وَجَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ"، وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ. [انظر الحديث السابق]
===
قال الحافظ (١): لم أقف على تعيين ما أطعمته يومئذ (وجلست تفلي) بفتح المثناة وسكون الفاء وكسر اللام، أي تفتش (رأسه) أي ما في رأسه، ولا يلزم منه أن يكون في رأسه قمل، بل سبب فلي الرأس إراحته ﷺ ، فإن الفلي سبب (٢) للإراحة (وساق) أي إسحاق بن عبد الله بن طلحة أو غيره من الرواة (هذا الحديث) المتقدم.
قال الحافظ (٣): وفيه خدمة المرأة الضيف بتفلية رأسه، وقد أشكل هذا على جماعة، فقال ابن عبد البر (٤): أظن أن أم حرام أرضعت رسول الله ﷺ أو أختها أم سليم، فصارت كل منهما أمه أو خالته من الرضاعة، فلذلك كان ينام عندها، وتنال منه ما يجوز للمحرم أن يناله من محارمه، ثم ساق بسنده إلى يحيى بن إبراهيم بن مزين، قال: إنما استجاز رسول الله ﷺ أن تفلي أم حرام رأسه، لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته، لأن أم عبد المطلب جده كانت من بني النجار، ومن طريق يونس بن عبد الأعلى قال: قال لنا ابن وهب: أم حرام إحدى خالات النبي ﷺ من الرضاعة، فلذلك كان يقيل عندها، وينام في حجرها، وتفلي رأسه، قال ابن عبد البر: وأيهما كان فهي محرم له.
وجزم أبو القاسم بن الجوهري والداودي والمهلب بما قال ابن وهب، قال: وقال غيره: إنما كانت خالة لأبيه أو جده عبد المطلب، وقال
стр. 5392
٢٤٩٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عن مَعْمَرٍ، عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن أُخْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ الرُّمَيْصَاءِ قَالَتْ: نَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَاسْتَيْقَظَ، وَكَانَتْ تَغْسِلُ رَأْسَهَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَضْحَكُ (١)
===
ابن الجوزي: سمعت بعض الحفاظ يقول. كانت أم سليم أخت آمنة بنت وهب أم رسول الله ﷺ من الرضاعة.
وحكى ابن العربي ما قال ابن وهب, ثم قال: وقال غيره: بل كان النبي ﷺ معصومًا يملك إربه عن زوجته، فكيف عن غيرها مما هو المنزه عنه، وهو المبرأ عن كل فعل قبيح، وقول رفث، فيكون ذلك من خصائصه، ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب، وردَّ ذلك بأن ذلك كان بعد الحجاب بل بعد حجة الوداع، وردَّ عياض بأن الخصوصيات لا تثبت إلَّا بدليل، وبالغ الدمياطي في الردِّ على من ادَّعى المحرمية.
قال الحافظ: وأحسن الأجوبة دعوى الخصوصية، ولا يردها كونها لا تثبت إلَّا بدليل, لأن الدليل على ذلك واضح.
٢٤٩٢ - (حدثنا يحيى بن معين، نا هشام بن يوسف، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أخت أم سليم الرميصاء) صفة لأخت أم سليم، والمراد بها أم حرام على ما هو المشهور، وقال الحافظ في "الفتح" (٢): ولعلها أختها أم عبد الله بن (٣) ملحان، فقد ذكرها ابن سعد في الصحابيات (قالت: نام النبي ﷺ فاستيقظ، وكانت) أي أخت أم سليم (تغسل رأسها، فاستيقظ وهو يضحك، فقالت: يا رسول الله أتضحك
стр. 5393
مِنْ رَأْسِي؟ قَالَ (١): "لَا"، وَسَاقَ هَذَا الْخَبَرَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ (٢). [انظر الحديث السابق]
٢٤٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ الْعَيْشِيُّ، نَا مَرْوَانُ. (ح): وَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْجَوْبَرِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، الْمَعْنَى، قَالَ، نَا مَرْوَانُ، نَا هِلَالُ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّمْلِيُّ، عن يَعْلَى بْنِ شَدَّادٍ، عن أُمِّ حَرَامٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ (٣) قَالَ: "الْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ الَّذِي يُصِيبُهُ الْقَيْءُ
===
من رأسي؟ قال: لا (٤) وساق) أي يحيى بن معين أو عطاء بن يسار (هذا الخبر) أي الحديث المتقدم (يزيد وينقص) أي يزيد على الحديث المتقدم بعض اللفظ، وينقص منه بعضه.
٢٤٩٣ - (حدثنا محمد بن بكار العيشي، نا مروان، ح: ونا عبد الوهاب بن عبد الرحيم) بن عبد الوهاب الأشجعي، أبو عبد الله (الجوبري) بفتح الجيم والموحدة بينهما واو ساكنة، نسبة إلى قرية من قرى دمشق، يقال لها: جوبر (الدمشقي، المعنى) أي معنى حديثهما واحد.
(قال: نا مروان) بن معاوية، (نا هلال بن ميمون الرملي، عن يعلى بن شداد، عن أم حرام، عن النبي ﷺ قال: المائد في البحر) وهو الذي يدور رأسه باضطراب السفينة بتموج البحر (الذي يصيبه القيء) أي في السفر الذي
стр. 5394
لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَالْغَرِقُ (١) لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ". [مسند الحميدي ٣٤٩]
٢٤٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَتِيقٍ (٢)، نَا أَبُو مُسْهِرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ سَمَاعَةَ -، أَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عن أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ثَلاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامَنٌ
===
يكون للعبادة (له أجر شهيد) أي واحد (والغَرِق) ككتف، الغريق أي الذي يغرق في البحر بتموج البحر في سفر العبادة (له أجر (٣) شهيدين).
٢٤٩٤ - (حدثنا عبد السلام بن عتيق) بن حبيب بن أبي عتيق العنسي بالنون، ويقال: أسلميٌّ مولاهم، الدمشقي، أبو هشام، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: صالح، وقال مرة: ليس به بأس، (نا أبو مسهر، نا إسماعيل بن عبد الله، يعني ابن سماعة) العدوي مولى آل عمر، أصله من الرملة، وقد ينسب إلى جده، قال العجلي والنسائي وابن عمار: ثقة، وقال أبو مسهر: كان من الفاضلين، وذكره في الأثبات من أصحاب الأوزاعي، وقال أبو حاتم: كان من أجل أصحاب الأوزاعي وأقدمهم، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(أنا الأوزاعي، حدثني سليمان بن حبيب) المحاربي، أبو أيوب، ويقال: أبو بكر، ويقال: أبو ثابت، الدمشقي الداراني القاضي، قضى بدمشق أربعين سنة في خلافة عمر بن عبد العزيز، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال العجلي والنسائي، وقال الدارقطني: ليس به بأس تابعي مستقيم.
(عن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله ﷺ قال: ثلاثة كلهم ضامن)
стр. 5395
عَلَى اللَّهِ : رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ (١)، وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ " (٢). [حب ٤٩٩، ك ٢/ ٧٣]
(١٠) بَابٌ: فِي فَضْلِ مَنْ قَتَل كَافِرًا
٢٤٩٥ - حدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، نَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ -، عن الْعَلَاءِ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَجْتَمِعُ فِي النَّارِ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ أَبَدًا". [م ١٨٩١، حم ٢/ ٣٩٧، ق ٩/ ١٦٥]
===
أي مضمون كما في قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (٣) أو ذو ضمان (على الله : رجل خرج غازيًا في سبيل الله ، فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده) سالمًا من مغزاه إلى بيته (بما نال من أجر وغنيمة، ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يتوفاه) أي: يميته (فيدخله الجنة أو يرده) من المسجد إلى بيته (بما نال من أجر وغنيمة) الواو بمعنى أو لمنع الخلو (ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله ).
(١٠) (بَابٌ: فِي فَضْل مَنْ قَتَلَ كَافرًا)
أي: غير معاهد
٢٤٩٥ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا إسماعيل -يعني ابن جعفر-، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لا يجتمع في النار كافر وقاتله) المسلم (أبدًا)، وفي رواية: "لا يجتمعان في النار اجتماعًا
стр. 5396
(١١) بَابٌ: فِي حُرْمَةِ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِين (١)
٢٤٩٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا سُفْيَانُ، عن قَعْنَبٍ، عن عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عن ابْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ
===
يضر أحدهما الآخر، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: مؤمن قتل كافراً ثم سَدَّد".
قال القاضي (٢) في الرواية الأولى: يحتمل أن هذا مختص بمن قتل كافرًا في الجهاد، فيكون ذلك مكفرًا لذنوبه حتى لا يعاقب عليها، أو يكون بنية مخصوصة، أو حالة مخصوصة، ويحتمل أن يكون عقابه إن عوقب بغير النار، كالحبس في الأعراف عن دخول الجنة أولًا ولا يدخل النار، أو يكون إن عوقب بها في غير موضع عقاب الكفار، ولا يجتمعان في إدراكها، انتهى. قال الطيبي (٣): والأول هو الوجه.
