← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

٢٦٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ الْمِصْرِيُّ، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، نَا دَاوُدُ، عن أَبِي نَضْرَةَ، عن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: "نَزَلَتْ فِي يَوْمِ بَدْرٍ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ ". [السنن الكبرى للنسائي ١١٢٠٣] === وهذا جواب عما ارتكز في قلوبهم من الشبهة بمخالفة الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١)، فظنوا أنهم فروا غير متحرفين للقتال وغير متحيزين إلى فئة، لأنه لم تكن لهم فئة هناك، فأزال ﷺ هذه الشبهة، وقال: "وليتم أدباركم متحيزين إلى فئة، لأني أنا فئتكم، ففرحوا بذلك واطمأنت نفوسهم". وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀: قوله: فقال: "لا بل أنتم العَكَّارون"، لا يخلو الفرار يومئذ أن يكون جائزًا لهم أولا، وعلى الأول فظاهر أنهم لم يكونوا ممن فر فرارًا استحق الوعيد عليه، وعلى الثاني فتوجيه إخراجهم عنهم أنهم لما ندموا، وعلموا أعظم ما اقترفوا فيه، سقط عنهم ذنبهم، فلم يبق عليهم شيء، وعلى الوجهين فصح تسلية النبي ﷺ إياهم وإدخالهم في الاستثنائين المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾، ولا يترتب عليهم الجزاء المترتب على ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾، وهذا هو الوجه في إيراد المؤلف هذه الآية ها هنا. ٢٦٤٨ - (حدثنا محمد بن هشام) بن شبيب بن أبي خيرة بكسر المعجمة وفتح التحتانية، السدوسي، أبو عبد الله البصري، نزيل مصر، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: صالح، وقال فِي موضع آخر: لا بأس به، وقال ابن يونس: كان ثقة ثبتًا حسن الحديث، (المصري نا بشر بن المفضل، نا داود) بن أبي هند، (عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: نزلت في يوم بدر: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾).

стр. 5602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * * * === واختلف أهل العلم في حكم هذه الآية، هل هو خاص في أهل بدر؟ فقال قوم: هو لأهل بدر خاصة، لأنهم لم يكن لهم أن يتركوا رسول الله ﷺ مع عدوه وينهزموا عنه، فأما اليوم فلهم الانهزام، هكذا روي عن الحسن البصري والضحاك وأبي سعيد الخدري وغيرهم، وروي عن يزيد بن حبيب بسند فيه ابن لهيعة قال: "أوجب الله لمن فر يوم بدر النار"، قال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، فلما كان يوم أحد بعد ذلك، قال: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ (١)، ثم كان حنين بعد ذلك بتسع سنين فقال: "ثم وليتم مدبرين، ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء". وقال آخرون: بل هذه الآية حكمها عام في كل من ولَّى الدبر عن العدو منهزمًا، روي ذلك عن ابن جرير الطبري (٢). وأولى التأويلين في هذا الباب بالصواب قول من قال: حكمها محكم، وأنها نزلت في أهل بدر، وحكمها ثابت في جميع المؤمنين إذا لقوا العدو أن لا يولوهم الدبر منهزمين إلَّا لتحرف لقتال أو التحيز إلى فئة من المؤمنين حيث كانت من أرض الإسلام. والحمد لله رب العالمين. وكتب على تمام حديث الباب على حاشية النسخة المكتوبة: هذا هو النصف الأول من السنن المجزء اثنين وثلاثين جزءًا بتجزئة الخطيب، وهذا النصف منه ستة عشر جزءًا، والله المعين الميسِّر. * * *

стр. 5603

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا الإمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيبُ الْبَغدَادِيُّ قَالَ: أَنَا الإمَامُ الْقَاضِي أَبُو عَمْرٍو الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ قَالَ: أَنا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو اللُّؤْلُؤِي، قَالَ: ثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قَالَ: === بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (أخبرنا الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي قال: أنا الإمام القاضي أبو عمرو القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، قال: أنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي قال: ثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني في المحرم سنة خمس وسبعين ومائتين - رحمه الله تعالى- قال: ) هذا السند مذكور في النسخة القادرية والكانفورية ونسخة "العون"، وليس بمكتوب في النسخة المكتوبة الأحمدية ولا في المصرية، والظاهر أن ذكره في هذا المحل غير مناسب، بل المحل المناسب لذكره أول "كتاب السنن".

стр. 5604

(١٠٠) بَابٌ: فِي الأَسِيرِ (١) يُكْرَهُ عَلَى الْكُفْرِ ٢٦٤٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَنَا هُشَيْمٌ وَخَالِدٌ، عن إِسْمَاعِيلَ، عن قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عن خَبَّابٍ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً (٢) فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ === (١٠٠) (بَابٌ: فِي الأَسِيرِ) أي المسلم (يُكْرَهُ) بصيغة المجهول من الإكراه (عَلَى الْكُفْرِ) أي ما حكمه؟ هل تجري كلمة الكفر على اللسان أم لا؟ ٢٦٤٩ - (حدثنا عمرو بن عون قال: أنا هشيم وخالد، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، عن خباب) - بفتح المعجمة وتشديد الموحدة - ابن الأرت - بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة الفوقية - كنيته أبو عبد الله، شهد بدرًا، وكان قينًا في الجاهلية، نزل الكوفة، ومات بها سنة ٣٧ هـ، وكان من المهاجرين الأولين. قال ابن سعد (٣): أصابه سَبْيٌ، فبيع بمكة، ثم حالف بني زهرة، وأسلم قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وكان من المستضعفين الذين يُعَذَّبُون بمكة، وحكى الباوردي أنه أسلم سادس ستة، ذكر أن عمر بن الخطاب سأله عما لقي في ذات الله فكشف ظهره، فقال عمر: ما رأيت كاليوم، فقال: يا أمير المؤمنين! لقد أوقدت لي نار، فما أطفأها إلَّا شحمي، ذكره السهيلي (٤). (قال: أتينا رسول الله ﷺ وهو متوسد) أي: جاعل وسادة (بردة) وهي الشملة المخططة (في ظل الكعبة، فشكونا إليه) أي ما نلقى من مشركي مكة من العذاب (فقلنا: ألا تستنصر) أي من الله تعالى (لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ ) أن ينجينا

стр. 5605

فَجَلَسَ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ فَقَالَ: "قَدْ كَانَ مَنْ (١) قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمِنْشَارِ فَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ فِرْقَتَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عن دِينِهِ، وُيمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ وَعَصَبٍ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عن دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ === من أذى الكفار (فجلس) بترك التوسد (محمرًّا وجهه) من الغضب على استعجالهم، وقيل: من أثر النوم. (فقال) أي رسول الله ﷺ : (قد كان من قبلكم) في الأمم الماضية (يؤخذ الرجل) المؤمن ظلمًا، فيكره على الكفر فيأبى (فيحفر له في الأرض) حفيرة فيدخل فيها (ثم يؤتى بالمنشار) وهو آلة من الحديد، له أسنان ينشر به العود (فيجعل) أي المنشار (على رأسه فيجعل) أي ذلك الرجل (فرقتين) أي: شقتين (ما يصرفه ذلك) أي التعذيب (عن دينه، ويمشي) بصيغة المجهول، أي: لحمه (بأمشاط الحديد ما دون) أي: ما سوى أو ما فوق (عظمه من) بيانية للفظ ما (لحم وعصب)، ولفظ "البخاري": "ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه". قال الحافظ: وللأكثر "ما" بدل "من" (ما يصرفه ذلك) التعذيب الشديد (عن دينه). قال الحافظ (٢): قال: هذه تسلية لهم، وإشارة إلى الصبر حتى تنقضي المدة المقدورة، وإلى ذلك الإشارة بقوله في آخر الحديث: "ولكنكم تستعجلون". (والله ليتمن الله هذا الأمر) أي: الدين القيّم (حتى يسير الراكب ما بين صنعاء). قال في "المعجم" (٣): وصنعاء موضعان، أحدهما: باليمن وهي العظمى، وأخرى: قرية بالغوطة من دمشق. قال الحافظ في "الفتح" (٤): يحتمل أن يريد

стр. 5606

وَحَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّه وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ" (١). [خ ٣٦١٢، سنن النسائي الكبرى ٨٥٩٣، حم ٥/ ١٠٩ - ١١٠] === صنعاء اليمن وبينها وبين حضرموت من اليمن أيضًا مسافة بعيدة نحو خمسة أيام، ويحتمل أن يريد صنعاء الشام، والمسافة بينهما أبعد بكثير، والأول أقرب (وحضرموت) - بالفتح ثم السكون وفتح الراء والميم- وهي ناحية واسعة في شرقي عدن بقرب البحر، وحولها رمال كثيرة، تعرف بالأحقاف، وبها قبر هود ﵇، وبين حضرموت وصنعاء اثنان وسبعون فرسخًا، وقيل: مسيرة أحد عشر يومًا (ما يخاف إلَّا الله) أي: لا يخاف أحد من الناس (والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون). قال الحافظ (٢): قال ابن بطال: إنما لم يُجِب النبي ﷺ لسؤال خباب ومن معه بالدعاء على الكفار مع قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ (٤)؛ لأنه علم أنه قد سبق القدر بما جرى عليهم من البلوى ليؤجروا عليها، كما جرت به عادة الله تعالى في أتباع الأنبياء، فصبروا على الشدة في ذات الله، ثم كانت لهم العاقبة بالنصر وجزيل الأجر، قال: فأما غير الأنبياء فواجب عليهم الدعاء عند كل نازلة، لأنهم لم يطلعوا على ما اطلع عليه النبي ﷺ ، انتهى. وقال ابن بطال: أجمعوا على أن من اكره على الكفر، واختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة، وأما غير الكفر فإن أكره على أكل الخنزير وشرب الخمر مثلًا، فالفعل أولى، وقال بعض المالكية: بل يأثم إن منع من أكل غيرها، فإنه يصير كالمضطر على أكل الميتة إذا خاف على نفسه الموت فلم يأكل.

