ﷺ على تلك الصفة، والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب، فدعوى وجوب الترتيب لا تتم إلَّا بإبراز دليل عليها يتعين المصير إليه.
(ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما) ظاهر الأذنين ما يلي
الرأس وباطنهما ما يلي الوجه، وأما كيفية المسح فما أخرجها ابن ماجه (١) "أن رسول الله ﷺ مسح أذنيه وأدخلهما السبابتين، وخالف إبهاميه إلى ظاهر أذنيه، فمسح ظاهرهما وباطنهما"، وفي رواية النسائي (٢): "ثم مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه"، وظاهر حديث الباب يدل على أن الأذنين يمسحان ظاهرهما وباطنهما مع الرأس، وأيضًا يدل على أنه لم يأخذ للأذنين ماء جديداً (٣)، بل مسح الرأس والأذنين بماء واحد.
واختلف العلماء في أن الأذنين هل يمسحان ببقية ماء الرأس أو بماء جديد؟ فذهب (٤) مالك والشافعي وأحمد (٥) وأبو ثور إلى أنه يوخذ لهما ماء جديد، وذهب الثوري وأبو حنيفة إلى أنهما يمسحان مع الرأس بماء واحد،
стр. 562
١٢٢ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَيَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ الأَنْطَاكِىُّ, لَفْظُهُ, قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ,
===
ثم قال الشوكاني بعد بيان الاختلاف وتخريج الروايات على المذهب الأول: قال ابن القيم في "الهدي" (١): لم يثبت عنه ﷺ أنه أخذ لهما ماءً جديدًا، وإنما صح ذلك عن ابن عمر (٢).
١٢٢ - (حدثنا محمود بن خالد) السلمي (ويعقوب بن كعب الأنطاكي) هو يعقوب بن كعب بن حامد الحلبي أبو يوسف، نزيل أنطاكية بلدة بالشام، وثقه العجلي وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(لفظه) (٣) أي هذا لفظ يعني الحديث المذكور في الكتاب هو لفظ يعقوب بن كعب، وأما حديث محمود فهو في معناه نحو حديث يعقوب، وليس لفظه، وهو خبر حذف مبتدأه.
(قالا: ثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولى بني أمية، ثقة، وثقه كثير، لكنه كثير التدليس والتسوية، قال الدارقطني: كان الوليد يرسل، يروي عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي (٤) عن شيوخ ضعفاء قد أدركهم الأوزاعي، فيسقط أسماء الضعفاء ويجعلها عن الأوزاعي عن نافع، وقال مُهَنّا: سألت أحمد عن الوليد، فقال: اختلطت عليه أحاديث، ما سمع وما لم يسمع، وكانت له منكرات، مات سنة ١٩٥ هـ.
стр. 563
عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَيْسَرَةَ, عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ, فَلَمَّا بَلَغَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ, فَأَمَرَّهُمَا حَتَّى بَلَغَ الْقَفَا, ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِى مِنْهُ بَدَأَ (١). قَالَ مَحْمُودٌ: قَالَ: أَخْبَرَنِى حَرِيزٌ. [ق ١/ ٧٦]
١٢٣ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَهِشَامُ بْنُ خَالِدٍ,
===
(عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن المقدام بن
معدي كرب قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فلما بلغ مَسْحَ رأسِه) لفظ المسح ها هنا بسكون السين المهملة مضاف إلى الرأس ومفعول لقوله: بلغ.
(وضع كفيه على مقدم رأسه، فأمَرَّهما) من الإمرار أي أجراهما وأمضاهما (حتى بلغ القفا) (٢)، قال في "القاموس": القفا وراء العنق، وقد يمد، وفي رواية: "حتى بلغ القذال"، بفتح قاف فمعجمة فألف فلام، أول القفا (ثم ردهما إلى المكان الذي منه بدأ، قال محمود) أي محمود بن خالد أستاذ أبي داود: (قال) الوليد بن مسلم: (أخبرني حريز).
غرض أبي داود بهذا الكلام بيان أن كلا شيخيه اختلفا في السند، فأما يعقوب بن كعب فروى عن شيخه وليد بن مسلم بأنه يروي عن شيخه حريز بن عثمان معنعنة، وأما محمود فروى عنه بالتحديث (٣)، ويمكن أن يستدل به على استحباب مسح الرقبة، وسيجيء بحثه قريبًا.
١٢٣ - (حدثنا محمود بن خالد وهشام بن خالد) بن يزيد بن مروان
стр. 564
الْمَعْنَى, قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ: وَمَسَحَ بِأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا. زَادَ هِشَامٌ: وَأَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِى صِمَاخِ أُذُنَيْهِ. [جه ٤٤٢]
١٢٤ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِىُّ
===
الأزرق، أبو مروان الدمشقي، ويقال: مولى بني أمية، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال مسلمة في "الصلة": ثقة. مات سنة ٢٤٩ هـ، هكذا في "تهذيب التهذيب" - (المعنى) مبتدأ وخبره واحد، أو يقال: ذكرا المعنى فيكون مفعولًا، يقول: الحديثان وإن اختلفا في اللفظ لكنهما متحدان في المعنى.
(قالا: ثنا الوليد) بن مسلم (بهذا الإسناد) المذكور سابقًا، (قال) أي الوليد في هذه الرواية: (ومسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما) يعني هذه الزيادة مختصة برواية محمود وهشام ابني خالد، وليست في رواية يعقوب بن كعب، (زاد هشام: وأدخل أصابعه (١) في صماخ (٢) أذنيه) أي في جحري أذنيه، وهذه الزيادة مختصة برواية هشام بن خالد عن الوليد، وليست في رواية محمود بن خالد، ولا في رواية يعقوب بن كعب (٣).
١٢٤ - (حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني) (٤)، هو مؤمل بن فضل بن مجاهد، ويقال: ابن عمير الحراني، أبو سعيد الجزري، قال أبو حاتم: ثقة رضىً، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ٢٣١ هـ.
стр. 565
قال: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ قال: حَدَّثَنَا أَبُو الأَزْهَرِ الْمُغِيرَةُ بْنُ فَرْوَةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِى مَالِكٍ, أَنَّ مُعَاوِيَةَ
===
(قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا عبد الله بن العلاء) بن زبر بفتح الزاي وسكون الموحدة، ابن عطارد بن عمرو بن حجر الربعي، أبو زبر، ويقال: أبو عبد الرحمن الدمشقي، قال الدوري وابن أبي خيثمة وغير واحد عن ابن معين: ثقة، وكذا قال دحيم وأبو داود ومعاوية بن صالح وهشام بن عمار، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال الدارقطني: ثقة يجمع حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ونقل الذهبي في "الميزان": أن ابن حزم نقل عن ابن معين أنه ضعفه، قال شيخنا في "شرح الترمذي": لم أجد ذلك عن ابن معين بعد البحث، قال إبراهيم بن عبد الله: توفي أبي سنة ١٦٤ هـ، وهو ابن تسع وثمانين.
(قال: ثنا أبو الأزهر المغيرة بن فروة) الدمشقي، ويقال: فروة بن المغيرة، مشهور بكنيته، ذكره ابن حبان في "الثقات" (ويزيد بن أبي مالك) هو يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، واسمه هانئ الهمداني الدمشقي القاضي ولاه هشيم القضاء، قال ابن أبي حازم (١): سئل أبي عنه، فقال: من فقهاء أهل الشام، وهو ثقة، وقال الدارقطني والبرقاني: من الثقات، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال يعقوب بن سفيان: كان قاضيًا، وابنه خالد، في حديثهما لين، مات سنة ١٣٠ هـ.
(أن معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أسلم يوم الفتح، وقيل: قبل ذلك، وكتب الوحي، ولاه عمر بن الخطاب الشام بعد أخيه يزيد، فأقَرَّه عثمان مدة ولايته، ثم ولي الخلافة فكان أميرًا
стр. 566
تَوَضَّأَ لِلنَّاسِ كَمَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ, فَلَمَّا بَلَغَ رَأْسَهُ غَرَفَ (١) غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ, فَتَلَقَّاهَا بِشِمَالِهِ حَتَّى وَضَعَهَا عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ, حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ أَوْ كَادَ يَقْطُرُ, ثُمَّ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ, وَمِنْ مُؤَخَّرِهِ إِلَى مُقَدَّمِهِ. [حم ٤/ ٩٤، ق ١/ ٥٩]
===
عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة، كان عمر إذا نظر إلى معاوية قال: هذا كسرى العرب، مات في رجب سنة ستين (٢).
