(٢٠) بَابٌ: فِي بَيَانِ مَوَاضِع قَسْمِ الْخُمُسِ وَسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى
٢٩٧٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عن يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمسَيَّب قَالَ: أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: أَنَّهُ جَاءَ هُوَ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يُكَلِّمَانِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا قَسَمَ مِنَ الْخُمُسِ بَيْنَ (١) بَنِي هَاشِم وَبَنِي الْمُطَّلِب، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَسَمْتَ لإخْوَانِنَا (٢) بَنِي الْمُطَّلِبِ وَلَمْ تُعْطِنَا شَيْئًا، وَقَرَابَتُنَا وَقَرَابَتُهُمْ مِنْكَ وَاحِدَةٌ،
===
(٢٠) (بَابٌ فِي بَيَانِ مَوَاضِعِ (٣) قَسْمِ الْخُمُسِ وَسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى)
عطفَ على الخمس
٢٩٧٨ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، نا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري قال) أي الزهري: (أخبرني سعيد بن المسيب قال) أي سعيد: (أخبرني جبير بن مطعم: أنه) أي جبير بن مطعم (جاء هو وعثمان بن عفان يكلِّمان رسولَ الله ﷺ فيما قَسَمَ من الخُمُسِ بين بني هاشم وبني المطلب) ولم يُعْطِ بني نوفل ولا لبني عبد شمس.
(فقلت: يا رسول الله ﷺ ، قَسَمْتَ لإخواننا بني المطلب ولم تُعْطِنَا شيئًا، وقرابتُنا وقرابتُهم منك واحدة)، فإن عثمان من بني عبد شمس، وجبير بن مطعم
стр. 6162
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيءٌ وَاحِدٌ".
قَالَ جُبَيْرٌ: وَلَمْ يَقْسِمْ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ (١) مِنْ ذَلِكَ الْخُمُسِ، كَمَا قَسَمَ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِب، قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقْسِمُ الْخُمُسَ نَحْوَ قَسْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعْطِي قُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
===
من بني نوفل، وعبد شمس ونوفل أخوان لهاشم بن عبد مناف، كما أن المطلب (٢) أيضًا أخو هاشم بن عبد مناف.
وفي رواية: "فقلنا: يا رسول الله ﷺ ، هؤلاء بنو هاشم لا نُنكِرُ فضلَهم للموضع الذي وضعك به الله منهم، فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتَهم وتركتَنا".
(فقال النبي ﷺ : إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد) أي لم يتفرقا لا في جاهلية ولا في إسلام، وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل فإنهما افترقا من بني هاشم، وذلك أن كفار قريش لما تَحَالفوا على بني هاشم، وكَتَبُوا الكتاب أن لا يُنَاكِحُوْهُم ولا يُبَايِعُوْهُم، دَخَلَ بنو المطلب مع بني هاشم، وخرج بنو عبد شمس وبنو نوفل، فدخلوا مع كفار قريش في حلفهم، وفارقوا بني هاشم.
(قال جبير: ولم يَقْسِمْ) أي رسول الله ﷺ (لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل من ذلك الخمس، كما قَسَمَ لبني هاشم وبني المطلب، قال) أي الزهري، قال الحافظ (٣): وهذه الزيادة بَيَّنَ الذهلي في "جمع حديث الزهري" أنها مدرجة من كلام الزهري (وكان أبو بكر يَقْسِمُ الخُمُسَ نحوَ قسمِ رسولِ الله ﷺ ، غَيْرَ أنه لم يكن يُعْطِي قربى) أي أهل قرابة (رسولِ الله ﷺ ) ولعله لا يُعطيهم لأنه رآهم
стр. 6163
مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِيهِمْ. قَالَ: فَكَانَ (١) عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُعْطِيهِمْ مِنْهُ وَعُثْمَانُ بَعْدَهُ. [خ ٣١٤٠، جه ٢٨٨١، ن ٤١٣٦]
٢٩٧٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن الزُّهْرِيِّ، عن سعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: نَا جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِم: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقْسِمْ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ مِنَ الخُمُسِ شَيْئًا، كَمَا قَسَمَ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقْسِمُ الْخُمُسَ نَحْوَ قَسْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعْطِي قُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا كَانَ يُعْطِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ عُمَرُ يُعْطِيهِمْ وَمَنْ كَانَ بَعْدَهُ مِنْهُ". [انظر سابقه]
===
أغنياء في وقته، ورأى غيرهم أحوج إليه منهم (ما كان النبي ﷺ يُعْطِيهم، قال) أي الزهري: (فكان عمر بن الخطاب يُعْطِيهم منه) وكذا يُعطيهم (عثمانُ بَعْدَه) أي بعد عمر بن الخطاب.
وهذا الحديث يخالفه فيما يأتي قريبًا من حديث عليٍّ يقول: اجتمعتُ أنا والعباس وفاطمة وزيد بن حارثة، الحديث، وسيبحث فيه هناك.
٢٩٧٩ - (حدثنا عبيد الله بن عمر، ثنا عثمان بن عمر قال: أخبرني يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: نا جبير بن مطعم: أن رسول الله ﷺ لم يَقْسِمْ لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل من الخمس شيئًا، كما قَسَمَ لبني هاشم وبني المطلب، قال) أي الزهري (٢): (وكان أبو بكر يَقْسِمُ الخُمُسَ نحو قسمِ رسول الله ﷺ ، غير أنه لم يكن يُعْطِي قُرْبى رسولِ الله ﷺ ، كما كان يُعْطِيهم رسولُ الله ﷺ ، وكان عمر يعطيهم ومن كان بعده) وهو عثمان (منه) أي من الخمس.
стр. 6164
٢٩٨٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا هُشَيْمٌ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ (١) وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِب، وَتَرَكَ بَنِي نَوْفَلٍ وَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّاَنَ حَتَّى أَتَيْنَا النَّبِيَّ (٢) ﷺ ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ بَنُو هَاشِمٍ لَا نُنْكِرُ (٣) فَضْلَهُمْ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَكَ اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ، فَمَا بَالُ إِخْوَانِنَا بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتَهُمْ وَتَرَكْتَنَا، وَقَرَابَتُنَا وَاحِدَةٌ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنّا وَبَني (٤) الْمُطَلِّبِ لَا نَفْتَرِقُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيءٌ وَاحِدٌ"، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ﵇. [ن ٤١٣٧، حم ٤/ ٨١]
===
٢٩٨٠ - (حدثنا مسدد، نا هشيم، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: أخبرني جبير بن مطعم قال: لما كان يوم خيبر وَضَعَ رسول الله ﷺ سَهْمَ ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب، وترك بني نوفل وبني عبد شمس، فانطلفتُ أنا وعثمانُ بنُ عفان حتى أتينا النبي ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم لا نُنْكِرُ فَضْلَهم للموضع الذي وَضَعَك الله به منهم، فما بال إخواننا بني المطلب أَعْطَيْتَهم وتَرَكْتَنا، وقرابتنا) أي منك (واحدة؟ فقال رسول الله ﷺ : إنا وبني المطلب لا نَفْتَرِقُ في جاهليةٍ ولا إسلامٍ) بل نحن متحدان في الجاهلية والإِسلام (وإنما نحن وهم) أي بنو المطلب (شيء واحدٌ، وشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعه ﵇ أي أدْخَلَ إحدى أصابعِ يَدِه في الأخرى، أي متداخل بعضهم في البعض.
стр. 6165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومذهب الحنفية في ذلك ما قَال في "الهداية" (١): أما الخمس فيقسم على ثلاثة أسهم: سَهْمٌ لليتامى، وسَهْمٌ للمساكين، وسَهْمٌ لابن السبيل، يدخل فقراء ذوي القربى فيهم، ويقدّمون على غيرهم؛ لأن غيرهم من الفقراء يتمكنون من أخذ الصدقات، وذوو القربى لا تحل لهم، وهذه الثلاثة مصارف الخمس عندنا لا على سبيل الاستحقاق، حتى لو صرف إلى صنف واحد منهم جاز كما في الصدقات.
وقال الشافعي ﵀: لذوي القربى خمس الخمس يستوي فيه غَنِيُّهم وفقيرُهم، وبقول الشافعي قال أحمد، وعند مالك الأمر مفوض إلى رأي الإِمام إن شاء قسم بينهم، وإن شاء أعطى بعضهم دون بعضهم، وإن شاء أعطى غيرهم إن كان أمر غيرهم أهم من أمرهم.
ويقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، ويكون لبني هاشم وبني المطلب دون غيرهم من القرابات، ونحن نوافقه على أن القرابة المرادة هنا تخص بني هاشم وبني المطلب، فالخلاف في دخول الغنيِّ من ذوي القربى وعدمه، وقال المزني والثوري: يستوي فيه الذكرُ والأنثى، ويدفع للقاصي والداني.
له إطلاق قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ بلا فصل بين الغنيِّ والفقير، بخلاف اليتامى فإنهم يشترطون فيهم الفقر مع تحقق الإطلاق كقولنا.
ولنا: أن الخلفاء الراشدين قسموه على ثلاثة أسهم على نحو ما قلنا، وكفى بهم قدوةً، ثم إنه لم ينكر عليهم ذلك أحد مع علم جميع الصحابة بذلك وتوافرهم، فكان إجماعًا منهم على ذلك، وبه تَبَيَّنَ أن ليس المراد من (٢) ذوي القربى قرابة الرسول ﵊، إذ لا يُظَنُّ بهم مخالفة كتاب الله
стр. 6166
٢٩٨١ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعِجْلِيُّ،
===
تعالى، ومخالفة رسوله ﵊ في فعله ومنع الحق عن المستحق، وكذا لا يُظَنُّ بمن حضرهم من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - السكوت عَمَّا لا يحلّ مع ما وَصَفَهم الله تعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكذا ظاهر الآية الشريفة يدل عليه؛ لأن اسم "وذوي القربى" يتناول عموم القرابات، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (١)، لم يفهم منه قرابة الرسول ﷺ خاصة، وكذا قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٢) لم ينصرف إلى قرابة رسول الله ﷺ .
وما روي أنه قسم ﵊ الخُمُسَ على خمسة أسهم، فأعطى ذا القربى سهمًا، فنعم، لكن الكلام في أنه أعطاهم خاصة لفقرهم وحاجتهم أو لقرابتهم، وقد عَلِمْنَا بقسمة الخلفاء الراشدين - رضي الله تعالى عنهم - أنه أعطاهم لحاجتهم وفقرهم لا لقرابتهم.
والدليل عليه: أنه ﵊ كان يشدد في أمر الغنائم فتناول من وبر بعير، وقال: "لا يحل لي من غنائمكم شيء إلا الخُمُس، وهو مردود فيكم، ردوا الخيط والمخيط، فإن الغلول عار وشنار على صاحبه يوم القيامة" (٣)، لم يخص ﵊ القرابة بشيء من الخمس، [بل] وَعَمَّ المسلمين جميعًا بقوله: "والخمس مردود فيكم"، فَدَلَّ أن سبيلهم سبيل سائر فقراء المسلمين يعطى من يحتاج منهم كفايته، كذا في "فتح القدير" (٤) و"البدائع" (٥).
٢٩٨١ - (حدثنا حسين بن عليًّ العِجْلِي) وهو حسين بن علي بن الأسود
стр. 6167
نَا وَكِيعٌ، عن الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، عن السُّدِّيِّ فِي ذِي الْقُرْبَى، قَالَ: "هُمْ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ".
٢٩٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَنْبَسَةُ، أَنَا يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَنَا يَزِيدُ بْنُ هُرْمُزَ: "أنَّ نَجْدةَ الْحَرُورِيَّ حِينَ حَجَّ
===
العجلي، بكسر مهملة وسكون جيم، نسبة إلى عِجْل بن لُجَيْم (١)، أبو عبد الله الكوفي، نزيل بغداد، قال أحمد: لا أعرفه، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن عدي: يسرق الحديث، وأحاديثه لا يتابع عليها، وقال الأزدي: ضعيف جدًّا، يتكلمون في حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، وفي "التقريب": لم يثبت أن أبا داود روى عنه.
(نا وكيع، عن الحسن بن صالح، عن السدي) الكبير، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة (في ذي القُربى) الواقع في الأنفال في مصارف الخمس (قال) أي السدي: (هم بنو عبد المطلب) هكذا في جميع النسخ الموجودة من القلمية المكتوبة والنسخ المطبوعة، وكذا في نسخة "العون" (٢)، ولكن في النسخة المصرية: "هم بنو المطلب" أي لا بنو نوفل وبنو عبد شمس.
وأما على ما في النسخ من قوله: "بنو عبد المطلب" إن كان محفوظًا فليس المراد حصرهم فيهم، بل المقصود أنهم من ذوي القربى، كما أن من بني هاشم غيرهم وبني المطلب من ذوي القربى، والفرق بين بني المطلب وبين بني عبد المطلب ظاهر غير خفي.
٢٩٨٢ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة، أنا يونس، عن ابن شهاب قال: أنا يزيد بن هُرْمُز: أَنَّ نَجْد (٣) الحروريَّ) أي رئيس الخوارج (حين حَجَّ
стр. 6168
فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ سَهْم ذِي الْقُرْبَى، وَيَقُولُ (١): لِمَنْ تَرَاهُ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِقُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَسَمَهُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ عَرَضَ (٢) عَلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ عَرْضًا رَأَيْنَاهُ دُونَ حَقِّنَا، فَرَدَدْنَاهُ عَلَيْهِ وَأَبَيْنَا أَنْ نَقْبَلَهُ". [ن ٤١٣٣، ت ١٥٥٦، م ١٨١٢، حم ١/ ٢٤٨]
===
في) زمن (فتنةِ ابنِ الزبير أَرْسَلَ) أحدًا (إلى ابن عباس يَسْألُه) أي يسأل نَجْدَةُ ابنَ عباسٍ (عن سَهْمِ ذي القُرْبى) لأنه كثر فيه الأقوال والاختلاف (ويقول) أي نجدة: (لمن تراه؟ ) أي سهم ذوي القربى في رأيك لمن يعطاه؟
(قال ابن عباس: لِقُرْبَى رسولِ الله ﷺ ، قسمه لهم رسولُ الله ﷺ ) ولكن لم يعلم أنه ﷺ قسم لهم لقرابتهم أو لفقرهم وحاجتهم (وقد كان عمر عَرَضَ علينا من ذلك) أي حَظَّنا من الخُمُسِ (عَرْضًا رأيناه دون حقِّنا (٣)، فردَدْناه عليه وأبينا أن نقبلَه).
