لاِبْنَتِهِ (١) النِّصْفُ، وَلاِبْنَةِ الاِبْنِ سَهْمٌ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلأُخْتِ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ". [خ ٦٧٣٦، ت ٢٠٩٣، جه ٢٧٢١، حم ١/ ٣٨٩، قط ٤/ ٨٠، ق ٦/ ٢٢٩، ك ٤/ ٣٣٤]
(٥) بَابٌ: فِي الْجَدَّةِ
٢٨٩٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ، عن قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيبٍ، أَنَّهُ قَال: "جَاءَتِ الْجَدَّةُ
===
وهي (لابنته النصف، ولابنة الابن سهم) أي السدس، كما هو مصرح في لفظ البخاري، وإنما أبهم السدس وعبره بالسهم لدلالة قوله: "تكملة الثلثين". (تكملة الثلثين) معناه أن حق البنات الثلثان، وقد أخذت البنت الواحدة النصف لقوة القرابة، فبقي سدس من حق البنات، فتأخذه بنات الابن واحدة كانت أو متعددة، (وما بقي فللأخت من الأب والأم) أو من الأب؛ لأنها صارت عصبة مع البنت، وأما في رواية البخاري فليس فيه لفظ: "من الأب والأم".
(٥) (بَابٌ فِي الْجَدَّة)
أي: أم الأب وأم الأم
٢٨٩٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة) بفتح المعجمتين بينهما راء مفتوحة، القرشي العامري المدني، روى عن قبيصة بن ذؤيب حديث "جاءت الجدة إلى أبي بكر"، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقال الدوري عن ابن معين: ثقة، وقال البخاري: هو ابن أخت أروى التي خاصمت سعيد بن زيد في الأرض فدعا عليها.
(عن قبيصة) مكبرًا (ابن ذُؤَيْبٍ) مصغرًا (أنه قال: جاءت الجدة (٢)
стр. 6057
إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللهِ (١) شَيْء، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَسَأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁. ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ:
===
إلى أبي بكر الصديق ﵁ تسأله ميراثها) (٢) من ابن ابنها أو (٣) ابن بنتها مات (فقال) أبو بكر: (مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنَّة نبي الله ﷺ شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس) هل لهم علم بذلك من رسول الله ﷺ ؟ (فسأل الناس) أي: الصحابة (فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها) أي: الجدة (السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك) فقال المغيرة: معي محمد بن مسلمة (فقام محمد بن مسلمة، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأَنْفَذَه) أي: أمضى حكم السدس (لها) أي للجدة (أبو بكر ﵁).
(ثم جاءت الجدة (٤) الأخرى) أي: إن كانت الأولى من جهة الأب، فهذه من جهة الأم، وإن كانت تلك من جهة الأم، فهذه من جهة الأب (إلى عمر بن الخطاب) ﵁ في زمان خلافته (تسأله ميراثها، فقال) أي عمر:
стр. 6058
مَا لَكِ في كِتَابِ اللَّهِ (١) شَيْءٌ وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بهِ إلَّا لِغَيْرِكِ (٢) وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ، وَلَكِنْ (٣) هُوَ ذَلِكَ (٤) السُّدُسُ، فَإِنْ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ بَيْنَكُمَا وَأَيَّتُكُمَا (٥) مَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا". [ت ٢١٠١، جه ٢٧٢٤، ق ٦/ ٢٣٤، حم ٤/ ٢٢٥، ك ٤/ ٣٣٨]
٢٨٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: نَا عُبَيْدُ اللَّهِ (٦) الْعَتَكِيُّ، عن ابْنِ بُرَيْدة، عن أَبِيهِ:
===
(ما لك في كتاب الله شئ، وما كان القضاء الذي قضى به) وهو الذي قضى به أبو بكر (إلَّا لغيرك) وهي الجدة الأولى (وما أنا بزائد في الفرائض، ولكن هو) أي: فرض الجدة (ذلك السدس) أي الواحد الذي قضى به أبو بكر، (فإن اجتمعتما فيه) أي: السدس (فهو) أي: السدس (بينكما، وأيتكما) ما زائدة (خلت) (٧) أي: انفردت (به) (٨) أي بالسدس (فهو لها).
٢٨٩٥ - (حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة قال: أخبرني أبي) عبد العزيز (قال: نا عبيد الله العتكي، عن ابن بريدة، عن أبيه)
стр. 6059
"أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ إِذَا لَمْ يكُنْ دُونَهَا أُمٌّ" [السنن الكبرى للنسائي ٦٣٣٨]
(٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّ
٢٨٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، عن قتَادَةَ، عن الْحَسَنِ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ ابْنِي مَاتَ فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثِهِ؟ قَالَ: "لَكَ السُّدُسُ"، فَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ فَقَالَ: "لَكَ سُدُسٌ آخَر"، فَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ فَقَالَ: "إِنَّ السُّدُسَ الآخَرَ طُعْمَةٌ".
===
بريدة (أن النبي ﷺ جعل للجدة السدس) سواء كانت من أب أو أم (إذا لم تكن دونها) أي: الجدة (أم)، أما إذا كانت الأم (١) موجودة فلا شيء للجدة.
(٦) (بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْجَدّ)
أي: أبو الأب دون أب الأم، فإنه ليس من أصحاب الفرائض ولا العصبات، وإنما هو من ذوي الأرحام
٢٨٩٦ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين أن رجلًا) لم أقف على تسميته (أتى النبي ﷺ فقال: إن ابن ابني مات) ولم يترك أبًا (فما لي من ميراثه؟ قال) رسول الله ﷺ : (لك السدس) أي: الفرض (فلما أدبر دعاه، فقال) رسول الله ﷺ : (لك سدس آخر، فلما أدبر دعاه، فقال) رسول الله ﷺ : (إن السدس الآخر طعمة)
стр. 6060
قَالَ قَتَادَةُ: فَلَا يَدْرُونَ مَعَ أَيِّ شَيْءٍ وَرَّثَهُ، قَالَ قَتَادَةُ: أَقَلُّ شَيءٍ وَرِثَ الْجَدُّ السُّدُسَ". [ت ٢٠٩٩، حم ٤/ ٤٢٨، قط ٤/ ٨٤، ق ٦/ ٢٤٤]
٢٨٩٧ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ، عن يُونُسَ، عن الْحَسَنِ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: "أَيُّكُمْ يَعْلَمُ مَا وَرَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَدَّ؟ قَالَ (١) مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ: أَنَا، وَرَّثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السُّدُسَ، قَالَ: مَعَ مَنْ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ: لَا دَريتَ، فَمَا تُغْنِي إِذًا". [السنن الكبرى للنسائي ٦٣٣٥، جه ٢٧٢٢]
===
أي: زيادة على الحق المقدر ومستحقة للتعصيب، وإنما لم يضم السدس الآخر إلى الأول لئلا يتوهم (٢) أن الكل فريضة.
(قال قتادة: فلا يدرون) أي: الصحابة (مع أيِّ شيء) من الورثة (وَرَّثه) أي السدس، وصورة المسألة: أن رجلًا مات، وخلَّف بنتين وهذا السائل الجد، فللبنتين الثلثان، فبقي الثلث، فدفع أولًا إليه السدس بالفرض، ثم دفع سدسًا آخر للتعصيب (قال قتادة: أقل شيء ورث الجد السدس).
٢٨٩٧ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن يونس، عن الحسن: أن عمر) ﵁ (قال) للصحابة ﵃: (أيُّكم يعلم ما وَرَّثَ رسولُ الله ﷺ الجد؟ قال معقل بن يسار: أنا) أي أعلم ذلك (ورثه) أي: الجد (رسول الله ﷺ السُّدُسَ، قال) عمر ﵁: (مع من؟ ) أي: الورثة (قال: لا أدري، قال: لا دَرَيْتَ، فما تُغْني) أي: تنفع (إذًا)
стр. 6061
(٧) بَابٌ: فِي مِيرَاثِ الْعَصَبَة
٢٨٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِح وَمَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ - وَهَذَا حَدِيثُ مَخْلَدٍ وَهُوَ أَشْبَعُ - قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَر، عن ابْنِ طَاوُسٍ، عن أَبِيهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَقْسِمُ الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلأَوْلَى ذَكَرٍ". [خ ٦٧٣٢، م ١٦١٥، ت ٢٠٩٨، جه ٢٧٤٠، حم ١/ ٢٩٢]
===
أي (١): إذا لم تعلم أن رسول الله ﷺ ورَّثه السدس مع الورثة فما ينفع قولك.
