. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الشوكاني في "النيل": وقد أشكل ما في رواية أبي داود من زيادة (١) لفظ "أو نقص" على جماعة، قال الحافظ في "التلخيص" (٢): (تنبيه): يجوز (٣) أن تكون الإساءة والظلم وغيرهما بما ذكر مجموعًا لمن نقص ولمن زاد، ويجوز أن يكون على التوزيع، فالإساءة في النقص والظلم في الزيادة، وهذا أشبه بالقواعد، والأول أشبه بظاهر السياق، انتهى، ويمكن توجيه الظلم في النقصان بأنه ظلم نفسه بما فوتها بالثواب الذي يحصل بالتثليث، وكذا الإساءة لأن تارك السنَّة مسيء، وأما الاعتداء في النقصان فمشكل، فلا بد من توجيهه إلى الزيادة، ولهذا لم يجتمع ذكر الاعتداء والنقصان في شيء من روايات الحديث، ولا خلاف في كراهة الزيادة على الثلاث. قال ابن المبارك: لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم , وقال أحمد وإسحاق: لا يزيد على الثلاث (٤) إلَّا رجل مبتلى، انتهى كلام الشوكاني (٥).
وذكر الحنفية في سنن الوضوء تثليث الغسل المستوعب، فلو غسل في المرة الأولى وبقي موضع يابس، ثم في المرة الثانية أصاب الماء
стр. 597
أَوْ: «ظَلَمَ وَأَسَاءَ». [ن ١٤٠، جه ٤٢٢، حم ٢/ ١٨٠، خزيمة ١٧٤]
(٥٣) بَابٌ: في الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ
===
بعضه، ثم في الثالثة أصاب الجميع، لا يكون غسل الأعضاء ثلاثًا، وقالوا: لو زاد لطمأنينة القلب أو لقصد الوضوء على الوضوء لا بأس به، وحديث: "فقد تعدَّى"، محمول على اعتقاد السنيَّة، ومع اعتقاد سنيَّة الثلاث لا كراهة في الزيادة والنقصان، فلهذا قالوا: لو زاد لقصد الوضوء على الوضوء، أو لطمأنينة القلب عند الشك، أو نقص لحاجة لا بأس به.
واعترض عليه علي القاري في شرحه على "المشكاة " (١): قلت: أما قوله: "لطمأنينة القلب عند الشك"، ففيه أن الشك بعد التثليث - هكذا في النسخة المطبوعة (٢) بمصر، والظاهر قبل التثليث والله أعلم - لا وجه له، وإن وقع بعده فلا نهاية له، وهو الوسوسة، وأما قوله: "أو بنية وضوء آخر"، ففيه أن قبل الإتيان بعبادة بعد الوضوء لا يستحب له التجديد مع أنه لا يتصور التجدد إلَّا بعد تمام الوضوء لا في الأثناء.
(أو ظلم وأساء) شك من الراوي في تقديم أحد اللفظين على الآخر.
(٥٣) (بَابٌ: في الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ)
أي يغسل أعضاء (٣) الوضوء مرتين
стр. 598
١٣٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قال: حَدَّثَنَا زَيْدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحُبَابِ - قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَوْبَانَ
===
١٣٦ - (حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا زيد - يعني ابن الحباب -) (١) بضم المهملة وموحدتين مع خفة الأولى، أبو الحسين العكلي بطن من تميم، الكوفي، أصله من خراسان، ورحل في طلب العلم فأكثر منه، وسكن الكوفة، قال علي بن المديني والعجلي: ثقة، وكذا قال عثمان عن ابن معين، وقال أبو حاتم: صدوق صالح، وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: زيد بن حباب كان صدوقًا لكن كان كثير الخطأ، وقال المفضل بن غسان الغلابي عن ابن معين: كان يقلب حديث الثوري، ولم يكن به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ، يعتبر حديثه إذا روى عن المشاهير، وأما روايته عن المجاهيل ففيها المناكير، وقال ابن خلفون: وثقه أبو جعفر السبتي وأحمد بن صالح، وقال الدارقطني وابن ماكولا: ثقة، وقال ابن شاهين: وثَّقه عثمان بن أبي شيبة، قال ابن عدي: هو من أثبات مشايخ الكوفة ممن لا يشك في صدقه، والذي قاله ابن معين عن أحاديثه عن الثوري، إنما له أحاديث عن الثوري يستغرب بذلك الإسناد، وبعضها ينفرد برفعه، والباقي عن الثوري، وغير الثوري مستقيمة كلها، مات سنة ٢٠٣ هـ.
(قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثوبان)، هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان منسوب إلى جده، العنسي بفتح المهملة وسكون النون وفي آخرها مهملة، أبو عبد الله الدمشقي الزاهدي، قال الأثرم عن أحمد: أحاديثه مناكير، وقال محمد الوراق عن أحمد: لم يكن بالقوي في الحديث، وعن ابن معين: صالح، ومرة عنه: ضعيف، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين:
стр. 599
قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ الْهَاشِمِىُّ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ. [ت ٤٣، حم ٢/ ٢٨٨، ٣٦٤، ق ١/ ٧٩]
١٣٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ
===
لا شيء، وقال يعقوب بن شيبة: اختلف أصحابنا فيه، فأما ابن معين فكان يضعفه، وأما علي فكان حسن الرأي فيه، وقال النسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بالقوي، وقال مرة: ليس بثقة، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وكان رجلًا صالحًا، ويكتب حديثه على ضعفه، وقال عثمان الدارمي عن دحيم: ثقة يرمى بالقدر، وقال أبو حاتم: ثقة يشوبه شيء من القدر، وتغير عقله في آخر حياته، وهو مستقيم الحديث، وقال أبو داود: كان فيه سلامة، وليس به بأس، وكان مجاب الدعوة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ١٦٥ هـ وهو ابن تسعين سنة.
(قال: حدثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي)، هو عبد الله بن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم المدني، قال حرب عن أحمد: لا بأس به، قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن المديني والعجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين) (١) أي غسل أعضاء الوضوء لبيان الجواز ولبيان أوسط مراتب الغسل.
١٣٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافصة بن المختار الحافظ العبدي، أبو عبد الله الكوفي، قال عثمان
стр. 600
قَالَ: حَدَّثنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثنَا زَيْدٌ ,
===
الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال النسائي وابن قانع: ثقة، وقال عثمان بن أبي شيبة: محمد بن بشر ثقة ثبت إذا حدث من كتابه، وقال الآجري عن أبي داود: هو أحفظ من كان بالكوفة، مات سنة ٢٠٣ هـ.
(قال: حدثنا هشام بن سعد) المدني أبو عباد، ويقال أبو سعد القرشي مولاهم، عن أحمد: لم يكن هشام بالحافظ، وعنه: ليس هو محكم الحديث، وعن ابن معين: ضعيف، وعنه: ليس بذاك القوي، وعنه: ليس بشيء، وعنه: صالح ليس بمتروك الحديث، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وقال العجلي: جائز الحديث حسن الحديث، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال الآجري عن أبي داود: هشام بن سعد أثبت الناس في زيد بن أسلم، وقال النسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بالقوي، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يستضعف، وكان متشيعًا، وعن علي بن المديني: صالح، وليس بالقوي، وذكره يعقوب بن سفيان في "الضعفاء"، وقال الحاكم: أخرج له مسلم في الشواهد، مات سنة ١٦٠ هـ.
(قال: حدثنا زيد) هو زيد بن أسلم العدوي أبو أسامة، ويقال: أبو عبد الله المدني، الفقيه، مولى عمر، قال أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد والنسائي وابن خراش: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، من أهل الفقه والعلم، وكان عالمًا بتفسير القرآن، وقال ابن عيينة: كان زيد بن أسلم رجلًا صالحًا، وكان في حفظه شيء، وذكر ابن عبد البر في مقدمة "التمهيد" (١) ما يدل على أنه كان يدلس، كان علي بن الحسين يجلس إلى زيد بن أسلم ويتخطى مجالس قومه، فقال له نافع بن جبير بن مطعم:
стр. 601
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتُحِبُّونَ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ فَدَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ فَاغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ الْيُمْنَى, فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ, ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى, فَجَمَعَ بِهَا يَدَيْهِ, ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ, ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى, ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى, فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى, ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً (١)
===
تتخطى مجالس قومك إلى عبد عمر بن الخطاب، فقال علي: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه، مات سنة ١٣٦ هـ.
