تمَّ بحمد الله وتوفيقه المجلد الثامن
ويتلوه إن شاء الله تعالى المجلد التاسع، وأوله: "كتاب الجهاد"
وصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا
محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
стр. 5357
بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد
تأليف
الإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري
(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)
مَعَ تعليقات
الإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي
(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)
اعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ
الْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي
الْجُزْء التَّاسع
طبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان
نَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة
стр. 5358
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5359
بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (٩)
стр. 5360
الطَّبعَة الأولى
مُحقّقَة وَمُنَقّحَة
١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق
مَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي
للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد
SHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER
For Research & Islamic Studies
MOZAFFARPUR, AZAMGARH, U.P - INDIA
الْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١
الفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١
متحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١
الْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae
стр. 5361
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٩) أَوَّلُ كِتَابِ الْجِهَاد (١)
===
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٩) (أَوَّلُ كِتَابِ الْجهَادِ) (٢)
قال الحافظ (٣): والجهاد بكسر الجيم، أصله لغةً: المشقة، يقال: جهدت جهادًا بلغت المشقة، وشرعًا: بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضًا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق.
فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم الدين، ثم على العمل بها، ثم على تعليمها، وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يُزَيِّنُه من
стр. 5362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الشهوات، وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب، وأما مجاهدة الفساق فباليد، ثم اللسان، ثم القلب.
واختلف في جهاد الكفار، هل كان أولًا فرض عين أو كفاية؟
وقال في محل آخر (١): وللناس في الجهاد حالان: إحداهما: في زمن النبي ﷺ ، والأخرى بعده، فأما الأولى: فأول ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقًا، ثم بعد أن شرع هل كان فرض عين أو كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعي.
وقال الماوردي: كان عينًا على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح في حق كل من أسلم إلى المدينة لنصر الإسلام.
وقال السهيلي: كان عينًا على الأنصار دون غيرهم، ويؤيده مبايعتهم النبي ﷺ ليلة العقبة على أن يؤووا رسول الله ﷺ وينصروه.
فيخرج من قولهما أنه كان عينًا على الطائفتين كفاية في حق غيرهم، ومع ذلك فليس في حق الطائفتين على التعميم، بل في حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداءً، ويؤيد هذا ما وقع في قصة بدر فيما ذكره ابن إسحاق، فإنه كالصريح في ذلك، وقيل: كان عينًا في الغزوة التي يخرج فيها النبي ﷺ دون غيرها، والتحقيق أنه كان عينًا على من عينه النبي ﷺ في حقه ولو لم يخرج.
الحال الثاني: بعده ﷺ ، فهو فرض كفاية (٢) على المشهور، إلَّا أن تدعو
стр. 5363
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الحاجة إليه، كَأَنْ يدهم العدو، ويتعين على من عينه الإمام، ويتأدى فرض الكفاية بفعله في السنَّة مرة عند الجمهور.
ومن حجتهم أن الجزية تجب بدلًا عنه، ولا تجب في السنَّة أكثر من مرة اتفاقًا، فليكن بدلها كذلك، وقيل: يجب كلما أمكن وهو قوي، والذي يظهر أنه استمر على ما كان عليه في زمن النبي ﷺ إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض، ثم صار إلى ما تقدم ذكره، والتحقيق أيضًا أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم، إما بيده وإما بلسانه وإما بماله وإما بقبله، قاله الحافظ.
وقال في "الهداية" (١): الجهاد فرض على الكفاية (٢) إذا قام به فريق من الناس سقط عن الباقين، فإن لم يقم به أحد أثم جميع الناس بتركه؛ إلَّا أن يكون النفير عامًا فحينئذ يصير من فروض الأعيان لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٣) الآية.
وفي "الذخيرة": فإن جاءه النفير إنما يصير فرض عين على من يقرب من العدو على الجهاد، وأما من يبعد عن العدو، فعليهم فرض كفاية حتى يسعهم تركه إذا لم يحتج إليهم، أما إذا احتيج إليهم بأن عجز من كان بقرب العدو، أو تكاسلوا، أو لم يجاهدوا، فإنه يفترض على كل من يليهم فرض عين، وهكذا إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقًا وغربًا.
والمناسبة بين كتاب الجهاد وكتاب الصوم والاعتكاف بأن فيهما أيضًا مجاهدة النفس، فناسب إيراد كتاب الجهاد عقبهما، فإن المسلم يجاهد نفسه أولًا فيُهذِّبُها وُيمرِّنها، ثم يجاهد الكفار.
стр. 5364
(١) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْهِجْرَةِ (١)
٢٤٧٧ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، نَا الْوَليدُ - يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ -، عن (٢) الأَوْزَاعِيِّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ،
===
(١) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الهِجْرَةِ) (٣)
وإنما أورد الهجرة في "كتاب الجهاد"، لأن الهجرة مبدأ الجهاد، وفيها مجاهدة النفس
٢٤٧٧ - (حدثنا مؤمل بن الفضل، نا الوليد - يعني ابن مسلم -، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري
стр. 5365
أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عن الْهِجْرَةِ فَقَالَ: "وَيْحَكَ! إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ "، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَهَلْ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا". [خ ٦١٦٥، م ١٨٥٦، ن ٤١٦٤، حم ٣/ ٦٤]
٢٤٧٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرٍ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ قَالَا، نَا شَرِيكٌ،
===
أن أعرابيًا) قال الحافظ (١): ما عرفت اسمه (سأل النبي ﷺ عن الهجرة) قال الحافظ: والهجرة المسؤول عنها مفارقة دارالكفر إذ ذاك، والتزام أحكام المهاجرين مع النبي ﷺ .
(فقال: ويحك) كلمة ترحم (إن شأن الهجرة شديد) كأنه علم منه أنه لا يستطيع تحمل شدائدها، فأشار له بتركها (فهل لك من إبل؟ ) تبلغ النصاب (قال: نعم، قال: فهل تؤدي صدقتها؟ ) أي زكاتها (قال) أي الأعرابي: (نعم) وإنما خص السؤال بأداء الزكاة, لأنه يعلم منه أن من يؤدي من ماله الزكاة طيبة نفسه يؤدي الصلاة وغيرها من الفرائض الإيمانية، فإن إخراج المال أشد على النفس.
(قال) أي رسول الله ﷺ : (فاعمل) بأداء الواجبات (من وراء البحار)، قال في "المجمع" (٢): بموحدة ومهملة، القرى والمدن، يريد إذا كنت تؤدي فرض الله فلا تبال أن تقيم في بيتك ولو كنت في أبعد مكان (فإن الله لن يَتِرَكَ) بكسر مثناة مضارعُ وَتِرَ، أي: لن ينقصك (من) ثواب (عملك شيئًا) ولا تحرم أجر الهجرة، قال في "القاموس": والبحرة البلدة.