(١١) (بَابٌ: فِي حُرْمَةِ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ)
٢٤٩٦ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا سفيان، عن قعنب) بسكون المهملة ثم نون مفتوحة آخره موحدة، التميمي الكوفي، قال سفيان: كان ثقة خيارًا، قال أبو داود: كان رجلًا صالحًا، كان ابن أبي ليلى أراده على القضاء فامتنع، وقال: أخرجوني حتى أنظر، فتوارى فوقع عليه البيت فقتله، وذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة) بالتصغير، (عن أبيه) بريدة ابن الحصيب.
(قال: قال رسول الله ﷺ : حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة
стр. 5397
أُمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلًا مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ (١) إِلَّا نُصِبَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ خَلَفَكَ فِي أَهْلِكَ فَخُذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شِئْتَ"، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "مَا ظَنُّكُم؟ " (٢). [م ١٨٩٧، ن ٣١٨٩، ق ٩/ ١٧٣]
===
أمهاتهم) مبالغة في اجتنابهم عنهن والميل إليهن بسوء ومراعاة حقوقهن (وما من رجل من القاعدين يخلف) بضم اللام أي يعقب (رجلًا من المجاهدين في أهله) أي امرأته أو جاريته وقرابته في بيته فيخونه، كما في "مسلم"، أي: فيخون ذلك القاعد في أهل ذلك المجاهد (إلَّا نصب) بصيغة المجهول، أي وقف وأقيم ذلك الرجل القاعد (له) أي للمجاهد (يوم القيامة، فقيل له) أي للمجاهد، والقائل الملك الموكل من الله تعالى (قد خلفك) أي هذا القاعد (في أهلك) أي بسوء وخيانة (فخذ من حسناته) أي ذلك القاعد (ما شئت) أي: أيّ قدر شئت (فالتفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: ما ظنكم؟ ).
قال النووي (٣): معناه: فما تظنون في رغبة المجاهد في أخذ حسناته، والاستكثار منها في ذلك المقام؟ أي لا يبقى منها شيء إلَّا أخذه، وقال المظهر (٤): أي ما ظنكم بالله مع هذه الخيانة؟ هل تشكون في هذه المجازاة أم لا؟ يعني فإذا علمتم صدق ما أقول فاحذروا من الخيانة في نساء المجاهدين، وقال التوربشتي: أي فما ظنكم بمن أحله الله بهذه المنزلة، وخصه بهذه الفضيلة، فربما يكون وراء ذلك من الكرامة.
стр. 5398
(١٢) بَابٌ: فِي (١) السَّريَّةِ تُخْفِق
٢٤٩٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، نَا حَيْوَةُ وَابْنُ لَهِيعَةَ قَالَا: نَا أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ الْحُبُلِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ غَنِيمَةً إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُم الثُّلُثُ، فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ". [م ١٩٠٦، ن ٣١٢٥، حم ٢/ ١٦٩، جه ٢٧٨٥]
===
(١٢) (بَابٌ: فِي السَّرِيَّةِ) وهي قطعة من الجيش تغزو (تُخْفِقُ)
قال في النهاية (٢): أيما سرية غَزَت فأخفقت، الإخفاق أن تغزو فلا تغنم شيئًا، وكذا كل طالب حاجة إذا لم تُقضَ له، وأصله من الخفق: التحرُّك، أي صادفت الغنيمة خافقة غير ثابتةٍ مستقرة.
٢٤٩٧ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، نا عبد الله بن يزيد، نا حيوة وابن لهيعة قالا: نا أبو هانئ الخولاني) حميد بن هانئ (أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ : ما من غازية) أي جماعة (تغزو في سبيل الله فيصيبون غنيمة إلَّا تعجلوا) أي في الدنيا (ثلثي أجرهم) أي السلامة والغنيمة (من الآخرة) أي من أجر الآخرة (ويبقى لهم الثلث) فيعطى لهم في الآخرة ذلك الثلث (فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم) أي في الآخرة (أجرهم) لأنهم لم يستوفوا من أجرهم في الدنيا.
قال النووي (٣): الصواب في معنى الحديث أن الغزاة إذا سلموا وغنموا
стр. 5399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يكون أجرهم أقل من أجر من (١) لم يسلم، أو سلم ولم يغنم، وقد اختار القاضي عياض (٢) هذا المعنى بعد حكايته في تفسيره أقوالًا فاسدة، منها: قول من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح، ولا يجوز أن ينقص ثوابهم بالغنيمة، كما لم ينقص ثواب أهل بدر، وهم أفضل المجاهدين، وهي أفضل غنيمة.
قال: وزعم بعض هؤلاء أن أبا هانئ راويه مجهول، ورجحوا الحديث السابق في أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة، فرجحوه على هذا الحديث لشهرته وشهرة رجاله، ولأنه في "الصحيحين" وهذا في "مسلم" خاصة.
وهذا القول باطل من أوجه، فإنه لا تعارض بينه وبين هذا الحديث المذكور، فإن الذي في الحديث السابق رجوعه بما نال من أجر وغنيمة، ولم يقل إن الغنيمة تنقص الأجر أم لا، ولا قال: أجره كأجر من لم يغنم، فهو مطلق وهذا مقيد، فوجب حمله عليه.
وأما قولهم: أبو هانئ مجهول، غلط فاحش، بل هو ثقة مشهور، روى عنه خلائق من الأئمة، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به في "صحيحه".
وأما قولهم: إنه ليس في "الصحيحين"، فليس لازمًا في صحة الحديث كونه في "الصحيحين"، ولا في أحدهما.
وأما قولهم: في غنيمة (٣) بدر، فليس في غنيمة بدر نص أنهم لو لم يغنموا
стр. 5400
(١٣) بَابٌ: فِي تَضْعِيفِ الذِّكْرِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -
٢٤٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عن زَبَّانَ بْنِ فَائِدٍ، عن سَهْلِ بْن مُعَاذٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالذِّكْرَ يُضَاعَفُ (١) عَلَى النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِسَبْعِ مائَةِ ضِعْفٍ". [حم ٣/ ٤٣٨، ق ٩/ ١٧٢، ك ٢/ ٧٨]
===
لكان أجرهم على قدر أجرهم، وقد غنموا فقط، وكونهم مغفورًا لهم، مرضيًا عنهم، ومن أهل الجنة، لا يلزم منه أن لا تكون وراء هذا مرتبة أخرى هي أفضل منه مع أنه شديد الفضل عظيم القدر.
(١٣) (بَابٌ: في تَضْعِيفِ الذِّكْرِ) أي: في ازدياده بمثل أو أمثال (فِي سَبِيلِ اللهِ
٢٤٩٨ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، نا ابن وهب، عن يحيى بن أيوب وسعيد بن أبي أيوب، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه) معاذ بن أنس (قال: قال رسول الله ﷺ : إن الصلاة والصيام والذكر)، ويدخل فيه التسبيح والتهليل والتكبير والتصلية وقراءة القرآن بالتدبر وغير ذلك من أنواع الذكر (يضاعف) أي يزاد باعتبار الأجر والثواب (على النفقة في سبيل الله بسبع مائة ضعف).
ولفظ أحمد في "مسنده" (٢): "قال: إن الذكر في سبيل الله تعالى يُضَعَّفُ فوق النفقة بسبع مائة ضعف"، قال يحيى في حديثه: "بسبعمائة ألف ضعف".
والحديث ضعيف، لأن في سنده زبان بن فائد وسهل بن معاذ.
стр. 5401
(١٤) بَابٌ: فِيمَنْ مَاتَ غَازِيًا
٢٤٩٩ - حَدّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ, نَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عن ابْنِ ثَوْبَانَ، عن أَبِيهِ، يَرُدُّ إِلَىَ مَكْحُولٍ، إِلَى عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ غَنْمٍ الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الأَشْعَرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ فَصَل فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَاتَ أَوْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ، أَوْ وَقَصَهُ فَرَسُهُ أَوْ بَعِيرُهُ، أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ، أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَبِأَيِّ حَتْفٍ (١) شَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّهُ شَهِيدٌ وَأَنَّ لَهُ الْجَنَّةَ". [ق ٩/ ١٦٦، ك ٢/ ٧٨]
===
(١٤) (بَابٌ: فِي مَنْ مَاتَ غَازِيًا)
٢٤٩٩ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، نا بقية بن الوليد، عن ابن ثوبان) عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، (عن أبيه) ثابت بن ثوبان (يرد) أي يبلغ الحديث (إلى مكحول) وهو يبلغ (إلى عبد الرحمن بن غنم الأشعري، أن أبا مالك الأشعري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من فصل) أي خرج من منزله كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ (٢) (في سبيل الله ) أي للجهاد ونحوه (فمات) أي بجراحة (أو قتل فهو شهيد، أو وقصه) أي صرعه ودق عنقه (فرسه أو بعيره، أو لدغته) بالدال المهملة والغين المعجمة، أي لسعته (هامة) بتشديد الميم أي ذات سم تقتل (أو مات على فراشه، وبأي حتف) بفتح فسكون، أي: أيِّ نوع من الهلاك (شاء الله) أي قدَّره وقضاه (فإنه شهيد) أي: إما حقيقة أو حكمًا (وأن له الجنة) أي دخولًا أوَّليًّا مع الشهداء والصالحين.