(توضأ للناس) أي ليرى وضوءه الناس (كما رأى) (٣) أي معاوية (رسول الله ﷺ يتوضأ، فلما بلغ) معا وية (رأسه) أي مسح رأسه (غرف) معاوية (غرفة من ماء) بيمينه، (فتلقاها) (٤) أي الغرفة (بشماله حتى وضعها على وسط رأسه، حتى قطر الماء أو كاد) أي قرب أن (يقطر، ثم مسح) أي بدأ المسح (من مقدمه) أي مقدم رأسه (إلى مؤخره)، والمراد أنه بدأ بالمسح من الناصية إلى القفا (ومن موخره إلى مقدمه) أي من القذال إلى الناصية.
وفي هذا الحديث تلقي الغَرفة باليسرى ووضعها بها على الرأس، وليست هذه في ما رواه علي بن بحر عن الوليد بن مسلم بهذا الإسناد إلى معاوية، كما أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده"، وهذا لفظه: ثنا عبد الله، ثني أبي، ثنا علي بن بحر قال: ثنا الوليد يعني ابن مسلم، قال: ثنا عبد الله بن العلاء، أنه سمع يزيد يعني ابن أبي مالك وأبا الأزهر يحدثان عن وضوء معاوية، قال: يريهم وضوء رسول الله ﷺ فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، وغسل رجليه بغير عدد، وهكذا أخرجه أبو داود عن محمود بن خالد عن الوليد.
стр. 567
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأما الطحاوي فأخرج بسنده عن علي بن بحر عن الوليد إلى معاوية ولفظه: "أنه أراهم وضوء رسول الله ﷺ ، فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه، ثم مر بهما حتى بلغ القفا، ثم ردهما حتى بلغ المكان الذي منه بدأ".
وأما وضع الغرفة على وسط الرأس ثم المسح بعد ذلك، فلم يتعرص (١) له أحد من الشراح فيما تتبعت، ولكن كتب مولانا محمد يحيى المرحوم في تقرير شيخه ﵀: أفاد بذلك (٢) إجزاء الغسل عن المسح فإن الغسل يتضمنه، وإنما كان يتوهم أن لا ينوب أحدهما عن الآخر لكونهما نوعين مختلفين من الأحكام، انتهى.
وهذا مبني على قوله: حتى قطر، وهو الظاهر لأنه إذا وضع الغرفة
على وسط الرأس يقطر الماء لا محالة، خصوصًا إذا كان الشعر فى دُهْنِيًّا، وعلى هذا قالت الحنفية: ولو أصاب رأسه المطر مقدار المفروض أجزأه، مسحه بيده أو لم يمسحه؛ لأن الفعل ليس بمقصود في المسح، وإنما المقصود هو وصول الماء إلى ظاهر الشعر "بدائع" (٣)، وهكذا في "مراقي
стр. 568
١٢٥ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ قال: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بِهَذَا الإِسْنَادِ (١) قَالَ: فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ بِغَيْرِ عَدَدٍ. [انظر تخريج الحديث السابق]
١٢٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ,
===
الفلاح" وحاشيته للطحطاوي (٢).
١٢٥ - (حدثنا محمود بن خالد قال: ثنا الوليد) بن مسلم القرشي (بهذا الإسناد) المذكور (قال) الوليد في حديثه: (فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا وغسل رجليه بغير عدد) الجار يتعلق بلفظ قال، أي قال بغير ذكر عدد (٣)، وهكذا أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده"، كما ذكرناه عن قريب.
١٢٦ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: حدثنا بشر (٤) بن المفضل) بن لاحق الرقاشي بقاف ومعجمة، مولاهم، أبو إسماعيل البصري، قال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وعَدَّه ابن معين في أثبات شيوخ البصريين، وثَّقه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والعجلي والبزار وابن سعد، مات سنة ١٨٦ هـ أو ١٨٧ هـ.
(قال: ثنا عبد الله بن محمد بن عقيل) مكبرًا ابن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد المدني، وأمه زينب الصغرى بنت علي، وقد اختلف الناس فيه، قال ابن سعد: كان منكر الحديث، لا يحتجون بحديثه،
стр. 569
عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ
===
وكان كثير العلم، والإمام مالك لا يروي عنه، ولم يدخله في كتبه، ولا يروي عنه يحيى بن سعيد، وكان ابن عيينة لا يحمد حفظه، وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف الحديث، وقال محمد بن عثمان عن ابن المديني: كان ضعيفًا، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه، وقال أبو حاتم: لين الحديث، ليس بالقوي، ولا ممن يحتج بحديثه، وهو أحبُّ إلى من تمام بن نجيح، يكتب حديثه، وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى وعبد الرحمن يحدثان عنه، والناس يختلفون عليه، وقال العجلي: مدني تابعي جائز الحديث.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يحتجان بحديثه، وليس بذاك المتين المعتمد، وقال الترمذي: صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل، قال محمد بن إسماعيل: وهو مقارب الحديث، وقال ابن عدي: روى عنه جماعة من المعروفين الثقات، وهو خير من ابن سمعان، ويكتب حديثه، وقال مسعود السجزي عن الحاكم: عُمِّر فساء حفظه، فحدث على التخمين، وقال في موضع آخر: مستقيم الحديث، وقال ابن عبد البر: هو أوثق من كل من تكلم فيه، انتهى. وهذا إفراط، "تهذيب التهذيب" (١) ملخصًا.
(عن الرُّبَيّع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة (بنت معوذ بن عفراء) الأنصارية النجارية، صحابية، قال ابن أبي خيثمة عن أبيه: إنها كانت من المبايعات تحت الشجرة، وعفراء بفتح العين المهملة وسكون الفاء، بنت عبيد بن ثعلبة بن مالك بن النجار، ذكرها
стр. 570
قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِينَا, فَحَدَّثَتْنَا أَنَّهُ قَالَ: «اسْكُبِى لِى وَضُوءًا,
فَذَكَرَتْ (١) وُضُوءَ النَّبِيِّ (٢) ﷺ , قَالَتْ فِيهِ: فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا, وَوَضَّأَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مَرَّةً,
===
ابن حبيب في المبايعات، تزوجها الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد، فولدت له مُعاذًا ومعوذًا وعوفًا بني الحارث، ثم تزوجت بعد الحارث بكير بن ياليل الليثي، فولدت له أربعة: إياسًا وعاقلًا وخالدًا وعامرًا، وكلهم شهدوا بدرًا، وكذلك إخوتهم لأمهم بنو الحارث، فانتظم من هذا أنها امرأة صحابية لها سبعة أولاد شهدوا كلهم بدرًا مع النبي ﷺ ، وهذه خصيصة لا توجد لغيرها (٣).
(قالت) (٤) أي الربيع: (كان رسول الله ﷺ يأتينا) قال عبد الله بن محمد: (فحدثتنا) الربيع (أنه) ﷺ يومًا و (قال) لي: (اسكبي) أي صُبِّي (لي وضوءًا) أي ماء الوضوء في الإناء، قال عبد الله: (فذكرت) (٥) الربيع (وضوء النبي ﷺ ، قالت فيه) أي في وضوء النبي ﷺ : (فغسل كفيه ثلاثًا، ووَضّأ) من التفعيل أي غسل (وجهه ثلاثًا، ومضمض واستنشق مرة) اكتفى على المرة الواحدة لعله لبيان الجواز، وأيضًا فيه تأخير المضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه، فيقال: إن التأخير في الذكر لا يستلزم التأخير في أداء الفعل، ولو سلم فيحمل على بيان الجواز.
стр. 571
وَوَضَّأَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا, وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ: يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ, وَبِأُذُنَيْهِ كِلْتَيْهِمَا: ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا, وَوَضَّأَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا. [ت ٣٣، جه ٤٤٠، دي ٦٩٠، حم ٦/ ٣٥٨، ق ١/ ٦٤]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ مُسَدَّدٍ.
