← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

أَنَّهُ سَمِعَ شُيُوخًا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَمِنْ خَالِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: حَفِظْتُ عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ، وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ". [ق ٦/ ٥٧] (١٠) بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ ٢٨٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَ: نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عن ثَوْرِ بْنِ يَزِيْدَ، === (أنه سمع شيوخًا من بني عمرو بن عوف و) سمع (من خاله عبد الله بن أبي أحمد) بن جحش بن رياب الأسدي، ولد في حياة رسول الله ﷺ ، وهو من كبار التابعين، روى له أبو داود حديثًا واحدًا عن علي، قال الطبراني: لا يروي إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن صالح، ولا نحفظ لعبد الله حديثًا مسندًا غير هذا، وقال ابن سعد: له رؤية، وقال أبو نعيم: له ولأبيه صحبة، وذكره جماعة في الصحابة باعتبار رؤيته، وقال العسكري: حديثه مرسل. (قال: قال علي بن أبي طالب: حفظت عن رسول الله ﷺ : لا يتم بعد احتلام) أي: بعد بلوغ، أي: إذا بلغ الرجل أو المرأة انقطع يتمه، (ولا صُمات) بضم الصاد، أي: السكوت وترك التكلم (يوم إلى الليل) قيل: كان الصمات من عبادة أهل الجاهلية، فنهُوا عن ذلك، وأُمِرُوا بالنطق والذكر بالخير. (١٠) (بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ في أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ) أي: بغير حق ٢٨٧٤ - (حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني قال: نا ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن ثور بن يزيد). هكذا في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندنا: "ابن يزيد" بزيادة الياء التحتانية قبل الزاي، وكتب في حاشية النسخة القلمية: كذا في أصول صحيحة: "ثور بن يزيد"، وفي بعضها: "ثور بن زيد"، وهو الذي في "الأطراف"،

стр. 6022

عن أَبِي الْغَيْثِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، === وهو المعروف بالرواية عن أبي الغيث، والمأثور (١) "ابن يزيد"، انتهى. قلت: ما وقع في نسخ أبي داود من "ثور بن يزيد" بزيادة الياء التحتانية فهو غلط من النساخ، فإن البخاري أخرج هذا الحديث في مواضع من كتابه، وقال: عن ثور بن زيد، وقد صرح في باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (٢) الآية، بأنه ثور بن زيد مدني؛ فقال: حدثني عبد العزيز ابن عبد الله قال: حدثني سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد المدني، عن أبي الغيث، والمدني ليس إلَّا ثور بن زيد، وأما ثور بن يزيد فهو حمصي. وقد أخرج مسلم في "صحيحه" هذا الحديث من طريق سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، فأما ثور بن زيد هو الديلي مولاهم، المدني، روى عن سالم أبي الغيث، وعنه سليمان بن بلال. وأما ثور بن يزيد بن زياد فهو الكلاعي، ويقال: الرحبي، أبو خالد، الحمصي، ولم يذكر روايته عن أبي الغيث، ولا ذكر أنه روى عنه سليمان بن بلال. (عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: اجتنبوا السبع (٣) الموبقات) أي: الأفعال المهلكات التي توقع فاعلها في الهلكة، والمراد بها الكبائر، (قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله) وهو أكبر

стр. 6023

وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيم، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ" (١). [خ ٢٧٦٦، م ٨٩، ن ٣٦٧١] === الكبائر، (والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلَّا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم) بغير حق، (والتولي يوم الزحف) أي: الجهاد ولقاء العدو إلَّا متحرفًا لقتال، أو متحيزًا إلى فئة، (وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات). واختلفوا في حد الكبيرة، فقيل: الكبيرة هي الموجبة للحد، وقيل: ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب أو سنَّة، وقيل: الكبيرة كل ذنب قرن به وعيد أو لعن، وقيل: كل ذنب أدخل صاحبه النار. ومن أحسن التعاريف قول القرطبي في "المفهم": كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنَّة أو إجماع أنه كبيرة، أو عظيم، أو أخبر فيه بشدة العقاب، أو علق عليه الحد، أو شدد النكير عليه فهو كبيرة. قلت: وقال ابن عطاء في "حِكَمِه": لا كبيرة إذا واجهك فضله، ولا صغيرة إذا قابلك عدله. وقال الحليمي في "المنهاج": ما من ذنب إلَّا وفيه صغيرة وكبيرة، وقد تنقلب الصغيرة كبيرة بقرينة تضم إليها، وتنقلب الكبيرة فاحشة كذلك، إلَّا الكفر بالله، فإنه أفحش الكبائر، وليس من نوعه صغيرة، ومع ذلك فهو ينقسم إلى فاحش وأفحش. ثم ذكر الحليمي أمثلة لما قال، فالثاني كقتل النفس بغير حق فإنه كبيرة، فإن قتل أصلًا أو فرعًا، أو ذا رحم، أو بالحرم، أو بالشهر الحرام فهو فاحشة، والزنا كبيرة، فإن كان بحليلة الجار، أو بذات رحم، أو في شهر رمضان، أو في الحرم فهو فاحشة، وشرب الخمر كبيرة، فإن كان في

стр. 6024

٢٨٧٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الْجُوْزَجَانِيُّ قَالَ: نَا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ: نَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عن عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سِنَانٍ، نَا عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، عن أَبِيهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ - وَكَانَ (١) لَهُ صُحْبَةٌ - أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ === شهر رمضان نهارًا، أو في الحرم، أو جاهر به فهو فاحشة. والأول كالمفاخذة مع الأجنبية صغيرة؛ فإن كان مع امرأة الأب، أو حليلة الابن، أو ذات رحم فكبيرة، والسرقة ما دون النصاب صغيرة، فإن كان المسروق منه لا يملك غيره وأفضى به عدمه إلى الضعف فهو كبيرة، وأطال في أمثلة ذلك، ملخص من "الفتح" (٢). وأما الجواب عن الحكمة في الاقتصار على السبع، فقيل: إن مفهوم العدد ليس بحجة، وقيل: اعلم أولًا بالمذكورات، ثم اعلم بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد، وقيل: إن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة للسائل، أو من وقعت له واقعة ونحو ذلك. ٢٨٧٥ - (حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني قال: نا معاذ بن هانئ قال: نا حرب بن شداد قال: نا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الحميد بن سِنان) حجازي مكي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، له في الكتابين أي أبي داود والنسائي هذا الحديث الواحد، قلت: وقال العقيلي: قال البخاري: في حديثه نظر، وقال في "التقريب": مقبول. (نا عبيد بن عمير، عن أبيه) عمير بن قتادة بن سعد بن عامر بن جندع بن ليث الليثي الجندعي الكوفي، صحابي، روى عنه ابنه عبيد وحده، له عندهم حديثان، ذكر العسكري أنه شهد الفتح، وذكر البغوي أنه شهد حجة الوداع (أنه) أي: عميرًا (حدثه) أي: عبيدًا (وكان له) أي: لعمير (صحبة، أن رجلًا سأله)

стр. 6025

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: "هُنَّ تِسْعٌ (١) " فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. زَادَ: "وعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا". [ن ٤٠١٢] (١١) بَابُ مَا جَاءَ فِي الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْكَفَنَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ ٢٨٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي وَائِلٍ، عن خَبَّابٍ قَالَ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا نَمِرَةٌ، === أي النبي ﷺ (فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال) النبي ﷺ : (هن) أي: الكبائر (تسع (٢)، فذكر معناه) أي معنى حديث أبي هريرة المتقدم. (زاد) أي إبراهيم بن يعقوب أو عبيد: (وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام) أي: هتك حرمته بالقتل فيه، والاصطياد وقطع الشجر ونحو ذلك (قبلتكم) وهو الذي يستقبل ويتوجه إليه (أحياء) أي: في زمان الحياة في الصلاة (وأمواتًا) بتحويل وجه الميت إليها. (١١) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الكَفَنَ مِنْ جَمِيعِ (٣) المالِ) فيقدم الكفن وما في معناه من التجهيز على الدَّيْن وعلى الوصية وعلى الميراث ٢٨٧٦ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن خباب) بن الأرت (قال) خباب: (مصعب بن عمير) مبتدأ (قتل يوم أحد) خبره (ولم يكن له) أي: من المال (إلَّا نمرة) قصيرة