(٧) (بَابٌ: فِي مِيرَاثِ الْعَصَبَةِ)
قال في "القاموس": هو كل من لم يكن له فَرِيْضةٌ مُسَمَّاةٌ فهو عصبة، إن بَقِيَ شَيْءٌ بعد الفرض أخذ - وإلَّا لا-، وقال في "السراجية" (٢): هو كل ذكر لا تدخل في نسبته إلى الميت أنثى، وهذا التعريف مختص بالعصبة بنفسه
٢٨٩٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، ومخلد بن خالد- وهذا حديثُ مَخْلَدٍ وهو أشبع-) أي: أتم (قالا: نا عبد الرزاق، نا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : أقْسِمُ المالَ بين أهل الفرائض) وهم الذين لهم سهام مقدرة في كتاب الله (على كتاب الله، فما تركتِ الفرائض) أي: ما بقي من أهل الفرائض من المال (فلأولى) أي: لأقرب إلى الميت (ذكر) (٣).
стр. 6062
(٨) بَابٌ: فِي مِيرَاثِ ذَوِي الأَرْحَامِ
٢٨٩٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: نَا شُعْبَةُ، عن بُدَيْلٍ، عن عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عنٍ أَبِي عَامِرٍ (١)، عن الْمِقْدَامِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيَّ" - وَرُبَّمَا قَالَ: "إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ" -
===
وهذا مختص بالعصبات بأنفسهم، وأما العصبات بالغير فهو الابنة مع الابن، وكذلك بنات الابن، وكذلك الأخوات الأعْيَانِيَّة والعَلَّاتية مع الإخوة، وأما العصبة مع الغير فكل أنثى تفسير عصبة مع أنثى أخرى، كالأخوات مع البنت لقوله ﵇: "اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة".
(٨) (بَابٌ: فِي مِيرَاثِ ذَوِي الأرْحَامِ)
وهم الأقارب الذين ليسوا ذوي سهم ولا هم عصبة
٢٨٩٩ - (حدثنا حفص بن عمر قال: نا شبعة، عن بديل، عن علي بن أبي طلحة، عن راشد بن سعد، عن أبي عامر) الهوزني، (عن المقدام) بن معدي كرب (قال: قال رسول الله ﷺ : من ترك كَلًّا (٢)، والمراد به العيال والدَّيْن (فإليَّ)، أي: فموكول إليَّ، أنا أرعاهم وأحفظهم (وربما قال: إلى الله وإلى رسوله).
وليس هذا اللفظ أي: "ربما قال: إلى الله وإلى رسوله" إلَّا في رواية حفص بن عمر عن شعبة عند أبي داود، ورواية محمد بن جعفر عن شعبة عند ابن ماجه وأحمد في "مسنده"، ورواية عفان عن شعبة عند أحمد في
стр. 6063
"وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَأنا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، أَعْقِلُ لَهُ (١) وَأَرِثُهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، يَعْقِلُ عَنْهُ وَيرِثُهُ". [جه ٢٧٣٨، حم ٤/ ١٣١]
٢٩٠٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ فِي آخَرِينَ، قَالُوا: نَا حَمَّادٌ، عن بُدَيْلٍ (٢)، عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عن أَبِي عَامِرٍ الْهَوْزَنِيِّ، عن الْمِقْدَامِ الْكِنْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنَا أَوْلَى بُكُلّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ،
===
"مسنده" (٣)، وليس في رواية أبي كامل (٤)، ثنا حماد بن زيد قال: ثنا بديل، ولا في رواية حماد بن خالد، ثنا معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد.
(ومن ترك مالًا فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له، أعقل له) أي: أَدِي عنه (وَأَرِثُهُ) إذ لم يكن له وارثٌ من الأقارب، ووراثته ﷺ إيَّاهم باعتبار بيت المال (٥)، فإن الإنسان إذا مات ولم يدع وارثًا من أهل القرابة لا من أهل الفروض والعصبات، ولا من السبب، ولا من ذوي الأرحام فماله لبيت المال.
(والخال وارث من لا وارث له) من ذوي الفروض والعصبات (يَعْقِلُ عنه وَيرِثُهُ).
٢٩٠٠ - (حدثنا سليمان بن حرب في آخرين، قالوا: نا حماد) بن زيد (عن بديل، عن علي بن أبي طلحة، عن راشد بن سعد، عن أبي عامر الهوزني، عن المقدام الكندي قال: قال رسول الله ﷺ : أنا أولى) أي: أقرب وأحق (بكل مؤمن من نفسه) كما قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٦)، ومعنى الأولوية النصرة والتولية، أي: أتولى أمورهم بعد وفاتهم،
стр. 6064
فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَإِلَيَّ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَأَنَا مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، أَرِثُ مَالَهُ وَأَفُكُّ عَانَهُ، وَالْخَالُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، يَرِثُ مَالَهُ وَيَفُكُّ عَانَهُ". [ن ٦٣٥٤، جه ٢٦٣٤، ٢٧٣٨]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الضَّيْعَةُ مَعْنَاهُ عِيَالٌ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الزُّبَيْدِيُّ عن رَاشِدٍ (١) عن ابْنِ عَائِذٍ عن الْمِقْدَامِ. وَرَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عن رَاشِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ.
===
وأنصرهم فوق ما كان منهم لو عاشوا، وقيل: معناه أحق بالمؤمنين به من أنفسهم أن يحكم فيهم بما يشاء من حكم فيجوز ذلك عليهم.
(فمن ترك دينًا أو ضيعة)، والمراد بالضيعة ما يحتمل الضياع كالعيال والمال (٢) (فإليَّ) أي: حفظه (ومن ترك مالًا فلورثته (٣)، وأنا مولى من لا مولى له) أي: وارث من لا وارث له (أرث ماله) بإدخاله في بيت مال المسلمين (وأَفُكُّ عانَه) أي: أحلُّ أسره، أي: أَدِي عنه ما يتعلق بذمته، أو يلزمه لسبب الجنايات، (والخال مولى من لا مولى له) أي: وارث من لا وارث له (يرث ماله، ويفكُّ عانه).
(قال أبو داود: الضيعة معناه عيال، قال أبو داود: رواه الزبيدي، عن راشد، عن ابن عائذ، عن المقدام، ورواه معاوية بن صالح، عن راشد قال: سمعت المقدام).
حاصل هذا الكلام أنه اختلف فيه الرواة، فروى الزبيدي [عن راشد]، عن ابن عائذ، عن المقدام، فزاد ابنَ عائذٍ بين راشد والمقدام، ورواه معاوية بن
стр. 6065
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
صالح، عن راشد قال: سمعت المقدام، فرواه من غير واسطة، بل بالسماع عن المقدام، والرواية المتقدمة عن أبي داود فهو أيضًا روى فيها راشد بن سعد بواسطة أبي عامر عن المقدام، وكذا رواية حماد بن زيد، فيمكن أن راشدًا سمعه من المقدام بعد ما سمعه بواسطة أبي عامر وابن عائذ.
أما حديث معاوية بن صالح، فأخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" (١)، ولكن ليس فيه تصريح سماع راشد عن المقدام، بل في إحدى روايتيه: معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن المقدام، وفي أخرى معاوية بن صالح قال: سمعت راشد بن سعد يحدث عن المقدام.
وأما حديث ابن عائذ فلم أجده فيما عندي من الكتب (٢)، وأما ابن عائذ فهو عبد الرحمن بن عائذ الثمالي، ويقال: الكندي، ويقال: اليحصبي، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبيد الله الحمصي، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الأزدي: ضعيف.
ثم اعلم أن في توريث ذوي الأرحام اختلافًا بين الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم، فمن قال بتوريثهم من الصحابة ﵃: علي، وابن مسعود، وابن عباس في أشهر الروايات عنه، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وأبو عبيدة بن الجراح، ومن قال بأنهم لا يرثون: زيدُ بن ثابت وابنُ عباس في رواية عنه.
стр. 6066
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومنهم من روى ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان، ولكن هذا غير صحيح، فإنه حكي أن المعتضد سأل أبا حازم القاضي عن هذه المسألة، فقال: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ غير زيد بن ثابت على توريث ذوي الأرحام، ولا يعتد بقوله بمقابلة إجماعهم، وقال المعتضد: أليس يروى ذلك عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان ﵃، فقال: كلا، وقد كذب من روى ذلك عنهم، وأمر المعتضد برد ما كان في بيت المال، مما أخذ من تركة من كان ورثه من ذوي الأرحام، وقد صدق أبو حازم فيما قال.
وقد روي عن أبي بكر أنه قال: لا أتأسَّفُ على شيء كتأسفي على أني لم أسأل رسول الله ﷺ عن ثلاث: عن هذا الأمر أهو فينا فنتمسَّك به، أم في غيرنا فنسلم إليه؟ وعن الأنصار هل لهم من هذا الأمر شيء؟ وعن توريث ذوي الأرحام؟ فإني لم أسمع فيه عن رسول الله ﷺ شيئًا، ولكن ورَّثتهم برأيي.
وأما الاختلاف بين التابعين فمن قال بتوريثهم: شريح، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، وممن قال: إنهم لا يرثون: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير.