===
(ووضأ يديه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه مرتين: يبدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدَّمه)، وهذا بيان لقوله: مرتين، فلا يدل على أن المسح كان مرتين، بل يدل على أن استيعاب الرأس بالمسح كان مرة واحدة، ولكن حصل ذلك الاستيعاب بالمسح مرتين بالابتداء بمؤخر الرأس ثم بمقدمه، وقد ورد عن الربيع في المسح أنه فعل مرة واحدة، كما يأتي عن قريب.
وأما قوله: "يبدء بمؤخر رأسه ثم بمقدمه"، بظاهره يخالف ما رواه كثير من كبار (١) الصحابة بأنه بدأ بمقدمه ثم بمؤخره، فيمكن أن هذا الذي فعله ﷺ فعله لبيان الجواز، ويمكن أن يوجه هذا السياق بأن يقال: معنى قوله: "يبدأ بمؤخر رأسه" أي يبدء بإمرار اليدين إلى مؤخر رأسه، ثم بهما إلى مقدمه، وهذا أولى من أن ينسب التحريف إلى الراوي.
(وبأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما، ووضأ رجليه (٢) ثلاثًا ثلاثًا، قال أبو داود: وهذا معنى حديث مسدد)، يعني لم أحفظ ألفاظ حديث مسدد فأوردته بالمعنى، وأخرج البيهقي هذا الحديث حديث ابن المفضل، ولكن فيه زيادات كثيرة على ما في حديث أبي داود من السياق.
стр. 572
١٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ, بِهَذَا الْحَدِيثِ
===
١٢٧ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل) الطالقاني بفتح الطاء المهملة وسكون اللام (١) بعدها القاف المفتوحة وفي آخرها النون، بلدة بين مرو الرُّوذ (٢) وبلخ، بما يلي الجبال، قال يعقوب بن شيبة: ثقة، وكان ابن معين يوثقه، وقال أبو داود والدارقطني: ثقة، وقال عثمان بن خرزاذ: ثقة ثقة، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من ثقات أهل العراق ومتقنيهم، حسده بعض الناس فحلف أن لا يحدث حتى يموت، قال ابن المديني: كان إسحاق بن إسماعيل معنا عند جرير، وكانوا ربما قالوا له: جئنا بتراب - وجرير يقرأ - فيقوم، وضعفه، مات سنة ٢٣٠ هـ.
(قال: حدثنا سفيان) بن عيينة، هذا ما قاله بعض الشراح، ولم يثبت عندي أنه ابن عيينة أو الثوري، وسيأتي في أبي داود من حديث مسدد، عن عبد الله بن داود، عن سفيان بن سعيد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد أخرج أحمد في "مسنده": حدثنا عبد الله، نا أبي، ثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل، فثبت بهذا أنهما يرويان عن عبد الله بن محمد بن عقيل، فتعيين أحدهما من غير قرينة مشكل (٣).
(عن ابن عقيل) هو عبد الله بن محمد بن عقيل (بهذا الحديث) المذكور عن بشر بن المفضل عن عبد الله بن محمد بن عقيل، لكن سفيان
стр. 573
يُغَيِّرُ بَعْضَ مَعَانِى بِشْرٍ, قَالَ فِيهِ: وَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا. [انظر الحديث السابق]
١٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الْهَمْدَانِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ, عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ
===
(يغير بعض معاني بشر) يعني حديثي بشر وسفيان، وإن كانا متَّحدين في المعنى في الجملة، لكنهما متغايران في بعض المعاني، فإن سفيان يغير بعض معاني بشر (قال) سفيان (فيه) أي في هذا الحديث: (وتمضمض واستنثر ثلاثًا) وقد كان [بشر بن] المفضل قال فيه: مضمض واستنشق مرة، فهذا هو التغيير.
١٢٨ - (حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد الهمداني قالا: حدثنا الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي بفتح الفاء وسكون الهاء وفي آخرها الميم، وهم بطن من قيس عيلان، أبو الحارث، الإِمام المصري، فاق أهل زمانه بالسخاء والبذل، وكان لا يحدث أحدًا حتى يدخل في جملة من يجري عليهم ما يحتاجون إليه في وقت مقامهم عليه، فإذا خرجوا من عنده زوَّدهم ما فيه البُلْغة إلى أوطانهم، قال الأثرم عن أحمد: ما في هؤلاء المصريين أثبت من الليث، وثَّقه ابن المديني والعجلي والنسائي ويعقوب بن شيبة، وفي حديثه عن الزهري بعض الاضطراب، وقال يحيى بن معين: كان يساهل في السماع والشيوخ، وقال الأزدي: صدوق إلَّا أنه كان يساهل، مات سنة ١٧٥ هـ.
(عن ابن عجلان) هو محمد بن عجلان القرشي، (عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء: أن رسول الله ﷺ توضأ
стр. 574
عِنْدَهَا فَمَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّهُ مِنْ قَرْنِ (١) الشَّعْرِ, كُلَّ نَاحِيَةٍ لِمُنْصَبِّ الشَّعْرِ لَا يُحَرِّكُ الشَّعْرَ عَنْ هَيْئَتِهِ.
[حم ٦/ ٣٥٩ , ق ١/ ٦٠]
===
عندها فمسح الرأس كله من قرن الشعر)، وأثبت الشوكاني (٢) في نقل هذا الحديث في متن "منتقى الأخبار": "فمسح الرأس كله من فوق الشعر"، ثم قال في "شرحه": ووقع في نسخة من الكتاب مكان "فوق" "فرق"، وفي "سنن أبي داود" ثلاث نسخ (٣)؛ هاتان، والثالثة: قرن، أي يبدأ من أعلى الرأس إلى (كل ناحية) كائنة (لمنصبِّ الشعر) (٤) بضم الميم وسكون النون وفتح الصاد المهملة وتشديد الباء الموحدة، أي لمحل انصبابه وانحداره وهو أسفل رأسه، فحاصله أنه ﷺ مسح من الناصية إلى القذال.
(لا يحرك الشعر عن هيئته) معناه أنه ﷺ مسح الرأس كله بيديه الشريفتين من الأعلى إلى الأسفل مرة واحدة بإمرار اليدين على الرأس باللين والسهولة لا بالعنف والشدة، حتى لا يحرك الشعر عن هيئته، أو لم يمسح من الأسفل إلى الأعلى، فلو مسح من الأسفل إلى الأعلى لاختلَّ نظام الشعر، ولكن هذا التأويل الثاني يعارض ما سبق من حديث الربيع بنت معوذ برواية بشر بن المفضل وسفيان، فإن فيها: "يبدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه"، فالأقرب هو التأويل الأول.
стр. 575
١٢٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قال: حَدَّثَنَا بَكْرٌ - يَعْنِى ابْنَ مُضَرَ -, عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ, أَنَّ رُبَيِّعَ (١) بِنْتَ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ. - قَالَتْ: فَمَسَحَ رَأْسَهُ, وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ, وَصُدْغَيْهِ, وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً. [ت ٣٤، حم ٦/ ٣٥٩، ق ١/ ٥٩]
===
١٢٩ - (حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا بكر - يعني ابن مضر -)، زاد لفظ "يعني" ليدل على أن قوله: "ابن مضر" ليس من لفظ الشيخ، وهو بكر بن مضر بن محمد بن حكيم، أبو محمد أو أبو عبد الملك المصري، مولى ربيعة بن شرحبيل، وثقه أحمد وابن معين والنسائي وأبو حاتم والعجلي، مات سنة ١٧٣ هـ، (عن ابن عجلان) هو محمد بن عجلان، (عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن ربيع بنت معوِّذ بن عفراء أخبرته) أي عبد الله.
(قالت: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، قالت: فمسح رأسه ومسح ما أقبل منه) أي من الرأس (وما أدبر) أي منه (وصدغيه) الصدغ (٢) بالضم ما بين العين والأذن، والشعر المتدلّي على هذا الموضع، قال القاري (٣): قال ابن الملك: هو الشعر الذي بين الأذن وبين الناصية من كل جانب من جانبي الرأس، وهو الإنسب بالمذهب، وفي "شرح الأبهري": قال صاحب "البحر": الصدغ: الشعر المحاذي لرأس الأذن وما نزل إلى العذار، وفي "العزيز": ومما يخرج من حد الوجه الصدغان، وهما جانبا الأذن يتصلان بالعذارين، انتهى، (وأذنيه مرة واحدة).
