(٣٨) بَابٌ: فِيمَنْ يُسْلِمُ وَيُقْتَلُ مَكَانَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى
٢٥٣٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُقَيْشٍ كَانَ لَهُ رِبًا فِي الْجَاهِلِيَّةَ، فَكَرِهَ أَنْ يُسْلِمَ حَتَّى يَأْخُذَهُ، فَجَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: أَيْنَ بَنُو عَمِّي؟ قَالُوا: بِأُحُدٍ، قَالَ: أَيْنَ (١) فُلَانٌ؟ قَالُوا: بِأُحُدٍ، قَالَ: أَيْنَ فُلَانٌ؟ قَالُوا: بِأُحُدٍ، فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، وَرَكِبَ فَرَسَهُ، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ قَالُوا: إِلَيْكَ عَنَّا يَا عَمْرُو، قَالَ: إِنِّي قَدْ آمَنْتُ، فَقَاتَلَ
===
(٣٨) (بَابٌ: فِيمَنْ يُسْلِمُ وَيُقْتَلُ مَكَانَه فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى)
حاصله أن من أسلم في المعركة، وقتل هناك، ولم يصل ولم يصم، ما حكمه؟
٢٥٣٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن عمرو بن أقيش) هو عمرو بن ثابت بن أقيش، ويقال: وقيش، مصغرين، ابن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل الأنصاري، وقد ينسب إلى جده فيقال: عمرو بن أقيش، وأمه بنت اليمان أخت حذيفة، وكان يلقب أصيرم.
(كان له ربا في الجاهلية، فكره أن يسلم حتى يأخذه) لأنه تعالى كان حرم الربا (فجاء يوم أحد فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأحد، قال: أين فلان؟ قالوا: بأُحد، قال: أين فلان؟ قالوا: بأحد، فلبس لأمته) أي الدرع والسلاح (وركب فرسه، ثم توجه قبلهم) أي: جانبهم.
(فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو) أي كن عنا إلى جانب آخر، ولا تدخل فينا فإنك كافر (قال: إني قد آمنت فقاتل) أي الكفار
стр. 5462
حَتَّى جُرِحَ، فَحُمِلَ إِلَى أَهْلِهِ جَرِيحًا، فَجَاءَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ لِأُخْتِهِ: سَلِيهِ حَمِيَّةً لِقَوْمِكَ، أَوْ غَضَبًا لَهُمْ، أَمْ غَضَبًا (١) للَّهِ؟ فَقَالَ: بَلْ غَضَبًا للَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَمَاتَ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَا صَلَّى للَّهِ صَلَاةً". [ق ٩/ ١٦٧]
(٣٩) بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ بِسِلَاحِهِ
٢٥٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ.
- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ أَحْمَدُ: كَذَا قَالَ هُوَ (٢) وعَنْبَسَةُ يَعْنِي ابْنَ خَالِدٍ (٣)،
===
(حتى جرح، فحمل إلى أهله جريحًا، فجاءه سعد بن معاذ فقال لأخته) أي أخت عمرو: (سليه حمية لقومك) أي: هل قاتلت حمية لقومك؟ أي: حفظًا لحريمهم (أو غضبًا لهم) أي للقوم على أعدائهم، وليس هذا اللفظ فيما أخرجه الحافظ في "الإصابة" من رواية أبي داود (أم غضبًا لله؟ ) لأن الكفار أعداء الله (فقال: بل غضبًا لله ورسوله، فمات فدخل الجنة، وما صلَّى لله صلاة).
(٣٩) (بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ بِسِلَاحِهِ)
أي: بسلاح نفسه
٢٥٣٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن وعبد الله بن كعب بن مالك، قال أبو داود: قال أحمد) أي ابن صالح شيخي (كذا قال هو) أي عبد الله بن وهب (وعنبسة يعني ابن خالد) عبد الرحمن وعبد الله بن كعب، بإدخال الواو للعطف
стр. 5463
- قَالَ أَحْمَدُ: وَالصَّوَابُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ قَاتَلَ أَخِي قِتَالًا شَدِيدًا، فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ وَشَكُّوا فِيهِ: رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا".
===
بين عبد الرحمن وعبد الله، بأن كليهما رويا هذا الحديث هكذا، وهو غير صحيح (قال أحمد: والصواب عبد الرحمن بن عبد الله) بن كعب بن مالك.
قلت: وقد أخرج الإمام أحمد (١) هذا الحديث من طريق عبد الرزاق، قال: أنا ابن جريج، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، أن سلمة بن الأكوع قال ...
وأخرج النسائي (٢) عن عمرو بن سواد، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن وعبد الله ابنا كعب بن مالك، أن سلمة بن الأكوع قال، وسكت عليه ولم يتكلم فيه.
(أن سلمة بن) ثابت بن (الأكوع قال: لما كان يوم خيبر) أي غزوة خيبر (قاتل أخي) عامر بن الأكوع (قتالًا شديدًا).
قال الحافظ في "الإصابة": وفي بعض الطرق: أن سلمة قال: "إن عامرًا عمه"، فيمكن التوفيق أن يكون أخاه من أمه، على ما كانت الجاهلية تفعله، أو من الرضاعة، ففي مسلم من طريق إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: "وخرج عمي عامر إلى خيبر".
(فارتد عليه سيفه فقتله، فقال أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك) أي تكلموا (وشكُّوا فيه) أي في حكم موته بسبب أنه (رجل مات بسلاحه) فكأنهم ظنوا أنه قاتل نفسه (فقال رسول الله ﷺ : مات جاهدًا مجاهدًا) أي مجتهدًا في طاعة الله، وغازيًا في سبيل الله، وقيل: هما للتأكيد.
стр. 5464
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ ابْنًا لِسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ فَحَدَّثَنِي عن أَبِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَذَبُوا، مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ". [م ١٨٠٢، ن ٣١٥٠]
٢٥٣٩ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ (١)، نَا الْوَلِيدُ، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سلَّامٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ أَبِي سلَّامٍ، عن رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَغَرْنَا عَلَى حَيٍّ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَطَلَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
===
(قال ابن شهاب: ثم سألت ابنًا لسلمة بن الأكوع) وهو إياس بن سلمة (فحدثني عن أبيه بمثل ذلك) أي الحديث (غير أنه) أي ابن سلمة بن الأكوع (قال) أي فِي الحديث: (فقال رسول الله ﷺ : كذبوا، مات جاهدًا مجاهدًا، فله أجره مرتين)، فزاد في الأول لفظ: "كذبوا" وزاد في آخره: "فله أجره مرتين"، فأما سبب كونه مستحقًا لمضاعفة الأجر، إما لأنه جاهد غاية الجهد، وإما لأنه استحق أجر الطاعة ثم استحق أجر الغزو.
٢٥٣٩ - (حدثنا هشام بن خالد، نا الوليد، عن معاوية بن أبي سلام) هو معاوية بن سلام بن أبي سلام، (عن أبيه) سلام بن أبي سلام ممطور، الحبشي الشامي، روى أبو داود من طريق معاوية بن سلام عن أبيه عن جده حديثًا، قال البخاري: سلام بن أبي سلام الحبشي شامي، وقال أبو حاتم الرازي: سلام بن أبي سلام الحبشي والد معاوية، لا أعلم أحدًا روى عنه، إنما الناس يروون عن معاوية بن سلام عن جده، وعن معاوية بن سلام عن أخيه، وأما معاوية بن سلام عن أبيه فلا، (عن جده أبي سلام، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ) لم أقف على تسميته.
(قال: أغرنا على حي) أي قبيلة (من جهينة، فطلب رجل من المسلمين
стр. 5465
رَجُلًا مِنْهُمْ، فَضَرَبَهُ فَأَخْطَأَهُ وَأَصَابَ نَفْسَهُ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ (١) رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَخُوكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ"، فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ، فَلَفَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِثيَابِهِ وَدِمَائِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَشَهِيدٌ هُوَ؟ قَالَ: "نَعَمْ وَأَنَا لَهُ شَهِيدٌ" (٢). [ق ٨/ ١١٠]
(٤٠) بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ اللِّقَاءِ
٢٥٤٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، نَا مُوسَى بْنُ
===
رجلًا منهم) أي من الكفار ليقتله (فضربه) أي المسلم الكافر بالسيف (فأخطأه) أي السيف، أو فأخطأ الرجل عن الذي يريد قتله (وأصاب) أي الرجل القاتل (نفسه بالسيف) أي بسيف نفسه (فقال رسول الله ﷺ : أخوكم) وفي نسخة: "أخاكم"، فعلى الأول هو أخوكم، وعلى الثاني: الزموا أخاكم (يا معشر المسلمين! فابتدره الناس) أي: بادروا إليه (فوجدوه قد مات، فلفه رسول الله ﷺ بثيابه ودمائه) أي كأنه لم يغسله (وصلَّى عليه (٣) ودفنه، فقالوا: يا رسول الله! أشهيد هو؟ قال: نعم، وأنا له شهيد) قلت: لم أقف على أن هذه الغزوة متى وقعت؟ وأي غزوة هي من مغازي رسول الله ﷺ ؟
(٤٠) (بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ اللِّقَاءِ)
أي: لقاء العدو
٢٥٤٠ - (حدثنا الحسن بن علي، نا ابن أبي مريم، نا موسى بن
стр. 5466
يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ، عن أَبِي حَازِمٍ، عن سهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثِنْتَانِ لَا تُرَدَّانِ - أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ -: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحَمُ بَعْضُهُ (١) بَعْضًا". [ق ١/ ٤١٠]
قَالَ مُوسَى: وَحَدَّثَنِي رِزْقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِي حَازِمٍ، عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "وَقْت الْمَطَرِ".