وأما الفقهاء فممن قال بتوريثهم: أبو حنيفة (١) وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، وعيسى بن أبان، وأهل التنزيل، وهم علقمة، والشعبي، ومسروق، ونعيم بن حماد، وأبو نعيم، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وشريك، والحسن بن زياد، وإنما سُمُّوا أهل التنزيل لأنهم ينزلون المدلى بمنزلة المدلى به في الاستحقاق، وممن قال: لا يرثون: سفيان الثوري ومالك والشافعي (٢).
أما من نفى توريثهم استدل بآيات المواريث بأن الله سبحانه لم يذكر لذوي الأرحام شيئًا، وما كان ربك نسيًّا، وأيضًا توريثهم زيادة على كتاب الله، وذلك
стр. 6067
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لا يثبت بخبر الواحد والقياس، وسئل رسول الله ﷺ عن ميراث العمة والخالة، قال: "نزل جبرائيل ﵇، وأخبرني أن لا ميراث للعمة والخالة"، وروي أنه خرج إلى قباء يستخير الله تعالى في ميراث العمة والخالة، فنزل عليه الوحي أن لا ميراث لهما، قال أبو داود في "المراسيل" (١): معناه لا سهم لهما، ولكن يُوَرثُون للرَّحِمِ.
ومن قال بتوريثهم استدل بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٢)، معناه بعضهم أولى بالوراثة من بعض، وقد بينا أن هذا إثبات الاستحقاق بالوصف العام، وأنه لا منافاة بين الاستحقاق بالوصف العام والاستحقاق بالوصف الخاص، ففي حق من ينعدم فيه الوصف الخاص يثبت الاستحقاق بالوصف العام، فلا يكون ذلك زيادة على كتاب الله.
وقال النبي ﷺ : "الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له"، وأيضًا روي: "الخال وارث من لا وارث له، يرثه ويعقل عنه" (٣)، ولما مَات الثابت بن الدحداح (٤)، قال رسول الله ﷺ لقيس بن عاصم المنقري: "هل تعرفون له فيكم شيئًا؟ فقال: إنه كان فينا ميتًا، ولا نعرف له فينا إلَّا ابن أخت، فجعل رسول الله ﷺ ميراثه لابن أخته" (٥)، وتأويل ما روي من نفي ميراث العمة والخالة في حال وجود صاحب فرض أو عصبة.
стр. 6068
٢٩٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَتِيقٍ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاش، عن يَزِيدَ بْنِ حُجْرٍ، عن صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، أَفُكُّ عُنِيَّهُ وَنَرِثُ (١) مَالَهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ
===
٢٩٠١ - (حدثنا عبد السلام بن عتيق الدمشقي قال: نا محمد بن المبارك قال: نا إسماعيل بن عياش، عن يزيد بن حجر) الشامي، روى عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب، وعنه إسماعيل بن عياش، لم يحكم عليه في "التهذيب" بشيءٍ، وقال في "التقريب": مجهول، وكذا في "الميزان" و"الخلاصة" (٢).
(عن صالح بن يحيى بن المقدام) بن معدي كرب الكندي الشامي، روى عنه جده، قال البخاري: فيه نظر، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ، وقال ابن حزم: هو وأبوه مجهولان، وفي حديثه في تحريم لحوم الخيل دليل الضعف؛ لأن خالد بن الوليد لم يسلم بلا خلاف إلَّا بعد خيبر، وقال هذا في ذاك الحديث: وهذا يوم خيبر.
(عن أبيه) يحيى بن المقدام بن معدي كرب الكندي الحمصي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مستور، وقال في "الميزان" (٣): لا يعرف إلَّا برواية ولده صالح، عنه (عن جده) مقدام بن معدي كرب (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أنا وارث من لا وارث له، أفُكُّ عُنِيَّه) بضم عين وكسر نون وشدة ياء تحتانية، أي: أحل أسيره (ونرث ماله، والخال وارث من
стр. 6069
لَا وَارِثَ لَهُ، يَفُكُّ عُنِيَّهُ (١) وَيَرِثُ مَالَهُ". [جه ٢٦٣٤، ك ٤/ ٣٤٤، ن ٦٣٥٤]
٢٩٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَحْيَى قَالَ: نَا شُعْبَةُ، الْمَعْنَى. (ح): وَثنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عن سُفْيَانَ جَمِيعًا، عن ابْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عن مُجَاهِدِ بْنِ وَرْدَانَ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ: "أَنَّ مَوْلًى لِلنَّبِيَّ ﷺ مَاتَ وَتَرَكَ شَيْئًا وَلَمْ يَدَعْ وَلَدًا وَلَا حَمِيمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَعْطُوا مِيرَاثَهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ". [ت ٢١٠٥، جه ٢٧٣٣، حم ٦/ ١٣٧، ق ٦/ ٢٤٣]
===
لا وارث له، يفكُّ عُنِيَّه ويرث ماله)، وهذا الحكم إذا لم يكن للميت وارث من ذوي الفرض والعصبات.
٢٩٠٢ - (حدثنا مسدد قال: نا يحيى قال: نا شعبة، المعنى) هذا اللفظ في جميع النسخ إلَّا المصرية، والصواب أن يذكر بعد قوله: "عن سفيان" في التحويل الآتي، أو يحذف كما في المصرية، (ح: وثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا وكيع بن الجراح، عن سفيان جميعًا) أي كلاهما شعبة وسفيان يرويان جميعًا (عن ابن الأصبهاني) عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبهاني.
(عن مجاهد بن وردان) المدني، قال ابن معين: لا أعرفه، وقال أبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال شعبة: حدثنا ابن الأصبهاني، عن مجاهد بن وردان، قال: وأثنى عليه خيرًا، (عن عروة، عن عائشة: أن مولى) أي: عتيقًا (للنبي ﷺ ) لم أقف على اسمه (مات وترك شيئًا) أي: من المال (ولم يدع) أي: لم يترك (ولدًا ولا حميمًا) أي: قريبًا من جهة النسب، (فقال رسول الله ﷺ : أعطوا ميراثه رجلًا من أهل قريته).
стр. 6070
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀: وإنما كان ذلك منَّة منه لكونه ﷺ وارثه للعتاقة، وما روي من قوله: "لا نرث ولا نورث"، فزيادة "لا نرث" فيه غلط من الرواة (١)، والصحيح الاكتفاء بقوله: "لا نورث"، وذلك لأنه ﷺ ورث من أبيه، وإنما أمر بالتصدق لأهل أرضه لكونهم أقرب إليه، فكان ذلك أقر لقلب الميت، انتهى.
قال في "السيرة الحلبية" (٢): وترك عبد الله خمسةَ أجمال (٣) وقطعةً من غنم، فوَرِثَ ذلك رسول الله ﷺ من أبيه، انتهى، أي: فهو ﷺ يرث (٤) ولا يورث، قال رسول الله ﷺ : "نحن معاشر (٥) الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"، ودعوى بعضهم أنه ﷺ لم يرث بناته اللاتي مُتْنَ في حياته، فعلى تقدير صحته جاز أن يكون ﷺ ترك أخذ ميراثه تعففًا.
وقال القاري (٦): قال القاضي ﵀: إنما أمر أن يعطي رجلًا من قريته تصدقًا منه أو ترفعًا، أو لأنه كان لبيت المال، ومصرفه مصالح المسلمين وسدُّ حاجاتهم، فوضعه فيهم لما رأى من المصلحة، فإن الأنبياء كما لا يُوْرَث
стр. 6071
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ سُفْيَان أَتَمُّ، وَقَالَ مُسَدَّدٌ: قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ أَرْضِهِ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "فَأَعْطُوهُ مِيرَاثَهُ".
٢٩٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ قَالَ: نَا الْمُحَارِبِيُّ، عن جِبْرِيلَ بْنِ أَحْمَرَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِيرَاثَ رَجُلٍ مِنَ الأَزْدِ، وَلَسْتُ أَجِدُ أَزْدِيًّا أَدْفَعُهُ إِلَيْهِ، قَالَ: "فَاذْهَبْ فَالْتَمِسْ أزْدِيًّا حَوْلًا"
===
عنهم لا يَرثون عن غيرهم، وقال بعض الشراح: الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يَرِثُون ولا يُوْرَث عنهم لارتفاع قدرهم عن التلبس بالدنيا الدنيَّة، وانقطاع أسبابهم عنها، وقوله في الحديث الذي تقدم: "أنا مولى من لا مولى له أرث ماله"، فإنه لم يرد به حقيقة الميراث، وإنما أراد أن الأمر فيه إليّ في التصدق به، أو صرفه في مصالح المسلمين، أو تمليك غيره.
(قال أبو داود: وحديث سفيان أتم) من حديث شعبة، (وقال مسدد: قال) يحيى: (فقال النبي ﷺ : ها هنا) بحذف حرف الاستفهام (أحد من أهل أرضه؟ قالوا: نعم. قال: فأعطوه ميراثه).
