أَبِي سُفْيَانَ". [م ١٩٠١، حم ٣/ ١٣٦]
(٨٧) بَابٌ: فِي ابْنِ السَّبِيلِ يَأْكُلُ مِنَ التَّمْرِ (١) وَيَشْرَبُ مِنَ اللَّبَنِ إِذَا مَرَّ بِهِ
٢٦١٩ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ الرَّقَّامُ، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، نَا سَعِيدٌ (٢)،
===
أي قافلة (أبي سفيان) القادم من الشام.
وأخرج مسلم هذا الحديث مطولًا، وفي آخره: "فجاء، وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله ﷺ ، قال: ما أدري ما استثنى بعض نسائه، قال: فحدثه الحديث، قال: فخرج رسول الله ﷺ فتكلم، وقال: إن لنا طلبة، فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا، فجعل رجال يستأذنونه في ظهرهم في علو المدينة، فقال: لا إلَّا من كان ظهره حاضرًا، فانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر".
(٨٧) (بَابٌ: فِي ابْنِ السَّبِيلِ يَأْكُلُ مِنَ التَّمْرِ وَيَشْرَبُ مِنَ اللَّبَنِ إِذَا مَرَّ بِهِ)
أي: باللبن أو التمر
٢٦١٩ - (حدثنا عياش بن الوليد الرقام) بفتح الراء والقاف المشددة في آخرها الميم، هذه النسبة إلى الرقم على الثياب التي تجلب من فارس، (نا عبد الأعلى، نا سعيد) وفي نسخة: شعبة.
وأخرجه الترمذي بهذا السند فقال: حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف، ثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، وليس فيه نسخة شعبة.
стр. 5567
عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ، عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ (١) ﷺ قَالَ: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُم عَلَى مَاشِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَلْيَحْتَلِبْ (٢) وَلْيَشْرَبْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِلَّا فَلْيَحْتَلِبْ (٣) وَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ". [ت ١٢٩٦، ق ٩/ ٣٥٩]
===
(عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، أن نبي الله ﷺ قال: إذا أتى أحدكم) في سفره (على ماشية، فإن كان فيها) أي الماشية (صاحبها) أي: مالكها أو من يقوم مقامه (فليستأذنه، فإن أذن له فليحتلب وليشرب) اللبن (وإن لم يكن) صاحبها (فيها) أي في الماشية (فليصوت ثلاثًا) وهذا لاحتمال أن يكون صاحبها بعيدًا، فإذا سمع الصوت يجيء (فإن أجابه) وحضر (فليستأذنه وإلَّا) أي وإن لم يجب ولم يحضر (فليحتلب وليشرب، ولا يحمل) أي من اللبن معه.
قال الترمذي: حديث سمرة حديث حسن صحيح غريب، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول أحمد (٤) وإسحاق، انتهى.
قلت: قد اختلف العلماء في تأويله، فأكثرهم حملوه على حالة الاضطرار، وقالوا: يشرب بقدر الضرورة، ولا يحمل منه شيئًا، لأنه لا يقاوم النصوص التي وردت في تحريم مال المسلم، فعلى هذا فالواجب عليه أن يؤدي قيمة ما شرب إذا قدر عليها، وقيل: هو محمول على العرف والعادة، فالبلد التي كان في أهله عادة الإذن الإجمالي للمسافرين وعابري السبيل يجوز هناك أكل الثمرة، وحلب اللبن، ولا يحمل معه شيئًا إلَّا إذا كان فيه الإذن أيضًا، وعلى هذا لا يجب عليه الضمان.
стр. 5568
٢٦٢٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، نَا أَبِي، نَا شُعْبَةُ، عن أَبِي بِشْرٍ، عن عَبَّادِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: أَصَابَنِي (١) سَنَةٌ فَدَخَلْتُ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ فَفَركْتُ سُنْبُلًا فَأَكَلْتُ وَحَمَلْتُ فِي ثَوْبِي، فَجَاءَ صَاحِبُهُ فَضَرَبَنِي وَأَخَذَ ثَوْبِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
===
٢٦٢٠ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، نا أبي) معاذ (عن أبي بشر، عن عباد بن شرحبيل) اليشكري الغبري البصري، معدود في الصحابة، روى عن النبي ﷺ حديثًا واحدًا في قصة له فيها: ما علمته إذ كان جاهلًا، ولا أطعمته إذ كان ساغبًا، روى عنه أبو بشر بن أبي وحشية، قلت: قال البغوي وأبو الفتح الأزدي: ما روى عنه غيره، وقال ابن السكن: في صحبته نظر.
(قال: أصابني سنة) أي مجاعة وقحط (فدخلت حائطًا) أي بستانًا (من حيطان المدينة، ففركت) أي دلكت (سنبلًا، فأكلت) منها (وحملت في ثوبي) منها (فجاء صاحبه) لم أقف على تسميته (فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله ﷺ ) فذكرت ذلك له، فدعاه رسول الله ﷺ .
وقد أخرجه النسائي في "مجتباه" (٢) في "كتاب أدب القضاة" بأطول من هذا: أخبرنا الحسين بن منصور بن جعفر قال: ثنا مبشر بن عبد الله بن رزين قال: ثنا سفيان بن حسين، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن عباد بن شرحبيل قال: "قدمت مع عمومتي المدينة، فدخلت حائطًا من حيطانها، ففركت من سنبله، فجاء صاحب الحائط، فأخذ كسائي فضربني، فأتيت رسول الله ﷺ أستعدي عليه، فأرسل إلى الرجل، فجاؤوا به، فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله! إنه دخل حائطي، فأخذ من سنبله، ففركه، فقال رسول الله ﷺ : ما علَّمته إذ كان جاهلًا، ولا أطعمته إذ كان جائعًا، اردد عليه كساءه، وأمر لي رسول الله ﷺ بوسق ونصف وسق".
стр. 5569
فَقَالَ لَهُ: "مَا عَلَّمْتَ إِذْ كَانَ جَاهِلًا، وَلَا أَطْعَمْتَ إِذْ كَانَ جَائِعًا"، أَوْ قَالَ: "سَاغِبًا"، وَأَمَرَ (١) فَرَدَّ عَلَيَّ ثَوْبِي وَأَعْطَانِي وَسْقًا أَوْ نِصْفَ وَسْقٍ مِنْ طَعَامٍ. [جه ٢٢٩٨، ن ٥٤٠٩، حم ٤/ ١٦٦]
===
(فقال) رسول الله ﷺ (له) أي لصاحب الحائط: (ما علَّمت) أي علمته (إذ كان جاهلًا) أي كان اللائق بك أولًا أن تعلمه بالرفق والشفقة.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: يعني أنه لم يكن يعلم أن ليس لكم عرف في التحمل، وإنما علم أن الجائع لا ينهى عن أكله وأخذه وتحمله قدر ما يطعمه رفيقه الساغب، أو قدر ما يأكله في غير وقته، هذا فهلَّا علَّمته ذاك.
(ولا أطعمت) أي أطعمته (إذ كان جائعًا) وكان الحق أن تطعمه إذ رأيته جائعًا (أو) للشك من الراوي (قال: ساغبًا، وأمر) أي رسول الله ﷺ صاحب الحائط أن يرد علي ثوبي (فرد علي ثوبي) أي كسائي (وأعطاني) أي صاحب الحائط (وسقًا) وهو ستون صاعًا (أو) للشك (نصف وسق من طعام) وهو الحنطة.
ظاهر سياق أبي داود يقتضي أن يكون ضمير الفاعل في أعطاني يعود إلى صاحب الحائط، ولكن في رواية النسائي: "وأمر لي رسول الله ﷺ بوسق أو نصف وسق"، وفي رواية ابن الأثير في "أسد الغابة" (٢): "وأمر له - رسول الله ﷺ بوسق من طعام أو نصف وسق"، فهو صريح أن الآمر بوسق أو نصف وسق هو رسول الله ﷺ ، فيحتمل أن يكون أمر رسول الله ﷺ بإعطاء الطعام لصاحب الحائط تبرعًا، ويحتمل أن يكون الأمر للصحابة، فأعطى له رسول الله ﷺ من عنده من بيت المال، والله تعالى أعلم.
стр. 5570
٢٦٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عن شُعْبَةَ، عن أَبِي بِشْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ شُرَحْبِيلَ - رَجُلًا مِنَّا مِنْ بَنِي غُبَرَ- بِمَعْنَاهُ. [انظر سابقه]
(٨٨) بَابُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَأْكُلُ مِمَّا سَقَطَ
٢٦٢٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرٍ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ، وَهَذَا لَفْظُ أَبِي بَكْرٍ، عن مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي حَكَم الْغِفَارِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي، عن عَمِّ أَبِي رَافِعِ بْنِ عَمْرَو الْغِفَارِيِّ
===
٢٦٢١ - (حدثنا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت عباد بن شرحبيل- رجلًا منا من بني غُبَر-) بضم المعجمة وفتح الموحدة آخره راء مهملة (بمعناه) متعلق بحدثنا محمد بن بشار.