===
يعقوب الزمعي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : ثنتان) أي دعوتان (لا تردان، أو) للشك من الراوي (قَلَّما تردان: الدعاء عند النداء) أي للصلاة وهو الأذان (وعند البأس) أي القتال (حين يلحم بعضه بعضًا).
قال في "المجمع": حين يلحم بعضهم بعضًا، أي تشتبك الحرب بينهم ويلزم بعضهم بعضًا، قال الطيبي (٢): حين يلحم بفتح ياء، أي يقتل بعضهم بعضًا. وإن ضم الياء ويكسر الحاء فمعناه يختلط.
قلت: ويوم الملحمة هي الحرب وموضع القتال، وجمعه: الملاحم، أخذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسدى، وقيل: من اللحم لكثرة لحوم القتلى فيها.
(قال موسى) بن يعقوب: (وحدثني رزق بن سعيد بن عبد الرحمن) المدني، ذكره الحافظ في "التقريب" و"تهذيب التهذيب" في رزيق مصغرًا، ثم قال: ويقال: رزق، له في أبي داود حديث واحد في الدعاء عند المطر مقرونًا، وقال في "التقريب": مجهول، (عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: وقت المطر)، وفي نسخة: "وتحت المطر"، أي: ولا يرد الدعاء تحت المطر، زاد هذه الثالثة.
стр. 5467
(٤١) بَابٌ: فِيمَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ
٢٥٤١ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو مَرْوَانَ وَابْنُ الْمُصَفَّى قَالَا، نَا بَقِيَّةُ، عن ابْنِ ثَوْبَانَ، عن أَبِيهِ يَرُدُّ إِلَى مَكْحُولٍ، إِلَى مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُوَاقَ نَاقَةٍ فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْقَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقًا ثُمَّ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فإِنَّ لَهُ أَجْرَ شَهِيدٍ
===
(٤١) (بَابٌ: فِيمَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ) (١)
٢٥٤١ - (حدثنا هشام بن خالد أبو مروان وابن المصفى قالا: نا بقية، عن ابن ثوبان) وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، (عن أبيه) ثابت بن ثوبان (يرد) أي يبلغه (إلى مكحول إلى مالك) أي وهو يرده إلى مالك (بن يخامر) بفتح التحتانية والمعجمة وكسر الميم، كذا في "التقريب"، وفي "الخلاصة" بضم أوله، ويقال: ابن أخامر السكسكي الألهاني الحمصي، يقال: له صحبة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قال أبو نعيم: ذكره بعضهم في الصحابة، ولا يثبت، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة.
(أن معاذ بن جبل حدثهم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من قاتل في سبيل الله فواق) بالفتح والضم ما بين الحلبتين (ناقة فقد وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل) أي في سبيله (من نفسه) ولفظ النسائي: "من عند نفسه" أي منبعثًا من عند نفسه (صادقًا) أي بصدق قلبه، (ثم مات) أي على فراشه (أو قتل، فإن له أجر شهيد).
стр. 5468
- زَادَ ابْنُ الْمُصَفَّى مِنْ هُنَا -: وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً، فإِنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ، لَوْنُهَا لَوْنُ الزَّعْفَرَانِ وَرِيحُهَا رِيحُ الْمِسْكِ، وَمَنْ خَرَجَ بِهِ خُرَاجٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فإِنَّ (١) عَلَيْهِ طَابَعَ الشُّهَدَاءِ". [ت ١٦٥٧، ن ٣١٤١، جه ٢٧٩٢، حم ٥/ ٢٣٠، دي ٢٣٩٤، ق ٩/ ١٧٠، ك ٢/ ٧٧]
===
(زاد ابن المصفى من هنا: ومن جرح جرحًا) هو بفتح الجيم على المصدر وبالضم اسمه (في سبيل الله، أو نكب نكبة) بفتح نون وسكون كاف، الجراحة بحجر أو شوكة (فإنها) أي النكبة أو الجراحة (تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت) أي: الجراحة والنكبة تكون يوم القيامة غزارة دمه مثل أكثر ما وجد في الدنيا (لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك)، وفي بعض الروايات: اللون لون الدم، أي باعتبار ظاهر الصورة دم، وفي الحقيقة تفوح منها ريح المسك.
(ومن خرج به خراج) هو بضم المعجمة ما يخرج في البدن من الدماميل وبقي أثره على الجلد (في سبيل الله فإن) أثر الخراج (عليه طابع الشهداء) أي ختمهم، يعني (٢) أمارة الشهداء وعلامتهم، ليعلم أنه سعى في إعلاء الدين، ويجازى جزاء المجاهدين. قال الطيبي (٣): ونسبة هذه القرينة مع القرينتين الأوليين الترقي في المبالغة من الإصابة بآثار ما يصيب المجاهد في سبيل الله، من العدو تارة، ومن غيره أخرى، وطورًا من نفسه.
وقد أخرج النسائي والإمام أحمد هذا الحديث من طريق ابن جريج: ثنا سليمان بن موسى، ثنا مالك بن يخامر، أن معاذ بن جبل حَدَّثهم، الحديث، فخالفا أبا داود، فقالا: "ومن جرح جرحًا في سبيل الله" في محل "ومن خرج به خراج في سبيل الله".
стр. 5469
(٤٢) بَابٌ: فِي كَرَاهِيَّةِ جَزِّ نَوَاصِي الْخَيْلِ وَأَذْنَابِهَا
٢٥٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، عن الْهَيْثَمِ بْنِ حُمَيْدٍ. (ح): وَنَا خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، جَمِيعًا، عن ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عن نَصْرٍ الْكِنَانِيِّ، عن رَجُلٍ - وَقَالَ أَبُو تَوْبَةَ: عن ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عن شَيْخٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ - عن عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ (١) السُّلَمِيِّ، وَهَذَا لَفظُهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَقُصُّوا نَوَاصِيَ الْخَيْلِ، وَلَا مَعَارِفَهَا،
===
(٤٢) (بَابٌ: فِي كَرَاهِيَةِ جَزِّ) أي: قطع شعر (نَوَاصِي الخَيْلِ وَ) شعر (أَذْنَابِها)
٢٥٤٢ - (حدثنا أبو توبة) الربيع بن نافع، (عن الهيثم بن حميد، ح: ونا خشيش بن أصرم، نا أبو عاصم، جميعًا) أي الهيثم وأبو عاصم رويا (عن ثور بن يزيد، عن نصر الكناني، عن رجل) هو نصر بن عبد الرحمن الكناني، قرأت بخط الذهبي: لا يعرف (وقال أبو توبة: عن ثور بن يزيد، عن شيخ من بني سليم) وهذا أقل (٢) إبهامًا من قول خشيش بن أصرم، فإنه قال: عن رجل، (عن عتبة بن عبد السلمي، وهذا لفظه) أي لفظ أبي توبة، لأنه أقرب لفظًا، ويحتمل أن يرجع إلى خشيش، لأنه الآخر حقيقة، وهو أقرب.
(أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا تقصوا نواصي الخيل) أي شعور مقدم
رأسها المسترسلة على جبهتها (ولا معارفها) أي: لا تقصوا شعر معارفها، أي: شعور عنقها، جمع عرف على غير قياس، وقيل: هي جمع معرفة، وهي المحل الذي ينبت عليه العرف، فأطلق على الأعراف مجازًا، ووقع في بعض الروايات: "كان يمسح أعراف الخيل" هو جمع عرف، وهو شعر عنق الخيل
стр. 5470
وَلَا أَذْنَابَهَا، فإِنَّ أَذْنَابَهَا مَذَابُّهَا، وَمَعَارِفَهَا دِفَاؤُهَا، وَنَواصِيَهَا مَعْقُودٌ (١) فِيهَا الْخَيْرُ". [حم ٤/ ١٨٤]
(٤٣) بَابٌ: فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ أَلْوَانِ الْخَيْلِ
٢٥٤٣ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا هِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ الطَّالْقَانِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ (٢) الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي عَقِيلُ بْنُ شَبِيبٍ،
===
(ولا أذنابها) أي: ولا تقصوا شعر أذنابها (فإن أذنابها مذابُّها (٣) أي: مراوحها تذب بها الهوام عن أنفسها (ومعارفها دفاؤها) أي كساؤها التي تدفؤ بها.