стр. 5607

(١٠١) بَابٌ: فِي حُكْمِ الْجَاسُوسِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا ٢٦٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عن عَمْرٍو، حَدَّثَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، === ومذهب الحنفية في ذلك: أن الرجل إذا أكره على أكل الميتة وشرب الخمر ولحم الخنزير بحبس أو بضرب أو قيد لم يحل له، وإن أكره بقتل أو قطع عضو وسعه ذلك، لأن هذه الأشياء أبيحت عند الضرورة، ولا يسعه أن يصبر على ما توعّد به. فإن صبر حتى أوقعوا به ولم يأكل فهو آثم، لأنه لما أبيح كان بالامتناع معاونًا لغيره على إهلاك نفسه، فيأثم كما في حالة المخمصة إن مات ولم يأكل، وإن أكره على الكفر أو سبِّ الرسول بأمر يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه وسعه أن يظهر ما أمروه به وُيوَرِّي، فإن فعل ذلك وقلبه مطمئن بالإيمان فلا إثم عليه، فإن صبر حتى قتل ولم يُظهر الكفر كان مأجورًا. وإن أكره على إتلاف مال مسلم بقتل أو قطع عضو وسعه أن يفعل ذلك، ولصاحب المال أن يضمن المكره، وإن أكره بقتل على قتل غيره لم يسعه أن يقدم عليه ويصبر حتى يقتل، فإن قتله كان آثمًا، لأن قتل المسلم مما لا يستباح لضرورة ما. ملخص ما في "الهداية" (١). (١٠١) (بَابٌ: فِي حُكْمِ الْجَاسُوسِ (٢) إِذَا كَانَ مُسْلِمًا) والجاسوس بالجيم: من يُفَتِّشُ بواطن الأمور لغيره ٢٦٥٠ - (حدثنا مسدد قال: ثنا سفيان، عن عمرو، حدثه) أي: عمرو بن دينار (الحسن بن محمد بن علي) بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد المدني، وأبوه يعرف بابن الحنفية، ثقة، فقيه، يقال: إنه أول من تكلم في الإرجاء،

стр. 5608

أَخْبَرَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَكَانَ كَاتِبًا لِعَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ، فَقَالَ: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا === والمراد بالإرجاء الذي تكلم الحسن بن محمد (١) فيه غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنَّة المتعلق بالإيمان، وهو أنه قال: نوالي أبا بكر وعمر ﵄ لأنهما لم تقتتل عليهما الأمة ولم تشك في أمرهما، ونرجئ من بعدهما ممن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى الله تعالى، فكان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونها مخطئة أو مصيبة، وكان يرى أنه يرجئ الأمر فيهما. (أخبره) أي الحسن بن محمد (عبيد الله بن أبي رافع، وكان كاتبًا لعلي بن أبي طالب قال: سمعت عليًّا يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا) هكذا في جميع الروايات، والظاهر والمطابق للقواعد النحوية: إياي، فكأنه استعار الضمير المرفوع للمنصوب (والزبير) بن العوام (والمقداد)، فإن قلت: قد وقع في "البخاري" (٢) في "كتاب المغازي"، في باب فضل من شهد بدرًا: قال: "بعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد والزبير" وأجاب عنه في "الفتح" (٣)، قال: يحتمل أن يكون الثلاثة [كانوا معه]، فذكر أحد الراويين عنه ما لم يذكره الآخر، ولم يذكر ابن إسحاق مع علي والزبير أحدًا، وساق الخبر بالتثنية، قال: "فخرجا حتى أدركاها فاستنزلاها ... " إلخ، فالذي يظهر أنه كان مع كل منهما آخر تبعًا له. (فقال) أي رسول الله ﷺ : (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ) - بخائين معجمتين - موضع بين الحرمين بقرب حمراء الأسد من المدينة، وقيل: موضع باثني عشر ميلًا من المدينة، وقيل: بمهملة وجيم، وهو تصحيف (فإن بها

стр. 5609

ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا"، فَانْطَلَقْنَا تَتَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا: هَلُمِّي الْكِتَابَ، قَالَتْ (١): مَا عِنْدِي مِنْ كِتَابٍ، فَقُلْتُ (٢): لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ (٣) الثِّيَابَ، === ظعينة) (٤). قال في "المجمع" (٥): أصلها راحلة ترحل ويظعن عليها [أي: ] يسار، وقيل للمرأة: ظعينة، لأنها تظعن مع الزوج حيثما ظعن، أو تحمل على الراحلة إذا ظعنت، وقيل: هي المرأة في الهودج، ثم قيل للمرأة وحدها والهودج وحده، وجمعه ظُعْن وظُعُن وظعائن وأظعان، من ظَعَن ظعنًا بالحركة وسكون: إذا سار. قال الحافظ (٦): ذكر ابن إسحاق أن اسمها سارة، والواقدي أن اسمها كنود، وفي رواية: أم سارة، وذكر الواقدي أن حاطبًا جعل لها عشرة دنانير، وقيل: دينارًا واحدًا، وقيل: إنها كانت مولاة العباس، ووقع في "البخاري" (٧) في رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن علي: "فإن بها امرأة من المشركين". (معها كتاب) من حاطب بن أبي بلتعة إلى مشركي مكة (فخذوه منها، فانطلقنا تتعادى) أي: تتسابق وتتسارع، من العدو (بنا خيلنا) أي: أفراسنا (حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة) أي: مدركيها وملاقيها (فقلنا: هلمي) أي هاتي (الكتاب، قالت: ما عندي من كتاب، فقلت: لتخرجن الكتاب) بكسر الجيم بصيغة المخاطبة (أو لنلقين الثياب) بصيغة المتكلم من الإلقاء، ويؤيده ما في "البخاري": "أو لَنُجَرِّدَنَّكِ"، وفي بعض النسخ بالتاء وكسر الياء.

стр. 5610

قَالَ: فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَإِذَا هُوَ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُخْبِرُهُم بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، === (قال: فأخرجته من عقاصها) هو بكسر المهملة، جمع عقيصة، وهي الشعر المضفور، والجمع بينه وبين رواية: "فأخرجته من حُجزتها" بضم الحاء وسكون الجيم وبالزاي، أي: معقد الإزار، أن عقيصتها كانت طويلة، بحيث تصل إلى حجزتها، فربطتها في عقيصتها وغرزته بحجزتها، أو يقال: إنها أخرجته أولًا من الحجزة وأخفته في العقيصة، ثم اضطرت إلى الإخراج منها أيضًا. (فأتينا به النبي ﷺ ، فإذا هو من حاطب بن أبي بلتعة) واسم أبي بلتعة عمرو بن عمير بن سلمة من بني خالفة، بطن من لخم، كنيته أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد، وهو حليف لبني أسد بن عبد العُزّى، ثم للزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، شهد بدرًا والحديبية، ونزلت فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ... ﴾ الآية (١)، أرسله رسول الله ﷺ إلى المقوقس صاحب الإسكندرية سنة ست، فأحضره، وقال: أخبرني عن صاحبك أليس هو نبيًّا؟ قال: قلت: بلى، هو رسول الله ﷺ ، قال: فما له لم يدعُ على قومه حيث أخرجوه من بلدته؟ قال: فقلت له: فعيسى بن مريم تشهد أنه رسول الله، فما له حيث أراد قومه صلبه لم يدعُ عليهم حتى رفعه الله، فقال: أحسنت، أنت حكيم، جاء من عند حكيم، وبعث معه هدية لرسول الله ﷺ ، منها: مارية القبطية، وأختها سيرين، وجارية أخرى. (إلى ناس من المشركين) من كبرائهم ثلاثة، وهم: سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل ﵃، فإنهم أسلموا بعد ذلك، (يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ )، فقيل: إنه كتب فيه: "أن رسول الله ﷺ قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل"، وقيل: كتب فيه: "أن رسول الله ﷺ قد آذن بالغزو ولا أراه إلَّا يريدكم، وقد أحببت أن تكون لي يد بكتابي إليكم".