стр. 5402
(١٥) بَابٌ: فِي فَضْلِ الرِّبَاطِ
٢٥٠٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، نَا أَبُو هَانِئٍ، عن عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كُلُّ الْمَيِّتِ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الْمُرَابِطَ فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وُيؤَمَّنُ مِنْ فَتَّانِ الْقَبْرِ". [ت ١٦٢١، حم ٦/ ٢٠، ك ٢/ ١٤٤]
===
(١٥) (بَابٌ: فِي فَضْلِ الرِّبَاطِ) (١)
وهو ارتباط الخيل والإقامة على جهاد العدو، أصله أن يربط الفريقان خيولهم في ثغر كل منهما معد لصاحبه
٢٥٠٠ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا عبد الله بن وهب، نا أبو هانئ، عن عمرو بن مالك، عن فضالة بن عبيد، أن رسول الله ﷺ قال: كل الميت) وفي نسخة: "كل ميت"، وهكذا مُنَكَّرًا وقع في رواية أحمد والترمذي (يختم على عمله) أي لا ينمو عمله ولا يكتب له ثواب جديد (إلَّا المرابط فإنه ينمو له) أي يزاد له (عمله) بأن يصل إليه كل لحظة أجر جديد (إلى يوم القيامة) فإنه فدى نفسه فيما يعود نفعه على المسلمين، وهو إحياء الدين يدفع أعداءهم من المشركين (ويُؤَمَّن من فتان القبر) أي مع ذلك، ولعله بهذا امتاز عن غيره الوارد في حديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلَّا من ثلاثة: إلَّا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (٢).
وفي هذا إشارة إلى دفع التعارض بين هذا الحديث وحديث أبي هريرة: "إذا مات الإنسان انقطع عمله"، الحديث، وتقرير التعارض أن قوله ﷺ :
стр. 5403
(١٦) بَابٌ: فِي فَضْلِ الْحَرَسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -
٢٥٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، نَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ -، عن زَيْدٍ - يَعْنِي ابْنَ سَلَّام - أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي السَّلُولِيُّ (١)، أَنَّهُ حَدَّثَهُ سَهْلُ بْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ: أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ
===
"كل ميت يختم على عمله إلَّا المرابط"، يدل أن غير المرابط لا ينمو له عمل، ولا يزاد في ثواب عمله، وحديث أبي هريرة يدل على أن من تصدق بصدقة جارية، أو علَّم علمًا انتفع به الناس، أو من خلف له ولد صالح يدعو له، فإنهم يزدادون أجرًا وثوابًا، ولم يختم على أعمالهم.
والأحسن عندي في الجواب أن يقال: إن ازدياد الأجر والثواب على نوعين: أحدهما: أن يزداد الأجر بواسطة عمل إنسان آخر من الانتفاع بصدقته، كالبئر إذا شرب منه، والمسجد إذا صلَّى فيه، أو بواسطة دعاء ولد صالح أو غيره.
وثانيهما: أن يزداد أجره بنمو عمله من غير واسطة إنسان آخر، فالمرابط على النوع الثاني، وما سواه فهو على النوع الأول، فلا تعارض بينهما، والله تعالى أعلم، ولفظ الترمذي وأحمد: "ويأمن فتنة القبر"، وفي أخرى لأحمد: "ويوقى فتنة القبر".
(١٦) (بَابٌ: فِي فَضْلِ الحَرَسِ)
أي: الحراسة (فِي سَبِيلِ اللهِ ) أي: في الجهاد وسفر الحج وغيرهما
٢٥٠١ - (حدثنا أبو توبة، نا معاوية يعني ابن سلام، عن) أخيه (زيد - يعني ابن سلام - أنه سمع) جده (أبا سلام قال: حدثني السلولي) أبو كبشة (أنه) أي السلولي (حدثه سهل بن الحنظلية: أنهم) أي الصحابة ﵃ (ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين) وهو اليوم الذي ذكره الله في كتابه
стр. 5404
فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَ عَشِيَّةً، فَحَضَرْتُ (١) صَلَاةً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي انْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيكُم حَتَّى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنَا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ آبَائِهِمْ بِظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ وَشَائِهِمْ
===
الكريم، وهو قريب من مكة، وقيل: هو واد، وقيل: الطائف، وقيل: واد بجنب ذي المجاز، وقال الواقدي: بينه وبين مكة ثلاثة ليال، وقيل: بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا، وهو يذكر ويؤنث، فإن قَصدت به البلد ذكرته وصرفته، وإن قصدت به البلدة والبقعة أنثته ولم تصرفه.
(فأطنبوا السير) أي بالغوا فيه (حتى كان عشية) بالنصب على أنه خبر كان، واسمها محذوف، أي كان الوقت عشية، ويحتمل أن يكون منصوبًا بنزع الخافض، أي حتى كان السير إلى عشية (فحضرت صلاة) أي الظهر كما في نسخة (عند رسول الله ﷺ ، فجاء رجل فارس) لم أقف على تسميته، أي: راكب فرس.
(فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت) أي صعدت وعلوت (جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن) قبيلة (على بَكْرَةِ آبائهم)، قال في "المجمع" (٢): يريدون بها الكثرة ومجيء جميعهم، وليس هناك بكرة، قال الطيبي (٣): "على" بمعنى "مع"، وهو مَثلٌ، أصله أن جمعًا عرض لهم انزعاج، فارتحلوا جميعًا، حتى أخذوا بكرة أبيهم، وهي التي يستقى عليها.
(بِظُعُنِهم) جمع ظعينة، وهي المرأة الراكبة هودجها (ونعمهم) أي: إبلهم، قال في "القاموس": والنعم، وقد تسكن عينه: الإبل والشاء، أو خاص بالإبل، (وشائهم) جمع شاة.
стр. 5405
اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَقَالَ: "تِلْكَ غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ"؟ قَالَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَارْكَبْ" (١)، فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ وَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبَ حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلَاهُ، وَلَا نُغَرَّنَّ (٢) مِنْ قِبَلِكَ اللَّيْلَةَ".
فَلَمَّا أَصْبَحْنَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مُصَلَاّهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: "هَلْ أَحْسَسْتُمْ (٣) فَارِسَكُم"؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحْسَسْنَاهُ (٤)، فَثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ
===
(اجتمعوا) أي تجمعوا (إلى حنين، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: تلك) أي: الظعن والنعم والشاء (غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله، ثم قال: من يحرسنا) أي يحفظنا (الليلة؟ قال أنس بن أبي مرثد الغنوي) يكنى أبا يزيد حليف حمزة بن عبد المطلب ﵁، لأنس ولأبيه صحبة، وكان بينهما في السن عشرون سنة (أنا) أي أحرسكم (يا رسول الله، قال: فاركب، فَرَكِبَ فرسًا له وجاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، ولا نُغَرَّنَّ) بصيغة المتكلم مع الغير على بناء المفعول من الغرور في آخره نون ثقيلة (من قبلك الليلة) أي: لا يهجم العدو علينا من قبلك على غفلة.
(فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه فركع ركعتين) أي ركعتي سنَّة الفجر (ثم قال: هل أحسستم فارسكم؟ قالوا: يا رسول الله، ما أحسسناه) أي: ما رأيناه ولا سمعنا حسه.
(فثوب بالصلاة) أي أقيم لها (فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو) الواو
стр. 5406
يَتَلَفَّتُ (١) إِلَى الشِّعْبِ، حَتَّى إِذَا قَضَى (٢) صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ فَقَالَ (٣): "أَبْشِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ فَارِسُكُم"، فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى خِلَالِ الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: إِنِّي انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ اطَّلَعْتُ الشِّعْبَينِ كِلَيْهِمَا، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "هَلْ نَزَلْتَ اللَّيْلَةَ"؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مُصَلّيًا أَوْ قَاضِيًا (٤) حَاجَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ أَوْجَبْتَ، فَلَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَعْمَلَ بَعْدَهَا". [ق ٩/ ١٤٩، ك ٢/ ٨٣]
===
للحال (يتلفت) أي يلتفت (إلي الشعب، حتى إذا قضى صلاته وسلَّم) تسليم الفراغ (فقال) أي رسول الله ﷺ : (أبشروا فقد جاءكم فارسكم، فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر) أي بين الأشجار (في الشعب فإذا هو) أي الفارس (قد جاء حتى وقف على رسول الله ﷺ فسلم).