(ونواصيها معقود فيها الخير)، وقد فُسِّر الخير في الحديث بالأجر والمغنم، فعلى هذا المراد بالخيل الذي معقود فِي نواصيها الخير هي التي أُعِدَّت للجهاد، فلا يعارض ما وقع عن ابن عمر عند البخاري (٤): "إنما الشؤم فِي ثلاثة: في الفرس، والدار، والمرأة"، فإنها في غير ما أُعِدَّت للجهاد.
(٤٣) (بَابٌ: فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ أَلْوَانِ الْخَيْلِ)
٢٥٤٣ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا هشام بن سعيد الطالقاني) أبو أحمد البزاز، نزيل بغداد، عن أحمد: ثقة، صاحب خير وصلاح في بدنه، قال عبد الله بن أحمد: كان يحيى بن معين لا يروي عنه شيئًا، وقال ابن سعد: كان ثقة قبل أن يسمع منه الناس، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(أنا محمد بن مهاجر الأنصاري، حدثني عقيل) بفتح أوله (ابن شبيب)
стр. 5471
عن أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ
===
ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقال ابن القطان: مجهول الحال، وكذا قال أبو حاتم في "كتاب العلل"، واختلف عنده في اسم أبيه، فقيل: شبيب، وقيل: سعيد.
(عن أبي وهب الجشمي) أخرج له أبو داود والنسائي من طريق محمد بن مهاجر، عن عقيل بن شبيب، عن أبي وهب الجشمي، وكانت له صحبة، عن النبي ﷺ في الخيل، وبهذا الإسناد: "عليكم بكل كُميت أغرَّ محجَّلِ ... "، قال البغوي: سكن الشام، وله حديثان، حديث الخيل، وحديث: "تسموا بأسماء الأنبياء"، وذكره ابن السكن، وغير واحد في الصحابة، وقال أبو أحمد في "الكنى": له صحبة، فحديثه في أهل اليمامة.
وادَّعى أبو حاتم الرازي فيما حكاه عنه ابنه في "العلل": أن هذا الجشمي هو الكلاعي التابعي المعروف، وأن بعض الرواة وهم في قوله: الجشمي، وفي قوله: وكانت له صحبة، وزعم ابن القطان الفاسي أن ابن أبي حاتم وهم في خلطه ترجمة الجشمي بالكلاعي، وكنت أظن أنه كما قال، حتى راجعت "كتاب العلل"، فوجدته ذكره في "كتاب العين"، ونقل عن أبيه أنه نقَب عن هذا الحديث، حتى ظهر له أنه عن أبي وهب الكلاعي، وأنه مرسل، وأن بعض الرواة وهم في نسبته جشميًا، وفي قوله: إن له صحبة، وبَيَّن ذلك بيانًا شافيًا.
قلت: وقد ذكره الإمام أحمد في "مسنده" (١) فقال: حديث أبي وهب الجشمي له صحبة ﵁، ثم أخرج حديثه من طريق هشام بن سعيد بسند أبي داود عن أبي وهب الجشمي، وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله ﷺ : "تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء
стр. 5472
وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِكُلِّ كُمَيْتٍ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَشْقَرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَدْهَمَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ". [ن ٣٥٦٥، ق ٦/ ٣٣٠]
===
إلى الله : عبد الله، وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة، وارتبطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها وأعجازها، أو قال: وأكفالها، وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار، وعليكم بكل كميت" الحديث.
ثم أخرج من حديث أبي المغيرة، ثنا محمد بن المهاجر، ثنا عقيل بن شبيب، عن أبي وهب الكلاعي، قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكر معناه، قال محمد: ولا أدري بالكميت بدأ أو بالأدهم، قال: وسألوه لم فضل الأشقر؟ قال: لأن رسول الله ﷺ بعث سرية، فكان أول من جاء بالفتح صاحب الأشقر.
فعلم بهذا الصنع أن هذا الحديث مروي بطريقين، بطريق أبي وهب الجشمي الصحابي مسندًا، وبطريق أبي وهب الكلاعي التابعي مرسلًا.
(وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله ﷺ : عليكم) أي الزموا (بكل كميت) بضم الكاف مصغرًا، وهو الذي في لونه الحمرة والسواد، وفي "القاموس": هو الذي خالط حمرته قنوء (أغر) هو الذي في جبهته بياض (محجل) أي أبيض القوائم (أو أشقر) هو الذي في لونه حمرة صافية.
قال السرخسي فِي "شرح السير الكبير" (١): وهذه الصفة في الخيل تبين بالعرف والذنَب، فإن كانا أحمرين أو أحدهما فهو أشقر، فإن كانا أسودين فهو كُميت (أغر محجل، أو أدهم) وهو الأسود (أغر محجل).
стр. 5473
٢٥٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، نَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، نَا عَقِيلٌ (١)، عن أَبِي وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِكُلِّ أَشْقَرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ كُمَيْتٍ أَغَرَّ"، فَذَكَرَ نَحْوَهُ (٢).
قَالَ مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ مُهَاجِرٍ -: وَسَأَلْتُهُ: لِمَ فُضِّلَ الأَشْقَرُ؟ قَالَ: لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً فَكَانَ أَوَّلَ مَا جَاءَ بِالْفَتْحِ صَاحِبُ أَشْقَرَ". [ن ٣٥٦٥، ق ٦/ ٣٣٠]
... (٣)
٢٥٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
٢٥٤٤ - (حدثنا محمد بن عوف الطائي، نا أبو المغيرة) والذي يظهر لي أنه عبد القدوس بن الحجاج الخولاني أبو المغيرة الحمصي، المتقدمة ترجمته في محله، (نا محمد بن مهاجر، نا عقيل) بن شبيب، (عن أبي وهب) الكلاعي كما صرح به الإمام أحمد في "مسنده" (٤) (قال: قال رسول الله ﷺ : عليكم بكل أشقر أغر محجل، أو كميت أغر، فذكر) أبو المغيرة أو محمد بن عوف (نحوه) أي نحو الحديث المتقدم.
(قال محمد -يعني ابن مهاجر-: وسألته) أي عقيل بن شبيب (لم فضل الأشقر؟ قال: لأن النبي ﷺ بعث سرية فكان أول ما جاء)، وفي نسخة: "من جاء"، وكذا في رواية أحمد، وهو الأولى (بالفتح صاحب أشقر) وقد تقدم حديث أحمد قريبًا.
٢٥٤٥ - (حدثنا يحيى بن معين، نا حسين بن محمد،
стр. 5474
عن شَيْبَانَ، عن عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُمْنُ الْخَيْلِ فِي شُقْرِهَا". [ت ١٦٩٥، حم ١/ ٢٧٢، ق ٦/ ٣٣٠]
===
عن شيبان) بن عبد الرحمن التميمي، (عن عيسى بن علي) بن عبد الله بن عباس الهاشمي، أبو العباس، ويقال: أبو موسى المدني، ثم البغدادي، وإليه ينسب نهر عيسى ببغداد، عن ابن معين: لم يكن به بأس، وروى هذا الحديث، وهو غريب عن أبيه عن جده، يعني حديث: "يمن الخيل في شقرها"، قلت: ذكر أبو بكر البزَّار أنه لم يرو عن أبيه حديثًا مسندًا غير الحديث المذكور.
قلت: وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه من حديث شيبان.
(عن أبيه) علي بن عبد الله بن عباس، (عن جده ابن عباس) بدل عن جده (قال: قال رسول الله ﷺ : يمن الخيل) أي بركتها (في شقرها) جمع أشقر، وقد تقدم معناه.
وهذا لا يعارض ما روي في حديث أبي قتادة مرفوعًا عند الترمذي (١)، قال: "خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم" الحديث، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، فإن في هذا الحديث تصريحًا بأفضلية الأدهم، وكون اليمن في الشقر لا ينافي كون اليمن في غيرها، ولا ينافي فضل الأدهم على غيره، وأما ما رواه الإمام محمد في "سيره الكبير" (٢): عن صالح بن كيسان، أن النبي ﷺ قال: " خير الخيل أشقر"، وعن عبد الله بن أبي نجيح الثقفي، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "اليمن في الخيل في كل أقرح أدهم أرثم محجل الثلاثة طلق اليمن، فإن لم يكن فكميت بهذه الصفة"، فعلى هذه الروايات يكون الفضل على العكس.
стр. 5475
(٤٤) بَابٌ: هَلْ تُسَمَّى الأُنْثَى مِنْ الْخَيْلِ فَرَسًا ؟
٢٥٤٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ، نَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عن أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ، نَا أَبُو زُرْعَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) ﷺ كَانَ يُسَمِّي الأُنْثَى مِنَ الْخَيْلِ فَرَسًا". [ق ٦/ ٣٣٠، ك ٢/ ١٤٤]
(٤٥) بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْخَيْلِ
٢٥٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن سَلْمٍ،
===
(٤٤) (بَابٌ: هَلْ تُسَمَّى الأُنْثَى مِنَ الْخَيْلِ فَرَسًا؟ )
٢٥٤٦ - (حدثنا موسى بن مروان الرقي، نا مروان بن معاوية، عن أبي حيان التيمي) يحيى بن سعيد بن حيان، بمهملة وتحتانية، أبو حيان التيمي الكوفي العابد، من تيم الرباب، قال الخريبي: كان أبو حيان عند سفيان الثوري، يعني كان يعظمه ويوثقه، وقال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة صالح مبرز، صاحب سنَّة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال الفلاس: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة مأمون.