(عن عطاء بن يسار) الهلالي، أبو محمد المدني القاص، ويكنيه أهل الشام لما قدمهم بأبي عبد الله، وأهل مصر لما قدمها بأبي يسار، مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، قال ابن معين وأبو زرعة والنسائي وابن سعد: ثقة، مات بالإسكندرية سنة ١٠٤ هـ أو ١٠٣ هـ.
(قال: قال لنا ابن عباس: أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ ) وكان غرضه - رضي الله تعالى عنه - أن يريهم أدنى مراتب الغسل التي تجتزئ (فدعا بإناء فيه ماء، فاغترف غرفة (٢) بيده اليمنى، فتمضمض واستنشق) أي جمع المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة، (ثم أخذ أخرى) أي غرفة أخرى، (فجمع بها يديه) بإضافة اليسرى إلى اليمنى، (ثم غسل وجهه) ولفظة "ثم" هذه بمعنى الفاء، (ثم أخذ أخرى) أي غرفة أخرى (فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ أخرى) أي غرفة أخرى (فغسل بها يده اليسرى، ثم قبض قبضة) والمراد بالقبضة الغرفة، كما تدل عليه الرواية التي أخرجها البيهقي بسنده عن زيد بن أسلم عن عطاء بن
стр. 602
مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ نَفَضَ يَدَهُ, ثُمَّ مَسَحَ بِهَا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ, ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً أُخْرَى مِنَ الْمَاءِ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَفِيهَا النَّعْلُ, ثُمَّ مَسَحَهَا بِيَدَيْهِ: يَدٌ فَوْقَ الْقَدَمِ وَيَدٌ تَحْتَ النَّعْلِ,
===
يسار عن ابن عباس، وفيها: "ثم غرف غرفة فمسح رأسه وأذنيه، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى"، ولأن الماء لا يقبض بل يغرف.
(من الماء ثم نفض يده، ثم مسح بها رأسه وأذنيه) وهذا بظاهره يدل على أن مسح الرأس والأذنين كان بيد واحدة، ويحتمل أن يكون باليدين، فيكون التقدير: ثم قبض قبضة من الماء بيده اليمنى وأضاف إليها اليسرى، ثم نفض يده اليمنى واليسرى، وتؤيد ذاك الاحتمال الثاني رواية البيهقي.
(ثم قبض قبضة أخرى من الماء فَرَشَّ على رجله اليمنى، وفيها النعل، ثم مسحها بيديه: يد فوق القدم ويد تحت النعل) (١)، معناه أنه ﵁ صَبَّ على رجله اليمنى قبضةً من الماء، ثم غسلها بصَبِّ الماء عليها باليد اليمنى، وبإيصال الماء عليها جميعها مستوعبًا بيده اليسرى غسلاً خفيفًا، والحال أن الرِّجل كانت في النعل، ولما كانت نعال العرب ليس فيها غير الشراك والجلدة، فلا يتعسر إيصال الماء إلى جميع الرجل وإن كانت الرجل في النعل، كما يدل عليه صنيع البخاري في "صحيحه"، فإنه عقد "باب غسل الرجلين في النعلين"، وأورد لها حديث ابن عمر وفيه: "وأما النعال السبتية، فإني رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعال التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها".
стр. 603
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال العيني (١): ظاهره كان ﵊ يغسل رجليه، وهما في نعلين, لأن قوله: "فيها"، أي في النعال، ظرف لقوله: "يتوضأ"، فإن قلت: قوله: "يد فوق القدم ويد تحت النعل" يأبى عنه، قلت: كون اليد فوق القدم في وقت لا يأبى أن يفضيها تحت القدم في النعل بعد أن كان فوق القدم، فالمسح في قوله: "ثم مسحها" بمعنى الغسل، كما تدل عليه الرواية التي أخرجها البخاري في "صحيحه" (٢) في "باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة" بسنده عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس، وكما تدل عليه الرواية المذكورة التي أخرجها البيهقي.
والرواية الثانية التي أخرجها البيهقي (٣) في "باب غسل الوجه" عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس، وفيها: "ثم أخذ غرفة من ماء، ثم رشَّ على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله اليسرى".
وهكذا أخرج الإِمام أحمد في "مسنده" (٤)، وأيضًا تدل عليه رواية النسائي (٥)، فإنه أخرج بسنده عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس، وفيها: "ثم غرف غرفة فغسل رجله اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى"، فاليد التي فوق القدم هي الغاسل لها بإيصال الماء عليها كلها ودلكها، وإلا فالغرفة الواحدة لا يمكن أن تستوعب
стр. 604
ثُمَّ صَنَعَ بِالْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ. [ت ٣٦، ن ١٠٢، جه ٤٣٩، ك ١/ ١٤٧]
===
القدم. وأما اليد الأخرى التي كانت تحت النعل، فلا مدخل لها في الغسل إلَّا أنها كانت تحمل القدم وترفعها , ولكن ظن الراوي أنها ماسحة أيضًا، فلا حاجة إلى ما قال الشوكاني في "النيل" (١): وأما قوله: تحت النعل، فإن لم يحمل على التجوُّز عن القدم فهي رواية شاذة، وراويها هشام بن سعد لا يحتج بما تفرد به، فكيف إذا خالف؟ قاله الحافظ. وما قال صاحب "مرقاة الصعود": هذا مؤول بأنه مسح على الخف , فبعيد جدًّا بل لا يكاد يصح، فإن الروايات التي أخرجها البيهقي والنسائي والبخاري مصرّحة بالغسل، فلا معنى لحمله على المسح من غير دليل ولا قرينة.
وقد أخرج الطحاوي هذا الحديث في "باب فرض الرجلين في وضوء الصلاة" بسنده عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: "توضأ رسول الله ﷺ فأخذ ملء كفه ماءً فَرَشَّ به على قدميه، وهو متنعل".
والحديث لا مناسبة له بترجمة الباب، فإنه ليس فيه ذكر غسل أعضاء الوضوء مرتين، بل لو ذكر في الباب (٢) الآتي "باب الوضوء مرة" لكان أنسب، ويمكن أن يوجه للمناسبة بين الحديث وترجمة الباب بأن الغسل مرة مرة، وهي أدنى المراتب تدل بالأولى على جواز الغسل مرتين مرتين، واستحبابه بالأولوية، والله أعلم.
(ثم صنع باليسرى مثل ذلك).
стр. 605
(٥٤) بابُ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً
١٣٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ سُفْيَانَ قال: حَدَّثَنِى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِوُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً. [خ ١٥٧، ت ٤٢، ن ٨٠، جه ٤١١]
===
(٥٤) (بَابُ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً)
١٣٨ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: حدثنا يحيى) بن سعيد بن فروخ القطان، (عن سفيان) وهو الثوري (١)؛ فإن الترمذي (٢) صرَّح برواية الثوري عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس.
وكذلك صرَّح الحافظ في "فتح الباري" (٣) فقال: وسفيان وهو الثوري، ثم قال: وصرح أبو داود والإسماعيلي في روايتهما بسماع سفيان له من زيد بن أسلم.
(قال: حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: ألا أخبركم بوضوء رسول الله ﷺ ؟ فتوضأ مرة مرة) (٤).
وكان هذا البيان أدنى مراتب الغسل، وأدنى ما يجزئ في الغسل، وأفضل منها مرتين مرتين، وأفضل المراتب كلها ثلاثًا ثلاثًا.
стр. 606
(٥٥) بَابٌ فِى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ
١٣٩ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سمِعْتُ لَيْثًا يَذْكُرُ عن طَلْحَةَ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: دَخَلْتُ - يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، والْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ عَلَى صَدْرِهِ، فَرَأَيْتُهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ. [ق ١/ ٥١]
===
(٥٥) (بَابٌ: في الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ والاسْتِنْشَاقِ)
والمراد بالفرق الفصل بينهما (١)
بأن يمضمض أولاً ثم بعد الفراغ منها يستنشق
١٣٩ - (حدثنا حُميد بن مسعدة) بمفتوحة وسكون سين مهملة بعدها عين مهملة، ابن المبارك السامي بالمهملة، الباهلي البصري، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي في أسماء شيوخه: ثقة، وينظر كيف يجتمع الباهلي والسامي، مات سنة ٢٤٤ هـ.
(قال: حدثنا معتمر قال: سمعت ليثًا) ابن أبي سليم (يذكر عن طلحة) بن مصرف، (عن أبيه) هو مصرف، (عن جده) هو كعب بن عمرو أو عمرو بن كعب (قال: دخلت - يعني على النبي ﷺ ) قائل لفظ: "يعني على النبي ﷺ " إما مصرف أو غيره من الرواة (وهو يتوضأ) جملة حالية، والضمير يرجع إليه ﷺ ، (والماء يسيل (٢) من وجهه ولحيته على صدره) ﷺ (فرأيته) ﷺ (يفصل (٣) بين المضمضة والاستنشاق).
стр. 607
(٥٦) بابٌ: فِى الاِسْتِنْثَارِ .
١٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ أَبِى الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِى أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لْيَنْثُرْ» (١). [خ ١٦٢، م ٢٣٧، ن ٨٦، حم ٢/ ٢٤٢]
١٤١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ:
===
(٥٦) (بَابٌ: في الاسْتِنْثَارِ) (٢)
١٤٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) بن أنس، (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان، (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء (٣) ثم لينثر).
١٤١ - (حدثنا إبراهيم بن موسى قال: حدثنا وكيع) بن الجراح (قال:
стр. 608
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ, عَنْ قَارِظٍ،
===
حدثنا ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسمه هشام القرشي العامري، أبو الحارث المدني، ثقة، فقيه، قال أحمد بن سعيد بن أبي مريم عن ابن معين: ابن أبي ذئب ثقة، وكل من روى عنه ابن أبي ذئب ثقة، إلَّا أبا جابر البياضي، وكل من روى عنه مالك ثقة، إلَّا عبد الكريم أبا أمية، وقال يعقوب بن شيبة: ابن أبي ذئب ثقة، صدوق، غير أن روايته عن الزهري خاصة تكلم فيها بعضهم بالاضطراب، وقال النسائي: ثقة، وقال الواقدي: كان من أورع الناس وأفضلهم وكانوا يرمونه بالقدر، وما كان قدريًّا، لقد كان يتقي قولهم ويعيبه، ولكنه كان رجلًا كريمًا يجلس إليه كل واحد.
وقال الخليلي: ثقة، أثنى عليه مالك، فقيه من أئمة أهل المدينة، حديثه مخرج في "الصحيح"، إذا روى عن الثقات، فشيوخه شيوخ مالك، لكنه قد يروي عن الضعفاء، وقد بين ابن أخي الزهري كيفية أخذ ابن أبي ذئب عن عمه، قال. إنه سأل عن شيء فأجابه فرد عليه، فتقاولا فحلف الزهري أن لا يحدثه، ثم ندم ابن أبي ذئب، فسأل الزهري أن يكتب له أحاديث من حديثه فكتب له، قال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ابن أبي ذئب يفتي بالمدينة وكان عالمًا، ثقة، فقيهًا، ورعًا، عابدًا، فاضلًا، وكان يرمى بالقدر، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من فقهاء أهل المدينة وعبادهم، وكان من أقْوَل أهل زمانه للحق، وكان مع هذا يرى القدر، وكان مالك يهجره من أجله، مات سنة ١٥٨ هـ.
(عن قارظ) (١) بن شيبة بن قارظ الليثي المدني، حليف بني زهرة، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: يكنى أبا سلمة، قيل: مات سنة ١٣٠ هـ.
стр. 609
عَنْ أَبِى غَطَفَانَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا». [جه ٤٠٨، حم ١/ ٢٢٨، ك ١/ ١٤٨]
١٤٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ فِى آخَرِينَ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ,
===
(عن أبي غطفان) (١) بن طريف، ويقال: ابن مالك المري بالراء، المدني، قيل: اسمه سعد، قال النسائي في "الكنى": أبو غطفان ثقة، وقال الدوري عن ابن معين: أبو غطفان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وكان قد لزم عثمان وكتب له وكتب أيضًا لمروان، وقال الدوري عن أبي بكر بن داود: أبو غطفان مجهول.
(عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثًا) (٢)، أي نظفوا الأنف (٣) بإخراج الماء عنها بعد الإدخال مرتين أو ثلاثًا بالمبالغة، وقوله: "أو ثلاثًا"، إما للتنويع (٤) فيكون من قول رسول الله ﷺ ، أو شك من الراوي فيكون من قول بعض الرواة.
١٤٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد) وهو داخل (في آخرين) من الشيوخ الذين حدثونا بهذا الحديث (قالوا) أي قتيبة والشيوخ الذين حدثونا كل واحد منهم: (حدثنا يحيى بن سليم) القرشي الطائفي، يقال أبو محمد، ويقال أبو زكريا الخزاز. قال ابن سعد: طائفي، سكن مكة، وقال البخاري عن أحمد بن محمد بن القاسم: مكي، كان يختلف إلى الطائف، فنسب إليه، قال الدوري عن ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير
стр. 610
عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ, عَنْ أَبِيهِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ
===
الحديث، وقال العجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ صالح محله الصدق، ولم يكن بالحافظ، يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: ليس به بأس، وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر، وقال الدولابي: ليس بالقوي، وقال النسائي في "الكنى": ليس بالقوي، وقال العقيلي: قال أحمد بن حنبل: أتيته فكتبت عنه شيئًا، فرأيته يخلط في الأحاديث فتركته، وفيه شيء، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم، وقال الدارقطني: سيئ الحفظ، مات سنة ١٩٣ هـ أو بعدها.
(عن إسماعيل بن كثير) الحجازي، أبو هاشم المكي، قال أحمد والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: ثقة، كثير الحديث، وقال يعقوب بن شيبة، ويعقوب بن سفيان، والعجلي: مكي ثقة، وصحح حديثه في الوضوء ابن خزيمة وابن الجارود والترمذي وابن حبان والحاكم وغيرهم.
(عن عاصم بن لقيط بن صبرة) بفتح المهملة وكسر الموحدة، العقيلي، حجازي، قال البخاري: هو ابن أبي رزين العقيلي، وقيل هو غيره، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له عندهم حديث (١) واحد في المبالغة في الاستنشاق وغير ذلك.
(عن أبيه لقيط بن صبرة)، هو لقيط بفتح لام وكسر قاف وطاء مهملة، ابن صبرة بن عامر بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل، أبو رزين العقيلي، وقيل: هو لقيط بن عامر بن صبرة، قال ابن عبد البر: وقد قيل: إن لقيط بن عامر غير لقيط بن صبرة، وليس بشيء، وقال
стр. 611
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عبد الغني بن سعيد: أبو رزين العقيلي هو لقيط بن عامر بن المنتفق، وهو لقيط بن صبرة، وقيل: إنه غيره، وليس بصحيح، وقد جعلهما ابن معين واحدًا، وقال: ما يعرف لقيط غير أبي رزين، وكذا حكى الأثرم عن أحمد بن حنبل وإليه نحا البخاري، وتبعه ابن حبان وابن السكن، وأما علي بن المديني وخليفة بن خياط وابن أبي خيثمة وابن سعد ومسلم والترمذي وابن قانع والبغوي وجماعة فجعلوهما اثنين، هذا خلاصة ما في "تهذيب التهذيب" (١).
وقال الحافظ في "الإصابة" (٢): والراجح في نظري أنهما اثنان, لأن لقيط بن عامر معروف بكنيته، ولقيط بن صبرة لم يذكر كنيته إلَّا ما شذ به ابن شاهين فقال: أبو رزين العقيلي أيضًا، والرواة عن أبي رزين جماعة، ولقيط بن صبرة لا يعرف له راو إلَّا ابنه، وإنما قوي كونهما واحدًا عند من جزم به, لأنه وقع في صفة كل واحد منهما أنه وافد بني المنتفق، وليس بواضح إلى آخر ما قال.
قلت: صنيع الإِمام أحمد في "مسنده" يدل دلالة واضحة على أنهما اثنان عنده، فإنه أفرد عنوان حديث أبي رزين العقيلي لقيط بن عامر بن المنتفق - رضي الله تعالى عنه - وذكر تحت ذلك العنوان أحاديث متعددة مختلفة، ثم أفرد عنوان حديث لقيط بن صبرة ﵁ ولم يذكر تحته إلَّا حديث الوضوء مختصرًا ومطوَّلًا، ولم يروه عنه إلَّا ابنه عاصم، وعنه إسماعيل بن كثير، ولم يذكر فيمن روى عن أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي، عاصمًا، ولا حديث الوضوء، فهذا يدل على أنهما عند الإِمام غير متحدين، فما حكى الأثرم عن الإِمام لا نعرف له وجهًا.
стр. 612
قَالَ: كُنْتُ وَافِدَ (١) بَنِى الْمُنْتَفِقِ - أَوْ: فِى وَفْدِ بَنِى الْمُنْتَفِقِ - إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَلَمْ نُصَادِفْهُ فِى مَنْزِلِهِ, وَصَادَفْنَا عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ فَأَمَرَتْ
===
(قال: كنت وافد بني المنتفق (٢) أو في وقد بني المنتفق إلى
رسول الله ﷺ )، الوفد: قوم يجتمعون ويَرِدُون البلاد، الواحد: وافد (٣)،
والذين يقصدون الأمراء بالزيارة والاسترفاد والانتجاع، وهم الوفد والوفود، فأما الوفد فاسم للجمع وقيل جمع، وأما الوفود فجمع وافد، قال الجوهري: وقد فلان على الأمير، ولفظ "أو" في قوله: "أو في وفد بني المنتفق"، للشك، والأول يدل على انفراده أو على كونه زعيم الوفد، وفيه دليل على أنه لا تجب الهجرة على كل من أسلم, لأن بني المنتفق وغيرهم لم يهاجروا بل أرسلوا وفودهم، وهو كذلك إذا كان في موضع يقدر على إظهار الدين فيه. "مجمع" (٤).
(قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ فلم نصادفه)، أي: لم نجده، يقال: صادفت فلانًا، أي لاقيته ووجدته (في منزله، وصادفنا عائشة أم المؤمنين) - رضي الله تعالى عنها - (قال: فأمرت) (٥) عائشة ﵂
стр. 613
لَنَا بِخَزِيرَةٍ فَصُنِعَتْ لَنَا. قَالَ: وَأُتِينَا بِقِنَاعٍ, وَلَمْ يَقُلْ قُتَيْبَةُ: الْقِنَاعَ. وَالْقِنَاعُ: الطَّبَقُ فِيهِ تَمْرٌ. ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَصَبْتُمْ شَيْئًا أَوْ أُمِرَ لَكُمْ بِشَىْءٍ؟ »
===
(لنا بخزيرة) (١) هو لحم يؤخذ فيقطع صغارًا في القِدر، ثم يطبخ بالماء الكثير والملح، فإذا نضج ذُرَّ عليه الدقيق فعُصد به، ثم أدم بأي إدام شيء، ولا تكون الخزيرة إلَّا وفيها لحم، فإذا لم يكن فيها لحم فهي عصيدة، وقيل إذا كان من دقيق فهو حريرة، وإذا كان من نخالة فهي خزيرة، ولعلها أمرت جاريتها بطبخها وصنعها.
(فصنعت) بصيغة المجهول أي الخزيرة (لنا قال: وأتينا) بصيغة المجهول أي قدم إلينا (بقناع) القناع: الطبق الذي يؤكل فيه الطعام ويجعل فيه الفاكهة (ولم يقل) وفي نسخة: "لم يفهم"، وفي نسخة: "لم يقم" (٢) (قتيبة: القناع) فعلى النسخة الأولى معناها: لم يتلفظ قتيبة بلفظ القناع (٣) بل قال: وأتينا بتمر أو أطعمتنا تمرًا، وأما الآخرون فقالوا: أُتينا بقناع فيه تمر، وأما على النسختين الأخريين فمعناه أن قتيبة لم يتلفظ بلفظ القناع تلفظًا واضحًا مفهمًا، بل تكلم به بحيث لم أفهمه جيدًا (٤) (والقناع الطبق) (٥) وهذا تفسير معترض من المصنف أو من بعض الرواة (فيه تمر) صفة لقناع، (ثم جاء رسول الله ﷺ فقال: أصبتم شيئًا أو أُمر لكم بشيء؟ )
стр. 614
قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ فَبَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جُلُوسٌ إِذْ دَفَعَ (١) الرَّاعِى غَنَمَهُ إِلَى الْمُرَاحِ, وَمَعَهُ سَخْلَةٌ تَيْعَرُ, فَقَالَ: «مَا وَلَّدْتَ
===
وفي نسخة: "هل أصبتم شيئًا"، و"أو" ها هنا للشك من الراوي (قال: فقلنا: نعم يا رسول الله).
(قال: فبينا نحن مع رسول الله ﷺ جلوس) جمع جالس (إذ دفع) أي سَاقَ وَرَدَّ (الراعي غنمه إلى المُراح) بالضم، أي: مأواها، قال في "النهاية" (٢): المراح بالضم (٣): الموضع الذي تروح إليه الماشية أي تأوي إليه ليلاً، وأما بالفتح فهو الموضع الذي يروح إليه القوم، أو يروحون منه، كالمَغْدَى للموضع الذي يُغْدى منه.
(ومعه) أي الراعي (سخلة) يقال لولد الغنم ساعة تضعه أمه من الضأن والمعز جميعًا ذكرًا كان أو أنثى سخلة، ثم هي البهمة للذكر والأنثى، والجمع بهم (تيعر) أي تصوت وتصيح، يقال: يعرتِ العنزُ تيعر - بالكسر، وقيل: بالفتح- يعارًا بالضم: صاحت، واليعار صوت الغنم، وقيل: صوت المِعْزَى، وقيل: هو الشديد من أصوات النساء.
(فقال: ما ولَّدت) قال الخطابي (٤): هو بتشديد لام وفتح تاء خطابًا للراعي، وأهل الحديث يخففون اللام ويسكنون التاء، والشاة فاعله
стр. 615
يَا فُلَانُ؟ قَالَ: بَهْمَةً, قَالَ: فَاذْبَحْ (١) لَنَا مَكَانَهَا شَاةً, ثُمَّ قَالَ: "لَا تَحْسِبَنَّ" - وَلَمْ يَقُلْ: لَا تَحْسَبَنَّ - "أَنَّا مِنْ أَجْلِكَ ذَبَحْنَاهَا,
===
وهو غلط، من ولدت الشاة توليدًا إذا حضرت ولادتها فعالجتها حين تبين الولد منها، والمولدة القابلة، والمحدثون يقولون: ما ولدت يعنون الشاة، والمحفوظ التشديد بخطاب الراعي (يا فلان؟ ) كناية عن اسم الراعي ولم يعرف اسمه.
(قال: بهمة) بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء، أي قال الراعي: الذي ولّدت بهمة، فيكون مرفوعًا، أو تقديره ولدت بهمة، فعلى هذا يكون منصوبًا، وهو المحفوظ رواية كما صرح به الشارح، والبهمة: ولد الضأن والمعز الذكر والأنثى، ولكن هذا الحديث يدل على أن البهمة (٢) ها هنا اسم للأنثى, لأنه إنما سأله (٣) ليعلم أذكر ولد أو أنثى؟ وإلَّا فتولد أحدهما كان معلومًا (٤).
(قال: فاذبح لنا مكانها شاة، ثم قال) رسول الله ﷺ : (لا تَحْسِبَنَ، ولم يقل: لا تَحْسَبَنَّ) وهذا من كلام لقيط بن صبرة أو من بعض الرواة، والغرض منه إظهار كمال حفظه ببيان أن رسول الله ﷺ نطق بهذا اللفظ بكسر السين، ولم ينطق بفتحه، وأنه على يقين من ذلك (أنَّا من أجلك ذبحناها) يعني: لا تظن أنت أن الشاة التي ذبحناها من أجلك ذبحناها،
стр. 616
لَنَا غَنَمٌ مِائَةٌ لَا نُرِيدُ أَنْ تَزِيدَ, فَإِذَا وَلَّدَ الرَّاعِى بَهْمَةً ذَبَحْنَا مَكَانَهَا شَاةً.
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِى امْرَأَةً وَإِنَّ فِى لِسَانِهَا شَيْئًا - يَعْنِى الْبَذَاءَ - قَالَ: «فَطَلِّقْهَا إِذًا» , قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَهَا صُحْبَةً وَلِى مِنْهَا وَلَدٌ, قَالَ: "فَمُرْهَا" - يَقُولُ: عِظْهَا - "فَإِنْ يَكُ فِيهَا خَيْرٌ فَسَتَفْعَلُ
===
وهذا من مكارم أخلاقه ﷺ ، ولعل الغرض من هذا النفي دفع الخجل الذي يحصل له من أن يظن أن الذبح كان لأجله، بل وجه الذبح أن (لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد) أي على المائة، وهذا من باب الاكتفاء على ما يحتاج إليه، والإجمال في طلب الدنيا (فإذا وَلَّد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة) لئلا تزيد على العدد المائة الذي نريد.
(قال: قلت: يا رسول الله، إن لي امرأة وإن في لسانها شيئًا - يعني: البذاء -) وهذا تفسير للفظ الشيء، والبذاء الفحش في القول (قال) أي رسول الله ﷺ : (فطلقها إذًا) أي إذا كان (١) في لسانها بذاء فطلقها.
(قال: قلت: يا رسول الله) ﷺ (إن لها صحبة) أي قديمة، وحق الصحبة يأبى عن مفارقتها (ولي منها ولد) أي والمانع الثاني من الطلاق أن لي منها ولدًا، فإذا طلقتها يضيع الولد ولا يبقى من يكفله.
(قال: فمُرها، يقول: عظها) (٢) وهذا تفسير من بعض الرواة، معناه: مرها بكف لسانها وعظها أن لا تبذو (فإن يك فيها خير فستفعل) هكذا في "مسند الإِمام"، وقال الشارح: في رواية الشافعي وابن حبان في "صحيحه": "فستقبل".
стр. 617
وَلَا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ كَضَرْبِكَ أُمَيَّتَكَ».
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَخْبِرْنِى عَنِ الْوُضُوءِ, قَالَ: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ, وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ, وَبَالِغْ فِى الاِسْتِنْشَاقِ إِلَاّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا». [ت ٧٨٨، ن ٨٧ - ١١٤، جه ٤٠٧، حم ٤/ ٣٣]
===
(ولا تضرب ظعينتك) والظعينة المرأة السايرة في الهودج، والمراد ها هنا الزوجة، أي لا تضرب امرأتك (كضربك (١) أُمَيَّتك) تصغير الأمَة، وفي رواية "المسند": أمتك.
(فقلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء) أي الوضوء (٢) الكامل (قال: أسبغ الوضوء) بإيصال الماء إلى أعضاء الوضوء مستوعبًا ثلاثًا، والمسح بجميع الرأس والأذنين وإزالة الأوساخ، (وخلل بين الأصابع) (٣) أي بين أصابع اليدين والرجلين (٤) (وبالغ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائماً) (٥) لأنه مظنة إفساد الصوم.
стр. 618
١٤٣ - حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قال: حَدَّثَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ, عَنْ أَبِيهِ وَافِدِ بَنِى الْمُنْتَفِقِ أَنَّهُ أَتَى عَائِشَةَ, فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. قَالَ: فَلَمْ نَنْشَبْ أَنْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١) يَتَقَلَّعُ: يَتَكَفَّأُ,
===
١٤٣ - (حدثنا عقبة بن مكرم) بضم الميم وإسكان الكاف وفتح الراء (٢) ابن أفلح العمي، والعم بطن من تميم، أبو عبد الملك الحافظ البصري، قال أبو داود: عقبة بن مكرم ثقة، ثقة من ثقات [الناس]، فوق بندار في الثقة عندي، وقال النسائي: ثقة، قال ابن قانع: مات بالبصرة سنة ٢٤٣ هـ.
(قال: ثنا يحيى بن سعيد) القطان (قال: حدثنا ابن جريج) عبد الملك (قال: حدثني إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه) هو لقيط بن صبرة (وافد بني المنتفق) من غير شك (أنه أتى عائشة) -رضي الله تعالى عنها - (فذكر معناه) يعني ذكر ابن جريج معنى حديث يحيى بن سليم، فهما متحدان معنى لا لفظًا.
(قال) أي قال ابن جريج: قال إسماعيل: (فلم ننشب) أي لم نلبث، وفي نسخة بالياء التحتانية، قال الشيخ ولي الدين: المحفوظ بالنون (أن جاء النبي ﷺ يتقلع: يتكفأ) حالان من النبي ﷺ أراد قوة مشيه كأنه يرفع رجليه من الأرض رفعًا قويًا، لا كمن يمشي اختيالًا، ويقارب خطاه تنعمًا، فإنه من مشي النساء "مجمع"، أو يميل يمينًا وشمالًا كالسفينة، وخُطِّئَ بأنه صفة المختال، بل معناه أنه يميل إلى سَنَنِه وقصد مشيه، قال القاضي: هذا لا يقتضيه اللفظ، وإنما يكون
стр. 619
وَقَالَ "عَصِيدَة" مَكَانَ "خَزِيرَة". [انظر الحديث السابق]
١٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ, قَالَ فِيهِ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ». [انظر تخريج الحديث السابق]
===
مذمومًا إذا قصده لا ما كان خلقة، وظهر منه أن يتكفأ ليس تفسيرًا ليتقلع، بل جملتان حاليتان ولم يعطف لعدم التناسب.
وروي عن بعض المحدثين أنه ينبغي لطالب الحديث أن يكون سريع
المشي والقراءة والكتابة، وورد في الحديث: "كان إذا مشى تكفأ تكفيًا"، وأيضًا ورد: "كأنما ينحط من صبب"، أي في صبب، معناه أنه ﷺ يتمايل في المشي إلى قدام، والأولى ها هنا أن يكون معنى قوله: "يتكفأ" أي يميل إلى قدام، وهذا اللفظ لم يكن في رواية يحيى بن سليم.
(وقال) أي ابن جريج: (عصيدة مكان خزيرة) والعصيدة دقيق يُلَتّ بالسمن ويطبخ.
١٤٤ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: حدثنا أبو عاصم) النبيل ضحاك بن مخلد (قال: حدثنا ابن جريج بهذا الحديث، قال فيه) أي قال ابن جريج في هذا الحديث الذي روى عنه أبو عاصم: (إذا توضأت فمضمض) فزاد أبو عاصم عن ابن جريج في هذا الحديث ذكر المضمضة، ولم يذكر يحيى القطان عن ابن جريج المضمضة، وأحاديث الباب تدل على أن الاستنثار واجب، وكذا المضمضة.
قال الشوكاني في "النيل" (١): واختلف في وجوبهما وعدمه، فذهب أحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر إلى وجوب المضمضة
стр. 620
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والاستنشاق والاستنثار، وبه قال ابن أبي ليلى، وحماد بن سليمان، وقال النووي في "شرح مسلم" (١): إن مذهب (٢) أبي ثور وأبي عبيد، وداود الظاهري وأبي بكر بن المنذر، ورواية عن أحمد: أن الاستنشاق واجب في الغسل والوضوء والمضمضة سنَّة فيهما، واستدلوا على الوجوب بأدلة.
منها أنه من تمام غسل الوجه فالأمر بغسله أمر بها، وبحديث أبي هريرة المتفق عليه: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر"، وبحديث سلمة بن قيس عند الترمذي، والنسائي بلفظ: "إذا توضأت فانتثر"، وبحديث لقيط بن صبرة المذكور فيه: "وبالغ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائمًا"، وفي رواية عنه: "إذا توضأت فمضمض"، وبحديث أبي هريرة عند الدارقطني ولفظه: "أمر رسول الله ﷺ بالمضمضة والاستنشاق"، وذهب مالك والشافعي والأوزاعي والليث والحسن البصري والزهري وربيعة ويحيى بن سعيد وقتادة والحكم بن عتيبة ومحمد بن جرير الطبري إلى عدم الوجوب، وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى أنهما فرض في الجنابة وسنَّة في الوضوء، انتهى مختصرًا.
واستدل الشافعية بأن الأمر بالغسل عن الجنابة يتعلق بالظاهر دون الباطن، وداخل الأنف والفم من البواطن فلا يجب غسله، واستدل الحنفية بأن الواجب في باب الوضوء غسل الأعضاء الثلاثة
стр. 621
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومسح الرأس، وداخل الأنف والفم ليس من جملتها، أما ما سوى الوجه فظاهر، وكذا الوجه لأنه اسم لما يواجه إليه عادة، وداخل الأنف والفم لا يواجه إليه بكل حال، فلا يجب غسله بخلاف باب الجنابة؛ لأن الواجب هناك تطهير البدن بقوله تعالى: (﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١)، أي: طهروا أبدانكم، فيجب غسل ما يمكن غسله من غير حرج ظاهرًا كان أو باطنًا، ومواظبة النبي ﷺ عليهما في الوضوء دليل السنية دون الفرضية، فإنه كان يواظب على سنن العبادات.
وأما الأحاديث التي استدل بها القائلون بالوجوب فأجاب الجمهور عنه أن الأمر للندب بدليل ما رواه الترمذي محسنًا، والحاكم مصححًا من قوله ﷺ : "توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك ويديك، وامسح رأسك، واغسل رجليك"، ولم يذكر فيه المضمضة والاستنشاق، فهو نص على أن المراد كما أمرك الله في خصوص آية الوضوء لا ما هو أعم من آية الوضوء، فهو دليل صريح على أن المضمضة والاستنشاق ليستا بواجبتين، وأن صيغة الأمر التي وردت فيها هي للندب، وأيضًا يمكن الاستدلال على عدم الوجوب في الوضوء بحديث: "عشر من سنن المرسلين" وذكر فيه المضمضة، وأيضًا بحديث ابن عباس مرفوعًا بلفظ: "المضمضة والاستنشاق سنَّة" رواه الدارقطني، وقال الحافظ في "الفتح" (٢): وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلَّا بكونه لا يعلم خلافًا في أن تاركه لايعيد، انتهى.
стр. 622
(٥٧) بَابُ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ
١٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ - يَعْنِى الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ - قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْمَلِيحِ, عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ زَوْرَانَ (١) , عَنْ أَنَسٍ ابْنَ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ, وَقَالَ: «هَكَذَا أَمَرَنِى رَبِّى (٢)». [ق ١/ ٥٤، ك ١/ ١٤٩]
===
(٥٧) (بَابُ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ) (٣)
١٤٥ - (حدثنا أبو توبة -يعني ربيع بن نافع - قال: ثنا أبو المليح) الحسن بن عمر أو عمر بن يحيى الفزاري مولاهم، أبو المليح الرقي، قال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وصحح الدارقطني أن اسم أبيه عمر بضم العين، قال: وهو ثقة، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ١٨١ هـ.
(عن الوليد بن زَوران) بزاي ثم واو ثم راء، وقيل بتأخير الواو، السلمي الرقي، قال أبو داود: لا ندري سمع من أنس أو لا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحافظ في "التقريب": لين الحديث.
(عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًّا من ماء فأدخله تحت حنكه، فخلل به لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي) والحنك بفتح مهملة ونون: ما تحت الذقن.
стр. 623
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال في "النيل" (١): الحنك هو باطن أعلى الفم والأسفل من طرف مقدم اللحيين، وقد اختلف الناس في ذلك، فذهب إلى وجوب ذلك (٢) في الوضوء والغسل الحسن بن صالح وأبو ثور والظاهرية، وذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي إلى أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء، قال مالك وطائفة من أهل المدينة: ولا في غسل الجنابة، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي والليث وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري وأكثر أهل العلم: إن تخليل اللحية واجب في غسل الجنابة، ولا يجب في الوضوء، هكذا في "شرح الترمذي" لابن سيد الناس، قال: وأظنهم فرقوا بين ذلك - والله أعلم- بقوله ﷺ : "تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر وأنقوا البشر".
والإنصاف أن أحاديث الباب بعد تسليم إنهاضها للاحتجاج لا تدل على الوجوب؛ لأنها أفعال، وما ورد في بعض الروايات من قوله ﷺ : "هكذا أمرني ربي"، لا يفيد الوجوب على الأمة لظهوره في الاختصاص به، انتهى ملخصًا (٣)، " نيل".
стр. 624
(٥٨) بَابُ الْمَسْحِ عَلَى العِمَامَةِ
١٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ ثَوْرٍ, عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ,
===
قلت: ظاهر هذا الحديث يدل على أن هذه الغرفة التي أخذها ﷺ وخلل بها لحيته كانت زائدة على الغرفات الثلاث التي غسل بها وجهه، فيمكن أن يستدل بها على جواز الزيادة على الثلاث إذا كان للتكميل.
(٥٨) (بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ) (١)(٢)
١٤٦ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثنا يحيى بن سعيد) القطان، (عن ثور) بن يزيد، (عن راشد بن سعد) المُقرائي بضم الميم، وفي "التقريب": بفتحها وسكون القاف وفتح الراء [وبعدها همزة] ثم ياء النسبة، نسبة إلى مقرى قرية بدمشق، ولقال: الحبراني، بضم المهملة والباء المعجمة بواحدة والراء المهملة والنون، نسبة إلى حبران بن عمرو بن قيس من اليمن، عن أحمد: لا بأس به، وعن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو حاتم والعجلي ويعقوب بن شيبة والنسائي، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال الدارقطني: لا بأس به إذا لم يحدث عنه متروك، وله ذكر في الجهاد من "صحيح البخاري"، وذكر الحاكم أن الدارقطني ضعفه، وكذا ضعفه ابن حزم، مات سنة ١٠٨ هـ.
стр. 625
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: "بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ, فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ.
===
(عن ثوبان) مولى رسول الله ﷺ (قال: بعث رسول الله ﷺ سرية) والسرية بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتانية هي التي تخرج بالليل، والسارية التي تخرج بالنهار، وقيل: سميت بذلك لأنها تخفي ذهابها، وهذا يقتضي أنها أخذت من السر، ولا يصح لاختلاف المادة، وهي قطعة من الجيش تخرج منه، وهي من مئة إلى خمس مئة، فما زاد على خمس مئة يقال له: منسر بالنون والمهملة، فإن زاد على الثمان مئة سمي جيشًا، وما بينهما تسمى هبطة، فإن زاد على أربعة آلاف يسمى جحفلًا، فإن زاد فجيش جراء، والخميس الجيش العظيم، وما افترق من السرية يسمى بعثًا، فالعشرة فما بعدها تسمى حفيرة، والأربعون عصبة، وإلى ثلاث مدّة مقنب بقاف ونون ثم موحدة، فإن زاد سمي جمرة، والكتيبة ما اجتمع ولم ينتشر، قاله الحافظ في "الفتح" (١).
قال في "المجمع": سموا به لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري النفيس.
(فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله ﷺ )، أي: وَشَكوْا إليه ماأصابهم من البرد، كما في رواية أحمد (أمرهم) أي رخص لهم (أن يمسحوا على العصائب) أي العمائم (٢) , لأن العمامة ثوب يعصب به
===
(١) "فتح الباري" (٨/ ٥٦).
(٢) كذا فسره أبو عبيد اللغوي، سمي به, لأن الرأس يعصب به "الغاية"، وكذا في "التقرير" لتبويب المصنف وبسطه، وقال: جعل تعالى في النائب أيضًا بركة، ثم بسطه أشد البسط. (ش).
стр. 626
وَالتَّسَاخِينِ". [حم ٥/ ٢٧٧، ق ١/ ٦٢، ك ١/ ١٦٩]
===
الرأس، (والتساخين) (١) كالثماثيل جمع تسخان بفوقية فسين مهملة فخاء منقوطة فنون كعمران وهي الخفاف، وقال الجوهري: لا واحد له من لفظه، ويقال: أصله كل ما سخن به قدم كخف وجورب.
قال الشوكاني في "النيل": قد اختلف الناس في المسح (٢) على العمامة، فذهب إلى جوازه (٣) الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود بن علي، واختلفوا هل يحتاج الماسح على العمامة إلى لبسها على طهارة (٤) أو لا يحتاج؟ فقال أبو ثور (٥): لا يمسح على العمامة إلَّا من لبسها على طهارة قياسًا على الخفين، ولم يشترط ذلك الباقون.
وكذلك اختلفوا في التوقيت، فقال أبو ثور: إن وقته كوقت المسح على الخفين، وذهب الجمهور - كما قاله الحافظ في "الفتح" - إلى عدم جواز الاقتصار على مسح العمامة، قال الترمذي: وقال غير واحد من أصحاب النبي ﷺ : لا يمسح على العمامة إلَّا أن يمسح (٦) برأسه مع العمامة، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي، وإليه ذهب أيضًا أبو حنيفة، واحتجوا بأن الله فرض المسح على الرأس،
стр. 627
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والحديث في العمامة محتمل التأويل فلا يترك المتيقن للمحتمل، والمسح على العمامة ليس بمسح على الرأس، ورد بأنه أجزأ المسح على الشعر، ولا يسمى رأسًا، فإن قيل: يسمى رأسًا مجازًا لعلاقة المجاورة، قيل: والعمامة كذلك بتلك العلاقة، فإنه يقال: قبَّلت رأسه والتقبيل على العمامة، انتهى.
قلت: قال الإِمام محمد بن الحسن في "الموطأ": وبهذا نأخذ، لا يمسح على الخمار ولا على العمامة، بلغنا أن المسح على العمامة كان فترك، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، قال مولانا عبد الحي في "تعليقه" (١): اختلفت فيه الآثار، فروي عن النبي ﷺ أنه مسح على عمامته (٢) من حديث عمرو بن أمية الضمري [وبلال] والمغيرة بن شعبة وأنس، وكلها معلولة، انتهى.
والحجة ظاهر قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فإن من مسح على شعور رأسه يكون ماسحًا على الرأس، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يمسح على شعر رأسه، وكان كثير الشعر، والمسح على العمامة ليس مسحًا على الرأس عرفًا وإنكاره مكابرة، فإن قيل: والعمامة كذلك، فإنه يقال: قبَّلت رأسه والتقبيل على العمامة، قلنا: كون تقبيل العمامة تقبيلًا على الرأس عرفًا لا يستلزم أن يكون حكم العرف في المسح كذلك، بل حكم المسح على خلاف ذلك، فإن المسح على العمامة ليس مسحًا على الرأس (٣).
стр. 628
١٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ
===
١٤٧ - (حدثنا أحمد بن صالح) المصري، أبو جعفر الحافظ المعروف بابن الطبري، قال البخاري: ثقة صدوق، ما رأيت أحدًا يتكلم فيه بحجة، كان أحمد بن حنبل وعلي وابن نمير وغيرهم يُثبتون أحمد بن صالح، وكان يحيى يقول: سلوا أحمد فإنه أثبت، وقال العجلي: ثقة صاحب سنَّة، وقال أبو حاتم: ثقة كتبت عنه، وقال النسائي: ليس بثقة ولا مأمون، وقال أبو سعيد بن يونس: ذكره النسائي فرماه وأساء الثناء عليه، وقال: ثنا معاوية بن صالح سمعت يحيى بن معين يقول: أحمد بن صالح كذاب يتفلسف، وقال عبد الكريم ابن النسائي عن أبيه: ليس بثقة ولا مأمون، تركه محمد بن يحيى، ورماه يحيى بالكذب، وقال ابن معين: كان النسائي سيّئ الرأي فيه وينكر عليه أحاديث.
قال ابن عدي: وكلام ابن معين فيه تحامل، وأما سوء ثناء النسائي عليه فسمعت محمد بن هارون البرقي يقول: هذا الخراساني يتكلم في أحمد بن صالح، وحضرت مجلس أحمد فطرده من مجلسه، فحمله ذلك على أن يتكلم فيه، وقال الخطيب: احتج بأحمد جميع الأئمة إلَّا النسائي ويقال: كان آفة أحمد الكبر، ونال النسائي منه جفاء في مجلسه، فذلك السبب الذي أفسد الحال بينهما، قال ابن حبان: كان أحمد بن صالح في الحديث وحفظه عند أهل مصر كأحمد بن حنبل عند أهل العراق، ولكنه كان صَلَفًا (١) تَيَّاهًا (٢)، والذي يروى عن يحيى بن معين أن أحمد بن صالح كذاب، فإن ذلك أحمد بن صالح الشمومي شيخ كان بمكة يضع الحديث، سأل معاوية عنه يحيى، ويقوي ما قاله ابن حبان
стр. 629
قال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قال: حَدَّثَنِى مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ, عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ, عَنِ أَبِى مَعْقِلٍ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ,
===
أن يحيى بن معين لم يرد صاحب الترجمة ما تقدم عن البخاري أن يحيى بن معين ثَبَّتَ أحمد بن صالح المصري صاحب الترجمة، مات سنة ٢٤٨ هـ.
(قال: حدثنا ابن وهب) هو عبد الله بن وهب بن مسلم (قال: حدثني معاوية بن صالح) بن حدير، (عن عبد العزيز بن مسلم) الأنصاري، مولى آل رفاعة المدني، ذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا في المسح على العمامة.
(عن أبي معقل) (١) عن أنس بن مالك في المسح على العمامة، وعنه عبد العزيز بن مسلم الأنصاري، قال أبو علي بن السكن: لا يثبت إسناده، وقال ابن القطان (٢): أبو معقل مجهول، وكذا نقل ابن بطال عن غيره، (عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وعليه عمامة قِطْرِيَّة)، قال في "النهاية" (٣) تحت قوله: كان متوشحًا بثوب قطري: هو ضرب من البرود فيه حمرة، ولها أعلام فيها بعض الخشونة، وقيل: حلل جياد تحمل من قِبلِ البحرين، وقال الأزهري: في أعراض البحرين قرية يقال لها: قَطَر، وأحسب الثياب القطرية نسبت إليها، فكسروا القاف للنسبة وخففوا.
стр. 630
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفي "المجمع" (١) عن "التوسط": ومنه "توضأ وعليه عمامة قطرية" هو بكسر قاف فسكون طاء، واستدل به على التعمم بالحمرة، وفيه إبقاء العمامة حال الوضوء، وهو يرد على كثير من الموسوسين ينزعون عمائمهم عند الوضوء، وهو من التعمق المنهي عنه، وكل الخير في الاتباع، وكل الشر في الابتداع.
قلت: وهذا الذي قاله في "التوسط" من أن كل الخير في الاتباع وكل الشر في الابتداع على الرأس والعين، وأما الذي قاله من أن نزع العمامة عند الوضوء من التعمق المنهي عنه فغير مسلَّم، أما أولًا فإن الحديث الذي يستدل بها على إبقاء العمامة على الرأس عند المسح في الوضوء حديث ضعيف لا يحتج به، وأما ثانيًا فإن الذين ينزعون عمائمهم عند الوضوء غرضهم استيعاب الرأس بالمسح، وهو مأمور به ومطلوب ومندوب إليه شرعًا، فكيف يكون ابتداعًا وتعمقًا منهيًا عنه.
وأما الذي فعله ﷺ من إبقاء العمامة على رأسه عند مسحه، فكان مسحه ﷺ لبعض الرأس، كما يدل عليه آخر هذا الحديث من قوله: "فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه"، وهذا يدل ظاهرًا على أنه ﷺ لم يستوعب الرأس بالمسح، فلا يدل على أن إبقاءه ﷺ العمامة على الرأس عند المسح كان لوجوبه بل كان لبيان الجواز، والذين ينزعون عمائمهم عند المسح لا يوجبون النزع، فليت شعري كيف يكون هذا تعمقًا وابتداعًا في الدين، وكيف يخرج هذا من الاتباع بل هو عين الاتباع، فلا يغتر بما قاله صاحب "التوسط"، ونقل عنه ابن طاهر صاحب "المجمع"، وعنه صاحب "غاية المقصود"، والله ولي التوفيق.