стр. 5611

فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا حَاطِبُ؟ "، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا تَعْجَل عَلَيَّ، فَإِنِّي (١) كُنْتُ امْرَءًا مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَإِنَّ قُرَيْشًا لَهُمْ بِهَا قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ بِمَكَّةَ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي بِهَا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ بِي مِنْ كُفْرٍ وَلَا ارْتِدَادٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَدَقَكُم". فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، === (فقال) أي رسول الله ﷺ : (ما هذا) أي الكتاب أو الفعل الذي صدر منه من الكتابة إلى قريش (يا حاطب؟ فقال) أي حاطب: (يا رسول الله! لا تعجل علي) أي: اسمع عذري، ولا تعجل بالعقوبة أو بالملامة قبل سماع عذري، (فإني كنت امرءًا ملصقًا في قريش) أي: حليفًا لهم (ولم أكن من أنفسها) لأنه كان من بني خالفة من لخم (وإن قريشًا) أي من أصحابك المهاجرين (لهم بها) أي بمكة (قرابات يحمون بها) أي: بالقرابات (أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك) أي النسب والقرابة (أن أتخذ) أي: أصطنع (فيهم يدًا) أي: إحسانًا ونعمة (يحمون) يحفظون (قرابتي) أي: أهل قرابتي (بها) أي بسبب اليد، (والله يا رسول الله ما كان بي من كفر ولا ارتداد) أي: ما فعلت ذلك كفرًا بعد إسلام، وقد علمت أن الله تعالى منزل بهم بأسه لا يغني عنهم كتابي شيئًا. (فقال رسول الله ﷺ : صدقكم) أي في بيان العذر، وهو صادق فيه وقَبِلَ عذره (فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق). قال الحافظ (٢): إنما قال ذلك عمر مع تصديق رسول الله ﷺ لحاطب فيما اعتذر به لما كان عند عمر من القوة في الدين وبغض من ينسب إلى النفاق، وظن أن من خالف ما أمره به رسول الله ﷺ استحق القتل، لكنه لم يجزم

стр. 5612

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ". [خ ٤٢٧٤، م ٢٤٩٤، ت ٣٣٠٥، حم ١/ ٧٩، ق ٩/ ١٤٦] === بذلك، فلذلك استأذن في قتله، وأطلق عليه منافقًا، لكونه أبطن خلاف ما أظهر، وعذر حاطب ما ذكره، فإنه صنع ذلك متأوّلًا أن لا ضرر فيه. قلت: وأجاب عنه الحلبي في "السيرة" (١): ويشكل قول عمر المذكور ودعاؤه عليه بقوله: قاتلك الله، إلَّا أن يقال: يجوز أن يكون قول عمر بذلك قبل قول رسول الله ﷺ بما ذكر، فوقع التقديم والتأخير في الكلام من الرواة. (فقال رسول الله ﷺ ) في جواب عمر ﵁: (قد شهد بدرًا، وما يدريك) أي: أي شيء يعلمك أنه مستحق للقتل، أو يقال: معناه الإنكار لما بعد هذه الكلمة، أي: لا تدري أنت أن الله تعالى اطَّلَع على أهل بدر، فقال: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (لعل الله) ولفظ لعل وإن كان للترجي، ولكن قال العلماء: إن الترجي في كلام الله وكلام رسوله للوقوع، قاله الحافظ (٢) (اطلع (٣) على أهل بدر) بأنهم مَغْفُورٌ لهم، أو بأنهم لا يفعلون ما لا يغفر لهم (فقال) أي الله تعالى لهم: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ). قال الحافظ (٤): وقد استشكل قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾، فإن ظاهره أنه للإباحة، وهو خلاف عقد الشرع، وأجيب بأنه إخبار عن الماضي، أي: كل عمل كان لكم فهو مغفور، ويؤيده أنه لو كان لما يستقبلونه من العمل لم يقع بلفظ الماضي ولقال: فسأغفره لكم، وتعقب بأنه لو كان للماضي لما حسن

стр. 5613

٢٦٥١ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ، عن حُصَيْنٍ، عن سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ السُّلَمِيِّ، عن عَلِيٍّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: "انْطَلَقَ حَاطِبٌ فَكَتَبَ إِلى أَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ سَارَ إِلَيْكُمْ === الاستدلال به في قصة حاطب؛ لأنه ﷺ خاطب به عمر منكرًا عليه ما قال في أمر حاطب، وهذه القصة كانت بعد بدر بست سنين، فدل على أن المراد ما سيأتي، وأورده في لفظ الماضي مبالغة في تحقيقه، وقيل: إن صيغة الأمر في قوله: "اعملوا" للتشريف والتكريم، والمراد عدم المؤاخذة بما يصدر منهم بعد ذلك، وأنهم خصوا بذلك لما حصل لهم من الحال العظيمة التي اقتضت محو ذنوبهم السابقة، وتأهلوا لأن يغفر الله لهم الذنوب اللاحقة إن وقعت، أي: كل ما عملتموه بعد هذه الواقعة من أي عمل كان فهو مغفور، وقيل: إن المراد: ذنوبهم تقع إذا وقعت مغفورة، وقيل: هي بشارة بعدم الوقوع منهم، ففيه نظر ظاهر لما أنه وقع لقدامة بن مظعون شرب الخمر في أيام عمر، ووقع لمسطح الكلام (١) في الإفك، واتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها. ٢٦٥١ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد) بن عبد الله، (عن حصين) بن عبد الرحمن، (عن سعد بن عبيدة) مصغرًا، (عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بهذه القصة قال: انطلق حاطب)، وهذا الانطلاق إما أن يكون بالأرجل، أي: لما اطلع على عزم رسول الله ﷺ بغزو كفار قريش، مشى من مجلسه في بيته فكتب، أو يكون المراد من الانطلاق: الانطلاق المعنوي في الإرادة وتهيؤ أسباب الكتابة. (فكتب إلى أهل مكة أن محمدًا) ﷺ (قد سار إليكم) أي: عزم على السير

стр. 5614

وَقَالَ فِيهِ: قَالَتْ (١): مَا مَعِي كِتَابٌ، فَأَنَخْنَاهَا فَمَا وَجَدْنَا مَعَهَا كِتَابًا، فَقَالَ عَلِيٌّ: وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لأَقْتُلَنَّكِ أَوْ لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ" وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [خ ٣٩٨٣، م ٢٤٩٤، وانظر سابقه] (١٠٢) بَابٌ: فِي الْجَاسُوسِ الذِّمِّيّ ٢٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُحَبَّبٍ أَبُو هَمَّامٍ الدَّلَّالُ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، === إليكم (وقال) أي: أبو عبد الرحمن السلمي أو وهب بن بقية (فيه) أي في حديثه: (قالت: ما معي كتاب، فأنخناها) (٢) أي: أنخنا بعيرها (فما وجدنا معها كتابًا، فقال علي: والذي يُحلف به لأقتلنك أو لتخرجن الكتاب، وساق) أي: وهب بن بقية (الحديث). وقد أخرج البخاري في "صحيحه" في "باب فضل من شهد بدرًا" من حديث إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الله بن إدريس قال: سمعت حصين بن عبد الرحمن، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ ، الحديث بأطول من هذا. (١٠٢) (بَابٌ: فِي الْجَاسُوسِ الذِّمِّي) أي: ما حكمه، هل يقتل أم لا؟ ٢٦٥٢ - (حدثنا محمد بن بشار قال: ثني محمد بن محبب) بموحدتين كمحمد، (أبو همام الدلال) البصري (قال: ثنا سفيان بن سعيد، عن أبي إسحاق،

стр. 5615

عن حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، عن فُرَاتِ بْنِ حَيَّانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَكَانَ عَيْنًا لأَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ حَلِيفًا لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَمَرَّ بِحَلْقَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، === عن حارثة بن مضرب) بتشديد الراء المكسورة قبلها معجمة، العبدي الكوفي ثقة، وغلط من نقل عن ابن المديني أنه تركه، (عن فرات بن حيان) بن عطية بن عبد العزى، العجلي، حليف بني سهم، كان عينًا لأبي سفيان، ثم أسلم، وحسن إسلامه، وكان من أهدى الناس بالطرق، سكن الكوفة، وابتنى بها دارًا، وهو صحابي قليل الحديث. (أن رسول الله ﷺ أمر بقتله، وكان عينًا) (١) أي: جاسوسًا (لأبي سفيان) فِي حروبه، قال الشوكاني في "النيل" (٢): وسمي الجاسوس عينًا، لأن عمله بعينه، أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها، كأن جميع بدنه صار عينًا (وكان حليفًا لرجل من الأنصار) (٣)، وقال الحافظ في "الإصابة" (٤): وكان حليفًا لبني سهم، وهو حي من قريش، فكيف يكون حليفًا لرجل من الأنصار؟ قلت: لعله بعدما كان حليفًا لبني سهم حالف رجلًا من الأنصار، ولم أقف على تسميته. قال ابن الأثير في "أسد الغابة" (٥): بعث رسول الله ﷺ سرية مع زيد بن حارثة ليعترضوا عيرًا لقريش، وكان دليل قريش فرات بن حيان، فأصابوا العير، وأسروا فرات بن حيان، فأتوا به رسول الله ﷺ ، فلم يقتله، فمر بحليف له من الأنصار، فقال: إني مسلم، إلى آخر القصة. (فمر بحلقة من الأنصار فقال: إني مسلم)، هكذا في جميع النسخ