٢٤٧٨ - (حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة قالا: نا شريك،
стр. 5366
عن الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْبَدَاوَةِ فَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْدُو إِلَى هَذِهِ التِّلَاعِ، وَإِنَّهُ أَرَادَ الْبَدَاوَةَ مَرَّةً فَأَرْسَلَ إِلَىَّ نَاقَةً (١) مُحَرَّمَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ (٢): «يَا عَائِشَةُ ارْفُقِى فَإِنَّ الرِّفْقَ، لَمْ يَكُنْ فِى شَىْءٍ قَطُّ إلَّا زَانَهُ، وَلَا نُزِعَ مِنْ شَىْءٍ قَطُّ إلَّا شَانَهُ". [م ٢٥٩٤، حم ٦/ ٥٨]
===
عن المقدام بن شريح، عن أبيه) شريح بن هانئ (قال: سألت عائشة عن البداوة) أي الخروج إلى البادية (فقالت: كان رسول الله ﷺ يبدو) أي يخرج (إلي هذه التلاع) جمع تلعة، هي مسايل الماء من علو إلى أسفل، قال في "القاموس": التلعة ما ارتفع من الأرض، وما انهبط منها، ضدٌ، ومسيل الماء، وما اتسع من فُوَّهَةِ الوادي، والقطعة المرتَفِعَةُ من الأرض، جمعه: تلعات وتِلاع، أو التلاع: مسايل الماء من الأسناد والنِّجاف والجبال حتى يَنْصَبَّ في الوادي، ولا تكون التلاع إلَّا في الصحاري، ولعله يفعل ذلك أحيانًا ليخلو بنفسه ويبعد عن الناس.
(وإنه) أي ﷺ (أراد البداوة مرة فأرسل إليَّ ناقة محرمة) هي التي لم تركب ولم تذلل "مجمع" (٣) (من إبل (٤) الصدقة، فقال) أي رسول الله ﷺ : (يا عائشة ارفقي) أي بها، وإنما أمرها بالرفق بها, لأن الناقة المحرمة تكون صعبة، فمن ركبها يصعب عليها ليتذلل (فإن الرفق لم يكن في شيء قط إلَّا زَانَه) من الزينة (ولا نُزع) أي الرفق (من شيء قط إلَّا شَانَه) مشتق من الشين، وهو العيب، أي: عابه وجعله قبيحًا.
стр. 5367
(٢) بَابٌ: فِي الْهِجْرَةِ، هَل انْقَطَعَت ؟
٢٤٧٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَنَا عِيسَى، عَنْ حَرِيزٍ (١)، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ، عن أَبِي هِنْدٍ،
===
فإن قلت: قد أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالغلظة على الكفار والمنافقين، ولم يأمره بالرفق بهم؟
قلت: إنما أمره الله تعالى بالغلظة, لأنه ﷺ كان شديد الرفق، فهذا يدل على شدة رفقه، ولا يدل على أنه لم يكن فيه ﷺ رفق.
(٢) (بَابٌ: فِي الهِجْرَةِ، هَلْ انْقَطَعَتْ؟ )
عقد هذا الباب للإشارة إلى اختلاف الروايات في انقطاع الهجرة، وإلى وجه الجمع بينهما، فإن قوله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح" يقتضي أن الهجرة بعد فتح مكة انقطعت، وقوله ﷺ : "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة"، يقتضي أن الهجرة لا تنقطع إلى أن تطلع الشمس من مغربها، ووجه الجمع بينهما: أن الأول محمول على أنه انقطعت الهجرة من مكة بعد الفتح, لأنها صارت دار الإسلام بعد أن كانت دار الكفر والحرب، وأما قوله الثاني فمعناه: لا تنقطع الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام إلى يوم القيامة.
٢٤٧٩ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا عيسى) بن يونس، (عن حريز) بفتح المهملة وآخره زاي، ابن عثمان، (عن عبد الرحمن بن أبي عوف) الجرشي بضم الجيم وفتح الراء بعدها مهملة، الحمصي القاضي، قال الآجري عن أبي داود: شيوخ حريز ثقات، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وذكره ابن منده في "الصحابة"، ويقال: أدرك النبي ﷺ ، وقال ابن القطان: مجهول الحال.
(عن أبي هند) البجلي، شامي، ذكره العسكري في الصحابة، وقال
стр. 5368
عن مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا". [حم ٤/ ٩٩، ق ٩/ ١٧، دي ٢٥١٣، السنن الكبرى للنسائي ٨٧١١]
===
عبد الحق: ليس بالمشهور، وقال ابن القطان: مجهول، وقال الحافظ في "التقريب": مقبول.
(عن معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الرحمن الأموي، أسلم يوم الفتح، وقيل: قبل ذلك، وكتب الوحي، ولَّاه عمر بن الخطاب الشام بعد أخيه يزيد، فأقرَّه عثمان مدة ولايته، ثم ولي الخلافة، قال ابن إسحاق: كان معاوية أميرًا عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة، توفي في رجب لأربع ليال بقين منه سنة ستين.
(قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تنقطع الهجرة) أي من دار الكفر إلى دار الإسلام (حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)، وقذ أشير إليه في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (١).
نقل في الحاشية عن الخطابي (٢): قال: كانت الهجرة في أول الإسلام فرضًا، ثم صارت مندوبة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ (٣)، نزل حين اشتد أذى المشركين على المسلمين عند انتقال رسول الله ﷺ إلى المدينة، فأمروا بالانتقال إلى حضرته، فيكونوا (٤) معه، فيتعاونوا إذا حزبهم أمر، ويتعلموا منه أمر دينهم، ويتفقَّهُوا فيه، وكان عِظَم الخوف في ذلك الزمان من قريش ومظاهري أهل مكة، فلما فتحت
стр. 5369
٢٤٨٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن طَاوُسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْم الْفَتْحِ - فَتْح مَكَّةَ -: "لَا هِجْرَةَ،
===
مكة ونخعت بالطاعة زال المعنى، وارتفع وجوب الهجرة، وعاد الأمر فيها إلى الندب، فهما هجرتان، فالمنقطعة منهما هي الفرض، والباقية هي الندب.
فهذا وجه الجمع بين هذا وبين حديث: "لا هجرة بعد الفتح"، على أن بين الإسنادين ما بينهما, لأن إسناد هذا صحيح متصل، وإسناد الأول فيه مقال.
٢٤٨٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح فتح مكة: لا هجرة) أي لم يبق حكم وجوب الهجرة من مكة, لأنه صار دار الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض الهجرة، وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل عدو.
قال الحافظ (١): وكانت الحكمة أيضًا في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى ذويه من الكفار، فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ (٢) الآية، وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها، وقد روى النسائي مرفوعًا: "لا يقبل الله من مشرك عملًا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين"، ولأبي داود من حديث سمرة مرفوعًا: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"، وهذا محمول على من لم يأمن على دينه.
стр. 5370
وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا (١) اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". [خ ٢٧٨٣، م ١٣٥٣، ت ١٥٩٠، ن ٤١٦٩، حم ١/ ٢٢٦]
... (٢)
٢٤٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ،
===
(ولكن جهاد ونية)، قَالَ الحافظُ: قال الطيبي وغيره: هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلَّا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذا المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن، والنية في جميع ذلك.
(وإذا استُنفرتم فانفروا)، قال الحافظ (٣): قال النووي: يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة، وإذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه، قال ابن أبي جمرة ما محصله: إن هذا الحديث يمكن تنزيله على أحوال السالك, لأنه أولًا يؤمر بهجرة مألُوفاتِه، فإذا لم يحصل له أُمِرَ بالجهاد، وهو مجاهد النفس والشيطان مع النية الصالحة في ذلك.