стр. 6026

كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا (١) رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإذْخِرِ". [خ ١٢٧٦، م ٩٤٠، ت ٣٨٥٣، ن ١٩٠٣، حم ٥/ ١٠٩] (١٢) بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَهَبُ الْهِبَةَ ثُمَّ يُوصَى لَهُ بِهَا أَوْ يَرِثُهَا ٢٨٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: نَا زُهَيْرٌ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ بُرَيْدةَ: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَالَتْ (٢): كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِوَلِيدَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ تِلْكَ الْوَليدة. === (كنا إذا غطينا رأسه) بها (خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله ﷺ : غطوا بها) أي: بالنمرة (رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر) وهو نبت طيب الرائحة. (١٢) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَهَبُ الْهِبَةَ) من رجل (ثُمَّ يُوصَى لَه)، أي: للواهب (بِهَا)، أي: يوصيه الموهوب له (أَوْ يَرِثُهَا) أي: يرث الواهب بهبته ٢٨٧٧ - (حدثنا أحمد بن يونس قال: نا زهير قال: نا عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة: أن امرأة) لم أقف على تسميتها (أتت رسول الله ﷺ وقالت: كنت تصدقت) قبل ذلك (على أمي بوليدة) أي: بتمليكها لها هبة أو صدقة (وأنها) أي: أمي (ماتت وتركت تلك الوليدة) أي: ميراثًا، فهل آخذها وتعود في ملكي ولا يكون هذا رجوعًا في الصدقة؟

стр. 6027

قَالَ: "قَدْ وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ فِي الْمِيرَاثِ". قَالَتْ: وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَيُجْزِئُ أَوْ يَقْضِي عَنْهَا أَنْ أَصُومَ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَتْ: وَإِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ، أَفَيُجْزِئُ أَوْ تَقْضِي (١) عَنْهَا أَنْ أَحُجَّ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". [م ١١٤٩، ت ٩٢٩، حم ٥/ ٣٥١] === (قال) رسول الله ﷺ : (قد وجب أجرك) أي: بصلتها (ورجعت) أي: الوليدة (إليك في الميراث) أي: صارت الجارية ملكًا لك بالإرث، وعادت إليك بالوجه الحلال، والمعنى: أن ليس هذا من باب العود في الصدقة، قال ابن الملك: أكثر العلماء على أن الشخص إذا تصدق بصدقة على قريبه ثم ورثها حلت له، وقيل: يجب صرفها إلى فقير, لأنها صارت حقًّا لله تعالى. (قالت: وإنها) أي: أمي (ماتت وعليها صوم شهر، أفيجزئ) أي: يكفي، وفي المكتوبة القلمية: "أفيَجْزِي" وهو بمعنى يقضي (أو) للشك من الراوي (يقضي) أي: يؤدي (عنها أن أصوم عنها؟ قال: نعم) أي: أدِّي الصوم عنها بالكفارة. قال الطيبي (٢): جَوَّز أحمد أن يصوم الولي عن الميت ما كان عليه من قضاء رمضان أو نذر أو كفارة بهذا, ولم يُجَوِّز مالك والشافعي وأبو حنيفة ﵏، بل يطعم عنه وليه لكل يوم صاعًا من شعير، أو نصف صاع من بر عند أبي حنيفة، وكذا لكل صلاة، وقيل: لصلوات كل يوم. (قالت: وإنها لم تحج، أفيجزئ) مهموز اللام (أو تقضي عنها أن أحج عنها؟ قال: نعم) حجي عنها، أي: سواء وجب عليها أم لا، أوصت به أم لا، قال ابن الملك: يجوز أن يحج أحد من الميت بالاتفاق.

стр. 6028

(١٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يُوقِفُ الْوَقْفَ ٢٨٧٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَحْيَى، عن ابْنِ عَوْنٍ، عن نَافِعٍ، عن ابْن عُمَرَ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: === (١٣) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يُوقِفُ الْوَقْفَ) أي: يوقف ماله وقفًا، أو يوقف ماله الذي سيكون موقوفًا ٢٨٧٨ - (حدثنا مسدد قال: نا يزيد بن زريع، ح: وحدثنا مسدد قال: نا بشر بن المفضل، ح: وحدثنا مسدد قال: نا يحيى) ثلاثتهم (عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر قال: أصاب عمر) ﵁ (أرضًا بخيبر) اسمها ثمغ، وكانت ليهود بني حارثة (فأتى النبي ﷺ فقال: أصبتُ أرضًا، لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه). كان له مائة رأس فاشترى بها مائة سهم من خيبر من أهلها، فيحتمل أن تكون ثمغ من جملة أراضي خيبر، وأن مقدارها كان مقدار مائة سهم من السهام التي قسمها النبي ﷺ بين من شهد خيبر، وهذه المائة سهم غير المائة سهم التي كانت لعمر بن الخطاب بخيبر التي حصلها من جزئه من الغنيمة وغيره، وذكر عمر بن شبة بإسناد ضعيف، عن محمد بن كعب، أن قصة عمر هذه كانت في سنة سبع من الهجرة، قاله الحافظ (١)، فتذكير الضمير في "منه" بتأويل الأرض بالمال. (فكيف تأمرني به؟ ) أي: في التصدق به (قال) رسول الله ﷺ :

стр. 6029

"إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا"، فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُوْهَبُ، وَلَا يُورَثُ، لِلْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ. وَزَادَ عن بِشْرٍ: والضَّيْفِ، ثُمَّ اتَّفَقُوا، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا (١) أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ وُيطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. === (إن شئت حَبَّست أصلها وتصدقت بها) أي: بمنفعتها، وبَيَّن ذلك ما في رواية عبيد الله بن عمر: "احبس أصلها وسبِّل ثمرتها"، وفي رواية يحيى بن سعيد: "تصدق بثمره وحبس أصله". (فتصدق بها) أي: بمنفعتها (عمر، أنه) أي: بشرط أنه (لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث) أي: لا يقع عليها التملك بسبب من أسباب الملك، وظاهر الكلام يدل أن الشرط من كلام عمر ﵁، ولكن وقع في رواية يحيى بن سعيد، عن نافع عند البيهقي: "تصدق بثمره، وحبس أصله، لا يباع ولا يورث"، وكذا في حديث صخر بن جويرية، عن نافع بلفظ: "فقال النبي ﷺ : تصدق بأصله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره"، وهذا صريح في أن الشرط من كلام النبي ﷺ . (للفقراء والقربى) يحتمل أن يكون هم من ذكر في الخمس، ويحتمل أن يكون المراد بهم قربى الواقف، وبهذا الثاني جزم القرطبي (والرقاب) أي: في فكِّها، أي: يشترى بها العبيد ليعتق (وفي سبيل الله وابن السبيل، وزاد) مسدد (عن بشر: والضيف) وهو من نزل بقوم يريد القِرَى. (ثم اتفقوا) أي: شيوخ مسدد: (لا جناح على من وليها) أي المتولي (أن يأكل منها بالمعروف) أي القدر الذي جرت به العادة، وقيل: القدر الذي يدفع به الشهوة، وقيل: المراد أن يأخذ منه قدر عمله (ويطعم صديقًا غير متمول) أي: غير متحصل مالًا (فيه) أي: غير متخذ منها مالًا أي ملكًا، والمراد أنه لا يتملك شيئًا من رقابها.

стр. 6030

زَادَ عن بِشْرٍ قَالَ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ (١): "غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا". [خ ٢٧٣٧، م ١٦٣٢، ت ١٣٧٥، ن ٣٥٩٧، جه ٢٣٩٦، حم ٢/ ١٢] === (زاد) مسدد (عن بشر قال) ابن عون: (وقال محمد) بن سيرين: (غير متأثل مالًا)، بيَّن ذلك الدارقطني (٢) من طريق أبي أسامة، عن ابن عون قال: ذكرت حديث نافع لابن سيرين فذكره، زاد سليم: قال ابن عون: وأنبأني من قرأ هذا الكتاب أن فيه: "غير متأثل مالًا"، والمتأثل بمثناة ثم مثلثة مشددة بينهما همزة هو المتخذ، والتأثل اتخاذ أصل المال حتى كأنه عنده قديم، وأثلة كل شيء أصله، قال الشاعر (٣): وقد يُدْرِكُ المَجْدَ المؤثَّلَ أَمْثَالِي وأوصى بها عمر إلى حفصة أم المؤمنين ثم إلى الأكابر من آل عمر، فكأنه كان أولًا شرط أن النظر فيه لذوي الرأي من أهله، ثم عيَّن عند وصيته لحفصة، وقد بَيَّن ذلك عمر بن شبَّة عن أبي غسان المدني، قال: هذه نسخة صدقة عمر، أخذتها من كتابه الذي عند آل عمر، فنسختها حرفًا حرفًا: "هذا ما كتب عبد الله عمر أمير المؤمنين في ثمغ: أنه إلى حفصة ما عاشت، تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإلى ذوي الرأي من أهلها، ثم قال: والمائة وسق الذي أطعمني النبي ﷺ فإنها مع ثمغ على سننه الذي أمرت به، وإن شاء ولي ثمغ أن يشتري من ثمره رقيقًا يعملون فيه فعل، وكتب معيقيب، وشهد عبد الله بن الأرقم".