(وقال: إني انطلقت) أي من عندكم (حتى كنت في أعلى هذا الشعب، حيث أمرني رسول الله ﷺ ، فلما أصبحت اطَّلعت) أي علوت (الشعبين كليهما، فنظرت فلم أرَ أحدًا) أي من العدو (فقال له رسول الله ﷺ : هل نزلتَ) أي من الفَرَس (الليلة؟ قال: لا، إلَّا مصليًا أو قاضيًا حاجةً) أي إلَّا للصلاة وقضاء الحاجة (فقال له رسول الله ﷺ : قد أوجبتَ) أي الجنة بعملك هذا (فلا عليك) أي لا بأس عليك (أن لا تعمل بعدها) أي تطوعًا بعد هذا العمل من الحراسة.
стр. 5407
(١٧) بَابُ كَرَاهِيَة تَرْكِ الْغَزْوِ
٢٥٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَرْوَزِيُّ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، نَا وُهَيْبٌ - قَالَ عَبْدَةُ: يَعْنِي ابْنَ الْوَرْدِ -، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عن سُمَيٍّ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ
===
(١٧) (بَابُ كَرَاهِيَةِ تَرْكِ الغَزْوِ)
٢٥٠٢ - (حدثنا عبدة بن سليمان المروزي) أبو محمد، ويقال: أبو عمر، نزل المصيصة، وصحب ابن المبارك، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث، وذكر ابن عدي أن البخاري روى عنه، ولم يذكر ذلك غيره، قلت: ووثَّقه الدارقطني، وقال البخاري: أحاديثه معروفة.
(نا ابن المبارك، نا وهيب، قال عبدة) شيخ المصنف: (يعني) أي يريد شيخي ابن المبارك أن وهيبًا هو (ابن الورد) وهو وهيب بن الورد بن أبي الورد القرشي، أبو عثمان، ويقال: أبو أمية، أخو عبد الجبار بن الورد، مولى بني مخزوم، واسمه عبد الوهاب، ووهيب لقب، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال النسائي أيضًا: لا بأس به، وقال أبو حاتم: كان من العباد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي ويعقوب بن سفيان: مكي ثقة.
قال وهيب: (أخبرني عمر بن محمد بن المنكدر) التيمي المدني، ذكره ابن حبان في "الثقات"، له عندهم حديث واحد: "من مات ولم يغز" قلت: ذكر ابن حبان أنه كان من العبَّاد، وأنه مات من قرآن قرئ عليه، وقال الأزدي: في القلب منه شيء، قلت: احتج به مسلم، فليسكن قلبك له.
(عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (١)، عن النبي ﷺ
стр. 5408
قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ". [م ١٩١٠، ن ٣٠٩٧، حم ٢/ ٣٧٤]
٢٥٠٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَقَرَأتُهُ عَلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْجُرْجُسِيِّ قَالَا: نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عن يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ، عن الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي أُمَامَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَمْ يَغْزُ
===
قال: من مات ولم يغز ولم يُحَدِّثْ) أي لم يكلم (نفسه) بالنصب على أنه مفعول به، أو بنزع الخافض، أي في نفسه، وفي نسخة بالرفع على أنه فاعل، والمعنى لم يعزم على الجهاد (بغزو مات على شعبة نفاق) أي نوع من أنواع النفاق، أي من مات على هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وقيل: هذا كان مخصوصًا بزمانه ﷺ ، والأظهر أنه عام، ويجب على كل مؤمن أن ينوي الجهاد، إما بطريق فرض الكفاية، أو على سبيل فرض العين.
٢٥٠٣ - (حدثنا عمرو بن عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أْبو حفص الحمصي، مولى بني أمية، أخو يحيى، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: صدوق، قلت: ووثَّقه النسائي في أسماء شيوخه، وكذا أبو داود ومسلمة وثقاه.
(وقرأته على يزيد بن عبد ربه الجُرْجُسِيِّ) الزبيدي، أبو الفضل الحمصي المؤذن، قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لا إله إلَّا الله ما كان أثبته ما كان فيهم مثله يعني أهل حمص، ووثقه ابن معين، قال ابن أبي حاتم: كان ينزل بحمص عند كنيسة جرجس فنسب إليها، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه العجلي.
(قالا: نا الوليد بن مسلم، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: من لم يغز)
стр. 5409
أَوْ (١) يُجَهِّزْ غَازِيًا أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، أَصَابَهُ اللَّهُ بِقَارِعَةٍ". قَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ فِي حَدِيثِهِ: "قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ". [جه ٢٧٦٢، ق ٩/ ٤٨، دي ٢٤١٨]
٢٥٠٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن حُمَيْدٍ، عن أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُم وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُم". [ن ٣٠٩٦، دي ٢٤٣١، حم ٣/ ١٢٤، ك ٢/ ٨١]
===
أي مع القدرة على الغزو (أو يجهز غازيًا) وتجهيزه إعداد آلة الجهاد له، أي مع القدرة عليه (أو يخلف غازيًا في أهله) أي الغازي (بخير، أصابه الله بقارعة) أي داهية مهلكة (قال يزيد بن عبد ربه في حديثه) زيادة على حديث عمرو بن عثمان: (قبل يوم القيامة).
٢٥٠٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن حميد، عن أنس، أن النبي ﷺ قال: جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم) أي ببذل الأموال والأنفس ومقاساة التعب فيه (وألسنتكم) نقل في الحاشية عن "اللمعات" بأن تُخَوِّفُوهم وتُوَعِّدُوهم بالقتل والأخذ والنهب وغير ذلك، وبأن تُذِلُّوهم وتَسُبُّوهم إذا لم يؤد ذلك إلى سب الله تعالى، وبأن تدعوا عليهم بالخذلان والهزيمة، وللمسلمين بالنصر والغنيمة، وبأن تُحرِّضُوا الناس على الغزو ونحو ذلك.
قلت: ويدخل في الجهاد اللساني إقامة الحجة عليهم، والمناظرة معهم، والرد عليهم بالبيان باللسان، وبالكتابة بالقلم.
стр. 5410
(١٨) بَابٌ: فِي نَسْخِ نَفِيرِ الْعَامَّةِ بِالْخَاصَّةِ
٢٥٠٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وَ ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الَّتِي تَلِيهَا ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (١). [ق ٩/ ٤٧]
===
(١٨) (بَابٌ: فِي نَسْخِ نَفِيرِ العَامَّةِ بِالخَاصَّةِ)
أي أمر المسلمون أولًا أن ينفروا في الجهاد عامة كافة، ثم نسخ ذلك، وأمروا بأن لا ينفروا كلهم، بل تنفر طائفة منهم
٢٥٠٥ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن حسين، عن أبيه) حسين، (عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال) أي ابن عباس: الآية الأولى (﴿إِلَّا﴾) أصله: "إن لا"، فأدغم النون في اللام وحذف النون في رسم خط المصاحف (﴿تَنْفِرُوا﴾) وأصل النفر مفارقة مكان إلى مكان لأمر هاجه على ذلك، أي إن لم تخرجوا من منازلكم إلى مغزاكم (﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾) الآية، قيل: المراد بالعذاب الأليم: إمساك المطر عنهم، (و) الآية الثانية: (﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ - إلى قوله (﴿يَعْمَلُونَ﴾) وتمام الآية: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ الآية (نسختها) أي نسخت كلَّ واحدة منهما (الآيةُ التي تليها ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾).
قال الطبري في تفسيره (٢): وقد زعم بعضهم أن هذه الآية منسوخة، ثم أخرج عن عكرمة والحسن البصري أنهما قالا: إن الآيتين منسوختان، نسختهما قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾.
стр. 5411
٢٥٠٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عن عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَالِدٍ الْحَنَفِيِّ، حَدَّثَنِي نَجْدَةُ بْنُ نُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عن هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، قَالَ: فَأُمْسِكَ عَنْهُم الْمَطَرُ، وَكَانَ (١) عَذَابَهُمْ. [ق ٩/ ٤٨]
===
ثم قال الطبري: ولا خير بالذي قال عكرمة والحسن من نسخ حكم هذه الآية التي ذكروا يجب التسليم له، ولا حجة تأتي بصحة ذلك، وقد رأى ثبوت الحكم بذلك عدد من الصحابة والتابعين سنذكرهم بعد، وجائز أن يكون قوله ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ لخاص من الناس، ويكون المراد به من استنفره رسول الله ﷺ فلم ينفر على ما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس "أنه استنفر حيًا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه" الحديث.
وإذا كان ذلك كذلك كان قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ نهيًا من الله المؤمنين عن إخلاء بلاد الإسلام بغير مؤمن مقيم فيها، وإعلامًا من الله لهم أن الواجب النفر على بعضهم دون بعض، وذلك على من استنفر منهم دون من لم يستنفر، وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن في إحدى الآيتين نسخ للأخرى، وكان حكم كل واحدة منهما ماضيًا فيما عُنِيَتْ به، انتهى.
٢٥٠٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا زيد بن الحباب، عن عبد المؤمن بن خالد الحنفي) أبو خالد المروزي، قاضي مرو، قال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات" (حدثني نجدة بن نفيع) الحنفي (٢)، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "الميزان": لا يعرف، وقال في "الخلاصة": مجهول، وكذا في "التقريب".
(قال: سألت ابن عباس عن هذه الآية: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾) أي: أيُّ عذاب أراد؟ (قال) أي ابن عباس: (فأمسك عنهم) أي عن الذين استنفرهم فلم ينفروا (المطر، وكان) أي ذلك الإمساك (عذابهم).
стр. 5412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد أخرج ابن جرير الطبري (١) هذا الحديث: حدثنا أبو كريب قال: ثنا زيد بن الحباب قال: ثني عبد المؤمن بن خالد الحنفي قال: ثني نجدة الخراساني قال: سمعت ابن عباس وسئل عن قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، قال: إن رسول الله ﷺ استنفر حيًا من أحياء العرب، فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم المطر، فكان ذلك عذابهم، وكذلك (٢) قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
قلت: أورد المصنف في هذا الباب حديثين، أحدهما عن عكرمة عن ابن عباس، وهو يدل على أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ منسوخان، نسخهما قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾.
والحديث الثاني أخرج من طريق نجدة بن نفيع عن ابن عباس، وهو يدل على أن هذين الآيتين غير منسوختين، بل هما ثابتتا الحكم، فإن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ نزلا في قوم خاص استنفرهم رسول الله ﷺ فتثاقلوا، وهذا الحكم خاص بهم، وبإمام استنفر القوم عند الحاجة، فلم ينفروا وتثاقلوا.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، فورد في النهي عن خروج الجميع كلهم، فليس فيها نسخ حكم بحكم آخر، فكأن المصنف أشار إلى ما وقع من الاختلاف في رواية ابن عباس.
стр. 5413
(١٩) بَابٌ: فِي الرُّخْصَةِ فِي الْقُعُودِ مِنَ الْعُذْرِ
٢٥٠٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عن أَبِيهِ، عن خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كُنْتُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ، فَوَقَعَتْ فَخِذُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَمَا وَجَدْتُ ثِقَلَ شَيْءٍ أَثْقَلَ مِنْ فَخِذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: "اكْتُبْ"، فَكَتَبْتُ فِي كَتِفٍ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ،
===
(١٩) (بَابٌ: فِي الرُّخْصَةِ فِي القُعُودِ)
أي عدم الخروج إلى الغزو (مِنَ الْعَذْرِ) أي لأجل العذر
٢٥٠٧ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد) بن ثابت الأنصاري النجاري، أبو زيد المدني، أدرك عثمان ﵁، قال أبو الزناد: كان أحد الفقهاء السبعة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن) أبيه (زيد بن ثابت قال: كنت إلى جنب رسول الله ﷺ فغشيته السكينة) أي: غطت وأحاطت من السكينة ما تغشاه عند نزول الوحي (فوقعت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي، فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله ﷺ ) حتى خاف أن ترض (١) فخذه، ولعل إليه الإشارة في قوله ﵇: "وهو أشده علي" (ثم سُرِّيَ) أي: كشف وأزيل، قال في "القاموس": وانسرى الهمُّ عني، وسُرِّيَ: انكشف، انتهى، قلت: وهو واوي (عنه) تلك الحالة فأفاق.
(فقال: اكتب، فَكَتَبْتُ في كَتِفٍ) أي في عظم الكتف (﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) إلى آخر الآية،
стр. 5414
فَقَامَ (١) ابْنُ أُمِّ مَكْتُوم - وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى- لَمَّا سَمِعَ فَضِيلَةَ الْمُجَاهِدِينَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَلَمَّا قَضَى كَلَامَهُ غَشِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ السَّكِينَةُ، فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، وَوَجَدْتُ (٢) مِنْ ثِقَلِهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةَ كَمَا وَجَدْتُ فِي الْمَرَّةِ الأُولَى، ثُمَّ سُرِّيَ عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "اقْرَأْ يَا زَيْدُ"،
===
فقام ابن أم مكتوم) وأم مكتوم أمه، واسمها: عاتكة، وهو عمرو بن زائدة، ويقال: عمرو بن قيس بن زائدة، ويقال: زياد بن الأصم العامري القرشي، المعروف بابن أم مكتوم، الأعمى، مؤذن النبي ﷺ ، وقيل: اسمه عبد الله، والأول أكثر وأشهر، أسلم قديمًا وهاجر قبل مقدم النبي ﷺ المدينة، واستخلفه النبي ﷺ على المدينة ثلاث عشرة مرة، وشهد القادسية وقتل بها شهيدًا، وكان معه اللواء يومئذ، وهو الأعمى المذكور في القرآن في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
وقال الواقدي: رجع من القادسية إلى المدينة، فمات بها، ولم يسمع له بذكر بعد عمر بن الخطاب، ذكره ابن حبان في "الصحابة"، فقال: كان اسمه الحصين، فسماه النبي ﷺ عبد الله، ومنهم من زعم أن اسمه عمرو، ومن قال: هو عبد الله بن زائدة، فقد نسبه إلى جده، وقال ابن سعد: أما أهل المدينة فيقولون: إن اسمه عبد الله، وأما أهل العراق فيقولون: اسمه عمرو، ثم اتفقوا على نسبه، فقالوا: ابن قيس بن زائدة.
(وكان رجلًا أعمى، لما سمع فضيلة المجاهدين) أي على القاعدين (فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد) أي من العذر (من المومنين؟ فلما قضى) أي: أتم ابن أم مكتوم (كلامه غَشِيَتْ رسولَ الله ﷺ السكينةُ، فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها) أي الفخذ (في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى).
(ثم سُرِّيَ عن رسول الله ﷺ فقال: اقرأ يا زيد) أي ما كتبت
стр. 5415
فَقَرَأْتُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الآيَةَ كُلَّهَا.
قَالَ (١) زَيْدٌ: فَأَنْزَلَهَا اللَّهُ وَحْدَهَا فَأَلْحَقْتُهَا، وَالَّذِي نَفْسِي
===
(فقرأت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فقال رسول الله ﷺ : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾)، واختلف القراء في قراءة قوله: "غير أولي الضرر"، فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة ومكة والشام: "غيرَ أولي الضرر" نصبًا، بمعنى إلَّا أولي الضرر، وقرأ ذلك عامة قراء أهل العراق والكوفة والبصرة، "غيرُ أولى الضرر" برفع "غير" على مذهب النعت القاعدين، قاله الطبري في "تفسيره" (٢).
وقال الحافظ في "الفتح" (٣): واختلفت القراءة في ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بالرفع على البدل من "القاعدون"، وقرأ الأعمش بالجر على الصفة للمؤمنين، وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء.
وقال في "غيث النفع": قرأ نافع وشامي وعلي بنصب الراء حال من "القاعدون"، والباقون بالرفع بدل منه.
وقال ابن القاصح في "شرح الشاطبية": قرأ حمزة وابن كثير وأبو عمرو وعاصم ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ برفع الراء، فتعين للباقين القراءة بنصبها، فقول الحافظ: "والباقون بالنصب" ليس بسديد، فإن حمزة أيضًا قرأ بالرفع لا بالنصب، كما صرح به ابن القاصح وغيره، وكذلك قول ابن جرير: قرأ عامة قراء أهل المدينة ومكة، غير سديد، فإن ابن كثير أشهرهم وأعظمهم، وهو قرأ برفع الراء.
(الآية كلها، قال زيد: فأنزلها الله ) أي تلك الكلمة (وحدها) أي في المرة الثانية (فألحقتها) أي تلك الكلمة بالكتابة في محلها (والذي نفسي
стр. 5416
بِيَدِهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُلْحَقِهَا عِنْدَ صَدْعٍ فِي كَتِفٍ". [خ ٢٨٣٢، م ١٨٩٨، ت ٣٠٣٣، ن ٣١٠٠، حم ٥/ ١٨٤]
٢٥٠٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن حُمَيْدٍ، عن مُوسَى بْنِ أَنَسٍ (١)، عن أَبِيهِ،
===
بيده لكأني أنظر) أي في هذا الوقت، وقت رواية الحديث (إلى ملحقها) أي: موضع لحوقها وكتابتها (عند صدع) أي شق (في كتف).
فالحاصل أن المفضل عليه غير أولي الضرر، وأما أولو الضرر فملحقون في الفضل بأهل الجهاد إذا صدقت نياتهم، يدل عليه حديث أنس عند البخاري (٢): "إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من وادٍ إلَّا وهو معكم حبسهم العذْرُ"، والمرجو من رحمة الله سبحانه أن يلتحق بالجهاد في ذلك سائر الأعمال الصالحة.
٢٥٠٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن حميد، عن موسى بن أنس، عن أبيه) أنس بن مالك، واختلف في سند هذا الحديث، فأخرج البخاري من حديث زهير، حدثنا حميد أن أنسًا حدثهم، ثم أخرج من حديث حماد بن زيد عن حميد عن أنس، ثم أخرج من حديث حماد عن سلمة عن حميد عن موسى بن أنس عن أبيه، فزاد موسى بن أنس، قال البخاري: والأول يعني حذف موسى بن أنس أصح، وقد خالفه الإسماعيلي في ذلك، فقال: حماد عالم بحديث حميد، مقدم على غيره.
قلت: ولا مانع من أن يكونا محفوظين، فلعل حميدًا سمعه من موسى عن أبيه ثم لقي أنسًا، أو سمعه من أنس فثبَّته فيه ابنه موسى، قاله الحافظ (٣).
стр. 5417
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَقَدْ تَرَكْتُمْ بِالْمَدِينَةِ أَقْوامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ، وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ، إِلَّا وَهُمْ مَعَكُم فِيهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَنَا وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ (١): "حَبَسَهُم الْعُذْرُ". [خ ٢٨٣٩، جه ٢٧٦٤]
(٢٠) بَابُ مَا يُجْزِئ مِنَ الْغَزْوِ
٢٥٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ أَبُو مَعْمَرٍ،
===
(أن رسول الله ﷺ قال: لقد تركتم بالمدينة أقوامًا) لم يخرجوا معكم بعذر (ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد إلَّا وهم) أي الأقوام (معكم) وشركاؤكم في الأجر والفضل (فيه) أي في ذلك الفعل بالنية، ولابن حبان (٢)، وأبي عوانة من حديث جابر: "إلَّا شركوكم في الأجر"، بدل قوله: "إلَّا وهم معكم فيه".
(قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال) أي رسول الله ﷺ : (حبسهم العذر) أي: منعهم عن الخروج، والمراد بالعذر ما هو أعم من المرض، وعدم القدرة على السفر، وقد رواه مسلم (٣) من حديث جابر بلفظ: "حبسهم المرض"، وكأنه محمول على الأغلب، وفي الحدليث دلالة على أن المرء يبلغ بنيته أجر العامل إذا منعه العذر عن العمل.
(٢٠) (بَابُ مَا يُجْزِئُ مِنَ الْغَزْوِ)
أي: العمل الذي يكفي العامل عن الغزو، ويحصل له به أجر الغزو
٢٥٠٩ - (حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر،
стр. 5418
نَا عَبْدُ الوَارِثِ، نَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا". [خ ٢٨٤٣، م ١٨٩٥، ت ١٦٢٨، ن ٣١٨٠، جه ٢٧٥٩، حم ٤/ ١١٥]
٢٥١٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
===
نا عبد الوارث، نا الحسين) بن ذكوان المعلم، (حدثني يحيى) أي ابن أبي كثير، (حدثني أبو سلمة، حدثني بسر بن سعيد، حدثني زيد بن خالد الجهني، أن رسول الله ﷺ قال: من جَهَّز غازيًا) أي هَيَّأَ له أسبابَ الغزو والسفر فيه (في سبيل الله فقد غزا) قال ابن حبان: معناه أنه مثله في الأجر، وإن لم يغز حقيقة.
قال الحافظ (١): وفي رواية مسلم: "وأيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له [مثل] نصف أجر الخارج"، ففيه إشارة إلى أن المغازي إذا جهز نفسه أو قام بكفاية من يخلفه بعده كان له الأجر مرتين، وقال القرطبي: لفظة: "نصف" يشبه أن تكون مقحمة، أي مزيدة من بعض الرواة.
قلت: ولا حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في الصحيح، والذي يظهر في توجيهها أنها أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي والخالف له بخير، فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين، كان لكل منهما مثل ما للآخر، فلا تعارض بين الحديثين، انتهى ملخص قول الحافظ.
(ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا).
٢٥١٠ - (حدثنا سعيد بن منصور، أنا ابن وهب، أخبرني
стр. 5419
عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن يَزِيدَ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي سَعَيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إِلَى بَنِي لِحْيَانَ وَقَالَ: "لِيَخْرُجْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ". ثُمَّ قَالَ لِلْقَاعِدِ: "أَيُّكُمْ خَلَفَ الْخَارِجَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِخَيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ الْخَارِجِ". [م ١٨٩٦، حم ٣/ ١٥، ك ٢/ ٨٢]
===
عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن يزيد بن أبي سعيد) المدني (مولى المهري) ذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن أبيه) أبي سعيد مولى المهري، ذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ بعث) أي: بَعْثًا (إلى بني لحيان) بكسر اللام وفتحها لغتان، ولعل المراد بهذا البعث غزوة بني لحيان في السنة السادسة أو الخامسة من الهجرة.
وقصتها: لما وقعت وقعة عاصم بن ثابت وخبيب بن عدي وغيرهما من الذين قتلتهم هذيل، وجد النبي ﷺ عليهم وجدًا شديدًا، فأراد أن ينتقم منهم، فأمر أصحابه بالتهيؤ ووَرَّى، فأظهر أنه يريد الشام، ليُصيب من القوم غِرة، وعسكر في مائتي رجل، ومعهم عشرون فرسًا، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، فأسرع السير، حتى انتهى إلى منازلهم، فوجد بني لحيان قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال، وأقام هناك يومًا أو يومين، يبعث السرايا في كل ناحية، فلما أخطأ من غرتهم ما أراد رَجَعَ قافلًا (١).
(وقال: ليخرج من كل رجلين) في بيت (رجل) أي ليخرج من كل منزل نصف الرجال، وليقم النصف (ثم قال للقاعد: أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج)، وقد مضى فيما تقدم ما يتعلق بدفع التعارض بين هذا الحديث وبين الأحاديث المتقدمة.
стр. 5420
(٢١) بَابٌ: فِي الْجُرْأَةِ وَالْجُبْنِ
٢٥١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عن مُوسَى بْنِ عُلَيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "شَرُّ مَا فِي رَجُلٍ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ". [ق ٦/ ١٧٠، حم ٢/ ٣٠٢]
(٢٢) بَابٌ: فِي قَولِهِ : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
===
(٢١) (بَابٌ: فِي الجُرْأَةِ) أي الشجاعة (وَالجُبْنِ)
٢٥١١ - (حدثنا عبد الله بن الجراح، عن عبد الله بن يزيد، عن موسى بن عُلَيٍّ) مصغرًا (ابن رباح، عن أبيه) عُلَيِّ بن رباح، (عن عبد العزيز بن مروان) بن الحكم بن العاص بن أمية، أبو الأصبغ المدني، أمير مصر، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، كان مروان استخلفه على مصر وقت خروجه منها في رجب سنة ٦٠ هـ.
(قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: شر ما في رجل) من الذمائم (شُحٌّ) أي بخل (هالِعٌ) أي: ذو هلع أشد، وهو الجزع والضجر (وجُبْنٌ خَالِعٌ) أي شديد كأنه يخلع فؤاده من شدة خوفه.
(٢٢) (بَابٌ: فِي قَوْلهِ : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾) (١)
والباء في قوله: "بأيدكم" إما زائدة، والمراد لا تلقوا أيديكم، أي: أنفسكم، عبَّر عن الأنفس بالأيدي، وقيل: غير زائدة، وفيه حذف المفعول، أي: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة.
стр. 5421
٢٥١٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ وَابْنِ لَهِيعَةَ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: غَزَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ نُرِيدُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَعَلَى الْجَمَاعَةِ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ،
===
واختلفوا في تأويل هذه الآية، فقيل: نزلت في البخل وترك الإنفاق في سبيل الله، وقيل: في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد، وقيل: في ترك التوبة والقنوط من رحمة الله - تعالى -.
٢٥١٢ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، نا ابن وهب، عن حيوة بن شريح وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم) بن يزيد (أبي عمران) التجيبي بضم مثناة فوق، وكسر الجيم، في آخرها باء موحدة، نسبة إلى قبيلة تجيب، وهو اسم امرأة، نزلت هذه القبيلة بمصر، وبالفسطاط محلة ينسب إليهم.
(قال: غزونا من المدينة) أي خرجنا من المدينة غازين (نريد القسطنطينية) ويقال: قسطنطينة بإسقاط ياء النسبة، دار ملك الروم، واسمها إصطنبول، عَمَّرها ملك من ملوك الروم، يقال له: قسطنطين، فسميت باسمه، وهي الآن بيد المسلمين من الترك (وعلى الجماعة) (١) أي الأمير على جميع الجيش (عبد الرحمن بن خالد بن الوليد).