стр. 576
١٣٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ, عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ, عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ, عَنِ الرُّبَيِّعِ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مِنْ فَضْلِ مَاءٍ كَانَ فِى يَدِهِ. [حم ٦/ ١٣٠، قط ١/ ٨٧]
١٣١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ
===
١٣٠ - (حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد الله بن داود) بن عامر بن الربيع الهمداني، ثم الشعبي، أبو عبد الرحمن المعروف بالخريبي بضم الخاء وفتح الراء وفي آخرها الباء المنقوطة بواحدة، كوفي الأصل، سكن الخريبة، وهي محلة بالبصرة، وثَّقه ابن سعد وابن معين وأبو زرعة والنسائي والدارقطني، وقال أبو حاتم: كان يميل إلى الرأي، وكان صدوقًا، مات سنة ٢١٣ هـ.
(عن سفيان بن سعيد) الثوري، (عن ابن عقيل) هو عبد الله بن محمد بن عقيل، (عن الربيع: أن النبي ﷺ مسح برأسه من فضل ماء) (١) أي بقية ماء (كان في يده) ﷺ من غسل اليدين، وهذا الحديث يدل على أن مسح الرأس ببقية ماء اليدين جائز، وقد تقدم بحثه في "باب صفة وضوء النبي ﷺ ".
١٣١ - (حدثنا إبراهيم بن سعيد) الجوهري (٢) أبو إسحاق، الطبري
стр. 577
قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قال: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ,
===
الأصل، البغدادي، الحافظ، روى عنه الجماعة سوى البخاري، قال النسائي: ثقة، وقال الخطيب: كان ثقة مكثرًا ثبتًا صنف المسند، وقد وثَّقه الدارقطني والخليلي وابن حبان وغيرهم، تُكُلِّمَ فيه بلا حجة، مات في حدود سنة ٢٥٠ هـ.
(قال: حدثنا وكيع) بن الجراح (قال: حدثنا الحسن بن صالح) بن صالح بن حي، وهو حيان بن شُفَي بضم المعجمة وفتح الفاء وشدة الياء، ابن هني بن رافع الهمداني الثوري، أبو عبد الله الكوفي، قال يحيى القطان: كان الثوري سيئ الرأي فيه، وقال أبو نعيم: دخل الثوري يوم الجمعة فإذا الحسن بن صالح يصلي، فقال: نعوذ بالله من خشوع النفاق وأخذ نعليه وتحوَّل، وقال أيضًا عن الثوري: ذاك رجل يرى السيف على الأئمة، وقال خلاد بن زيد: جاءني الثوري إلى ها هنا فقال: الحسن بن صالح مع ما سمع من العلم والفقه يترك الجمعة، وقال ابن إدريس: ما أنا وابن حي لا يرى جمعة ولا جهادًا.
وقال بشر بن الحارث: كان زائدة يحذر الناس من ابن حي وأصحابه. وقال أبو أسامة عن زائدة: أن ابن حي استصلب منذ زمان، وما نجد أحدًا يصلبه، وقال خلف بن تميم: كان زائدة يستعتب من يأتي الحسن بن حي، وقال علي بن الجعد: حدثت زائدة بحديث عن الحسن، فغضب، وقال: لا أحدثك أبدًا، وقال أبو موسى: ما رأيت يحيى ولا عبد الرحمن حدث عن الحسن بن صالح بشيء، وقال عمرو بن علي:
стр. 578
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ, عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ (١):
===
كان عبد الرحمن يحدث عنه ثلاثة أحاديث ثم تركه، هذا ما نقل من جرحه.
وأما التوثيق: فقال أحمد: حسن ثقة، وأخوه ثقة، وقال إبراهيم بن الجنيد وابن أبي خيثمة وابن أبي مريم عن يحيى بن معين: ثقة مأمون مستقيم الحديث، وقال أبو زرعة: اجتمع فيه إتقان وفقه وعبادة وزهد، وقال أبو حاتم: ثقة حافظ متقن، وقال النسائي: ثقة، وقال الدارقطني: ثقة عابد، وقال الساجي: الحسن بن صالح صدوق، وقال أبو زرعة الدمشقي: رأيت أبا نعيم لا يعجبه ما قال ابن المبارك في ابن حي، قال: وتكلم في حسن، قال الساجي: وكان عبد الله بن داود الخريبي يحدث عنه ويطريه، ثم كان يتكلم فيه ويدعو عليه، ويقول: كنت أؤم في مسجد بالكوفة فأطريت أبا حنيفة فأخذ الحسن بيدي نحَّاني عن الإمامة، قال الساجي: فكان ذلك سبب غضب الخريبي عليه، مات سنة ١٦٩ هـ، ذكره البخاري في كتاب الشهادات من "الجامع".
وأجاب الحافظ عما نقموا عليه أن قولهم: "كان يرى السيف"، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجَور، وهذا مذهب للسلف قديم، وبمثل هذا الرأي لا يقدح في رجل قد ثبتت عدالته؛ واشتهر بالحفظ والإتقان والورع التام، وأما ترك الجمعة ففي جملة رأيه ذلك أن لا يصلي خلف فاسق، ولا يصحح إمامة الفاسق، فهذا ما يعتذر به عن الحسن، وإن كان الصواب خلافه فهو إمام مجتهد (٢).
(عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ) بن عفراء
стр. 579
أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ فِى جُحْرَىْ أُذُنَيْهِ. [جه ٤٤١، حم ٦/ ٣٥٩، ق ١/ ٦٥]
١٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَمُسَدَّدٌ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, عَنْ لَيْثٍ,
===
(أن النبي ﷺ توضأ فأدخل إصبعيه) أي السبَّابتين (في جُحري أذنيه) أي في صماخهما (١).
١٣٢ - (حدثنا محمد بن عيسى) أبو جعفر (ومسدد) بن مسرهد (قالا: حدثنا عبد الوارث، عن ليث) بن أبي سليم بن زنيم القرشي مولاهم، أبو بكر الكوفي، وقال يحيى والنسائي: ضعيف، وقال ابن معين أيضًا: لا بأس به، قال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، وقال الدارقطني: إنما كان صاحب سنَّة، إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسب، وقال الترمذي في "العلل الكبير": قال محمد: كان أحمد يقول: ليث لا يفرح بحديثه، قال محمد: وليث صدوق يهم.
وقال النووي في "شرح مسلم": أما ليث بن أبي سليم فضعفه الجماهير، قالوا: اختلط واضطربت أحاديثه، قالوا: وهو ممن يكتب حديثه، قال أحمد بن حنبل: هو مضطرب الحديث، ولكن حدث الناس عنه، وقال الدارقطني وابن عدي: يكتب حديثه، وقال كثيرون: لا يكتب حديثه، وامتنع كثيرون من السلف من كتابة حديثه، واسم أبي سليم: أيمن، وقيل: أنس، انتهى، مات بعد سنة ١٤٠ هـ.
стр. 580
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ
===
(عن طلحة بن مصرِّف) (١) بن عمرو بن كعب الهمداني اليامي بالتحتانية، أبو محمد، ويقال أبو عبد الله الكوفي، وثقه ابن معين، وأبو حاتم والعجلي وابن سعد، وقال أبو معشر: ما ترك بعده مثله، وأثنى عليه، وقال عبد الله بن إدريس: ما رأيت الأعمش أثنى على أحد يدركه إلَّا على طلحة بن مصرف، أدرك أنسًا، وما ثبت له سماع منه، مات سنة ١١٢ هـ (٢).
(عن أبيه)، هو مصرف (٣) كمحدث، وحكي كمعظم، وهو ضعيف (٤) أو غلط، ابن عمرو بن كعب، ويقال: مصرف بن كعب بن عمرو اليامي الكوفي، وروى عنه طلحة بن مصرف، مجهول.
(عن جده)، هو كعب بن عمرو، وقيل: عمرو بن كعب، وهو جد
стр. 581
قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ - وَهُوَ أَوَّلُ الْقَفَا -
===
طلحة بن مصرف، سكن الكوفة، وله صحبة (١)، ومن حديثه ما روى طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، فأمَرّ يده على سالفته (٢)، أخرجه الثلاثة، قال أبو عمرو: وقد اختلف فيه، وهذا أصح ما قيل فيه، هكذا في "أسد الغابة" (٣).
(قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القذال (٤)، وهو أول القفا) (٥)، أي مسح رأسه من قرن الرأس إلى منتهى الرأس، وهذا لفظ محمد بن عيسى.
стр. 582
وَقَالَ مُسَدَّدٌ: وَمَسَحَ رَأْسَهُ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ حَتَّى أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ أُذُنَيْهِ.
قَالَ مُسَدَّدٌ: فَحَدَّثْتُ بِهِ يَحْيَى فَأَنْكَرَهُ. [حم ٣/ ٤٨١ , ق ١/ ٦٠، طح ١/ ١٧]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: إنّ ابْنُ عُيَيْنَةَ زَعَمُوا (١) أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُهُ,
===
(وقال مسدد: ومسح رأسه من مقدَّمه إلى مؤخَّره حتى أخرج (٢) يديه من تحت أذنيه، قال مسدد: فحدثت به) أي بهذا الحديث (يحيى) أي القطان (فأنكره) يعني أنكر هذا الحديث لجهالة مصرف لا لمقال في صحبة جد طلحة، فإنه ليس بشيء، فإنه يصرح في هذا الحديث: "رأيت رسول الله ﷺ "، وأيضًا يأتي قريبًا بعد عدة أبواب، "قال: دخلت، يعني على النبي ﷺ وهو يتوضأ"، ويمكن أن يكون يحيى أنكر أن يكون لجد طلحة صحبة لضعف في سند الحديث، فإن ليث بن أبي سليم ضعيف، ومصرفًا مجهول.
(قال أبو داود: وسمعت أحمد) بن حنبل (يقول: إن ابن عيينة زعموا أنه كان ينكره) فضمير "يقول" يرجع إلى أحمد، ولفظ "ابن عيينة" اسم "إنّ"، و"أنه كان ينكره" خبره، ولفظ "زعموا" معترضة بين الاسم والخبر، وضمير "زعموا" يرجع إلى الناس وعلماء زمانه، فحاصل تقدير العبارة هكذا: سمعت أحمد بن حنبل يقول: قال العلماء: إن ابن عيينة كان ينكر هذا الحديث، فالإمام أحمد لم يسمع هذا القول من ابن عيينة، بل بلغه بواسطة الرجال.
стр. 583
وَيَقُولُ: أَيْشٍ هَذَا: طَلْحَةُ (١) , عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ؟ .
١٣٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ, حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ
===
(ويقول) أي ابن عيينة: (أيش) مخفف أي شيء، قال في "مرقاة الصعود" (٢): حكى أبو علي الفارسي في "تذكرته": حكى أبو الحسن والفراء أنهم يقولون: أيش لك، والقول فيه عندنا أنه أي شيء لك؟ حذف همزه فألقي حركته على الياء فتحرك بالكسر فكسره به فسكن، فلحقه تنوين فحذف لالتقاء الساكنين، قال: فإن قلت: بقي الاسم على حرف واحد، قيل: حسنه الإضافة اللازمة، فصار لزوم الإضافة مشبهًا له بما في نفس الكلمة، حتى حذف منهاكما قيل: فِيْمَ وبِمَ ولمَ، كذلك أيش (هذا: طلحة عن أبيه عن جده؟ ) لفظ هذا اسم إشارة، والمشار إليه طلحة عن أبيه عن جده، معناه: أي شيء هذا السند؟ أي: لا يعتد به، فاستفهام للإنكار.
وظاهر هذه العبارة يدل على إنكار هذا السند، لأجل ضعف في هذا السند، وهو جهالة والد طلحة، ولو كان الإنكار (٣) لعدم ثبوت الصحبة لقال: أيش هذا: عن جده رأيت رسول الله ﷺ ؟ ويحتمل أن يكون الإنكار لأجل الأمرين، أي جهالة مصرف، وعدم ثبوت صحبة جد طلحة.
١٣٣ - (حدثنا الحسن بن علي) الخلال، (حدثنا يزيد بن هارون) بن وادي، ويقال: زاذان بن ثابت السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، أحد الأعلام الحفاظ المشاهير، قال ابن المديني: هو من الثقات، وقال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة، ثبت في الحديث، وقال أبو حاتم: ثقة، إمام صدوق لا يُسأل عن مثله، وكذلك وثَّقه يعقوب بن شيبة،
стр. 584
قَالَ: أنا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ,
===
وابن قانع، وقال يحيى بن أبي طالب: كان يقال: إنَّ في مجلسه سبعين ألف رجل، فكان قد كُفّ في آخر عمره، وذكر ابن أبي خيثمة في "تاريخه" أنه كاتب أبي شيبة القاضي جد أبي بكر بن أبي شيبة، قال: وسمعت أبي يعني أبا خيثمة زهير بن حرب، يقول: كان يعاب على يزيد حين ذهب بصره، ربما إذا سئل عن حديث لا يعرفه، فيأمر جاريته، فتحفظه من كتابه، قال: وسمعت يحيى بن معين يقول: يزيد ليس من أصحاب الحديث, لأنه لا يميز ولا يبالي عمن روى، مات سنة ٢٠٦ هـ.
(قال: أنا عباد (١) بن منصور) الناجي بالنون والجيم، نسبة إلى بني ناجية، أبو سلمة الشامي القاضي بالبصرة، قال في "الأنساب" (٢): حديثه مخرج في "صحيح البخاري" استشهادًا.
قال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: عباد بن منصور كان قد تغير إلَّا أن حين (٣) رأيناه نحن كان لا يحفظ، ولم أر يحيى يرضاه، وحكى عنه حفيده أحمد بن محمد، قال: جدي عباد ثقة، لا ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه يعني القدر، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: لين، وقال أبو حاتم: كان ضعيف الحديث، يكتب حديثه، وقال أبو داود: وليس بذاك، وعنده أحاديث فيها نكارة، وقالوا: تغير، وقال النسائي: ليس بحجة، وقال في موضع آخر: ليس بقوي، وقال ابن حبان: كان قدريًّا داعية إلى القدر، وقال الدوري عن يحيى بن معين: حديثه ليس بالقوي، وقال مُهَنَّا عن أحمد: كانت أحاديثه منكرة، وكان
стр. 585
عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا. قَالَ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ مَسْحَةً وَاحِدَةً.
===
قدريًا، وقال ابن سعد: هو ضعيف عندهم، وله أحاديث منكرة، وقال الجوزجاني: كان سيِّئ الحفظ، وتغير أخيرًا، مات سنة ١٥٢ هـ.
(عن عكرمة بن خالد) بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي المكي، وثَّقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي والبخاري، وابن سعد، (عن سعيد بن جبير) (١) مصغرًا، ابن هشام الأسدي الوالبي بكسر اللام والباء الموحدة، نسبة إلى والبة، وهي حي من بني أسد، مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الكوفي، ثقة، فقيه، إمام، حجة، من أئمة التابعين، روايته عن عائشة، وأبي موسى، وعدي بن حاتم، وعبد الله بن معقل، وعلي ونحوهم مرسلة. خرج مع ابن الأشعث في جملة القراء، فلما هزم ابن الأشعث: هرب سعيد بن جبير إلى مكة، فأخذه خالد القسري بعد مدة، وبعث به إلى الحجاج، فقتله الحجاج صبرًا سنة ٩٥ هـ، فلما بان رأسه، قال: لا إله إلَّا الله، لا إله إلَّا الله، ثم قالها الثالثة، فلم يتمها، كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه يقول: أليس فيكم ابن أم الدهماء، يعني سعيد بن جبير.
(عن ابن عباس رأى رسول الله ﷺ يتوضأ) ثم يقول أبو داود: (فذكر) أي الحسن بن علي (الحديث) وذكر فيه (كله) أي غسل كل واحد من الأعضاء المغسولة (ثلاثًا ثلاثًا، قال) أي الحسن بن علي: (ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة) ويمكن أن يكون قوله: فذكر الحديث مقولة
стр. 586
١٣٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قال: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَقُتَيْبَةُ, عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ, عَنْ سِنَانِ بْنِ رَبِيعَةَ, عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ,
===
لحسن بن علي أو غيره من الرواة، فيكون ضمير "ذكر" و"قال" راجعًا إلى أستاذه، ويمكن أن يكون مرجع ضمير "قال" ابن عباس، فيكون تقدير العبارة، هكذا: قال أبو داود: وقال ابن عباس: ومسح رسول الله ﷺ بر أسه، الحديث.
