. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فيموت باحتباس نفسه، وهذا هو المنخنقة، وقال ﵊ لعدي بن حاتم ﵁: "إذا وقعت رميتك في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري أن الماء قتله أم سهمك" (١).
فقد حرم الأكل عند وقوع الشك في سبب زهوق الحياة، وذلك موجود في الجنين، فإنه لا يدرى أنه مات بذبح الأم أو باحتباس نفسه، وقد يتأتى الاحتراز عنه في الجملة, لأنه قد يتوهم انفصاله حيًا ليذبح.
وعلل إبراهيم فقال: ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين، ومعنى هذا أن الجنين في حكم الحياة نفس على حدة مودعة في الأم، حتى ينفصل حيًا فيبقى، ولا يتوهم بقاء الجزء حيًا بعد الانفصال، وكذلك بعد موت الأم يتوهم انفصال الجنين حيًا ولا يتوهم بقاء حياة الجزء بعد موت الأصل، والذكاة تصرف في الحياة فإذا كان في حكم الحياة نفسًا على حدة، فيشترط فيه ذكاة على حدة، ولا نقول: يتغذى بغذاء الأم، بل يُبقيه الله تعالى في بطن الأم من غير غذاء، أو يوصل الله إليه الغذاء كيف شاء، ثم بعد الانفصال قد يتغذى أيضًا بغذاء الأم بواسطة اللبن، ولم يكن في حكم الجزء، ولما جعل في سائر الأحكام تبعًا لم يتصور تقرر ذلك الحكم في الأم دونه، حتى لا يتصور انفصاله حيًا بعد موت الأم، ولو انفصل حيًا ثم مات لم يحل عندهم، فعرفنا أنه ليس بتبع في هذا الحكم.
وحقيقة المعنى فيه ما بينا أن المطلوب بالذكاة تسييل الدم لتمييز الطاهر من النجس, وبذبح الأم لا يحصل هذا المقصود في الجنين، أو المقصود تطييب اللحم بالنضج الذي يحصل بالتوقد والتلهيب، ولا يحصل ذلك في الجنين بذبح.
وهذا الجواب عما قالوا: إن الذكاة تنبني على التوسع.
стр. 5952
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلنا: نعم، ولكن لا يسقط بالعذر، [و] كما لو قتل الكلب الصيد غمًا أو اختناقًا، وهذا لأن المقصود لا يحصل بدون الجرح وإباحة ذبح الحامل، لأنه يتوهم أن ينفصل الجنين حيًا فيذبح، ولأن المقصود لحم الأم وذبح الحيوان لغرض صحيح حلال، كما لو ذبح ما ليس بمأكول لمقصود الجلد، والمراد بالحديث التشبيه لا النيابة، أي: ذكاة الجنين كذكاة أمه.
ألا ترى أنه ذكر الجنين أولًا، ولو كان المراد النيابة لذكر النائب أولًا دون المنوب عنه، كما قيل في الألفاظ التي استشهد بها، ومثل هذا يذكر للتشبيه، يقال: فلان شبه أبيه، وحظ فلان حظ أبيه، وقال القائل:
وَعَيْنَاكِ عَيْنَاهَا وَجِيدُكِ جِيدُهَا ... سِوَى أَنَّ عظْمَ السَّاقِ مِنْكِ دَقِيقُ
والمراد التشبيه، ويصح هذا التأويل في الرواية بالنصب، فإن المنزوع حرف الكاف، قال الله تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (١)، أي: كمر السحاب، ويحتمل الباء أيضًا، ولكن إن جعلنا المنزوع حرف الكاف لم يحل الجنين، وإن جعلناه حرف الباء يحل، ومتى اجتمع الموجب للحل والموجب للحرمة يغلب الموجب للحرمة.
والحديث مع القصة لا يكاد يصح، ولو ثبت فالمراد من قولهم: "فيخرج من بطنها جنين ميت"، أي: مشرف على الموت، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٢).
ومعنى قوله ﷺ : "كلوه"، أي: اذبحوه وكلوه.
والمراد بالفرش الصغار فلا يتناول الجنين، ولئن كان المراد به الجنين، ففيه بيان أن الجنين مأكول، وبه نقول، ولكن عند وجود الشرط فيه وهو أن ينفصل حيًا فيذبح فيحل به، والله تعالى أعلم.
стр. 5953
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال في "البدائع" (١): وعلى هذا يخرج الجنين إذا خرج بعد ذبح أمه إن خرج حيًا فذكي يحل، وإن مات قبل الذبح لا يؤكل بلا خلاف.
قلت: ولكن حكى الشامي (٢) عن "الكفاية" (٣): إن تقاربت الولادة يكره ذبحها، وهذا الفرع لقول الإِمام: وإذا خرج حيًا ولم يكن من الوقت مقدار ما يقدر على ذبحه فمات يؤكل، وهو تفريع على قولهما، انتهى.
وهذا يخالف عموم قول "البدائع": وإن مات قبل الذبح لا يؤكل بلا خلاف، وإن خرج ميتًا، فإن لم يكن كامل الخلق لا يؤكل أيضًا في قولهم جميعًا, لأنه بمعنى المضغة، وإن كان كامل الخلق اختلف فيه، قال أبو حنيفة ﵀: لا يؤكل، وهو قول زفر والحسن بن زياد رحمهما الله.
وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي ﵏: لا بأس بأكله (٤)، واحتجوا بحديث "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، فيقتضي أنه يتذكى بذكاة أمه، ولأنه تبع لأمه حقيقة وحكمًا، والحكم في التبع يثبت بعلة الأصل.
ولأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (٥)، والجنين ميتة لأنه لا حياة فيه، والميتة ما لا حياة فيه، فيدخل تحت النص.
فإن قيل: الميتة اسم لزوال (٦) الحياة، فيستدعي تقدم الحياة, وهذا لا يعلم في الجنين.
فالجواب: أن تقدم الحياة ليس بشرط لإطلاق اسم الميت، قال الله تبارك
стр. 5954
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وتعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ (١)، على أنا إن سلمنا ذلك فلا بأس به، لأنه يحتمل أنه كان حيًا فمات بموت الأم، ويحتمل أنه لم يكن، فيحرم احتياطًا، ولأنه أصل في الحياة، فيكون له أصل في الذكاة.
والدليل على أنه أصل في الحياة أنه يتصور بقاؤه حيًا بعد ذبح الأم، ولو كان تبعًا للأم في الحياة لما تصور بقاؤه حيًا بعد زوال الحياة عن الأم، وإذا كان أصلًا في الحياة يكون أصلًا في الذكاة, لأن الذكاة تفويت الحياة، ولأنه إذا تصور بقاؤه حيًا بعد ذبح الأم لم يكن ذبح الأم سببًا لخروج الدم عنه، إذ لو كان لما تصور بقاؤه حيًا بعد ذبح الأم، إذ الحيوان الدموي لا يعيش بدون الدم عادة، فبقي الدم المسفوح فيه، ولهذا إذا جرح يسيل منه الدم، وأنه حرام لقوله : ﴿دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (٢)، وقوله عزَّ شأنه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾، ولا يمكن التمييز بين لحمه ودمه فيحرم اللحم أيضًا.
وأما الحديث فقد روي بنصب الذكاة الثانية، معناه: كذكاة أمه، إذ التشبيه قد يكون بحرف التشبيه، وقد يكون بحذف حرف التشبيه، قال تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (٣)، وقال عزَّ شأنه: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (٤)، أي: كنظر المغشي عليه، وهذا حجة عليكم, لأن تشبيه ذكاة الجنين بذكاة أمه يقتضي استواءهما في الافتقار إلى الذكاة.
ورواية الرفع تحتمل التشبيه أيضًا، قال الله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (٥)، أي: عرضها كعرض السموات والأرض، فيكون حجة عليكم.
стр. 5955
(١٨) بَابُ (١) اللَّحْمِ لَا يُدْرَى أَذُكرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
٢٨٢٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, قَالَ: نَا حَمَّادٌ (٢). (ح): وَحَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ وَمُحَاضِرٌ - الْمَعْنَى -،
===
ويحتمل النيابة كما قالوا: فلا تكون حجة مع الاحتمال معه أنه من أخبار الآحاد، وَرَدَ فيما تعم فيه البلوى، وأنه دليل عدم الثبوت إذ لو كان ثابتًا لاشتهر.
(١٨) (بَابُ اللَّحْمِ لَا يُدْرَى أَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا ؟ )
٢٨٢٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، ح: وحدثنا القعنبي، عن مالك، ح: وحدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا سليمان بن حيان ومحاضِر) بكسر الضاد المعجمة، ابن المُوَرِّع بضم الميم وفتح الواو وتشديد الراء المكسورة بعدها مهملة، الهمداني اليامي، ويقال: السلولي، ويقال: السكوني الكوفي.