٢٤٨١ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن إسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي مولاهم، قال ابن المبارك عن الثوري: حفاظ الناس ثلاثة، إسماعيل، وعبد الملك بن سليمان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهو يعني إسماعيل أعلم الناس بالشعبي وأثبتهم فيه، وقال ابن مهدي وابن معين والنسائي: ثقة،
стр. 5371
نَا عَامِرٌ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو وَعِنْدَهُ الْقَوْمُ حَتَّى جَلَسَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ،
===
وقال ابن عمار الموصلي: حجة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وكان طحانًا، وقال يعقوب بن أبي شيبة (١): كان ثقةً ثبتًا.
(نا عامر قال: أتى رجل) لم أقف على تسميته (عبد الله بن عمرو) بن العاص (وعنده القوم حتى جلس) أي الرجل (عنده، فقال: أخبرني بشيء سمعته من رسول الله ﷺ ، فقال) أي عبد الله بن عمرو: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: المسلم) قيل الألف واللام فيه للكمال، نحو زيد الرجل، أي الكامل في الرجولية، وتعقب بأنه يستلزم أن من اتصف بهذا خاصة كان كاملًا، ويجاب بأن المراد بذلك مع مراعاة باقي الأركان، قال الخطابي (٢): المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله تعالى أداء حقوق المسلمين، انتهى، وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلامهم.
ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن يبين علامة المسلم التي يستدل بها على إسلامه، وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده، كما ذكره مثله في علامة المنافق، ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحثِّ على حُسْنِ معاملة العبد مع ربه، لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يحسن معاملة ربه، من باب التنبيه من الأدنى على الأعلى.
(من سلم المسلمون من لسانه ويده)، ذِكر المسلمين هنا خرج مخرج
стр. 5372
وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ". [خ ١٠، م ٤٠ (مختصرًا)، حم ٢/ ١٦٣، ق ١٠/ ١٨٧، ن ٤٩٩٥]
===
الغالب، لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيدًا، والإتيان بجمع التذكير للتغليب، فإن المسلمات يدخلن في ذلك.
وخص اللسان بالذكر لأنه المعبر عما في النفس، وكذا اليد لأن أكثر الأفعال بها، والحديث عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد, لأن اللسان يمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بعد، بخلاف اليد، نعم يمكن أن تشارك اللسان في ذلك بالكتابة، وإن أثرها في ذلك لعظيم، ويستثنى من ذلك شرعًا تعاطي الضرب باليد في إقامة الحدود والتعازير على المسلم المستحق لذلك، وفي التعبير باللسان دون القول نكتة، فيدخل فيه من أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء، وفي ذكر اليد دون غيرها من الجوارح نكتة، فيدخل فيها اليد المعنوية كالاستيلاء على حق الغير بغير حق، وفيه من أنواع البديع تجنيس الاشتقاق وهو كثير.
(والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) هو بمعنى الهاجر، وإن كان لفظ المفاعل يقتضي وقوع الفعل من اثنين، لكنه هنا للواحد كالمسافر، ويحتمل أن يكون على بابه, لأن من لازم كونه هاجرًا وطنه مثلًا أنه مهجور من وطنه، والهجرة ضربان: ظاهرة، وباطنة، فالباطنة ترك ما تدعو إليه النفس الأمَّارة بالسوء والشيطان، والظاهرة الفرار بالدين من الفتن، وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتَّكلوا على مجرد التحول من دارهم حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة لما فتحت مكة تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك، بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى الله عنه (١).
стр. 5373
(٣) بَابٌ: فِي سُكْنَى الشَّامِ
٢٤٨٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عن قَتَادَةَ، عن شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ
===
(٣) (بَابٌ: فِي سُكْنَى الشَّامِ)
أي: في فضل سكنى الشام (١)، فإذا ثبت فيه فضل يناسب أن يهاجر الناس إليه
٢٤٨٢ - (حدثنا عبيد الله بن عمر، نا معاذ بن هشام، حدثني أبي) أي هشام، (عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول): إنها أي قصة (ستكون هجرة بعد هجرة).
قال القاري (٢): قال الشارحون: كان من حق الثانية أن يؤتى بها مع لام العهد، لأن المراد منها الهجرة الواجبة قبل الفتح، وإنما حسن الحذف اعتمادًا على معرفة السامعين، فإن تقدير الكلام أي بعد هجرة حقت ووجبت، والمعنى ستكون هجرة إلى الشام بعد هجرة كانت إلى المدينة، قال التوربشتي: وذلك حين تكثر الفتن، ويقل القائمون بأمر الله ويستولي الكفرة الطغام على بلاد الإسلام، وتبقى الشام تسومها (٣) العساكر الإسلامية، منصورة على من ناوأهم ظاهرين على الحق حتى يقاتلوا الدجَّال، فالمهاجر إليها حينئذ فاز بدينه، ملتجئ إليها لإصلاح آخرته، يكثر ثواب (٤) عباد الله الصالحين القائمين بأمر الله تعالى.
стр. 5374
فَخِيَارُ أَهْلِ الأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ، وَيَبْقَى فِي الأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ، تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ، وَتَحْشُرُهُمْ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ". [حم ٢/ ٢٠٩، ك ٤/ ٤٨٦، عب ٢٠٧٩٠]
===
قال الطيبي: ويمكن أن يراد التكرير كما في قولك: لبيك وسعديك، كأنه قيل: سيحدث للناس مفارقة من الأوطان، وكل أحد يفارق وطنه إلى آخر، ويهجره هجرة بعد هجرة.
(فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر) أي موضع هجرة (إبراهيم) ﵊، وهو الشام (١) (ويبقى في الأرض) من الكفار والفجار (شرار أهلها تلفظهم) بكسر الفاء، أي ترميهم (أرضوهم) بفتح الراء، والمعنى ترمي شرار الناس أراضيهم من ناحية إلى ناحية أخرى.
قال الشراح: يعني ينتقل من الأراضي التي يستولي عليها الكفرة خيار أهلها، ويبقى خساس تخلفوا عن المهاجرين رغبة في الدنيا، فهم لخسة نفوسهم كالشيء المسترذل المتقذر، وكأن الأرض تستنكف عنهم فتقذفهم.
(تقذرهم) أي تكرههم (نفس الله) بسكون الفاء أي ذاته تعالى (وتحشرهم النار مع الفردة والخنازير) أي تلازمهم النار ليلًا ونهارًا، وتجمعهم مع الكفرة الذين هم باعتبار صغيرهم وكبيرهم كالقردة والخنازير، قال المظهر: النار ها هنا الفتنة، يعني تحشرهم نار الفتنة التي هي نتيجة أفعالهم القبيحة [وأقوالهم] مع القردة والخنازير لكونهم متخلقين بأخلاقهم، فيظنون أن الفتنة لا تكون إلَّا في
стр. 5375
٢٤٨٣ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيُّ، نَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِي بَحِيرٌ، عن خَالِدٍ - يَعْنِي ابْنَ مَعْدَانَ -، عن ابْنِ أَبِي قُتَيْلَةَ،
===
بلدانهم، فيختارون جلاء أوطانهم ويتركونها، والفتنة تكون لازمة لهم، ولا تنفك عنهم حيث يكونون.
ذكره صاحب "المشكاة" في باب ذكر اليمن والشام، وعزاه إلى أبي داود، وزاد فيه: "تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا"، ولم أجد هذه الزيادة فيما عندي من نسخ أبي داود (١).