وفي رواية بهذا السند عند الطبري (٢) ولفظه: "وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد"، وفي أخرى له: "وعلى أهل مصر عقبة بن عامر الجهني، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد" (٣)، فظهر بهذه الروايات أن عبد الرحمن بن خالد كان أميرًا على الجميع، وأما عقبة بن عامر وفضالة بن عبيد فهما كانا أميرين تحت ولاية عبد الرحمن على الجماعة الخاصة.
стр. 5422
وَالرُّومُ مُلْصِقُو ظُهُورِهِمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَةِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى الْعَدُوّ، فَقَالَ النَّاسُ: مَهْ مَهْ، لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، يُلْقِي بِيَدَيْهِ (١) إِلَى التَّهْلُكَةِ.
فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: إِنَّمَا أُنْزِلَتْ (٢) هَذِهِ الآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ لَمَّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ ، وَأَظْهَرَ الإِسْلَامَ، قُلْنَا: هَلُمَّ (٣) نُقِيمُ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحُهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، فَالإِلْقَاءُ (٤)
===
(والروم ملصقو) أي: مستندو (ظهورهم بحائط المدينة) أي بجدار سور المدينة، أي القسطنطينية (فحمل رجل) أي وحده (على العدو) وفي رواية عند الطبري: "فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا مقبلًا" (فقال الناس: مه مه) أي: اكفف (لا إله إلَّا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة) أي وهو منهي عنه.
(فقال أبو أيوب) الأنصاري ﵁ ردًا عليهم لما سمع منهم ذلك: (إنما أنزلت هذه الآية فينا مَعْشرَ الأنصار) نصب على الاختصاص (لما نصر الله نبيه ﷺ ، وأظهر الإسلام، قلنا) في أنفسنا أو فيما بيننا: (هلم) أي: تعالوا، مركَّبة من هاء التنبيه، ومن: لُمَّ، أي: ضُمَّ نفسَك إلينا، واستُعْمِلَت استعمال البسيطة، يستوي فيها الواحد والجمع، والتذكير والتأنيث [عند الحجازيين]، وتَمِيْمٌ تُجْرِيْها مَجْرَى رُدَّ، وأهل نَجْدٍ يُصَرِّفُونَها، فيقولون: هَلُمَّا وهَلُمُّوا وهَلُمِّي وهَلْمُمْنَ. "قاموس".
(نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله - عزَّو جلَّ -: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٥)، فالإلقاء
стр. 5423
بِأَيْدِينَا (١) إِلَى التَّهْلُكَةِ: أَنْ نُقِيمَ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحَهَا وَنَدَعَ الْجِهَادَ.
قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ. [ت ٢٩٧٢، ق ٩/ ٤٥، ك ٢/ ٨٤]
(٢٣) بَابٌ: فِي الرَّمْي
٢٥١٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَّامٍ، عن خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ، عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِي بِهِ، وَمُنَبِّلَهُ،
===
بأيدينا إلى التهلكة: أن نقيمَ في أموالنا ونُصْلِحَها ونَدَع الجهاد، قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية).
(٢٣) (بَابٌ: فِي الرَّمْيِ)
٢٥١٣ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا عبد الله بن المبارك، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني أبو سلام) الحبشي، (عن خالد بن زيد) ويقال: ابن يزيد الجهني، ذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يدخل بالسهم الواحد) الباء للسببية، أي بسبب صنعه ورميه وتنبيله (ثلاثة نفر الجنة: ).
(صانعه) أي الذي يُبْرِيه ويُسَوِّيه. (يحتسب) أي حال كونه يطلب (في صنعته) أي: لذلك السهم (الخير) أي الجهاد والثواب (والرامي به) أي محتسبًا (ومُنَبِّلَه) بتشديد الموحدة وتخفيف، أي مُنَاوِلًا النبلَ، وهو السهم،
стр. 5424
وَارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، لَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ إِلَّا ثَلَاثٌ: تَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ أَهْلَهُ، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ،
===
سواء كان ملك المعطي أو الرامي، ففي "النهاية" (١): يقال: نَبَّلْتُ الرجلَ - بالتشديد -: إذا ناولتَه النبل ليرمي به، وكذلك أَنْبَلْتُه، ويجوز أن يراد بالمُنْبِل الذي يَرُدُّ النبل على الرامي من الهَدَف.
(وارموا واركبوا) أي لا تقتصروا على الرمي ماشيًا، واجمعوا بين الرمي والركوب، (وأن ترموا أحبُّ إليَّ من أن تركبوا) والأظهر أن معناه أن معالجة الرمي وتعلمه أفضل من تأديب الفرس وتمرين ركوبه لما فيه من الخيلاء، ولما في الرمي من النفع الأعم.
(ليس من اللهو الَّا ثلاث) قال في "الدرجات" (٢): قال طب: أي ليس المباح منه إلَّا ثلاثة، وعلى هذا فيه حذف اسم ليس، ولا يجيزه النحاة، ولا حذف خبره والاقتصار على اسمه، ولفظ الترمذي: "كل شيء يلهو به الرجل باطل، إلَّا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق"، فهذه الرواية لا إشكال فيها، وبها يعرف أن الأولى من تصرفات الرواة، وقال ابن معن في "التنقيب"، في شرح اللفظ الأول: يعني من اللهو المستحب.
(تأديب الرجل فرسه) أي تعليمه إياه وتدريبه بالركض والجولان بنية الغزو (وملاعبته أهله) أي امرأته، فإن ملاعبة الأهل تعين على تكثير ولادة الولد، فينوي به الإعانة على الجهاد بتكثير المجاهدين (ورميه بقوسه ونبله) عطف تفسيري للفظ "قوسه"، فإن الرمي لا يكون إلَّا بالنبل بواسطة القوس، ولم يكن في زمان رسول الله ﷺ في الحرب إلَّا رمي السهام، فيدخل بل يعوض عنه فيه ما يرمى به من الرصاص بالبندقية والمدافع وغير ذلك من آلات الحرب الجديدة المستعملة في هذا الزمان، فإنها أغنت عن رمي السهام بالقوس، وعطلته، وفي لفظ أحمد
стр. 5425
وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ، فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا" أَوْ قَالَ "كَفَرَهَا". [ت ١٦٣٧، ن ٣٥٧٨، جه ٢٨١١، حم ٤/ ١٤٦، ق ١٠/ ١٣، ك ٢/ ٩٥]
٢٥١٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عن أَبِي عَلِيٍّ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ الْهَمْدَانِيِّ، أنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ،
===
في "مسنده" (١) بدل قوله: "ومنبله": و"الممدَّ به"، ومعنى كلا اللفظين واحد.
(ومن ترك الرمي بعد ما عَلِمَه رَغْبَةً عنه) أي: إعراضًا عن الرمي (فإنها نعمة) أي من الله تعالى أعطيها (تركها) أي ترك شكرها (أو قال) أي الراوي بدل "تركها": (كفرها) أي ما قام بشكرها من الكفران ضد الشكر.
قال النووي (٢): وفي هذه الأحاديث فضيلة الرمي والمناضلة والاعتناء بذلك بنية الجهاد في سبيل الله تعالى، وكذلك المثاقفة (٣) وسائر أنواع استعمال السلاح، وكذا المسابقة بالخيل وغيرها، كما سبق في بابه، والمراد بهذا كله التمرن على القتال والتدرب، والتحذق فيه، ورياضة الأعضاء بذلك.
٢٥١٤ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي علي ثمامة بن شفي الهمداني، أنه سمع عقبة بن عامر الجهني يقول: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٤) ألا إن القوة) أي المراد من القوة في الآية (الرمي) أي رمي السهام
стр. 5426
أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ". [م ١٩١٧، جه ٢٨١٣]
(٢٤) بَابٌ: فِيمَن يَغْزُو وَيَلْتَمِسُ الدُّنْيَا
٢٥١٥ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيُّ، نَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِي بَحِيرٌ، عن خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عن أَبِي بَحْرِيَّةَ، عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْغَزْوُ غَزْوَانِ: فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ،
===
وما في معناها (ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي).
قال في "التفسير الكبير" (١): والمراد بالقوة ها هنا ما يكون سببًا لحصول القوة، وذكروا فيه وجوهًا: الأول: المراد من القوة أنواع الأسلحة، والثاني: أن القوة الرمي، قالها ﷺ ثلاثًا على المنبر، الثالث: القوة هي الحصون، الرابع: قال أصحاب المعاني: الأولى أن يقال: هذا عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو، وكل ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة، وقوله ﵊: "القوة هي الرمي"، لا ينفي كون غير الرمي معتبرًا، كما أن قوله ﵊: "الحج عرفة" و "الندم توبة" لا ينفي اعتبار غيره، بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود، فكذا ها هنا.
وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل والسلاح وتعليم الفروسية والرمي فريضة، إلَّا أنه من فروض الكفايات.
(٢٤) (بَابٌ: فِيمَنْ يَغْزُو وَيَلْتَمِسُ) أي: يطلب (الدُّنْيَا) بغزوه
٢٥١٥ - (حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي، نا بقية، حدثني بحير، عن خالد بن معدان، عن أبي بحرية، عن معاذ بن جبل، عن رسول الله ﷺ أنه قال: الغزو غزوان) أي على نوعين (فأما من ابتغى) أي بغزوه (وجه الله) وإعلاء
стр. 5427
وَأَطَاعَ الإِمَامَ، وَأَنْفَقَ الكَرِيمَةَ، وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ، وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ، فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنَبْهَهُ (١) أَجْرٌ كُلُّهُ، وَأَمَّا مَنْ غَزَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَسُمْعَةً، وَعَصَى الإِمَامَ، وَأَفْسَدَ فِي الأَرْضِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالْكَفَافِ". [ن ٣١٨٨، حم ٥/ ٢٣٤، دي ٢٤١٧]
===
كلمته (وأطاع الإمام) وكذا الأمير (وأنفق الكريمة) أي نفسه وماله (ويَاسَرَ الشريكَ) من المياسرة بمعنى المساهلة، أي عامل الشريك معاملة اليسر والسهولة (واجتنب الفسادَ) أي التجاوز عن المشروع قتلًا وضربًا وتخريبًا ونهبًا.
(فإن نومه ونبهه) بفتح الموحدة أي يقظته، وكذا أكله وشربه وحركته وسكونه (أجر) أي ذو أجر وثواب (كله) بالرفع على أنه مبتدأ خبره مقدم عليه، والجملة خبر "إن"، أي كل ما ذكر أجر مبالغة كرجل عدل، أو مقتضٍ للأجر، وفي نسخة بالنصب على أنه تأكيد لاسم "إن" أتى به بعد الخبر، وفي جوازه محل نظر.
قال الطيبي (٢): لا يصح أن يكون كله تأكيدًا للأجر على ما لا يخفى، أي لمضي الخبر الذي هو محط الحكم، فإن فائدة التأكيد إنما تظهر قبل إيقاع الخبر عليه، فالوجه أن يقال: منصوب بتقدير "أعني"، فيكون جملة مؤكدة.
قلت: بل الأوجه من جميع صور التراكيب أن يقال: لفظ "كله" مرفوع تأكيد للفظ الأجر، وضمير لفظ "كله" يرجع إلى الأجر، لا إلى ما ذكر من النوم والنبه، فعلى هذا معنى قوله: "أجر كله"، أي أجر تمام، والله تعالى أعلم.
(وأما من غزا فخرًا) في "النهاية" (٣): الفخر: ادِّعاء العظمة والكبرياء والشرف (ورياءً وسمعةً) أي لإراءة الناس ولإسماعهم (وعصى الإمام) أي في أمره ونهيه (وأفسد في الأرض) أي قصد الفساد فيها (فإنه لم يرجع بالكفاف)
стр. 5428
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بفتح الكاف، وفي نسخة بكسرها، ففي "القاموس": كَفافُ الشيء، كسحاب: مِثلُه، ومن الرزق: ما كَفَّ عن الناس وأغنى، وكِفافُ الشيء بالكسر: خياره (١).
وفي "النهاية" (٢): الكفاف الذي لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة إليه، قال القاضي: أي لم يرجع بالثواب، أي مأخوذ من كفاف الشيء، وهو خياره (٣)، أو من الرزق أي لم يرجع بخير أو بثواب يغنيه يوم القيامة، فقوله الأول يشير إلى أن الكفاف بالكسر، والثاني إلى أنه بالفتح.
وقال المظهر: أي لم يَعُدْ من الغزو رأسًا برأس بحيث لا يكون له أجر، ولا عليه وزرٌ، بل وزره أكثر، لأنه لم يغز لله وأفسد في الأرض، يقال: دعني كفافًا، أي تكف عني، وأكف عنك، انتهى، ويدل على أنه اقتصر على كسر الكاف، وأراد به المصدر من باب المفاعلة.
قال الطيبي (٤): الوجه ما قاله القاضي, لأن الكفاف على هذا المعنى يقتضي أن يكون له ثواب أيضًا وإثم، ويزيد إثمه على ثوابه، كما قال عمر ﵁: "وددت أني سلمت من الخلافة كفافًا لا عَلَيَّ ولا لي"، والمرائي المفسد ليس له ثواب البتة، هكذا قال الشيخ أبو حامد في المرائي الذي لا يبتغي وجه الله، بل يعمل فخرًا ورياء وسمعة: تبطل عبادته.
ثم رَدَّ علي القاري على الطيبي بأنه ليس في الحديث دلالة على أن المرائي المذكور في الحديث هو الذي ليس له نية العبادة، بل نية الرياء
стр. 5429
٢٥١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، عن ابْنِ الْمُبَارَكِ، عن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عن الْقَاسِمِ، عن بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، عن ابْنِ مِكْرَزٍ
===
والسمعة، والظاهر أن المراد به من هو جامع بين النيتين، نية العبادة ونية الرياء والسمعة، فعلى هذا لا تبطل نية عبادته بالكلية.
قال في "عين العلم": الأفحش في الرياء أن لا يريد الثواب أصلًا، وهو في غاية المقت، ثم ما فيه إرادتان، والرياء غالب، ثم يقربه ما استويا فيه، فالمرجو أن لا يكون له ولا عليه، ثم ما ترجح فيه قصد الثواب، فالمظنون أن الراجح فيه النقصان لا البطلان، أو الثواب والعقاب بحسب القصدين.
٢٥١٦ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، عن ابن المبارك، عن ابن أبي ذئب، عن القاسم) بن عباس بن محمد بن معتب بن أبي لهب الهاشمي، أبو العباس المدني، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال علي بن المديني في حديث ابن أبي ذئب عن القاسم بن عباس، عن ابن الأشج، عن ابن المكرز، عن أبي هريرة قيل: "يا رسول الله، الرجل يجاهد وهو يحب أن يحمد": لم يرو غير ابن أبي ذئب، والقاسم مجهول، وابن مكرز مجهول، لم يرو عنه غير ابن الأشج، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن بكير بن عبد الله الأشج، عن ابن مكرز) هو أيوب بن عبد الله ابن مكرز بن حفص بن الأحنف، قال البخاري: كان خطيبًا، روى أبو داود من رواية ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن بكير بن الأشبح، عن ابن مكرز، عن أبي هريرة حديث: "يا رسول الله الرجل يريد الجهاد في سبيل الله، ويبتغي عرض الدنيا"، الحديث. ورواه أحمد في "مسنده" (١) ورواه من وجه آخر عن ابن أبي ذئب بإسناده، فسماه يزيد بن مكرز، فتبين أن الذي روى له أبو داود ليس بأيوب، قال ابن المديني: ابن مكرز مجهول، قلت: وأيوب ذكره ابن حبان
стр. 5430
- رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ - عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ (١) ﷺ : "لَا أَجْرَ لَهُ"، فَأَعْظَمَ ذَلِكَ النَّاسُ، وَقَالُوا لِلرَّجُلِ: عُدْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَعَلَّكَ لمْ تُفَهِّمْهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا
===
في "الثقات"، هكذا في "تهذيب التهذيب" (٢)، وقال في "الميزان" (٣): أيوب بن عبد الله بن مكرز تابعي كبير، قال ابن عدي: له حديث لا يُتابع عليه، قلت: ولعله ابن مكرز الراوي عن أبي هريرة.
(رجل من أهل الشام، عن أبي هريرة أن رجلًا) لم أقف على تسميته (قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي عرضًا من عرض الدنيا؟ ) بفتح المهملة والراء، أي متاعها، وهذا القول يحتمل معنيين (٤): أولهما: معناه: يريد الجهاد في سبيل الله باعتبار الظاهر، والحال أن مطلوبه الأصلي ومقصوده الحقيقي عرض الدنيا، وثانيهما: معناه: أنه يريد الجهاد في سبيل الله باعتبار نيته، والحال أنه يطلب معه عرض الدنيا، ويخلط معه نية حصولها.
(فقال النبي ﷺ : لا أجر له) فعلى الأول معناه: لا أجر له مطلقًا وهو خائب ممقوت، وعلى الثاني لا أجر له كاملًا (فأعظم) أي استعظم (ذلك الناس) أي عَدُّوه عظيمًا (وقالوا للرجل: عُد لرسول الله ﷺ ) أي بالسؤال (فلعلك لم تُفَهِّمْه) من باب التفعيل، أي لم تفهم أنت رسول الله ﷺ السؤالَ، فعاد عند رسول الله ﷺ .
(فقال: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عَرَضًا