(نا أبو زرعة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يسمي الأنثى من الخيل فرسًا)، لعل غرض أبي هريرة بهذا الحديث أن رسول الله ﷺ لما سمَّى الأنثى من الخيل فرسًا، ثبت بهذا أن حكم الأنثى والذكر سواء، فهما يستويان في الغزو في السهم وغيره. قال في "القاموس": الفرس للذكر والأنثى، أو هي فَرَسَة.
(٤٥) (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْخَيْلِ)
أي: من صفاتها
٢٥٤٧ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن سلم) بن عبد الرحمن النخعي الكوفي، أخو حصين، قيل: يكنى أبا عبد الرحيم، قال عبد الله بن
стр. 5476
عن أَبِي زُرْعَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ (١) ﷺ يَكْرَهُ الشِّكَالَ مِنَ الْخَيْل، وَالشِّكَالُ يَكُونُ الْفَرَسُ فِي رِجْلِهِ الْيُمْنَى بَيَاضٌ وَفِي يَدِهِ الْيُسْرَى، أَوْ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى وَفِي رِجْلِهِ الْيُسْرَى" (٢). [م ١٨٧٥، ت ١٦٩٨، حم ٢/ ٢٥٠، جه ٢٧٩٠، ن ٣٥٦٦]
===
أحمد عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال حماد بن زيد عن ابن عون: قال لنا إبراهيم: إياكم وأبا عبد الرحيم والمغيرة بن سعيد، فإنهما كَذَّابان، قال أبو حاتم: قال مسدد: زعم علي أن أبا عبد الرحيم سلم بن عبد الرحمن النخعي له عندهم حديث واحد في كراهية الشكال من الخيل.
قلت: ما زلت أستبعد قول علي هذا، لأن سلمًا يصغر أن يقول فيه إبراهيم هذا القول، ويقرنه بمغيرة بن سعيد، إلى أن وجدت أبا بشر الدولابي جزم في "الكنى" بأن مراد إبراهيم النخعي بأبي عبد الرحيم شقيق الضبي، وهو من كبار الخوارج، وكان يقص على الناس، وقد ذَمَّه أيضًا أبو عبد الرحمن السلمي وغيره من الكبار، ونقل ابن شاهين فِي "الثقات" عن أحمد بن حنبل أنه قال: سلم بن عبد الرحمن النخعي ثقة، وقال العجلي والدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ يكره الشكال) بكسر أوله (من الخيل، والشكال يكون الفرس في رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى، أو في يده اليمنى وفي رجله اليسرى).
قال فِي "النهاية" (٣): هو أن يكون ثلاث قوائم منه محجلة وواحدة مطلقة، تشبيهًا بشكال تُشكل به الخيل، فإنه يكون في ثلاث قوائم غالبًا، وقيل:
стр. 5477
(٤٦) بَابُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْبَهَائِمِ
٢٥٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا مِسْكِينٌ - يَعْنِي ابْنَ بُكَيْرٍ -:
===
أن تكون الواحدة محجلة والثلاثة مطلقة، وقيل: أن تكون إحدى يديه وإحدى رجليه من خلاف مُحَجَّلَتين، و [إنما] كرهه لأنه كالمشكول صورة تفاؤلًا، ويمكن أن يكون جَرَّب ذلك الجنس، فلم يكن فيه نجابة، وقيل: إذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهة لزوال شبه الشكال.
وحكي في "المخصص" عن الأصمعي: فإذا ابيضَّت اليد والرِّجل التي من شقها قيل: به شكال، فإذا ابيضت رجلًا من شقه الأيمن ويدًا من شقه الأيسر قيل: به شكال مخالف، فإذا كان محجل الرجل واليد من الشق الأيمن، فهو ممسك الأيامن مطلق الأياسر، وهم يكرهونه، فإذا كان محجل الرجل واليد من الشق الأيسر فهو ممسك الأياسر مطلق الأيامن، وهم يستحسنونه، فإذا ابيضَّت اليد فهو أعصم، وإذا ابيضت الرِّجل فهو أرجل.
(٤٦) (بَابُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْبَهَائِمِ)
أي: تعاهدها وأداء حقوقها في الأكل والشرب، وأن لا يحملها ما لا يطيقها
٢٥٤٨ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا مسكين -يعني ابن بكير-) الحراني، أبو عبد الرحمن الحذاء، قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لا بأس به، ولكن في حديثه خطأ، قال ابن معين: لا بأس به، وكذا قال أبو حاتم وزاد: كان صالح الحديث، يحفظ الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قلت: وقال أبو أحمد الحاكم: له مناكير كثيرة، كذا نقلته من خط الذهبي، والذي في "الكنى" لأبي أحمد: كان كثير الوهم والخطأ، وقال في
стр. 5478
نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عن رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عن أَبِي كَبْشَةَ السَّلوليِّ، عن سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ، قَالَ (١): "اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمَ الْمُعْجَمَةِ، فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً". [حم ٤/ ١٨١، خزيمة ٢٥٤٥]
٢٥٤٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مَهْدِيٌّ، نَا ابْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، عن الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَرْدَفَنِي
===
موضع آخر: ومن أين؟ كان مسكين يضبط عن سعيد، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن عمار: يقولون ثقة لم أسمع منه شيئًا.
(نا محمد بن مهاجر، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة السلولي، عن سهل بن الحنظلية قال: مر رسول الله ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه) أي من شدة الجوع (قال) رسول الله ﷺ : (اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة) أي التي لا تتكلم، وكل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم (فاركبوها صالحة) أي قوية (وكلوها صالحة) أي سمينة (٢).
٢٥٤٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا مهدي) بن ميمون، (نا ابن أبي يعقوب) محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، (عن الحسن بن سعد) بن معبد الهاشمي مولاهم الكوفي، مولى علي، ويقال: (مولى الحسن بن علي) قال النسائي: ثقة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وثقه العجلي، ووثقه ابن نمير أيضًا، له في "صحيح مسلم" حديث واحد.
(عن عبد الله بن جعفر) في إردافه خلفه وإسراره إليه (قال: أردفني
стр. 5479
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ (١) أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ هَدَفًا أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ (٢)، فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ (٣)
===
رسول الله ﷺ ) أي على بغلته كما في رواية أحمد (٤) (خلفه ذات يوم) أي يومًا ولفظ "ذات" مقحم (فأسَرَّ) من الإسرار (إليَّ حديثًا، لا أحدث به أحدًا من الناس) فإن رسول الله ﷺ لما أخفاها عن الناس لا ينبغي لي أن أفشيها.
(وكان أحبُّ ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته) أي لقضاء الحاجة الإنسانية (هدفًا) بفتحتين: كل بناء مرتفع مشرف "مجمع"، (أو حائش نخل) وهو النخل الملتفُّ المجتمع (فدخل حائطًا) أي بستانًا (لرجل من الأنصار، فإذا) للمفاجأة (جمل) ولفظ أحمد: "فإذا فيه ناضح له" أي: موجود.
(فلما رأى) (٥) الجمل (النبي ﷺ حَنَّ) أي بكى بالحنين (وذرفت) أي سالت (عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح دفراه) بكسر الذال المعجمة مقصور، وهو الموضع الذي يعرق من قفا البعير عند أذنه، وقال في "المجمع": وذفراه أي أصل أذنه، وهما ذفريان، وألفها للتأنيث أو للإلحاق، وفي "القاموس": والذِّفْرَى بالكسر من جميع الحيوان: ما من لدن المَقَذِّ (٦)
стр. 5480
فَسَكَتَ، فَقَالَ: "مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ"؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؟ فإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ". [م ٣٤٢، جه ٣٤٠]
٢٥٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عن أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا، فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ
===
إلى نصف القذَال، أو العظم الشاخص خلف الأذن، جمعه ذِفْرَيَاتٌ وَذَفَارَى (فسكت) عن الحنين.
(فقال) رسول الله ﷺ : (من ربُّ هذا الجمل؟ ) فنادى (لمن هذا الجمل؟ فجاء فتًى من الأنصار) لم أقف على تسميته (فقال: لي) أي هذا الجمل لي (يا رسول الله! قال) رسول الله ﷺ : (أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكك الله إياها؟ ) أي البهيمة (فإنه شكا إلى أنك تجيعه) أي: لا تطعمه حتى يؤذيه الجوع (وتدئبه) أي تكده وتُتعبه.