٢٤٨٣ - (حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي، نا بقية، حدثني بَحِير، عن خالد - يعني ابن معدان -، عن ابن أبي قتيلة) بضم القاف مصغرًا، هكذا في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندي بزيادة لفظ "ابن"، والذي في "تهذيب التهذيب" (٢) للحافظ فهو أبو قتيلة بغير زيادة لفظ "ابن"، قال الحافظ: مرثد بن وداعة العمي، وقيل: الجعفي، وقيل: الشرعبي، أبو قتيلة الحمصي، روى عن عبيد الله بن حوالة حديث: "سيكون بعدي أجناد مجندة"، وعنه خالد بن معدان، قال البخاري: له صحبة، وأنكر ذلك أبو حاتم، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وذكر الحافظ قبل ذلك في ترجمة عبد الله بن حوالة، روى عنه أبو قتيلة مرثد بن وداعة وغيره، ولم أجد ابن أبي قتيلة في "التهذيب" ولا في "التقريب" ولا في "الخلاصة"، ولكن أخرج الحافظ هذا الحديث برواية أبي داود في "الإصابة" (٣) فقال: ومن طريق ابن أبي قتيلة عن عبد الله بن حوالة، فذكر هذا الحديث، فلعل زيادة لفظ "ابن" على أبي قتيلة في أبي داود، وفي "الإصابة" من غلط الناسخ، وقد أخرج الإمام أحمد (٤) هذا الحديث عن ابن حوالة الأزدي بغير هذا السند.
стр. 5376
عن ابْنِ حَوَالَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَيَصِيرُ الأَمْرُ إِلَى أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً: جُنْدٌ بِالشَّامِ، وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ، وَجُنْدٌ بِالْعِرَاقِ". قَالَ (١) ابْنُ حَوَالَةَ: خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ، فَقَالَ: "عَلَيْكَ بِالشَّامِ، فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ، يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيَرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَمَّا إِذَا (٢) أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بَيَمَنِكُمْ، وَاسْقُوا مِنْ غُدُرِكُم، فَإِنَّ اللَّهَ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ". [حم ٥/ ٣٣، ك ٤/ ٥١٠]
===
(عن ابن حوالة) بفتح المهملة وتخفيف الواو، الأزدي، كنيته أبو حوالة، ويقال: أبو محمد، له صحبة (قال: قال رسول الله ﷺ : سيصير الأمر) أي أمر الإسلام أو أمر القتال (إلى أن تكونوا جنودًا) أي عساكر (مجندة) بتشديد النون المفتوحة، أي مجموعة في كلمة الإسلام، أو مختلفة في مراعاة الأحكام (جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق) أي عراق العرب، وهو البصرة والكوفة، أو عراق العجم، وهو ما وراءهما دون خراسان وما وراء النهر.
(فقال ابن حوالة: خِر لي يا رسول الله) بكسر المعجمة وسكون الراء، أمر من الخيرة، بمعنى الاختيار، أي اختر لي جندًا ألزمْه (إن أدركتُ ذلك) أي ذلك الوقت.
(فقال: عليك بالشام، فإنها) أي الشام (خيرة الله) أي مختارة الله (من أرضه) أي من بلاده، والمعنى اختارها الله من جميع الأرض للإقامة في آخر الزمان (يجتبي إليها) أي يجمع الله إلى أرض الشام (خيرته من عباده) أي المختارين من عباده (فأما إذا أبيتم) أي: امتنعتم من القصد إلى الشام (فعليكم بِيَمَنِكم، واسقوا) بهمزة الوصل ويجوز قطعه، أي: أنفسكم ودوابكم (من غُدَركم) بضم معجمة وفتح مهملة، جمع غدير، أي: حياضكم، (فإن الله) (توكل لي بالشام وأهله) أي تكفل لأجلي وإكرامًا لي في أمتي،
стр. 5377
(٤) بَابٌ: فِي دَوَامِ الْجِهَادِ
٢٤٨٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن قَتَادَةَ، عن مُطَرِّفٍ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمْ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ". [حم ٣/ ٣٤٥]
===
وقيل: صوابه تكفل لي بالشام، أي بأمر الشام وحفظ أهله من بأس الكفرة واستيلائهم، بحيث يتخطفهم ويدمرهم بالكلية.
(٤) (بَابٌ: فِي دَوَامِ الْجِهَادِ)
أي: يدوم الجهاد إلى قتال الدجال
٢٤٨٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن قتادة، عن مطرف، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين) أي غالبين منصورين، أو معروفين مشهورين (على من ناوأهم) أي: عاداهم.
قال الطيبي (١): قد سبق في الفصل الأول أن تنزيل أمثال هذا الحديث على الطائفة المنصورة من أهل الشام أولى، انتهى، والأولى أن يقال: من جهة الشام ليدخل أهل الروم في المراد، فإنهم القائمون في هذا الزمان بهذه الوظيفة الشريفة حق القيام، نصرهم الله تعالى وخذل أعداءهم اللئام إلى يوم القيامة.
(حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال) أي المهدي وعيسى ﵇ وأتباعهما، ويقتله عيسى ﵇ بعد نزوله من السماء على المنارة البيضاء شرقي دمشق بباب لُدٍّ من بيت المقدس حين حاصر المسلمين، وفيهم المهدي، وبعد قتله لا يكون الجهاد باقيًا، أما على يأجوج ومأجوج فلعدم القدرة والطاقة عليهم، وبعد إهلاك الله إياهم لا يبقى على وجه الأرض كافر ما دام عيسى عليه
стр. 5378
(٥) بَابٌ: فِي ثَوَابِ الْجِهَادِ
٢٤٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، نَا الزُّهْرِيُّ، عن عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عن أَبِي سَعِيدٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ: أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ إِيمَانًا؟ قَالَ: "رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ،
===
السلام حيًا في الأرض، وأما بعد موته ﵇ وكفر من كفر بعده، فلموت المسلمين كلهم عن قريب بريح طيبة، وبقاء الكفار بحيث لا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: الله، فما وقع في بعض الأحاديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة" (١)، يحمل على قربها، فإن خروج الدجال من أشراطها.
(٥) (بَابٌ: فِي ثوَابِ الْجهَادِ)
٢٤٨٥ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا سليمان بن كثير، نا الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد) أي: الخدري، (عن النبي ﷺ أنه سئل) ووقع في رواية البخاري (٢) من طريق الأوزاعي: "حدثنا الزهري: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ "، قال الحافظ (٣): لم أقف على اسمه (أي المؤمنين) أي: أيُّ رجل من المؤمنين (أكمل إيمانًا؟ قال) أي رسول الله ﷺ : (رجل يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله)، وكان المراد من الرجل المؤمن الذي قام بما تعيَّن عليه القيام به، ثم حصل هذه الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد وأهمل الواجبات العينية، وحينئذ فيظهر فضل المجاهد لما فيه من بذل نفسه وماله لله تعالى، ولما فيه من النفع المتعدي، وإنما كان المؤمن المعتزل يتلوه في الفضيلة، لأن الذي
стр. 5379
وَرَجُلٌ يَعْبُدُ اللَّهَ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ قَدْ كَفَى النَّاسَ شَرَّهُ". [خ ٢٧٨٦، م ١٨٨٨، ت ١٦٦٠، ن ٣١٠٥، جه ٣٩٧٨، حم ٣/ ١٦]
(٦) بَابٌ: فِي النَّهْيِ عَنِ السِّيَاحَةِ
٢٤٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ التَّنُّوخِيُّ (١)، نَا الْهَيْثَمُ بْنُ
===
يخالط الناس لا يسلم من ارتكاب الآثام (٢)، وهذا لا ينافيه ما أجاب به في الإيمان: "من سلم الناس من لسانه ويده" ولا غير ذلك من الأجوبة المختلفة، لأن الاختلاف في ذلك بحسب اختلاف الأشخاص والأحوال والأوقات (٣).