١٣٤ - (حدثنا سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي بمعجمة مكسورة ثم مهملة، نسبة إلى بني واشح، وهم بطن من الأزد، أبو أيوب البصري القاضي بمكة، ثقة، إمام حافظ، قال أبو حاتم: ولقد حضرت مجلس سليمان بن حرب ببغداد فحرزوا من حضر مجلسه أربعين ألف رجل، ولي قضاء مكة، ثم عزل، فرجع إلى البصرة، فلم يزل بها حتى توفي بها سنة ٢٢٤ هـ.
(قال: ثنا حماد) بن زيد بن درهم، (ح: وحدثنا مسدد) بن مسرهد (وقتيبة) بن سعيد، (عن حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة) أبو ربيعة الباهلي البصري، قال الدوري عن ابن معين: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: شيخ مضطرب الحديث، قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له البخاري (١) مقرونًا بغيره في "الصحيح"، وروى له في "الأدب المفرد" أيضًا.
(عن شهر بن حوشب) (٢) الأشعري، أبو سعيد أو أبو عبد الله أو أبو عبد الرحمن أو أبو الجعد الشامي، تركه شعبة، وقال ابن عون:
стр. 587
عَنْ أَبِى أُمَامَةَ,
===
إن شهراً نزكوه، أي طعنوا فيه، وقال عمرو بن علي: ما كان يحيى يحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وقال يحيى بن بكير عن أبيه: كان شهر على بيت المال فأخذ منه دراهم، فقال قائل:
لَقَدْ بَاعَ شَهْرٌ دِيْنَه بِخَرِيْطَةٍ ... فَمَنْ يَأْمَنُ القُرَّاء بَعْدَكَ يَا شَهْرُ
وقال موسى بن هارون: ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أحمد: ما أحسن حديثه، ووثَّقه، وقال الترمذي عن البخاري: شهر حسن الحديث وقَوَّى أمره، وقال ابن أبي خيثمة ومعاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة، وقال عباس الدوري عن ابن معين: ثبت، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة على أن بعضهم قد طعن فيه، وقال الساجي: فيه ضعف، وليس بالحافظ، وكان شعبة يشهد عليه أنه رافق رجلًا من أهل الشام فخانه.
قال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه شهر وغيره من الحديث فيه من الإنكار ما فيه، وشهر ليس بالقوي في الحديث، وهو ممن لا يحتج بحديثه ولا يتدين به، وقال البيهقي: ضعيف، وقال ابن حزم: ساقط، وقال يحيى القطان عن عباد بن منصور: حججنا مع شهر فسرق عيبتي، وقال ابن عدي: ضعيف جدًّا، وقال أبو الحسن [بن] القطان الفاسي: لم أسمع لمضعفه حجة، وما ذكروا من تزيُّئِه بزي الجند وسماعه الغناء بالآلات وقذفه بأخذ الخريطة، فإما لا يصح، أو هو خارج على مخرج لا يضره، وشر ما قيل فيه: إنه يروي منكرات عن ثقات، وهذا إذا كثر منه سقطت الثقة به، مات سنة ١١١ هـ.
(عن أبي أمامة) (١) هو صدي مصغرًا ابن عجلان، ويقال: ابن عمرو
стр. 588
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الباهلي الصحابي، وقيل: آخر من مات (١) من الصحابة بالشام، وكان مع علي بصفين، مات بالشام سنة ٨٦ هـ.
قال علي القاري في "شرحه" على "المشكاة" (٢): أنصاري خزرجي كذا ذكره الطيبي، وقال المصنف: هو سعد بن حنيف الأنصاري الأوسي، مشهور بكنيته، وُلد على عهد رسول الله ﷺ قبل وفاته بعامين، ويقال: إنه سمَّاه باسم جده لأمه أسعد بن زرارة وكناه بكنيته، ولم يسمع منه شيئًا لصغره، ولذلك ذكره بعضهم في الذين بعد الصحابة، وأثبته ابن عبد البر في جملة الصحابة، ثم قال: وهو أحد الجلة من العلماء من كبار التابعين بالمدينة، سمع أباه وأبا سعيد وغيرهما، روى نفر عنه، مات سنة مائة، وله اثنتان وسبعون سنة، انتهى. فحديثه من مراسيل الصحابة، وهو مقبول اتفاقًا، ويحتمل أن يكون المراد بأبي أمامة ها ههنا أبا أمامة الباهلي، وهو من المكثرين في الرواية (٣) من الصحابة، والله أعلم، انتهى كلام القاري.
قلت: وقد أخرج الإِمام أحمد في "مسنده" (٤) تحت حديث أبي أمامة
الباهلي صدي بن عجلان بن عمرو بن وهب الباهلي عن النبي ﷺ ، فذكر أحاديث كثيرة، ومنها: ثنا عفان، ثنا حماد بن زيد، ثنا سنان أبو ربيعة صاحب السابري عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة، وقال: وصف وضوء رسول الله ﷺ ، فذكر ثلاثًا ثلاثًا، ولا أدري كيف ذكر المضمضة والاستنشاق، وقال: والأذنان من الرأس، قال: وكان رسول الله ﷺ يمسح
стр. 589
وَذَكَرَ وُضُوءَ النَّبِىِّ ﷺ , قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ الْمَأْقَيْنِ.
===
المأقين، وقال: بأصبعيه، وأرانا حماد ومسح مأقيه، وهذا يدل على أن أبا أمامة هذا راوي حديث الوضوء عند الإِمام أحمد هو صدي بن عجلان لا غير، وكذلك صنيع الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" و"الإصابة" يقوي أن أبا أمامة هذا هو صدي بن عجلان، فإنه ذكر في كتابيه في ذيل من روى عنه شهر بن حوشب، ولم يذكر شهر بن حوشب فيمن روى عن غيره من اسمه أبو أمامة.
(وذكر) أي أبو أمامة (وضوء النبي ﷺ ، قال) في ذكر وضوئه ﷺ : كان رسول الله ﷺ يمسح المأقين) قال في "المجمع" (١): المأق بفتح ميم وسكون همزة: طرف عين يلي الأنف، وقيل: يلي الأنف والأذن، وقال في "النهاية" (٢): مُؤق العين (٣): مُؤخّرُها، ومَأقُها: مُقدّمُها. قال الخطابي: من العرب من يقول: مَأقٌ ومُؤقٌ بضمهما، وبعضهم يقول: مَأقٍ ومُؤقٍ بكسرهما، وبعضهم [يقول: ] ماقٍ، بغير همز، كقاض، والأفصح الأكثر: المأقِي بالهمز والياء، وجمع المؤق: آماق وأمآق، وجمع المأقي: مآقي، انتهى.
وأخرج الشوكاني في "النيل" عن أبي أمامة وهذا لفظه: أنه وصف وضوء رسول الله ﷺ فذكر ثلاثًا ثلاثًا، قال: وكان يتعاهد المأقين، رواه أحمد، ولعل وجه (٤) مسح المأقين وتعاهدهما تكميل استيعاب غسل
стр. 590
قَالَ: وَقَالَ: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» (١). [ت ٣٧، جه ٤٤٤، حم ٥/ ٢٦٤]
قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: يَقُولُهَا أَبُو أُمَامَةَ, قَالَ قُتَيْبَةُ: قَالَ حَمَّادٌ: لَا أَدْرِى هُوَ مِنْ قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ أَوْ مِنْ أَبِى أُمَامَةَ - يَعْنِى قِصَّةَ الأُذُنَيْنِ-
===
الوجه، فيمكن أن يجتمع فيهما وسخ لم يصب تحتها الماء، فيتعاهد ويدلك بهما حتى يزيل ذلك الوسخ اليابس.
(قال: وقال: الأذنان (٢) من الرأس)، قال في "المجمع": "وقال: الأذنان" عطف على "قال" الأول، فيكون من قول الراوي أو عطف على "كان"، فيكون من قول النبي ﷺ ، ولذا تردد حماد.