٢٥٥٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: بينما رجل) من بني إسرائيل، قال الحافظ (١): لم أقف على اسمه (يمشي بطريق) وللدارقطني من طريق روح عن مالك: "يمشي بفلاة"، وله من طريق ابن وهب عن مالك: "يمشي بطريق مكة". (فاشتد عليه العطش فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرب) منها الماء.
(ثم خرج) منها (فإذا) للمفاجأة (كلب يلهث)، قال الحافظ: اللهث بفتح
стр. 5481
يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلَ الَّذِي كَانَ بَلَغَنِي (١)، فَنَزَلَ الْبِئْرَ وَمَلأَ (٢) خُفَّهُ (٣) فَأَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقي فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهَ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ
===
الهاء: هو ارتفاع النفس من الإعياء. وقال ابن التين: لهث الكلب: أخرج لسانه من العطش، وكذلك الطائر، ولهث الرجل إذا أعيى، ويقال: إذا بحث بيديه ورجليه (يأكل الثرى) أي يكدم بفمه الأرض الندية، وهي إما صفة أو حال، وليس بمفعول ثان لرأى (٤) (من العطش، فقال الرجل) في نفسه: (لقد بلغ هذا الكلب) فاعل لقوله: بلغ (من العطش مثل الذي كان بلغني) بنصب اللام على أنه صفة لمصدر محذوف، أي بلغ هذا مبلغًا مثل الذي بلغ بي، وضبط الحافظ الدمياطي بخطه بضم مثل، وتوجيهه: أن يكون لفظ "هذا الكلب" مفعول بلغ، وقوله: "مثل الذي بلغ بي" فاعله، فارتفاعه حينئذ على الفاعلية، كذا في "الفتح" و"العيني" (٥).
(فنزل البئر وملأ خفه) بالماء (فأمسكه) أي الخف الذي في الماء (بفيه) أي: بفمه، وإنما احتاج إلى ذلك لأنه كان يعالج بيديه ليصعد من البئر، وهو يشعر بأن الصعود منها كان عسرًا (حتى رقي) بفتح الراء وكسر القاف: كصعد وزنًا ومعنى (فسقى الكلب، فشكر الله له) أي أثنى عليه، أو قبل عمله، أو جازاه بفعله، وقال القرطبي: معنى قوله: فشكر الله له: أي أظهر ما جازاه به عند ملائكته (فغفر له).
(قالوا) أي الصحابة، من جملتهم سراقة بن مالك بن جُعْشم، روى حديثه ابن ماجة: (يا رسول الله، وإن) بتقدير الاستفهام المؤكد للتعجب معطوف على شيء محذوف، تقديره: آلأمر كما ذكرت (لنا في البهائم) أي في سقيها
стр. 5482
لأَجْرًا؟ قَالَ: "فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ". [خ ٢٤٦٦، م ٢٢٤٤، حم ٢/ ٣٧٥]
... (١)
٢٥٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
===
والإحسان إليها (لأجرًا؟ قال: فِي كل ذاتِ كبد رطبة أجر) أي كل كبد حية، والمراد: رطوبة الحياة، أو لأن الرطوبة لازمة للحياة، فهو كناية.
قال القسطلاني (٢): أو هو من باب وصف الشيء باعتبار ما يؤول إليه، فيكون معناه في كل كبد حري لمن سقاها حتى تصير رطبة أجر، ومعنى الظرفية هنا أن يقدر محذوف، أي: الأجر ثابت في إرواء كل كبد حية، والكبد يذكر ويؤنث، ويحتمل أن يكون "في" للسبية، كقولك: في النفس الدية، قال الداودي: المعنى: في كل كبد حي أجر، وهو عام في جميع الحيوانات.
وقال أبو عبد الملك: هذا الحديث كان في بني إسرائيل، وأما الإسلام فقد أمر بقتل الكلاب، وأما قوله: "في كل كبد"، فمخصوص ببعض البهائم مما لا ضرر فيه، لأن المأمور بقتله كالخنزير، لا يجوز أن يقوى ليزداد ضرره، وكذا قال النووي (٣): إن عمومه مخصوص بالحيوان المحترم، وهو ما لم يؤمر بقتله فيحصل الثواب بسقيه، فيلتحق به إطعامه وغير ذلك من وجوه الإحسان إليه، وقال ابن التين: لا يمتنع إجراؤه إلى عمومه، يعني فيسقى ثم يقتل، لأنا أمرنا أن نحسن القتلة، ونهينا عن المثلة.
٢٥٥١ - (حدثنا محمد بن المثنى، حدثني محمد بن جعفر،
стр. 5483
نَا شُعْبَةُ، عن حَمْزَةَ الضَّبِّيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: "كُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلًا لَا نُسَبِّحُ (١) حَتَّى نَحِلَّ (٢) الرِّحَالَ".
(٤٧) بَابٌ: فِي تَقْلِيدِ الْخَيْلِ بِالأَوْتَارِ (٣)
٢٥٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عن عَبَّادِ بْنِ
===
نا شعبة، عن حمزة الضبي) ابن عمرو (قال: سمعت أنس بن مالك قال: كنا إذا نزلنا منزلًا) في السفر (لا نسبح) أي لا نصلي صلاة نافلة (حتى نحل الرحال) أي حتى نريح الجمال من حل الرحال، فنقدمه على الصلاة.
وفي "المجمع" (٤): كنا إذا نزلنا منزلًا لا نسبح حتى نحل الرحال أي صلاة الضحى، يعني أنهم مع اهتمامهم بالصلاة لا يباشرونها حتى يحطُّوها رفقًا بالجمال.
(٤٧) (بَابٌ: فِي تَقْلِيدِ الْخَيْلِ بِالأَوْتَارِ)
جمع وَتَرٍ، بالتحريك، وإنما زاد لفظ "الخيل"، وإن لم يجر ذكرها في هذا الحديث للإشارة إلى أن ما وقع في الحديث من ذكر البعير، فإنها باعتبار الغالب، وإلَّا فهو عام شامل للبعير والخيل، ولأن الخيل ذكرت في الحديث الثاني، والكتاب كتاب الجهاد، فذكر الخيل أنسب له
٢٥٥٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عباد بن
стр. 5484
تَمِيمٍ: أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، قَالَ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَسُولًا - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ -:
===
تميم: أن أبا بشير) بفتح أوله وكسر المعجمة مكبرًا (الأنصاري) الساعدي، ويقال: المازني، ويقال: الحارثي المدني، وقد ذكره الحاكم أبو أحمد وابن أبي خيثمة وغير واحد في من لا يعرف اسمه، وقال ابن سعد: اسمه قيس بن عبيد بن عمر بن جعد، وحكى الحافظ في "الفتح" (١) عن ابن سعد أن اسمه قيس بن عبد الحُرَيْر (٢) - مصغر - ابن عمرو، وقال: فيه نظر.
(أخبره أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره) قال في "الفتح": لم أقف على تعيينها (قال) أبو بشير: (فأرسل رسول الله ﷺ رسولًا) هو زيد بن حارثة، رواه الحارث بن أسامة في "مسنده" (قال: عبد الله بن أبي بكر) الراوي: (حسبت أنه) أي عباد بن تميم (قال: والناس في مبيتهم) كأنه شك في هذه الجملة، والظن الغالب أنه قالها، ووقع في "الموطأ" في نسخة الزرقاني (٣): "والناس في مقيلهم"، وكذا في النسخة المصرية القديمة، وفي النسخة المطبوعة المجتبائية: "والناس في مبيتهم"، وعليها نسخة: "مقيلهم"، فيحتمل أن يكون الشك فِي قوله: "مبيتهم"، أي قال: "في مبيتهم"، أو قال: "في مقيلهم"، لا في جميع الجملة، وقال الإمام أحمد في "مسنده" (٤) بعد تمام الحديث: قال إسماعيل: قال: وأحسبه قال: "والناس في صيامهم"، والظاهر أنه تصحيف من الكاتب (٥)، والله أعلم.
стр. 5485
"لَا تُبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ وَلَا قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ". قَالَ مَالِك: أُرَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْعَيْن. [خ ٣٠٠٥، م ٢١١٥، السنن الكبرى للنسائي ٨٨٠٨، حم ٥/ ٢١٦]
===
(لا تبقين) بمثناة فوقية وقاف مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة، آخره نون توكيد، قاله القسطلاني والزرقاني (١)، قلت: ويحتمل أن تكون على بناء المفعول من الإبقاء، ولكن لم أر من صرح بذلك أحد من شُرَّاح "البخاري" و"الموطأ"، ولكن ذكره القاري في "شرح المشكاة" (٢) (في رقبة بعير قلادة من وتر) بالواو والمثناة المفتوحتين، وهو وتر القوس (ولا قلادة) من عطف العام على الخاص (إلَّا قطعت).
(قال مالك: أرى) أي أظن (إن ذلك) أي الأمر بقطع القلادة من الوتر (من أجل العين) أي لأجل الحفظ من العين.
قال الحافظ (٣): قال ابن الجوزي: وفي المراد بالأوتار ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم كانوا يُقَلِّدُون الإبل أوتار القَسِيِّ لئلا تصيبها العين بزعمهم، فأمروا بقطعها إعلامًا بأن الأوتار لا تردُّ من أمر الله شيئًا، وهذا قول مالك.