٢٩٠٣ - (حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي قال: نا المحاربي) عبد الرحمن بن محمد، (عن جبريل بن أحمر) أبو بكر الجملي بفتح الجيم والميم، الكوفي، ويقال: البصري، قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: شيخ، وقال النسائي: ليس بالقوي، قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن حزم: لا تقوم به حجة.
(عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه) بريدة (قال: أتى رسول الله ﷺ رجل) لم أقف على تسميته (فقال: إن عندي ميراث رجل من الأزد، ولست أجد أزديًّا) أي: مسلمًا، أو ذا قرابة قريبة من الميت (أدفعه) أي: الميراث (إليه) أي: الأزدي (قال) رسول الله ﷺ : (فاذهب فالتمس أزديًّا حولًا).
стр. 6072
قَالَ: فَأَتَاهُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَجِدْ أزْدِيًّا أَدْفَعُهُ إِلَيْهِ. قَالَ: "فَانْطَلِق فَانْظُرْ أَوَّلَ خُزَاعِيٍّ تَلْقَاهُ فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ"، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: "عَلَيَّ الرَّجُلَ"، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: "انْظُرْ كُبْرَ خُزَاعَةَ فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ". [حم ٥/ ٣٤٧، ق ٦/ ٢٤٣]
===
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀: ولما كان حكم هذا الميراث الذي لم يعلم وارثه حكم اللقطة أَحَبَّ أن يتصدق على من هو أقرب إلى الميت نسبًا، ليكون أحب إليه، إلَّا أنه أمر بأن يعطيه أكبر خزاعة؛ لأن أكبرهم يكون أقرب إليه عصوبة، انتهى.
قلت: وإنما لم يدخله في بيت المال لأنه لم يكن في ذلك الوقت بيت المال منتظمًا.
(قال) بريدة: (فأتاه بعد الحول، فقال: يا رسول الله، لم أجد أزديًا) أي: مسلمًا (أدفعه إليه، قال: فانطلق فانظر أول خزاعي تلقاه فادفعه إليه، فلما وَلَّى قال: عَلَيَّ) أي: رُدُّوا (الرجل، فلما جاءه قال: انظر كُبْرَ) بضم الكاف وسكون الموحدة، أي: أكبر (خزاعة، فادفعه إليه) والمراد بالأكبر أقرب القوم إلى الجد الأعلى الذي ينسبون إليه، أو المراد السهم.
قال أبو جعفر الطحاوي (١): فتأملنا هذا الحديث فوجدنا ما أمر به رسول الله ﷺ فيه الذي سأله عمَّن سأله عنه فيه من ابتغاء أَزديٍّ حولًا, قد أمر في ذلك كمثل ما أمر به في اللُّقَطَة، وفي ابتغاء صاحبها حولًا، ثم تُصْرَفُ فيما يجب صرفها فيه بعد الحول، فجعل مثل [ذلك] ما أمر به السائل له في الحديث الذي روينا من طلب أزدي حولًا، ومن رَدِّ ذلك الميراث إن لم يجده حتى يمضيَ الحولُ إلى الأكبرِ من خُزاعة؛ لأنهم من الأزد، وإنما انخزعوا (٢) منهم لمَّا خرجوا من اليمن، فساروا فحالفوا بمكة من حالفوه بها، وصاروا بذلك
стр. 6073
٢٩٠٤ - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَسْوَدَ الْعِجْلِيُّ،
===
حُلفاء بني هاشم، فقال قائل: فكيف يجوز أن يكون ما في هذا الحديث كما ذكر فيه من عدم (١) الذي كان ذلك الميراث عنده وجود أزدي يستحقه حتى يطلبه من خزاعة، والأنصار مع رسول الله ﷺ وهم [من] الأزد، وهم من أقرب الناس إلى ذلك المتوفى من خزاعة, لأنها لما انخزعت سُمِّيَتْ بذلك وهي من بطنٍ بعينه من الأزد [ومن سواها من الأزد] ليس من ذلك البطن، فَنُسِبَت هي إلى ما نُسِبَت إليه، وبانت بذلك من الأزد، وبقي من سواها من بطون الأزد على ما كانوا عليه قبل ذلك من النسبة إلى الأزد.
فكان جوابنا له في ذلك: هذا يحتمل أن يكون بمكة قبل أن يُهَاجِرَ رسول الله ﷺ إلى المدينة، ومما يُقَرِّب أن ذلك كذلك في القلوب أن الذي روى هذا الحديث عن النبي ﷺ هو بريدة بن الحصيب، وهو رجل من أسلم، وأسلم من خزاعة، وإسلام خزاعة كان والنبي ﷺ بمكة، فكان ما أمر به رسول الله ﷺ الذي سأله [عما سأله] عنه في حديثه، وجواب النبي ﷺ إياه بما أجاب به فيه، ولا أنصارَ حينئذٍ ولا أحد أقعدُ [حينئذٍ] بالأزد الذين منهم ذلك المتوفى إلَّا خزاعة، وفي ذلك ما قد دَلَّ على أن ذلك المتوفى ممن قد كان أَسْلَمَ، فَرَدَّ رسولُ الله ﷺ ميراثه إلى الأقعد من مُسلمي خزاعة، انتهى.
٢٩٠٤ - (حدثنا الحسين بن الأسود) هو الحسين بن علي بن الأسود (العِجْلي) بمهملة مكسورة وسكون جيم، أبو عبد الله الكوفي، نزيل بغداد، وقال أحمد: لا أعرفه، وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي، وسئل عنه؟ فقال: صدوق، وقال ابن عدي: يسرق الحديث، وأحاديثه لا يتابع عليها، وقال الأزدي: ضعيف جدًا يتكلمون في حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ.
стр. 6074
نَا يَحْيَى- يَعْنِي ابْنَ آدَمَ - قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عن جِبْرِيلَ بْن أَحْمَرَ أَبِي بَكْرٍ، عن ابْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِيرَاثِهِ، فَقَالَ: "الْتَمِسُوا لَهُ وَارِثًا أَوْ ذَا رَحِمٍ"، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ وَارِثًا وَلَا ذَا رَحِمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَعْطُوهُ الْكَبيرَ (١) مِنْ خُزَاعَةَ".
قَالَ يَحْيَى: قَدْ سَمِعْتُهُ (٢) مَرَّةً يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: "انْظُرُوا أَكْبَرَ رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ". [ق ٦/ ٢٤٣]
===
وقال الآجري عن أبي داود: لا ألتفت إلى حكاية أراها أوهامًا، انتهى. وهذا مما يدل على أن أبا داود لم يرو عنه فإنه لا يروي إلَّا عن ثقة عنده، والحديث الذي في "السنن" في كتاب اللباس: حدثنا يزيد بن خالد الرملي وحسين بن علي الكوفي قالا: نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، فذكره، فإما أن يكون أخرجه معتمدًا على رواية يزيد، وإما أن يكون هو الآتي وهو الأشبه، انتهى ما في "تهذيب التهذيب" (٣).
وقال الحافظ في "التقريب": لم يثبت أن أبا داود روى عنه، انتهى.
قلت: وهذا السند يدفع هذا القول؛ فإن فيه رواية أبي داود عنه وحده، ولعل الحافظ لم يتنبه لهذه الرواية.
(نا يحيى - يعني ابن آدم - قال: حدثنا شريك، عن جبريل بن أحمر أبي بكر، عن ابن بريدة، عن أبيه) بريدة (قال) بريدة: (مات رجل من خزاعة فأتي النبي ﷺ بميراثه، فقال) رسول الله ﷺ : (التمسوا له وارثًا أو ذا رحم، فلم يجدوا له وارثًا ولا ذا رحم، فقال رسول الله ﷺ : أعطوه) أي: الميراث (الكبير من خزاعة، قال يحيى) أي ابن آدم: (قد سمعته) أي: شريكًا (مرة يقول في هذا الحديث: انظروا كبر رجل من خزاعة).
стр. 6075
٢٩٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عن عَوْسَجَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلَّا غُلَامًا لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ لَهُ أَحَدٌ؟ "،
===
قال الطحاوي في "مشكل الآثار" (١): حديث محمد بن موسى الأنصاري، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، وعباد بن العوام أولى مما رواه شريك؛ لأن ثلاثة أولى بالحفظ من واحد، ولاستحالة بعض ما في حديث شريك مما ذكر فيه من قول النبي ﷺ : "اطلبوا له ذا رحم"، وهذا لا يجوز في العرب؛ لأن العرب لا تُوَرِّثُ بالأرحام وإنما توَرِّثُ بالعصبات إلَّا حيث ورَّث (٢) الله تعالى ذوي الفرائض المسماة منهم, لأنه إذا لم توجد عصبات من أفخاذهم وُجدت من الأفخاذ التي تتلو أفخاذهم كما يفعل (٣) [فيهم] في عقول جناياتهم [تحمل] أفخاذُهم الذين يحملون أروش الجنايات، فإن قَصُرَ عددهم عن احتمال أروشها ردَّ ذلك إلى من يلونهم من الأفخاذ.