(قال سليمان بن حرب) أحد شيوخ أبي داود في السند: (يقولها) أي يقول هذه الجملة (أبو أمامه) يعني يحكم سليمان بن حرب على هذه الجملة أنها قول أبي أمامة قطعًا، وليس بقول النبي ﷺ (قال قتيبة: قال حماد: لا أدري (٣) هو) أي القول المذكور، وهو الأذنان من الرأس (من قول النبي ﷺ أو من أبي أمامة) ثم فسر المصنف، فقال: (يعني قصة الأذنين).
قلت: وأخرج ابن ماجه (٤) في "سننه": حدثنا محمد بن زياد
стр. 591
قَالَ قُتَيْبَةُ: عَنْ سِنَانٍ أَبِى رَبِيعَةَ. (١).
(٥٢) بَابُ الْوُضُوءِ ثَلاثًا ثَلاثًا
١٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ,
===
أنا حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "الأذنان من الرأس، وكان يمسح رأسه مرة، وكان يمسح المأقين"، فهذا الحديث فيه تصريح بأن قوله "الأذنان من الرأس" قول رسول الله ﷺ لا قول أبي أمامة، وكذلك الحديثان اللذان أخرجهما ابن ماجه عن عبد الله بن زيد وعن أبي هريرة فيهما تصريح بأنه من قول رسول الله ﷺ .
(قال قتيبة: عن سنان أبي ربيعة) غرض المصنف بيان اختلاف شيوخه في سنان بن ربيعة، فقال سليمان بن حرب ومسدد: سنان بن ربيعة، وخالفهما قتيبة فقال: عن سنان أبي ربيعة، وهذا الاختلاف لا يرجع إلَّا إلى اللفظ فقط، فإن سنان اسم والده ربيعة فيصح قولهما: "سنان بن ربيعة" وكنيته أبو ربيعة صرح به الحافظ في "التقريب"، فيصح قول قتيبة: "عن سنان أبي ربيعة"، ولعله لسنان ابن اسمه ربيعة، فاكتنى به، والله أعلم.
(٥٢) (بَابُ الْوُضُوءِ ثَلاثًا ثَلاثًا) (٢)
١٣٥ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: ثنا أبو عوانة) اليشكري
стр. 592
عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِى عَائِشَةَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ,
===
الوضاح (عن موسى بن أبي عائشة) المخزومي الهمداني أبو الحسن الكوفي مولى آل جعدة بن هبيرة، كان الثوري يُحْسن الثناء عليه، ووثَّقه ابن عيينة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: تُريبني رواية موسى بن أبي عائشة حديث عبيد الله بن عبد الله في مرض النبي ﷺ ، قلت: عني أبو حاتم أنه اضطرب فيه، وهذا من تعنته، وإلَّا فهو حديث صحيح، وقال يعقوب بن سفيان: كوفي ثقة، قال الحافظ في "التقريب": وكان يرسل.
(عن عمرو (١) بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي، أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الله المدني، ويقال: الطائفي، قال أبو حاتم: سكن مكة، وكان يخرج إلى الطائف، قال صدقة بن الفضل: سمعت يحيى القطان يقول: إذا روى عنه الثقات فهو ثقة يحتج به، وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد: حديثه عندنا واهٍ، وقال علي عن ابن عيينة: حديثه عندنا فيه شيء، وقال أبو عمرو [بن] العلاء: كان يعاب على قتادة وعمرو بن شعيب أنهما كانا لا يسمعان شيئًا إلَّا حدثا به، وقال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: له أشياء مناكير، وإنما يكتب حديثه ويعتبر به، فأما أن يكون حجة فلا، وقال أبو داود عن أحمد بن حنبل: أصحاب الحديث إذا شاؤوا احتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وإذا شاؤوا تركوه.
وقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين، قال البخاري: مَنِ الناس بعدهم؟
стр. 593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: إذا حدث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فهو كتاب، ومن ها هنا جاء ضعفه، وإذا حدث عن سعيد بن المسيب أو سليمان بن يسار أو عروة فهو ثقة عن هؤلاء، وقال الآجري: قلت لأبي داود: عمرو بن شعيب عندك حجة؟ قال: لا, ولا نصف حجة، وقال العجلي والنسائي: ثقة، وقال أحمد بن سعيد الدارمي: ثقة، وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: صح سماع عمرو عن أبيه، وصح سماع شعيب عن جده، وقال ابن عدي: روى عنه أئمة الناس وثقاتهم وجماعة من الضعفاء، إلَّا أن أحاديثه عن أبيه عن جده مع احتمالهم إياه لم يدخلوها في صحاح ما خرَّجوا، وقال: هي صحيفة.
قلت: عمرو بن شعيب ضعفه ناس مطلقًا، ووثَّقه الجمهور، وضعف بعضهم روايته عن أبيه عن جده حسب، ومن ضعَّفه مطلقًا فمحمول على روايته عن أبيه عن جده، فأما روايته عن أبيه فربما دلّس ما في الصحيفة بلفظ: عن، فإذا قال: حدثني أبي فلا ريب في صحتها، وأما رواية أبيه عن جده فإنما يعني بها الجد الأعلى عبد الله بن عمرو (١) لا محمد بن عبد الله، وقد صرح شعيب بسماعه من عبد الله في أماكن وصح سماعه منه كما تقدم.
وقال الشافعي في ما أسنده البيهقي في "المعرفة" تحته يخاطب الحنفية حيث احتجوا عليه بحديث عمرو بن شعيب: عمرو بن شعيب قد روى أحكامًا توافق أقاويلنا، وتخالف أقاويلكم عن الثقات، فرددتموها ونسبتموه إلى الغلط، فأنتم محجوجون إن كان ممن ثبت حديثه، فأحاديثه
стр. 594
عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ
===
التي وافقناها وخالفتموها أو أكثرها وهي نحو ثلاثين حكمًا حجة عليكم وإلَّا فلا تحتجوا به، ولا سيما إن كانت الرواية عنه لم تثبت، وقال الذهبي: كان أحد علماء زمانه، وقال: قيل: إن محمدًا والد شعيب مات في حياة أبيه فربَّاه جده، قال خليفة وغيره: مات سنة ١١٨ هـ (١). هذا كله من "تهذيب التهذيب" للحافظ.
قلت: وقال الحلبي في "شرحه الكبير" (٢) بعد نقل هذا الحديث: هو حديث صحيح رواته ثقات إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأن المراد بجده عند الإطلاق جده أبو أبيه، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
(عن أبيه) هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص الحجازي السهمي، وقد ينسب إلى جده، ذكر البخاري وأبو داود وغيرهما أنه سمع من جده، ولم يذكر أحد منهم أنه يروي عن أبيه محمد، ولم يذكر أحد لمحمد هذا ترجمة إلَّا القليل، قلت: قال ابن حبان في التابعين من "الثقات": يقال: إنه سمع من جده عبد الله بن عمرو، وليس ذلك عندي بصحيح، وقال في الطبقة التي تليها: يروي عن أبيه، ولا يصح سماعه من عبد الله بن عمرو، قلت: وهو قول مردود.
(عن جده) الضمير (٣) في جده يرجع إلى أبيه وهو شعيب لا إلى
стр. 595
قال: أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, كَيْفَ الطُّهُورُ؟ فَدَعَا بِمَاءٍ فِى إِنَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا, ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا, ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا, ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأَدْخَلَ (١) إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِى أُذُنَيْهِ, وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ, وَبِالسَّبَّاحَتَيْنِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ, ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا, ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا الْوُضُوءُ, فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ» ,
===
عمرو، فحاصله أن والد عمرو وهو شعيب يروي عن جده، فالمراد بالجد عبد الله بن عمرو بن العاص (قال: إن رجلًا) أي أعرابيًّا (٢) (أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف الطهور؟ ) أي سأل عن كيفية الطهور، فأجابه ﷺ بالفعل؛ لأنه أبلغ من القول لقربه من الضبط.
(فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه) أي مع المرفقين (ثلاثًا، ثم مسح برأسه) أي مرة (وأدخل إصبعيه السبَّاحتين) أي اليمنى واليسرى، وأما إطلاق السبَّاحة على اليسرى مع أنه لا يسبح بها، إنما هو على التغليب (في أذنيه) أي في صماخهما، (ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه) أي مما يلي الرأس (وبالسباحتين باطن أذنيه) أي بما يلي الوجه، (ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال) أي رسول الله ﷺ : (هكذا الوضوء) أي الكامل، (فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء) أي بترك السنة (وظلم) أي على نفسه بمخالفة النبي ﷺ ، أو لأنه أتعب نفسه فيما زاد على الثلاثة من غير حصول ثواب له، أو لأنه أتلف الماء بلا فائدة.