(ورجل) وفي رواية البخاري (٤) من طريق شعيب: "قالوا: ثم من؟ قال: مؤمن" (يعبد الله في شعب من الشعاب، قد كفى الناس شره).
قال الحافظ (٥): هو محمول على من لا يقدر على الجهاد، فيستحب في حقه العزلة ليسلم، ويسلم منه غيره، والذي يظهر أنه محمول على ما بعد عصر النبي ﷺ ، وقال في محل آخر (٦): وأما اعتزال الناس أصلًا فقال الجمهور: محل ذلك عند وقوع الفتن.
(٦) (بَابٌ: فِي النَّهْي عَنِ السِّيَاحَةِ)
قال في "القاموس": والسِّياحة بالكسر، والسُّيُوح والسَّيَحان والسَّيْح: الذهاب في الأرض للعبادة، ومنه المسيح ابن مريم.
٢٤٨٦ - (حدثنا محمد بن عثمان التنوخي، نا الهيثم بن
стр. 5380
حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ الْحَارِثِ، عن الْقَاسِمِ (١) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي بِالسِّيَاحَةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ". [ق ٩/ ١٦١، ك ٢/ ٧٣]
(٧) بَابٌ: فِي فَضْلِ الْقَفْلِ فِي الْغَزْوِ
٢٤٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، نَا عَلِىُّ بْنُ عَيَّاشٍ، عن اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، نَا (٢) حَيْوَةُ، عن ابْنِ شُفَيٍّ،
===
حميد، أخبرني العلاء بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة أن رجلًا) لم أقف على تسميته (قال: يا رسول الله، ائذن لي بالسياحة)، أراد مفارقة الأمصار وسكنى البراري وترك الجمعة والجماعات (قال النبي ﷺ : إن سياحة أمتي الجهادُ في سبيل الله )، وإنما لم يأذنه ﷺ لما فيه ترك تعلم العلم وترك الجهاد، وإنما دلَّه على الجهاد, لأن الجهاد في ذلك الزمان، وكذا في أكثر الأزمان ذِرْوَةُ سنام الإسلام، وفيه كبت الكفر والضلال.
(٧) (بَابٌ: فِي فَضْلِ القَفْلِ فِي الغَزْوِ)
القفل هو الرجوع
٢٤٨٧ - (حدثنا محمد بن المصفى، نا علي بن عياش، عن الليث بن سعد، نا حيوة، عن ابن شُفِّيٍّ) هو حسين بن شُفَيٍّ، بمضمومة وفتح فاء وشدة ياء، ابن ماتع، بمثناة فوق مكسورة، الأصبحي المصري، قال العجلي: مصري تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، اختلف في أنه سمع عبد الله بن عمرو بغير واسطة أبيه أم لا؟ فقال البخاري: سمع، وقال ابن أبي حاتم وأبو زرعة: لم يسمع.
стр. 5381
عن شُفَيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ عَمْرٍو -، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَفْلَةٌ كَغَزْوَةٍ". [حم ٢/ ١٧٤، ق ٩/ ٢٨]
===
(عن شفي) بالفاء، مصغرًا، ابن ماتع، ويقال: ابن عبد الله الأصبحي، أبو عثمان، أو أبو سهل، أو أبو عبيد المصري، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال الطبراني وغيره: مختلف فيه في صحبته.
(عن عبد الله - هو ابن عمرو -، عن النبي ﷺ قال: قفلة كغزوة)، قال في "النهاية" (١): القفلة المرة من القفول، أي إن أجر المجاهد في انصرافه إلى أهله بعد غزوه كأجره في إقباله إلى الجهاد, لأن في قفوله إراحة للنفس، واستعدادًا بالقُوَّة للعود، وحفظًا لأهله برجوعه إليهم.
وقيل: أراد بذاك التعقيب، وهو رجوعه ثانيًا في الوجه الذي جاء منه منصرفًا، وإن لم يلق عَدُوًّا ولم يَشْهد قِتالًا، وقد يفعل ذلك الجيش إذا انصرفوا من مغزاهم لأحد أمرين:
أحدهما: أن العدو إذا رآهم قد انصرفوا عنهم أمِنُوهم وخرجوا من أمكِنَتهم، فإذا قفل الجيش إلى دار العَدُوِّ نالوا الفُرصة منهم فأغاروا عليهم.
والآخر: أنهم إذا انصرفوا ظاهرين لم يأمنوا أن يَقْفُوَ العدو أثرهم فَيُوقِعوا بهم وهم غارُّون، فربما استظهر الجيش أو بعضُهم بالرُّجوع على أدْراجِهم، فإن كان من العَدُوِّ طَلَبٌ كانوا مستعدِّين للقائهم، وإلَّا فقد سَلموا وأحرَزُوا ما معهم من الغنيمة.
وقيل: يحتمل أن يكون سئل عن قوم قَفَلوا لخوفهم أن يَدْهَمَهم من عَدُوِّهم مَن هو أكثر عَددًا منهم، فقفلوا ليَسْتَضِيْفوا إليهم عددًا آخرَ من أصحابهم، ثم يَكُرُّوا على عَدُوِّهم، انتهى.
стр. 5382
(٨) بَابٌ: فِي فَضْلِ قِتَالِ الرُّوم عَلَى غَيْرِهِم مِنَ الأُمَمِ
٢٤٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَلَّامٍ، نَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن فَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ، عن عَبْدِ الْخَبِيرِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، عن أَبِيهِ،
===
(٨) (بَابٌ: فِي فَضْلِ قِتَالِ الرُّومِ عَلَى غَيْرِهمْ مِنَ الأُمَمِ)
٢٤٨٨ - (حدثنا عبد الرحمن بن سلَّام) بالتشديد، الجمحي، أبو حرب البصري، مولى قدامة بن مظعون، ثقة، وهو أخو محمد بن سلَّام الجمحي صاحب الأخبار، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(نا حجاج بن محمد، عن فرج بن فضالة، عن عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شماس)، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١): ووقع عند أبي داود عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شماس، والصواب ما ذكره المؤلف (٢)، فإن قيس بن شماس لا صحبة له، وجزم الدمياطي بأنه عبد الخبير بن إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس، فالله أعلم، قال أبو حاتم وابن عدي: منكر الحديث، حديثه ليس بالقائم، وكذا قال الحاكم أبو أحمد.
وقال في "التقريب" (٣): عبد الخبير بن قيس بن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، ووقع عند أبي داود منسوبًا لجده، مجهول الحال.
(عن أبيه) قيس بن ثابت بن قيس الأنصاري الخزرجي المدني، روى عن أبيه، وعنه ابنه عبد الخبير، قلت: ثابت بن قيس قتل يوم اليمامة بعد النبي ﷺ بقليل، فإما أن تكون رواية قيس عنه منقطعة وإلَّا لزم أن يكون لقيس إدراك، وقد تقدم في إسماعيل بن محمد بن ثابت أن الدمياطي جزم بأنه والد عبد الخبير، فالله أعلم.