стр. 5616

فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ يَقُولُ إِنِّي (١) مُسْلِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْكُمْ رِجَالًا نَكِلُهُم إِلى إِيمَانِهِمْ مِنْهُمْ فُرَاتُ بْنُ حَيَّان". [حم ٤/ ٣٣٦، ق ٨/ ٩٧] === الموجودة عندي لأبي داود، وهكذا في رواية أحمد في "مسنده": "أن النبي ﷺ أمر بقتله، وكان عينًا لأبي سفيان وحليفًا، فمر بحلقة الأنصار، فقال: إني مسلم، قالوا: يا رسول الله! إنه يزعم أنه مسلم"، الحديث. وقال في "الاستيعاب" (٢): "إن رسول الله ﷺ أمر بقتله، وكان عينًا لأبي سفيان، فمر بحليف له من الأنصار، فقال: إني مسلم، فقال الأنصاري: يا رسول الله! إنه يقول: إني مسلم". وقد تقدم ما في "أسد الغابة" (٣) من لفظ الحديث بأن فيه: "فمر بحليف له من الأنصار فقال: إني مسلم". وأخرجه الحافظ في "الإصابة" (٤) ولفظه: "أتي النبي ﷺ بفرات بن حيان، وكان عينًا للمشركين، فأمر بقتله، فقال: إني مسلم". ولم يذكر فيه كونه حليفًا لرجل من الأنصار. (فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! إنه يقول: إني مسلم، فقال رسول الله ﷺ : إن منكم رجالًا نكلهم) من وكل يكل (إلى إيمانهم) أي: نصرف أمرهم إلى إيمانهم، ونفوضه إليه، ونقبله منهم (منهم فرات بن حيان). ومطابقة الحديث بالباب غير ظاهرة، لأن المصنف عقد الباب في الجاسوس الذمي، وفرات بن حيان لم يكن ذميًّا حين أسر، بل كان حربيًّا، لأنه كان جاسوسًا لأبي سفيان.

стр. 5617

(١٠٣) بَابٌ: فِي الْجَاسُوسِ الْمُسْتَأْمِن ٢٦٥٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: ثَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عن ابْنِ سَلَمَةَ بْن الأَكْوَعِ، عن أَبِيهِ قَالَ: "أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ ثُمَّ انْسَلَّ، === وأما ما كتب صاحب "العون" (١): واعلم أن هذا الحديث وقع في "منتقى الأخبار" (٢) برواية أحمد ولفظه: "أن النبي ﷺ أمر بقتله وكان ذميًّا، وكان عينًا لأبي سفيان، وحليفًا لرجل من الأنصار فمر، ... إلخ"، فهذه العبارة هكذا وجدت في "المنتقى" فِي النسخة التي عليها شرح الشوكاني، وعزا الحديث إلى أحمد وأبي داود، فراجعت "مسند أحمد" (٣)، فلم أجد فيه: "وكان ذميًّا". وقد تقدم قريبًا، وكذلك ليس هذا اللفظ في "أبي داود"، مع أنه ترجم بحكم الجاسوس الذمي، فما أدري من أين هذا اللفظ لصاحب "المنتقى". (١٠٣) (بَابٌ: فِي الْجَاسُوسِ الْمُسْتَأْمِنِ) (٤) ٢٦٥٣ - (حدثنا الحسن بن علي قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا أبو عميس، عن ابن سلمة بن الأكوع)، وسيأتي في السند الآتي أن اسمه إياس بن سلمة، (عن أبيه) سلمة بن الأكوع (قال: أتى النبي ﷺ عين) أي: جاسوس (من المشركين وهو) أي رسول الله ﷺ (في سفر) وسيأتي تعيين السفر في الحديث الآتي، (فجلس) أي: الجاسوس (عند أصحابه) أي: أصحاب رسول الله ﷺ (ثم انسلّ)

стр. 5618

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اطْلُبُوهُ، فَاقْتُلُوهُ"، قَالَ: فَسَبَقْتُهُمْ إِلَيْهِ فَقَتَلْتُهُ، وَأَخَذْتُ سَلَبَهُ، فَنَفَّلَنِي إِيَّاهُ". [خ ٣٠٥١، م ١٧٥٤، سنن النسائي الكبرى ٨٨٤٤] ٢٦٥٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ هَاشِمَ بْنَ الْقَاسِمِ وَهِشَامًا حَدَّثَاهُمْ، قَالَا: ثَنَا عِكْرِمَةُ قَالَ: ثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَوَازِنَ، قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَتَضَحَّى، وَعَامَّتُنَا مُشَاةٌ وَفِينَا ضَعْفَةٌ === أي: خرج (فقال النبي ﷺ : اطلبوه، فاقتلوه، قال) أي سلمة: (فسبقتهم) أي أصحاب رسول الله ﷺ (إليه) أي إلى الجاسوس (فقتلته، وأخذت سلبه) والسلب محركًا: ما عليه من الثياب والسلاح، سمي به لأنه يسلب عنه، (فنفّلني) أي: أعطاني بطريق النفل، ولم يعط منه الغزاة شيئًا (إياه) أي: السلب، وهذا الحديث مختصر، والذي بعده مطول. ٢٦٥٤ - (حدثنا هارون بن عبد الله، أن هاشم بن القاسم وهشامًا حدثاهم) أي: هارون بن عبد الله ومن كانوا معه في مجلس التحديث (قالا) أي هاشم وهشام: (ثنا عكرمة قال: ثني إياس بن سلمة قال: ثني أبي) أي سلمة بن الأكوع (قال: غزوت مع رسول الله ﷺ هوازن) وهي قبيلة كبيرة من العرب، فيها عدة بطون ينسبون إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة، بمعجمة ثم مهملة ثم فاء مفتوحات، ابن قيس بن غيلان بن إلياس بن مضر، قاله الحافظ (١). (قال: فبينما نحن نتضحى) أي نتغدى، مأخوذ من الضحاء، وهو بعد امتداد النهار وفوق الضحى، بالضم والقصر (وعامتنا) أي: أكثرنا (مشاة) أي راجلين، ولفظ "مسلم": "وبعضنا مشاة" (وفينا ضعفة). قال النووي (٢): ضبطوه على وجهين: الصحيح المشهور، ورواية

стр. 5619

إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، فَانْتَزَعَ طَلَقًا مِنْ حِقْوِ (١) الْبَعِيرِ فَقَيَّدَ بِهِ جَمَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ يَتَغَدَّى مَعَ الْقَوْمِ، فَلَمَّا رَأَى ضَعْفَتَهُمْ (٢) وَرِقَّةَ ظَهْرِهِمْ خَرَجَ يَعْدُو إِلى جَمَلِهِ، فَأَطْلَقَهُ ثُمَّ أَنَاخَهُ فَقَعَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَرْكُضُهُ (٣) وَاتَّبَعَهُ (٤) رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ هِيَ أَمْثَلُ ظَهْرِ الْقَوْمِ (٥)، فَخَرَجْتُ أَعْدُو فَأَدْرَكْتُهُ وَرَأْسُ النَّاقَةِ عِنْدَ وَرِكِ === الأكثرين: بفتح الضاد وإسكان العين، أي: حالة ضعف وهزال، قال القاضي: وهذا الوجه هو الصواب، والثاني: بفتح العين، جمع ضعيف. وفي بعض النسخ: "وفينا ضعف" بحذف الهاء. (إذ جاء رجل) لم أقف على تسميته (على جمل أحمر، فانتزع) أي أخرج (طلقًا) بفتح الطاء واللام والقاف: وهو العقال من جلد (من حقو البعير) الحقو: الكشح والإزار ومعقده، كالحقوة والحقاء، ولفظ مسلم: "ثم انتزع طلقًا من حِقبه وهو القتب"، (فقيد به جملَه، ثم جاء يتغدَّى مع القوم، فلما رأى ضعفتهم ورِقَّةَ ظهرهم) بكسر الراء وتشديد القاف، أي: قلة مراكبهم (خرج يعدو) أي يشتدّ (إلى جمله، فأطلقه) أي: حَلَّ طلقه الذي قيد به الجمل (ثم أناخه فقعد عليه) أي: ركبه فأثاره. (ثم خرج يركضه) أي: يضربه برجله ليسرع في العدو (واتبعه رجل) لم أقف على تسميته (من أسلم) وهو اسم قبيلة (على ناقة ورقاء) أي في لونها سواد كالغبرة (هي أمثل ظهر القوم) أي أفضل مراكبهم (فخرجت أعدو) أي أشتد على رجلي (فأدركته) أي: لحقته (ورأس الناقة) الواو حالية، أي أدركته والحال أن رأس الناقة (عند ورك) بالفتح والكسر وككتف: ما فوق الفخذ، مؤنثة، جمعه أوراك