стр. 6031

٢٨٧٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَني اللَّيْثُ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن صَدَقَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: نَسَخَهَا لِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ فِي ثَمْغٍ، === وكذا أخرج أبو داود في روايته نحو هذا، وذكرا جميعًا كتابًا آخر نحو هذا الكتاب، وفيه من الزيادة: "وصِرْمة بن الأكوع والعد الذي فيه صدقة كذلك". وهذا يقتضي أن عمر إنما كتب كتاب وقفه في خلافته, لأن معيقيبًا كان كاتبه زمن خلافته، وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين، فيحتمل أنه وقفه في زمن النبي ﷺ باللفظ، وتولى هو النظر عليه إلى أن حضرته الوصية، فكتب حينئذ الكتاب، ويحتمل أن يكون آخر وقفيته، ولم يقع منه قبل ذلك إلَّا استشارته في كيفيته. وقد روى الطحاوي وابن عبد البر من طريق مالك، عن ابن شهاب قال: قال عمر: "لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ لرددتها"، فهذا يشعر بالاحتمال الثاني، وأنه لم ينجز الوقف إلَّا عند وصيته. ٢٨٧٩ - (حدثنا سليمان بن داود المهري قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني الليث، عن يحيى بن سعيد، عن صدقة عمر بن الخطاب، قال) يحيى بن سعيد: (نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب) العدوي المدني، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري قصة صدقة عمر، قال: يحيى نسخها لي عبد الحميد، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما كتب عبد الله عمر، قال في "التقريب": مجهول. (بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما كتب عبد الله عمر) بدل من عبد الله (في ثمغ) كتب في الحاشية عن "فتح الودود": بفتح المثلثة

стр. 6032

فَقَصَّ مِنْ خَبَرهِ نَحْوَ حَدِيثِ نَافِع، قَالَ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا، فَمَا عَفَا عَنْهُ (١) مِنْ ثَمَرِهِ، فَهُوَ لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ قَالَ: وَسَاق القِصَّةَ، قَالَ: وَإِنْ شَاءَ وَليُّ ثَمْغٍ اشْتَرَى مِنْ ثَمَرِهِ رَقِيقًا لِعَمَلِهِ (٢)، وَكَتَبَ مُعَيْقِيبٌ، وَشَهِدَ عَبْد اللَّهِ بْنُ الأَرْقَمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم، هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ حَدَثَ بِهِ (٣) === وسكون الميم وغين المعجمة: مال بالمدينة معروف، وقال في "معجم البلدان" (٤): بالفتح ثم السكون والغين معجمة: موضع مال لعمر بن الخطاب، وقيده بعض المغاربة بالتحريك. (فقص) أي يحيى (من خبره نحو حديث نافع، قال: غير مثأثل مالًا، فما عفا) أي: فضل وزاد وبقي من أكل المتولي وصرفه إلى مصارفها (عنه من ثمره) أي: ثمر الوقف (فهو للسائل والمحروم) وهو المُحارَف بفتح الراء، المحدود (٥) الذي إذا طلب فلا يرزق، أو يكون لا يسعى في الكسب، أو الممنوع من الرزق، أو الفقير المتعفف الذي لا يسأل ولا يعلم بحاجته فيتصدق عليه، وهذان زائدان على ما تقدم من المصارف. (قال) أي: الراوي: (وساق) أي: يحيى بن سعيد (القصة قال) أي: يحيى بن سعيد وفي الكتاب: (وإن شاء وليُّ ثمغ اشترى من ثمره) أي: ثمغ (رقيقًا) أي: عبيدًا (لعمله، وكتب) أي: الكتاب (معيقيب) مولى عمر، (وشهد عبد الله بن الأرقم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المومنين، إن حدث به

стр. 6033

حَدَثٌ، أَنَّ ثَمْغًا وَصِرْمَةَ ابْنَ الأَكْوَعِ، وَالْعَبْدَ الَّذِي فِيهِ، وَالْمِائَةَ سَهْمٍ الَّذِي (١) بِخَيْبَرَ، وَرَقِيقَهَ الَّذِي فِيهِ، وَالْمِائَة الَّتِي أَطْعَمَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالْوَادِي تَلِيهِ حَفْصَةُ مَا عَاشَتْ، ثُمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْي مِنْ أَهْلِهَا، أَلنْ لَا يُبَاعَ وَلَا يُشْتَرَى، يُنْفِقُهُ حَيْثُ رَأَى مِنَ السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَذِي الْقُرْبَى، وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ وَليَهُ إِنْ أَكَلَ أَوْ آكَلَ أَو اشْتَرَى رَقِيقًا مِنْهُ. [انظر سابقه] === حدث) أي: موت (أن ثمغًا وصِرمة ابن الأكوع). قال في "النهاية" (٢): وفي حديث وصية عمر: "إن تُوُفِّيتُ وفي يدي صرمة ابن الأكوع فَسُنَّتُها سنَّة ثمغ"، الصرمة ههنا القطعة الخفيفة من النخل، وقيل من الإبل. (والعبد الذي فيه، والمائة سهم الذي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة التي أطعمه محمد ﷺ بالوادي تليه) أي المال (٣) الذي ذكر (حفصة) بنت عمر زوج النبي ﷺ (ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها، أن لا يباع) ذلك المال (ولا يشترى) به شيء (ينفقه) أي: المتولي (حيث رأى من السائل والمحروم وذي القربى، ولا حرج على من وليه) أي: ذاك المال (إن أكل أو آكل) أي: أطعم غيره (أو اشترى رقيقًا منه) أي: ليعتق أو ليعمل فيه.

стр. 6034

(١٤) بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيِّتِ ٢٨٨٠ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ (١) قَالَ: نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن سُلَيْمَانَ - يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ -، عن الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أرَاهُ عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ". [م ١٦٣١، ت ١٣٧٦، ن ٣٦٥١، حم ٢/ ٣٧٢، خزيمة ٢٤٩٤] === (١٤) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيِّتِ) ٢٨٨٠ - (حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن قال: نا ابن وهب، عن سليمان - يعني ابن بلال -، عن العلاء بن عبد الرحمن، أراه عن أبيه)، وقد أخرجه مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، من غير شك، (عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلَّا من ثلاثة أشياء: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). قال النووي (٢): إن عمل الميت ينقطع بموته، وينقطع تجدد الثواب له، إلَّا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه كان سببها، فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية، وهي الوقف. قال: وفيه أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت، [وكذلك الصدقة] , وهما مجمع عليهما، وكذلك قضاء الدين، وأما الحج فيجزئ عن الميت عند الشافعي وموافقيه، وهذا داخل في قضاء الدين إن كان حجًّا واجبًا، وإن كان تطوعًا وصَّى به فهو من باب الوصايا، وأما قراءة القرآن وجعل ثوابها للميت

стр. 6035

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والصلاة عنه ونحوهما، فمذهب الشافعي والجمهور أنها لا تلحق (١) الميت، انتهى. وقال النووي أيضًا في "شرح مقدمة مسلم" (٢): قوله: ليس في الصدقة اختلاف، معناه أن هذا الحديث لا يحتج به، ولكن من أراد بر والديه فليتصدق عنهما، فإن الصدقة تصل إلى الميت وينتفع بها بلا خلاف بين المسلمين، وهذا هو الصواب، وأما ما حكاه القاضي أبو الحسن الماوردي الشافعي عن بعض أصحاب الكلام من أن الميت لا يلحقه بعد موته ثواب، فهو مذهب باطل قطعًا, وخطأٌ بَيِّنٌ مخالف لنصوص الكتاب والسنَّة وإجماع الأمة، فلا التفات إليه ولا تعريج عليه. وأما الصلاة والصوم، فمذهب الشافعي وجماهير العلماء أنه لا يصل ثوابهما إلى الميت إلَّا إذا كان الصوم واجبًا على الميت، فقضاه عنه وليه أو من أذن عنه الولي، فإن فيه قولين للشافعي، أشهرهما عنه أنه لا يصح، وأصحهما عند محققي متأخري أصحابه أنه يصح. وأما قراءة القرآن، فالمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يصل ثوابها إلى الميت، وقال بعض أصحابه: يصل إلى الميت ثواب جميع العبادات من الصلاة والصوم والقراءة وغير ذلك، ومال الشيخ أبو سعد عبد الله بن محمد ابن هبة الله (٣) بن أبي عصرون من أصحابنا المتأخرين في كتابه "الانتصار" إلى اختيار هذا. وقال الإِمام أبو محمد البغوي من أصحابنا: لا يبعد أن يطعم من كل صلاة مُدٌّ من طعام، وكل هذه المذاهب ضعيفة، ودليلهم القياس على الصدقة

стр. 6036

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والحج فإنها تصل بالإجماع، ودليل الشافعي وموافقيه (١) قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٢)، وقول النبي ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله" ... الحديث، انتهى. قلت: ومذهب الحنفية في ذلك ما قال صاحب "رد المحتار على الدر المختار" (٣): صرح علماؤنا في باب الحج عن الغير، بأن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صومًا أو صدقة أو غيرها، كذا في "الهداية"، بل في زكاة "التاتارخانية" عن "المحيط": الأفضل لمن يتصدق نفلًا أن ينوي لجميع المؤمنين والمؤمنات؛ لأنه يصل إليهم ولا ينقص من أجره شيء، وهو مذهب أهل السنَّة والجماعة، لكن استثنى مالك والشافعي العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة، فلا يصل ثوابها إلى الميت عندهما، بخلاف غيرها كالصدقة والحج، وخالف المعتزلة في الكل، وتمامه في "فتح القدير" (٤). وفي "البحر" (٥): من صام أو صلَّى أو تصدق وجعل ثوابه لغيره من الأموات والأحياء جاز، ويصل ثوابها إليهم عند أهل السنَّة والجماعة، كذا في "البدائع" (٦)، ثم قال: وبهذا علم أنه لا فرق بين أن يكون المجعول له ميتًا أو حيًّا، والظاهر أنه لا فرق بين أن ينوي به عند الفعل للغير أو يفعله لنفسه، ثم بعد ذلك يجعل ثوابه لغيره، لإطلاق كلامهم (٧)، وأنه لا فرق بين الفرض والنفل. وأما الاستدلال على نفي حصول الثواب للأحياء والأموات من الغير،

стр. 6037

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وصدقته وصلاته وصومه بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١). فالجواب عنه أولًا أنه روي عن ابن عباس عدم إثابة (٢) الإنسان بسعي غيره وفعله منسوخ الحكم في هذه الشريعة، فالحصر المستفاد من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله تعالى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٣)، فإنه يدل على أن الذريات يدخلون الجنة بعمل آبائهم. وقال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا أي ما عملوا وسعى لهم غيرهم، لما روي: أن امرأة رفعت صبيًّا له ﵇، فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر"، وقال رجل: يا رسول الله، إن أمي افتلتت، وأظنها لو تكلمت لتصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم". وقال الشيخ تقي الدين أبو العباس: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلَّا بعمله فقد خرق الإجماع، فإن الأمة قد أجمعوا على أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، وهو انتفاع بعمل الغير. وأيضًا أنه ﵊ يشفع لأهل الموقف في الحساب، ثم لأهل الجنة في دخولها، ثم لأهل الكبائر في الإخراج من النار، وهو انتفاع بسعي الغير، وكذا كل نبي وصالح له شفاعة، وذلك انتفاع بعمل الغير، وأيضًا الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض، وذلك منفعة بعمل الغير. وأيضًا أنه تعالى يخرج طائفة من النار ممن لم يعمل خيرًا قط بمحض رحمته، وهذا انتفاع من غير سعيهم. وأيضًا أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم، وذلك انتفاع بمحض

стр. 6038

(١٥) بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ مَاتَ عن غَيْرِ وَصِيَّة يُتَصَدَّقُ عَنْهُ ؟ ٢٨٨١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّادٌ، عن هِشَامٍ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ امْرَأَةً === عمل الغير، وكذلك الميت ينتفع بالصدقة عنه، وبالعتق عنه بنص السنَّة والإجماع، وهو من عمل غيره، وأنه يسقط الحج المفروض عن الميت بحج وليه عنه بنص السنَّة، وكذا تبرأ ذمة الإنسان من ديون الخلق إذا قضاها عنه قاض، وذلك انتفاع بعمل الغير، وكذلك الصلاة والدعاء له فيها ينتفع بها الميت، وهي من عمل الغير، ونظائر ذلك كثيرة لا تحصى، كذا في "شيخ زاده" (١). (١٥) (بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ مَاتَ عَنْ غيرِ وَصِيَّةٍ)، أي: ولم يوص أَ (يُتَصَدَّقُ عَنْهُ؟ ) بحذف حرف الاستفهام، أي: أينفعه التصدق عنه؟ ٢٨٨١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، عن هشام) بن عروة، (عن أبيه) عروة، (عن عائشة) ﵂ (أن امرأة). أخرج البخاري هذا الحديث في الجنائز من طريق محمد بن جعفر، قال: أخبرني هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إن أمي افتلتت نفسها، الحديث. وأخرج في الوصايا أيضًا من طريق مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إن أمي افتلتت، ففيهما أن السائل هو الرجل، قال الحافظ (٢): هو سعد بن عبادة، واسم أمه عمرة. ثم قال الحافظ (٣) في الوصايا في "باب ما يستحب لمن توفي فجأة": أورد فيه حديث عائشة "أن رجلًا قال: إن أمي افتلتت نفسها"، وحديث

стр. 6039

قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَصَدَّقَتْ وَأَعْطَتْ، أَفَيُجْزِئُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "نَعَمْ، فَتَصَدَّقِي عَنْهَا". [خ ١٣٨٨، م ١٠٠٤، ن ٣٦٤٩، جه ٢٧١٧] ٢٨٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ: نَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: أَنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ أَفَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: فَإِنَّ لِي مَخْرَفًا، وَإِنّي أُشْهِدُكَ أَنّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا". [خ ٢٧٧٠، ت ٦٦٩، ن ٣٦٥٥، حم ١/ ٣٣٣، ك ١/ ٤٢٠] === ابن عباس "أن سعد بن عبادة قال: إني أمي ماتت"، وكأنه رمز إلى أن المبهم في حديث عائشة هو سعد بن عبادة، انتهى. قلت: فلعل (١) ما وقع في رواية أبي داود بلفظ "إن امرأة" خلاف ما في رواية البخاري، غير محفوظ. (قالت: يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها) أي: ماتت بغتة وفجأة (ولولا ذلك) أي: موتها فجأة (لتصدقت وأعطت، أفيجزئ أن أتصدق عنها؟ فقال النبي ﷺ : نعم، فتصدقي عنها)، وهذا ظاهر في أن الصدقة يصل ثوابها إلى الميت، ولولا ذلك لم يأمرها ﷺ بالتصدق عنها. ٢٨٨٢ - (حدثنا أحمد بن منيع، نا روح بن عبادة قال: نا زكريا بن إسحاق قال: أَنَا عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلًا) هو سعد بن عبادة (قال: يا رسول الله، إن أمه) واسمها عمرة (توفِّيَت أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم، قال: فإن لي مخرفًا) أي: بستانًا (وإني أُشْهِدك أني قد تصدقت به) أي: بالمخرف (عنها) أي: عن أمي.

стр. 6040

(١٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي وَصِيَّةِ الْحَرْبِيّ يُسْلِمُ وَليُّه أَيَلْزَمُهُ أَنْ يُنْفِذَهَا ؟ ٢٨٨٣ - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: نَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ، فَأَعْتَقَ ابْنُهُ هِشَامٌ خَمْسِينَ رَقَبَةً، فَأَرَادَ ابْنُهُ عَمْرٌو أَنْ يَعْتِقَ عَنْهُ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ، فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ === (١٦) (بَابُ مَا جَاءَ فِي وَصِيَّةِ الْحَرْبِيِّ) أي: الكافر (يُسْلِمُ وَليُّه) فيوصي الحربي الكافر إليه (أَيَلْزَمُه) أي: المسلم (أَنْ يُنْفِذَهَا؟ ) أي: يمضيها؟ ٢٨٨٣ - (حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قال: أخبرني أبي) أي: الوليد بن مزيد (قال: نا الأوزاعي قال: حدثني حسان بن عطية، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (١): أن العاص بن وائل أوصى) إلى ابنيه (أن يعتق عنه مائة رقبة) وكان العاص كافرًا، (فأعتق ابنه هشام) أي: هشام بن العاص منها (خمسين رقبة) على حسب وصية أبيه، وهشام هو هشام بن العاص بن وائل السهمي، قال ابن حبان: كان يكنى أبا العاص، فكناه النبي ﷺ أبا مطيع، وقال ابن سعد: أمه أم حرملة بنت هشام بن المغيرة، كان قديم الإِسلام، هاجر إلى الحبشة، واستشهد بأجنادين أو اليرموك. (فأراد ابنه) الآخر وهو (عمرو) بن العاص (أن يعتق عنه الخمسين الباقية، فقال: ) لا أعتق (حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فأتى) عمرو (النبي ﷺ ،

стр. 6041

فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أَبِي أَوْصَى بِعِتْق مائَةِ رَقَبَةٍ، وَإِنَّ هِشَامًا أَعْتَقَ عَنْهُ خَمْسِينَ وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ خَمْسُونَ رَقَبَةً، أَفَأعْتِقُ عَنْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ، بَلَغَهُ ذَلِكَ". [ق ٦/ ٢٧٩] (١٧) بَابُ مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يموتُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَة وَفَاء يُسْتَنْظَرُ غُرَمَاؤُهُ وَيُرْفَق بِالْوَارِثِ ٢٨٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَّ شُعَيْبَ بْنَ إِسْحَاقَ === فقال: يا رسول الله، إن أبي) العاص بن وائل (أوصى بعتق مائة رقبة، وإن هشامًا) أخي (أعتق عنه خمسين) رقبة (وبقيت عليه) أي: على أبي (خمسون رقبة، أفاعتق عنه؟ فقال رسول الله ﷺ : إنه) أي: العاص بن وائل (لو كان مسلمًا فأعتقتم (١) عنه، أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه، بلغه ذلك (٢))، فأما إنه إذا لم يسلم فلا ينفعه تصدقكم، ولا عتقكم (٣). (١٧) (بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ وَعَلَيْه دَيْنٌ وَلَه) أي للرجل الميت (وَفَاءٌ)، أي: مال يفي بالدين (يُسْتَنْظَرُ)، أي: يستمهل بتقدير همزة الاستفهام، ويحتمل الخبر (غُرَمَاؤه وَيُرْفَقُ بِالْوَارِثِ) ٢٨٨٤ - (حدثنا محمد بن العلاء، أن شعيب بن إسحاق

стр. 6042

حَدَّثَهُمْ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن وَهْب بْنِ كَيْسَانَ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: "أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَاسْتَنْظَرَهُ جَابرٌ فَأَبَى، فَكَلَّمَ جَابِرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَشْفعَ لَهُ إِلَيْهِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَ الْيَهُودِيَّ لِيَأْخُذَ ثَمَرَ نَخْلِهِ بِالَّذِي لَهُ عَلَيْهِ، فَأَبَى عَلَيْهِ، وَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُنْظِرَهُ فَأَبَى" وَسَاقَ الْحَدِيثَ (١). [خ ٢٣٩٦، جه ٢٤٣٤، ن ٣٦٣٦] === حدثهم، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله أنه) أي: جابرًا (أخبره) أي: وهب بن كيسان (أن أباه) أي والد جابر، وهو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي السلمي، معدود في أهل العقبة وبدر، وكان من النقباء، واستشهد بأحد. (توفي وترك عليه ثلاثين وسقًا) أي: دينًا (لرجل من يهود) وحديث البخاري وغيره يدل على كثرة الغرماء، فوحدة الغريم ها هنا محمول على أن ثلاثين وسقًا كان لغريم واحد، وأما الغرماء الآخر فلهم عليه غير ذلك، (فاستنظره جابر) أي: بعد أن طلب من أصحاب الدين أن يضعوا بعضًا فأبوا، فاستنظر ذلك الغريم (فأبى) من الإمهال. (فكلم جابر رسول الله ﷺ أن يشفع له إليه) أي إلى اليهودي، (فجاء رسول الله ﷺ ) اليهودي (فكلم) أي رسول الله ﷺ (اليهودي ليأخذ ثمر نخله) كله (بالذي) أي: بعوض الذي (له عليه) أي على جابر، (فأبى عليه) أن يأخذ ثمر نخله (وكلمه رسول الله ﷺ أن ينظره) أي: يمهله ويؤخر تقاضاه (فأبى، وساق الحديث)، والحديث بتمامه مذكور في البخاري ومسلم وغيرهما.

стр. 6043

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١٣) أَوَّلُ كِتَابِ الْفَرَائِضِ (١) بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ ٢٨٨٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قَالَ: === بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١٣) (أَوَّلُ كِتَابِ الفَرَائِضِ) (١) (بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ) جمع فريضة كحديقة وحدائق، وهي بمعنى مفروضة، مأخوذة من الفرض، وهو القطع، يقال: فرضت لفلان كذا، أي: قطعت له شيئًا من المال، وخصت المواريث باسم الفرائض من قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (١)، أي: مقدرًا ومعلومًا، أو مقطوعًا عن غيرهم. وقال في "فتح الودود": المراد بالفريضة كل حكم من أحكام الفرائض يحصل به العدل في القسمة بين الورثة، وقيل: المراد بالفريضة كل ما يجب العمل به، وبالعادلة المساوية لما يؤخذ بالقرآن والسنَّة في وجوب العمل، فهذا إشارة إلى الإجماع والقياس، وكلام المصنف مبني على المعنى الأول. ٢٨٨٥ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال:

стр. 6044

أَخْبَرَنَا (١) ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زِيَادٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ رَافِع التَّنُوخِيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ: آيةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ". [جه ٥٤، ق ٦/ ٢٠٨، ك ٤/ ٣٣٢، قط ٤/ ٦٨] (٢) بَابٌ: في الْكَلَالَةِ === أخبرنا ابن وهب قال: حدثني عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة)، والمراد به كتاب الله تعالى، وبإحكامها ثبوتها وأن لا تكون منسوخة، (أو سنَّة قائمة) أي: ثابتة إسنادًا بأن تكون صحيح النسبة إلى رسول الله ﷺ . (أو فريضة عادلة) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من العدل في القسمة، فيكون عبارة عن السهام والأنصباء المذكورة في الكتاب والسنَّة، والآخر: أن تكون هذه الفريضة تعدل مما أخذ من الكتاب والسنَّة إذا كانت في معنى ما أخذ منها نصًّا، وقد اختلف الصحابة في مسائل من الفرائض، وتناظروا فيها، وتحروا تعديلها، فاعتبروها بالنصوص. (٢) (بَابٌ: فِي الْكَلالَةِ) وقد أخرج أبو داود في "المراسيل" (٢): عن أبي إسحاق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: جاء رجل فقال: يا رسول الله، ما الكلالة؟ قال: "من لم يترك ولدًا ولا والدًا فورثته كلالة". وقد اختلف في تفسير الكلالة، والجمهور على أنه من لا ولد له ولا والد،

стр. 6045

٢٨٨٦ - (١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: "مَرِضْتُ فَأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ مَاشِيَيْنِ، وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ فَلَمْ أُكَلِّمْهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّهُ (٢) عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي وَلي أَخَوَاتٌ؟ قَالَ: فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. [خ ٥٦٥١، م ١٦١٦، ت ٢٠٩٧، جه ٢٧٢٨، حم ٣/ ٢٩٨] === واختلف في بنت وأخت، هل ترث الأخت مع البنت؟ وكذا في الجد هل يتنزل منزلة الأب، فلا ترث معه الإخوة؟ قال السهيلي (٣): الكلالة من الإكليل المحيط بالرأس, لأن الكلالة وارثة تكلَّلت العصبة، أي: أحاطت بالميت من الطرفين، وهي مصدر كالقرابة، وسمي أقرباء الميت كلالة بالمصدر كما يقال: هم قرابة أي ذوو قرابة، وإن عنيت المصدر قلت: ورثوه عن كلالة، وتطلق الكلالة على الورثة مجازًا، قال: ولا يصح قول من قال: الكلالة المال ولا الميت إلَّا على إرادة تفسيره من غير نظر إلى حقيقة اللفظ. ٢٨٨٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا سفيان قال: سمعت ابن المنكدر أنه سمع جابرًا يقول: مرضت، فأتاني النبي ﷺ يعودني) من العيادة (هو وأبو بكر ماشيين، وقد أُغْمِي عليَّ فلم أكلمه، فتوضأ وصَبَّه) أي: ماء (٤) الوضوء (عليَّ، فأَفَقْتُ) من الغشي (فقلت: يا رسول الله، كيف أصنع في مالي ولي أخوات؟ قال) جابر: (فنزلت آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾) (٥).

стр. 6046

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وقد اختلفت الرواية عن ابن المنكدر عن جابر، فروى سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر، عن جابر، وفيها: "حتى نزلت آية الميراث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ إلى آخر السورة، قال ابن المنكدر: قال جابر: إنما أنزلت هذه الآية فيَّ". وقد أخرج ابن جرير من طريق ابن جريج قال: ثني محمد بن المنكدر عن جابر، وفيه: "فقلت: يا رسول الله، وكيف أصنع في مالي؟ فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١) الآية"، وكذلك الحديث الآتي عن أبي الزبير عن جابر يدل على أن قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ هي المراد من قوله: "فنزلت آية الميراث" في حديث جابر، لكن أشار البخاري في "صحيحه" بأن المراد ما وقع في حديث جابر من قوله: "حتى نزلت آية الميراث" هو قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. وقد أخرج الترمذي (٢) من طريق يحيى بن آدم عن ابن عيينة: حتى نزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. قال الحافظ (٣): وقد أشكل ذلك قديمًا، قال ابن العربي بعد أن ذكر الروايتين في إحداهما فنزلت "يستفتونك"، وفي أخرى آية المواريث: هذا تعارض، لم يتفق بيانه إلى الآن، ثم أشار إلى ترجيح آية المواريث، وتوهيم (٤) يستفتونك. والأظهر أن يقال: إن كلًّا من الآيتين لما كان فيها ذكر الكلالة نزلت في

стр. 6047

(٣) بَابُ مَنْ كَانَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أَخَوَات ٢٨٨٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: نَا هِشَامٌ - يَعْنِي الدَّسْتَوَائِيَّ -، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: اشْتَكَيْتُ وَعِنْدِي سَبْعُ أَخَوَاتٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَنَفَخَ في وَجْهِي فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أُوْصِي لأَخَوَاتِي بِالثُّلثَيْنِ (١)؟ === ذلك، لكن الآية الأولى لما كان فيها الكلالة خاصة بميراث الإخوة من الأم كما كان ابن مسعود يقرأ: "وله أخ أو أخت من أم"، وكذا قرأ سعد بن أبي وقاص، أخرجه البيهقي بسند صحيح استفتوا عن ميراث غيرهم من الإخوة، فنزلت الأخيرة، فيصح أن كلًّا من الآيتين نزل في قصة جابر، لكن المتعلق به من الآية الأولى ما يتعلق بالكلالة، وأما سبب نزول أولها، فورد من حديث جابر أيضًا في قصة ابنتي سعد بن الربيع، ومنع عمهما أن يرثا من أبيهما، فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ الآية، فقال للعم: أعط لابنتي سعد الثلثين. (٣) (بَابُ مَنْ) أي: المورث (كَانَ لَيْسَ لَهُ) أي: لم يكن للمورث (وَلَدٌ) من البنين والبنات (وَلَهُ) أي: المورث (أَخَوَاتٌ) من أب وأم أو أب في حكمه في قسمة الميراث والوصية ٢٨٨٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا كثير بن هشام قال: نا هشام - يعني الدستوائي -، عن أبي الزبير، عن جابر قال: اشتكيتُ) أي مرضت (وعندي سَبْعُ أخواتٍ) أي: لي (فدخل عليَّ رسول الله ﷺ ) يعودني وكنت مغشيًا علي، (فنفخ في وجهي) ولفظ رواية أحمد في "مسنده": "ونضح"، وهو أوفق بالروايات الآخر (فأفقتُ) من الغشي. (فقلت: يا رسول الله، ألا أوصي لأخواتي بالثلثين؟ )، هكذا في جميع

стр. 6048

قَالَ: "أَحْسِنْ"، قُلْتُ: الشَّطْرَ؟ قَالَ: "أَحْسِنْ"، ثُمَّ خَرَجَ وَتَرَكَنِي فَقَالَ: "يَا جَابِرُ، لَا أُرَاكَ مَيِّتًا مِنْ وَجَعِكَ هَذَا؟ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ فَبَيَّنَ الَّذِي لأَخَوَاتِكَ، فَجَعَلَ لَهُنَّ الثُّلُثَيْنِ". قَالَ: وَكَانَ جَابِر يَقُولُ: أُنْزِلَتْ فِيَّ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. [حم ٣/ ٣٧٢، ق ٦/ ٢٣١] === النسخ الموجودة عندي، وهكذا لفظ رواية أحمد في "مسنده" وهو مشكل، وفيه توجيهان: أحدهما: ما عزاه في الحاشية إلى مولانا محمد إسحاق ﵀: ألا أوصي أي من المال الذي يكون بعد موتي لأخواتي. والتوجيه الثاني: أن يقال: إن اللام في قوله: "لأخواتي" للتعليل، فعلى هذا معنى الكلام: ألا أُوصِي للفقراء بالثلثين لأجل أخواتي. ويمكن أن يحمل هذا الكلام على ظاهره، ويكون معنى الكلام على هذا أن يقال: ألا أُوصي لأخواتي بالثلثين، قال رسول الله ﷺ : أحسن إلى الإخوة أو العصبات، ولكن هذا التوجيه موقوف على أن يكون لجابر أخ أو عصبة غيره. (قال) رسول الله ﷺ : (أحسن) أي: إلى الأخوات، ولعل الحكم بمنع الزيادة في الوصية على الثلث لم ينزل بعد (قلت: الشطر؟ ) أي: أوصي بالشطر (قال) رسول الله ﷺ : (أحسن) أي: إلى الأخوات (ثم خرج وتَرَكَني، فقال) عند خروجه: (يا جابر، لا أُراك) أي: لا أظنك (ميتًا من وجعك) أي: مرضك (هذا؟ وإن الله قد أنزل) في القرآن (فبَيَّن الذي لأخواتك) وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ (١) الآية، (فجعل لهن الثلثين، قال: وكان جابر يقول: أنزلت فيَّ هذه الآية: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾.

стр. 6049

٢٨٨٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب قَالَ: "آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الْكَلَالَةِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. [خ ٦٧٤٤، م ١٦١٨] ٢٨٨٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا أَبَانُ قَالَ: نَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَسَّانَ، عن الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ: "أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَرَّثَ أُخْتًا وَابْنَةً، فَجَعَلَ (١) لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا النِّصْفَ، وَهُوَ بِالْيَمَنِ، وَنَبِيُّ اللَّهِ (٢) ﷺ يوْمَئِذِ حَيٌّ". [خ ٦٧٣٤، دي ٢٨٨٠] === ٢٨٨٨ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت في الكلالة ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾). قلت: لا إشكال فيه، فإن هذه الآية آخر آية نزلت في الكلالة، وأولها ما في آية الفرائض من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ (٣) الآية، فلا يخالفه أن آخر آية نزلت آية الربا. ٢٨٨٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا أبان قال: نا قتادة قال: حدثني أبو حسان) الأعرج، (عن الأسود بن يزيد: أن معاذ بن جبل وَرَّث) من التوريث (أختًا وابنة، فجعل لكلِّ واحدة منهما النصف، وهو) أي: معاذ بن جبل (باليمن، ونبيُّ الله ﷺ يومئذٍ حيٌّ). قال الحافظ (٤): إن الأعمش روى الحديث أولًا بإثبات قوله: "على عهد رسول الله ﷺ "، فيكون مرفوعًا على الراجح في المسألة، ومرةً بدونها فيكون موقوفًا، انتهى، فتوريث الأخت مع البنت النصف بطريق التعصيب.