стр. 5383
عن جَدِّهِ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ لَهَا أُمُّ خَلَّادٍ وَهِيَ مُتَنَقِّبَةٌ (١) تَسْأَلُ عن ابْنِهَا وَهُوَ مَقْتُولٌ، فَقَالَ لَهَا بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (٢) ﷺ : جِئْتِ تَسْأَلِينَ عن ابْنِكِ وَأَنْتِ مُتَنَقِّبَةٌ (٣) فَقَالَتْ: إِنْ أُرْزَأْ ابْنِي فَلَنْ أُرْزَأَ حَيَائِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ابْنُكِ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ"، قَالَتْ: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لأَنَّهُ قَتَلَهُ أَهْلُ الكِتَابِ". [ق ٩/ ١٧٥]
===
(عن جده) ثابت بن قيس بن شماس (قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ يقال لها أم خَلَّاد) أي والدته، وهو الذي قتل يوم قريظة، طرحت عليه حجر من أطم من آطامها فشدخته، فقال رسول الله ﷺ : "إن له أجر شهيدين"، يقولون: إن الحجر ألقتها عليه امرأة اسمها بنانة امرأة من قريظة، ثم قتلها رسول الله ﷺ مع بني قريظة لما قتل من أنبت منهم، ولم يقتل امرأة غيرها.
(وهي متنقبة) أي سادلة نقابها على وجهها (تسأل عن ابنها وهو مقتول، فقال لها بعض أصحاب النبي ﷺ : جئت تسألين عن ابنك وأنت) الواو للحال (متنقبة) يعني لو كنت أصابك رزء ابنك لكنت حاسرة عن رأسك كاشفة عن وجهك على حسب العادة.
(فقالت: إِنْ أُرْزَأْ ابني) أي إن أصابتني مصيبة قتل ابني (فلن أَرْزَأَ حيائي) أي ما أصابتني مصيبة فقد حيائي، فإن حيائي بحمد الله باقٍ (فقال رسول الله ﷺ : ابنك له أجر شهيدين، قالت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنه قتله أهل الكتاب) (٤).
стр. 5384
(٩) بَابٌ: فِي رُكُوبِ البَحْرِ فِي الْغَزْو (١)
٢٤٨٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عن مُطَرِّفٍ، عن بِشْرٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عن بَشِيرِ بْنِ مُسْلِمٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
===
(٩) (بَابٌ: فِي رُكُوبِ الْبَحْرِ فِي الغَزْوِ)
٢٤٨٩ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا إسماعيل بن زكريا، عن مطرف، عن بشر أبي عبد الله) الكندي، هكذا في النسخة المجتبائية والمصرية ونسخة "العون" وهو الصواب، وكذا في "التقريب" و"تهذيب التهذيب" و"الخلاصة" من غير زيادة لفظ "ابن"، وفي النسخة القادرية والمكتوبة الأحمدية: بشر بن أبي عبد الله بزيادة لفظ "ابن" على أبي عبد الله، وهو غلط، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٢): قرأت بخط الذهبي: لا يكاد يعرف، وفي "الخلاصة" (٣): مجهول.
(عن بشير) بفتح الموحدة وكسر المعجمة مكبرًا (ابن مسلم) الكندي، أبو عبد الله الكوفي. واختلف في سنده، وقيل: عن مطرف عن بشر أبي عبد الله الكندي عن عبد الله، وقيل: عن مطرف عن بشير بن مسلم أنه بلغه عن عبد الله بن عمرو، وقيل غير ذلك، قال البخاري: ولم يصح حديثه، وقال مسلمة بن قاسم: مجهول، وذكره ابن حبان في "الثقات" من أتباع التابعين، وقال: روى عن رجل عن عبد الله بن عمرو.
(عن عبد الله بن عمرو (٤) قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 5385
"لَا يَرْكَبُ (١) الْبَحْرَ إِلَّا حَاجٌّ، أَوْ مُعْتَمِرٌ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا". [ق ٦/ ١٨]
... (٢).
٢٤٩٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، نَا حَمَّادٌ - يَعْنِي
===
لا يركب البحر) أي المالح (إلَّا حاج، أو معتمر، أو غاز في سبيل الله، فإن تحت البحر نارًا (٣) وتحت النار بحرًا)، نقل في الحاشية عن "اللمعات": قيل: هو على ظاهره، فإن الله تعالى على كل شيء قدير، وقيل: المراد تهويل شأن البحر، وتفخيم الخطر في ركوبه، فإن راكبه متعرض للآفات بعضها فوق بعض.
قلت: واختلفوا في وجوب الحج إذا كان في طريقه بحر، قيل: البحر يمنع الوجوب، والأصح أنه كالبر، فإن كان الغالب فيه السلام يجب وإلَّا فلا، وسيحون وجيحون والفرات والنيل ودجلة أنهار لا بحار، فلا تمنع الوجوب اتفاقًا، قلت: وفي زماننا السفن الدخانية الكبار لا خطر فيها، وفيها السلامة غالبًا، فلا يمنع (٤) البحر وجوب الحج لا وجوب أدائه.
٢٤٩٠ - (حدثنا سليمان بن داود العتكي، نا حماد - يعني
стр. 5386
ابْنَ زَيْدٍ -، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ أُخْتُ أُمِّ سُلَيْمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ عِنْدَهُمْ، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: "رَأَيْتُ قَوْمًا مِمَّنْ يَرْكَبُ ظَهْرَ هَذَا الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ". قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: "فَإِنَّكِ مِنْهُمْ".
===
ابن زيد -، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أنس (١) بن مالك قال: حدثتني) خالتي (أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم، أن رسول الله ﷺ قَالَ عندهم) من القيلولة، وهو النوم في وسط النهار (فاستيقظ وهو يضحك) سرورًا (قالت) أي أم حرام: (فقلت: يا رسول الله، ما أضحكك؟ ) أي: أيُّ شيء حملك على الضحك؟ (قال) أي رسول الله ﷺ : (رأيت قومًا) من المسلمين (ممن يركب ظهر هذا البحر) أي الأخضر (كالملوك على الأسِرَّةِ) جمع سرير.
قال ابن عبد البر (٢): أراد - والله أعلم - أنه رأى الغزاة في البحر من أمته ملوكًا على الأسِرَّةِ (٣) في الجنة، قال عياض: هذا محتمل، ويحتمل أيضًا أن يكون خبرًا عن حالهم في الغزو، ومن سعة أحوالهم، وقوام أمرهم، وكثرة عددهم، وجودة عندهم، فكأنهم الملوك على الأسرة، قلت: وفي هذا الاحتمال بُعدٌ، والأول أظهر.
(قالت: قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال) أي رسول الله ﷺ : (فإنك منهم) وفي رواية: "فدعا"، ولا تنافي بينهما
стр. 5387
قَالَتْ: ثُمَّ نَامَ فَاستَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَضْحَكَكَ (١)؟ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، قَالَتْ: قُلْتُ (٢): يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: "أَنْتِ مِنَ الأَوَّلينَ". قَالَ: فَتَزَوَّجَهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ
===
فإنه ﷺ دعا لها أولًا على حسب سؤالها، ثم أخبر بإجابة الدعاء، فأخبرها بأنك منهم.