قال أحمد: سمعت منه أحاديث لم يكن من أصحاب الحديث كان مغفلًا جدًا. وقال أبو زرعة: صدوق صدوق، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، يكتب حديثه، قال الآجري: وكان إمام الحي، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي: روى عن الأعمش أحاديث صالحة مستقيمة، ولم أر في حديثه حديثًا منكرًا فأذكره، إذا روى عنه ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا ممتنعًا عن التحديث ثم حدث بعد، وقال ابن قانع: ثقة، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة مشهور، وكان على رأي أهل الكوفة في النبيذ.
(المعنى) أي: معنى حديث حماد ومالك وسليمان بن حيان ومحاضر واحد
стр. 5956
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ - وَلَمْ يَذْكُرَا عَنْ حَمَّادٍ وَمَالِكٍ, عَنْ عَائِشَةَ - أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ قَوْمًا حَدِيثُو (١) عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ يَأْتُونَ (٢) بِلُحْمَانٍ, لَا نَدْرِى أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا (٣) أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا, أَنَأْكُلُ (٤) مِنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَمُّوا اللَّهَ وَكُلُوا». [خ ٢٠٥٧، ن ٤٤٣٦، جه ٣١٧٤، دي ١٩٧٦]
(١٩) بَابٌ: في الْعَتِيرَة
٢٨٣٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (٥). (ح): وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ،
===
(عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ولم يذكرا عن حماد ومالك) أي موسى عن حماد والقعنبي عن مالك (عن عائشة) أي: روياه مرسلًا (٦)، ولم يذكرا أن عروة رواه موصولًا عن عائشة (أنهم) أي: الصحابة (قالوا: يا رسول الله! إن قومًا حديثو عهد بجاهلية) أي: قريب زمان إسلامهم، ولم يعلموا أحكام الشرع (يأتون بلحمان) جمع لحم (لا ندري أذكروا اسم الله عليها) عند الذبح (أم لم يذكروا، أنأكل منها؟ فقال رسول الله ﷺ : سموا الله وكلوا) كأنه ﷺ أرشدهم بذلك إلى حمل حال المؤمن على الصلاح وحسن الظن به وإن كان جاهلًا (٧).
(١٩) (بَابٌ: في الْعَتِيرة)
٢٨٣٠ - (حدثنا مسدد، ح: وحدثنا نصر بن علي) كلاهما
стр. 5957
عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ, الْمَعْنَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ, عَنْ أَبِى قِلَابَةَ, عَنْ أَبِى الْمَلِيحِ قَالَ: قَالَ نُبَيْشَةُ: نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً فِى الْجَاهِلِيَّةِ فِى رَجَبٍ, فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «اذْبَحُوا لِلَّهِ فِى أَىِّ شَهْرٍ كَانَ, وَبَرُّوا (١) اللَّهَ وَأَطْعِمُوا». قَالَ: قال: إِنَّا كُنَّا نُفْرِعُ فَرَعًا فِى الْجَاهِلِيَّةِ فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فِى كُلِّ سَائِمَةٍ فَرَعٌ تَغْذُوهُ مَاشِيَتُكَ حَتَّى إِذَا اسْتَحْمَلَ» , قَالَ نَصْرٌ: اسْتَحْمَلَ (٢) لِلْحَجِيجِ, ذَبَحْتَهُ فَتَصَدَّقْتَ بِلَحْمِهِ, قَالَ خَالِدٌ: أَحْسَبُهُ قَالَ: عَلَى ابْنِ السَّبِيلِ, فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ.
===
(عن بشر بن المفضل، المعنى) أي: معنى حديثهما واحد، (قال: حدثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المليح قال: قال نبيشة: نادى رجل) لم أقف على تسميته (رسول الله ﷺ ) فقال: (إنا كنا نعتر عتيرة) أي: نذبح ذبيحة (في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا) نفعله أو نتركه في الإِسلام؟ (قال: اذبحوا لله في أي شهر كان) لا خصوصية لرجب في الذبح، فالذبح في جميع الشهور سواء، اذبحوا في أيِّها شئتم، (وبَرُّوا الله، وأطعموا) الفقراء والمساكين.
(قال) نبيشة: (قال) الرجل: (إنا كنا نفرع فرعًا في الجاهلية، فما تأمرنا) في الإِسلام أن نفعله أو نتركه؟ (قال: في كل سائمة فرع تغذوه) أي: تعلفه وتعطيه الغذاء (ماشيتك حتى إذا استحمل) (٣) أي: قوي للحمل (قال نصر: استجمل للحجيج) أي: إذا صار جملًا وقدر على أن يحمل من أراد الحج، (ذبحتَه فتصدقت بلحمه، قال خالد) الحذاء: (وأحسبه) أي: أبا قلابة (قال: على ابنِ السبيل) فتيقن بقوله: فتصدقت بلحمه، ولكن وقع الشبهة في أن أبا قلابة قال: "على ابن السبيل" أو لم يقل، ولكن غلب الظن على أنه قاله أيضًا (فإن ذلك خير،
стр. 5958
قَالَ خَالِدٌ: قُلْتُ لأَبِي قِلَابَةَ: وَكَم السَّائِمَةُ؟ قَالَ: مِائَةٌ. [ن ٤٢٢٩، جه ٣١٦٧، حم ٥/ ٧٥ - ٧٦]
٢٨٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (١) أَنَّ النَّبِيَّ (٢) ﷺ قَالَ: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ». [خ ٥٤٧٣، م ١٩٧٦، ت ١٥١٢، ن ٤٢٢٢، دي ١٩٦٤، جه ٣١٦٨، حم ٢/ ٢٢٩]
٢٨٣٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ, قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ:
===
قال خالد: قلت لأبي قلابة: وكم السائمة) التي فيها الفرع؟ (قال: مائة).
اختلف العلماء في معنى الفرع، فقال بعضهم: هو أول نتاج البهيمة كانوا يذبحونه ولا يملكونه رجاءَ البركة في الأم وكثرة نسلها، هكذا فسره أكثر أهل اللغة وجماعة من أهل العلم، منهم الشافعي وأصحابه، وقيل: هو أول النتاج للإبل، وهكذا جاء تفسيره في "البخاري" و"مسلم" و"سنن أبي داود" و"الترمذي"، فالقول الأول باعتبار أول نتاج الدابة على انفرادها، والثاني باعتبار نتاج الجميع وإن لم يكن أول ما تنتجه أمه، وقيل: هو أول النتاج لمن بلغت إبله مائة يذبحونه ويسمونه فرعًا، كذا في "النيل" (٣).
٢٨٣١ - (حدثنا أحمد بن عبدة قال: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: لا فرع ولا عتيرة)، وفي لفظ أحمد: "لا عتيرة في الإِسلام ولا فرع"، وفي لفظ: "أنه نهى عن الفرع والعتيرة"، رواه أحمد والنسائي.
٢٨٣٢ - (حدثنا الحسن بن علي قال: نا عبد الرزاق قال:
стр. 5959
أَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ سَعِيدٍ قَالَ: "الْفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاجِ, كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ فَيَذْبَحُونَهُ" (١). [خ ٥٤٧٣، ق ٩/ ٣٢٣]
٢٨٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّادٌ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ, عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ, عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ كُلِّ خَمْسِينَ شَاةً شَاةٌ". [حم ٦/ ١٥٨، ق ٩/ ٣١٢]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ بَعْضُهُمْ: الْفَرَعُ أَوَّلُ مَا تُنْتَجُ الإِبِلُ, كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ, ثُمَّ يَأْكُلُهُ وَيُلْقَي جِلْدَهُ عَلَى الشَّجَرِ. وَالْعَتِيرَةُ:
===
أنا معمر، عن الزهري، عن سعيد) بن المسيب (قال: الفرع أول النتاج، كان ينتج لهم فيذبحونه).
٢٨٣٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: أمرنا رسول الله ﷺ من كل خمسين شاةً شاةٌ).
قال الشوكاني (٢): وفي الباب عن عائشة عند أبي داود والحاكم والبيهقي، قال النووي (٣): بإسناد صحيح، قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بالفَرعة من كل خمسين واحدة"، وبهذا اللفظ يناسب الحديث الباب، ولعله ﷺ أمرها في أول الإِسلام بالفرعة أمر استحباب لما أذن فيه رسول الله ﷺ ، ثم نهى عن ذلك.
(قال أبو داود: قال بعضهم: الفَرَع أول ما تُنْتِج الإبل، كانوا يذبحونه لطواغيتهم، ثم يأكله) أي: الذابح (ويلقي جلده على الشجر، والعتيرة:
стр. 5960
فِى الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ رَجَبَ.
===
في العشر الأول من رجب).