وكذلك كان أبو يوسف يقول في التوارث بالأرحام التي ليست عصبات: إنما يكون في العجم لا في العرب، فاستحال بذاك ما في حديث شريك مما أضافه إلى النبي ﷺ من طلب ذي الرحم ليدفع إليه ميراث الأزدي (٤) الذي نسبه شريك فيه إلى خزاعة.
٢٩٠٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا عمرو بن دينار، عن عوسجة، عن ابن عباس (٥): أن رجلًا مات ولم يدع) أي: لم يترك (وارثًا إلَّا غلامًا) أي: عبدًا (له كان أعتقه، فقال رسول الله ﷺ : هل له أحد؟
стр. 6076
قَالُوا: لَا، إِلَّا غُلَامًا لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ميرَاثَهُ لَهُ. [ت ٢١٠٦، جه ٢٧٤١، حم ١/ ١٢٢، ق ٦/ ٢٤٢، ك ٤/ ٣٤٦]
(٩) بَابُ مِيرَاثِ ابْنِ الْمُلَاعَنَة
٢٩٠٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي (١) عُمَرُ بْنُ رُوبَةَ التَّغْلِبِيُّ، عن عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّصْرِيِّ،
===
قالوا: لا، إلَّا غلامًا له كان أعتقه)، وهذا من باب الصرف بطريق التصدق، لا أن العبد المعتق يرث من مولا (٢) (فجعل رسول الله ﷺ ميراثه له).
(٩) (بَابُ مِيرَاثِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ)
٢٩٠٦ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، نا محمد بن حرب، حدثني عمر بن روبة) بضم الراء وسكون الواو بعدها موحدة (التغلبي) الحمصي، أخو مروان، قال دُحيم: شيخ من شيوخ حمص، لا أعلمه إلَّا ثقة، وقال البخاري: فيه نظر، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عدي: إنما أنكروا أحاديثه عن عبد الواحد النصري، روى له الأربعة حديثًا واحدًا عن النصري عن واثلة حديث: "تحوز المرأة ثلاث مواريث"، قلت: قال ابن حزم: عمر مجهول.
(عن عبد الواحد بن عبد الله) بن كعب بن عمير (النصري) بالنون، أبو بسر بضم الموحدة وسكون المهملة، الدمشقي، ويقال: الحمصي، ثقة، ولي حمص، وولي المدينة، محمود الإمارة، وقال الواقدي: ولي المدينة ومكة وطائف، فكان يذهب مذاهب الخير، ولا يقطع أمرًا إلَّا استشار فيه قاسمًا وسالمَ بنَ عبد الله.
стр. 6077
عن وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمَرْأَةُ تُحْرِزُ ثَلَاثَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْه" (١). [ت ٢١١٥، جه ٢٧٤٢، حم ٣/ ٤٩٠، قط ٤/ ٨٩، ق ٦/ ٢٤٠، ك ٤/ ٣٤٠، "السنن الكبرى" للنسائي ٦٣٦٠]
٢٩٠٧ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، وَمُوسَى بْنُ عَامِرٍ،
===
(عن واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ قال: المرأة تحرز) (٢) وفي نسخة: تحوز (ثلاث مواريث، عتيقها) فترث (٣) ميراثه بولاء العتاقة (ولقيطها) (٤)، إطلاق الوراثة عليه مجاز؛ لأن ميراث اللقيط لبيت المال، إلَّا أن يكون الملتقط فقيرًا فيترك له الإِمام تصدقًا عليه ومجازاةً له على ما تحمل في حفظه وتربيته (وولدها الذي لَاعَنَتْ عليه)، فالولد الذي نفاه الرجل باللعان، فلا خلاف أن أحدهما لا يرث الآخر؛ لأن التوارث بسبب النسب، وقد انتفى النسب، وأما نسبه من جهة الأم فثابت ويتوارثان.
٢٩٠٧ - (حدثنا محمود بن خالد وموسى بن عامر) بن عمارة بن خريم بالمعجمة، مصغرًا، أبو عامر بن أبي الهيذام، الدمشقي، قال ابن عدي: سمعت عبدان، عن أبي داود: حديث ابن أبي الهيذام، عن الوليد، عن الأوزاعي يشبه حديث هقل، وكان أبو داود لا يحدث عنه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، روى عنه أبو داود في "السنن" حديثًا أو حديثين.
стр. 6078
قَالَا: نَا الْوَلِيدُ، نَا (١) ابْنُ جَابِرٍ، نَا مَكْحُولٌ قَالَ: "جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِيرَاثَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لأُمِّهِ وَلوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا". [ق ٦/ ٢٥٩]
٢٩٠٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَامِرٍ، نَا الْوَلِيدُ، أَخْبَرَنِي عِيسَى أَبُو مُحَمَّدٍ، عن الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن النَّبِي ﷺ مِثْلَهُ. [ق ٦/ ٢٥٩]
(١٠) بَابٌ: هَلْ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِر ؟
٢٩٠٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَلِيِّ بْنِ
===
(قالا: نا الوليد) بن مسلم، (نا ابن جابر) عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: (نا مكحول قال: جعل رسول الله ﷺ ميراث ابن الملاعنة لأمه (٢) ولورثتها) أي الأم (من بعدها) أي: بعد موتها، وهذا حديث مرسل، ولم يخرجه المصنف في "مراسيله".
٢٩٠٨ - (حدثنا موسى بن عامر، نا الوليد) أي: ابن مسلم، (أخبرني عيسى) بن موسى (أبو محمد) ويقال: أبو موسى، (عن العلاء بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ مثله).
(١٠) (بَابٌ: هَلْ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ؟ )
٢٩٠٩ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن علي بن
стр. 6079
حُسَيْنٍ، عن عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عن أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ : "لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ". [خ ٤٢٨٢ - ٤٢٨٣، م ١٦١٤، ت ٢١٠٧، جه ٢٧٢٩، حم ٥/ ٢٠٠، دي ٢٩٩٧]
٢٩١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عن عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عن أُسَامَةَ بْنِ
===
حسين) زين العابدين، (عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ : لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم).
قال في "الحاشية": أجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم، وأما المسلم من الكافر ففيه خلاف، فالجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أنه لا يرث (١) أيضًا، وذهب معاذ بن جبل، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، ومسروق، وغيرهم إلى أنه يرث من الكافر، واستدلوا بقوله ﷺ : "الإِسلام يعلو ولا يعلى" (٢)، وحجة الجمهور هذا الحديث الصحيح، والمراد من علو الإِسلام فضل الإِسلام على غيره.
٢٩١٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن
стр. 6080
زيدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ (١) غَدًا في حَجَّتِهِ؟ قَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا"؟ ثُمَّ قَالَ: "نَحْنُ نَازِلُونَ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْكُفْرِ" يَعْنِي الْمُحَصَّبَ، وَذَاكَ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ قُرَيْشًا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يُؤْوُوهُمْ. [خ ٤٢٨٢، م ١٣٥١، جه ٢٧٣٠]
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَالْخَيْفُ الْوَادِي.
===
زيد قال: قلت يا رسول الله، أين) أي: في أيِّ دارك (تنزل غدًا في حجته؟ ) متعلق بقوله، أي: قلت له في زمن حجته، وفي رواية محمد بن [أبي] حفصة - عند "البخاري" - عن الزهري أنه قال زمن الفتح: "يا رسول الله، أين تنزل غدًا".
(قال) رسول الله ﷺ : (وهل ترك لنا عقيل) أي: ابن أبي طالب (منزلًا) فإنه باع ما حصل له من تركة أبي طالب من المنازل، (ثم قال: نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قَاسَمَتْ) أي: حَالَفَتْ (قريش على الكفر، يعني) بخيف بني كنانة (المحصب) وهو اسم موضع بقرب مكة وراء المعلى فيما بين مكة ومنى، (وذاك أن بني كنانة حالفت قريشًا على بني هاشم أن لا يُنَاكِحُوهُم ولا يُبايِعُوهُم ولايُؤْوُوهُم) وهذا هو المراد بقوله ﵇ في الحديث: "على الكفر" (قال الزهري: والخيف الوادى).
وقصة التحالف أن كفار قريش وبني كنانة اجتمع رأيهم على قتل رسول الله ﷺ ، فأبى قومه، فعند ذلك اجتمع رأيهم على منابذة بني هاشم وبني المطلب وإخراجهم من مكة إلى شِعْب أبي طالب والتضييق عليهم، وأن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يقبلوا منهم صلحًا حتى يُسَلِّموا رسول الله ﷺ للقتل، ووقع ذلك الاجتماع والمشاورة في خيف بني كنانة، وهو المحصب بأعلى مكة عند المقابر، ووافقهم فيها بنو كنانة، فبلغ ذلك أبا طالب، فَجَمَعَ
стр. 6081
٢٩١١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن حَبِيبٍ الْمُعَلِّم، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى". [جه ٢٧٣١، حم ٢/ ١٧٨]
===
بني هاشم وبني المطلب، وأدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم، فأجابوه على ذلك حتى كفارهم، فَعَلُوا ذلك حميةً على عادة الجاهلية، فلما رأت قريش ذلك كتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب، وكتبوا في صحيفة بخط منصور ابن عكرمة بن هشام فَشَلَّتْ يده، وعَلَّقُوا الصحيفة في جوف - الكعبة هلالَ المحرم سَنَة سبع من النبوة.
وانحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، ودخلوا معه شعبه، إلَّا أبا لهب فكان مع قريش، وأقاموا على ذلك سنتين حتى جهدوا، وكان لا يصل إليهم شيء إلَّا سرًا، وكانوا لا يخرجون إلَّا من موسم إلى موسم، ثم قام رجال في نقض الصحيفة، فأخبر رسولُ الله ﷺ أن الأَرَضَة أَكَلَتْ جميع ما فيها من القطيعة والظلم، فلم تدع إلَّا اسم الله تعالى، فأخبرهم أبو طالب بذلك، فلما أنزلت لتمزق وجدت كما قال ﵇ (١).
٢٩١١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : لا يتوارث أهل ملتين شَتَّى) جمع شتيت كمريض ومرضى، والمراد بالملَّتين الإِسلام والكفر، فإن الإِسلام ملة، والكفر ملة، فالمسلم لا يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم، وأما الملل الكفرية كاليهود والنصارى والمجوس، فيتوارثون (٢) بعضهم من بعض.
стр. 6082
٢٩١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن عَمْرٍو (١) الْوَاسِطِيَّ، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدة: أَنَّ أَخَوَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ يَهُودِيٌّ وَمُسْلِمٌ، فَوَرَّثَ الْمُسْلِمَ مِنْهُمَا، وَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ أَنَّ رَجُلًا حَدَّثَهُ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الإسْلَامُ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ"، فَوَرَّثَ الْمُسْلِمَ. [حم ٥/ ٢٣٦، ق ٦/ ٢٠٥، ك ٤/ ٣٤٥]
٢٩١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن شُعْبَةَ، عن عَمْرِو بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدة، عن يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عن أَبِي الأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ،
===
٢٩١٢ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن عمرو الواسطي، نا عبد الله بن بريدة: أن أخوين اختصما إلى يحيى بن يعمر) أحدهما (يهودي و) الآخر (مسلم) أي: مات أبوهما يهوديًا، فحاز ابنه اليهودي ماله، فنازعه المسلم (فَوَرَّثَ) أي: يحيى بن يعمر (المُسْلِمَ منهما) أي: جعل المسلم وارثًا (وقال) في الاستدلال عليه: (حدثني أبو الأسود) الديلي (أن رجلًا حَدَّثه أن معاذًا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الإِسلام يزيد ولا ينقص، فَوَرَّث) أي معاذ (المسلم).
وقد تقدم أن هذا اجتهاد من معاذ بن جبل، والمراد فضل الإِسلام على الأديان كلها, وليس فيه دليل على توريث المسلم الكافر، والحديث المتقدم صريح في أن المسلم لا يرث الكافر، فيعمل على الصريح.
٢٩١٣ - (حدثنا مسدد قال: نا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن عمرو بن أبي حكيم، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي
стр. 6083
أَنَّ مُعَاذًا أُتِيَ بِمِيرَاثِ يَهُودِيٍّ وَارِثُهُ مُسْلِمٌ، بِمَعْنَاهُ عن النَّبِيِّ ﷺ . [حم ٥/ ٢٣٠، ق ٦/ ٢٩٤، ك ٤/ ٣٤٥]
(١١) بَابٌ: فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ
٢٩١٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، نَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن أَبِي الشَّعْثَاءِ، عنَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (١) ﷺ : "كُلُّ قَسْم قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى مَا قُسِمَ لَه، وَكُلُّ قَسْمٍ أَدْرَكَهُ الإسْلَامُ فَإِنَّه عَلَى قَسْمِ الإسْلَامِ". [جه ٢٤٨٥]
===
أن معاذًا أُتِيَ بميراث يَهُوْدِيٍّ وارِثُه مُسْلِمٌ بمعناه عن النبي ﷺ ) بأن معاذًا وَرَّث المسلمَ من اليهودي بقوله ﷺ : "الإِسلام يزيد ولا ينقص".
(١١) (بَابٌ: فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ)
أي: لم تقسم بعد
وصورة المسألة: مات مسلم وله ولدان مسلم وكافر، فأسلم الكافر قبل قسمة المال، فهذا لا يرث المسلم.
والصورة الثانية: كافر وله ولدان مثلًا مسلم وكافر، فأسلم الولد الكافر قبل قسمة الميراث، فإنه يرث الكافر, لأن الجمهور على أن الميراث يستحق بالموت؛ لأن وقت الموت هو وقت انتقال الملك.
٢٩١٤ - (حدثنا حجاج بن أبي يعقوب، نا موسى بن داود، نا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : كلُّ قَسْمٍ قسِمَ في الجاهلية فهو على ما قُسِمَ له) أي: لا ينقض في الإِسلام تلك القسمة، كما أن أنكحة الجاهلية تبقى على حالها (وكلُّ قَسْمٍ أدركه الإِسلام، فإنه على قَسْمِ الإِسلام)، فإذا مات مسلم وله
стр. 6084
(١٢) بَابٌ: فِي الْوَلَاءِ
٢٩١٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، (١) قَالَ مَالِكٌ: عَرَضَ عَلَيَّ نَافِعٌ (٢)، عن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُعْتِقُهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ (٣) لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ". [خ ٦٧٥٧، م ١٥٠٤، ن ٢٦١٤، ط ٢/ ٧٨١]
===
ولدان مسلم وكافر، فأسلم الكافر قبل القسمة فلا يرث، وإن كان المورث كافرًا فأسلم الولد الكافر قبل القسمة، فهو يرث (٤).
(١٢) (بَابٌ: فِي الْوَلَاءِ)
٢٩١٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال مالك: عَرَضَ عَلَيَّ نافعٌ، عن ابن عمر: أن عائشة أم المومنين ﵂ أرادت أن تشتريَ جاريةً) أي: بريرة (تعتقها، فقال أهلها: نَبِيْعُكِهَا على أن ولاءَهَا لنا)، فإنها إذا كان الولاء لنا نرثها إذا ماتت، (فذكرت عائشة) ﵂ الرسول الله ﷺ فقال: لا يمنعك ذلك) أي: اشتراطهم الولاء لهم (٥) (فإن الولاء لمن أعتق).
ويشكل بأن رسول الله ﷺ كيف أذن بالاشتراط في البيع، وقد نهى عن ذلك، والشرط على خلاف مقتضى العقد! ؟
стр. 6085
٢٩١٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عن سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عن مَنْصُورٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن الأَسْوَدِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْطَى الثَّمَنَ وَوَليَ النِّعْمَةَ". [خ ٦٧٥٤، م ١٠٧٥، ١٥٠٤، ت ٢١٢٥، ن ٣٤٥٣]
٢٩١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عن عَمْرِو بْنِ شعَيْبٍ، عن أَبِيهِ،
===
والجواب عنه: أنه يمكن أن يكون هذا قبل النهي عن الشرط، ولو سُلِّمَ أنها وقعت بعد النهي، فالإذن فيه كان للردع عنه والإبطال، فإنه ﷺ خطب بعدها، وقال: "ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، فمن اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل" (١)، فهذا أوقع في القلوب.
٢٩١٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : الولاء) أي: ولاء الموالي (لمن أعطى الثَّمَن) أي: اشتراها (وَوَليَ النعمةَ) أي: نعمة العتق، وإنما ذكر الاشتراء مع أن الاشتراء ليس سببًا للولاء, لأنه سبب الملك، فإذا أعتق في الملك يثبت الولاء للمعتق.
ولما وقع هذا الكلام في قصة بريرة ذكر هذا إشارة إلى أن بدون الملك لا يحصل الولاء، فإن البائع إذا باع خرج من ملكه، وانقطع حق الولاء له، والمشتري لما ملكه بالشراء استحق الولاء.
٢٩١٧ - (حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر، قال: نا عبد الوارث، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
стр. 6086
عن جَدِّهِ: أَنَّ رِئَابَ بْنَ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَوَلَدَتْ لَهُ ثَلَاثَةَ غِلْمَةٍ، فَمَاتَتْ أُمُّهُمْ فَوَرِثُوهَا رِبَاعَهَا وَوَلَاءَ مَوَاليهَا، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ (١) عَصَبَةَ بَنِيهَا، فَأَخْرَجَهُمْ إِلَى الشَّام فَمَاتُوا، فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ (٢)، وَمَاتَ مَوْلًى لَهَا، وَتَرَكَ مَالًا لَهُ، فَخَاصَمَهُ إِخْوَتُهَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، فَقَالَ عُمَرُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَحْرَزَ الْوَلَدُ أَوِ الْوَالِدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ"،
===
عن جده: أن رئاب بن حذيفة تزوج امرأة، فولدت له ثلاثة غلمة، فماتت أمهم، فورثوها رباعَها) بكسر الراء، أي: دورها (وولاءَ مواليها، وكان عمرو بن العاص عَصَبَةَ بنيها، فأخرجهم) أي: أخرج عمرو بن العاص الغلمة (إلى الشام فماتوا) في الشام.