(قالت) أي أم حرام: (ثم نام فاستيقظ وهو يضحك) فرحًا وسرورًا (قالت: فقلت: يا رسول الله ما أضحكك؟ فقال مثل مقالته) أي الأولى (٣) (قالت: قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال) أي رسول الله ﷺ : (أنت من الأوَّلين)، قال القرطبي: الأولى (٤) في أول من غزا البحر من الصحابة، والثانية (٥) في أول من غزا البحر من التابعين، قلت: بل كان في كل منهما من الفريقين، لكن معظم الأولى من الصحابة والثانية بالعَكس.
(قال) أي أنس: (فتزوجها عبادة بن الصامت) أي تزوجها بعد تلك المقالة
стр. 5388
فَغَزَا فِي الْبَحْرِ فَحَمَلَهَا مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قُرِّبِتْ لَهَا بَغْلَةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا فَمَاتَتْ" (١). [خ ٧٠٠٢، م ١٩١٢، ١٦٤٥، ن ٣١٧٢، ت ١٦٤٥، جه ٢٧٧٦، حم ٣/ ٢٤٠، دي ٢٤٢١]
===
(فغزا في البحر) مع معاوية بن أبي سفيان سنة ثمان وعشرين، وكان ذلك في خلافة (٢) عثمان، ومعاوية يومئذ أمير الشام.
وقال خليفة بن خياط في "تاريخه" (٣) في حوادث سنة ثمان وعشرين: وفيها غزا معاوية البحر، ومعه امرأته فاختة بنت قرظة، ومع عبادة بن الصامت امرأته أم حرام، انتهى. وكان معاوية استأذن عمر في غزو البحر، فلم يأذن له، فلم يزل بعثمان حتى أذن له، فكان أول ما غزا في البحر غزاة قُبْرس، فصالح أهل قُبْرس.
(فحملها معه، فلما رجع) أي عبادة عن الغزو، وخرجت من البحر (قُرِّبت لها بغلة لتركبها) فركبتها (فَصَرَعَتْها) أي فأسقطتها (فاندقَّتْ عنقُها فماتت).
أخرج البخاري (٤) هذا الحديث من طريق الليث: حدثنا يحيى، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أنس بن مالك، عن خالته أم حرام بنت ملحان قالت: "نام النبي ﷺ "، الحديث، وفيه: "فخرجتْ مع زوجها عبادةَ بن الصامت غازيًا أوَّل مَا رَكِبَ المسلمون البحر مع معاوية، فلما انصرفوا من غزوهم قافلين، فنزلوا الشام، فقربت إليها دابة لتركبها، فصرعتها فماتت".
وهذا بظاهره يدل على أن سقوطها من الدابة كانت بساحل الشام لما خرجت من البحر، لكن أخرج ابن أبي عاصم، عن هشام بن عمار
стр. 5389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عن يحيى بن حمزة قصة أم حرام، وفيه: "وعبادة نازل بساحل حمص"، قال هشام بن عمار: رأيت قبرها بساحل حمص، وجزم جماعة بأن قبرها بجزيرة قبرس.
قال ابن حبان بعد إخرإج حديث الليث: "قبر أم حرام بجزيرة في بحر الروم، يقال لها: قبرس، بين بلاد المسلمين وبينها ثلاثة أيام"، وجزم ابن عبد البر بأنها حين خرجت من البحر إلى جزيرة قبرس، قربت إليها دابتها فصرعتها.
وأخرج الطبري من طريق الواقدي أن معاوية صالحهم بعد فتحها على سبعة آلاف دينار في كل سنة، فلما أرادوا الخروج منها قُرِّبَتْ لأم حرام دابةٌ لتركبها فسقطت، فماتت، فقبرها هناك يستسقون به، ويقولون: قبر المرأة الصالحة.
قال الحافظ (١): ويجمع بأنهم لما وصلوا إلى الجزيرة، بادرت المقاتلة، وتأخرت الضعفاء كالنساء، فلما غلب المسلمون، وصالحوهم طلعت أم حرام من السفينة قاصدة البلد لتراها، وتعود راجعة للشام، فوقعت حينئذ، ويحمل قول حماد بن زيد: "فلما رجعت"، وقول أبي طوالة: "فلما قفلت" أي: أرادت الرجوع، وكذا قول الليث: "فلما انصرفوا من غزوهم"، أي أرادوا الانصراف.
قال الحافظ: ثم وقفت على شيء يزول به الإشكال من أصله، وحاصله: أن في هذه القصة قصتين، أولهما قصة أم سليم، وثانيتهما ما أخرجه عبد الرزاق بسنده عن عطاء بن يسار أن امرأة حدثته قالت: "نام رسول الله ﷺ ثم استيقظ"، الحديث، فالقصة التي وقع في البخاري وغيره هي قصة أم سليم، فهي ماتت بساحل الشام ودفنت هناك، وأما القصة التي وقعت في حديث عطاء بن يسار،
стр. 5390
٢٤٩١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءٍ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ (١) مِلْحَانَ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا، فَأَطْعَمَتْهُ
===
فليست هي قصة أم سليم، بل هي قصة أختها أم عبد الله بنت ملحان (٢)، فإن عطاء بن يسار ذكر أنها حدثته، وهو يصغر عن إدراك أم حرام، وعن أن يغزو في سنة ثمان وعشرين, لأن مولده كان في سنة تسع عشرة، وعلى هذا فقد تعددت القصة لأم حرام ولأختها أم عبد الله، فلعل إحداهما دفنت بساحل قبرس، والأخرى بساحل حمص، ولله الحمد.
٢٤٩١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك أنه) أي إسحاق بن عبد الله (سمعه) أي سمع إسحاق بن عبد الله أنس بن مالك (يقول: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان، وكانت تحت عبادة بن الصامت).
قال الحافظ (٣): هذا ظاهره أنها كانت حينئذ زوج عبادة، وتقدم من رواية أبي طوالة عن أنس قال: "فتزوجت عبادة بن الصامت"، وتقدم من طريق محمد بن يحيى عن أنس: "فتزوج بها عبادة، فخرج بها إلى الغزو"، وفي رواية مسلم من هذا الوجه: "فتزوج بها عبادة بعد"، ووجه الجمع أن المراد بقوله: "وكانت تحت عبادة" الإخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك، وهو الذي اعتمده النووي وغيره تبعًا لعياض.
(فدخل) أي رسول الله ﷺ (عليها) أي على أم حرام (يومًا فأطعمته)،
стр. 5391
وَجَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ"، وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ. [انظر الحديث السابق]
===
قال الحافظ (١): لم أقف على تعيين ما أطعمته يومئذ (وجلست تفلي) بفتح المثناة وسكون الفاء وكسر اللام، أي تفتش (رأسه) أي ما في رأسه، ولا يلزم منه أن يكون في رأسه قمل، بل سبب فلي الرأس إراحته ﷺ ، فإن الفلي سبب (٢) للإراحة (وساق) أي إسحاق بن عبد الله بن طلحة أو غيره من الرواة (هذا الحديث) المتقدم.