(٨٨) (بَابُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَأْكُلُ مِمَّا سَقَطَ) (١)
وليست هذه الترجمة في المكتوبة ولا المصرية ولا القادرية، وهي مذكورة في النسخة المجتبائية، ونسخة "العون" (٢)
٢٦٢٢ - (حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة، وهذا لفظ أبي بكر، عن معتمر بن سليمان قال: سمعت ابن أبي الحكم النفاري) عن جدته، عن عم أبيها رافع بن عمرو: وكنت غلامًا أرمي نخل الأنصار، الحديث، وعنه المعتمر بن سليمان، قيل: اسمه عبد الكبير بن الحكم، قلت: وحكى ابن العساكر في "الأطراف": أن اسمه الحسن.
(يقول: حدثتني جدتي) لم أقف على تسميتها (عن عم أبي رافع ابن عمرو الغفاري) هكذا في جميع النسخ الموجودة لأبي داود عندي، وكذا
стр. 5571
قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا أَرْمِي نَخْلَ الأَنْصَارِ، فَأُتِيَ بِي النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "يَاغُلَامُ
===
قال الإمام أحمد في "مسنده" (١): ثنا معتمر، سمعت ابن أبي الحكم الغفاري يقول: حدثتني جدتي، عن عم أبي رافع بن عمرو الغفاري، وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": حدثتني جدتي، عن عم أبيها رافع بن عمرو، كما تقدم.
وكذلك وقع في سند حديث ابن ماجه (٢): ثنا معتمر بن سليمان قال: سمعت ابن أبي الحكم الغفاري قال: حدثتني جدتي، عن عم أبيها رافع بن عمرو الغفاري.
وأخرج ابن الأثير في "أسد الغابة" (٣) في ترجمة رافع بن عمرو: أخبرنا عمر بن محمد بن المعمر بن طبرزد وغيره، قالوا: أنا أبو القاسم بن الحصين، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد البزار، أخبرنا أبو بكر الشافعي، أخبرنا محمد بن يحيى بن سليمان، أخبرنا عاصم بن علي، أخبرنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ابن أبي الحكم الغفاري، حدثني جدي، عن رافع بن عمرو الغفاري، قال: كنت وأنا غلام أرمي نخل الأنصار، الحديث، وقال: وهو أخو الحكم بن عمرو الغفاري، وليسا من غفار، وإنما هما من نعيلة أخي غفار، إلَّا أنهما نسبا إلى غفار، سكن البصرة.
(قال: كنت غلامًا أرمي نخل الأنصار، فأتي بي النبي ﷺ )، وزاد في رواية "أسد الغابة": "فقيل للنبي ﷺ : إن ها هنا غلامًا يرمي النخل، أو يرمي نخلنا فأتي".
(فقال) أي رسول الله ﷺ : (يا غلام)، وفي رواية ابن ماجه: وقال
стр. 5572
لِمَ تَرْمِي النَّخْلَ"؟ قَالَ (١): آكُلُ، قَالَ: "فَلَا تَرْمِي النَّخْلَ وَكُلْ مِمَّا يَسْقُطُ (٢) فِي أَسْفَلِهَا"، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَشْبعْ بَطْنَهُ". [ت ١٢٨٨، جه ٢٢٩٩، حم ٥/ ٣١، ق ١/ ٢ - ٣]
(٨٩) بَابٌ: فِيمَنْ قَالَ: لَا يَحْلُب
٢٦٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن نَافِعٍ، عن (٣) ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ
===
ابن كاسب: يا بني (لم ترمي النخل؟ قال: آكل)، وفي "أسد الغابة": قال: قلت: ... ، (قال: فلا ترمي)، وفي "أسد الغابة": "فلا ترم" بحذف الياء، وهو الموافق للقواعد، وهكذا في رواية "الترمذي" و"مسند أحمد" بإسقاط الياء، وفي رواية ابن ماجه بالياء، كما في أبي داود (النخل) لأنه يسقط النِّيء والنضيج (وكل مما يسقط في أسفلها) وهذا محمول على ما عرف من الإذن فيما سقط في أسافلها عند البعض، وقال بعضهم: هو محمول على حالة الاضطرار (ثم مسح رأسه، فقال: اللَّهُم أشبع بطنه)، وفي رواية "الترمذي" (٤): "وَكُلْ ما وقع، أشبعك الله وأرواك".
(٨٩) (بَابٌ: فِيمَنْ قَالَ: لَا يَحْلُبُ)
ماشية الغير بغير إذنه
٢٦٢٣ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه، أيحب أحدكم
стр. 5573
أَنَّ تُؤْتَى مَشْرَبَتُهُ فَتُكْسَرَ خزَانَتُهُ فَيُنْتَثَلَ (١) طَعَامُهُ؟ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَواشِيهُمْ أَطْعِمَتَهُمْ (٢)، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ". [خ ٢٤٣٥، م ١٧٢٦، جه ٢٣٠٢]
(٩٠) بَابٌ: فِي الطَّاعَةِ
٢٦٢٤ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾
===
أن تؤتى مشربته) هو بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الراء وضمها، الغرفة يوضع فيها المتاع (فتكسر خزانته) بالكسر ولا يفتح، موضع يخزن فيه المال ويحرز (فينتثل) بالثاء المثلثة، أي يستخرج (طعامه) معنى الكلام أيحب أحدكم أن يأتي السارق مشربته، فيكسر خزانته، ويستخرج طعامه، ويذهب به؟ فكما لا يحب ذلك، ينبغي أن لا يحب لغيره مثل ذلك (فإنما تخزن) أي تحرز (لهم) للناس (ضروع مواشيهم أطعمتهم) جمع طعام وهو اللبن، فهو طعام وشراب (فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلَّا بإذنه).
(٩٠) (بَابٌ فِي الطَّاعَةِ)
٢٦٢٤ - (حدثنا زهير بن حرب، نا حجاج قال: قال ابن جريج: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾) (٣) أي: قرأ ابن جريج
стр. 5574
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ، أَخْبَرَنِيهُ يَعْلَى، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ. [خ ٤٥٨٤، م ١٨٣٤، ت ١٦٧٢، ن ٤١٩٤، ك ٢/ ١١٤، حم ١/ ٣٣٧]
===
هذه الآية، فقال (عبد الله بن قيس بن عدي) هو عبد الله بن حذافة بن قيس ابن عدي بن سعيد بن سعد بن سهم القرشي السهمي أبو حذافة، من السابقين الأولين، يقال: شهد بدرًا، وفي "صحيح البخاري": عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) في عبد الله بن حذافة، بعثه النبي ﷺ في سرية، هكذا قال الحافظ في "الإصابة" (٢).
وأما ما وقع في "البخاري" (٣) من حديث الأعمش، حدثني سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁ قال: "بعث النبي ﷺ سرية، واستعمل عليها رجلًا من الأنصار"، فوصفه بالأنصارية مخالف لما تقدم من كونه سهميًا قرشيًا، فحمله بعضهم على تعدد القصة، وإليه مال ابن القيم (٤)، وأما ابن الجوزي فقال: قوله: "من الأنصار" وهم من بعض الرواة، وإنما هو سهمي، وقد رواه شعبة عن زبيد اليامي، عن سعد بن عبيدة فقال: "رجلًا" ولم يقل من الأنصار، ولم يسمه، قاله الحافظ في "الفتح" (٥).
وقوله: "عبد الله بن قيس" مبتدأ، وقوله: (بعثه النبي ﷺ في سرية) خبره، وبعث هذه السرية كانت سنة تسع (أخبرنيه) وهذا قول ابن جريج (يعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس).
стр. 5575
٢٦٢٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أَنَا شُعْبَةُ، عن زُبَيْدٍ، عن سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ السُّلَمِيِّ، عن عَلِيٍّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وُيطِيعُوا، فَأَجَّجَ نَارًا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقْتَحِمُوا فِيهَا، فَأَبَى قَوْمٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالُوا: إِنَّمَا فَرَرْنَا مِنَ النَّارِ، وَأَرَادَ قَوْمٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "لَوْ دَخَلُوا (١) فِيهَا لَمْ يَزَالُوا فِيهَا"،
===
٢٦٢٥ - (حدثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن زبيد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي: أن رسول الله ﷺ بعث جيشًا وأمَّر عليهم رجلًا (٢) وأمرهم أن يسمعوا له) أي: لأميرهم (ويطيعوا) فأغضبهم في أمر، وفي بعض الروايات: "كانت فيه دعابة".
(فأجَّج) أي أوقد (نارًا وأمرهم أن يقتحموا) أي: يدخلوا (فيها) لما أن رسول الله ﷺ أمركم بالسمع والطاعة لي (فأبى قوم أن يدخلوها، وقالوا: إنما فررنا من النار) أي: إنما فررنا من الكفر لأجل النار، فكيف ندخلها؟
(وأراد قوم أن يدخلوها، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال) أي رسول الله ﷺ : (لو دخلوا فيها لم يزالوا فيها)، وفي رواية البخاري: "ما خرجوا منها إلى يوم القيامة". وفي رواية حفص: "ما خرجوا منها أبدًا"، يعني أن الدخول فيها معصية، والعاصي يستحق النار.
ويحتمل أن يكون المراد: لو دخلوها، مستحلِّين لما خرجوا منها أبدًا، وعلى هذا ففي العبارة نوع من أنواع البديع، وهو الاستخدام، لأن الضمير في قوله: "لو دخلوها" للنار التي أوقدوها، فالضمير في قوله: "ما خرجوا منها أبدًا" لنار الآخرة، لأنهم ارتكبوا ما نهوا عنه من قتل أنفسهم.