стр. 5620

الْجَمَلِ، وَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النَّاقَةِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الْجَمَلِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ بالأَرْضِ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي فَأَضْرِبُ رَأْسَهُ فَنَدَرَ، فَجِئْتُ بِرَاحِلَتِهِ وَمَا عَلَيْهَا أَقُودُهَا، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ مُقْبِلًا، فَقَالَ (١): "مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ " فَقَالُوا: سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ، فَقَالَ (٢): "لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ"، === "قاموس"، (الجمل، وكنت) أي: والحال أني كنت (عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل) أي: بزمامه (فأنخته، فلما وضع) أي: الجمل (ركبته بالأرض اخترطت سيفي) أي: سللته من الغمد (فأضرب). ولفظ "مسلم": "فضربت" (رأسه) أي: الرجل الجاسوس (فندر) بالنون، أي: سقط (فجئت براحلته وما عليها) أي: على الراحلة من الرحل والثياب (أقودها، فاستقبلني رسول الله ﷺ في الناس مقبلًا، فقال) أي رسول الله ﷺ : (من قتل الرجل؟ فقالوا: سلمة بن الأكوع، فقال) أي رسول الله ﷺ : (له) أي: لسلمة (سلبه) أي سلب المقتول (أجمع) أي كله. قال النووي (٣): وفيه قتل الجاسوس [الكافر] الحربي، وهو كذلك بإجماع المسلمين، وأما الجاسوس المعاهد والذمي، فقال مالك والأوزاعي: يصير ناقضًا للعهد، فإن رأى استرقاقه أرقه، ويجوز قتله، وقال جماهير العلماء: لا ينتقض (٤) عهده بذلك، قال أصحابنا: إلَّا أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك. وأما الجاسوس المسلم، فقال الشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وبعض المالكية وجماهير العلماء - رحمهم الله تعالى-: يُعَزِّره الإمام بما يرى من

стр. 5621

قَالَ هَارُونُ: هَذَا لَفْظُ هَاشِمٍ. [م ١٧٥٤، حم ٤/ ٤٩] (١٠٤) بَابٌ: فِي أَيِّ وَقْتٍ يُسْتَحَبُّ اللِّقَاءُ ؟ ٢٦٥٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ثَنَا حَمَّادٌ قَالَ: === ضرب وحبس ونحوهما، ولا يجوز قتله، وقال مالك رحمه الله تعالى: يجتهد فيه الإمام ولم يفسر الاجتهاد، وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قال كبار أصحابه: يقتل، قال: واختلفوا في تركه بالتوبة، قال الماجشون: إن عرف بذلك قتل وإلَّا عزر. قال الحافظ (١): وفيه حجة لمن قال: إن السلب كله للقاتل، وأجاب من قال: لا يستحق ذلك إلَّا بقول الإمام أنه ليس في الحديث ما يدل على أحد (٢) الأمرين، بل هو محتمل لهما، لكن أخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن ربيعة، عن أبي العميس بلفظ: "قام رجل فأخبر النبي ﷺ أنه عين للمشركين فقال: من قتله فله سلبه، قال: فأدركته فقتلته، فنفلني سلبه". فهذا يؤيد الاحتمال الثاني. قلت: والحديث لا مطابقة له بالباب، فإن هذا الجاسوس لم يكن مستأمنًا، بل هو حربي دخل دار الإسلام بغير أمان، وقد عقد البخاري "باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان"، وأخرج فيه هذا الحديث. (قال هارون: هذا لفظ هاشم). (١٠٤) (بَابٌ: فِي أَيِّ وَقْتٍ يُسْتَحَبُّ اللِّقَاءُ؟ ) أي: لقاء الكفار وقتالهم ٢٦٥٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد قال:

стр. 5622

أَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عن عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ، عن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ النُّعْمَانَ - يَعْنِي ابْنَ مُقَرِّنٍ - قَالَ: "شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (١) إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَخَّرَ الْقِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ وَيَنْزِلَ النَّصْرُ". [ت ١٦١٣، حم ٥/ ٤٤٤، ق ٩/ ١٥٣، ك ٢/ ١١٦] === أنا أبو عمران الجوني، عن علقمة بن عبد الله) بن سنان بكسر السين المهملة وبنونين بينهما ألف (المزني) البصري، اختلفوا في أنه هو أخو بكر بن عبد الله أو غيره، عن ابن المديني: ثقة، وكذا قال النسائي، وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن معقل بن يسار، أن النعمان، يعني ابن مقرن) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة. (قال: شهدت رسول الله ﷺ ) أي: بعض مغازيه، كان (إذا لم يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر)، ولفظ "البخاري": "حتى تهب الأرواح" جمع ريح، وأصله الواو قلبت ياء لانكسار ما قبلها، قال الحافظ: لأن الرياح تهب غالبًا بعد الزوال، فيحصل بها تبريد حدة السلاح والحرب وزيادة في النشاط، وقال: إن فائدة تأخير القتال لكون أوقات الصلاة مظنة إجابة الدعاء، وهبوب الريح قد وقع النصر به في الأحزاب، فصار مظنة لذلك. وقد أخرج الترمذي (٢) حديث نعمان بن مقرن من وجه آخر عنه، لكن فيه انقطاع، لأن قتادة لم يدرك النعمان، قال: "غزوت مع النبي ﷺ ، فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قاتل، فإذا انتصف النهار أمسك، حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس قاتل حتى العصر، ثم أمسك حتى يصلي العصر ثم يقاتل، وكان يقال عند ذلك تهيج رياح النصر ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صَلاتهم".

стр. 5623

(١٠٥) بَابٌ: فِيمَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الصَّمْتِ عِنْدَ اللِّقَاء ٢٦٥٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثَنَا هِشَامٌ (١). (ح): وَثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، ثَنَا هِشَامٌ، ثَنَا قَتَادَةُ، عن الْحَسَنِ، عن قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: "كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَكْرَهُونَ الصَّوْتَ عِنْدَ الْقِتَالِ" (٢). [ق ٩/ ١٥٣] === (١٠٥) (بَابٌ: فِيمَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الصَّمْتِ عِنْدَ اللِّقَاءِ) أي: قتال الكفار ٢٦٥٦ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: ثنا هشام، ح: وثنا عبيد الله بن عمر، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا هشام، ثنا قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عباد) بضم المهملة وتخفيف الموحدة، القيسي الضبعي، أبو عبد الله البصري، قدم المدينة في خلافة عمر، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال العجلي: كان ثقة من كبار الصالحين، وقال النسائي وابن خراش: ثقة، وكانت له مناقب وحلم وعبادة، وذكره أبو مخنف فيمن قتله الحجاج ممن خرج مع ابن الأشعث، وذكره ابن حبان في "الثقات". (قال: كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون الصوت) أي: رفع الصوت بالصراخ وكثرة اللغط (عند القتال)، فإنه قد تقدم في "باب الرجل ينادي بالشعار" أن الشعار ينادى به، قال الشوكاني (٣): فيه دليل على أن رفع الصوت حال القتال وكثرة اللغط والصراخ مكروه، ولعل وجه كراهتهم لذلك أن

стр. 5624

٢٦٥٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، عن هَمَّامٍ قَالَ: ثَنِي مَطَرٌ، عن قَتَادَةَ، عن أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبِيهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ. [ق ٩/ ١٥٣] (١٠٦) بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يَتَرَجَّلُ عِنْدَ اللِّقَاء ٢٦٥٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: ثَنَا وَكِيعٌ، عن إِسْرَائِيلَ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن الْبَرَاءِ قَالَ: "لَمَّا لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ === التصويت في ذلك الوقت ربما كان مشعرًا بالفزع والفشل، بخلاف الصمت فإنه دليل الثبات ورباط الجأش، واستثنى القاري (١) منه ذكر الله فقال: بغير ذكر الله، ولم يثبت لي أنهم يرفعون أصواتهم بذكر الله تعالى عند القتال. ٢٦٥٧ - (حدثنا عبيد الله بن عمر قال: ثنا عبد الرحمن، عن همام قال: ثني مطر، عن قتادة، عن أبي بردة، عن أبيه) أي أبي موسى الأشعري (عن النبي ﷺ بمثل ذلك)، وهذا الحديث المرفوع الذي أشار إليه المصنف أنه مثل الحديث المتقدم، لم أجده بهذا السند في غير هذا الكتاب، نعم وجدت من حديث أبي موسى أن رسول الله ﷺ أنكر على الذين يرفعون أصواتهم عند الصعود والهبوط بالتكبير، وقال: "أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم، ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا" الحديث. (١٠٦) (بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يَتَرَجَّلُ عِنْدَ اللِّقَاءِ) أي: ينزل من مركبه، ويقوم على الأرجل عند قتال الكفار ٢٦٥٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما لقي النبي ﷺ المشركين يوم حنين) بمهملة ونونين، مصغر، واد إلى جنب ذي المجاز قريب [من] الطائف، بينه وبين مكة