стр. 596
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الشوكاني في "النيل": وقد أشكل ما في رواية أبي داود من زيادة (١) لفظ "أو نقص" على جماعة، قال الحافظ في "التلخيص" (٢): (تنبيه): يجوز (٣) أن تكون الإساءة والظلم وغيرهما بما ذكر مجموعًا لمن نقص ولمن زاد، ويجوز أن يكون على التوزيع، فالإساءة في النقص والظلم في الزيادة، وهذا أشبه بالقواعد، والأول أشبه بظاهر السياق، انتهى، ويمكن توجيه الظلم في النقصان بأنه ظلم نفسه بما فوتها بالثواب الذي يحصل بالتثليث، وكذا الإساءة لأن تارك السنَّة مسيء، وأما الاعتداء في النقصان فمشكل، فلا بد من توجيهه إلى الزيادة، ولهذا لم يجتمع ذكر الاعتداء والنقصان في شيء من روايات الحديث، ولا خلاف في كراهة الزيادة على الثلاث. قال ابن المبارك: لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم , وقال أحمد وإسحاق: لا يزيد على الثلاث (٤) إلَّا رجل مبتلى، انتهى كلام الشوكاني (٥).
وذكر الحنفية في سنن الوضوء تثليث الغسل المستوعب، فلو غسل في المرة الأولى وبقي موضع يابس، ثم في المرة الثانية أصاب الماء
стр. 597
أَوْ: «ظَلَمَ وَأَسَاءَ». [ن ١٤٠، جه ٤٢٢، حم ٢/ ١٨٠، خزيمة ١٧٤]
(٥٣) بَابٌ: في الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ
===
بعضه، ثم في الثالثة أصاب الجميع، لا يكون غسل الأعضاء ثلاثًا، وقالوا: لو زاد لطمأنينة القلب أو لقصد الوضوء على الوضوء لا بأس به، وحديث: "فقد تعدَّى"، محمول على اعتقاد السنيَّة، ومع اعتقاد سنيَّة الثلاث لا كراهة في الزيادة والنقصان، فلهذا قالوا: لو زاد لقصد الوضوء على الوضوء، أو لطمأنينة القلب عند الشك، أو نقص لحاجة لا بأس به.
واعترض عليه علي القاري في شرحه على "المشكاة " (١): قلت: أما قوله: "لطمأنينة القلب عند الشك"، ففيه أن الشك بعد التثليث - هكذا في النسخة المطبوعة (٢) بمصر، والظاهر قبل التثليث والله أعلم - لا وجه له، وإن وقع بعده فلا نهاية له، وهو الوسوسة، وأما قوله: "أو بنية وضوء آخر"، ففيه أن قبل الإتيان بعبادة بعد الوضوء لا يستحب له التجديد مع أنه لا يتصور التجدد إلَّا بعد تمام الوضوء لا في الأثناء.
(أو ظلم وأساء) شك من الراوي في تقديم أحد اللفظين على الآخر.
(٥٣) (بَابٌ: في الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ)
أي يغسل أعضاء (٣) الوضوء مرتين
стр. 598
١٣٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قال: حَدَّثَنَا زَيْدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحُبَابِ - قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَوْبَانَ
===
١٣٦ - (حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا زيد - يعني ابن الحباب -) (١) بضم المهملة وموحدتين مع خفة الأولى، أبو الحسين العكلي بطن من تميم، الكوفي، أصله من خراسان، ورحل في طلب العلم فأكثر منه، وسكن الكوفة، قال علي بن المديني والعجلي: ثقة، وكذا قال عثمان عن ابن معين، وقال أبو حاتم: صدوق صالح، وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: زيد بن حباب كان صدوقًا لكن كان كثير الخطأ، وقال المفضل بن غسان الغلابي عن ابن معين: كان يقلب حديث الثوري، ولم يكن به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ، يعتبر حديثه إذا روى عن المشاهير، وأما روايته عن المجاهيل ففيها المناكير، وقال ابن خلفون: وثقه أبو جعفر السبتي وأحمد بن صالح، وقال الدارقطني وابن ماكولا: ثقة، وقال ابن شاهين: وثَّقه عثمان بن أبي شيبة، قال ابن عدي: هو من أثبات مشايخ الكوفة ممن لا يشك في صدقه، والذي قاله ابن معين عن أحاديثه عن الثوري، إنما له أحاديث عن الثوري يستغرب بذلك الإسناد، وبعضها ينفرد برفعه، والباقي عن الثوري، وغير الثوري مستقيمة كلها، مات سنة ٢٠٣ هـ.
(قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثوبان)، هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان منسوب إلى جده، العنسي بفتح المهملة وسكون النون وفي آخرها مهملة، أبو عبد الله الدمشقي الزاهدي، قال الأثرم عن أحمد: أحاديثه مناكير، وقال محمد الوراق عن أحمد: لم يكن بالقوي في الحديث، وعن ابن معين: صالح، ومرة عنه: ضعيف، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين:
стр. 599
قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ الْهَاشِمِىُّ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ. [ت ٤٣، حم ٢/ ٢٨٨، ٣٦٤، ق ١/ ٧٩]
١٣٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ
===
لا شيء، وقال يعقوب بن شيبة: اختلف أصحابنا فيه، فأما ابن معين فكان يضعفه، وأما علي فكان حسن الرأي فيه، وقال النسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بالقوي، وقال مرة: ليس بثقة، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وكان رجلًا صالحًا، ويكتب حديثه على ضعفه، وقال عثمان الدارمي عن دحيم: ثقة يرمى بالقدر، وقال أبو حاتم: ثقة يشوبه شيء من القدر، وتغير عقله في آخر حياته، وهو مستقيم الحديث، وقال أبو داود: كان فيه سلامة، وليس به بأس، وكان مجاب الدعوة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ١٦٥ هـ وهو ابن تسعين سنة.
(قال: حدثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي)، هو عبد الله بن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم المدني، قال حرب عن أحمد: لا بأس به، قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن المديني والعجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين) (١) أي غسل أعضاء الوضوء لبيان الجواز ولبيان أوسط مراتب الغسل.
١٣٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافصة بن المختار الحافظ العبدي، أبو عبد الله الكوفي، قال عثمان
стр. 600
قَالَ: حَدَّثنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثنَا زَيْدٌ ,
===
الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال النسائي وابن قانع: ثقة، وقال عثمان بن أبي شيبة: محمد بن بشر ثقة ثبت إذا حدث من كتابه، وقال الآجري عن أبي داود: هو أحفظ من كان بالكوفة، مات سنة ٢٠٣ هـ.
(قال: حدثنا هشام بن سعد) المدني أبو عباد، ويقال أبو سعد القرشي مولاهم، عن أحمد: لم يكن هشام بالحافظ، وعنه: ليس هو محكم الحديث، وعن ابن معين: ضعيف، وعنه: ليس بذاك القوي، وعنه: ليس بشيء، وعنه: صالح ليس بمتروك الحديث، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وقال العجلي: جائز الحديث حسن الحديث، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال الآجري عن أبي داود: هشام بن سعد أثبت الناس في زيد بن أسلم، وقال النسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بالقوي، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يستضعف، وكان متشيعًا، وعن علي بن المديني: صالح، وليس بالقوي، وذكره يعقوب بن سفيان في "الضعفاء"، وقال الحاكم: أخرج له مسلم في الشواهد، مات سنة ١٦٠ هـ.
(قال: حدثنا زيد) هو زيد بن أسلم العدوي أبو أسامة، ويقال: أبو عبد الله المدني، الفقيه، مولى عمر، قال أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد والنسائي وابن خراش: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، من أهل الفقه والعلم، وكان عالمًا بتفسير القرآن، وقال ابن عيينة: كان زيد بن أسلم رجلًا صالحًا، وكان في حفظه شيء، وذكر ابن عبد البر في مقدمة "التمهيد" (١) ما يدل على أنه كان يدلس، كان علي بن الحسين يجلس إلى زيد بن أسلم ويتخطى مجالس قومه، فقال له نافع بن جبير بن مطعم: