قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ بُرْدُ بْنُ سِنَانٍ مثلهُ عن نافعٍ مِثْلَ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ, وَرَوَاهُ أَيُّوبُ, عَنْ نَافِعٍ مِثْلَهُ, إلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَنُفِّلْنَا بَعِيرًا بَعِيرًا, لَمْ يَذْكُرِ النَّبِىَّ ﷺ .
٢٧٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى, عَنْ جَدِّى. (ح): وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِى يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنِى حُجَيْنٌ, نَا اللَّيْثُ, عَنْ عُقَيْلٍ،
===
ولم يغيره، فالتنفيل من رسول الله ﷺ الواقع في هذا الحديث أنه ﷺ لما قرره ولم يغيره، فكأنه تنفيل منه ﷺ .
(قال أبو داود: رواه برد بن سنان مثله عن نافع مثل حديث عبيد الله) ولم أجد (١) حديث برد بن سنان عن نافع، (ورواه أيوب، عن نافع مثله، إلَّا أنه قال: ونُفِّلْنا)، قال القسطلاني (٢): بضم النون مبنيًا للمفعول (بعيرًا بعيرًا، لم يذكر النبي ﷺ )، وأخرج البخاري في "صحيحه" (٣) في باب السرية التي قبل نجد حديث أيوب عن نافع.
٢٧٤٦ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال: حدثني أبي) أي شعيب، (عن جدي) أي: الليث، (ح: وحدثنا حجاج بن أبي يعقوب قال: حدثني حجين) مصغرًا آخره نون، ابن المثنى اليمامي أبو عمر، نزيل بغداد، خراساني الأصل، قال محمد بن رافع وصالح بن محمد: ثقة، وقال أبو بكر الجارودي: ثقة ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، مات ببغداد، قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات" (نا الليث، عن عقيل) بن خالد.
стр. 5812
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ (١) يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً النَّفْلَ سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الْجَيْشِ, وَالْخُمُسُ وَاجِبٌ فِى ذَلِكَ كُلِّهُ". [خ ٣١٣٥، م ١٧٥٠، حم ٢/ ١٤٠]
===
(عن ابن شهاب، عن سالم، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قد كان ينفل) إذا خرج الجيش للغزو (بعض من يبعث من السرايا) من بيانية لـ "من" (لأنفسهم خاصة النفل سوى قسم عامة الجيش) فينفل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة، (والخمس واجب في ذلك كله)، وهذه الجملة لم يذكرها البخاري في "صحيحه" (٢)، والظاهر أنه من قول ابن عمر.
قال في "السير الكبير": وصورة هذا التنفيل أن يقول: من قتل قتيلًا فله سلبه، ومن أسر أسيرًا فهو له، كما أمر به رسول- ﷺ المنادي حين نادى يوم بدر ويوم حنين، أو يبعث سرية فيقول: لكم الثلث مما تصيبون بعد الخمس، أو يطلق بهذه الكلمة، فعند الإطلاق لهم ثلث المصاب قبل أن يخمس يختصون به، وهم شركاء الجيش فيما بقي بعد ما يرفع منه الخمس، وعند التقييد بهذه الزيادة يُخَمَّسُ ما أصابوا، ثم يكون لهم الثلث مما بقي يختصون به، وهم شركاء الجيش فيما بقي.
وقال فيه في محل آخر: ولو أن الإِمام بعث سرية من دار الإِسلام، فنفل لهم الثلث بعد الخمس أو قبل الخمس كان هذا التنفيل باطلًا, لأن ما خص بعضهم بالتنفيل، ولا مقصود من هذا التنفيل سوى إبطال الخمس، وإبطال تفضيل الفارس على الراجل، وذلك لا يجوز، بخلاف ما إذا التقوا في دار الحرب، ففي التنفيل هناك معنى التخصيص لهم, لأن الجيش شركاء في الغنيمة، ففي التنفيل تخصيصهم ببعض المصاب، وذلك مستقيم.
стр. 5813
٢٧٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ, نَا حُيَىٌّ, عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِىِّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ فِى ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةَ (١) عَشَرَ،
===
٢٧٤٧ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: نا عبد الله بن وهب، نا حيي) بن عبد الله، (عن أبي عبد الرحمن الحبلي) بضم الحاء والباء الموحدة، (عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ خرج يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر).
ووقع في رواية "البخاري" (٢) في المغازي: "وكان المهاجرون نيفًا على ستين"، قال الحافظ (٣): كذا في هذه الرواية, وسيأتي في آخر الكلام على هذه الغزوة أنهم كانوا ثمانين أو زيادة، انتهى. والأنصار نيفًا وأربعين ومائتين، ووقع في حديث "مسلم": "أنها [ثلاثمائة و] تسعة عشر"، وللبزار من حديث أبي موسى: "ثلاثمائة وسبعة عشر"، ولأحمد والبزار والطبراني من حديث ابن عباس: "كان أهل البدر ثلاثمائة وثلاثة عشر"، وهو المشهور عند أهل المغازي.
ويقال عن ابن إسحاق: "وأربعة عشر"، وعند الطبراني والبيهقي من وجه آخر عن أبي أيوب الأنصاري قال: "خرج رسول الله ﷺ إلى بدر فقال لأصحابه: تعادوا، فوجدهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلًا، ثم قال ﷺ لهم: تعادُّوا، فتعادوا مرتين، فأقبل رجل على بكر له ضعيف، وهم يتعادون فتمت العدة ثلاثمائة وخمسة عشر".
وروى البيهقي أيضًا بإسناد حسن وأبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "خرج رسول الله ﷺ يوم بدر، ومعه ثلاثمائة وخمسة عشر"، وهذه الرواية لا تنافي التي قبلها, لاحتمال أن تكون الأولى لم يعد النبي ﷺ ،
стр. 5814
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولا الرجل الذي أتى آخرًا، وأما الرواية التي فيها: "وتسعة عشر"، فيحتمل أنه ضم إليهم من استصغر، ولم يؤذن له في القتال يومئذ كالبراء وابن عمر، وكذلك أنس.
وقد روى أحمد بسند صحيح عنه: أنه سئل: "هل شهدت بدرًا؟ فقال: وأين أغيب عن بدر"، انتهى. وكأنه كان حينئذ في خدمة النبي ﷺ ، وحكى السهيلي: أنه حضر مع المسلمين سبعون نفسًا من الجن، وكان المشركون ألفًا، وقيل: سبعمائة وخمسون، وكان معهم سبعمائة بعير ومائة فرس (١).
ومن هذا القبيل جابر بن عبد الله، فقد روى أبو داود بإسناد صحيح عنه قال: "كنت أميح الماء لأصحابي يوم بدر"، وإذا تحرر هذا الجمع فليعلم أن الجميع لم يشهدوا القتال، وإنما شهده منهم ثلاثمائة وخمسة أو ستة، كما أخرجه ابن جرير.
وسيأتي من حديث أنس أن ابن عمته حارثة بن سراقة خرج نظارًا، وهو غلام يوم بدر، فأصابه سهم فقتل، وعند ابن جرير من حديث ابن عباس: "أن أهل بدر كانوا ثلاثمائة وستة رجال"، وقد بين ذلك ابن سعد، فقال: "إنهم كانوا ثلاثمائة وخمسة"، وكأنه لم يعد فيهم رسول الله ﷺ .
وبيَّن وجه الجمع بأن ثمانية أنفس عدوا في أهل بدر، ولم يشهدوها، وإنما ضرب لهم رسول الله ﷺ معهم بسهامهم؛ لكونهم تخلفوا لضرورات لهم، وهم: عثمان بن عفان تخلف لزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ بإذنه، وكانت في مرض الموت، وطلحة وسعيد بن زيد بعثهما يتجسسان عير قريش، فهؤلاء من المهاجرين، وأبو لبابة رده من الروحاء، واستخلفه على المدينة، وعاصم بن عدي استخلفه على أهل العالية، والحارثة بن حاطب على بني عمرو بن عوف،
стр. 5815
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمُ, اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكْسُهُمُ, اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ» , فَفَتَحَ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ, فَانْقَلَبُوا حِينَ انْقَلَبُوا, وَمَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلَّا وَقَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أَوْ جَمَلَيْنِ وَاكْتَسَوْا وَشَبِعُوا". [ق ٩/ ٥٧، ك ٢/ ١٣٢ - ١٣٣]
===
والحارث بن الصمة وقع، فكسر بالروحاء، فرده إلى المدينة، وخوات بن جبير، كذلك هؤلاء الذين ذكرهم ابن سعد، وذكر غيره: سعد بن مالك الساعدي والد سهل مات في الطريق.
وممن اختلف فيه هل شهدها أورد لحاجة: سعد بن عبادة، وقع ذكره في "مسلم"، وصبيح مولى أحيحة، رجع لمرضه فيما قيل، وقيل: إن جعفر بن أبي طالب ممن ضرب له بسهم، نقله الحاكم، ملخص ما في "الفتح" (١).
(فقال رسول الله ﷺ : اللَّهُمَّ إنهم حفاة) جمع حاف، قال في "القاموس": الحفا: رِقَّةُ القدم والخُفِّ والحافر، والاسم: الحُفْوَةُ بالضم والكسر، والحِفْيَة والحِفَايَةُ بكسرهما، أو هو المَشْيُ بغير خفٍّ ولا نعلِ، واحتفى: مشى حافيًا. والمراد ههنا: المشاة على أقدام بغير مركوب، (فاحملهم) أي أعطهم من الدواب ما تحملهم.
(اللَّهُمَّ إنهم عراة) جمع عار (فاكسهم) أي: فأعطهم الكسوة، (اللهُمَّ إنهم جياع) جمع جائع (فأشبعهم) أي: فأعطهم الرزق بشبعهم (ففتح الله له يوم بدر، فانقلبوا) بعد الفتح عنه (حين انقلبوا، وما منهم رجل إلَّا وقد رجع) إلى المدينة (بجمل أو جملين واكتسوا) أي: حصل لهم الكسوة (وشبعوا) أي: رزقهم الله المال فشبعوا منه.
وظاهر الحديث لا مطابقة له بالباب إلَّا أن يقال: إن المدينة كانت معسكر رسول الله ﷺ ، فخرجت منها هذه السرية لإرادة أن تأخذ عير أبي سفيان،
стр. 5816
(١٥١) بَابٌ: فِيمَنْ قَالَ: الْخُمُسُ قَبْلَ النَّفَلِ
٢٧٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: نَا (١) سُفْيَانُ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ الشَّامِىِّ, عَنْ مَكْحُولٍ, عَنْ زِيَادِ بْنِ جَارِيَةَ (٢) التَّمِيمِىِّ,
===
فخرجت العير سالمة، واتفق القتال بين هذه السرية وبين جيش كفار قريش الذين جاؤوا ليمنعوا عيرهم، فوقعت المقابلة بينهما بلا ميعاد، ففتح الله للمسلمين، وهزم كفار قريش، فغنم المسلمون أموالًا كثيرة، فقسم رسول الله ﷺ تلك الأموال على أهل السرية، ولم يعط منها شيئًا للذين كانوا في المدينة من العسكر.
(١٥١) (بَابٌ: فِيمَنْ قَالَ: الْخُمُسُ قَبْلَ النَّفَلِ)
أي: يخمس الغنيمة أولًا، ثم يعطى النفل لمن (٣) هو له
٢٧٤٨ - (حدثنا محمد بن كثير، نا سفيان، عن يزيد بن يزيد بن جابر الشامي) الأزدي الدمشقي، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وكان أصغر من أخيه، ولكنه مقدم موته، وعن ابن عيينة: كان يزيد ثقة عابدًا عالمًا حافظًا، لا أعلم مكحولًا خلف مثله، إلا ما ذكره ابن جريج، عن سليمان بن موسى، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من خيار عباد الله تعالى، وقال الآجري عن أبي داود: يزيد وأخوه عبد الرحمن من ثقات الثقات.
(عن مكحول، عن زياد بن جارية التميمي) (٤) الدمشقي، ويقال: يزيد، والصواب الأول، يقال: إن له صحبة، قال أبو حاتم: شيخ مجهول، وقال
стр. 5817
عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِىِّ, أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَفِّلُ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ". [جه ٢٨٥١، دي ٢٤٨٣، حم ٤/ ١٥٩]
٢٧٤٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْجُشَمِىُّ قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ, عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ, عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ
===
النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: من قال: يزيد بن جارية فقد وهم، قال في حاشية "الخلاصة": يريد أن الصواب فيه بالحاء المهملة والمثلثة، قتل في زمن الوليد بن عبد الملك لكونه أنكر تأخير الجمعة إلى العصر، قلت: ذكره ابن أبي عاصم وأبو نعيم الأصبهانيان في الصحابة، وساقا حديثه عن النبي ﷺ : "من سأل وله ما يغنيه"، الحديث، لكن جزم بكونه تابعيًا ابن حبان وغيره، وتوثيق النسائي له يدل على أنه عنده تابعي.
(عن حبيب بن مسلمة) بن مالك بن وهب القرشي (الفهري) أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو مسلمة، ويقال: أبو سلمة المكي، نزيل الشام مختلف في صحبته، قال ابن سعد عن الواقدي: وحبيب يوم توفي رسول الله ﷺ ابن ثنتي عشرة سنة، والناس كانوا يسمونه حبيب الروم لمجاهدته الروم، وقال البخاري: له صحبة، وقال ابن سعد: لم يزل مع معاوية في حروبه، ووجهه إلى أرمينية واليًا، فمات بها, ولم يبلغ خمسين، وقال سعيد بن عبد العزيز: كان فاضلًا مجاب الدعوة.
(أنه قال: كان رسول الله ﷺ ينفل الثلث بعد الخمس)، معناه أنه يقول للسرية: لكم الثلث بعد الخمس، فيخرج الخمس من الغنيمة، ثم ينفل الثلث منها، ثم يقسم الباقي على الغانمين، أو يقال: معناه أنه ﷺ يخرج الخمس من الغنيمة، ثم ينفل مما بقي منها ثلث النفل، ثم يقسم الباقي بعد إخراج الثلث على الغزاة.
٢٧٤٩ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي قال: نا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن
стр. 5818
الْحَارِثِ, عَنْ مَكْحُولٍ, عَنِ ابْنِ جَارِيَةَ (١) , عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ, وَالثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ, إِذَا قَفَلَ". [جه ٢٨٥٣، حم ٤/ ١٦٠، ق ٦/ ٣١٤]
٢٧٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ ذَكْوَانَ
===
الحارث، عن مكحول، عن ابن جارية، عن حبيب بن مسلمة: أن رسول الله ﷺ كان ينفل الربع) للسرية (بعد الخمس) أي عند الخروج للغزو (والثلث) أي: وكان ينفل الثلث للسرية (بعد الخمس إذا قفل) لأن وقت الخروج وقت نشاط وقوة، ووقت الرجوع وقت ضعف وجراحة، فيحتاج فيه إلى زيادة في التحريض.
وهذا محمول عندنا على ما إذا وقع التنفيل من الإِمام مقيدًا، أي يقول: جعلت لكم الثلث أو الربع بعد الخمس، وأما إذا أطلق (٢) فهو قبل الخمس.
٢٧٥٠ - (حدثنا عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان) البهراني أبو عمرو، ويقال: أبو محمد الدمشقي المقرئ، وقع في "الكامل": الفهري، وهو تصحيف، إمام الجامع، عن ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال الوليد بن عتبة: ما بالعراق أقرأ منه، وقال أبو زرعة: ولا بالحجاز ولا بالشام ولا بمصر ولا بخراسان في زمنه عندي أقرأ منه، ذكره ابن حبان في "الثقات".
стр. 5819
وَمَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيَّانِ, الْمَعْنَى, قَالَا: نَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: نَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَهْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: "كُنْتُ عَبْدًا بِمِصْرَ لاِمْرَأَةٍ مِنْ بَنِى هُذَيْلٍ, فَأَعْتَقَتْنِى, فَمَا خَرَجْتُ مِنْ مِصْرَ وَبِهَا عِلْمٌ إلَّا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى! ثُمَّ أَتَيْتُ الْحِجَازَ فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إلَّا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى! ثُمَّ أَتَيْتُ الْعِرَاقَ فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إلَّا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى! ثُمَّ أَتَيْتُ الشَّامَ فَغَرْبَلْتُهَا,
===
(ومحمود بن خالد الدمشقيان، المعني) أي: معنى حديثهما واحد (قالا: نا مروان بن محمد قال: نا يحيى بن حمزة) الحضرمي (قال: سمعت أبا وهب) عبيد الله بن عبيد الكلاعي (يقول: سمعت مكحولًا يقول: كنت عبدًا بمصر لامرأة من بني هذيل، فاعتقتني).
وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": وقال ابن يونس: ذكر أنه من أهل مصر، ويقال: كان لرجل من هذيل من أهل مصر فأعتقه، فسكن الشام، ويقال: كان من أهل فارس، ويقال: كان اسم أبيه سهراب، وقال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا عبد الله بن العلاء قال: سمعت مكحولًا يقول: كنت لعمرو بن سعيد بن العاص، فوهبني لرجل من هذيل بمصر فأنعم علي بها.
وفي "تذكرة الحفاظ": ومكحول عالم أهل الشام، أبو عبد الله بن أبي مسلم الهذلي الفقيه الحافظ، مولى امرأة من هذيل، وأصله من كابل، وقيل: هو من أولاد كسرى، قال ابن زرير: سمعت مكحولًا يقول: كنت عبدًا لسعيد بن العاص، فوهبني لامرأة بمصر.
(فما خرجت من مصر وبها) أي: في أهلها (علم، إلَّا حويت عليه) أي: أخذته وجمعته (فيما أرى) أي: في ظني، (ثم أتيت الحجاز، فما خرجت منها وبها علم، إلَّا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت العراق فما خرجت منها وبها علم، إلَّا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها) أي: كشفت حال من بها، كأنه جعلهم في غربال، ففرق بين الجيد والرديء.
стр. 5820
كُلّ ذَلِكَ أَسْأَلُ عَنِ النَّفَلِ, فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُخْبِرُنِى فِيهِ بِشَىْءٍ, حَتَّى أَتَيْتُ شَيْخًا يُقَالُ لَهُ: زِيَادُ بْنُ جَارِيَةَ (١) التَّمِيمِىُّ, فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ فِى النَّفْلِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ, سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِىَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ النَّبِىَّ ﷺ نَفَّلَ الرُّبُعَ فِى الْبَدْأَةِ وَالثُّلُثَ فِى الرَّجْعَةِ". [حم ٤/ ١٦٠، ق ٦/ ٣١٣، وانظر سابقه]
(١٥٢) بَابٌ: في السَّرِيَّةِ تُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْعَسْكَرِ
٢٧٥١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, نَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنِ
===
(كل ذلك) أي: من الكبير والصغير (أسأل) بحذف الضمير، أي أسأله (عن النفل، فلم أجد أحدًا يُخبرني فيه بشيء، حتى لقيت شيخًا يقال له: زياد بن جارية التميمي، فقلت له: هل سمعت في النفل شيئًا؟ قال: نعم، سمعت حبيب بن مسلمة الفهري يقول: شهدت النبي ﷺ نفَّل الربع في البدأة) أي: في ابتداء الخروج للغزو (والثلث في الرجعة) أي: وقت رجوع (٢) العسكر.
قلت: لعل مراد مكحول بقوله: "فلم أجد أحدًا يخبرني فيه بشيء": أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان ينفل الربع والثلث، فلم يفهم محمله، ثم أخبره زياد بن جارية بأن محمله أن الربع في البدأة، والثلث في الرجعة.
(١٥٢) (بَابٌ: في السَّرِيَّةِ تُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْعَسْكَرِ)
أي: إذا خرج العسكر من دار الإِسلام إلى العدو، فخرجت السرية منه إلى جهة، فغنمت، فما غنمت تقسم عليها وعلى جميع العسكر، إلَّا ما ينفل لها الإِمام
٢٧٥١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا ابن أبي عدي، عن
стр. 5821
ابْنِ إِسْحَاقَ بِبَعْضِ هَذَا (ح): وَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ (١) قَالَ: حَدَّثَنِى هُشَيْمٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ جَمِيعًا, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ, يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ, وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ,
===
ابن إسحاق ببعض هذا) أي: الحديث، (ح: ونا عبيد الله بن عمر قال: حدثني هشيم، عن يحيى بن سعيد جميعًا) أي ابن إسحاق ويحيى بن سعيد جميعًا يرويان (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده) أي: جد شعيب، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص (قال: قال رسول الله ﷺ : المسلمون تتكافأ) أي: تتساوى (دماؤهم) في القصاص والديات، لا يفضل شريف على وضيع، وهذا بالإجماع.
(يسعى بذمتهم) أي: عهدهم وأمانهم (أدناهم) أي: أقلهم وهو الواحد، وإنما فسر الأدنى ها هنا بالأقل احترازًا عن تفسير محمد، حيث فسره بالعبد, لأنه جعله من الدناءة، والعبد أدنى المسلمين (ويجير عليهم) أي على المسلمين (أقصاهم) أي: في المرتبة كالعبد المأذون في القتال، فالأدنى كالأعلى يعطي الأمان لمن شاء.
قال في "البدائع" (٢): ومن شرائط الأمان: العقل والبلوغ، فلا يجوز أمان المجنون والصبي عند عامة العلماء، وعند محمد: البلوغ ليس بشرط، حتى إن الصبي المراهق الذي يعقل الإِسلام إذا أمن يصح أمانه، ومنها: الإِسلام، فلا يصح أمان الكافر، وإن كان يقاتل مع المسلمين.
قلت: قال الحافظ: لكن قال الأوزاعي: إن غزا الذميُّ مع المسلمين فأمن أحدًا، فإن شاء الإِمام أمضاه، وإلا فليرده إلى مأمنه.
стр. 5822
وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ, يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ,
===
وأما الحرية فليست بشرط لصحة الأمان، فيصح أمان العبد المأذون في القتال بالإجماع، وهل يصح أمان العبد المحجور عن القتال؟ اختلف فيه، قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: لا يصح، وقال محمد: يصح، وهو قول الشافعي رحمهما الله، وجه قول محمد والشافعي قوله ﷺ في الحديث: "يسعى بذمتهم أدناهم"، والذمة العهد، والأمان نوع عهد، والعبد المسلم أدنى المسلمين فيتناوله الحديث.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الحديث لا يتناول المحجور, لأن الأدنى إما أن يكون من الدناءة، وهي الخساسة، وإما أن يكون من الدنو، وهو القرب، والأول ليس بمراد, لأن الحديث يتناول المسلمين بقوله: "المسلمون تتكافأ دماؤهم"، ولا خساسة مع الإِسلام، والثاني لا يتناول المحجور, لأنه لا يكون في صف القتال، فلا يكون أقرب إلى الكفرة.
قلت: قال الحافظ في "الفتح" (١): وأما العبد فأجاز الجمهور أمانه، قاتل أو لم يقاتل، وقال أبو حنيفة: إن قاتل جاز أمانه، وإلَّا فلا، قلت: ولم يظهر لي فرق بين مدلولي الجملتين، وهو قوله: "يسعى بذمتهم أدناهم"، وقوله: "يجير عليهم أقصاهم"، والظاهر أنهما بمعنى واحد (٢).
(وهم يد على من سواهم)، كأنه دليل على ما قبله، ولأن أخوة الإِسلام جمعتهم، وجعلتهم كَيَدِ واحدة، فإذا أعطى الأمان، يلزم الكل، ولا يسعهم التخاذل، بل يجب على كل واحد نصرة أخيه.
(يرد مشدُّهم) أي: قويهم (على مضعفهم) وهو الضعيف باعتبار نفسه،
стр. 5823
وَمُتَسَرِّيهُمْ (١) عَلَى قَاعِدِهِمْ, لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ, وَلَا ذُو عَهْدٍ فِى عَهْدِهِ». [جه ٢٦٨٥، حم ٢/ ١٨٠، ق ٨/ ٢٩]
وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ إِسْحَاقَ الْقَوَدَ وَالتَّكَافئ (٢).
٢٧٥٢ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَنَا هَاشِمُ بْنُ
===
أو باعتبار دوابه، فإذا كان الأقوياء والضعفاء في القتال، فحصل لهم الغنيمة، فيكونون كلهم شركاء فيها على السوية (ومتسريهم) أي: الخارج في السرية (على قاعدهم) أي في الجيش. قال التوربشتي: أراد بالقاعد الجيش النازل في في دار الحرب يبعثون سراياهم إلى العدو، فما غنمت يرد منه على القاعدين حصتهم.
(لا يقتل مؤمن بكافر) أي: إذا قتل مسلم ذميًا يقتل به عندنا، وعند الشافعي (٣): لا يقتل المسلم بالذمي لقوله: "لا يقتل مؤمن بكافر"، وهذا نص في الباب، ولنا عمومات القصاص، وتفصيل الاستدلال في "البدائع" (٤) وغيره.
(ولا ذو عهد في عهده) أي: إذا قتل الذمي كافرًا حربيًا فلا يقتل به، قال في "البدائع" (٥): ولا ذو عهد في عهده، عطف قوله: ولاذ وعهد في عهده على مؤمن، فكان معناه لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد به، ونحن به نقول، أو نحمله على هذا توفيقًا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض.
(ولم يذكر ابن إسحاق القود) المذكور في قوله: "لا يقتل مؤمن بكافر" فلم يذكر ابن إسحاق هذه الجملة، (و) كذا لم يذكر (التكافئ) أي قوله: "المسلمون تتكافأ دماؤهم".
٢٧٥٢ - (حدثنا هارون بن عبد الله قال: أنا هاشم بن
стр. 5824
الْقَاسِمِ, نَا عِكْرِمَةُ, حَدَّثَنِى إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "أَغَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ عَلَى إِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَتَلَ رَاعِيَهَا, وَخَرَجَ
===
القاسم، نا عكرمة، حدثني إياس بن سلمة، عن أبيه) أي: سلمة بن الأكوع (قال) أي: سلمة: (أغار) أي: شن الغارة (عبد الرحمن بن عيينة) وهو رأس المشركين (على إبل رسول الله ﷺ ) ويقال لهذه الغزوة: غزوة ذات قرد، وكذا غزوة الغابة، وذات القرد ماء على بريد من المدينة.
واختلفوا (١) في أنها متى وقعت؟ فعند البخاري (٢) أنها وقعت قبل خيبر بثلاثة أيام، ومستنده في ذلك أن سلمة بن الأكوع قال في حديثه: "فرجعنا من الغزو إلى المدينة، فوالله ما لبثنا بالمدينة إلَّا ثلاث ليال، حتى خرجنا إلى خيبر"، وأجمع أهل السير أنها كانت قبل الحديبية سنة ست، قال القرطبي: لا يختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، فيكون ما وقع في حديث سلمة من وهم بعض الرواة.
قال الحافظ (٣): ما في "الصحيح" من التاريخ أصح مما ذكره أهل السير، وقال أهل السير في سببها: أنه كان لرسول الله ﷺ عشرون لقحة، وهي ذوات اللبن القريبة العهد بالولداة، ترعى بالغابة، فأغار عليهم عيينة بن حصن الفزاري في أربعين فارسًا، فاستاقوها، وقتلوا الراعي، وهو ابن أبي ذر، وكان معه أمه فسبوها، فركب رسول الله ﷺ في خمس مائة، وقيل: سبع مائة، وعقد للمقداد بن عمرو لواءً في رمحه، وقال له: امض حتى تلحقك الخيول، وأنا على أثرك، فركب رسول الله ﷺ إليهم، فاستنقذوا عشر لقاح، وأفلت القوم بما بقي وهي عشر.
(فقتل) أي: عبد الرحمن بن عيينة (راعيها، وخرج) أي عبد الرحمن
стр. 5825
يَطْرُدُهَا هُوَ وَأُنَاسٌ مَعَهُ فِى خَيْلٍ, فَجَعَلْتُ وَجْهِى قِبَلَ الْمَدِينَةِ, ثُمَّ نَادَيْتُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: يَا صَبَاحَاهُ, ثُمَّ اتَّبَعْتُ الْقَوْمَ, فَجَعَلْتُ أَرْمِى وَأَعْقِرُهُمْ (١) , فَإِذَا رَجَعَ إِلَىَّ فَارِسٌ, جَلَسْتُ فِى أَصْلِ شَجَرَةٍ, حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ ظَهْرِ النَّبِىِّ ﷺ إلَّا جَعَلْتُهُ (٢) وَرَاءَ ظَهْرِى,
===
(يطردها) أي: يدفع ويسوق اللقاح، (هو وأناس معه) أي: من غطفان (في خيل) أي: فوارس (فجعلتُ وجهي قبل المدينة، ثم ناديت ثلاث مرات: يا صباحاه)، هذه كلمة يقولها المستغيث، فكأن القائل: "يا صباحاه" يقول: قد غَشِينا العدو، زاد في رواية "البخاري" (٣): "فأسمعت ما بين لابتي المدينة".
(ثم اتبعت القوم، فجعلت أرمي) أي: السهام (وأعقرهم) وأصل العقر قطع عراقيب الدواب، ثم اتُّسِع فيه حتى استعمل في القتل والهلاك، فمعنى أعقرهم أي: أجرحهم، ولفظ "مسلم" (٤): "فأقبلت أرميهم بالنبل وأرتجز"، وفيه: "فألحق رجلًا منهم، فأصكه بسهم في رجله، فخلص السهم إلى كعبه"، "فما زلت أرميهم وأعقرهم، فإذا رجع فارس منهم، أتيت شجرة، فجلست في أصلها، ثم رميته فعقرت به".
(فإذا رجع إليَّ فارس) أي: من الكفار لقتلي (جلست في أصل شجرة) أي: للرمي للاختفاء، فإن الرمي في حالة الجلوس أمكن وأثبت في إصابة الغرض، ويؤيده لفظ "مسلم": "فجلست في أصلها ثم رميته فعقرت به".
(حتى ما خلق الله شيئًا من ظهر النبي ﷺ ) أي: من لقاحه (إلا جعلته وراء ظهري)، وهذا يدل أن سلمة بن الأكوع أخذ منهم جميع اللقاح، وأما أهل السير فقالوا: إن اللقاح كانوا عشرين، فأخذت من الكفار عشر، وأفلت الكفار
стр. 5826
وَحَتَّى أَلْقَوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ رُمْحًا وَثَلَاثِينَ بُرْدَةً يَسْتَخِفُّونَ مِنْهَا, ثُمَّ أَتَاهُمْ عُيَيْنَةُ مَدَدًا, فَقَالَ: لِيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ, فَقَامَ إِلَىَّ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ, فَصَعِدُوا الْجَبَلَ, فَلَمَّا أَسْمَعْتُهُمْ قُلْتُ: أَتَعْرِفُونِى (١)؟ قَالُوا: وَمَنْ (٢) أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ, وَالَّذِى كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ لَا يَطْلُبُنِى رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكُنِى, وَلَا أَطْلُبُهُ فَيَفُوتَنِى, فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى فَوَارِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ أَوَّلُهُمُ الأَخْرَمُ الأَسَدِىُّ, فَيَلْحَقُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُيَيْنَةَ, وَيَعْطِفُ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ, فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ,
===
بالباقي (وحتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحًا وثلاثين بردة يستخفون منها) أي: يطلبون الخفة بإلقائها ليكونوا أخف وأسرع في الفرار.
(ثم أتاهم) أي: الكفار، (عيينة) والد عبد الرحمن (مددًا) لهم (فقال) أي: عيينة لهم لما رآني: (ليقم إليه) أي: إلى سلمة بن الأكوع (نفر) أي: جماعة (منكم، فقام إليَّ أربعة) رجال (منهم، فصعدوا الجبل، فلما أسمعتهم) أي: فلما قربوا مني حتى قدرت على أن أسمعهم. (قلت: أتعرفوني؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع، والذي كرَّم وجه محمد) ﷺ (لا يطلبني رجل منكم فيدركني) أي: لا يكون أن يطلبني رجل منكم فيدركني، (ولا أطلبه فيفوتني) أن لا يكون أن أطلبه فيفوتني, لأني كما رأيتموني شديد العدو (٣)، فتهدَّدهم فرجعوا.
(فما برحت) أي عن هذا الحال (حتى نظرت إلى فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر) أي: يدخلون خلالها (أوَّلهم الأخرم) بالخاء المعجمة (الأسدي) والأخرم لقبه، واسمه محرز بن نضلة، (فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة) أتى بصيغة المضارع حكايته للحال الماضية، كأنه يحكي يوم ينظر إليها (ويعطف عليه) أي: يميل عليه (عبد الرحمن، فاختلفا طعنتين) أي: طعن كل
стр. 5827
فَعَقَرَ الأَخْرَمُ عَبْدَ (١) الرَّحْمَنِ, وَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ, فَتَحَوَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى فَرَسِ الأَخْرَمِ, فَيَلْحَقُ (٢) أَبُو قَتَادَةَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ, فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ, فَعَقَرَ بِأَبِى قَتَادَةَ وَقَتَلَهُ أَبُو قَتَادَةَ, فَتَحَوَّلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى فَرَسِ الأَخْرَمِ. ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِى حَلَيْتُهُمْ (٣) عَنْهُ ذُو قَرَدٍ, فَإِذَا نَبِىُّ (٤) اللَّهِ ﷺ فِى خَمْسِمِائَةٍ,
===
واحد منهما الآخر (فعقر الأخرم عبد الرحمن) أي: قتل فرسه بطعنته (وطعنه) أي: الأخرم (عبد الرحمن) فاعل لطعنه (فقتله) أي: الأخرم (فتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم، فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن، فاختلفا طعنتين فعقر) أي عبد الرحمن (بأبي قتادة) أي: فرسه بطعنته (وقتله) أي عبد الرحمن (أبو قتادة، فتحول أبو قتادة على فرس الأخرم) الذي تحول عليه عبد الرحمن.
(ثم جئت إلى رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي حليتهم)، قال في "المجمع" (٥) في حلأ في مهموز اللام: حليتهم عنه بذي قرد، روي بياء وهو بدل من الهمزة بلا قياس، وذكر في حلي بالحاء المهملة آخره ياء تحتية: فحليتهم عنه، طردتهم، وهو بالتشديد غير مهموز رواية, [و] اللغة بالهمز، ولعلها قلبت همزه شذوذًا.
وذكر في "درجات مرقاة الصعود": بحاء "بالنهاية"، كذا بحاء بلا همز كرميتهم، وأصله حلأتهم بهمز: رددتهم وطردتهم عنه، ومنعتهم من وروده، فقلب همزه ياء بلا قياس، إذ لا يقلب ياء إذا لم يكسر ما قبله، وفي النسخة المصرية بالجيم، ومعناه: نفيتهم وأبعدتهم.
(عنه ذو قرد) بحذف المبتدأ، أو هو ذو قرد (فإذا نبي الله ﷺ في خمسمائة،
стр. 5828
فَأَعْطَانِى سَهْمَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ". [م ١٨٠٦، حم ٤/ ٥١ - ٥٢]
(١٥٣) بَابُ (١) النَّفَلِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمِنْ أَوَّلِ مَغْنَمٍ
===
فأعطاني سهم الفارس والراجل) فسهم الفارس من الخمس أو خمس الخمس بطريق النفل، وسهم الراجل من أربعة أخماس الغنيمة، وقسم الباقي بعد الخمس على الجميع، مناسبة الحديث بترجمة الباب ظاهرة.
(١٥٣) (بَابُ النَّفَلِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمِنْ أَوَّلِ مَغْنَمٍ)
وإنما ذكر الذهب والفضة خاصة لاختلاف العلماء فيهما، قال في "شرح السير الكبير": والنفل في الأموال كلها من الذهب والفضة وغير ذلك إذا قال الإِمام: "من قتل قتيلًا فله سلبه"، فقتل رجل قتيلًا، وكان معه دراهم أو دنانير أو فضة أو سيف أو سوار من ذهب أو منطقة من فضة أو ذهب فذلك كله له، وعلى قول أهل الشام: لا نفل في ذهب (٢) ولا فضة، وإنما النفل فيما يكون من الأمتعة، فأما في أعيان الأموال فلا، والذهب والفضة عين مال، فيكون حكم الغنيمة متقررًا فيهما.
وقول المصنف: "ومن أول مغنم"، لعل المراد به: ما يحصل من الغنيمة قبل القتال إذا دخل عسكر الإِسلام دار الحرب، فحصلت لهم غنيمة من قبل أن يقاتلوا بقوة الجيش، فليس للإمام فيه أن ينفل منه كما في أول المسألة، وهو النفل بالذهب والفضة، فالظاهر أن ميل المصنف في المسألتين أن لا نفل فيهما.
قلت: ولعل في هذا إشارة إلى قول الأوزاعي، قال الحافظ في "الفتح" (٣): وقال الأوزاعي لا ينفل من أول الغنيمة،
стр. 5829
٢٧٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِىُّ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ, عَنْ أَبِى الْجُوَيْرِيَةِ الْجَرْمِىِّ قَالَ: "أَصَبْتُ بِأَرْضِ الرُّومِ جَرَّةً حَمْرَاءَ فِيهَا دَنَانِيرُ فِى إِمْرَةِ مُعَاوِيَةَ, وَعَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ مِنْ بَنِى سُلَيْمٍ يُقَالُ لَهُ: مَعْنُ بْنُ يَزِيدَ, فَأَتَيْتُهُ بِهَا, فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ, وَأَعْطَانِى مِنْهَا مِثْلَ مَا أَعْطَى رَجُلًا مِنْهُمْ ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
===
ولا ينفل (١) ذهبًا ولا فضة، وخالف الجمهور، والله تعالى أعلم.
٢٧٥٣ - (حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى قال: أنا أبو إسحاق الفزاري، عن عاصم بن كليب، عن أبي الجويرية الجرمي)، هو حطان بكسر أوله وتشديد الطاء، ابن خفاف بضم المعجمة وفائين الأولى خفيفة، مشهور بكنيته، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة (قال: أصبت بأرض الروم جرة حمراء فيها دنانير في إمرة معاوية، وعلينا) أي: والأمير علينا (رجل من أصحاب النبي ﷺ من بنى سليم يقال له: معن بن يزيد) بن الأخنس بن حبيب السلمي، أبو يزيد المدني، له ولأبيه ولجده صحبة، نزل الكوفة، ثم مصر، ثم الشام، وقتل بمرج راهط مع الضحاك بن قيس، قلت: وذكر أبو عمر الشيباني أنه كان مع معاوية بعد صفين.
(فأتيته) أي: معنًا (بها) أي: بالجرة (فقسمها بين المسلمين) أي: على السوية (وأعطاني منها) أي من دنانير الجرة (مثل ما أعطى رجلًا منهم، ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 5830
«لَا نَفْلَ إلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ» لأَعْطَيْتُكَ, ثُمَّ أَخَذَ يَعْرِضُ عَلَىَّ مِنْ نَصِيبِهِ, فَأَبَيْتُ". [حم ٣/ ٤٧٠، ق ٦/ ٣١٤]
٢٧٥٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ, عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ،
===
لا نفل (١) إلَّا بعد الخمس لأعطيتك) أي: نفلًا (ثم أخذ) أي: جعل (يعرض) أي يقدم (علي من نصيبه، فأبيت) أي: من أخذ نصيبه، وزاد في رواية الإِمام أحمد: "قلت: ما أنا أحق به منك".
قال القاري (٢): قال القاضي: ظاهر هذا الكلام يدل على أنه إنما لم ينفل أبا الجويرية من الدنانير التي وجدها لسماع قوله ﷺ : "لا نفل إلَّا بعد الخمس"، وأنه المانع لتنفيله، ووجهه أن ذلك يدل على أن النفل إنما يكون من الأخماس الأربعة التي هي للغانمين، كما دل عليه الحديث السابق، ولعل التي وجدها كانت في عداد الفيء، فلذلك لم يعط النفل منه.
قال بعض الشراح من علمائنا: إن الراوي كان يرى النفل بعد التخميس، ورآه من الخمس، ويرى ذلك موكولًا إلى رأي الإِمام، ولما كان هو أميرًا على الجيش لم ير لنفسه أن يتصرف في الخمس دون الإِمام، وقيل: إن الحديث لم يرو على وجهه، ووقع السهو فيه من جهة الاستثناء، وإنما الصواب فيه: لا نفل بعد الخمس، أي: لا نفل بعد إحراز الغنيمة، ووجوب الخمس فيه، وهو الأشبه والأمثل، انتهى. وفيه ما لا يخفى.
٢٧٥٤ - (حدثنا هناد، عن ابن المبارك)، هكذا في جميع النسخ
стр. 5831
عَنْ أَبِى عَوَانَةَ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ, بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. [ق ٦/ ٣١٤]
(١٥٤) بَابٌ: في الإمَامِ يَسْتَأْثِرُ بِشَيءٍ مِنَ الْفَيْءِ لِنَفْسِهِ
٢٧٥٥ - حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ, نَا الْوَلِيدُ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ الأَسْوَدَ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَعِيرٍ مِنَ الْمَغْنَمِ, فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ وَبَرَةً
===
الموجودة عندنا، وفي حاشية النسخة المكتوبة: ولما ساق في "الأطراف" سنديه (١)، قال: قال أبو بكر الخطيب: في نسختين مرويتين عن أبي داود هذا الحديث عن أبي إسحاق الفزاري، عن ابن المبارك، عن أبي عوانة، عن عاصم بن كليب (٢)، انتهى.
قلت: وسند الحديث عند أحمد في "مسنده" (٣): حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا عفان قال: ثنا أبو عوانة قال: ثنا عاصم بن كليب قال: حدثني أبو الجويرية قال: أصبت جرة حمراء، الحديث (عن أبي عوانة عن عاصم بن كليب، بإسناده ومعناه).
(١٥٤) (بَابٌ: في الإمَامِ يَسْتَأْثِرُ)
أي: يصطفي ويختار (بِشَيءٍ) كالسيف والجارية والفرس وغيرها (مِنَ الْفَيْءِ)، أَي: الغنيمة (لِنَفْسِهِ) قبل قسمتها
٢٧٥٥ - (حدثنا الوليد بن عتبة، نا الوليد) يعني ابن مسلم (قال: نا عبد الله بن العلاء، أنه سمع أبا سلام الأسود) الحبشي، اسمه ممطور (قال: سمعت عمرو بن عبسة قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ إلى بعير من المغنم) جعله إلى جانب القبلة سترة (فلما سلم أخذ وبرة) واحد الوبر، وهو صوف
стр. 5832
مِنْ جَنْبِ الْبَعِيرِ, ثُمَّ قَالَ: "وَلَا يَحِلُّ لِى مِنْ غَنَائِمِكُمْ مِثْلُ هَذَا إلَّا الْخُمُسَ, وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ". [ق ٦/ ٣٣٩]
===
الإبل (من جنب البعير، ثم قال: ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلَّا الخمس، والخمس مردود فيكم).
وقد تقدم هذا الحديث من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ما فيه من الإشكال في "باب فداء الأسير"، وجوابه الذي ذكرته هناك لا يتمشى في هذا الحديث, لأن هذا الحديث وقع فيه: "ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا" بلفظ الجمع، فيشمل جميع الغنائم، ولا يختص بغنيمة دون غنيمة، فالجواب (١) عنه أن في هذا الحديث اختصارًا من الراوي، فحذف فيه بعض لفظه.
وقد ذكر الإِمام أحمد في "مسنده" (٢) هذا اللفظ، فروى بسنده عن أبي سلام عن المقدام بن معدي كرب الكندي: أنه جلس مع عبادة بن الصامت وأبي الدرداء والحارث بن معاوية الكندي، فتذاكروا حديث رسول الله ﷺ ، فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة! كلمات رسول الله ﷺ في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس؟ فقال عبادة- قال إسحاق يعني ابن عيسى في حديثه-: إن رسول الله ﷺ صلَّى بهم في غزوته إلى بعير من المقسم (٣)، فلما سلَّم، قام رسول الله ﷺ فتناول وبرة بين أنملتيه، فقال: "إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر"، الحديث.
стр. 5833
(١٥٥) بَابٌ: فِي الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ
٢٧٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ". [خ ٦١٧٨، م ١٧٣٥، ت ١٥٨١، حم ٦/ ١٢، ق ٩/ ١٥٨]
(١٥٦) بَابٌ: في الإمَامِ يُسْتَجَنُّ بِهِ فِي الْعُهُودِ
٢٧٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى الزِّنَادِ, عَنْ أَبِى الزِّنَادِ (١) , عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ بِهِ". [خ ٢٩٥٧، م ١٨٤١، ن ٤١٩٦]
===
(١٥٥) (بَابٌ: فِي الوَفَاءِ بِالعَهْدِ)
٢٧٥٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: إن الغادر يُنصب) أي: يقام ويرفع (له لواء يوم القيامة) فضيحة له وتشهيرًا (فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان).
(١٥٦) (بَابٌ: فِي الإمَامِ يُسْتَجَنُّ)، أي: يتقى (به فِي الْعُهُودِ)، وكذا في القتال
٢٧٥٧ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إنما الإِمام جنة) أي: وقاية وعصمة وسترة يمنع العدو عن أذى المسلمين، ويكف أذى بعضهم عن بعضهم (يقاتل به) أي: بأمره ورأيه، ولفظ "البخاري" (٢):
стр. 5834
٢٧٥٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ, نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِى عَمْرٌو, عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ, عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ أَبِى رَافِعٍ, أَنَّ أَبَا رَافِعٍ أَخْبَرَهُ, قَالَ: بَعَثَتْنِى قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (١) ﷺ أُلْقِىَ فِى قَلْبِىَ الإِسْلَامُ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّى وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ أَبَدًا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّى لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ, وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ, وَلَكِنِ ارْجِعْ, فَإِنْ كَانَ فِى نَفْسِكَ الَّذِى فِى نَفْسِكَ الآنَ فَارْجِعْ". قَالَ: فَذَهَبْتُ ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ
===
وإنما الإِمام جنة يُقَاتَلُ من ورائه ويُتَّقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل، فإن له بذلك أجرًا، وإن قال بغيره فإن عليه منه".
٢٧٥٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو، عن بكير بن الأشج، عن الحسن بن علي بن أبي رافع، أن أبا رافع أخبره، قال) أي أبو رافع: (بعثتني قريش إلى رسول الله ﷺ )، ولعل هذا البعث وقع قبل بدر, لأنه أسلم قبل بدر (فلما رأيت رسول الله ﷺ ألقي) بصيغة المجهول، أي: أوقع (في قلبي الإِسلام، فقلت: يا رسول الله! إني والله لا أرجع إليهم) أي: إلى كفار قريش (أبدًا).
(فقال رسول الله ﷺ : إني لا أخيس) بخاء معجمة ثم تحتية ثم سين مهملة، أي: لا أنقض (بالعهد)، قال الطيبي (٢): المراد بالعهد ها هنا العادة الجارية المتعارف بين الناس من أن الرسل لا يتعرض لهم بمكروه (ولا أحبس) بالحاء المهملة والباء الموحدة (البرد) بضم الموحدة والراء، جمع بريد وهو الرسول (ولكن ارجع) أي إلى قريش (فإن كان) هناك (في نفسك الذي في نفسك الآن) من الإِسلام (فارجع) أي: إلينا.
(قال) أي أبو رافع: (فذهبت) أي: إلى قريش (ثم أتيت النبي ﷺ
стр. 5835
فَأَسْلَمْتُ, قَالَ بُكَيْرٌ: وَأَخْبَرَنِى أَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ قِبْطِيًّا. [حم ٦/ ٨، ق ٩/ ١٤٥، ك ٣/ ٥٩٨]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا كَانَ فِى ذَلِكَ الزَّمَانِ, وَالْيَوْمَ (١) فَلَا يَصْلُحُ.
===
فأسلمت) أي: أظهرت الإِسلام (قال بكير: وأخبرني) أي: الحسن بن علي (أن أبا رافع) جده (كان قبطيًا) أي: عبدًا قبطيًا للعباس بن عبد المطلب فأعتقه.
(قال أبو داود: هذا كان في ذلك الزمان، واليوم لا يصلح)، والمراد بهذا الكلام أن من جاء من الكفار إلى الإِمام رسولًا فأسلم وأراد أن لا يرجع إلى الكفار لا يرده الإِمام إليهم، وأما أن رسول الله ﷺ لم يحبس أبا رافع فهو من المخصوص به ﷺ .
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: وهذا كان في ذلك الزمان ... إلخ، وذلك لأنه ﷺ كان على الستيقان من عوده مسلمًا، وكان في توقفه ثمة من المفاسد ما لا يخفى، حيث كان سببًا لاشتهار أن النبي ﷺ يحبس الرسل، وإن لم يكن الحبس منه، ولو اشتهر ذلك لانسد باب المراسلات والمخاطبات التي توقف عليها أمر شيوع الإِسلام، ولا يجوز مثل ذلك في من بعده ﷺ .
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "منتقى الأخبار" (٢): معناه- والله أعلم- أنه كان في المرة التي شرط لهم فيها أن يرد من جاءه منهم مسلمًا، وحاصل هذا الكلام أن قصة أبي رافع هذه وقعت في زمان صلح الحديبية، وهذا عجيب من مثله، فإنه قد صرح العلماء وأهل السير أن إسلام أبي رافع كان قبل بدر، وقالوا: إنه شهد أحدًا وما بعدها، فكيف يمكن أن يكون وقوع هذه القصة في زمان صلح الحديبية، ولم يتنبه لذلك صاحب "العون" (٣)، فقال: والصحيح
стр. 5836
(١٥٧) بَابٌ: فِي الإمَام يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ عَهْدٌ فيَسِيرُ نحْوَهُ (١)(٢)
٢٧٥٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِىُّ, نَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِى الْفَيْضِ, عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ - رَجُلٍ مِنْ حِمْيَرَ -
===
ما قال الشيخ ابن تيمية في "منتقى الأخبار" ونقل عبارته (٣)، انتهى.
(٥٧) (بَابٌ: فِي الإمَامِ يَكُونُ بَيْنَهُ (٤) وَبَيْنَ الْعَدُوِّ عَهْدٌ فَيَسِيرُ، أي: الإِمام (نَحْوَهُ) قبل مضي المدة ليقرب منهم، فيُغِيْرُ بعد المدة عليهم
٢٧٥٩ - (حدثنا حفص بن عمر النمري، نا شعبة، عن أبي الفيض) موسى بن أيوب، ويقال: ابن أبي أيوب المهري، بفتح الميم وسكون الهاء، الحمصي، من بني عقيل، لقيه شعبة بواسط، وعن ابن معين: أبو الفيض الذي روى عنه شعبة شامي من أبناء جند الحجاج، قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: شامي ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال يعقوب بن سفيان: له أحاديث حسان، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن سليم) مصغرًا (ابن عامر، رجل من حمير) الكلاعي الخبائري،
стр. 5837
قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ, وَكَانَ يَسِيرُ نَحْوَ بِلَادِهِمْ, حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْعَهْدُ غَزَاهُمْ, فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ, وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ, اللَّهُ أَكْبَرُ, وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ, فَنَظَرُوا فَإِذَا عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ, فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فَسَأَلَهُ, فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ, فَلَا يَشُدُّ عُقْدَةً وَلَا يَحُلُّهَا حَتَّى يَنْقَضِىَ أَمَدُهَا, أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ"،
===
بفتح المعجمة والموحدة الممدودة، نسبة إلى الخبائر، بطن من الكلاع، أبو يحيى الحمصي، قال العجلي: شامي تابعي ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة مشهور، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١): الكلاعي والخبائري لا يجتمعان، فلذا قال البخاري في ترجمة الكلاعي: ويقال: الخبائري، وتبعه غير واحد.
(قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان) أي: معاوية (يسير نحو بلادهم) ليكون قريبًا منها، فإذا انقضى الأمد، يغزوهم دفعة (حتى إذا انقضى العهد) أي: زمانه (غزاهم، فجاء رجل على فرس) أي عربي (أو) للشك من الراوي (برذون) أي: فرس غير عربي (وهو يقول) أي: بأعلى صوته (الله أكبر الله أكبر، وفاء لا غدر) أي: ليكن وفاء، أو يجب عليكم وفاء.
(فنظروا فإذا عمرو بن عبسة) أي: قائل ذاك الكلام (فأرسل إليه) أي: دعاه (معاوية) وهو أمير الجيش (فسأله) أي: معاويةُ عمرَو بن عبسة (فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان بينه وبين قوم) أي: من الكفار (عهد، فلا يشد عقدةً ولا يحلُّها) أراد به المبالغة عن عدم التغير، وإلَّا فلا مانع من الزيادة في العهد والتأكيد (حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء) أي: يعلمهم أن الصلح قد ارتفع، وأنه يريد أن يغزوهم، فيكون الفريقان في العلم على سواء.
стр. 5838
فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ. [ت ١٥٨٠، حم ٤/ ١١١، ق ٩/ ٢٣١]
(١٥٨) بَابٌ: فِي الْوَفَاءِ لِلْمُعَاهدِ وَحُرْمَةِ ذِمَّتِهِ
٢٧٦٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, نَا وَكِيعٌ, عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِيهِ،
===
قال القاري (١): وإنما كره عمرو بن عبسة ذلك, لأنه إذا هادنهم إلى مدة، وهو مقيم في وطنه، فقد صارت مدة مسيره بعد انقضاء المدة المضروبة، كالمشروط مع المدة في أن لا يغزوهم فيها، فإذا سار إليهم في أيام الهدنة، كان إيقاعه قبل الوقت الذي يتوقعونه، فعد ذلك عمرو بن عبسة غدرًا، وأما إن نقض أهل الهدنة بأن ظهرت منهم خيانة، فله أن يسير إليهم على غفلة منهم. (فرجع معاوية) أي: عن بلاد العدو مع جيشه.
(١٥٨) (بَابٌ: فِي الْوَفَاءِ لِلْمُعَاهِدِ وَحُرْمَةِ ذِمَّتِهِ)
وفي نسخة: "دمه"
٢٧٦٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، عن عيينة) بتحتانيتين مصغرًا (ابن عبد الرحمن) بن جوشن الغطفاني الجوشنى، أبو مالك البصري، قال أحمد: ليس به بأس، صالح الحديث، وعن ابن معين: ليس به بأس، وقال مرة: ثقة، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال أبو حاتم: كان ثقة، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: ذكر وكيع أنه سمع منه سنة ١٤٨ هـ.
(عن أبيه) عبد الرحمن بن جوشن، بفتح الجيم والمعجمة وسكون الواو بينهما وآخره نون، الغطفاني البصري، كان صهر أبي بكرة على ابنته، عن أحمد: ليس بالمشهور، وقال أبو زرعة: ثقة، قلت: قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: عيينة ثقة، وأبوه ثقة.
стр. 5839
عَنْ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا فِى غَيْرِ كُنْهِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ". [ن ٤٧٤٧، حم ٥/ ٣٦ - ٣٨، دي ٢٥٠٤]
(١٥٩) بَابٌ: فِي الرُّسُلِ
٢٧٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِىُّ, نَا سَلَمَةُ - يَعْنِى ابْنَ الْفَضْلِ -, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: كَانَ مُسَيْلِمَةُ كَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: وَقَدْ حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ, عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَشْجَعَ يُقَالُ لَهُ: سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الأَشْجَعِىِّ،
===
(عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : من قتل معاهدًا) سواء كان عهده مؤقتًا أو مؤبدًا (في غير كنهه)، قال في "المجمع" (١) في شرح هذا اللفظ: كنه الأمر: حقيقته، وقيل: وقته وقدره، وقيل: غايته، أي: من قتله في غير وقته، أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله.
(حرم الله عليه الجنة) أي: دخولها مع السابقين الأولين، أو محمول على التهديد والتغليظ.
(١٥٩) (بَابٌ: في الرُّسُلِ) جمع رسول، وهو المرسل من الكفار برسالة أو كتاب إلى إمام المسلمين
٢٧٦١ - (حدثنا محمد بن عمرو الرازي، نا سلمة -يعني ابن الفضل-، عن محمد بن إسحاق قال: كان مسيلمة كتب إلى رسول الله ﷺ ، قال) أي سلمة بن الفضل: (وقد حدثني محمد بن إسحاق، عن شيخ من أشجع) وهي قبيلة من غطفان (يقال له: سعد بن طارق، عن سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي) له ولأبيه صحبة.
стр. 5840
عَنْ أَبِيهِ نُعَيْمٍ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهُمَا حِينَ قَرَأ كِتَابَ مُسَيْلِمَةَ: "مَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا؟ ", قَالَا: نَقُولُ كَمَا قَالَ, قَالَ: "أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا». [حم ٣/ ٤٨٧، ق ٩/ ٢١١]
===
(عن أبيه نعيم) بن مسعود الأشجعي (قال) نعيم بن مسعود: (سمعت رسول الله ﷺ يقول لهما) أي: لرسولي مسيلمة الكذاب (حين قرأ) هكذا بصيغة الإفراد في المجتبائية والمصرية، وأما في الكانفورية، والقادرية، والمكتوبة القلمية، ونسخة "العون": فبالتثنية، وأما في رواية أحمد في "مسنده" فبالإفراد على صيغة المعلوم، وأما ما في "العون" (١) بأن فيه على صيغة المجهول، فلم أره فيه.
(كتاب مسيلمة) الكذاب الذي تَنَبَّأَ، وكان صاحب نيرنجات (٢)، فتبعه خلق من بني حنيفة، ثم قتل في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ (ما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال) أي: مسيلمة، معناه إنا نصدقه في دعوى النبوة، ونقول: إنه رسول الله، وهذا كفر وارتداد منهما في حضرته ﷺ .
(قال) رسول الله ﷺ : (أما) حرف تنبيه (والله لولا أن الرسل لا تقتل) أي: العادة فاشية في الملوك أن الرسل لا تقتل عندهم (لضربت أعناقكما).
وقد أخرج شيخ الإِسلام ابن تيمية في "مصنفه" (٣) عن ابن مسعود، وعزاه إلى أحمد، قال: "جاء ابن النوَّاحة -بفتح النون وتشديد الواو وبعد الألف مهملة- وابن أثال- بضم الهمزة وبعدها مثلثة- رسولا مسيلمة إلى النبي ﷺ ، فقال لهما: أتشهدان أني رسول الله؟ قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : آمنت بالله ورسوله، لو كنت قاتلًا رسولًا لقتلتكما، قال عبد الله: فمضت السنَّة أن الرسل لا تقتل".
стр. 5841
٢٧٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ, أَنَا (١) سُفْيَانُ, عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ, عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ, فَقَالَ: مَا بَيْنِى وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ حِنَةٌ, وَإِنِّى مَرَرْتُ بِمَسْجِدٍ لِبَنِى حَنِيفَةَ, فَإِذَا هُمْ يُؤْمِنُونَ بِمُسَيْلِمَةَ, فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ, فَجِئَ بِهِمْ فَاسْتَتَابَهُمْ غَيْرَ ابْنِ النَّوَّاحَةِ قَالَ لَهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَوْلَا أَنَّكَ رَسُولٌ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ فَأَنْتَ الْيَوْمَ لَسْتَ (٢) بِرَسُولٍ"،
===
قال الشوكاني (٣): والحديثان يدلان على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار، وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإِمام أو سائر المسلمين, لأن الرسالة تقتضي جوابًا يصل على يد الرسول، فكان ذلك بمنزلة عقد العهد.
٢٧٦٢ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب أنه) أي: حارثة بن مضرب (أتى عبد الله) بن مسعود، حين كان عبد الله واليًا على الكوفة (فقال: ما) نافية (بيني وبين أحد من العرب حنة) أي: عداوة، بحاء فنون، كعدة، أي: ضغن، وحقد، وحسد، واللغة الفصيحة: إِحنة بهمزة، كسدرة، قدم هذا الكلام قبل أداء المقصود، ليعتمد على كلامه ويسمع سماع قبول.
(وإني مررت بمسجد لبني حنيفة، فإذا هم يؤمنون بمسيلمة) أي: بنبوته (فأرسل إليهم) أي: إلى أهل مسجد بني حنيفة (عبد الله) بن مسعود (فجيء بهم فاستتابهم) أي: طلب منهم التوبة عن هذا الارتداد فتابوا (غير ابن النواحة) فإنه لم يرجع إلى الإِسلام.
(قال) عبد الله بن مسعود (له: سمعت رسول الله ﷺ يقول) حين جئت عنده برساله مسيلمة، وكتابه: (لولا أنك رسول لضربت عنقك، فأنت اليوم لست برسول)
стр. 5842
فَأَمَرَ قَرَظَةَ بْنَ كَعْبٍ, فَضَرَبَ عُنُقَهُ فِى السُّوقِ, ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى ابْنِ النَّوَّاحَةِ قَتِيلًا بِالسُّوقِ. [ق ٩/ ٢١١، ك ٣/ ٥٣]
(١٦٠) بَابٌ: فِي أَمَانِ الْمَرْأَةِ
٢٧٦٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ, نَا ابْنُ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِى عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ, عَنْ كُرَيْبٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
وارتددت؛ فأنت ليس بمحقون الدم (فأمر قرظة) بفتحتين وظاء معجمة (ابن كعب) الأنصاري الخزرجي، قال البخاري: له صحبة، شهد أحدًا وما بعدها، وكان ممن وجهه عمر إلى الكوفة يفقِّه الناس، وهو الذي قتل ابنَ النواحة صاحب مسيلمة في ولاية ابن مسعود بالكوفة، قاله الحافظ في "الإصابة" (١).
(فضرب عنقه في السوق، ثم قال) أي قرظة أو عبد الله بن مسعود: (من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلًا بالسوق) أي: فلينظر إليه.
(١٦٠) (بَابٌ: في أَمَانِ المَرْأَةِ)
قال الشوكاني (٢): قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة إلَّا شيئًا ذكره عبد الملك بن الماجشون صاحب مالك، لا أحفظ ذلك عن غيره، قال: إن أمر الأمان إلى الإِمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة، قال في "الفتح" (٣): وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون، فقال: هو إلى الإِمام إن أجازه جاز، وإن ردَّه رد، انتهى.
٢٧٦٣ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني عياض بن عبد الله، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس
стр. 5843
قَالَ: حَدَّثَتْنِى أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِى طَالِبٍ: أَنَّهَا أَجَارَتْ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْفَتْحِ, فَأَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ , فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ, قَالَ (١): "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ وَآمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ». (٢). [خ ٣٥٧، م ٣٣٦، السنن الكبرى للنسائي ٨٦٨٥]
٢٧٦٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قَالَ: نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ ,عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لَتُجِيرُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَيَجُوزُ". [السنن الكبرى للنسائي ٨٦٨٣، ق ٨/ ١٩٤]
===
قال: حدثتني أم هانئ بنت أبي طالب: أنها أجارت رجلًا من المشركين) وهو الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي (٣) (يوم الفتح) أي فتح مكة (فأتت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له).
فقال رسول الله ﷺ (قال: قد أجرنا من أجرت) بفتح الهمزة وقصرها من الإجارة بمعنى الإعاذة، أصله: أجورت، نقلت حركة الواو إلى الجيم فانقلبت ألفًا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين نحو أقمت، في "القاموس": أجاره: أنقذه وأعاذه، وجاره: خفره، فعلم منه أن الهمزة للسلب والإزالة (وآمنا) بمد الهمزة أي: أعطينا الأمان (من آمنت) أي من أعطيته الأمان.
٢٧٦٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: إن) مخففة من الثقيلة، أي: إنها كانت المرأة لتجير) أي: لتعطي الأمان للكفار (على المؤمنين) أي: على منعهم من قتله، يقال: أجار فلان على فلان، إذا أعانه عليه ومنعه منه (فيجوز) أمانها وجوارها.
стр. 5844
(١٦١) بَابٌ: في صُلْحِ الْعَدُوّ
٢٧٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ ثَوْرٍ حَدَّثَهُمْ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ, قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِى بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَة مِنْ أَصْحَابِهِ, حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِى الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْىَ وَأَشْعَرَ, وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
قَالَ: وَسَارَ النَّبِىُّ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِى يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا, بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ, فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ خَلأَتِ الْقَصْوَى (١) مَرَّتَيْنِ, فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : "مَا خَلأَتْ
===
(١٦١) (بَابٌ: في صُلْحِ الْعَدُوِّ)
٢٧٦٥ - (حدثنا محمد بن عبيد، أن محمد بن ثور حدثهم) أي: محمد بن عبيد، ومن كان معه في مجلس التحديث (عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة قال: خرج رسول الله ﷺ ) من المدينة إلى مكة للعمرة (زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه)، وقد تقدم عددهم قريبًا في "باب في النفل للسرية تخرج من العسكر".
(حتى إذا كانوا بذي الحليفة) وهو ميقات أهل المدينة للحج والعمرة (قلد الهدي، وأشعر، وأحرم بالعمرة، وساق) أي: الراوي (الحديث، قال: وسار النبي ﷺ ) منزلًا منزلًا (حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها) أي: من الثنية قريبًا من مكة، (بركلت به راحلته) فلم تهبط.
(فقال الناس: حل حل) كلمة زجر للبعير (خلأت) بالخاء المعجمة فلام، قال في "المجمع" (٢): الخلاء للنُّوق كالإلحاح للجمال، والحِران للدابة، أي: حرنت وتصعبت (القصوى مرتين، فقال النبي ﷺ : ما خلأت،
стр. 5845
وَمَا ذَلِكَ لَهَا بِخُلُقٍ, وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ» , ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِى الْيَوْمَ خُطَّةً يُعَظِّمُونَ بِهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا", ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ, فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ (١) بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ (٢) قَلِيلِ الْمَاءِ, فَجَاءَهُ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِىُّ, ثُمَّ أَتَاهُ - يَعْنِى عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ -, فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِىَّ ﷺ , فَكُلَّمَا كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ, وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ
===
وما ذلك لها بخُلق) أي: ليس بها عادة ذلك (ولكن حبسها حابس الفيل) وهو الله ، فإنه لما جاء أبرهة بأفياله لهدم الكعبة، حبسه الله تعالى، وأهلكه كما حكى الله عنهم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (٣).
(ثم قال) رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده) الواو للقسم (لا يسألوني اليوم خطة) أي: خصلة (يعظمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) وقبلت لهم (ثم زجرها) أي: الناقة (فوثبت) أي: قامت بسرعة (فعدل) أي: مال (عنهم) أي: عن أهل مكة أن يهبط عليهم، بل ذهب إلى الحديبية.
(حتى نزل بأقصى) أي: منتهى (الحديبية على ثمد) قال في "القاموس": الثمد، ويحرك، وككتاب: الماء القليل، والمراد ها هنا: البئر، أو الحفيرة بعلاقة أنه محل له (قليل الماء، فجاءه بديل) بالموحدة، والتصغير (ابن ورقاء الخزاعي) وكان هو وقومه ناصحي رسول الله ﷺ , لأن بني هاشم في الجاهلية كانوا تحالفوا مع خزاعة، فاستمروا على ذلك في الإِسلام.
(ثم أتاه -يعني عروة بن مسعود-، فجعل يكلم النبي ﷺ ، فكلما كلمه أخذ بلحيته) على عادة العرب، خصوصًا عند الملاطفة (والمغيرة بن شعبة)
стр. 5846
قَائِمٌ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ , وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ, فَضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ, وَقَالَ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَتِهِ, فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ, فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ, قَالَ: أَىْ غُدَرُ, أَوَلَسْتُ أَسْعَى فِى غَدْرَتِكَ؟
وَكَانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِى الْجَاهِلِيَّةِ, فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ, ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّا الإِسْلَامُ فَقَدْ قَبِلْنَا (١) , وَأَمَّا الْمَالُ فَإِنَّهُ مَالُ غَدْرٍ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ"
===
ابن أخي عروة (قائم على النبي ﷺ ، ومعه) أي المغيرة (السيف، وعليه) أي على رأسه (المغفر، فضرب) أي المغيرة (يده) أي يد عروة بن مسعود (بنعل السيف) وهو ما يكون أسفل القراب من فضة أو غيرها.
(وقال: أخر يدك عن لحيته) فإنه لا ينبغي لمشرك أن يمسه، لكن كان النبي ﷺ يغضي لعروة عن ذلك استمالة له وتأليفًا، والمغيرة يمنعه إجلالًا للنبي ﷺ وتعظيمًا. (فرفع عروة رأسه، فقال) أي عروة: (من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة) ابن أخيك (قال: أي غدر) كعمر، معدول عن غادر، مبالغة في وصفه بالغدر (أولست أسعى في غدرتك؟ ) أي: في إطفاء شرِّك ببذل المال.
(وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية) قبل إسلامه، وهم ثلاثة عشر نفرًا من ثقيف، خرجوا زائرين المقوقس بمصر، فأحسن إليهم وأعطاهم وقصر بالمغيرة، فحصلت له المغيرة منهم، فلما كانوا بالطريق شربوا الخمر، فلما سكروا وناموا وثب المغيرة فقتلهم، ولحق بالمدينة فأسلم.
(فقتلهم وأخذ أموالهم) فتهايج الفريقان، فسعى عروة حتى أخذوا منه دية ثلاثة عشر نفسًا (ثم جاء) مغيرة المدينة (فأسلم، فقال النبي ﷺ : أما الإِسلام فقد قبلنا، وأما المال فإنه مال غدر، لا حاجة لنا فيه)، قال الحافظ (٢):
стр. 5847
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : "أُكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ", وَقَصَّ (١) الْخَبَرَ, فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إلَّا رَدَدْتَهُ
===
يستفاد (٢) منه أنه لا يحل أخذ أموال الكفار حال الأمن غدرًا، ولعل النبي ﷺ ترك المال في يده لإمكان أن يسلم قومه، فيرد إليهم أموالهم.
قلت: ومنه يستفاد أن سبب تحصيل المال إذا كان حرامًا يؤثر ذلك في المال، فيكون حرامًا، فإن أموال الكفار مباح الأصل غير محرم مع أنه إذا أخذ بالغدر يحرم، ولكن إذا أخذه بالمحاربة والمغالبة، أو أخذه برضا الكفار بعقد فاسد من غير أن يكون غدرًا فيجوز.
(فذكر) المسور (الحديث) وحذفه بعض الرواة في رواية ابن إسحاق: فدعت قريش سهيل بن عمرو، فقالوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه، قال: فقال النبي ﷺ : قد أرادت قريش الصلح حين بعثت هذا، فلما رأى النبي ﷺ سهيلًا قال: "قد سهل لكم من أمركم"، فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا، وفي رواية ابن إسحاق: فلما انتهى إلى النبي ﷺ جرى بينهما القول، حتى وقع بينهما الصلح على أن توضع الحرب بينهما عشر سنين، وأن يأمن الناس بعضهم بعضًا، وأن يرجع عنهم عامهم هذا، فدعا النبي ﷺ عليًا.
(فقال النبي ﷺ : اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، وقص الخبر) وهو إنكاره بكتب الرسالة، وإنكاره على كَتب: الرحمن (فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلَّا رددته
стр. 5848
إِلَيْنَا, فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ, قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: "قُومُوا فَانْحَرُوا, ثُمَّ احْلِقُوا", ثُمَّ جَاءَ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ مُهَاجِرَاتٌ, الآيَةَ, فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَرُدُّوهُنَّ (١) , وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا الصَّدَاقَ.
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ, فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ, رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ
===
إلينا (٢)، فأنكر المسلمون على هذا الشرط، فجاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فوقع الإصرار والإنكار في رده، لكن رده رسول الله ﷺ .
(فلما فرغ) رسول الله ﷺ (من قضية الكتاب) أي إتمام الكتابة (قال النبي ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا) هداياكم (ثم احلقوا) رؤوسكم.
(ثم جاء نسوة مؤمنات مهاجرات)، ولفظ "البخاري" (٣): "ثم جاءه نسوة مؤمنات"، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ (٤) (الآية)، فكان في سياق أبي داود سقط منه: فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ إلا لفظ "مهاجرات"، قال الحافظ (٥): ظاهره أنهن جئن إليه وهو بالحديبية، وليس كذلك، إنما جئن إليه بعد في أثناء المدة.
(فنهاهم الله أن يردوهن) نسخًا لعموم الشرط، أو لأن الشرط كان مخصوصًا للرجال (وأمرهم) أي المسلمين (أن يردوا الصداق) الذي أعطاهن الكفار إليهم (ثم رجع) رسول الله ﷺ (إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجل من قريش) وهو عتبة بن أسيد بن جارية بالجيم، الثقفي، حليف بن زهرة، وعرف بهذا أن قوله: رجل من قريش أي بالحلف، فإن أبا بصير كان ثقفيًا بالنسب.
стр. 5849
- يَعْنِى فَأَرْسَلُوا فِى طَلَبِهِ -, فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ, فَخَرَجَا بِهِ, حَتَّى إِذَا بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ نَزَلُوا, يَأْكُلُونَ (١) مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ, فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّى لأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا, فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ, فَقَالَ: أَجَلْ, قَدْ جَرَّبْتُ بِهِ, فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْهِ, فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ, فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ, وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ, فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو،
===
(يعني) زاد لفظ: يعني, لأن الراوي لم يحفظ لفظ الشيخ، فرواه بما هو في معنى لفظ الشيخ، ولكن في "البخاري" بغير لفظ: يعني.
(فأرسلوا) كفار قريش (في طلبه) أي أبي بصير رجلين: خنيس بن جابر، ومولى له يقال له: كوثر (فدفعه) أي رسول الله ﷺ أبا بصير، (إلى الرجلين) وقال رسول الله ﷺ : "إن هؤلاء القوم صالحونا على ما علمت، وإنا لا نغدر، فالحق بقومك، فقال: أتردني على المشركين، يفتنوني عن ديني ويعذبونني، قال: اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك فرجًا ومخرجاً"، وفي رواية أبي المليح: "فقال له عمر: أنت رجل، وهو رجل، ومعك السيف".
(فخرجا به، حتى إذا بلغا ذا الحليفة، نزلوا، يأكون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين)، وفي رواية: "للعامري"، وفي رواية ابن سعد: "لخنيس بن جابر": (والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستله) أي: أخرجه من غمده (الآخر، فقال) أي: الآخر: (أجل، قد جربت به، فقال أبو بصير: أرني انظر إليه، فأمكنه منه) أي: أعطاه بيده، فأقدره عليه (فضربه) أي: ضرب أبو بصير خنيس بن جابر (حتى برد) أي: سكن ومات (وفرَّ الآخر) أي: مولى خنيس بن جابر (حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو) أي: يشتد هربًا خوفاً من أن يلحقه أبو بصير فيقتله.
стр. 5850
فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا» , فَقَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِى وَإِنِّى لَمَقْتُولٌ.
فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: قَدْ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ, فَقَدْ (١) رَدَدْتَنِى إِلَيْهِمْ, ثُمَّ نَجَّانِى اللَّهُ مِنْهُمْ, فَقَالَ النَّبِىُّ (٢) ﷺ : «وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ, لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ» , فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ, فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ،
===
(فقال النبي ﷺ ) أي لما رآه: (لقد رأى هذا) أي: الرجل (ذعرًا) أي: خوفًا وفزعًا، (فقال) الرجل: (قُتل والله صاحبي، وإني لمقتول) أي: إن لم تردوه عني (فجاء أبو بصير، فقال: قد أوفى الله ذمتك) أي: فليس عليك منهم عتاب فيما صنعت أنا, وليس بيني وبينهم عهد ولا عقد (فقد رددتني إليهم، ثم نجاني الله منهم، فقال النبي ﷺ : ويل أمه) بضم اللام ووصل الهمزة وكسر الميم المشددة، وهي كلمة ذم تقولها العرب في المدح، ولا يقصدون ما فيها من معنى الذم (مِسْعَر حرب) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح العين المهملة، والنصب على التمييز أو الحال، ولأبي ذر: مسعر بالرفع، أي: هو مسعر حرب.
(لو كان له أحد) أي: ينصره ويعاضده ويناصره، وفيه إشارة إلى أن رسول الله ﷺ لا ينصره، بل يرده إلى المشركين لأجل العهد، وفيه إشارة خفية إليه بالفرار ورمز إلى من بلغه ذلك من المسلمين المحبوسين بمكة أن يلحقوا به.
(فلما سمع ذلك) أبو بصير من رسول الله ﷺ (عرف أنه سيرده إليهم، فخرج) أي: أبو بصير، (حتى أتى سيف البحر) بكسر المهملة وسكون التحتانية بعدها فاء، أي: ساحله، وعيَّن ابن إسحاق المكان فقال: حتى نزل العيص، وهو بكسر المهملة وسكون التحتانية بعدها مهملة، وكان طريق أهل مكة إذا قصدوا الشام، وهو يحاذي المدينة إلى جهة الساحل، قريب من بلاد بني سليم.