стр. 631
فَأَدْخَلَ يَدَهُ (١) مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ فَلَمْ (٢) يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ". [جه ٥٦٤، ق ١/ ٦١]
(٥٩) بَابُ غَسْلِ الرِّجْلِ
١٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ,
===
(فأدخل يده من تحت العمامة فمسح (٣) مقدم رأسه فلم ينقض العمامة) أي لم يحلها (٤)، وهذا الحديث يدل على أنه ﷺ مسح على بعض رأسه ولم يستوعب الرأس بالمسح ولم يمسح على العمامة.
(٥٩) (بَابُ غَسْلِ الرِّجْلِ)
وفي نسخة: الرِّجلين (٥)، ومراده غسلهما بالاستيعاب، وفي نسخة: باب تخليل أصابع الرجلين
١٤٨ - (حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا) عبد الله (بن لهيعة) بفتح اللام وكسر الهاء، ابن عقبة الحضرمي، أبو عبد الرحمن المصري الفقيه
стр. 632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
القاضي، قال الترمذي في "سننه": وابن لهيعة ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره, وقال: أبو داود عن أحمد: ومن كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟ وقال البخاري عن يحيى بن بكير: احترقت كتب ابن لهيعة سنة سبعين ومئة، وكذا قال يحيى بن عثمان بن صالح عن أبيه، ولكنه قال: لم تحترق بجميعها إنما احترق بعض ما كان يقرأ عليه، وما كتبت كتاب عمارة بن غزية إلَّا من أصله، وقال أبو داود: قال ابن أبي مريم: لم يحترق، وعن زيد بن الحباب: سمعت الثوري يقول: حججت حججًا لألقى ابن لهيعة.
وقال يعقوب بن سفيان: سمعت أحمد بن صالح وكان من خيار المتقنين يثني عليه، وقال: إنما كان أخرج كتبه فأملى على الناس حتى كتبوا حديثه إملاء، فمن ضبط كان حديثه حسنًا، إلَّا أنه كان يحضر من لا يحسن ولا يضبط ولا يصحح، ثم لم يخرج ابن لهيعة بعد ذلك كتابًا ولم ير له كتاب، وكان من أراد السماع منه استنسخ ممن كتب عنه وجاءه فقرأه عليه، فمن وقع على نسخة صحيحة فحديثه صحيح، ومن كتب من نسخة لم تضبط جاء فيه خلل كثير، وكل من روى عنه عن عطاء بن أبي رباح فإنه سمع من عطاء، وروى عن رجل عن عطاء، وعن رجلين عن عطاء، وعن ثلاثة عن عطاء، فتركوا من بينه وبين عطاء وجعلوه عن عطاء، قال يعقوب: وقال لي أحمد: مذهبي في الرجال أني لا أترك حديث محدث حتى يجتمع أهل مصر على ترك حديثه، وسئل ابن معين عن رشدين فقال: ليس بشيء، وابن لهيعة أمثل منه، وابن لهيعة أحب إلى من رشدين، قد كتبت حديث ابن لهيعة، وما زال ابن وهب يكتب عنه حتى مات.
روى له مسلم مقرونًا بعمرو بن الحارث، وروى البخاري في الفتن
стр. 633
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من "صحيحه"، وفي الاعتصام، وفي تفسير سورة النساء، وفي آخر الطلاق، وفي عدة مواضع هذا مقرونًا، ولا يسميه وهو ابن لهيعة لا شك فيه، قال الحاكم: استشهد به مسلم في موضعين، وقال عبد الغني بن سعيد الأزدي والساجي وغيره: إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح؛ ابن (١) المبارك وابن وهب والمقرئ.
وحكى ابن عبد البر أن الذي في "الموطأ" عن مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في العربان هو ابن لهيعة، وقال ابن قتيبة: كان يقرأ عليه ما ليس من حديثه يعني فضعف بسبب ذلك، وقال عبد الكريم بن عبد الرحمن النسائي عن أبيه: ليس بثقة، وقال ابن معين: كان ضعيفًا لا يحتج بحديثه، وقال ابن شاهين: قال أحمد بن صالح: ابن لهيعة ثقة، وما روي عنه من الأحاديث فيها تخليط يطرح ذلك التخليط، وقال مسعود عن الحاكم: لم يقصد الكذب، وإنما حدث عن حفظه بعد احتراق كتبه فأخطأ، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن الإفريقي وابن لهيعة فقالا جميعًا: ضعيفان، وابن لهيعة أمره مضطرب.
قال عبد الرحمن: قلت لأبي: إذا كان من يروي عن ابن لهيعة مثل ابن المبارك فابن لهيعة يحتج به؟ قال: لا، وقال محمد بن سعد: كان ضعيفًا، ومن سمع منه في أول أمره أحسن حالًا في روايته ممن سمع منه بأخرة، وقال مسلم في "الكنى": تركه ابن مهدي ويحيى بن سعيد ووكيع، وقال ابن حبان: سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن، فوجب التنكب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه لما فيها من
стр. 634
عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَمْرٍو, عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِىِّ,
===
الأخبار المدلسة عن المتروكين، ووجب ترك الرواية عن المتأخرين بعد احتراق كتبه لما فيها مما ليس من حديثه، وقال أبو جعفر الطبري: اختلط عقله في آخر عمره، مات سنة ١٧٤ هـ.
(عن يزيد بن عمرو) المعافري المصري، قال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن يونس: ولي العرافة، وقال الحافظ في "التقريب": صدوق.
(عن أبي عبد الرحمن الحبلي) بضم الحاء المهملة والباء المنقوطة بواحدة، قال أبو علي البغدادي في "كتاب التاريخ" (١): قيل: إن الحبلي منسوب إلى حي من اليمن من الأنصار، والمشهور بهذه النسبة أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد الحبلي من تابعي أهل مصر، قاله السمعاني في "الأنساب".
وأما ما نقل صاحب "غاية المقصود" فقال: قال في "القاموس": الحبلي لقب سالم بن غُنْم بن عوف لِعِظَم بطنه، ومن ولده بنو الحُبْلَى بطن من الأنصار، وهو حُبلِيٌّ بالضم، وكجهني، انتهى. فليس في محله، فإن السمعاني فرق بين الحُبُلي المضمومة الحاء والباء الذي فيه نسبة إلى حي من اليمن من الأنصار، وذكر فيها أبا عبد الرحمن عبد الله بن يزيد الحبلي فذكر على حدة، والحُبْلي بضم الحاء وتسكين الموحدة وإمالة اللام، وذكر فيه أن هذه اللفظة لقب سالم بن غنم، فذكره على حدة، فهذا يدل على أن النسبتين متغايرتان، فإدخال إحداهما في الأخرى غير صحيح، فإن عبد الرحمن هذا منسوب إلى الأول لا إلى الثاني.
стр. 635
عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ يَدْلُكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ". [ت ٤٠، جه ٤٤٦، ق ١/ ٧٦ - ٧٧، حم ٤/ ٢٢٩]
===
قال في "لسان العرب" (١): وبنو الحُبْلَى بطن، النَّسَبُ إليه حُبْلىٌّ على القياس، وحُبَليٌّ على غيره، انتهى.
وهو عبد الله بن يزيد المعافري بفتح الميم والعين وكسر الفاء والراء، المصري، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد والعجلي: ثقة، بعثه عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية ليفقههم، فبَث فيها علمًا كثيرًا، ومات بها ودفن بباب تونس.
(عن المستورد بن شداد) بن عمرو القرشي الفهري الحجازي، نزل الكوفة، له ولأبيه صحبة، مات بمصر في ولاية معاوية سنة ٤٥ هـ (٢).
(قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ يدلك) (٣) أي يخلل (٤) (أصابع رجليه بخنصره) أي بخنصر يده اليسرى، أي يبالغ في إيصال الماء في داخل أصابعه لحصول الاستيعاب، ومناسبة الحديث للترجمتين ظاهرة، فإن دَلْكَ الأصابع وتخليلها يقتضي غسل الرجلين مستوعبًا.