стр. 5625

فَانْكَشَفُوا نَزَلَ عن بَغْلَتِهِ، فَتَرَجَّلَ". [انظر: خ ٣٠٤٢، حم ٤/ ٢٨٠] (١٠٧) بَابٌ: فِي الْخُيَلَاءِ فِي الْحَرْبِ ٢٦٥٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، الْمَعْنَى وَاحِدٌ، قَالَا: ثَنَا أَبَانُ قَالَ: ثَنَا يَحْيَى، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن ابْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ، عن جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "مِنَ الْغَيْرَةِ === بضعة عشر ميلًا من جهة عرفات، خرج النبي ﷺ إليه لستٍّ خَلَوْنَ من شوال (فانكشفوا) أي: انهزم أصحاب رسول الله ﷺ (نزل) أي رسول الله ﷺ (عن بغلته، فترجل) لأن هوازن كانت رماة، فخاف أن يتأخر قدم البغلة من وقع السهام، أو ليرى الكفار ثباته، وليجتمع إليه أشتاته، فإن الراجل أبعد من الفرار، لا سيما وقد ترجَّل بالاختيار. (١٠٧) (بَابٌ: فِي الْخُيَلاءِ فِي الْحَرْبِ)، أي: يجوز ذلك في الحرب ٢٦٥٩ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل، المعنى واحد) أي معنى حديثهما واحد (قالا: ثنا أبان قال: ثنا يحيى) بن أبي كثير، (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث، (عن ابن جابر بن عتيك)، وقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" من حديث الحجاج -يعني الصواف- وحرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، وكذا من حديث عفان، ثنا أبان، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث كلهم قالوا: عن ابن جابر بن عتيك، مبهمًا لم يسموه. قال الحافظ في "تهذيب التهذيب": ابن جابر بن عتيك عن أبيه في المغيرة، إما أن يكون عبد الرحمن أو أخًا له. (عن جابر بن عتيك) بن قيس بن الأسود الأنصاري، يقال: إنه شهد بدرًا، ولم يثبت، وشهد ما بعدها، وكان معه راية بني معاوية عام الفتح. (أن نبي الله ﷺ كان يقول: من الغيرة)، وهي كراهة المشاركة في محبوب

стр. 5626

مَا يُحِبُّ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ، فَأَمَّا الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهُ، فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ. وَإِنَّ مِنَ الْخُيَلَاءِ مَا يُبْغِضُ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يُحِبُّ اللَّهُ، فَأَمَّا الْخُيَلَاءُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ، فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ (١) عِنْدَ الْقِتَالِ (٢) وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ فَاخْتِيَالُهُ فِي الْبَغْيِ". قَالَ مُوسَى: "وَالْفَخْرِ" (٣). [ن ٢٥٥٨، حم ٥/ ٤٤٦] === (ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله) ومفعولا الفعلين محذوفان، أي: ما يحبها الله وما يبغضها، (فأما التي يحبها الله فالغيرة في الريبة) أي: في محل الريبة وموضع التهم والشك بحيث يمكن اتهامه فيه، كما كانت زوجته أو أمته أو امرأة من محارمه تدخل على أجنبي أو يدخل أجنبي عليها، ويجري بينهما مزاح وانبساط، وأما إذا لم يكن كذلك فهو من ظن السوء الذي نهينا عنه. (وأما التي يبغضها الله، فالغيرة في غير ريبة) أي: في غير محلها (وإن من الخيلاء) وهو التكبر (ما يبغض الله، ومنها ما يحب الله، فأما الخيلاء التي يحب الله، فاختيال الرجل نفسه عند القتال)، والاختيال عند القتال هو الدخول في المعركة بنشاط وقوة وإظهار الجلادة والتبختر فيه والاستهانة والاستخفاف بالعدو، ولإدخال الروع في قلبه. (واختياله عند الصدقة)، والاختيال فيها أن يعطيها بطيب نفسه وينبسط بها صورة، ولا يستكثر ولا يبالي بما أعطاها، فإنه إذا احتقر المبذول يكون أبعد من المن والأذى، (وأما التي يبغض الله فاختياله في البغي) أي: في الظلم، بأن يختال بالظلم على الضعفاء وقتلهم، أو بأخذ المال منهم ظلمًا (قال موسى: والفخر) أي: يختال بالفخر في النسب ويحتقر

стр. 5627

(١٠٨) بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يُسْتأْسَر ٢٦٦٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ - قَالَ: أَنَا ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو (١) بْنُ جَارِيَةَ الثَقَفِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "بَعَثَ === الناس، ويقول: أنا أشرف نسبًا منهم، فإن الأنساب للتعارف، والأكرم عند الله هو الأتقى. (١٠٨) (بَابٌ: فِي الرَّجُلِ)، أي: المسلم (يُسْتَأْسَرُ) بصيغة المجهول، أي: يجعل نفسه أسيرًا بأيدي الكفار، والبخاري عقد الباب "باب هل يستأسر الرجل، ومن لم يستأسر"، أي: هل يسلم نفسه للأسر أم لا؟ ٢٦٦٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا إبراهيم -يعني ابن سعد- قال: أنا ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني عمرو بن جارية الثقفي) هو عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بفتح أوله، ابن جارية الثقفي المدني (حليف بني زهرة) له عند مسلم حديث أبي هريرة: "لكل نبي دعوة"، وعند الباقين حديثه في بعث عشرة عينًا، واختلفوا في تسميته، فسمَّاه بعضهم: عمرًا، وبعضهم: عمر، ثقة من الثالثة، وكان من أصحاب أبي هريرة. (عن أبي هريرة (٢)، عن النبي ﷺ ، قال) أي أبو هريرة: (بعث

стр. 5628

النَّبِيُّ ﷺ عَشْرَةَ عَيْنًا، وَأَمَّرَ (١) عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ، === النبي ﷺ عشرة) (٢)، أي: عشرة رجال (عينًا) (٣) أي: جاسوسًا، قال الحافظ (٤): وفي رواية أبي الأسود عن عروة: "بعثهم عيونًا إلى مكة ليأتوه بخبر قريش"، قال: وذكر ابن إسحاق: أنهم كانوا ستة، وسماهم، وهم: عاصم بن ثابت، ومرثد بن أبي مرثد، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، وخالد بن البكير، وجَزَمَ ابن سعد بأنهم كانوا عشرة، وساق أسماء الستة المذكورين وزاد: معتب بن عبيد قال: وهو أخو عبد الله بن طارق لأمه، وكذا سمى موسى بن عقبة السبعة المذكورين، لكن قال: معتب بن عوف. قلت: فلعل الثلاثة الآخرين كانوا أتباعًا لهم، فلم يحصل الاعتناء بتسميتهم. وهذا البعث هي سرية الرجيع، وهي سبب لغزوة بني لحيان. (وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت) (٥)، وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب، هكذا في "الصحيح"، وفي "السيرة": أن الأمير عليهم كان مرثد ابن أبي مرثد، وما في "الصحيح" أصح، وزاد البخاري في رواية: "فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة" - وهي على سبعة أميال من عسفان بين عسفان ومكة - ذَكَروا لِحَيٍّ من هذيل، يقال لهم: بنو لحيان بكسر اللام، وقيل: بفتحها وسكون المهملة، ولحيان هو ابن هذيل نفسه، وهذيل هو ابن مدركة بن إلياس بن مضر.

стр. 5629

فَنَفَرُوا (١) لَهُمْ هُذَيْلٌ بِقَرِيبٍ مِنْ مائَةِ رجُلٍ رامٍ، فَلَمَّا أَحَسَّ (٢) بِهِمْ عَاصِمٌ لَجَأُوا إِلى قَرْدَدٍ، فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا فَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ وَلَكُم الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُم أَحَدًا (٣)، فَقَالَ عَاصِمٌ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ === (فنفروا) قال العيني (٤): بتشديد الفاء، أي: استنجدوا لأجلهم، وفي رواية: "فنفر إليهم" بتخفيف الفاء، أي: خرج إليهم، أي: خرجوا ومشوا (لهم هذيل بقريب من مائة رجل رام). قال الحافظ (٥): في رواية شعيب في الجهاد: "فنفروا لهم قريبًا من مئتي رجل"، والجمع بينهما واضح بأن المائة الأخرى غير رماة، ولم أقف على اسم أحد منهم. زاد البخاري في روايته: "فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلًا نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمر تزوَّدوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم" (٦). (فلما أحس بهم) أي: رآهم (عاصم) وأصحابه (لجأوا إلى قردد) بقاف وراء ودالين، هي الموضع المرتفع والجبل، وفي رواية البخاري: "إلى فَدْفَدٍ"، وهي الرابية المشرفة، (فقالوا) أي هذيل (لهم)، أي: لعاصم وأصحابه: (انزلوا) عن القردد (فأعطوا) إيانا (بأيديكم) أي انقادوا لنا (ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدًا (٧)، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر)، زاد البخاري: "اللَّهم أخبر عنا نبيك"، وفي رواية الطيالسي عن إبراهيم بن سعد: "فاستجاب الله لعاصم، فأخبر رسوله خبرهم، فأخبر أصحابه بذلك يوم

стр. 5630

فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ، وَنَزَلَ (١) إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ مِنْهُمْ خُبَيْبٌ وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمَّا استَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا. قَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَاللَّهِ لَا أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لِي بِهَؤُلَاءِ === أصيبوا"، وفي رواية بريدة: "فقال عاصم: اللَّهم إني أحمي لك اليوم دينك فاحم لي لحمي". (فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصمًا في (٢) سبعة نفر) أي: في جملة سبعة، (ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق). قال الحافظ: وفي رواية أبي الأسود عن عروة: "أنهم صعدوا في الجبل، فلم يقدروا عليهم، حتى أعطوهم العهد والميثاق" (منهم خبيب) مصغرًا، ابن عدي، وكان هو قتل حارث بن عامر يوم بدر (وزيد بن الدثنة (٣) ورجل آخر) وهو عبد الله بن طارق. (فلما استمكنوا منهم) أي قدروا عليهم (أطلقوا) أي: حلوا (أوتار) جمع وتر (قسيهم) جمع قوس (فربطوهم بها، قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر). قال الحافظ (٤): وهو يقتضي أن ذلك وقع منه أول ما أسروهم، لكن في رواية ابن إسحاق: فخرجوا بالنفر الثلاثة حتى إذا كانوا بمر الظهران، انتزع عبد الله بن طارق يده، وأخذ سيفه، فذكر قصة قتله، فيحتمل أنهم إنما ربطوهم بعد أن وصلوا إلى مر الظهران، وإلا فما في "الصحيح" أصح. (والله لا أصحبكم، إن لي بهؤلاء) الذين اختاروا القتل، ولم يختاروا