وثانيها: النهي عن ذلك لئلا تختنق الدابة بها عند شدة الركض، ويحكى ذلك عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وكلام أبي عبيد يرجحه، فإنه قال: نهي عن ذلك، لأن الدواب تتأذى بذلك، ويضيق عليها نفسها ورعيها، وربما تعلقت بشجرة، فاختنقت أو تعوَّقت عن السير، ثالثها: أنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس، حكاه الخطابي (٤).
قال النووي (٥) وغيره: الجمهور على أن النهي للكراهة، وأنها كراهة
стр. 5486
(١)
٢٥٥٣ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا هِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ الطَّالْقَانِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، حَدَّثَنِي عَقِيلُ بْنُ شَبِيبٍ، عن أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ- وَكَانَ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ارْتَبِطُوا الْخَيْلَ وَامْسَحَوا بَنَوَاصِيهَا وَأَعْجَازِهَا"، أَوْ قَالَ: "وَأَكْفَالِهَا وَقَلِّدُوهَا وَلَا تُقَلِّدُوهَا الأَوْتَار". [ن ٣٥٦٦، حم ٤/ ٣٤٥، ق ٦/ ٣٣٠]
===
تنزيه، وقيل: للتحريم، وقيل: يمنع منه قبل الحاجة، ويجوز عند الحاجة، وعن مالك تختص الكراهة من القلائد بالوتر، ويجوز بغيرها إذا لم يقصد دفع العين، هذا كله في تعليق التمائم وغيرها مما ليس فيه قرآن ونحوه، وأما ما فيه ذكر الله فلا نهي فيه، فإنه إنما يجعل للتبرك به والتعوذ بأسمائه وذكره، وكذلك لا نهي عما يُعَلَّقُ لأجل الزينة ما لم يبلغ الخُيلاء أو السرف.
٢٥٥٣ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا هشام بن سعيد الطالقاني، أنا محمد بن المهاجر، حدثني عقيل بن شبيب، عن أبي وهب الجشمي، وكان له صحبة، قال: قال رسول الله ﷺ : ارتبطوا الخيل) أي اربطوها عندكم، لأنها آلة الغزو، أو رابطوها على الثغور لدفع هجوم الكفار، وقيل: كناية عن تسميتها للغزو (وامسحوا بنواصيها وأعجازها) جمع عجز وهو الكفل (أو) للشك من الراوي (قال: وأكفالها) أي تَحبُّبًا وتلطفًا، فإنه من العبادة، أو لأنها ترتاح بذلك وتفرح، فيكون موجبًا لقوتها ولسمنها (وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار).
نقل في الحاشية عن "مرقاة الصعود": قال في "النهاية" (٢): أي قلدوها طلب أعداء الدين، والدفاع عن المسلمين، ولا تقلدوها طلب أوتار الجاهلية وُدُخُولَها التي كانت بينكم، والأوتار: جمع وِتْرٍ - بالكسر - وهو: الدم، وطلب الثأر، يريد: لا تجعلوا ذلك لازمًا لها في أعناقها لزوم القلائد للأعناق.
стр. 5487
(٤٨) بَابٌ: فِي تَعْلِيقِ الأَجْرَاس
٢٥٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن نَافِعٍ، عن سَالِمٍ، عن أَبِي الْجَرَّاحِ مَوْلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، عن أُمِّ حَبِيبَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ". [حم ٦/ ٣٢٧]
٢٥٥٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
===
وقيل: أراد بالأوتار: جمع وَتَرِ القوس، أي لا تجعلوا في أعناقها الأوتار فتختنق، لأنها ربما رعت الأشجار فنشبت الأوتار ببعض شعبها فخنقتها، وقيل: إنما نهاهم عنها لأنهم كانوا يعتقدون أن تقليدها بالأوتار يدفع ضررًا ويدفع عنها العين والأذى، فتكون كالعُوذة لها، فنهاهم وأعلمهم أنها لا تدفع ضررًا ولا تصرف قدرًا (١).
(٤٨) (بَابٌ: فِي تَعْلِيقِ الأجْرَاسِ)
٢٥٥٤ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن سالم، عن أبي الجراح مولى أم حبيبة) زوج النبي ﷺ ، قيل: اسمه الزبير، وقال بعض الرواة: عن الجراح، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقال: من قال: الجراح فقد وهم (عن أم حبيبة، عن النبي ﷺ قال: لا تصحب الملائكة) لعل المراد بهم غير الحفظة والكتبة (رفقة) بضم راء وكسرها، جماعة ترافقهم في سفرك (فيها جرس) هو الذي يخرج منه الصوت من الجلجل وغيرها، ويعلق في أعناق الدواب أو يعلق بالعربة.
٢٥٥٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 5488
"لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ (١) أَوْ كَلْبٌ". [م ٢١١٣، ت ١٧٠٣، حم ٢/ ٢٦٢، ق ٥/ ٢٥٤]
٢٥٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، نَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عن الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي الْجَرَسِ: "مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ". [م ٢١١٤، حم ٢/ ٣٦٦، خزيمة ١٥٥٤]
===
لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس أو كلب) وهذا إذا خليا عن المنفعة، وأما ما احتيج إليه منهما فمرخص فيه.
٢٥٥٦ - (حدثنا محمد بن رافع، نا أبو بكر بن أبي أويس) هو عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني الأعشى، عن ابن معين: ثقة، وعن يحيى: ليس به بأس، وقال الآجري: قدمه أبو داود على إسماعيل تقديمًا شديدًا، وذكره ابن حبان في "الثقات". قلت: وقال النسائي: ضعيف. وقال الحاكم عن الدارقطني: حجة.
(حدثني سليمان بن بلال، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب، (عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال في الجرس) أي في حقه: (مزمار الشيطان) بكسر ميم، وهو آلة يزمر بها، يطلق على الصوت الحسن والغناء، وإضافتها إلى الشيطان، لأنها تلهي القلب عن ذكر الله تعالى.
стр. 5489
(٤٩) بَابٌ: فِي رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ
٢٥٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن أَيُّوبَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "نُهِيَ عن رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ". [ق ٥/ ٢٥٤]
٢٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَهْمِ، نَا عَمْرٌو- يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ -، عن أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن الْجَلَّالَةِ فِي الإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا". [ق ٩/ ٣٣٣، ك ٢/ ٣٤]
===
(٤٩) (بَابٌ: فِي رُكُوبِ الجَلَّالَةِ)
هي من الحيوان: ما تأكلُ العَذِرَة، والجِلَّة (١): البعر، جلت الدَّابة الجلَّة، واجْتَلَتْهَا، فهي جَالَّة، وجَلَّالة: إذا الْتَقَطَتْهَا.
٢٥٥٧ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: نُهي عن ركوب الجلالة).
٢٥٥٨ - (حدثنا أحمد بن أبي سريج الرازي، أخبرني عبد الله بن الجهم، نا عمرو - يعني ابن أبي قيس -، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن الجلَّالة في الإبل أن يركب عليها) وهذا إذا كان غالب علفها منها، حتى ظهر على لحمها ولبنها وعرقها، فيحرم أكلها وركوبها إلَّا بعد أن حبست أيامًا، كذا في "المجمع" (٢).
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: الجلالة: هي آكلة النجس، بحيث أثر في لحمها ولبنها وعرقها، وكراهة لحمها ولبنها لتنجسهما باختلاط النجس، وكراهة ركوبها لما يلزم فيه من التلبس بالنجاسة، وليكون النهي سببًا للاحتياط عن اعتيادها بذاك.
стр. 5490
(٥٠) بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يُسَمِّي دَابّتَهُ
٢٥٥٩ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن أَبِي الأَحْوَصِ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عن مُعَاذٍ قَالَ: "كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ". [خ ٢٨٥٦، م ٣٠]
(٥١) بَابٌ فِي النِّدَاءِ (١) عِنْدَ النَّفِيرِ: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي
===
(٥٠) (بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يُسَمِّي دَابّتَهُ)
٢٥٥٩ - (حدثنا هناد بن السري، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ قال: كنت ردف النبي ﷺ على حمار يقال له: عفير).
عقد هذا الباب إشارة إلى مشروعية تسمية الدواب من الحمار والفرس.
قال الحافظ: وفي الأحاديث الواردة في هذا الباب ما يقوي قول من ذكر أنساب بعض الخيول العربية الأصيلة؛ لأن الأسماء توضع للتمييز بين أفراد الجنس، وعفير بالمهملة والفاء مصغر، مأخوذ من العفر، وهو لون التراب، كأنه سمي بذلك للونه، والعفرة: حمرة يخالطها بياض، وهو تصغير أعفر، أخرجوه عن بناء أصله، كما قالوا: سويد في تصغير أسود.