وقد اختلفت الأحاديث الواردة في هذا الباب، فبعضها يدل على الوجوب، وهو حديث مخنف بن سليم، وحديث عائشة ﵂ هذا، وبعضها يدل على الإذن كما في حديث أبي رزين العقيلي، وحديث الحارث بن عمرو، وحديث نبيشة الهذلي، وبعضها على المنع كما في حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر!
فاختلفوا في الجمع بينها، فقيل: إنه يجمع بينها يحمل هذه الأحاديث على الندب، وحمل أحاديث النهي على عدم الوجوب، ذكر ذلك جماعة، منهم الشافعي والبيهقي وغيرهما، فيكون المراد بقوله: "لا فرع ولا عتيرة"، أي: لا فرع واجب ولا عتيرة واجبة، وهذا لا بد منه مع عدم العلم بالتاريخ, لأن المصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع لا يجوز، وذهب جمهور أهل العلم (١) [إلى] أن هذه الأحاديث التي تدل على جوازها منسوخة، وادعى القاضي عياض أن جماهير العلماء على ذلك، وبه جزم الحازمي.
قلت: وتأويل المجوِّزين بأن معنى قوله ﷺ : "لا فرع"، أي: لا فرع واجب، يرده حديث: "لا عتيرة في الإِسلام ولا فرع"، وكذا لفظ أحمد: "أنه نهى عن الفرع والعتيرة"، فإنه يدل صريحًا على كونه منهيًا عنه، فبطل الاستدلال على الندب.
وما قال الشوكاني (٢): إنه لا يجوز الجزم بالنسخ إلَّا بعد ثبوت أن أحاديث النهي متأخرة ولم يثبت، ففيه أنه قال ابن المنذر: كانت العرب تفعلهما، وفعلهما بعض أهل الإِسلام بالإذن، ثم نهى عنهما،
стр. 5961
(٢٠) بَابٌ: في الْعَقِيقَة
===
والنهي لا يكون إلَّا عن شيء كان يفعل، وما قال أحد: إنه نهى عنهما، ثم أذن في فعلهما، ثم نقل عن العلماء تركهما إلَّا ابن سيرين، قاله الحافظ في "الفتح" (١).
(٢٠) (بَابٌ: فِي الْعَقِيقَةِ) (٢)
قال القاري (٣): في "المغرب": العق الشق، ومنه عقيقة المولود وهي شعره, لأنه يقطع عنه يوم أسبوعه، وبها سميت الشاة التي تذبح عنه.
قال الشامي (٤): يستحب لمن ولد له ولد أن يُسَمِّيَه يوم أسبوعه، ويحلق رأسه، ويتصدق عند الأئمة الثلاثة بزنة شعره فضة أو ذهبًا، ثم يعقُّ عند الحلق عقيقة إباحة على ما في "الجامع المحبوبي"، أو تطوُّعًا على ما في "شرح الطحاوي"، وهي شاة تصلح للأضحية تذبح للذكر والأنثى، سواء فرق لحمها نيًّا أو طبخه بحموضة أو بدونها مع كسر عظمها أو لا، واتخاذ دعوة أو لا، وبه قال مالك، وسنها الشافعي وأحمد سنَّة مؤكدة، شاتان عن الغلام، وشاة عن الجارية، "غرر الأفكار" ملخصًا، انتهى.
стр. 5962
٢٨٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ مَيْسَرَةَ, عَنْ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيَّةِ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ». [ن ٤٢١٦، حم ٦/ ٤٢٢، حب ١٠٦٠]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ قَالَ: مُكَافِئَتَانِ مُسْتَوِيَتَانِ أَوْ مُقَارِبَتَانِ.
===
٢٨٣٤ - (حدثنا مسدد قال: نا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن حبيبة بنت ميسرة) بن أبي خثيم، أم حبيب، من موالي بني فهر، روت عن أم كرز الكعبية، روى عنها مولاها عطاء بن أبي رباح، وروى عن أم حبيب بنت ميسرة عن أم كرز، ذكرها ابن حبان في "الثقات"، (عن أم كرز الكعبية) الخزاعية المكية، لها صحبة (قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: عن الغلام شاتان مكافئتان) أي: متساويتان في السن (وعن الجارية شاة).
(قال أبو داود سمعت أحمد قال: مكافئتان مستويتان أو متقاربتان).
قال الخطابي (١): أي في السن، قال الحافظ (٢): قال داود بن قيس راويه عن عمرو: سألت زيد بن أسلم عن قوله: "مكافئتان"، فقال: متشابهتان تذبحان جميعًا، أي: لا يؤخر ذبح إحداهما عن الأخرى، وقال الزمخشري: ومعناه متعادلتان لما يجزئ في الزكاة وفي الأضحية، وأولى من ذلك كله ما وقع في رواية سعيد بن منصور في حديث أم كرز بلفظ "شاتان مثلان"، ووقع عند الترمذي (٣) في حديث آخر: "قيل: ما مكافئتان؟ قال: المثلان".
قال الحافظ: وهذه الأحاديث حجة للجمهور في التفرقة بين الغلام والجارية، وعن مالك: هما سواء، فيعق عن كل واحد منهما شاة، واحتج له
стр. 5963
٢٨٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا سُفْيَانُ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى يَزِيدَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ سِبَاعِ بْنِ ثَابِتٍ, عَنْ أُمِّ كُرْزٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (١) ﷺ يَقُولُ: «أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا» , قَالَتْ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ،
===
بما جاء: "أن النبي ﷺ عَقَّ عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا" (٢)، ولا حجة فيه، فقد أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس بلفظ: "كبشين كبشين".
٢٨٣٥ - (حدثنا مسدد قال: نا سفيان) بن عيينة، (عن عبيد الله بن أبي زيد) المكي، مولى آل قارظ بن شيبة، ثقة كثير الحديث، (عن أبيه) أبو يزيد المكي والد عبيد الله، حليف بني زهرة، مولى آل قارظ بن شيبة، يقال: له صحبة، ووثَّقه ابن حبان، (عن سباع) بكسر أوله ثم موحدة (ابن ثابت) حليف بني زهرة، قال: أدركت الجاهلية، وعدَّه البغوي وغيره في الصحابة، وابن حبان في ثقات التابعين.
(عن أم كرز قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: أقرُّوا الطير على مَكِناتها) بفتح الميم وكسر الكاف ويفتح، قال الطيبي (٣): جمع مَكِنة بكسر الكاف، وهي بيضة الضب، وفي نسخة بضمها، أي: أماكنها التي مكنها الله تعالى فيها، كان الرجل في الجاهلية إذا أراد حاجة أتى طيرًا في وكره، فنفره، فإن طار ذات اليمين مضى لحاجته، وإن طار ذات الشمال رجع، فنهوا عن ذلك، أي: لا تزجروها وأقروها على مواضعها فإنها لا تضر ولا تنفع.
(قالت: وسمعته) أي: رسول الله ﷺ (يقول: عن الغلام شاتان) (٤)
стр. 5964
وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ, لَا يَضُرُّكُمْ أَذُكْرَانًا كُنَّ أَمْ إِنَاثًا». [ن ٤٢١٧، ت ١٥١٦، جه ٣١٦٢، حم ٦/ ٤٢٢، دي ١٩٦٨، ق ٩/ ٣١١، حب ١٠٥٩، ك ٤/ ٢٣٧]
٢٨٣٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى يَزِيدَ, عَنْ سِبَاعِ بْنِ ثَابِتٍ, عَنْ أُمِّ كُرْزٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مِثْلَانِ, وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا هُوَ الْحَدِيثُ, وَحَدِيثُ سُفْيَانَ وَهَمٌ. [انظر الحديث السابق]
٢٨٣٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِىُّ قَالَ: نَا هَمَّامٌ قَالَ: نَا قَتَادَةُ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ سَمُرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ غُلَامٍ
===
أي: يذبح عن الصبي شاتان، (وعن الجارية) أي: البنت (شاة، لا يضركم أذكرانًا كنَّ أم إناثًا) أي: لا يضركم كون شياه العقيقة ذكرانًا أو إناثًا.
٢٨٣٦ - (حدثنا مسدد قال: نا حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن سباع بن ثابت، عن أم كرز قالت: قال رسول الله ﷺ : عن الغلام شاتان مثلان، وعن الجارية شاة).
(قال أبو داود: هذا) أي: حديث حماد (هو الحديث) أي: هو الصواب، (وحديث سفيان وهم)، حاصله: أن سفيان روى عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه عن سباع، فزاد لفظ "عن أبيه"، وروى حماد بن زيد من غير زيادة "عن أبيه"، فأشار أبو داود إلى أن زيادة لفظ "عن أبيه" وهم.
٢٨٣٧ - (حدثنا حفص بن عمر النمري قال: نا همام قال: نا قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن رسول الله ﷺ قال: كل غلام
стр. 5965
رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ, تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ, وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُدَمَّى» ,
===
رهينة بعقيقته)، قال الحافظ (١): اختلف في معنى قوله: "مرتهن بعقيقته" (٢)، قال الخطابي: اختلف الناس في هذا، وأجود ما قيل فيه ما ذهب إليه أحمد بن حنبل قال: هذا في الشفاعة، يريد أنه إذا لم يعق عنه فمات طفلًا لم يشفع في أبويه، وقيل: معناه أن العقيقة لازمة لا بد منها، فشبه المولود في لزومها وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن، وقيل: المعنى أنه مرهون بأذى شعره، ولذلك جاء: "فأميطوا عنه الأذى".
(تذبح عنه يوم السابع) ونقل الترمذي عن أهل العلم أنهم يستحبون أن تذبح العقيقة يوم السابع، فإن لم يتهيأ فيوم الرابع عشر، فإن لم يتهيأ عق عنه يوم إحدى وعشرين (٣).
(ويحلق رأسه ويُدَمَّى) بلفظ المجهول من التدمية، أي: يلطخ رأسه بالدم، وقيل: الجمهور على المنع عنه، وقالوا: إنه من عمل الجاهلية، وما روي عن قتادة محمول عليه وهو منسوخ، والصحيح يسمى لا يدمى، وإليه أشار المصنف، وقيل: المراد (٤) بقوله: يدمى، أي: يختن.
стр. 5966
فَكَانَ قَتَادَةُ إِذَا سُئِلَ عَنِ الدَّمِ كَيْفَ يُصْنَعُ بِهِ, قَالَ: إِذَا ذَبَحْتَ الْعَقِيقَةَ أَخَذْتَ مِنْهَا صُوفَةً وَاسْتَقْبَلْتَ بِهِ أَوْدَاجَهَا, ثُمَّ تُوضَعُ عَلَى يَافُوخِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَسِيلَ عَلَى رَأْسِهِ مِثْلُ الْخَيْطِ, ثُمَّ يُغْسَلُ رَأْسُهُ بَعْدُ وَيُحْلَقُ". [ن ٤٢٢٠، دي ١٩٦٩]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا وَهَمٌ مِنْ هَمَّامٍ «وَيُدَمَّى» (١).
٢٨٣٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: نَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ, تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى». [ن ٤٢٢٠، ت ١٥٢٢، جه ٣١٦٥، دي ١٩٦٩، حم ٥/ ٧، ق ٩/ ٢٩٩، ك ٤/ ٢٣٧]
===
(فكان قتادة إذا سئل عن الدم) أي: الواقع في الحديث بقوله: "يدمى" (كيف يصنع به، قال) قتادة: (إذا ذبحت العقيقة أخذت منها) أي: من الذبيحة (صوفة واستقبلت به أوداجها) أي: دم أوداجها و (ثم توضع) تلك الصوفة (على يافوخ الصبي حتى يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم يغسل رأسه بعد ويحلق، قال أبو داود: هذا وهم من همام ويدمى)، وفي نسخة على الحاشية: "وإنما قالوا: يسمى، فقال همام: يدمى، قال أبو داود: وليس يؤخذ بهذا".
٢٨٣٨ - (حدثنا ابن المثنى قال: نا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، أن رسول الله ﷺ قال: كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه) من (٢) يوم الولادة (ويحلق ويسمى).
стр. 5967
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَيُسَمَّى أَصَحُّ. كَذَا قَالَ سَلَّامُ بْنُ أَبِى مُطِيعٍ عَنْ قَتَادَةَ, وَإِيَاسُ بْنُ دَغْفَلٍ وَأَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ. (١).
===
(قال أبو داود: ويسمى (٢) أصح) من قوله: يدمى، (كذا قال سلام بن أبي مطيع (٣) عن قتادة، وإياس بن دغفل وأشعث عن الحسن).
قال الحافظ (٤): واستشكل ما قاله أبو داود بما في بقية رواية همام عنده أنهم سألوا قتادة عن الدم كيف يصنع به؟ فقال: إذا ذبحت العقيقة إلى آخر كلامه، فيبعد مع هذا الضبط أن يقال: إن همامًا وهم عن قتادة في قوله: "ويدمى" إلَّا أن يقال: إن أصل الحديث "ويسمى"، وإن قتادة ذكر الدم حاكيًا عما كان أهل الجاهلية يصنعونه (٥).
ومن ثم قال ابن عبد البر: لا يحتمل همام في هذا الذي انفرد به، فإن كان حفظه فهو منسوخ.
وقد ورد ما يدل على النسخ في عدة أحاديث: منها ما أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٦) عن عائشة قالت: كانوا في الجاهلية إذا عقّوا عن الصبي، خضبوا قطنة بدم العقيقة، فإذا حلقوا رأس الصبي وضعوها على رأسه، فقال النبي ﷺ : "اجعلوا مكان الدم خلوقًا"، زاد أبو الشيخ: "ونهى أن يمس رأس المولود بدم".
стр. 5968
٢٨٣٩ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: نَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ, عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنِ الرَّبَابِ, عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى». [ت ١٥١٥، ن ٤٢١٤، جه ٣١٦٤، حم ٤/ ١٧، دي ١٩٦٧]
===
وأخرج ابن ماجه (١) من رواية أيوب بن موسى عن يزيد بن عبد الله المزني أن النبي ﷺ قال: "يعق عن الغلام، ولا يمس رأسه بدم"، وهذا مرسل، ولهذا كره الجمهور التدمية.
ومعنى قوله: "يسمى" أي يسمى المولود يوم سابعه، وحمل بعض (٢) المتأخرين قوله: "يسمى" على التسمية عند الذبح لما أخرج ابن أبي شيبة عن قتادة قال: "يسمى على العقيقة كما يسمى على الأضحية بسم الله عقيقة فلان" (٣).
٢٨٣٩ - (حدثنا الحسن بن علي قال: نا عبد الرزاق قال: نا هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب) بنت صليع، (عن سلمان بن عامر الضبي قال: قال رسول الله ﷺ : مع الغلام عقيقة، فأهريقوا (٤) عنه دمًا) أي: ذبحوها عنه, (وأميطوا عنه الأذى) أي: أحلقوا رأسه وأزيلوا عنه شعر.
وقال الكرماني (٥): أي: أميطوا أثر دم رحم، أو لا تلطخوا رأسه بدمها كالجاهلية، أو المراد جلدة الختان، وعن محمد بن سيرين: طلبنا معناه فلم نجد
стр. 5969
٢٨٤٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ قَالَ: نَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ: نَا هِشَامٌ, عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "إِمَاطَةُ الأَذَى حَلْقُ الرَّأْسِ". [ق ٩/ ٢٨٩]
٢٨٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: نَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: نَا أَيُّوبُ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄ كَبْشًا كَبْشًا". [ن ٤٢١٩، ق ٩/ ٢٩٩]
===
من يعرفه، وأخرج البيهقي عن محمد قلت: معناه أزيلوا عنه كل ما احتمله، فلا يختص بواحد، كذا في "الدرجات" (١).
٢٨٤٠ - (حدثنا يحيى بن خلف قال: نا عبد الأعلى قال: نا هشام، عن الحسن) البصري (أنه كان يقول: إماطة الأذى حلق الرأس).
٢٨٤١ - (حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو قال: نا عبد الوارث، قال: نا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين ﵄ كبشًا كبشًا).
قال الحافظ (٢): أخرجه أبو داود ولا حجة فيه، فقد أخرج أبو الشيخ من وجه آخر عن عكرمة، عن ابن عباس بلفظ: "كبشين كبشين", وأخرج أيضًا من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله، وعلى تقدير ثبوت رواية أبي داود فليس في الحديث ما يرد به الأحاديث المتواردة في التنصيص على التثنية في الغلام، بل غايته أن يدل على جواز الاقتصار، وهو كذلك، فإن العدد ليس شرطًا بل مستحب.
стр. 5970
٢٨٤٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ قَالَ: نَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ, نَا عَبْدُ الْمَلِكِ - يَعْنِى ابْنَ عَمْرٍو - عَنْ دَاوُدَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, أُرَاهُ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْعَقِيقَةِ, فَقَالَ: «لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْعُقُوقَ» , كَأَنَّهُ كَرِهَ الاِسْمَ وَقَالَ: «مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ, عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ, وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ».
===
٢٨٤٢ - (حدثنا القعنبي قال: نا داود بن قيس، عن عمرو بن شعيب، أن النبي ﷺ ، ح: وحدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا عبد الملك - يعني ابن عمرو -، عن داود، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، أراه) أي: أظنه يروي (عن جده قال: سئل النبي ﷺ عن العقيقة، فقال: لا يحب الله العقوق، كأنه كره الاسم).
قال الشوكاني (١): قوله ﷺ : "لا أحب العقوق" بعد سؤاله عن العقيقة إشارة إلى كراهة اسم العقيقة، لما كانت هي والعقوق يرجعان إلى أصل واحد، ولهذا قال ﷺ : "من أحب منكم أن ينسك"، إرشادًا منه إلى مشروعية العقيقة إلى النسيكة، وما وقع منه ﷺ من قوله: "مع الغلام عقيقته" و"كل غلام مرتهن بعقيقته" و"رهينة بعقيقته"، فمن البيان للمخاطبين بما يعرفونه؛ لأن ذلك اللفظ هو المتعارف عند العرب، ويمكن الجمع بأنه ﷺ تكلم بذلك لبيان الجواز، وهو لا ينافي الكراهة التي أشعر بها قوله: "لا أحب العقوق".
(وقال: من ولد له ولد فأحب أن ينسك) (٢) أي: يذبح (عنه فلينسك، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة).
стр. 5971
وَسُئِلَ عَنِ الْفَرَعِ, قَالَ: «وَالْفَرَعُ حَقٌّ, وَإِنْ تَتْرُكُوهُ حَتَّى يَكُونَ بَكْرًا شُغْزُبًا ابْنَ مَخَاضٍ, أَوِ ابْنَ لَبُونٍ فَتُعْطِيَهُ أَرْمَلَةً أَوْ تَحْمِلَ عَلَيْهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذْبَحَهُ فَيَلْزَقَ لَحْمُهُ بِوَبَرِهِ, وَتُكْفِئَ إِنَاءَكَ, وَتُوَلِّهَ نَاقَتَكَ». [ن ٤٢١٢]
٢٨٤٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: نَا عَلِىُّ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: نَا أَبِى قَالَ: حَدَّثَنَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى بُرَيْدَةَ يَقُولُ: "كُنَّا فِى الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا وُلِدَ لأَحَدِنَا غُلَامٌ ذَبَحَ شَاةً
===
(وسئل عن الفرع) بفتحتين (قال: والفرع حق) أي: ثابت، وهذا قبل أن ينسخ ذلك، (وأن تتركوه حتى يكون بكرًا) أي: شابًا من الإبل (شُغْزُبًا) قال في "النهاية" (١): في حديث الفرع "تتركه حتى يكون شغزبًا"، هكذا رواه أبو داود في "السنن"، قال الحربي: الذي عندي أنه زُخزُبًّا، وهو الذي اشتد لحمه وغَلُظَ، قال الخطابي (٢): ويحتمل أن يكون الزاي أبدلت شينًا والخاء غينًا فصحِّف، وهذا من غرائب الإبدال.
(ابن مخاض أو ابن لبون فتعطيه أرملة) أي: امرأة لا زوج لها (أو تحمل عليه في سبيل الله) أي: في الجهاد أو الحج (خير من أن تذبحه) أي حين يولد (فيلزق لحمه بوبره) لقلة لحمه (وتكفئَ إناءَك) أي: تقلب محلبك؛ لأنها بعد فقدان الولد لا تدر اللبن (وتُوَلِّهَ) أي: تفجع (ناقتك) بفقدان ولدها، وتقدم الكلام على الفرع.
٢٨٤٣ - (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت قال: نا علي بن الحسين قال: نا أبي قال: حدثني عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي بريدة) بدل من أبي (يقول: كنا في الجاهلية) أي: في زمانها (إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة
стр. 5972
وَلَطَخَ رَأْسَهُ بِدَمِهَا, فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلَامِ كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً, وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ, وَنَلْطَخُهُ بِزَعْفَرَانٍ". [ق ٩/ ٣٠٣، ك ٤/ ٢٣٨]
آخِرُ الأَضَاحِي
===
ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالإِسلام كنا) إذا ولد لأحدنا ولد (نذبح شاة، ونحلق رأسه، ونلطخه بزعفران).
قال الحافظ (١): ولهذا الحديث كره الجمهور التدمية، ونقل ابن حزم استحباب التدمية عن ابن عمر وعطاء، ولم ينقل ابن المنذر استحبابها إلَّا عن الحسن وقتادة، بل عند ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الحسن أنه كره التدمية.
آخِرُ الأَضَاحِي
стр. 5973
(١١) أَوَّلُ الصَّيْدِ (١)(١) بَابُ اتِّخَاذِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَغَيْرِهِ
٢٨٤٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ, نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
===
(١١) (أَوَّلُ الصَّيْدِ)
(١) (بَابُ اتِّخَاذِ الْكَلْبِ (٢) لِلصَّيْدِ وَغَيْرِهِ)
أي: الحراسة والزراعة
٢٨٤٤ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:
стр. 5974
«مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ». [م ١٥٧٥، ت ١٤٩٠، جه ٣٢٠٤، حم ٢/ ٢٦٧، ن ٤٢٨٩]
===
من اتخذ) أي: اقتنى وأمسكه وربَّى (كلبًا إلَّا كلب ماشية) أي: غنم لحفظها (أو صيد) أي: للتصيد، أو لأخذ الصيد (أو زرع) أي: حراسة (انتقص من أجره كل يوم قيراط).
وفي رواية مسلم عن طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: "في كل يوم قيراطان"، فأما زيادة الزرع فأنكرها ابن عمر، ففي مسلم: "أن أبا هريرة يقول: أو كلب زرع، فقال ابن عمر: إن لأبي هريرة زرعًا"، ويقال: إن ابن عمر أراد بذلك الإشارة إلى تثبيت رواية أبي هريرة، وأن سبب حفظه لهذه الزيادة دونه أنه كان صاحب زرع دونه، ومن كان مشتغلًا بشيء احتاج إلى تعرف أحكامه.
واختلفوا في اختلاف الروايتين في القيراطين والقيراط، فقيل: الحكم الزائد لكونه حفظ ما لم يحفظه الآخر، أو أنه ﷺ أخبر أولًا بنقص قيراط واحد فسمعه الراوي الأول، ثم أخبر ثانيًا بنقص قيراطين زيادة في التأكيد في التنفير من ذلك، فسمعه الراوي الثاني.
وقيل: ينزل على حالين: فنقصان القيراطين باعتبار كثرة الإضرار باتخاذها، ونقص القيراط باعتبار قلته، وقيل: يختص نقص القيراطين بمن اتخذها بالمدينة الشريفة خاصة، والقيراط بما عداها، وقيل: يلتحق بالمدينة في ذلك سائر المدن والقرى، ويختص القيراط بأهل البوادي، وهو يلتفت إلى معنى كثرة التأذي وقلَّته، ويحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب، ففي ما لابسه آدمي قيراطان، وفي ما دونه قيراط.
قال ابن عبد البر: ووجه الحديث عندي أن المعاني المتعبد بها في الكلاب من غسل الإناء سبعًا لا يكاد يقوم بها المكلف ولا يتحفظ منها، فربما دخل عليه باتخاذها ما ينقص أجره من ذلك، ويروى أن المنصور سأل عمرو بن عبيد عن سبب هذ الحديث فلم يعرفه، فقال المنصور: لأنه ينبح الضيف ويروِّع السائل
стр. 5975
٢٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَزِيدٌ قَالَ: نَا يُونُسُ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا, فَاقْتُلُوا مِنْهَا الأَسْوَدَ الْبَهِيمَ». [ن ٤٢٨٠، ت ١٤٨٩، ١٤٨٦، جه ٣٢٠٥، حم ٤/ ٨٥]
===
وقيل: سبب النقصان امتناع الملائكة من دخول (١) بيته، أو ما يلحق المارين من الأذى، أو لأن بعضها شياطين، أو عقوبة لمخالفة النهي، أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها، فربما يتنجس الطاهر منها، فإذا استعمل في العبادة لم يقع موقع الطاهر، ملخص من "الفتح" (٢).
٢٨٤٥ - (حدثنا مسدد قال: نا يزيد قال: نا يونس، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ : لولا أن الكلاب) أي: جنسها (أمة) أي: جماعة (من الأمم) فخلق كل جنس من المخلوقين لا يخلو عن حكمة ومصلحة، فلولا هذا (لأمرت بقتلها) كلها، (فاقتلوا منها الأسود البهيم).
قال الخطابي (٣): معنى هذا الكلام، أنه ﷺ كره إفناء أمة من الأمم وإعدام جيل من الخلق, لأنه ما من خلق لله تعالى إلَّا وفيه نوع من الحكمة والمصلحة، يقول: إذا كان الأمر على هذا ولا سبيل إلى قتلهن فاقتلوا شرارهن، وهي السود البهم، وأبقوا ما سواها لتنتفعوا بهن في الحراسة.
стр. 5976
٢٨٤٦ - حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ, نَا أَبُو عَاصِمٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ حَتَّى إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَقْدَمُ مِنَ الْبَادِيَةِ يَعْنِى بِالْكَلْبِ فَنَقْتُلُهُ, ثُمَّ نَهَانَا عَنْ قَتْلِهَا وَقَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ». [م ١٥٧٢، حم ٣/ ٣٣٣]
===
٢٨٤٦ - (حدثنا يحيى بن خلف، نا أبو عاصم، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، عن جابر قال) جابر: (أمر نبي الله ﷺ بقتل الكلاب) أي: كلاب المدينة (حتى أن كانت المرأة تقدم) أي: تجيء (من البادية يعني بالكلب فنقتله، ثم نهانا عن قتلها) أي: عن قتل الكلاب بعمومها.
قال الطيبي (٢): حتى هى غاية لمحذوف، أي: أمرنا بقتل الكلاب فقتلنا، ولم ندع في المدينة كلبًا إلَّا قتلناه، حتى نقتل كلب المرأة من أهل البادية.
(وقال: عليكم بالأسود) البهيم الذي لا بياض فيه، وهي عن أحمد وإسحاق أنهما قالا: لا يحل صيد الكلب الأسود، وقال النووي (٣): أجمعوا على قتل العقور، واختلفوا فيما لا ضرر فيه، قال إمام الحرمين: أمر النبي ﷺ بقتلها كلها، ثم نسخ في ذلك إلَّا الأسود البهيم، ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميع (٤) الكلاب، حيث لا ضرر فيها حتى الأسود البهيم، قال القاري (٥): وهو يحتاج إلى زيادة بيان وإفادة برهان.
стр. 5977
(٢) بَابٌ: فِي الصَّيْدِ
٢٨٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: نَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ هَمَّامٍ, عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ (١) ﷺ قُلْتُ: إِنِّى أُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ فَتُمْسِكُ عَلَيَّ أَفَآكُلُ؟ قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ». قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَتَلْنَ مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مِنْهَا».
===
(٢) (بَابٌ: في الصَّيْدِ)
أي: في التصيد (٢) بالكلب المعلم والرمي بالقوس
٢٨٤٧ - (حدثنا محمد بن عيسى قال: نا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن عدي بن حاتم قال: سألت النبي ﷺ قلت: إني أرسل الكلاب المعلمة) ويُعْلَم كونها معلمة من تركها الأكل ثلاث مرات، فإنها إذا أرسلت فأخذت الصيد ولم تأكل، ثم أرسلها فلم تأكل، ثم أرسلها فلم تأكل فهي معلمة، (فتمسك عليَّ) أي: لا تأكل منها (آفآكل؟ قال: إذا أرسلت الكلاب المعلمة) على الصيد (وذكرت اسم الله) عليه فقتلن (فكل مما أمسكن عليك) أي: لا يأكلن منها، (قلت: وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها) أي: ليس من كلابك التي أرسلتها.
وللحل في الذكاة الاضطرارية شرائط.
منها: أن لا يكون صيد الحرم، فإن كان لا يؤكل ويكون ميتة، سواء كان المذكي محرمًا أو حلالًا، سواء كان مولده الحرم أو دخل من الحل إليه، فإنه يضاف إلى الحرم في الحالين، فيكون صيد الحرم.
стр. 5978
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومنها: أن يكون ما يصطاد به من الجوارح من ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير معلمًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (١) الآية، ففي الآية الكريمة اعتبار الشرطين وهما الجرح والتعليم, لأن الجوارح هي التي تجرح.
وحد التعليم في الكلب ومثله من ذي الناب أن يكون يمسك الصيد ولا يأكل منه، وهذا قول عامة العلماء، وقال مالك ﵀: تعليمه أن يتبع الصيد إذا أرسل، ويجيب إذا دعي، وهو أحد قولي الشافعي، حتى لو أخذ صيدًا فأكل منه لا يؤكل عندنا، ويؤكل عنده.
وأما تعليم ذي المخلب كالبازي، أو نحوه، فهو أن يجيب صاحبه إذا دعاه، ولا يشترط فيه الإمساك على صاحبه، حتى لو أخذ الصيد فأكل منه فلا بأس بأكل صيده بخلاف الكلب ونحوه.
والفرق من وجوه:
أحدها: أن التعليم يكون بترك العادة والطبع، والبازي من عادته التوحش من الناس والتنفر منهم بطبعه، فألفه بالناس وإجابته صاحبه إذا دعاه يكفي دليلًا على تعلمه، بخلاف الكلب فإنه ألوف بطبعه، يألف بالناس ولا يتوحش منهم، فلا يكفي هذا القدر دليل التعلم في حقه، فلا بد من زيادة أمر وهو ترك الأكل.
والثاني: أن البازي إنما يعلم بالأكل فلا يحتمل أن يخرج بالأكل عن التعليم بخلاف الكلب.
والثالث: أن الكلب يمكن تعليمه بترك الأكل بالضرب لأن جثته تتحمل الضرب، والبازي لا, لأن جثته لا تتحمل.
وقد روي عن سيدنا علي وابن عباس (٢) وسلمان الفارسي
стр. 5979
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
﵃: أنهم قالوا: "إذا أكل الصقر فكل، وإن أكل الكلب فلا تأكل".
ومنها: الإرسال أو الزجر عند عدمه على وجه ينزجر بالزجر, لأن الإرسال في صيد الجوارح أصل ليكون القتل والجرح مضافًا إلى المرسل، إلَّا أن عند عدمه يقام الزجر مقام الانزجار (١)، فإذا لم يوجد فلا توجد الإضافة فلا يحل.
ومنها: بقاء الإرسال، فهو أن يكون أخذ الكلب أو البازي الصيد في حال فور الإرسال لا في حال انقطاعه، حتى لو أرسل الكلب أو البازي على صيد وسمى، فأخذ صيدًا أو قتله ثم أخذ آخر على فوره ذلك وقتله ثم وثم، يؤكل ذلك كله, لأن الإرسال لم ينقطع، فكان الثاني كالأول، وهذا كوقوع السهم بصيدين، فإن أرسل كلبه أو بازه بصيد، فعدل عن الصيد يمنة أو يسرة، وتشاغل بغير طلب الصيد وفتر عن سننه ذلك، ثم تبع صيدًا آخر، فأخذه وقتله، لا يؤكل إلَّا بإرسال مستأنف.
ومنها: أن يكون الإرسال والرمي على الصيد وإليه، حتى لو أرسل إلى غير صيد، أو رمى إلى غير صيد، فأصاب صيدًا لا يحل, لأن الإرسال إلى غير الصيد، والرمي إلى غيره لا يكون اصطيادًا، فلا يكون قتل الصيد وجرحه مضافًا إلى المرسل والرامي.
ومنها: أن لا يكون ذو الناب الذي يصطاد به من الجوارح محرم العين، فإن كان محرم العين وهو الخنزير فلا يؤكل صيده, لأنه محرم الانتفاع [به]، والاصطياد به انتفاع به، فكان حرامًا، فلا يتعلق به الحل.
وأما ما سواه من ذي الناب من السباع، فقد قال أصحابنا جميعًا:
стр. 5980
قُلْتُ: أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ
===
كل ذي مخلب وذي ناب علِّم فتعلم، فصيد به، كان صيده حلالًا، لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ (١)، وقالوا في الأسد والذئب: إنه لا يجوز الصيد بهما لا لمعنى يرجع إلى ذاتهما، بل لعدم احتمال التعلم، حتى لو تصور تعليمهما يجوز به.
ومنها: أن يعلم أن تلف الصيد بإرسال أو رمي هو سبب الحل من حيث الظاهر، فإن شاركهما معنى أو سبب يحتمل حصول التلف به، والتلف به مما لا يفيد الحل لا يؤكل، إلَّا إذا كان ذلك المعنى مما لا يمكن الاحتراز عنه؛ لأنه إذا احتمل حصول التلف بما لا يثبت به الحل، فقد احتمل الحل والحرمة؛ فيرجح جانب الحرمة.
ومنها: أن يلحق المرسل أو الرامي الصيدَ أو من يقوم مقامه قبل التواري عن عينه، أو قبل انقطاع الطلب منه إذا لم يدرك ذبحه، فإن توارى عن عينه وقعد عن طلبه ثم وجده لم يؤكل، فأما إذا لم يتوار عنه، أو توارى لكنه لم يقعد عن الطلب حتى وجده، يؤكل استحسانًا، والقياس أن لا يؤكل (٢).
(قلت: أرمي بالمعراض) (٣) بكسر الميم وسكون المهملة وآخره معجمة، سهم بلا ريش ولا نصل، قال في "القاموس": وكمحراب: سهم بلا ريش، رقيق الطرفين، غليظ الوسط، يصيب بعرضه دون حده، انتهى.
وقيل: خشبة ثقيلة آخرها عصا محدد رأسها، وقد لا يحدد، وقوَّى هذا الأخير النووي تبعًا لعياض. وقال القرطبي: إنه المشهور، وقال ابن التين:
стр. 5981
فَأُصِيبُ أَفَآكُلُ؟ قَالَ: «إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَأَصَابَ فَخَزَقَ فَكُلْ, وَإِنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ». [خ ٥٤٧٧، م ١٩٢٩، ت ١٤٦٥، ن ٤٢٦٣، جه ٣٢١٢، ٣٢١٤، حم ٤/ ٢٥٦]
٢٨٤٨ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ: أَخبرنَا ابْنُ فُضَيْلٍ, عَنْ بَيَانٍ, عَنْ عَامِرٍ, عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ،
===
المعراض عصا في طرفها حديدة، يرمي الصائد بها الصيد، فما أصاب بحده فهو ذكي فيؤكل، وما أصاب بغير حده فهو وقيذ (١).
(فأصيب) الصيد به (أفآكل؟ قال: إذا رميت بالمعراض وذكرت اسم الله فأصاب فخزق) بفتح الخاء المعجمة والزاي بعدها قاف، أي: نفذ يعني بحده، (فكل، وإن أصاب بعرضه فلا تأكل) لأنه وقيذ وإن جرحه، والوقيذ هو الذي يقتل بغير محدد من عصا أو حجر أو غيرهما.
قال القاري (٢): لا يحل ما قتله بالبندقة (٣) مطلقًا، لحديث المعراض، وقال مكحول والأوزاعي وغيرهما من فقهاء الشام: يحل ما قتل بالمعراض والبندقة.
٢٨٤٨ - (حدثنا هناد بن السري قال: أخبرنا ابن فضيل، عن بيان، عن عامر) الشعبي، (عن عدي بن حاتم) الطائي، المعروف بالجود،
стр. 5982
قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: إِنَّا نَصِيدُ بِهَذِهِ الْكِلَابِ, فَقَالَ لِي: «إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا, فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ وَإِنْ قَتَلَ (١) إلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ, فَإِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ, فَإِنِّى أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ». [خ ٥٤٨٣، م ١٩٢٩، جه ٣٢٠٨]
٢٨٤٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّادٌ, عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ, أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَمَيْتَ سَهْمِكَ (٢) وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَوَجَدْتَهُ مِنَ الْغَدِ وَلَمْ تَجِدْهُ فِى مَاءٍ وَلَا فِيهِ أَثَرٌ غَيْرَ سَهْمِكَ
===
وكان هو أيضًا جوادًا، وكان إسلامه سنة الفتح، وشهد الفتوح بالعراق (قال: سألت رسول الله ﷺ قلت: إنا نصيد بهذه الكلاب) المعلمة، (فقال لي: إذا أرسلت كلابك المعلمة، وذكرت اسم الله عليها، فكل مما أمسكن عليك، وإن) وصلية (قتل إلَّا أن يأكل (٣) الكلب) منه، فإنه إذا أكل فهو غير معلم، (فإن أكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه)، وقد أمر في القرآن بأكل مما أمسكن على صاحبه.
٢٨٤٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، عن عاصم الأحول، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، أن النبي ﷺ قال: إذا رميت سهمك، وذكرت اسم الله فوجدته من الغد، ولم تجده في ماء ولا فيه أثر غير سهمك)، وإنما شرط بهذين الشرطين, لأنه إذا وجد (٤) أحد الشرطين لم يعلم أن الموت مضاف إلى السهم، بل يحتمل أن يكون بالماء أو بسهم الغير، فوقع الشك في الحل
стр. 5983
فَكُلْ, وَإِذَا (١) اخْتَلَطَ بِكِلَابِكَ كَلْبٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ, لَا تَدْرِى لَعَلَّهُ قَتَلَهُ الَّذِى لَيْسَ مِنْهَا». [خ ٥٤٨٤، م ١٩٢٩، ت ١٤٦٩، ن ٤٨١٠، جه ٣٢١٣، حم ٤/ ٢٥٧]
===
فلا يحل (فكل)، وقد علمت أن في حلها شرط آخر وهو أن لا يقعد عن الطلب.
قال في "البدائع" (٢): وقد روي أن رجلًا أهدى إلى النبي ﷺ صيدًا، فقال له: "من أين لك هذا؟ "، قال: رميته بالأمس وكنت في طلبه حتى هجم علي الليل فقطعني عنه، ثم وجدته اليوم ومزراقي (٣) فيه، فقال ﵇: "إنه غاب عنك ولا أدري لعل بعض الهوام أعانك عليه، لا حاجة لي فيه" (٤). وروي عن ابن عباس ﵁ أنه سئل عن ذلك فقال: "كل ما أصميت، ودع ما أنميت" (٥)، قال أبو يوسف: الإصماء ما عاينه، والإنماء ما توارى عنه، وقال هشام عن محمد ﵀: الإصماء ما لم يتوار عن بصرك، والإنماء ما توارى عن بصرك، إلَّا أنه أقيم الطلب مقام البصر للضرورة.
(وإذا اختلط بكلابك كلب من غيرها) أي من غير تلك الكلاب المعلمة (فلا تأكل، لا تدري لعله) الصيد (قتله) الكلب (الذي ليس منها) أي: من الكلاب (٦) المعلمة.
وهذا الحديث أصل عظيم في حل الصيد إذا وجد فيه سببان يضاف
стр. 5984
٢٨٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ قَالَ: نَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: نَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِى زَائِدَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِى عَاصِمٌ الأَحْوَلُ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَقَعَتْ رَمِيَّتُكَ فِى مَاءٍ فَغَرِقَتْ فَمَاتَتْ (١) فَلَا تَأْكُلْ» (٢). [ن ٤٢٩٨، حم ٤/ ٣٧٨]
===
الموت إليهما، وكان أحد السببين مما لا يفيد الحل، فإذا كان كذلك بأن يكون موت الصيد يحتمل أن يضاف إلى سبب الحل، ويحتمل أن يضاف إلى السبب الذي لا يفيد الحل لا يحل، فحينئذ يغلب الحرمة.
٢٨٥٠ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: نا أحمد بن حنبل قال: نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: أخبرني عاصم الأحول، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: إذا وقعت رميتك) أي: صيدك الذي رميت إليه السهم (٣) (في ماء فغرقت فماتت فلا تأكل) لأنه وجد هنا سببان للموت، أحدهما: السهم، والثاني: الماء، والموت بوقوع الماء لا يفيد الحل، فاجتمع ها هنا سببان: أحدهما يفيد الحل، والثاني لا يفيده، فوقع الشك في الحل والحرمة، فترجح الحرمة.
стр. 5985
٢٨٥١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: نَا مُجَالِدٌ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْكَ. قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلَ؟ قَالَ: إِذَا قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ». [ق ٩/ ٢٣٨، ت ١٤٦٧ (مختصرًا)]
٢٨٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: نَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو, عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ
===
٢٨٥١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا عبد الله بن نمير قال: نا مجالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته) أي: إلى الصيد (وذكرت اسم الله، فكل مما أمسك عليك، قلت: وإن قتل؟ قال) رسول الله ﷺ : (إذا قتله) أي: الصيد (ولم يأكل منه شيئًا فإنما أمسكه عليك)، وقد تقدم ما يتعلق بشرح هذا الحديث ببيان الفرق بين الكلب والبازي، وقد أشار إليه أبو داود في نسخة على الحاشية، قال أبو داود: والباز إذا أكل فلا بأس به، والكلب إذا أكل كره، وإن شرب الدم (١) فلا بأس.
٢٨٥٢ - (حدثنا محمد بن عيسى قال: نا هشيم قال: أخبرنا داود بن عمرو) الأودي الدمشقي، عامل واسط، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: حديثه مقارب، وقال الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: يكتب حديثه وليس بالقوي، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: شيخ، وعن أبي داود: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن حزم: ضعفه أحمد، (عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس
стр. 5986
الْخَوْلَانِيِّ, عَنْ أَبِى ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (١) ﷺ فِى صَيْدِ الْكَلْبِ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالىَ فَكُلْ, وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ, وَكُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدَاكَ».
٢٨٥٣ - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ خُلَيْفٍ قَالَ: نَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى,
===
الخولاني، عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال النبي ﷺ في صيد الكلب: إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله تعالى) عند الإرسال (فكل، وإن أكل منه).
وهذا الحديث (٢) يخالف أحاديث عدي بن حاتم التي تقدمت، فإن في الأولى منها: "فإن أكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه"، وفي الثانية منها: "قال: إذا قتله ولم يأكل منه شيئًا فإنما أمسكه عليك"، والجواب عنه بما في الحاشية أوَّله الخطابي (٣) على أن المراد "إن أكل منه" فيما مضى من الزمان إذا لم يكن قد أكل في هذا الحال.