стр. 5631

لأُسْوَةٌ، فَجَرُّوهُ (١)، فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَقَتَلُوهُ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا قَتْلَهُ، فَاسْتَعَارَ مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَلَمَّا خَرَجُوا (٢) بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دَعُونِي أَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ تَحْسِبُونَ (٣) مَا بِي جَزَعًا لَزِدْتُ". [خ ٣٩٨٩، حم ٢/ ٢٩٤] === الأسر (لأسوة) أي: اقتداء، بأني أختار أن أقتل معهم، (فجروه، فأبى أن يصحبهم فقتلوه)، وزاد البخاري في روايته: "وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى (٤) خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بن عامر يوم بدر" (فلبث)، وفي رواية البخاري: "فمكث" (خبيب أسيرًا) أي: عندهم، حتى خرجت الأشهر الحرم (حتى أجمعوا) أي عزموا على (قتله، فاستعار) أي خبيب (موسى) وهي آلة الحلق (يستحدُّ بها) أي يحلق بها شعر العانة. (فلما خرجوا به) أي من الحرم إلى التنعيم (ليقتلوه، قال لهم خبيب: دعوني أركع) أي: أُصَلِّ (ركعتين (٥)، ثم قال: والله لولا أن تحسبون) أي تظنوا (ما بي) أي الذي متلبس بي (جزعًا) مفعول لتحسبوا، ولفظ البخاري: "لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت" (لزدت). قال الحافظ (٦): في رواية بريدة بن سفيان: "لزدت سجدتين أخريين"، وفي رواية البخاري بعد هذا في الحديث زيادة كثيرة، وفيه: أنه دعا

стр. 5632

٢٦٦١ - حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْفٍ قَالَ: نَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. [خ ٣٠٤٥] === "اللَّهم احصهم عددًا"، وفي رواية إبراهيم: "واقتلهم بددا"، قال: فلم يحل الحول ومنهم أحد حي، وفي رواية أبي الأسود عن عروة ممن حضر ذلك أبو إهاب بن عزيز والأخنس بن شريق وعبيدة بن حكيم السلمي وأمية بن عتبة بن همام، فجاء جبرئيل إلى النبي ﷺ فأخبره، فأخبر أصحابه بذلك. قال العيني (١): في نزول خبيب وصاحبيه جواز أن يستأسر الرجل، قال المهلب: إذا أراد أن يأخذ بالرخصة في إحياء نفسه فعل كفعل هؤلاء، وعن الحسن: لا بأس أن يستأسر الرجل إذا خاف أن يُغْلَب، وقال الثوري: أَكْره للأسير المسلم أن يُمَكِّن من نفسه إلَّا مجبورًا، وعن الأوزاعي: لا بأس للأسير المسلم أن يأبى أن يمكِّن من نفسه، بل يأخذ من الشدة والإباء من الأسر، والأنفة من أن يجري عليه مِلْكُ كافر كما فعل عاصم. ٢٦٦١ - (حدثنا ابن عوف قال: نا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي، وهو حليف لبني زهرة، وكان) عمرو (من أصحاب أبي هريرة، فذكر) ابن عوف (الحديث)، وقد أخرج البخاري (٢) هذا الحديث من حديث أبي اليمان بهذا المسند مطولًا في "باب هل يستأسر الرجل ومن لم يستأسر".

стр. 5633

(١٠٩) بَابٌ: فِي الْكُمَنَاءِ ٢٦٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ قَالَ: ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يُحَدِّثُ قَالَ: "جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الرُّمَاةِ يَوْمَ أُحُدٍ - وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا- عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَقَالَ: "إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مِنْ مَكَانِكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ === (١٠٩) (بَابٌ: فِي الْكُمَنَاءِ) جمع كمين، من الكمون، وهو ضد البروز، من يختفي في الحرب للأعداء ٢٦٦٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير قال: ثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء) أي: ابن عازب (يحدث قال: جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد، وكانوا خمسين رجلًا) جملة معترضة بين الفعل ومفعوله، قال الحافظ (١): ووقع في "الهدي" أن الخمسين عدد الفرسان يومئذ وهو غلط بَيِّنٌ، وقد جزم موسى بن عقبة بأنه لم يكن معهم يوم أحد شيء من الخيل، ووقع عند الواقدي: كان معهم فرس لرسول الله ﷺ وفرس لأبي بردة، (عبد الله بن جبير) أي: أميرًا (وقال) لهم: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل إليكم)، والغرض منه شدة اهتمامه ﷺ بالثبات والقرار في هذا المحل المهتم بالشأن، يقول: لو انهزمنا وقتلنا وتخطفنا الطير بالفرض فلا تبرحوا أنتم من مكانكم هذا، وفي حديث ابن عباس عند أحمد والطبراني والحاكم: أن النبي ﷺ أقامهم في موضع، ثم قال لهم: "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا". (وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا) من محلكم (حتى أرسل

стр. 5634

إِلَيْكُمْ"، قَالَ: فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، قَالَ: فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يُسْنِدْنَ (١) عَلَى الْجَبَلِ. فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْغَنِيمَةَ، أَيْ قَوْمِ، الْغَنِيمَةَ! ! ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ لَنَأْتِينَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَأَتَوْهُمْ === إليكم، قال) البراء: (فهزمهم) أي: الكفار (الله، قال) أي البراء: (فأنا والله رأيت النساء) أي: نساء الكفار فإنهم خرجوا معهم بالنساء لأجل الحفيظة والثبات. وسمى ابن إسحاق النساء المذكورات، وهن: هند بنت عتبة خرجت مع زوجها أبي سفيان، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام مع زوجها عكرمة بن أبي جهل، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة مع زوجها الحارث بن هشام، وبرزة بنت مسعود الثقفية مع زوجها صفوان بن أمية، وريطة بنت شيبة السهمية مع زوجها عمرو بن العاص، وسلافة بنت سعد مع زوجها طلحة بن أبي طلحة الحجبي، وخناس بنت مالك والدة مصعب بن عمير، وعمرة بنت علقمة بن كنانة، وقال غيره: كان النساء اللاتي خرجن مع المشركين يوم أحد خمس عشرة امرأة. (يسندن) بضم أوله وسكون المهملة بعدها نون مكسورة ودال مهملة، أي: يصعدن، يقال: أسند في الجبل يسند إذا صعد، ولفظ البخاري في رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق: "يشتددن"، أي: يسرعن المشي (على الجبل، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة، أي قوم، الغنيمة) بحذف ياء المتكلم، أي: احضروها، والنصب على الإغراء (ظهر) أي: غلب (أصحابكم) أي: المسلمون (فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ ) أي: لا تبرحوا من مكانكم. (قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فأتوهم) أي أصحاب

стр. 5635

فَصُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ". [خ ٣٠٣٩، حم ٤/ ٢٩٣] (١١٠) بَابٌ: فِي الصُّفُوفِ ٢٦٦٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ، عن حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ، === عبد الله بن جبير المسلمين الذين ظهروا على الكفار (فصرفت وجوههم) أي وجوه أصحاب رسول الله ﷺ عقوبة لعصيانهم أمر رسول الله ﷺ ، قال الحافظ (١): أي تحيروا فلم يدروا أين يتوجهون (وأقبلوا منهزمين) فلم يبق مع رسول الله ﷺ غير اثني عشر رجلًا. (١١٠) (بَابٌ: فِي الصُّفُوفِ) أي: تعيينها عملًا بقوله تعالى: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٢) ٢٦٦٣ - (حدثنا أحمد بن سنان، ثنا أبو أحمد الزبيري قال: ثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل) هو عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة الأنصاري الأوسي، أبو سليمان المدني، المعروف بابن الغسيل، والغسيل جد أبيه حنظلة بن أبي عامر، غسلته الملائكة يوم أحد، لأنه استشهد وهو جنب، عن ابن معين: ثقة ليس به بأس، وعنه: صويلح، وقال أبو زرعة والنسائي والدارقطني: ثقة، وقال النسائي في موضع آخر: ليس به بأس، وقال مرة: ليس بقوي، وقال ابن حبان: كان ممن يخطئ ويهم كثيرًا، وقال الأزدي: ليس بالقوي عندهم. (عن حمزة بن أبي أسيد) مالك بن ربيعة الأنصاري الساعدي، أبو مالك المدني، ذكره ابن حبان في "الثقات".