(٥١) (بَابٌ فِي النِّدَاءِ عِنْدَ النَّفِيرِ) على صيغة المصدر أي: عند النفر إلى الغزو (يَا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي) (٢) أي: فرسان الله
والخيل يطلق على الأفراس وعلى الفرسان، ووقع هذا النداء أولًا في غزوة الغابة (٣)، وهي غزوة ذي قرد، أغار فيها عيينة بن حصن الفزاري في بني عبد الله بن غطفان على لقاح النبي ﷺ التي بالغابة، فاستاقها، وقتل راعيها، وهو رجل من عسفان، فجاء الصريخ، ونودي يا خيل الله! اركبي،
стр. 5491
٢٥٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَسَّانٍ، أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَبُو دَاوُدَ، نَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عن أَبِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ (١)، عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّى خَيْلَنَا خَيْلَ اللَّهِ إِذَا فَزِعْنَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا فَزِعْنَا بِالْجَمَاعَةِ وَالصَّبْرِ وَالسَّكِينَةِ، وَإِذَا قَاتَلْنَا".
(٥٢) بَابُ النَّهْيِ عَنْ لَعْنِ الْبَهِيمَةِ
٢٥٦١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن أَبِي الْمُهَلَّبِ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي
===
وكان أول ما نودي بها، قاله الشيخ ابن القيم في "زاد المعاد" (٢)
٢٥٦٠ - (حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، أنا سليمان بن موسى أبو داود، نا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب، أما بعد: فإن النبي ﷺ سمَّى خيلنا خيل الله إذا فزعنا) الفزع: الذعر والفرق (وكان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا فزعنا) أي عند الفزع والخوف (بالجماعة) أي: بالاجتماع وعدم التفرق (والصبر والسكينة، وإذا قاتلنا) عطف على إذا فزعنا، أي: وكان يأمرنا بالاجتماع والصبر والسكينة عند القتال.
(٥٢) (بَابٌ النَّهْيِ عَنْ لَعْنِ البَهِيمَةِ)
٢٥٦١ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ كان في
стр. 5492
سَفَرٍ فَسَمِعَ لَعْنَةً فَقَالَ: "مَا هَذِهِ؟ "، قَالُوا: هَذِهِ فُلَانَة لَعَنَتْ رَاحِلَتَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ضَعُوا عَنْهَا فإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ"، فَوَضَعُوا عَنْهَا. قَالَ عِمْرَانُ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهَا نَاقَةً وَرْقَاءَ. [م ٢٥٩٥، دي ٢٦٧٧، حم ٤/ ٤٢٩]
===
سفر) لم أقف على تعيينه (فسمع لعنة، فقال) رسول الله ﷺ : (ما هذه؟ قالوا: هذه فلانة) لم أقف على تسميتها (١)، إلَّا أن في رواية مسلم: أنها امرأة من الأنصار (لعنت راحلتها، فقال النبي ﷺ : ضعوا عنها) أي: رحلها وما عليها.
قال النووي (٢): إنما قال هذا زجرًا لها ولغيرها، وكان قد سبق نهيها، ونهي غيرها عن اللعن، فعوقبت بإرسال الناقة، والمراد النهي عن مصاحبته بتلك الناقة في الطريق، وأما بيعها وذبحها وركوبها في غير مصاحبته ﷺ ، وغير ذلك من التصرفات التي كانت جائزة قبل هذا، فهي باقية على الجواز؛ لأن الشرع إنما ورد بالنهي عن المصاحبة, لأنه ورد في رواية: "لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة"، فبقي الباقي كما كان.
(فإنها ملعونة) أي دعيت عليها باللعن (فوضعوا عنها) الرحل وغيره من المتاع، وأرسلوها (قال عمران: فكأني أنظر إليها ناقة ورقاء) أي يخالط بياضها سواد، والذكر أورق، وقيل: هي السوداء، وقيل: هي التي لونها كلون الرماد.
نقل في الحاشية عن "مرقاة الصعود": قيل: إنما أمرهم بذلك، لأنه قد استجيب الدعاء عليها باللعن، واستدل على ذلك بقوله: "فإنها ملعونة"، ويحتمل أنه فعل ذلك عقوبة لصاحبتها لئلا تعود إلى مثل قولها.
قلت: الأول بعيد، فإن الناقة ليست بأهل للعن، وقد وقع في الحديث:
стр. 5493
(٥٣) بَابٌ: فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ
٢٥٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عن قُطْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (١)، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي يَحْيَى الْقَتَّاتِ، عن مُجَاهِدٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ". [ت ١٧٠٨، ق ١٠/ ٢٢]
===
"أن من لعن ما ليس بأهل للعن، فقد ترجع اللعنة إلى القائل"، فلهذا جوزيت بالعقوبة، ولعل لهذا الوجه لم يذكره النووي.
(٥٣) (بَابٌ: فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَ البَهَائِمِ)
التحريش: هو الإغراء وتهييج بعضها على بعض، كما يفعل بين الجمال والكباش والديوك وغيرها، وإنما نهى عن ذلك لأنه من الملاهي، وفيه إيلام الدواب وإهلاكهم، وإن كان بشرط من الجانبين فهو قمار أيضًا.
٢٥٦٢ - (حدثنا محمد بن العلاء، أخبرني يحيى بن آدم، عن قطبة بن عبد العزيز) بضم قاف وسكون مهملة وبموحدة، ابن عبد العزيز بن سياه (٢)، بكسر مهملة وخفة مثناة تحتية وبهاء منونة بالصرف وتركه، الأسدي الحِمَّاني الكوفي، عن أحمد: شيخ ثقة، وعن ابن معين: ثقة، وقال الترمذي: هو ثقة عند أهل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: كوفي ثقة، وقال البزار: صالح، وليس بالحافظ.
(عن الأعمش) سليمان بن مهران، (عن أبي يحيى القتات) بائع القت، وهو الرطبة من علف الدواب، لا الثَّمَّام، (عن مجاهد، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن التحريش) أي: التهييج والإغراء (بين البهائم).
стр. 5494
(٥٤) بَابٌ: فِي وَسْمِ الدَّوَابِّ
٢٥٦٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عن أَنَسٍ قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِأَخٍ لِي حِينَ وُلِدَ لِيُحَنِّكَهُ، فإِذَا هُوَ فِي مِرْبَدٍ يَسِمُ غَنَمًا، أَحْسَبُهُ قَالَ: فِي آذَانِهَا". [خ ٥٨٢٤، م ٢١١٩]
===
(٥٤) (بَابٌ: فِي وَسْمِ الدَّوَابِّ)
الوسم: هو جعل العلامة فيها بالكي
٢٥٦٣ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس قال: أتيت النبي ﷺ بأخ لي حين ولد) أخ لأمه، وهو عبد الله بن أبي طلحة (ليحنكه) التحنيك: هو مضغ التمر ودلكه في الفم، حتى يصير مائعًا، فيجعل في فم الصبي (فإذا هو في مربد) هو الموضع الذي تحبس فيه الإبل والغنم، وأيضًا موضع يجعل فيه التمر لينشف (يسم غنمًا) من الوسم أي يعلمها بالكي، والحديدة التي يوسم بها هو الميسم، أصله موسم، لأن فاءه واو، لكنها لما سكنت وكسر ما قبلها قلبت ياءً، والحكمة فيه تمييزها وليردها من أخذها ومن التقطها، وليعرفها صاحبها فلا يشتريها إذا تصدق بها مثلًا.
قال الحافظ (١): ولم أقف على تصريح على ما كان مكتوبًا به على ميسم النبي ﷺ ، ووقع في "البخاري": "يسم شاة"، وفي أخرى له في "اللباس": "وهو يسم الظهر الذي قدم عليه" (٢)، وفيه ما يدل على أن ذلك بعد رجوعهم من غزوة الفتح وحُنين، والمراد بالظهر: الإبل، وكأنه كان يسم الإبل والغنم، فصادف أول دخول أنس، وهو يسم شاة، ورآه يسم غير ذلك.
(أحسبه) القائل شعبة، وضمير المفعول لهشام بن زيد، وقع بَيِّنًا في رواية "مسلم" (قال: في آذانها) جمع أذن، ويستفاد منه أن الأذن ليست من الوجه.
стр. 5495
(١)
٢٥٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِحِمَارٍ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: "أَمَا بَلَغَكُمْ أَنِّي (٢) لَعَنْتُ مَنْ وَسَمَ الْبَهِيمَةَ فِي وَجْهِهَا، أَوْ ضَرَبَهَا فِي وَجْهِهَا؟ "، فَنَهَى عن ذَلِكَ. [م ٢١١٧، ت ١٧١٠، حم ٣/ ٣٢٣]
===
قال الحافظ (٣): وفيه حجة للجمهور في جواز وسم البهائم بالكي، وخالف فيه الحنفية تمسكًا بعموم النهي عن التعذيب بالنار، ومنهم من ادَّعى نسخ وسم البهائم، وجعله الجمهور مخصوصًا من عموم النهي.