قال الحافظ (٣): وفيه خدمة المرأة الضيف بتفلية رأسه، وقد أشكل هذا على جماعة، فقال ابن عبد البر (٤): أظن أن أم حرام أرضعت رسول الله ﷺ أو أختها أم سليم، فصارت كل منهما أمه أو خالته من الرضاعة، فلذلك كان ينام عندها، وتنال منه ما يجوز للمحرم أن يناله من محارمه، ثم ساق بسنده إلى يحيى بن إبراهيم بن مزين، قال: إنما استجاز رسول الله ﷺ أن تفلي أم حرام رأسه، لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته، لأن أم عبد المطلب جده كانت من بني النجار، ومن طريق يونس بن عبد الأعلى قال: قال لنا ابن وهب: أم حرام إحدى خالات النبي ﷺ من الرضاعة، فلذلك كان يقيل عندها، وينام في حجرها، وتفلي رأسه، قال ابن عبد البر: وأيهما كان فهي محرم له.
وجزم أبو القاسم بن الجوهري والداودي والمهلب بما قال ابن وهب، قال: وقال غيره: إنما كانت خالة لأبيه أو جده عبد المطلب، وقال
стр. 5392
٢٤٩٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عن مَعْمَرٍ، عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن أُخْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ الرُّمَيْصَاءِ قَالَتْ: نَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَاسْتَيْقَظَ، وَكَانَتْ تَغْسِلُ رَأْسَهَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَضْحَكُ (١)
===
ابن الجوزي: سمعت بعض الحفاظ يقول. كانت أم سليم أخت آمنة بنت وهب أم رسول الله ﷺ من الرضاعة.
وحكى ابن العربي ما قال ابن وهب, ثم قال: وقال غيره: بل كان النبي ﷺ معصومًا يملك إربه عن زوجته، فكيف عن غيرها مما هو المنزه عنه، وهو المبرأ عن كل فعل قبيح، وقول رفث، فيكون ذلك من خصائصه، ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب، وردَّ ذلك بأن ذلك كان بعد الحجاب بل بعد حجة الوداع، وردَّ عياض بأن الخصوصيات لا تثبت إلَّا بدليل، وبالغ الدمياطي في الردِّ على من ادَّعى المحرمية.
قال الحافظ: وأحسن الأجوبة دعوى الخصوصية، ولا يردها كونها لا تثبت إلَّا بدليل, لأن الدليل على ذلك واضح.
٢٤٩٢ - (حدثنا يحيى بن معين، نا هشام بن يوسف، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أخت أم سليم الرميصاء) صفة لأخت أم سليم، والمراد بها أم حرام على ما هو المشهور، وقال الحافظ في "الفتح" (٢): ولعلها أختها أم عبد الله بن (٣) ملحان، فقد ذكرها ابن سعد في الصحابيات (قالت: نام النبي ﷺ فاستيقظ، وكانت) أي أخت أم سليم (تغسل رأسها، فاستيقظ وهو يضحك، فقالت: يا رسول الله أتضحك
стр. 5393
مِنْ رَأْسِي؟ قَالَ (١): "لَا"، وَسَاقَ هَذَا الْخَبَرَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ (٢). [انظر الحديث السابق]
٢٤٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ الْعَيْشِيُّ، نَا مَرْوَانُ. (ح): وَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْجَوْبَرِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، الْمَعْنَى، قَالَ، نَا مَرْوَانُ، نَا هِلَالُ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّمْلِيُّ، عن يَعْلَى بْنِ شَدَّادٍ، عن أُمِّ حَرَامٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ (٣) قَالَ: "الْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ الَّذِي يُصِيبُهُ الْقَيْءُ
===
من رأسي؟ قال: لا (٤) وساق) أي يحيى بن معين أو عطاء بن يسار (هذا الخبر) أي الحديث المتقدم (يزيد وينقص) أي يزيد على الحديث المتقدم بعض اللفظ، وينقص منه بعضه.
٢٤٩٣ - (حدثنا محمد بن بكار العيشي، نا مروان، ح: ونا عبد الوهاب بن عبد الرحيم) بن عبد الوهاب الأشجعي، أبو عبد الله (الجوبري) بفتح الجيم والموحدة بينهما واو ساكنة، نسبة إلى قرية من قرى دمشق، يقال لها: جوبر (الدمشقي، المعنى) أي معنى حديثهما واحد.
(قال: نا مروان) بن معاوية، (نا هلال بن ميمون الرملي، عن يعلى بن شداد، عن أم حرام، عن النبي ﷺ قال: المائد في البحر) وهو الذي يدور رأسه باضطراب السفينة بتموج البحر (الذي يصيبه القيء) أي في السفر الذي
стр. 5394
لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَالْغَرِقُ (١) لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ". [مسند الحميدي ٣٤٩]
٢٤٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَتِيقٍ (٢)، نَا أَبُو مُسْهِرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ سَمَاعَةَ -، أَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عن أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ثَلاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامَنٌ
===
يكون للعبادة (له أجر شهيد) أي واحد (والغَرِق) ككتف، الغريق أي الذي يغرق في البحر بتموج البحر في سفر العبادة (له أجر (٣) شهيدين).
٢٤٩٤ - (حدثنا عبد السلام بن عتيق) بن حبيب بن أبي عتيق العنسي بالنون، ويقال: أسلميٌّ مولاهم، الدمشقي، أبو هشام، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: صالح، وقال مرة: ليس به بأس، (نا أبو مسهر، نا إسماعيل بن عبد الله، يعني ابن سماعة) العدوي مولى آل عمر، أصله من الرملة، وقد ينسب إلى جده، قال العجلي والنسائي وابن عمار: ثقة، وقال أبو مسهر: كان من الفاضلين، وذكره في الأثبات من أصحاب الأوزاعي، وقال أبو حاتم: كان من أجل أصحاب الأوزاعي وأقدمهم، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(أنا الأوزاعي، حدثني سليمان بن حبيب) المحاربي، أبو أيوب، ويقال: أبو بكر، ويقال: أبو ثابت، الدمشقي الداراني القاضي، قضى بدمشق أربعين سنة في خلافة عمر بن عبد العزيز، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال العجلي والنسائي، وقال الدارقطني: ليس به بأس تابعي مستقيم.
(عن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله ﷺ قال: ثلاثة كلهم ضامن)
стр. 5395
عَلَى اللَّهِ : رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ (١)، وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ " (٢). [حب ٤٩٩، ك ٢/ ٧٣]
(١٠) بَابٌ: فِي فَضْلِ مَنْ قَتَل كَافِرًا
٢٤٩٥ - حدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، نَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ -، عن الْعَلَاءِ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَجْتَمِعُ فِي النَّارِ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ أَبَدًا". [م ١٨٩١، حم ٢/ ٣٩٧، ق ٩/ ١٦٥]
===
أي مضمون كما في قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (٣) أو ذو ضمان (على الله : رجل خرج غازيًا في سبيل الله ، فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده) سالمًا من مغزاه إلى بيته (بما نال من أجر وغنيمة، ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يتوفاه) أي: يميته (فيدخله الجنة أو يرده) من المسجد إلى بيته (بما نال من أجر وغنيمة) الواو بمعنى أو لمنع الخلو (ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله ).
(١٠) (بَابٌ: فِي فَضْل مَنْ قَتَلَ كَافرًا)
أي: غير معاهد
٢٤٩٥ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا إسماعيل -يعني ابن جعفر-، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لا يجتمع في النار كافر وقاتله) المسلم (أبدًا)، وفي رواية: "لا يجتمعان في النار اجتماعًا