قال الإِمام النووي في "شرح مسلم" (٤): قدموا حديث عدي بن حاتم أي السابق الذي فيه: "فإن أكل فلا تأكل"، على حديث أبي ثعلبة الذي فيه: "قال: وإن أكل منه", لأنه أصح منه، ومنهم من تأول حديث أبي ثعلبة على إن أكل منه بعد أن قتله وخلاه وفارقه، ثم عاد فأكل منه، فهذا لا يضر
(وكل ما ردَّت عليك يدك).
٢٨٥٣ - (حدثنا الحسين بن معاذ بن خُليف قال: نا عبد الأعلى
стр. 5987
قَالَ: نَا دَاوُدُ, عَنْ عَامِرٍ, عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَحَدُنَا يَرْمِى الصَّيْدَ فَيَقْتَفِي أَثَرَهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ, ثُمَّ يَجِدُهُ مَيِّتًا وَفِيهِ سَهْمُهُ أَيَأْكُلُ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِنْ شَاءَ» أَوْ قَالَ: «يَأْكُلُ إِنْ شَاءَ». (١). [خت ٥٤٨٥، ق ٩/ ٢٤٢]
٢٨٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى السَّفَرِ, عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ عَدِىُّ بْنُ حَاتِمٍ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ
===
قال: نا داود) ابن أبي هند، (عن عامر، عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله) ﷺ (أحدنا يرمي الصيد، فيقتفي أثره اليومين والثلاثة، ثم يجده ميتًا وفيه سهمه أيأكل؟ قال: نعم، إن شاء أو) للشك من الراوي (قال: يأكل إن شاء).
قال القاري (٢): وإنما قيده بالمشيئة هنا وأطلقه هناك، وإن كان الأمر فيهما للإباحة إيماءً إلى الشبهة هنا، فإن في غيبته مدة مديدة احتمال أن يكون موت الصيد بسبب آخر غير معلوم لنا، والله تعالى أعلم، وقد قال علماؤنا: شرط الحل بالرمي التسمية والجرح، وأن لا يقعد عن طلبه إن غاب الصيد حال كونه متحاملًا سهمه، لما روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" والطبراني في "معجمه" عن أبي رزين عن النبي ﷺ في الصيد يتوارى عن صاحبه [قال: ] "لعل هَوام الأرض قتلته"، وروى عبد الرزاق نحوه عن عائشة مرفوعًا (٣).
٢٨٥٤ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي قال: قال عدي بن حاتم: سألت النبي ﷺ
стр. 5988
عَنِ الْمِعْرَاضِ فَقَالَ: «إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ, وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ, فَإِنَّهُ وَقِيذٌ» , فَقُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِى, قَالَ: «إِذَا سَمَّيْتَ فَكُلْ, وَإِلَّا فَلَا تَأْكُلْ, وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ, فَإِنَّمَا أَمْسَكَ لِنَفْسِهِ». فَقَالَ: أُرْسِلُ كَلْبِى فَأَجِدُ عَلَيْهِ كَلْبًا آخَرَ, فَقَالَ: «لَا تَأْكُلْ, لأَنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ». [خ ٥٤٧٦، م ١٩٢٩، ت ١٤٧١، ن ٤٢٦٣، جه ٣٢١٤]
٢٨٥٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ, عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ, عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ يَقُولُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّى أَصِيدُ بِكَلْبِى الْمُعَلَّمِ وَبِكَلْبِي الَّذِى لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ؟ قَالَ: «مَا صِدْتَ (١)
===
عن المعراض، فقال: إذا أصاب بحده فكل، وإذا أصاب بعرضه فلا تأكل، فإنه وقيذ) أي: موقوذ وهو المقتول بغير محدد (فقلت: أرسل كلبي) على الصيد فيأخذه فيقتله، (قال: إذا سميت فكل، وإلَّا) أي: وإن لم تسم (فلا تأكل، وإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك لنفسه، فقال: أرسل كلبي فأجد عليه كلبًا آخر) أي: شركه في قتله (فقال: لا تأكل؛ لأنك إنما سميت (٢) على كلبك) ولم تسم على الآخر.
٢٨٥٥ - (حدثنا هناد بن السري، عن ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، قال: سمعت ربيعة بن يزيد الدمشقي يقول: أخبرني أبو إدريس الخولاني، قال: سمعت أبا ثعلبة الخشني يقول: قلت: يا رسول الله) ﷺ (إني أصيد بكلبي المعلم وبكلبي الذي ليس بمعلم؟ قال: ما صدت
стр. 5989
بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَكُلْ, وَمَا اصَّدْتَ (١) بِكَلْبِكَ الَّذِى لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ». [خ ٥٤٧٨، م ١٩٣٠، ن ٤٢٦٦، جه ٣٢٠٧، ت ١٥٦٠]
٢٨٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى قَالَ: نَا بَقِيَّةُ, عَنِ الزُّبَيْدِىِّ قَالَ: نَا يُونُسُ بْنُ سَيْفٍ قَالَ: نَا أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِىُّ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ, كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ قَوْسُكَ وَكَلْبُكَ». زَادَ عَنِ ابْنِ حَرْبٍ: «الْمُعَلَّمُ وَيَدُكَ, فَكُلْ ذَكِيًّا (٢) وَغَيْرَ ذَكِىٍّ». [حم ٤/ ١٩٥، جه ٣٢١١]
===
بكلبك المعلم فاذكر اسم الله عليه وكل) إذا قتله، (وما اصّدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته) أي: ذبحته (فكل).
٢٨٥٦ - (حدثنا محمد بن المصفى قال: نا محمد بن حرب، ح: وحدثنا محمد بن المصفى قال: نا بقية، عن الزبيدي قال: نا يونس بن سيف قال: نا أبو إدريس الخولاني قال: حدثني أبو ثعلبة الخشني قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا أبا ثعلبة، كل ما ردت عليك قوسك) أي: ما صدت بقوسك بإرسال السهم (وكلبك) أي: ما صدت بكلبك، (زاد) محمد بن المصفى (عن) شيخه (ابن حرب) بعد قوله: "وكلبك" (المعلم) أي: لفظ "المعلم"، وقال أي ابن المصفى عن ابن حرب: (ويدك) أي مكان قوله: قوسك، (فكل ذكيًا وغير ذكي).
قال الخطابي (٣): يحتمل وجهين: أحدهما: أراد بالذكي ما أمسكه عليه حيًا، فأدركه قبل زهوق نفسه، فذكَّاه في الحلق واللبة، وغير الذكي ما زهقت نفسه قبل أن يدركه، والثاني: أن يكون أراد بالذكي
стр. 5990
٢٨٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الضَّرِيرِ قَالَ: نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: نَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, أَنَّ أَعْرَابِيًّا يُقَالُ لَهُ أَبُو ثَعْلَبَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ لِى كِلَابًا مُكَلَّبَةً, فَأَفْتِنِى فِى صَيْدِهَا, فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنْ (١) كَانَ لَكَ كِلَابٌ مُكَلَّبَةٌ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ». قَالَ: ذَكِيًّا أَوْ غَيْرَ ذَكِيٍّ؟ قَالَ: فَإِنْ (٢) أَكَلَ مِنْهُ؟ قَالَ: «وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ»
===
ما جرحه الكلب بسنِّه أو البازي بمخلبه فسال دمه، وغير الذكي ما لم يجرحه، انتهى.
قلت: وقد تقدم من مذهبنا أن الصيد إذا أخذه الكلب ولم يجرحه بل مات غمًا وخنقًا فإنه لا يحل.
٢٨٥٧ - (حدثنا محمد بن المنهال الضرير قال: نا يزيد بن زريع قال: نا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن أعرابيًا يقال له: أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، إن لي كلابًا مكلَّبة) أي: معلمة (فأَفْتِني في صيدها) في حلها وحرمتها، (فقال النبي ﷺ : إن كان لك كلابًا مكلبة فكل مما أمسكن عليك، قال: ذكيًا) كان (أو غير ذكي، قال: فإن كل منه؟ قال: وإن أكل منه).
اختلفت النسخ في هذه العبارة، وهذه الموجودة في المجتبائية والمكتوبة القلمية، وأما في القادرية: "فكل مما أمسكن عليك، قال: ذكيًا أو غير ذكي؟ قال: نعم، قال: فإن أكل منه؟ ، قال: وإن أكل منه"، كذا في الكانفورية. وهكذا في نسخة "العون"، وفي النسخة المصرية: "فكل مما أمسكن عليك، قال: وإن أكل"، ولم يذكر فيه "ذكيًا أو غير ذكي"، ولا "فإن أكل منه".
ومعنى الكلام على النسخة المجتبائية والقلمية: فكل مما أمسكن عليك،