стр. 5576
وَقَالَ: "لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ". [خ ٧١٤٥، م ١٨٤٠، ن ٤٢٠٥، حم ١/ ٨٢]
٢٦٢٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عن عَبْدِ اللَّهِ، عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ". [خ ٧١٤٤، م ١٨٣٩، ت ١٧٠٧، ن ٤٢٠٦، جه ٢٨٦٤، حم ٢/ ١٧]
٢٦٢٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، نَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عن بِشْرِ بْنِ عَاصِمٍ،
===
ويحتمل - وهو الظاهر - أن الضمير للنار التي أوقدت لهم، أي: ظنوا أنهم إذا دخلوا بسبب طاعة أميرهم لا تضرهم، فأخبر النبي ﷺ أنهم لو دخلوا فيها لاحترقوا فماتوا فلم يخرجوا.
(وقال: لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) أي: فيما يوافق الشرع لا في المعصية، وإلقاء النفس في النار بالقصد معصية، فلا طاعة فيها.
٢٦٢٦ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن عبيد الله، حدثني نافع، عن عبد الله) ابن عمرو، (عن رسول الله ﷺ أنه قال: السمع والطاعة) للأمير (على المرء المسلم فيما أحب وكره) أي: واجب (ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) لأحد.
٢٦٢٧ - (حدثنا يحيى بن معين، نا عبد الصمد بن عبد الوارث، نا سليمان بن المغيرة، نا حميد بن هلال، عن بشر بن عاصم) الليثي، قال النسائي: ثقة، وهو أخو نصر بن عاصم، قلت: لم ينسبه النسائي إذ وثقه، وزعم ابن القطان أن مراده بذلك الثقفي، وأن الليثي مجهول الحال،
стр. 5577
عن عُقْبَةَ بْنِ مَالِكٍ - مِنْ رَهْطِهِ - قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً فَسَلَّحْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ سَيْفًا، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: لَوْ رَأَيْتَ مَا لَامَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ! قَالَ: "أَعَجَزْتُمْ إِذْ بَعَثْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ، فَلَمْ يَمْضِ لأَمْرِي أَنْ تَجْعَلُوا مَكَانَهُ مَنْ يَمْضِي لأَمْرِي؟ ". [حم ٤/ ١١٠]
===
وذكر ابن حبان في "الثقات" الليثي، (عن عقبة بن مالك) الليثي، عداده في أهل البصرة، قلت: ذكر مسلم في "الوحدان" أنه تفرد بالرواية عنه بشر بن عاصم، وكذا قال الأزدي وأبو صالح المؤذن، صحابي له حديث واحد (من رهطه) أي من قبيلة بشر بن عاصم، وهذا يؤيد أن بشر بن عاصم ليثي.
(قال: بعث النبي ﷺ سرية، فسلَّحت رجلًا منهم سيفًا) (١)، قال في "القاموس": وسلحته السيف: جعلته سلاحه، انتهى. وهي من باب التفعيل (فلما رجع) ذاك الرجل من السرية (قال) لي ذاك الرجل: (لو رأيت ما لامنا) من اللوم (رسول الله ﷺ )، وجزاء "لو" محذوف، أي: لو رأيت ما لامنا رسول الله ﷺ على عجزنا وتقصيرنا في ترك التأمير لرأيت أمرًا عجيبًا.
(قال) أي رسول الله ﷺ : (أعجزتم إذ بعثت رجلًا منكم) أميرًا (فلم يمض لأمري أن) تعزلوه و (تجعلوا مكانه من يمضي لأمري؟ ).
والذي يجب التنبيه عليه ها هنا أن ما روى بشر بن عاصم عن عقبة بن مالك هما قصتان، إحداهما: ما رواه أبو داود وأحمد في "مسنده" (٢): "لو رأيت ما لامنا رسول الله ﷺ " الحديث. والقصة الثانية: ما أخرجه النسائي والبغوي وابن حبان (٣) وغيرهم بسندهم عن بشر بن عاصم عن عقبة بن مالك في قتل من قال: إني مسلم، وهاتان القصتان مختلفتان، فالأولى في عزل الأمير لما لم يمض لأمر رسول الله ﷺ ، والثانية في قصة قتل المؤمن، فلا تعلق لإحداهما
стр. 5578
(٩١) بَابُ مَا يُؤْمَرُ مِن انْضِمَامِ الْعَسْكَرِ وَسَعَتِهِ
٢٦٢٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ وَيزِيدُ بْنُ قُبَيْسٍ - مِنْ أَهْلِ جَبَلَةَ سَاحِلِ حِمْصَ، وَهَذَا لَفْظُ يَزِيدَ - قَالَا، نَا الْوَلِيدُ (١)، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ، أَنَّهُ سَمِعَ مُسْلِمَ بْنَ مِشْكَمٍ
===
بالأخرى، وقد خفي ذلك على صاحب "عون المعبود" (٢)، فغلط في ذلك، وأدخل إحداهما في الأخرى.
ونبَّه الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (٣) على ذلك، فإنه أخرج القصتين، ثم قال بعد تخريجهما: قلت: وهذا يرد على من زعم أنه ليس له إلَّا حديث واحد، ولعل منشأ غلط صاحب "العون" هذا القول، والله تعالى أعلم.
(٩١) (بَابُ مَا يُؤْمَرُ مِن انْضِمَامِ الْعَسْكَرِ وَسَعَتِهِ)
لفظ: "وسعته" ليس في أصل المكتوبة الأحمدية ولا القادرية، ولكن كتب بعض المصححين بين السطور، وليس في المصرية ولا الكانفورية
٢٦٢٨ - (حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي ويزيد بن قبيس) مصغرًا (من أهل جبلة ساحل حمص)، قال السمعاني في "الأنساب" (٤): وأما الجبلي المعروف بهذه النسبة إلى جبلة، وهي بلدة من بلاد الشام قريبة من حمص مما يلي تلك السواحل فيما أظن (وهذا) أي المذكور (لفظ يزيد، قالا نا الوليد) بن هشام كما في نسخة.
(عن عبد الله بن العلاء، أنه سمع مسلم بن مِشْكم) بكسر الميم وسكون
стр. 5579
أَبَا عُبَيْدِ الله يَقُولُ، حَدَّثَنَا أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ: "كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا - قَالَ عُمَرو: كَانَ النَّاسُ إِذَاَ نَزَلَ رَسُولُ الله ﷺ مَنْزِلًا - تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ"، فَلَمْ يَنْزِلْ
===
المعجمة وفتح الكاف، الخزاعي المقرئ، أبو عبد الله الدمشقي، كاتب أبي الدرداء، قال أبو مسهر: لم يكن في حد العلماء، وكان ثقة، وقال العجلي: شامي ثقة من خيار التابعين، وقال دحيم ويعقوب بن سفيان: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وغفل ابن حزم، فقال في "المحلى": إنه مجهول، وهو رد عليه.
(أبا عبيد الله) هكذا بالتصغير في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندي، وفي "الخلاصة" (١). وأما في "تهذيب التهذيب" و"التقريب" فأبو عبد الله مكبر، والصواب بالتصغير، فإن الدولابي صاحب "الكنى" (٢) قال في باب من كنيته أبو عبيد الله: أبو عبيد الله مسلم بن مشكم.
(يقول: حدثنا أبو ثعلبة الخشني) بضم المعجمة الأولى، وفتح الشين المعجمة، بعدها نون، هذه النسبة إلى بطن من قضاعة، وهو خشين بن نمر بن دبرة، منهم أبو ثعلبة الخشني، صحابي مشهور بكنيته، واختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا (قال: كان الناس إذا نزلوا منزلًا، قال عمرو) بن عثمان: (كان الناس إذا نزل رسول الله ﷺ منزلًا) وكانوا معه (تفرقوا في الشعاب والأودية) فينزلون متفرقين.
(فقال رسول الله ﷺ : إن تفرقكم في الشعاب والأودية إنما ذلكم) أي: التفرق (من الشيطان) والاجتماع من الرحمن (فلم ينزل) وفي نسخة: "فلم ينزلوا"، ففي الأول الضمير إلى رسول الله ﷺ ، وفي الثاني إلى الناس
стр. 5580
بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يُقَالَ: لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ". [حم ٤/ ١٩٣، ق ٩/ ١٥٢، ك ٢/ ١١٥]
٢٦٢٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عن أَسِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْخَثْعَمِيِّ، عن فَرْوَةَ بْنِ مُجَاهِدٍ اللَّخْمِيِّ، عن سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ، عن أَبِيهِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ كَذَا وَكَذَا، فَضَيَّقَ النَّاسُ الْمَنَازِلَ، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، فَبَعَثَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي النَّاسِ "أَنَّ مَنْ ضَيَّقَ مَنْزِلًا أَوْ قَطَعَ
===
(بعد ذلك منزلًا إلَّا انضم بعضهم إلى بعض، حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمَّهم) أي: لشملهم.
٢٦٢٩ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا إسماعيل بن عياش، عن أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة مكبرًا (ابن عبد الرحمن الخثعمي) الرملي، قال يعقوب بن سفيان: شامي ثقة، قال أبو زرعة: روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الجهاد، وقال أحمد بن صالح: من وجوه خثعم، من ثقات أهل الشام.
(عن فروة بن مجاهد) أبو مجالد (اللخمي) مولاهم الفلسطيني الأعمى، قال البخاري: فروة بن مجالد كان يسكن "كفر عنا" ولم أجد ذكر "كفر عنا" في "معجم البلدان"، وكانوا لا يشكون أنه من الأبدال، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وكذا سمى أباه مجالدًا أبو حاتم، وقال: روى عن النبي ﷺ مرسلًا، وقال ابن عبد البر في الصحابة: فروة بن مجالد مولى لخم، أكثرهم يجعل حديثه مرسلًا.
(عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه) معاذ بن أنس (قال: غزوت مع نبي الله ﷺ غزوة كذا وكذا)، وهكذا في رواية أحمد في "مسنده" غير مسمى، (فضيق الناس المنازل، وقطعوا الطريق) أي: وسدوا الطريق فلم يبق للناس مجال أن يخرجوا من منازلهم، ويرجعوا إليها بسبب تضييق المنازل.
(فبعث رسول الله ﷺ مناديًا ينادي في الناس: أن من ضيق منزلًا أو قطع)
стр. 5581
طَرِيقًا فَلَا جِهَادَ لَهُ". [حم ٣/ ٤٤٠، ق ٩/ ١٥٢]
٢٦٣٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، نَا بَقِيَّةُ، عن الأَوْزَاعِيِّ، عن أَسِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن فَرْوَةَ بْنِ مُجَاهِدٍ، عن سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ (١) ﷺ ، بِمَعْنَاهُ. [ق ٩/ ١٥٢]
(٩٢) بَابٌ: فِي كَرَاهِيَّةِ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ
٢٦٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى، نَا (٢) أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَّارِيُّ، عن مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عن سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَكَانَ كَاتِبًا لَهُ
===
أي: سدَّ (طريقًا فلا جهاد له)، فاللازم على الجماعة النازلة في السفر أن يتخذوا طريقًا، وينزلوا بجانبيه لئلا يتضيق الناس في الخروج من المنازل والرجوع إليها.
٢٦٣٠ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا بقية، عن الأوزاعي، عن أسيد بن عبد الرحمن، عن فروة بن مجاهد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه قال: غزونا مع نبي الله ﷺ بمعناه).
(٩٢) (بَابٌ: فِي كَراهِيَةِ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ)
٢٦٣١ - (حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى، نا أبو إسحاق الفزاري، عن موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله) بن معمر التيمي، وكان أميرًا على حرب الخوارج (وكان) أي: سالم (كاتبًا له) ظاهر السياق يومئ إلى أن ضمير "له" يعود إلى عمر بن عبيد الله، ولكن قال الحافظ (٣): قوله: "وكان كاتبًا له"، أي: إن سالمًا كان كاتب عبد الله بن أبي أوفى.
стр. 5582
قَالَ: كَتَبَ إَليْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى
===
وقال العيني (١): قوله: "وكان كاتبه"، أي كان سالم كاتب عبد الله بن أبي أوفى، وقد سها الكرماني سهوًا فاحشًا حيث قال: وكان سالم كاتب عمر بن عبيد الله، وليس كذلك، بل الصواب ما ذكرنا، انتهى.
ورد [القسطلاني] (٢) على الحافظ ابن حجر والعلامة العيني فقال: وكان أي سالم كاتبًا لعمر بن عبيد الله، وفي "الفرع": كان كاتبه، قاله الكرماني وتبعه البرماوي، وقد وقع التصريح بذلك في "باب لا تتمنوا لقاء العدو" من رواية يوسف بن موسى عن عاصم بن يوسف اليربوعي، عن أبي إسحاق الفزاري، قال فيها: حدثني سالم أبو النضر: "كنت كاتبًا لعمر بن عبيد الله"، فحينئذ قول الحافظ ابن حجر: قوله: وكان كاتبه، أي: أن سالمًا كان كاتب عبد الله بن أبي أوفى سهو، وتبعه فيه العلامة العيني، وزاد فقال: وسها الكرماني سهوًا فاحشًا حيث قال: وكان سالم كاتب عمر بن عبيد الله، وليس كذلك. بل الصواب ما ذكرنا أي من كونه كاتب عبد الله بن أبي أوفى، انتهى.
قلت: لم أقف على مستندهما أن سالمًا كان كاتبًا لعبد الله بن أبي أوفى، فإن ثبت ذلك بسند فيمكن أن يجمع بينهما بأن سالمًا كان كاتبًا لعبد الله بن أبي أوفى أولًا، ولكن لم يرو عنه حديثًا، ثم صار كاتبًا لعمر بن عبيد الله، فروى عن عبد الله بن أبي أوفى مكاتبة أو وجادة، فلهذا قال الدارقطني: إنه لم يسمع أبو النضر من ابن أبي أوفى، أي لم يسمع هذا الحديث، أو لم يسمع حديثًا، لأنه لم يرو عنه شيئًا غير هذا الحديث الذي رواه بطريق المكاتبة، فعلى هذا يرتفع الاختلاف، والله تعالى أعلم.
(قال) أي سالم: (كتب إليه) أي إلى عمر بن عبيد الله (عبد الله بن أبي أوفى)، قال الحافظ (٣): الضمير لعمر بن عبيد الله، قال الدارقطني في
стр. 5583
حِينَ خَرَجَ إِلى الْحَرُوْرِيَّةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (١) فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا (٢) اللَّهَ الْعَافِيَةَ،
===
"التتبع": أخرجا حديث موسى بن عقبة عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله قال: "كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى فقرأته"، قال: وأبو النضر لم يسمع من ابن أبي أوفى، فهو حجة في رواية المكاتبة.
وتعقب بأن شرط الرواية بالكتابة عند أهل الحديث أن تكون الرواية صادرة إلى المكتوب إليه، وابن أبي أوفى لم يكتب إلى سالم، إنما كتب إلى عمر بن عبيد الله، فعلى هذا تكون رواية سالم له عن عبد الله بن أبي أوفى من صورة الوجادة.
ويمكن أن يقال: الظاهر أنه من رواية سالم عن مولاه عمر بن عبيد الله بقراءته عليه - لأنه كان كاتبه - عن عبد الله بن أبي أوفى أنه كتب إليه، فيصير حينئذ من صور المكاتبة.
وفيه تعقب على من صنف في رجال الصحيحين فإنهم لم يذكروا لعمر بن عبيد الله ترجمة، وقد ذكره ابن أبي حاتم، وذكر له رواية عن بعض التابعين ولم يذكر فيه جرحًا (حين خرج) أي عمر بن عبيد الله (إلي الحرورية) نسبة إلى حروراء بفتحتين وسكون الواو وراء أخرى وألف ممدودة، قرية بظاهر الكوفة، وقيل: موضع على ميلين منها، نزل بها الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب، فنسبوا إليها.
(أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه) أي: غزواته (التي لقي فيها العدو قال) أي رسول الله ﷺ : (يا أيها الناس! لا تتمنوا لقاء العدو) فإن هذا التمني إعجاب واعتماد منكم على أنفسكم (وسلوا الله العافية) فإنه الحافظ والناصر،
стр. 5584
فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ". ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، مُجْرِيَ السَّحَابِ، وهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ". [خ ٣٠٢٥، م ١٧٤٢]
(٩٣) بَابُ مَا يُدْعَى عِنْدَ اللِّقَاءِ
٢٦٣٢ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنِي أَبِي، نَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (١) ﷺ
===
وعليه فليتوكل المتوكلون (فإذا لقيتموهم) أي الكفار (فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف).
قال القسطلاني (٢): أي أن ثواب الله والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله، وهو من المجاز البليغ؛ لأن ظل الشيء لما كان ملازمًا له، ولا شك أن ثواب الجهاد الجنَّة، فكان ظلال السيوف المشهورة في الجهاد تحتها الجنَّة، أي: ملازمها استحقاق ذلك، وخص السيوف لأنها أعظم آلات القتال وأنفعها.
(ثم قال) رسول الله ﷺ : (اللَّهُمَّ منزل الكتاب) أي القرآن أو جنس الكتاب (مجري السحاب، وهازم الأحزاب) أي: جماعات الكفار، وإن كان هذا الغزو بعد الأحزاب، فالمراد بالأحزاب: التي اجتمعت على المدينة في غزوة الأحزاب (اهزمهم وانصرنا عليهم).
(٩٣) (بَابُ مَا يُدْعى عِنْدَ اللِّقَاءِ)، أي: بعد لقاء العدو
٢٦٣٢ - (حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبي) علي بن نصر (نا المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ
стр. 5585
إِذَا غَزَا قَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ". [ت ٣٥٨٤، سي ٦٠٤، حم ٣/ ١٨٤]
(٩٤) بَابٌ: فِي دُعَاءِ الْمُشْرِكِينَ
٢٦٣٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: "كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عن دُعَاءِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الْقِتَالِ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: أَنَّ ذَلِكَ (١) كَانَ فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ، وَقَدْ أَغَارَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ علَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ
===
إذا غزا قال: اللَّهُمَّ أنت عضدي) أجل العضد: هو ما بين الكتف والمرفق، والمراد ها هنا القوة والإعانة (ونصيري) أي: معيني (بك أحول) أي: أتحرك، وقيل: أحتال لدفع مكر الأعداء، وقيل: أدفع وأمنع من حال بينهما إذا منع أحدهما من الآخر (وبك أصول) أي: أسطو وأقهر، والصولة: الحملة والوثبة (وبك أقاتل) أي: بحولك وقوتك أقاتل.
(٩٤) (بَابٌ: فِي دُعَاءِ الْمُشْرِكِينَ)، أي: إلى الإسلام
هذه الترجمة مكررة، قد تقدم قبيل ذلك، ففي الأولى ذكر الدعوة إيجابًا، وههنا ذكرها نفيًا، إشارة إلى أن الدعوة على نوعين إذا علم أن الكفار بلغتهم الدعوة لا يجب أن يدعوا إلى الإسلام، ولكن يندب لهم الدعوة، وأما إذا لم يعلم فيجب أن يدعوا إلى الإسلام.
٢٦٣٣ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا إسماعيل بن إبراهيم، أن ابن عون قال: كتبت إلى نافع) مولى ابن عمر (أسأله عن دعاء المشركين عند القتال) إلى الإسلام، (فكتب) نافع (إليَّ أن ذلك) أي: الدعاء (كان في أول الإسلام، وقد أغار نبي الله ﷺ بني المصطلق) بضم الميم وسكون المهملة الأولى وفتح الثانية
стр. 5586
وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى سَبْيَهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ"، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ (١). [خ ٢٥٤١، م ١٧٣٠، حم ٢/ ٣١، السنن الكبرى للنسائي ٨٥٨٥]
٢٦٣٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا ثَابِتٌ، عن أَنَسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُغِيرُ عِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَكَانَ يَتَسَمَّعُ، فَإِذَا سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ". [م ٣٨٢، ت ١٦١٨، دي ٢٤٤٥، حم ٣/ ١٣٢]
٢٦٣٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا سُفْيَانُ، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
===
وكسر اللام بعدها قاف، لقب جذيمة بن سعد بن عمرو، بطن من خزاعة، وقد تسمى غزوة بني المصطلق غزوة المريسيع، وكان ذلك سنة ست من الهجرة، وفيها سقط عقد عائشة.
(وهم) أي بنو المصطلق (غارون) أي: غافلون عن إغارة المسلمين (وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبق سبيهم) أي: ذراريهم (وأصاب يومئذ جويرية) تصغير جارية (بنت الحارث) من أمهات المؤمنين (حدثني بذلك عبد الله) بن عمر (وكان) عبد الله (في ذلك الجيش).
٢٦٣٤ - (حدثني موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا ثابت، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يغير) أي يريد الإغارة (عند صلاة الصبح) لأن ذلك وقت نوم وغفلة (وكان يتسمع) إلى صوت الأذان (فإذا سمع أذانًا أمسك) عن الإغارة عليهم، لأنه علم بذلك أنهم أو فيهم مسلمون (وإلَّا) أي إن لم يسمع الأذان (أغار) عليهم.
٢٦٣٥ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا سفيان، عن عبد الملك بن
стр. 5587
نَوْفَلِ بْن مُسَاحِقٍ، عن ابْنِ عِصَامٍ الْمُزَنِيِّ، عن أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ فَقَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمْ مَسْجِدًا أَوْ سَمِعْتُمْ مُؤَذِّنًا فَلَا تَقْتُلُوا أَحَدًا". [ت ١٥٤٩، حم ٣/ ٤٤٨]
(٩٥) بَابُ الْمَكْر فِي الْحَرْبِ
٢٦٣٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا سُفْيَانُ، عن عَمْرٍو، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْحَرْبُ خَدْعَةٌ". [خ ٣٠٣٠، م ١٧٤٠، ت ١٦٧٥، حب ٤٧٦٣، حم ٣/ ٢٩٧]
===
نوفل بن مساحق) بن عبد الله بن مخرمة، أبو نوفل، المدني، العامري عامر قريش، ذكره ابن حبان في "الثقات"، له عندهم حديث في نهي السرية أن يقتلوا من وجدوا عندهم مسجدًا، (عن ابن عصام المزني، عن أبيه).
قلت: قال علي بن المديني: إسناده مجهول، وابن عصام لم يعرف ولم ينسب، قال ابن عبد البر في ترجمة عصام: اسم أبيه عبد الرحمن، وسماه ابن سعد: عبد الله، وهو الصواب، ووقع لابن شاهين في "الصحابة" في رواية هذا الحديث: عن عبد الملك بن نوفل، عن عصام بن عبد الله المزني، عن أبيه، وكأنه انقلب على أحد رواته.
(قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية) لم أقف على تعيينها (فقال: إذا رأيتم مسجدًا) أي: في ديار العدو (أو سمعتم موذنًا) يؤذن فيها (فلا تقتلوا أحدًا) أي: غِرة وغفلة، لئلا يؤدي إلى قتل المسلم.
(٩٥) (بَابُ الْمَكْرِ فِي الْحَرْبِ)
المكر: حيلة يوقع به الآخر في الشر، وهو من الله تعالى تدبير خفي، وهو استدراجه بطول الصحة وظاهر النعمة.
٢٦٣٦ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا سفيان، عن عمرو، أنه سمع جابرًا، أن رسول الله ﷺ قال: الحرب خدعة)، يروى بضم خاء وفتحها مع سكون دال،
стр. 5588
٢٦٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا ابْنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عن أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى غَيْرَهَا، وَكَانَ يَقُولُ: "الْحَرْبُ خَدْعَةٌ" (١). [خ ٢٩٤٧، م ٢٧٦٩]
===
وبضمها مع فتح دال، فالأول معناه: ينقضي أمرها بخدعة، واحدة من الخداع، أي أن المقاتل إذا خدع مرة لم يكن لها إقالة، وهو أفصح الروايات وأصحها، ومعني الثاني: هو الاسم من الخداع، ومعنى الثالث: أن الحرب تخدع الرجال وتمنيهم، ولا تقي لهم كالضحكة لمن يكثر الضحك، روي أنه ﷺ قاله يوم الأحزاب لما بعث نعيم بن مسعود أن يخذل بين قريش وغطفان واليهود، يعني أن المماكرة في الحرب أنفع من المكاثرة، وظاهره إباحة الكذب فيها، لكن التعريض أولى "مجمع" (٢).
٢٦٣٧ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا ابن ثور) هكذا في النسخة المصرية والقادرية ونسخة "العون" والمكتوبة الأحمدية، ولكن كتب بعض المصححين أو القراء على حاشيتها: أبو ثور، فجمع في النسخة المجتبائية لفظة "الابن" و"أبو"، وهو محمد بن ثور الصنعاني أبو عبد الله العابد، وتقدمت ترجمته في محله، فما وقع في النسخة الكانفورية: أبو ثور، فليس بصحيح.
(عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه: أن النبي ﷺ كان إذا أراد غزوة) في جهة من الجهات (وَرَّى) من التورية (غيرها) أي: غير تلك الجهة، أي: ستره، وكنى عنه، فأوهم أنه يريد غيره من الوراء، أي: ألقى البيان وراء ظهره لئلا ينتهي خبره إلى مقصده فيستعدوا للقائه (وكان يقول: الحرب خدعة).
стр. 5589
(٩٦) بَابٌ: فِي الْبَيَاتِ
٢٦٣٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ وَأَبُو عَامِرٍ، عن عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، نَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: "أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ، فَغَزَوْنَا نَاسًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَبَيَّتْنَاهُمْ نَقْتُلُهُمْ (١) وَكَانَ شِعَارُنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَمِتْ أَمِتْ. قَالَ سَلَمَةُ: فَقَتَلْتُ بِيَدِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ سَبْعَةَ أَهْلِ أَبْيَاتٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ". [تقدَّم برقم ٢٥٩٦]
(٩٧) بَابٌ: فِي لُزُومِ السَّاقَةِ
٢٦٣٩ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ شَوْكَرٍ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ،
===
(٩٦) (بَابٌ: فِي الْبَيَاتِ) (٢)
وهو الهجوم على العدو بغتة ليلًا من غير أن يعلم، وفي الفارسية: "شب خون"
٢٦٣٨ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الصمد وأبو عامر) العقدي، (عن عكرمة بن عمار، نا إياس بن سلمة، عن أبيه) سلمة بن الأكوع (قال: أمَّر) من التفعيل (رسول الله ﷺ أبا بكر) على جيش في سرية قبل نجد إلى بني فزارة، وقد تقدم ذكرها قريبًا (فغزونا ناسًا من المشركين) أي من بني فزارة (فبيَّتناهم) أي: هجمنا عليهم ليلًا (نقتلهم، وكان شعارنا) أي: علامتنا (تلك الليلة: أَمِتْ أَمِتْ. قال سلمة: فقتلت بيدي تلك الليلة سبعة أهل أبيات) أي: سبعة عشائر (من المشركين).
(٩٧) (بَابٌ: فِي لُزُومِ السَّاقَةِ)، جمع سائق، وهم الذين يسوقون جيش الغزاة، ويكونون من ورائه يحفظونه
٢٦٣٩ - (حدثنا الحسن بن شوكر، حدثني إسماعيل بن علية،
стр. 5590
نَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُمْ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَخَلَّفُ فِي الْمَسِيرِ، فَيُزْجِي الضَّعِيفَ، وُيرْدِفُ، وَيَدْعُو لَهُمْ". [ق ٥/ ٢٥٧، ك ٢/ ١١٥]
(٩٨) بَابٌ: عَلَى مَا يُقَاتَلُ الْمُشْرِكُونَ ؟
٢٦٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلهَ إِلَّا اللَّه، فَإِذَا قَالُوهَا مَنَعُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ". [تقدَّم برقم ١٥٥٦]
===
نا الحجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير، أن جابر بن عبد الله حدثهم قال: كان رسول الله ﷺ يتخلف) أي يمشي خلف الناس (في المسير فيزجي) أي يسوق (الضعيف، ويردف) خلفه من عَتَبَ أو عَيِيَ ظهره (ويدعو لهم) أي للذين معهم أو لجميع المسلمين.
(٩٨) (بَابٌ: عَلَى مَا يُقَاتَلُ) ببناء المجهول (المُشْرِكُونَ؟ )
٢٦٤٠ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله) أي: حتى يسلموا (فإذا قالوها) أي: تلك الكلمة، وقبلوا الإسلام (منعوا مني دماءهم وأموالهم) لا يجوز التعرض لأموالهم ودمائهم (إلَّا بحقها) وهو الزنا بعد إحصان، وكفر بعد إسلام، وقتل نفس فيقتل بها، وحق المال زكاة السوائم والعشر وغيرها.
(وحسابهم على الله ومعنى قولهم: "وحسابهم على الله" أنهم إذا أسلموا في الظاهر يجري عليهم حكم الإسلام، وإن كانوا في الباطن على خلاف ذلك، فإذا كان باطنهم على خلاف ظاهرهم لا يتعرض لهم في الدنيا، ولكن يؤاخذ به في الآخرة، فيعاقبون عليه لأنهم منافقون، وإنما لم يذكر فيه
стр. 5591
٢٦٤١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيُّ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عن حُمَيْدٍ، عن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَسْتَقْبِلُوا قِبْلَتَنَا، وَأَنْ يَأْكُلُوا ذَبِيحَتَنَا، وَأَنْ يُصَلُّوا صَلَاتَنَا، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ". [خ ٣٩٢، ن ٥٠٠٣، ت ٢٦٠٨، حم ٣/ ١٩٩]
٢٦٤٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عن حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
===
الجزية، لأن المراد بالناس في قوله: "أقاتل الناس": مشركو العرب، فلا يقبل منهم جزية.
٢٦٤١ - (حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني) أبو بكر، قال أبو زرعة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال مسلمة والدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، (نا عبد الله بن المبارك، عن حميد، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا) أي: يولوا وجوههم في الصلاة إلى الكعبة (وأن يأكلوا ذبيحتنا) أي: يذبحوا بالتكبير فيأكلوا الذبيحة (وأن يصلوا صلاتنا) أي: الصلوات الخمسة.
(فإذا فعلوا ذلك) أي: قبلوا ذلك وأسلموا وانقادوا لجميع الشرائع (حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلَّا بحقها) أي بحق الدماء والأموال (لهم) من الفيء والغنيمة في الدنيا، والأجر والثواب في الآخرة (ما للمسلمين) أي لجميع المسلمين (وعليهم) أي: ويلزم عليهم من العقوبة في الدنيا والآخرة (ما على المسلمين).
٢٦٤٢ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال:
стр. 5592
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ" بِمَعْنَاهُ. [ت ٢٦٠٨، حم ٣/ ١٩٩، قط ١/ ٢٣٢، ق ٢/ ٣]
٢٦٤٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، الْمَعْنَى، قَالَا، نَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي ظَبْيَانَ، نَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إِلى الْحُرَقَاتِ، فَنَذِرُوا بِنَا، فَهَرَبُوا، فَأَدْرَكْنَا رَجُلًا، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللَّه، فَضَرَبْنَاهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ، فَذَكَرْتُهُ للنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ:
===
قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل المشركين) من العرب (بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم.
٢٦٤٣ - (حدثنا الحسن) بن علي (وعثمان بن أبي شيبة، المعنى) أي معنى حديثيهما واحد (قالا: نا يعلي بن عبيد، عن الأعمش، عن أبي ظبيان) حصين بن جندب بن الحارث بن وحشي بن مالك الجنبي الكوفي، قال ابن معين والعجلي وأبو زرعة والنسائي والدارقطني: ثقة، (نا أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله ﷺ سرية (١) إلى الحرقات) بضم الحاء وفتح الراء المهملتين ثم قاف، اسم لقبائل من جهينة، كذا في "فتح الودود"، وفي "معجم البلدان" (٢): بضمتين وقاف وآخره تاء فوقها نقطتان: موضع (٣).
(فنذروا) أي علموا (بنا) أي بهجومنا (فهربوا، فأدركنا رجلًا) سمَّاه ابن هشام في "سيرته" (٤): مرداس بن نهيك (فلما غشيناه) أي: علونا عليه (قال: لا إله إلَّا الله، فضربناه) بالسيف (حتى قتلناه، فذكرته للنبي ﷺ ، فقال)
стр. 5593
"مَنْ لَكَ بلَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قَالَهَا مَخَافَةَ السِّلَاحِ، قَالَ: "أَفَلَا شَقَقْتَ عن قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَهَا أَمْ لَا؟ مَنْ لَكَ بِلَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ "، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا (١) حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أُسْلِمْ إِلَّا يَوْمَئِذٍ. [خ ٤٢٦٩، م ٩٦، ق ٨/ ١٩]
٢٦٤٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عن اللَّيْثِ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عَطَاءِ بْنِ يَزيدَ اللَّيْثِيِّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، عن الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ
===
النبي ﷺ : (من لك) أي: من المنجي لك أو المُعين لك (بلا إله إلَّا الله يوم القيامة؟ ) أي إذا جاء لا إله إلَّا الله ممثلًا بصورة مخاصم ويخاصمك.
(فقلت: يا رسول الله! إنما قالها) أي قال ذلك الرجل تلك الكلمة (مخافة السلاح، قال) النبي ﷺ : (أفلا) وفي رواية "البخاري" و"مسلم": "فهلا" (شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك) أي الخوف (قالها أم لا؟ )، والحاصل أن الاطلاع على ما في قلبه غير ممكن، وإن كان بالشق عن القلب، فلما لم يمكن الاطلاع على الباطن، فكيف قتلته على ظنك الفاسد.
(من لك بلا إله إلَّا الله يوم القيامة؟ ) كرره تهويلًا لشأن القتل بعد ظهور الإسلام (فما زال يقولها) تهويلًا وسدًا للباب على الآخرين (حتى وددت أني لم أسلم إلَّا يومئذ) أي: من شدة تهديده، لأن الإسلام يهدم ما كان قبله.
٢٦٤٤ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، عن المقداد بن الأسود (٢)، أنه أخبره، أنه قال: يا رسول الله! أرأيت) أخبرني (إن لقيت رجلًا من الكفار) في
стр. 5594
فَقَاتَلَنِي (١) فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ للَّهِ، أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقْتُلْهُ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ قَطَعَ يَدِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ". [خ ٦٨٦٥، م ٩٥، السنن الكبرى للنسائي ٨٥٩١]
===
مقاتلتهم (فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف) أي: فقطعها (ثم لاذ) فعل ماض من لاذ يلوذ، أي: عاذ واعتصم (مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ ) أي تلك الكلمة، وهي: "أسلمت لله".
(قال رسول الله ﷺ : لا تقتله)، قال القاري (٢): يستفاد من نهيه عن القتل والتعرض له ثانيًا بعد ما كرر أنه قطع إحدى يديه أن الحربي إذا جنى على مسلم، ثم أسلم لم يؤاخذ بالقصاص، إذ لو وجب لرخص في قطع إحدى يديه قصاصًا.
(فقلت: يا رسول الله! انه قطع يدي، فقال رسول الله ﷺ : لا تقتله، فإن قتلته) بعد ما تكلم بالإسلام (فإنه بمنزلتك) في عصمة الدم (قبل أن تقتله) أي قبل قتلك إياه (وأنت) في إباحة الدم (بمنزلته) أي بمنزلة ذلك الرجل (قبل أن (٣) يقول كلمته التي قال) وهي كلمة الإسلام.
قال القاري (٤): قوله: "فإنه بمنزلتك" لأنه صار مسلمًا معصوم الدم قبل أن فعلت فعلتك التي أباحت دمك قصاصًا، والمعنى كما كنت قبل قتله مَحْقُونُ الدم بالإسلام، كذلك هو بعد الإسلام، وقوله: "أنت بمنزلته"، لأنك صرت
стр. 5595
(١)
٢٦٤٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن إِسْمَاعِيلَ، عن قَيْسٍ، عن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إِلى خَثْعَمٍ، فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ، فَأَسْرَعَ فِيهِم الْقَتْلَ، قَالَ - أَي جَرِيْرٌ -: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ، وَقَالَ: "أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ
===
مباح الدم، كما هو مباح الدم قبل الإسلام، لكن السبب مختلف، لأن إباحة دم القاتل بحق القصاص، وإباحة دم الكافر بحق الإسلام.