стр. 6050

٢٨٩٠ - (١) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عن جَابِرِ بْن عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جِئْنَا امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ فِي الأَسْوَافِ (٢)، فَجَاءَتِ الْمَرْأَةُ بِابْنَتَيْنِ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَاتَانِ بِنْتَا (٣) ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ قُتِلَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَدْ اسْتَفَاءَ (٤) عَمُّهُمَا مَالَهُمَا وَمِيرَاثَهُمَا كُلَّهُ وَلَمْ (٥) يَدَعْ لَهُمَا مَالًا إلَّا أَخَذَهُ، فَمَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ === ٢٨٩٠ - (حدثنا مسدد قال: نا بشر بن المفضل قال: نا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى جئنا امرأةً من الأنصار) لم أقف (٦) على تسميتها (في الأسواف)، قال في "القاموس": موضع بالمدينة، وقال في "معجم البلدان" (٧): هو اسم حرم المدينة، وقيل: موضع بعينه بناحية البقيع، وهو موضع صدقة زيد بن ثابت الأنصاري، وهو من حرم المدينة. (فجاءت المرأة بابنتين لها، فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا ثابت بن قيس) وسيجيء من المصنف أن قوله: "ثابت بن قيس" خطأ (قتل معك يوم أُحُدٍ وقد استفاء) أي: استرجع (عَمُّهما مالَهُما) من أبيهما (وميراثَهُمَا كلَّه، ولم يَدَع لهما مالًا إلَّا أخذه، فما ترى يا رسول الله؟

стр. 6051

فَوَاللَّهِ لَا تُنْكَحَانِ أَبَدًا إلَّا وَلَهُمَا مَالٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ". وَقَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآيَة. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ادْعُوا لِي الْمَرْأَةَ وَصَاحِبَهَا"، فَقَالَ لِعَمِّهِمَا: "أَعْطِهِمَا الثُّلُثَيْنِ، === فوالله لا تُنْكَحان أبدًا) أي: لا يرغب فيهما أحدٌ (إلَّا ولهما مال). (فقال رسول الله ﷺ : يقضي اللهُ في ذلك، وقال: نزلت سورة النساء) أي: آية الفرائض ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١) الآية، فقال رسول الله ﷺ : ادعوا لِيَ المرأةَ وصاحِبَها) الذي ادَّعت عليه، يعني أخا زوجها (فقال لعمِّهما: أعطهما الثلثين) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، فنصَّ على نصيب ما فوق الابنتين وعلى الواحدة، ولم ينص على فرض الابنتين؛ لأن في فحوى الآية دلالة على بيان فرضهما، وذلك لأنه قد أوجب للبنت الواحدة مع الابن الثلث، وإذا كان لها مع الذكر الثلث كانت بأخذ الثلث مع الأنثى أولى. وأيضًا لما قال الله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فلو ترك ابنًا وبنتًا كان للابن سهمان ثلثا المال، وهو حظ الأنثيين، فدل ذلك على أن نصيب الابنتين الثلثان؛ لأن الله تعالى جعل نصيب الابن مثل البنتين وهو الثلثان، ويدل على أن للبنتين الثلثين أن الله تعالى أجرى الإخوة والأخوات مجرى البنات، وأجرى الأخت الواحدة مجرى البنت الواحدة، قال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢). فجعل حظ الأختين كحظ ما فوقهما وهو الثلثان، كما جعل حظ الأخت كحظ البنت، وأوجب لهم إذا كانوا ذكورًا وإناثًا للذكر مثل حظ الأنثيين،

стр. 6052

وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِي فَلَكَ". [ت ٢٠٩٢، جه ٢٧٢٠، حم ٣/ ٣٥٢، قط ٤/ ٧٨، ق ٦/ ٢١٦، ك ٤/ ٣٣٣] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَخْطَأَ بِشْرٌ فِيهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. وَثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ. === فوجب أن تكون الابنتان كالأختين في استحقاق الثلثين لمساواتهما في إيجاب المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين إذا لم يكن غيرهم، كما في مساواة الأخت للبنت إذا لم يكن غيرها في استحقاق النصف بالتسمية. وأيضًا البنتان أولى بذلك إذ كانتا أقرب إلى الميت من الأختين، وإذا كانت الأخت بمنزلة البنت، فكذلك البنتان في استحقاق الثلثين، ويدل على ذلك حديث جابر في قصة المرأة التي أعطى النبي ﷺ فيها البنتين الثلثين والمرأةَ الثُّمُنَ والعَمَّ ما بقي، ولم يخالف في ذلك أحد شيئًا، روي عن ابن عباس أنه جعل للبنتين النصف كنصيب الواحدة، وقد قيل: إن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ (١) أن ذكر فوق ها هنا صلة للكلام كقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ (٢)، انتهى. (وأعط أمهما الثمن) لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ (وما بقي فلك)، وهذا الحكم ليس بمذكور في الآية نصًّا، وسيجيء في الرواية: "فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر". (قال أبو داود: أخطأ بشر فيه) أي في الحديث بأنه قال: ابنتا ثابت بن قيس قُتِلَ معك يَوْمَ أحُدٍ، (إنما هما ابنتا سعد بن الربيع) بن عمرو بن أبي الزبير الأنصاري الخزرجي، أحد نقباء الأنصار، آخى النبي ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، فأراد أن يقاسمه المال بالنصف وزوجتيه كذلك، واتفقوا على أنه استشهد بأحُدٍ. (وثابت بن قيس) بن شماس (٣) (قتل يوم اليمامة) في خلافة أبي بكر

стр. 6053

٢٨٩١ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ قَالَ: نَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: "أَنَّ امْرَأَةَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ سَعْدًا هَلَكَ وَتَرَكَ ابْنَتَيْنِ" وَسَاقَ نَحْوَهُ. [انظر الحديث السابق] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا هُوَ أَصَحُّ. ٢٨٩٢ - حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ قَالَ: نَا أَبُو بَكْرٍ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، قَالَ: فَمَا (١) الْكَلَالَةُ؟ قَالَ: "تُجْزِئُكَ آيَةُ الصَّيْفِ" === الصديق - رضي الله تعالى عنه - وقع القتال بين جيوش المسلمين ومسيلمة الكذاب، فاستشهد فيها ثابتٌ، وكان أمير جيش المسلمين خالد بن الوليد. ٢٨٩١ - (حدثنا ابن السرح قال: نا ابن وهب قال: أخبرني داود بن قيس وغيره من أهل العلم، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله: أن امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله، إن سعدًا هلك) أي: استشهد يَوْمَ أُحُدٍ (وترك ابنتين، وساق نحوه) أي نحو الحديث المتقدم. (قال أبو داود: هذا هو أصح) مما قال بشر. ٢٨٩٢ - (حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال: نا أبو بكر) بن عياش، (عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: جاء رجل) وهو عمر بن الخطاب (٢) (إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٣) قال) أي: الرجل: (فما الكلالة؟ قال: تجزئك آية الصيف).

стр. 6054

فَقُلْتُ لأَبِي إِسْحَاقَ: هُوَ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَلَدًا (١) وَلَا وَالِدًا، قَالَ: كَذَاكَ. [ت ٣٠٤٢، حم ٤/ ٢٩٣، ق ٦/ ٢٢٤] (٤) بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الصُّلْبِ ٢٨٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ: نَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي قَيْسٍ الأَوْدِيِّ، عن هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ الأَوْدِيَّ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ === قال الخطابي: أنزل الله في الكلالة آيتين، إحداهما في الشتاء، وهي الآية التي في أول سورة النساء، وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يتبين هذا المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية الأخرى في الصيف وهي الآية التي في آخر سورة النساء (٢)، وفيها من زيادة البيان ما ليس في آية الشتاء، فأحال السائل عليها ليتبين له المراد بالكلالة المذكورة فيها، وإنما لم يبينها اعتمادًا وتفويضًا إلى اجتهاد علماء الأمة واستنباطها. قال أبو بكر: (قلت لأبي إسحاق، هو) أي: الكلالة وتذكيرها باعتبار المورث (من مات ولم يدع ولدًا ولا والدًا، قال) أبو إسحاق: (كذاك) أي: أصبت في بيان معنى الكلالة. (٤) (بَابُ مَا جَاءَ فِي) بيان (مِيرَاثِ الصُّلْبِ)، أي: أولاد الصلب ٢٨٩٣ - (حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة) الحضرمي مولاهم، أبو محمد الكوفي، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات" (قال: نا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي قيس الأودي، عن هزيل بن شرحبيل الأودي قال: جاء رجل) لم أقف على تسميته (إلى أبي موسى الأشعري) وهو الأمير (٣)

стр. 6055

وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَسَأَلَهُمَا عن ابْنَةٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ لأَبٍ وَأُمٍّ، فَقَالَا: لاِبْنَتِهِ (١) النِّصْفُ وَلِلأُخْتِ مِنَ الأَب وَالأُمِّ النِّصْفُ، وَلمْ يُوَرِّثَا بِنْتَ (٢) الاِبْنِ شَيْئًا، وَائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ سَيُتَابِعُنَا، فَأَتَاهُ الرَّجُلُ، فَسَأَلَهُ، وَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِهِمَا، فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، وَلَكِنَّي (٣) سَأَقْضي فيهَا (٤) بِقَضَاءِ رَسُول اللَّهِ ﷺ : === على الكوفة بعد عزل عبد الله بن مسعود (وسلمان بن ربيعة) الباهلي (٥) مختلف في صحبته، وكان على قضاء الكوفة (فسألهما عن ابنة وابنة ابن وأخت لأب وأم) أي: رجل مات وترك ابنة، وابنة ابن، وأختًا، فكيف يقسم التركة. (فقالا: لابنته النصف) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (وللأخت من الأب والأم النصف) لقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: ذكر (٦)، ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (ولم يُوَرِّثا بنت الابن شيئًا) وقالا: (وائت ابن مسعود) فاسأله (فإنه سيتابعنا) أي: يوافقنا، (فأتاه) أي ابن مسعود (الرجل، فسأله وأخبره بقولهما): إنه سيتابعنا. (فقال) أي ابن مسعود: (لقد ضللت إذًا) أي: إذا تابعتهما في هذه الفتوى بعد أن سمعت قضاء رسول الله ﷺ بخلاف فتواهما، نعم هما معذوران لعدم علمهما بذلك (وما أنا من المهتدين) فلا أقضي بما قالا، (ولكني سأقضي (٧) فيها) أي هذه المسألة (بقضاء رسول الله ﷺ ).