(فَقَدِمَ عمرو بنُ العاص) من الشام (ومات مولًى لها) أي: لأم الغلمان (وترك مالًا له، فخاصَمَه) أي: عمرو بنَ العاص (إخوتُها) أي: أم الغلمان (إلى عمر بن الخطاب، فقال عمر: قال رسول الله ﷺ : ما أحرز (٣) الولد أو الوالد) من الميراث (فهو لعصبته من كان)، أي: إذا مات عتيق الأب أو عتيق الأم بعد موتهما, وللأب والأم ابن يَرِثُ الابنُ ولاء ذلك العتيق، وهذا مخصوص بالعصبة، ولا ترث النساء الولاء إلَّا ممن أعتقنه أو أعتق من أعتقنه، فلما ماتت
стр. 6087
قَالَ: فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا فِيهِ شَهَادَةُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ وَزيدِ بْنِ ثَابِتٍ وَرَجُلٍ آخَرَ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عَبْدُ الْمَلِكِ، اخْتَصَمُوا إِلَى هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَو إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ هِشَامٍ، فَرَفَعَهُمْ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ: هَذَا مِنَ الْقَضَاءِ الَّذِي مَا كُنْتُ أَرَاهُ. قَالَ: فَقَضَى لَنَا بِكِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَنَحْنُ فِيهِ إِلَى السَّاعَةِ (١). [جه ٢٧٣٢، حم ١/ ٢٧]
===
أم الغلمة، وَرِثَ بنوها ولاءَ مواليها، فلما ماتوا ترث عصبتهم ولاءَ موالي أمهم، فلهذا وَرِثَ عمرو بنُ العاص ولاءَ مولى أم الغلمة.
(قال) عبد الله بن عمرو: (فكتب) أي عمر ﵁ (له) أي: لعمرو بن العاص (كتابًا فيه شهادةُ عبدِ الرحمن بن عوفٍ وزيدِ بنِ ثابتٍ ورجلٍ آخر، فلما استُخْلِفَ عبدُ الملك) بن مروان (اختصموا) أي: إخوة المرأة (إلى هشام بن إسماعيل، أو) للشك من الراوي (إلى إسماعيل بن هشام) والصواب هشام بن إسماعيل كما في رواية ابن ماجه، وهو أمير المدينة، (فرفعهم) أي: رفع هشام بن إسماعيل قصتهم (إلى عبد الملك، فقال) عبد الملك: (هذا) أي: قضاء عمر (من القضاء الذي ما) زائدة، ويحتمل أن تكون نافية، ومعناه حينئذ لم يكن رأيي قبل ذلك القضاء على وفق ذلك القضاء، ولكني لما رأيت ذلك القضاء تركت رأيي وقضيت على وفق ذلك القضاء (كنت أراه، قال: فَقَضَى لنا) عبد الملك (بكتاب عمر بن الخطاب، فنحن فيه إلى الساعة).
وقد أخرج ابن ماجه هذا الحديث في "سننه" (٢) مطولًا، ولفظه "قال: تزوج رئاب بن حذيفة بن سعيد بن سهم أُمَّ وائل بنت معمر الجمحية، فولدت له
стр. 6088
(١٣) بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيِ الرَّجُل
٢٩١٨ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهِبٍ الرَّمْلِيُّ وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَا: نَا يَحْيَى - قَالَ أَبُودَاوُدَ: هُوَ ابْنُ حَمْزَةَ -، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَوْهِب يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عن قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ - قَالَ هِشَامٌ: عن تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَالَ يَزِيدُ -: إِنَّ تَمِيمًا
===
ثلاثة، فتوفيت أمهم، فورثها بنوها رباعها، وولاء مواليها، فخرج بهم عمرو بن العاص إلى الشام، فماتوا في طاعون عمواس، فورثهم عمرو، وكان عصبتهم، فلما رجع عمرو بن العاص جاء بنو معمر يخاصمونه في ولاء أختهم إلى عمر، فقال عمر ﵁: أقضي بينكم بما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعته يقول: "ما أحرز الولد أو الوالد فهو لعصبته من كان"، قال: فقضى لنا به، وكتب لنا به كتابًا فيه شهادةُ عبدِ الرحمن بن عوف وزيدِ بن ثابت وآخر، حتى إذا استُخْلِفَ عبد الملك بن مروان تُوُفِّيَ مولَى لها، وترك ألفي دينار، فبلغني أن ذلك القضاء قد غُيِّرَ، فخاصموا إلى هشام بن إسماعيل، فرفعنا إلى عبد الملك فأتيناه بكتاب عمر، فقال: إن كنت لأرى أن هذا من القضاء الذي لا يشك فيه، وما كنت أرى أن أمر أهل المدينة بلغ هذا أن يشكُّوا في هذا القضاء، فقضى لنا فيه، فلم نزل فيه بعد".
(١٣) (بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيِ الرَّجُلِ)
٢٩١٨ - (حدثنا يريد بن خالد بن موهب الرملي وهشام بن عمار قالا: نا يحيى - قال أبو داود: هو ابنُ حمزة -، عن عبد العزيز بن عمر قال: سمعت عبد الله بن موهب يُحَدِّثُ عُمَرَ بنَ عبد العزيز، عن قبيصة بن ذؤيب، قال هشام) أي: ابن عمار شيخ المصنف: (عن تميم الداري أنه قال: يا رسول الله، وقال يزيد: إن تميمًا).
فحاصل هذا الاختلاف الواقع بين حديث شيخي أبي داود يزيد بن خالد
стр. 6089
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهشام بن عمار، أن هشامًا قال: عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري، فهو من مرويات تميم الداري، وأما يزيد، فإنه قال: عن قبيصة بن ذؤيب أن تميمًا قال: يا رسول الله، فعلى هذا يزيد بن خالد لا يروي عن تميم، بل يروي قصة سؤال تميم عن رسول الله ﷺ ، ولم يذكر الذي روى عنه، فعلى هذا رواية يزيد بن خالد مرسلة، هذا حاصل مرأد المصنف في بيان الاختلاف.
وأما الاختلاف في هذه الرواية بوجوه أخر: فأول الاختلاف في عبد الله بن موهب، قال الترمذي: قال بعضهم: عبد الله بن وهب، انتهى. قلت: والصواب عبد الله بن موهب، قال الحافظ في "التقريب" و"تهذيب التهذيب" (١): عبد الله بن وهب، عن تميم الداري، صوابه: عبد الله بن موهب.
والثاني: أن عبد الله بن موهب هل يروي عن تميم الداري بغير واسطة أم بواسطة قبيصة بن ذؤيب، فروى يحيى بن حمزة، عن عبد العزيز بن عمر، وزاد فيه "عن قبيصة بن ذؤيب"، كذا قال الترمذي، وروى وكيع عند أحمد والترمذي وابن ماجه عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وإسحاق بن يوسف الأزرق عنه عند أحمد، وأبو نعيم عنه عند أحمد أيضًا، ولم يذكروا قبيصة بن ذؤيب بين عبد الله بن موهب وتميم الداري.
والثالث: أن في رواية وكيع عند أحمد وابن ماجه، وفي رواية أبي نعيم عند أحمد والدارمي تصريح السماع بأنهما قالا: عن عبد الله بن موهب قال: سمعت تميم الداري، ولم يذكر الترمذي السماع، بل قال: عن عبد الله بن موهب عن تميم الداري.
قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٢): قال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم،
стр. 6090
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا السُّنَةُ فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيِ الرَّجُلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: "هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ". [ت ٢١١٢، جه ٢٧٥٢، حم ٤/ ١٠٢، قط ٤/ ١٨١، ق ١٠/ ٢٩٦]
===
ثنا عبد العزيز بن عمر، وهو ثقة، عن عبد الله بن موهب، وهو همدانى ثقة، سمعت تميمًا الداري يعني حديث الكافر يسلم على يدي المسلم لمن ولاؤه؟ قال: وهذا خطأ، ابن موهب لم يلحق تميمًا، وهكذا رواه غير واحد عن عبد العزيز، ورواه يحيى بن حمزة، عن عبد العزيز، عن عبد الله بن موهب، عن قبيصة بن ذؤيب، عن تميم الداري، قال أبو زرعة الدمشقي: نرى - والله أعلم - أن عبد العزيز حدث يحيى بن حمزة من كتابه، وحدثهم بالعراق من حفظه، وهذا حديث حسن متصل، لم أر أحدًا من أهل العلم يدفعه، وقال البخاري: قال بعضهم: عن عبد الله بن موهب سمع تميمًا الداري ولا يصح، انتهى.
(قال: يا رسول الله، ما السُّنَّة) أي: ما حكم الشرع (في الرجل) الكافر (يُسْلِمُ على يدي الرجل من المسلمين؟ قال) رسول الله ﷺ : (هو) أي الرجل المسلم (أولى الناس بمحياه) أي: الرجل الكافر الذي أسلم في حياته (ومماته) أي: هو أولى الناس بمماته، يعني يصير مولى له.
قال المظهر (١): فعند أبي حنيفة والشافعي ومالك (٢) والثوري: لا يصير مولى، ويصير مولى عند عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب وعمرو بن الليث لهذا الحديث، ودليل الشافعي وأتباعه قوله ﵇: "الولاء لمن أعتق"، وحديث تميم الداري يحتمل أنه كان في بدء الإِسلام؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالإِسلام والنصرة، ثم نسخ ذلك، ويحتمل أن يكون قوله ﵊:
стр. 6091
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
"هو أولى الناس بمحياه ومماته"، يعني بالنصرة في حال الحياة، وبالصلاة بعد الموت، فلا يكون حجة.
قلت: وهذا إذا كان إسلام الرجل على يدي مسلم فقط، وأما إذا اقترن معه المعاقدة والمحالفة فعند ذلك يكون المولى أولى بالميراث عند عدم الأقارب عندنا الحنفية، كما سيأتي في حديث ابن عباس (١).
وقال الشوكاني: قال الترمذي: لا نعرفه إلَّا من حديث (٢) عبد الله بن موهب - ويقال: ابن (٣) وهب - عن تميم الداري، وقد أدخل بعضهم سن عبد الله بن موهب وتميم الداري قبيصةَ بنَ ذؤيب، وهو عندي ليس بمتصل، وقال الشافعي في هذا الحديث: ليس بثابت، إنما يرويه عبد العزيز بن عمر عن ابن وهب عن تميم الداري، وابن وهب ليس بالمعروف عندنا، ولا نعلمه لقي تميمًا، ومثل هذا لا يثبت عندنا ولا عندك من قبل أنه مجهول، ولا أعلمه متصلًا.
وقال الخطابي (٤): ضعَّف أحمد بن حنبل حديث تميم الداري هذا، وقال: عبد العزيز راويه ليس من أهل الحفظ والإتقان، وقال البخاري في "الصحيح" (٥): واختلفوا في صحة هذا الخبر، وقال أبو مسهر: عبد العزيز بن عمر ضعيف الحديث، وقد احتج بعبد العزيز المذكور البخاري في "صحيحه"، وأخرج له هو ومسلم، وقال يحيى بن معين: عبد العزيز بن عمر ثقة، وقال ابن عمار: ثقة، ليس بين الناس فيه اختلاف.
стр. 6092
(١٤) بَابٌ: فِي بَيْعِ الْوَلَاءِ
٢٩١٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ (١) ﷺ عن بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ". [خ ٦٧٥٦، م ١٥٠٦، ت ١٢٣٦، جه ٢٧٤٧، حم ٢/ ٩]
(١٥) بَابٌ: فِي الْمَوْلُودِ يَسْتَهِلُّ ثُمَّ يَمُوت
٢٩٢٠ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُعَاذٍ، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، نَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ -، عن يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ قُسَيْطٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وُرِّثَ". [ق ٦/ ٢٥٧]
===
(١٤) (بَابٌ: فِي بَيْعِ الْوَلَاءِ)
٢٩١٩ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن عبد الله (٢) بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته)، وكانت العرب في الجاهلية تبيع ولاء مواليها، وتأخذ عليها المال، فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك؛ لأنه ليس بمال، بل هو حق من الحقوق، فلا يرد عليه البيع؛ لأن البيع يستدعي كون المبيع مالًا.
(١٥) (بَابٌ: فِي الْمَولُودِ يَسْتَهِلُّ)
أي: يرفع صوته بالبكاء، فإن الاستهلال والإهلال رفع الصوت، والمراد به ما يعلم به حياته، (ثُمَّ يَمُوتُ)
٢٩٢٠ - (حدثنا حسين بن معاذ، نا عبد الأعلى، نا محمد - يعني ابن إسحاق -، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ قال: إذا استهل) إذا صاح (المولود وُرِّثَ) من التوريث،
стр. 6093
(١٦) بَابُ نَسْخِ مِيرَاثِ الْعَقْدِ بِمِيرَاثِ الرَّحِمِ
٢٩٢١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ (١) أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ)، كَانَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الرَّجُلَ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ، فَيَرِثُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَنَسَخَ ذَلِكَ الأَنْفَالُ (٢): ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾. [ق ٦/ ٢٦٢]
===
أي: يجعل (٣) وارثًا لمن مات قبله، وقيد الاستهلال باعتبار أنه الغالب في القرينة على الحياة، وإلَّا فأي أمارة (٤) على الحياة وجدت يورث ذلك المولود من مورثه الذي مات قبله.
(١٦) (بَابُ نَسْخِ مِيرَاثِ الْعَقْدِ)، العقد: هو المحالفة والموالاة (بمِيرَاث الرَّحِمِ)
٢٩٢١ - (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت قال: حدثني علي بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: والذين عاقدت (٥) أيمانكم) وفي قراءة: عقدت (فآتوهم نصيبهم، كان الرجل يحالف الرجل) أي: يعاقده ويواليه (ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ (٦) ذلك الأنفال) أي: آية الأنفال ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٧).
стр. 6094
٢٩٢٢ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي إدْرِيس بْنُ يَزِيدَ، نَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ:
===
واختلفوا في هذه المسألة، فقال قائلون: إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، وقال آخرون: ليس بمنسوخ من الأصل، ولكنه جعل ذوي الأرحام أولى من موالي المعاقدة، فنسخ ميراثهم في حال وجود القرابات، وهو باقٍ لهم إذا فقد الأقرباء على الأصل الذي كان عليه، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر، فقالوا: من أسلم على يدي رجل (١) ووالاه وعاقده، ثم مات ولا وارث له غيره فميراثه له.
وقال مالك وابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي: ميراثه لبيت المال، فالآية توجب الميراث للذي والاه وعاقده على الوجه الذي ذهب إليه أصحابنا؛ لأنه كان حكمًا ثابتًا في أول الإسلام، وحكم الله به في نص التنزيل قال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، فجحل ذوي الأرحام أولى من المعاقدين الموالي، فمتى فقدت ذوو الأرحام وجب ميراثهم بقضية الآية، فليس في القرآن ولا في السنَّة ما يوجب نسخها، فهي ثابتة الحكم مستعملة على ما تقتضيه من إثبات الميراث عند فقد ذوي الأرحام.
وقد تقدم الحديث عن النبي ﷺ بثبوت هذا الحكم، عن تميم الداري أنه قال: يا رسول الله، ما السنَّة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ قال: "هو أولى الناس بمحياه ومماته"، فهذا يقتضي أن يكون أولى الناس بميراثه، إذ ليس بعد الموت بينهما ولاية إلا في الميراث.
٢٩٢٢ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا أبو أسامة، حدثني إدريس بن يزيد، نا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى:
стр. 6095
﴿وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ (١) أَيْمَانُكُم فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ تُوَرَّثُ الأَنْصَارَ دُونَ ذِي (٢) رَحِمِهِ لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى رَسُولُ اللَّهِ (٣) ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾، قَالَ: نَسَخَتْهَا: ﴿وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمُانكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ مِنَ النَّصْرِ وَالنَّصِيحَةِ وَالرِّفَادَةِ، وَيُوْصِي لَهُ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ". [خ ٤٥٨٠، ق ٦/ ٢٦٢]
٢٩٢٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى، الْمَعْنَى، قَالَ أَحْمَدُ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، عن دَاوُدَ بْنِ
===
﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُم فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهم﴾ قال) ابن عباس: (كان) في ابتداء الإِسلام (المهاجرون حين قدموا المدينة تورث الأنصار) أي: تجعل ورثة للأنصار (دون ذي رَحِمِهِ) أي: مقدمًا على ذوي الأرحام (للأخوة التي آخى رسول الله ﷺ بينهم) أي: بين المهاجرين والأنصار.
(فلما نزلت هذه الآية) وهي قوله تعالى: (﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾) أي: ورثة ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ الآية (قال) ابن عباس: (نسختها) أي نسخت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا﴾ هذه الآية المتقدمة، فعلى كونها منسوخة معناها ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُم فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهم﴾ (٤) أي: أعطوهم نصيبهم (من النصر والنصيحة والرِّفادة) أي: الإعانة (ويوصي له، وقد ذهب الميراث) وقد تقدم البحث فيه (٥).
٢٩٢٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، وعبد العزيز بن يحيى، المعنى، قال أحمد: نا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن داود بن