٢٦٤٥ - (حدثنا هناد بن السري، نا أبو معاوية، عن إسماعيل) بن أبي خالد، (عن قيس) بن أبي حازم، (عن جرير بن عبد الله قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى خثعم)، قال في "القاموس": خثعم كجعفر: جبل، وأهله خثعميون، وابن أنمار: أبو قبيلة من مَعَدٍّ (فاعتصم ناس منهم) أي: من أهل خثعم (بالسجود) عن القتل بأنهم ظنوا أن المسلمين إذا رأونا ساجدين تيقنوا بإسلامنا فلا يقتلوننا، فلم يلتفت المسلمون إلى سجودهم.
(فأسرع فيهم القتل) أي: فشا وشاع (قال -أي جرير-: فبلغ ذلك) أي خبر قتلهم (النبي ﷺ فأمر لهم) أي: لعصباتهم وورثتهم (بنصف العقل) (٢)، لأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين الكفرة، فكانوا كمن هلك بفعل نفسه وفعل غيره، فسقط حصة جنايته (وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر
стр. 5596
الْمُشْرِكِينَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ؟ قَالَ: "لَا تَرَايَا (١) نَارَاهُمَا". [ت ١٦٠٤، ق ٩/ ١٤٢]
===
المشركين) ولفظ أظهر مقحم.
(قالوا: يا رسول الله! لم؟ ) أي: لم سقط نصف الدية، أو لم برئت من مسلم يقيم بين أظهر المشركين؟ (قال: لا ترايا) (٢) من باب التفاعل من الرؤية، يقال: تراءى القوم، إذا رأى بعضهم بعضًا، وإسناد الترائي إلى النار مجاز، وأصله تتراءى، فحذف إحدى التائين تخفيفًا (ناراهما).
قال الخطابي (٣): في معناه ثلاثة وجوه، قيل: معناه لا يستوي حكمهما، وقيل: معناه أن الله فرق بين داري الإسلام والكفر، فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم، حتى إذا أوقدوا نارًا كان منهم بحيث يرى نارهم، ويرون ناره إذا أوقدت، وقيل: معناه لا يتسم المسلم بسمة المشرك ولا يشبه به في هديه وشكله.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀: قوله: لم يا رسول الله؟ الظاهر أنهم سألوا عن وجه التبري، ويمكن أن يكون السؤال عن وجه سقوط النصف من العقل، وأما وجوب الدية فكان ظاهرًا لأنهم مسلمون، وعلى كل من التوجيهين ينطبق الجواب، يعني إنما برئت، لأنهم خالفوا الواجب عليهم، حيث أمرتهم أن يكونوا من الكفار بحيث لا تتراءى ناراهما، أو إنما سقط النصف من دياتهم، لأنهم تسببوا لقتلهم، حيث أقاموا فيهم مع ما أمروا بالبعد عنهم، فكان قتلهم مضافًا إلى علتين:
أولاهما: قلة حزم القاتلين حيث لم يتثبتوا أمرهم، والثانية: إقامتهم في مقام المشركين، ومن ها هنا تستنبط مسألة وهي أن الفارسين إذا تصادما وماتا، فعلى القاتل منهما للمقتول نصف الدية، لأنه إنما هلك بقلة حزمه وقلة حزم صاحبه، فسقط من ديته حصته.
стр. 5597
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ مَعْمَرٌ وَهُشَيْمٌ (١) وَخَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ وَجَمَاعَةٌ لَمْ يَذْكُرُوا جَرِيرًا.
===
(قال أبو داود: رواه معمر وهشيم وخالد الواسطي (٢) وجماعة لم يذكروا جريرًا) أي: رووه مرسلًا، وأخرجه الترمذي في "باب ما جاء في الكراهية في المقام بين أظهر المشركين" فأخرج حديث أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم مسندًا، ثم أخرج من حديث عبدة، عن إسماعيل بن أبي خالد مثل حديث أبي معاوية، وقال: لم يذكر فيه عن جرير، وهذا أصح، ثم قال: وأكثر أصحاب إسماعيل قالوا: عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم: أن رسول الله ﷺ بعث سرية، ولم يذكروا فيه عن جرير، وروى حماد بن سلمة، عن الحجاج بن أرطاة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير مثل حديث أبي معاوية، وسمعت محمدًا يقول: الصحيح حديث قيس، عن النبي ﷺ مرسلًا، انتهى.
قلت: ولم أجد في السير ذكر هذه السرية سرية خثعم، إلَّا ما ذكره القسطلاني في "المواهب" (٣) والدياربكري في "تاريخ الخميس" (٤) بأنه أمَّر قطبة بن عامر بن حديدة على عشرين رجلًا، وبعثه إلى قبيلة خثعم بناحية بيشة [قريبًا] من تربة بضم التاء وفتح الراء من أعمال مكة سنة تسع، وأمره أن يشنوا الغارة عليهم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعًا، وقتل قطبة من قتل، وساقوا الإبل والغنيمة إلى المدينة.
стр. 5598
(٩٩) بَابٌ: فِي التَوَلِّي يَوْم الزَّحْفِ
٢٦٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عن جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عن الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشْرَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُ جَاءَ تَخْفِيفٌ (١) فَقَالَ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ قَرَأَ أَبُو تَوْبَةَ إِلى قَوْلِهِ: (٢) ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾،
===
(٩٩) (بَابٌ: فِي التَّوَلِّي (٣) يَوْمَ الزَّحْفِ)
٢٦٤٦ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، نا ابن المبارك، عن جرير بن حازم، عن الزبير بن خريت، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾) أي: لا يجوز لهم أن يفروا من عشرة أمثالهم، ويجب عليهم أن يثبتوا لهم صابرين (فشق ذلك) وصعب (على المسلمين حين فرض الله عليهم أن لا يفر) مسلم (واحد من عشرة) كفار.
(ثم إنه جاء) أي نزل (تخفيف) من ربهم (فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾، قرأ أبو توبة إلى قوله: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾) وتمام الآية: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤).
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: يعني بذلك علم الظهور، فإن العلم وإن كان حاصلًا له تعالى من قبل، لكنه لم يتعلق بالحادث
стр. 5599
قَالَ: فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْعِدَّةِ (١) نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خَفَّفَ عَنْهُمْ". [خ ٤٦٥٢]
٢٦٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً، فَكُنْتُ فِيمَنْ حَاصَ، فَلَمَّا بَرَزْنَا قُلْنَا: كَيْفَ نَصْنَعُ وَقَدْ فَرَرْنَا مِنَ الزَّحْفِ، وَبُؤْنَا بِالْغَضَبِ،
===
ما لم يحدث، فالحدوث إنما هو باعتبار التعلق، فإن تعلق الشيء بالشيء لا يمكن إلَّا وأن يوجد المتعلق، فالعلم بالمتعلق بالحادث بحيث حدوثه إنما يوجد بعد حدوثه، انتهى.
(قال) ابن عباس: (فلما خفف الله عنهم من العدة) لمقاومة الكفار (نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم)، وإنما أخبر ابن عباس بهذا، لعله علم من نفسه، وكذلك علم من الصحابة من سماعهم.
٢٦٤٧ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا يزيد بن أبي زياد، أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه، أن عبد الله بن عمر حدثه: أنه كان في سرية (٢) من سرايا رسول الله ﷺ ، قال) ابن عمر: (فحاص الناس حيصة) أي: انهزموا انهزامًا (فكنت فيمن حاص، فلما برزنا)، وفي نسخة: "فرغنا" في المكتوبة بين السطور، وفي رواية: "نفرنا إلى المدينة".
(قلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا) أي: رجعنا (بالغضب)
стр. 5600
فَقُلْنَا: نَدْخُلُ الْمَدِينَةَ فَنَثْبُتُ فِيهَا لِنَذْهَبَ وَلَا يَرَانَا (١) أَحَدٌ، قَالَ: فَدَخَلْنَا فَقُلْنَا: لَوْ عَرَضْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَإِنْ كَانَتْ لَنَا تَوْبَةٌ أَقَمْنَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ ذَهَبْنَا، قَالَ: فَجَلَسْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا: نَحْنُ الْفَرَّارُونَ (٢)، فَأَقْبَلَ إِلَيْنَا فَقَالَ: "لَا بَلْ أَنْتُمْ الْعَكَّارُونَ"، قَالَ: فَدَنَوْنَا فَقَبَّلْنَا يَدَهُ فَقَالَ: "أَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ". [ت ١٧١٦، جه ٣٧٠٤، حم ٢/ ٧٠، ق ٩/ ٧٦]
===
أي بغضب من الله (فقلنا: ندخل المدينة) ليلًا (فنثبت) وفي نسخة: "فنبيت" (فيها) أي في المدينة مختفين (لنذهب) اللام فيها لام كي، علة لقوله: ندخلها ليلًا، وتقديره: لنذهب إلى بيوتنا ليلًا، ثم نذهب إلى رسول الله ﷺ ، أو يقال: لنذهب إلى رسول الله ﷺ ولا يرانا أحد، وقال بعض المدرسين: يحتمل أن يكون صيغة أمر، وما كتب بين السطور "لنذهب إلى الغزو مرة ثانية" فغير متبادر إلى الذهن بل هو بعيد.
(ولا يرانا أحد، قال: فدخلنا) أي أردنا دخول المدينة (فقلنا) أي فيما بيننا: (لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ ) لكان خيرًا، أو الجزاء (فإن كانت لنا توبة أقمنا) في المدينة (وإن كان غير ذلك ذهبنا) أي عنها إلى حيث شاء الله تعالى.
(قال) ابن عمر: (فجلسنا) أي: مترصدين (لرسول الله ﷺ قبل صلاة الفجر، فلما خرج) رسول الله ﷺ (قمنا إليه) وفي رواية: فقال: "من القوم"؟ (فقلنا: نحن الفرارون، فأقبل) أي توجه (إلينا، فقال: لا، ) أي: ليس أنتم الفرارون (بل أنتم العكارون) الكرارون العطافون على الكفار.
(قال: فدنونا فقبَّلنا يده، فقال: أنا فئة المسلمين) أي: ملجأهم،
стр. 5601
٢٦٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ الْمِصْرِيُّ، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، نَا دَاوُدُ، عن أَبِي نَضْرَةَ، عن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: "نَزَلَتْ فِي يَوْمِ بَدْرٍ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ ". [السنن الكبرى للنسائي ١١٢٠٣]
===
وهذا جواب عما ارتكز في قلوبهم من الشبهة بمخالفة الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١)، فظنوا أنهم فروا غير متحرفين للقتال وغير متحيزين إلى فئة، لأنه لم تكن لهم فئة هناك، فأزال ﷺ هذه الشبهة، وقال: "وليتم أدباركم متحيزين إلى فئة، لأني أنا فئتكم، ففرحوا بذلك واطمأنت نفوسهم".
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀: قوله: فقال: "لا بل أنتم العَكَّارون"، لا يخلو الفرار يومئذ أن يكون جائزًا لهم أولا، وعلى الأول فظاهر أنهم لم يكونوا ممن فر فرارًا استحق الوعيد عليه، وعلى الثاني فتوجيه إخراجهم عنهم أنهم لما ندموا، وعلموا أعظم ما اقترفوا فيه، سقط عنهم ذنبهم، فلم يبق عليهم شيء، وعلى الوجهين فصح تسلية النبي ﷺ إياهم وإدخالهم في الاستثنائين المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾، ولا يترتب عليهم الجزاء المترتب على ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾، وهذا هو الوجه في إيراد المؤلف هذه الآية ها هنا.
٢٦٤٨ - (حدثنا محمد بن هشام) بن شبيب بن أبي خيرة بكسر المعجمة وفتح التحتانية، السدوسي، أبو عبد الله البصري، نزيل مصر، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: صالح، وقال فِي موضع آخر: لا بأس به، وقال ابن يونس: كان ثقة ثبتًا حسن الحديث، (المصري نا بشر بن المفضل، نا داود) بن أبي هند، (عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: نزلت في يوم بدر: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾).
стр. 5602
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* * *
===
واختلف أهل العلم في حكم هذه الآية، هل هو خاص في أهل بدر؟
فقال قوم: هو لأهل بدر خاصة، لأنهم لم يكن لهم أن يتركوا رسول الله ﷺ مع عدوه وينهزموا عنه، فأما اليوم فلهم الانهزام، هكذا روي عن الحسن البصري والضحاك وأبي سعيد الخدري وغيرهم، وروي عن يزيد بن حبيب بسند فيه ابن لهيعة قال: "أوجب الله لمن فر يوم بدر النار"، قال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، فلما كان يوم أحد بعد ذلك، قال: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ (١)، ثم كان حنين بعد ذلك بتسع سنين فقال: "ثم وليتم مدبرين، ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء".
وقال آخرون: بل هذه الآية حكمها عام في كل من ولَّى الدبر عن العدو منهزمًا، روي ذلك عن ابن جرير الطبري (٢).
وأولى التأويلين في هذا الباب بالصواب قول من قال: حكمها محكم، وأنها نزلت في أهل بدر، وحكمها ثابت في جميع المؤمنين إذا لقوا العدو أن لا يولوهم الدبر منهزمين إلَّا لتحرف لقتال أو التحيز إلى فئة من المؤمنين حيث كانت من أرض الإسلام. والحمد لله رب العالمين.
وكتب على تمام حديث الباب على حاشية النسخة المكتوبة: هذا هو النصف الأول من السنن المجزء اثنين وثلاثين جزءًا بتجزئة الخطيب، وهذا النصف منه ستة عشر جزءًا، والله المعين الميسِّر.
* * *
стр. 5603
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَخْبَرَنَا الإمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيبُ الْبَغدَادِيُّ قَالَ: أَنَا الإمَامُ الْقَاضِي أَبُو عَمْرٍو الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ قَالَ: أَنا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو اللُّؤْلُؤِي، قَالَ: ثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قَالَ:
===
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(أخبرنا الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي قال: أنا الإمام القاضي أبو عمرو القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، قال: أنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي قال: ثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني في المحرم سنة خمس وسبعين ومائتين - رحمه الله تعالى- قال: )
هذا السند مذكور في النسخة القادرية والكانفورية ونسخة "العون"، وليس بمكتوب في النسخة المكتوبة الأحمدية ولا في المصرية، والظاهر أن ذكره في هذا المحل غير مناسب، بل المحل المناسب لذكره أول "كتاب السنن".
стр. 5604
(١٠٠) بَابٌ: فِي الأَسِيرِ (١) يُكْرَهُ عَلَى الْكُفْرِ
٢٦٤٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَنَا هُشَيْمٌ وَخَالِدٌ، عن إِسْمَاعِيلَ، عن قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عن خَبَّابٍ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً (٢) فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟
===
(١٠٠) (بَابٌ: فِي الأَسِيرِ)
أي المسلم (يُكْرَهُ) بصيغة المجهول من الإكراه (عَلَى الْكُفْرِ) أي ما حكمه؟ هل تجري كلمة الكفر على اللسان أم لا؟
٢٦٤٩ - (حدثنا عمرو بن عون قال: أنا هشيم وخالد، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، عن خباب) - بفتح المعجمة وتشديد الموحدة - ابن الأرت - بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة الفوقية - كنيته أبو عبد الله، شهد بدرًا، وكان قينًا في الجاهلية، نزل الكوفة، ومات بها سنة ٣٧ هـ، وكان من المهاجرين الأولين.
قال ابن سعد (٣): أصابه سَبْيٌ، فبيع بمكة، ثم حالف بني زهرة، وأسلم قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وكان من المستضعفين الذين يُعَذَّبُون بمكة، وحكى الباوردي أنه أسلم سادس ستة، ذكر أن عمر بن الخطاب سأله عما لقي في ذات الله فكشف ظهره، فقال عمر: ما رأيت كاليوم، فقال: يا أمير المؤمنين! لقد أوقدت لي نار، فما أطفأها إلَّا شحمي، ذكره السهيلي (٤).
(قال: أتينا رسول الله ﷺ وهو متوسد) أي: جاعل وسادة (بردة) وهي الشملة المخططة (في ظل الكعبة، فشكونا إليه) أي ما نلقى من مشركي مكة من العذاب (فقلنا: ألا تستنصر) أي من الله تعالى (لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ ) أن ينجينا
стр. 5605
فَجَلَسَ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ فَقَالَ: "قَدْ كَانَ مَنْ (١) قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمِنْشَارِ فَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ فِرْقَتَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عن دِينِهِ، وُيمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ وَعَصَبٍ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عن دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ
===
من أذى الكفار (فجلس) بترك التوسد (محمرًّا وجهه) من الغضب على استعجالهم، وقيل: من أثر النوم.
(فقال) أي رسول الله ﷺ : (قد كان من قبلكم) في الأمم الماضية (يؤخذ الرجل) المؤمن ظلمًا، فيكره على الكفر فيأبى (فيحفر له في الأرض) حفيرة فيدخل فيها (ثم يؤتى بالمنشار) وهو آلة من الحديد، له أسنان ينشر به العود (فيجعل) أي المنشار (على رأسه فيجعل) أي ذلك الرجل (فرقتين) أي: شقتين (ما يصرفه ذلك) أي التعذيب (عن دينه، ويمشي) بصيغة المجهول، أي: لحمه (بأمشاط الحديد ما دون) أي: ما سوى أو ما فوق (عظمه من) بيانية للفظ ما (لحم وعصب)، ولفظ "البخاري": "ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه".
قال الحافظ: وللأكثر "ما" بدل "من" (ما يصرفه ذلك) التعذيب الشديد (عن دينه).
قال الحافظ (٢): قال: هذه تسلية لهم، وإشارة إلى الصبر حتى تنقضي المدة المقدورة، وإلى ذلك الإشارة بقوله في آخر الحديث: "ولكنكم تستعجلون".
(والله ليتمن الله هذا الأمر) أي: الدين القيّم (حتى يسير الراكب ما بين صنعاء).
قال في "المعجم" (٣): وصنعاء موضعان، أحدهما: باليمن وهي العظمى، وأخرى: قرية بالغوطة من دمشق. قال الحافظ في "الفتح" (٤): يحتمل أن يريد