стр. 6056

لاِبْنَتِهِ (١) النِّصْفُ، وَلاِبْنَةِ الاِبْنِ سَهْمٌ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلأُخْتِ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ". [خ ٦٧٣٦، ت ٢٠٩٣، جه ٢٧٢١، حم ١/ ٣٨٩، قط ٤/ ٨٠، ق ٦/ ٢٢٩، ك ٤/ ٣٣٤] (٥) بَابٌ: فِي الْجَدَّةِ ٢٨٩٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ، عن قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيبٍ، أَنَّهُ قَال: "جَاءَتِ الْجَدَّةُ === وهي (لابنته النصف، ولابنة الابن سهم) أي السدس، كما هو مصرح في لفظ البخاري، وإنما أبهم السدس وعبره بالسهم لدلالة قوله: "تكملة الثلثين". (تكملة الثلثين) معناه أن حق البنات الثلثان، وقد أخذت البنت الواحدة النصف لقوة القرابة، فبقي سدس من حق البنات، فتأخذه بنات الابن واحدة كانت أو متعددة، (وما بقي فللأخت من الأب والأم) أو من الأب؛ لأنها صارت عصبة مع البنت، وأما في رواية البخاري فليس فيه لفظ: "من الأب والأم". (٥) (بَابٌ فِي الْجَدَّة) أي: أم الأب وأم الأم ٢٨٩٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة) بفتح المعجمتين بينهما راء مفتوحة، القرشي العامري المدني، روى عن قبيصة بن ذؤيب حديث "جاءت الجدة إلى أبي بكر"، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقال الدوري عن ابن معين: ثقة، وقال البخاري: هو ابن أخت أروى التي خاصمت سعيد بن زيد في الأرض فدعا عليها. (عن قبيصة) مكبرًا (ابن ذُؤَيْبٍ) مصغرًا (أنه قال: جاءت الجدة (٢)

стр. 6057

إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللهِ (١) شَيْء، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَسَأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁. ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ: === إلى أبي بكر الصديق ﵁ تسأله ميراثها) (٢) من ابن ابنها أو (٣) ابن بنتها مات (فقال) أبو بكر: (مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنَّة نبي الله ﷺ شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس) هل لهم علم بذلك من رسول الله ﷺ ؟ (فسأل الناس) أي: الصحابة (فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها) أي: الجدة (السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك) فقال المغيرة: معي محمد بن مسلمة (فقام محمد بن مسلمة، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأَنْفَذَه) أي: أمضى حكم السدس (لها) أي للجدة (أبو بكر ﵁). (ثم جاءت الجدة (٤) الأخرى) أي: إن كانت الأولى من جهة الأب، فهذه من جهة الأم، وإن كانت تلك من جهة الأم، فهذه من جهة الأب (إلى عمر بن الخطاب) ﵁ في زمان خلافته (تسأله ميراثها، فقال) أي عمر:

стр. 6058

مَا لَكِ في كِتَابِ اللَّهِ (١) شَيْءٌ وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بهِ إلَّا لِغَيْرِكِ (٢) وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ، وَلَكِنْ (٣) هُوَ ذَلِكَ (٤) السُّدُسُ، فَإِنْ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ بَيْنَكُمَا وَأَيَّتُكُمَا (٥) مَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا". [ت ٢١٠١، جه ٢٧٢٤، ق ٦/ ٢٣٤، حم ٤/ ٢٢٥، ك ٤/ ٣٣٨] ٢٨٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: نَا عُبَيْدُ اللَّهِ (٦) الْعَتَكِيُّ، عن ابْنِ بُرَيْدة، عن أَبِيهِ: === (ما لك في كتاب الله شئ، وما كان القضاء الذي قضى به) وهو الذي قضى به أبو بكر (إلَّا لغيرك) وهي الجدة الأولى (وما أنا بزائد في الفرائض، ولكن هو) أي: فرض الجدة (ذلك السدس) أي الواحد الذي قضى به أبو بكر، (فإن اجتمعتما فيه) أي: السدس (فهو) أي: السدس (بينكما، وأيتكما) ما زائدة (خلت) (٧) أي: انفردت (به) (٨) أي بالسدس (فهو لها). ٢٨٩٥ - (حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة قال: أخبرني أبي) عبد العزيز (قال: نا عبيد الله العتكي، عن ابن بريدة، عن أبيه)

стр. 6059

"أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ إِذَا لَمْ يكُنْ دُونَهَا أُمٌّ" [السنن الكبرى للنسائي ٦٣٣٨] (٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّ ٢٨٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، عن قتَادَةَ، عن الْحَسَنِ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ ابْنِي مَاتَ فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثِهِ؟ قَالَ: "لَكَ السُّدُسُ"، فَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ فَقَالَ: "لَكَ سُدُسٌ آخَر"، فَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ فَقَالَ: "إِنَّ السُّدُسَ الآخَرَ طُعْمَةٌ". === بريدة (أن النبي ﷺ جعل للجدة السدس) سواء كانت من أب أو أم (إذا لم تكن دونها) أي: الجدة (أم)، أما إذا كانت الأم (١) موجودة فلا شيء للجدة. (٦) (بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْجَدّ) أي: أبو الأب دون أب الأم، فإنه ليس من أصحاب الفرائض ولا العصبات، وإنما هو من ذوي الأرحام ٢٨٩٦ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين أن رجلًا) لم أقف على تسميته (أتى النبي ﷺ فقال: إن ابن ابني مات) ولم يترك أبًا (فما لي من ميراثه؟ قال) رسول الله ﷺ : (لك السدس) أي: الفرض (فلما أدبر دعاه، فقال) رسول الله ﷺ : (لك سدس آخر، فلما أدبر دعاه، فقال) رسول الله ﷺ : (إن السدس الآخر طعمة)

стр. 6060

قَالَ قَتَادَةُ: فَلَا يَدْرُونَ مَعَ أَيِّ شَيْءٍ وَرَّثَهُ، قَالَ قَتَادَةُ: أَقَلُّ شَيءٍ وَرِثَ الْجَدُّ السُّدُسَ". [ت ٢٠٩٩، حم ٤/ ٤٢٨، قط ٤/ ٨٤، ق ٦/ ٢٤٤] ٢٨٩٧ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ، عن يُونُسَ، عن الْحَسَنِ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: "أَيُّكُمْ يَعْلَمُ مَا وَرَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَدَّ؟ قَالَ (١) مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ: أَنَا، وَرَّثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السُّدُسَ، قَالَ: مَعَ مَنْ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ: لَا دَريتَ، فَمَا تُغْنِي إِذًا". [السنن الكبرى للنسائي ٦٣٣٥، جه ٢٧٢٢] === أي: زيادة على الحق المقدر ومستحقة للتعصيب، وإنما لم يضم السدس الآخر إلى الأول لئلا يتوهم (٢) أن الكل فريضة. (قال قتادة: فلا يدرون) أي: الصحابة (مع أيِّ شيء) من الورثة (وَرَّثه) أي السدس، وصورة المسألة: أن رجلًا مات، وخلَّف بنتين وهذا السائل الجد، فللبنتين الثلثان، فبقي الثلث، فدفع أولًا إليه السدس بالفرض، ثم دفع سدسًا آخر للتعصيب (قال قتادة: أقل شيء ورث الجد السدس). ٢٨٩٧ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن يونس، عن الحسن: أن عمر) ﵁ (قال) للصحابة ﵃: (أيُّكم يعلم ما وَرَّثَ رسولُ الله ﷺ الجد؟ قال معقل بن يسار: أنا) أي أعلم ذلك (ورثه) أي: الجد (رسول الله ﷺ السُّدُسَ، قال) عمر ﵁: (مع من؟ ) أي: الورثة (قال: لا أدري، قال: لا دَرَيْتَ، فما تُغْني) أي: تنفع (إذًا)
следующие страницы →