стр. 5636

عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ اصْطَفَفْنَا يَوْمَ بَدْرٍ: "إِذَا أَكْثَبُوكُم (١) - يَعْنِي إِذَا غَشُوْكُمْ - فَارْمُوهُمْ بِالنَّبْلِ وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ". [خ ٣٩٨٥، حم ٣/ ٤٩٨] (١١١) بَابٌ: فِي سَلِّ السُّيُوفِ عِنْدَ اللِّقَاء ٢٦٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَجِيحٍ - وَلَيْسَ بِالْمَلْطِيِّ -، عن مَالِكِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: "إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ بِالنَّبْلِ، === (عن أبيه) أبي أسيد: مالك بن ربيعة (قال: قال رسول الله ﷺ حين اصطففنا يوم بدر: إذا أكثبوكم) أي: قربوكم، من كثب، وأكثب: إذا قارب، والكثب القرب، والهمزة للتعدية، وقال البخاري: أكثبوكم، أي: أكثروكم، وهذا التفسير ليس بمعروف، والمعروف هو قاربوكم من الكتب بحركة المثلثة القرب (يعني إذا غشوكم، فارموهم بالنبل واستبقوا نبلكم) أي: لا ترموا عن بعد، فإنه يسقط في الأرض، فتذهب السهام، ولم يحصل نكاية. (١١١) (بَابٌ: فِي سَلِّ السُّيُوفِ عِنْدَ اللِّقَاءِ) ٢٦٦٤ - (حدثنا محمد بن عيسى قال: ثنا إسحاق بن نجيح) أحد المجاهيل، روى له أبو داود هذا الحديث، قلت: جَوَّز الذهبي أن يكون هو الملطي، وليس به قطعًا، فقد وقع في سياق "السنن": ثنا إسحاق بن نجيح (وليس بالملطي) وقد فرق بينهما ابن الجوزي وقال: لا أعرف في هذا طعنًا، (عن مالك بن حمزة بن أبي أسيد) بالضم، (الساعدي) الأنصاري المدني، ذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن أبيه) حمزة بن أبي أسيد، (عن جده) أبي أسيد (قال: قال النبي ﷺ يوم بدر: إذا أكثبوكم فارموهم بالنبل،

стр. 5637

وَلَا تَسُلُّوا السُّيُوفَ حَتَّى يَغْشَوْكُمْ". [خ ٢٩٠٠، حم ٣/ ٤٩٨ ق ٩/ ١٥٥] (١١٢) بَابٌ: فِي الْمُبَارَزَةِ ٢٦٦٥ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا (١) إِسْرَائِيلُ، عن أَبِيِ إِسْحَاقَ، عن حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، عن عَلِيٍّ قَالَ: تَقَدَّمَ - يَعْنِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ - وَتَبِعَهُ ابْنُهُ وَأَخُوهُ، فَنَادَى (٢): مَنْ يُبَارِزُ؟ فَانْتَدَبَ لَهُ شَبَابٌ مِنَ الأَنْصَارِ، === ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم) أي: يزدحموا ويهجموا عليكم. (١١٢) (بَابٌ: فِي الْمُبَارَزَةِ) (٣) أي: المبارزة، والبراز بكسر الباء: هو الخروج من الصف للقتال ٢٦٦٥ - (حدثنا هارون بن عبد الله، ثنا عثمان بن عمر، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي قال: تقدم) أي: خرج من صفهم إلى المسلمين (يعني عتبة بن ربيعة، وتبعه ابنه) الوليد بن عتبة (وأخوه) شيبة بن ربيعة (فنادى) أي: كل واحد منهم المسلمين: (من يبارز؟ ) أي: من يخرج لقتالنا (فانتدب) أي: أجاب (له شباب) جمع شاب (من الأنصار)،

стр. 5638

فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيكُم، إِنَّمَا أَرَدْنَا بَنِي عَمِّنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ (١) ﷺ : "قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ" فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَى عُتْبَةَ، وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَةَ، وَاخْتُلِفَ بَيْنَ عُبَيْدَةَ وَالْوَلِيدِ ضَرْبَتَانِ، فَأَثْخَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الْوَلِيدِ فَقَتَلْنَاهُ، وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَةَ". [حم ١/ ١١٧، ق ٣/ ٢٧٦، ك ٣/ ١٩٤] (١١٣) بَابٌ: فِي النَّهْيِ عن الْمُثْلَةِ === وهم ثلاثة: عبد الله بن رواحة وعوف ومعوذ ابنا عفراء (فقال) أي عتبة: (من أنتم؟ ) أي: من أي القبيلة أنتم؟ (فأخبروه) بأنّا من الأنصار (فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا) أي القتال مع (بني عمنا) من قريش. (فقال النبي ﷺ : قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث، فأقبل) أي: توجه (حمزة إلى عتبة، وأقبلتُ) أي: توجهت (٢) (إلى شيبة) وأقبل عبيدة إلى الوليد (واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان) بالسيف، فضرب كل واحد منهما الآخر، (فأثخن) أي: أثقل بالجراح (كل واحد منهما صاحبه) أي: مقابله (ثم ملنا) أي بعد قتل كل واحد منا صاحبه (على الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة). (١١٣) (بَابٌ: فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ) قال في "المجمع" (٣): يقال: مثلت بالحيوان مثلًا: إذا قطعت أطرافه وشوّهت به، ومثلت بالقتيل: إذا جدعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئًا من أطرافه، والاسم المثلة بفتح ميم وضم ثاء، وقيل: بضم ميم كغرفة، وقيل: بفتح فسكون مصدر.

стр. 5639

٢٦٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَزِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَا: ثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَنَا مُغِيرَةُ، عن شِبَاكٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن هُنَيِّ بْنِ نُوَيْرَةَ، عن عَلْقَمَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَعَفُّ النَّاسِ قِتْلَةً (١) أَهْلُ الإيمَانِ". [جه ٢٦٨٢، حم ١/ ٣٩٣، ق ٨/ ٦١] === ٢٦٦٦ - (حدثنا محمد بن عيسى وزياد بن أيوب قالا: ثنا هشيم قال: أنا مغيرة، عن شباك) بكسر أوله ثم موحدة خفيفة، ثم كاف، الضبي الكوفي الأعمى، قال أحمد: شيخ ثقة، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، قليل الحديث، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: شباك ثبت، وذكره الحافظ في "علوم الحديث" فيمن صح عنه أنه كان يدلس. (عن إبراهيم) أي النخعي، (عن هُنَي) بضم أوله وفتح النون مصغرًا (ابن نويرة) بنون مصغرًا، الضبي الكوفي، كان من العباد، قتله شبيب الخارجي، ذكره ابن حبان في "الثقات". (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) بن مسعود (قال: قال رسول الله ﷺ : أعف الناس). قال النووي: والعفاف والتعفف هو الكف عن محارم الله تعالى وخوارم المروءة (قتلة) بكسر القاف الهيئة وبفتحها المرة الواحدة (أهل الإيمان) فإنهم يقتلون بأمر الله تعالى، ولا يتجاوزون في القتل كما هو عادة غير أهل الإيمان، فإنهم يقتلون قتلة سوءٍ (٢)، ويمثلون ويعذبون كما وقع في أحد، وعذبوا المؤمنين المستضعفين بمكة عذابًا شديدًا، أو لأن المؤمنين جبلوا على الرحمة والشفقة على الخلق، فلما في قلوبهم من الرحمة لا يتعدون في القتلة ولا يمثلون، وقد قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء،

стр. 5640

٢٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَن، عن الْهَيَّاجِ بْنِ عِمْرَانَ: "أَنَّ عِمْرَانَ أَبَقَ لَهُ غُلَامٌ، فَجَعَلَ للَّهِ عَلَيْهِ لَئِنْ (١) قَدَرَ عَلَيْهِ لَيَقْطَعَنَّ يَدَهُ، فَأَرْسَلَنِي لأَسْأَلَ لَهُ، فَأَتَيْتُ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (٢) ﷺ يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَانَا عن الْمُثْلَةِ، فَأَتَيْتُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَانَا عن الْمُثْلَةِ". [دي ١٦٥٦، حم ٤/ ٤٢٨ - ٤٣٩] === فإذا قلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" (٣). ٢٦٦٧ - (حدثنا محمد بن المثنى، ثنا معاذ بن هشام قال: ثني أبي) هشام، (عن قتادة، عن الحسن، عن الهياج) بفتح أوله والتحتانية المشددة ثم جيم (ابن عمران) بن الفصيل بفتح الفاء وكسر الصاد المهملة، التميمي البرجمي البصري، قال علي بن المديني: مجهول، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات". (أن عمران) أبوه (أبق له غلام، فجعل لله عليه) نذرًا (لئن قدر عليه ليقطعن يده، فأرسلني) أبي إلى أصحاب رسول الله ﷺ (لأسأل له) عن هذه المسألة، فإن النذر يوجب الفعل، وقطع اليد إفساد وإضرار شديد، (فأتيت سمرة بن جندب فسألته، فقال) أي سمرة: (كان رسول الله ﷺ يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة، فأتيت عمران بن حصين فسألته) أيضًا عن هذه المسألة، (فقال: كان رسول الله ﷺ يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة).
следующие страницы →