٢٥٦٤ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر: أن النبي ﷺ مر) بصيغة البناء للمفعول (عليه) أي على النبي ﷺ (بحمار قد وسم في وجهه) أي كوي على وجهه للعلامة (فقال) رسول الله ﷺ : (أما بلغكم أني لعنت من وسم البهيمة في وجهها، أو ضربها في وجهها؟ فنهى عن ذلك) (٤).
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: الوسم لا ضير فيه
стр. 5496
(٥٥) بَابٌ: فِي كَرَاهِيَّةِ الْحُمُر تُنْزَى عَلَى الْخَيْلِ
٢٥٦٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن يَزِيدَ بْنِ حَبِيبٍ، عن أَبِي الْخَيْرِ، عن ابْنِ زُرَيْرٍ (١)، عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَغْلَةٌ فَرَكِبَهَا، فَقَالَ عَلِىٌّ: لَوْ حَمَلْنَا الْحَمِيرَ عَلَى الْخَيْلِ فَكَانَتْ لَنَا مِثْلُ هَذِهِ، قَالَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ" (٣). [ن ٣٥٨٠، حم ١/ ١٠٠]
===
إذا اشتمل على فائدة بعد أن لا يكون في الوجه، لأنه في الوجه يقبح الوجه، ويعود على بعض الحواس بالإبطال أو بالإفساد كالباصرة.
(٥٥) (بَابٌ: فِي كَرَاهِيَةِ الحُمُرِ تُنْزَى عَلَى الْخَيْلِ)
أي: تُحمل عليها للنسل
٢٥٦٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن ابن زرير) بتقديم الزاي، مصغرًا، الغافقي المصري، قال العجلي: مصري تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات" (عن علي بن أبي طالب قال: أهديت لرسول الله ﷺ بغلة فركبها، فقال علي: لو حملنا الحمير على الخيل) أي الأنثى منها للنسل (فكانت لنا مثل هذه) البغلة.
(قال رسول الله ﷺ : إنما يفعل ذلك) أي إنزاء الحمير على الخيل (الذين لا يعلمون) أي أن إنزاء الفرس على الفرس خير من ذلك، أو لا يعلمون
стр. 5497
(٥٦) بَابٌ: فِي رُكُوبِ ثَلَاثَةٍ عَلَى دَابَّةٍ
٢٥٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى، نَا (١) أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عن عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عن مُوَرِّقٍ - يَعْنِي الْعِجْلِيَّ -، حَدَّثَنِي (٢) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ اسْتُقْبِلَ بِنَا، فَأَيُّنَا اسْتَقْبَلَ أَوَّلًا جَعَلَهُ أَمَامَهُ،
===
أحكام الشريعة، ولا يهتدون إلى ما هو أولى وأنفع، وقيل: يجري مجرى اللازم للمبالغة، أي الذين ليسوا من أهل المعرفة في شيء، ومال المظهر إلى كراهية ذلك، حيث قال: وإنزاء الحمر على الفرس جائز، لأن النبي ﷺ ركب البغل، وجعله تعالى من النعم، ومنَّ على عباده بقوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٣).
قال الطيبي: لعل الإنزاء غير جائز، والركوب والتزين به جائزان كالصور، فإن عملها حرام، واستعمالها في الفرش والبسط مباح (٤).
(٥٦) (بَابٌ: فِي رُكُوبِ ثَلَاثَةٍ عَلَى دَابَّةٍ) (٥)
٢٥٦٦ - (حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى، نا أبو إسحاق الفزاري، عن عاصم بن سليمان) الأحول، (عن مورق - يعني العجلي -، حدثني عبد الله بن جعفر قال: كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر) وقرب من المدينة (استقبل بنا) أي بالغلمان، معناه خرج بنا كبارنا لاستقباله ﷺ (فأينا استقبل أولًا جعله أمامه)
стр. 5498
فَاسْتُقْبِلَ بِي فَحَمَلَنِي أَمَامَهُ، ثُمَّ اسْتُقْبِلَ بِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ فَجَعَلَهُ خَلْفَهُ، فَدَخَلْنَا (١) الْمَدِينَةَ وَإِنَّا لَكَذَلِكَ". [م ٢٤٢٨، جه ٣٧٧٣، حم ١/ ٢٠٣]
(٥٧) بَابٌ: فِي الوُقُوفِ عَلَى الدَّابَةِ
٢٥٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، نَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عن يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ، عن أَبِي مَرْيَمَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِيَّايَ
===
أي على الدابة (فاستقبل بي) أولًا (فحملني أمامه، ثم استقبل بحسن أو حسين فجعله خلفه) أي أردفه خلفه (فدخلنا المدينة وإنا) أي والحال إنا (لكذلك) أي: الثلاثة على الدابة، والحديث (٢) يدل على أن ركوب الثلاثة على الدَّابة يجوز، وهذا إذا كانت مطيقة، وأما إذا لم يطقها فلا يجوز.
(٥٧) (بَابٌ: فِي الوُقُوفِ عَلَى الدَّابَّةِ)
أي: كراهته من غير حاجة
٢٥٦٧ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، نا ابن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبي مريم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إياي) وفي نسخة: "إياكم".
واختلفوا في التحذير بضمير المتكلم، فحكم بعضهم بشذوذه، وبعضهم لم يقولوا بالشذوذ، بل قالوا بمجيئه على قلة، فقال في "شرح ألفية بن مالك" (٣): وشذ التحذير بغير ضمير المخاطب، نحو إياي في قول عمر:
стр. 5499
أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ، فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَاجَاتِكُمْ". [ق ٥/ ٢٥٥]
===
لِتُذَكِّ لكم الأَسَلُ والرماحُ والسهامُ، وإياي وأن يحذف أحدكم الأرنب، والأصل إياي باعدوا عن حذف الأرنب، وباعدوا أنفسكم عن أن يحذف أحدكم الأرنب، ثم حذف من الأول المحذور، ومن الثاني المحذَّر، ومثل إياي إيانا وإياه، وما أشبهه من ضمائر الغيبة المنفصلة أشذُّ من إياي، كما في قول بعضهم: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب.
وقال المحرم أفندي: وفي "الحاشية" نَبَّه بتكرار المثال على أن الأغلب في هذا القسم أن يكون ضميرًا مخاطبًا، وقد يجيء متكلمًا، نحو إياي والشر بتقدير اتق، بصيغة الحكاية، وقد يكون اسمًا ظاهرًا مضافًا إلى المخاطب نحو رأسك والصيد، والغائب هو الشاذ النادر مثل قولهم: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشوابِّ، انتهى.
وإنما كان الأغلب المخاطب، لأن هذا تحذير، والتحذير إنما يكون في المخاطب، وقد يكون في المتكلم، لأن الإنسان يحذِّر نفسه، وشذَّ في الغائب، لأن تحذير الغائب لا يمكن إلَّا بتنزيله منزل المخاطب.
(أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر) أي تقفون عليها كما تقفون على المنابر (فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلَّا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض) أي قرارًا (فعليها فاقضوا حاجاتكم) من الوقوف وغيره.
أخرج السيوطي في "الدر المنثور" (١) قال: وأخرج ابن مردويه والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إياكم أن تتخذوا
стр. 5500
(٥٨) بَابٌ: فِي الْجَنَائِبِ
٢٥٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَحْيَى، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ
===
ظهور دوابكم منابر؛ إن الله تعالى إنما سخرها لكم لتبلغوا إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلَّا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض، فعليها فاقضوا حاجاتكم".
قال الخطابي (١): قد ثبت أنه ﷺ خطب على راحلته واقفًا عليها، فدل ذلك على أن الوقوف على ظهورها إن كان لأرب أو بلوغ وطر لا يدرك مع النزول مباح، وإن النهي إنما انصرف إلى الوقوف عليها، لا لمعنى يوجبه بأن يستوطنه الإنسان ويتخذه مقعدًا، فيتعب الدابة ويضر بها من غير طائل.
(٥٨) (بَابٌ: فِي الْجَنَائِبِ)
جمع جنيبة بمعنى: مجنوبة، وهي المستتبعة، كما في قول الشاعر:
هَوَايَ مَعَ الرَّكْبِ اليَمَانِينَ مُصْعِدُ ... جَنِيْبٌ، وَجُثْمَانِي بِمَكَّةَ مُوثَقُ
٢٥٦٨ - (حدثنا محمد بن رافع، نا ابن أبي فديك، حدثني عبد الله بن أبي يحيى) هو عبد الله بن محمد بن أبي يحيى، واسمه سمعان، الأسلمي مولاهم، المدني، المعروف بسحبل، وقد ينسب إلى جده، عن أحمد: ليس به بأس، وعنه: ثقة، وكذا قال ابن معين، وعن أبي داود: ثقة، وقال أبو حاتم: هو أوثق من أخيه إبراهيم، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن سعيد بن أبي هند) الفزاري، مولى سمرة بن جندب، قال ابن سعد: له أحاديث صالحة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقال العجلي: ثقة، قال أبو حاتم الرازي: لم يسمع من أبي هريرة، كذا في "الخلاصة"، وقال في "التقريب": أرسل عن أبي موسى.