ولعل هذا مبني على أن عمر رآهم مصارف، وظنَّ ابنُ عباس أنهم أهل استحقاق فيه، أفترى بعمر ينقص حقهم أولًا ثم إذا نقص فردوه، أَفَيُظَنّ به أنه يحرمهم منه أصلًا، فلم يكن إلا أنه رآهم مصارف، ورأى استغناءهم عنه فلم يرده عليهم ثانيًا، وقد صرح علي ﵁ بالمراد حيث قال: "بنا عَنْهُ العامَ غِنًى"، فعلم أن المدار هو الاحتياج إلَّا أن ابن عباس خالفهم، ولا يضرنا خلافه فيما أجمعت عليه الخلفاء الراشدون بأسرهم، ولم ينقل عن
стр. 6169
٢٩٨٣ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ (١) الرَّازِيُّ، عن مُطَرِّفٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: "وَلَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُمُسَ الْخُمُس، فَوَضَعْتُهُ مَوَاضِعَهُ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَيَاةَ أَبِي بَكْرٍ وَحَيَاةَ عُمَرَ، فَأُتِيَ بِمَالٍ فَدَعَانِي فَقَالَ: خُذْهُ، فَقُلْتُ: لَا أُرِيدُهُ، فَقَالَ (٢): خُذْهُ فَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِهِ، قُلْتُ: قَدْ اسْتَغْنينَا عَنْهُ، فَجَعَلَهُ في بَيْتِ الْمَالِ". [ق ٦/ ٣٤٣]
===
أحد من الصحابة أنه خالفهم، أو أنكر عليهم صنيعهم، فعلم بذلك أن عمر - رضي الله تعالى عنه - لا يعطي ذوي القربى من الخمس بطريق الاستحقاق، وإنما يعطيهم لحاجتهم.
٢٩٨٣ - (حدثنا عباس بن عبد العظيم، نا يحيى بن أبي بكير، نا أبو جعفر الرازي، عن مطرف، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت عليًّا يقول: وَلَّاني رسولُ الله ﷺ خُمُس الْخُمُسِ، فوضعتُه مواضعه) أي قسمتُه في مصارفه (حياةَ رسول الله ﷺ وحياة أبي بكر وحياة عمر، فَأُتِيَ بمال) أي في آخر عمره (فدعاني، فقال: خذه) واقسمه بين مصارفه (فقلت: لا أريده) أي أن أتولّى أَمْرَ القسمةِ (فقال: خذه فأنتم أَحَقُّ به، قلت: قد استغنينا عنه، فجعله) أي الخمس (في بيت المال).
وهذا الحديث بظاهره يخالف ما تقدم من حديث جبير بن مطعم: "وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله ﷺ ، غير أنه لم يكن يعطي قُربى رسول الله ﷺ ، وكان عمر يعطيهم ومن كان بعده".
قال ابن الهمام (٣): قال الحافظ المنذري (٤): في حديث جبير بن مطعم
стр. 6170
٢٩٨٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا ابْنُ نُمَيْرٍ، نَا هَاشَمُ بْنُ الْبَرِيدِ، نَا حُسَيْنُ بْنُ مَيْمُونٍ،
===
أن أبا بكر لم يقسمْ لذوي القربى، وفي حديث علي أنه قسم لهم، وحديث جبير صحيح، وحديث علي لا يصح.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: "خذوه فأنتم أَحَقُّ به" إنما كان المراد بذلك أنتم أحَقُّ به من غيرِكم إذا احتجتم إليه لا مطلقًا، إذ لو كان لهم الأحقية استغناءً وفقرًا لم يكن يجوز لعلي - رضي الله تعالى عنه - أن يَرُدّه عن قومه أجمعين، إذا كان الاختيار له في ردِّه عن نفسه أو عن أهل بيته، مع أنه كيف ساغ لعمر - رضي الله تعالى عنه - أن يضعه في بيت المال لإنكار عليًّ عن أخذه، أفلم يكن تعلق به استحقاق جميع بني هاشم وبني المطلب؟
فهذا ظاهر في أن عليًّا لما كان زعيم قومه وكفيلهم في أمورهم، وكان يقسمه هو لهم بنفسه، فكان أعلم بأحوالهم من عمر، فلمّا عرضه عمر عليه ليقسمه وبَيَّن له أنكم أَحَقُّ به, لأنكم أولى من الغير إذا احتاج واحتجتم، ثم ردّه عليه عليٌّ وبَيَّنَ أن لهم غنية منه العامَ، وَضَعه في بيت المال، أفترى أحقيتهم سقطت بإنكار عليًّ، ولا يمكن سقوطها إلَّا إذا أديرت الأحقية على الاحتياج، وأما إذا أخذت أحقيتهم به مطلقًا فلا يمكن بعده توجيه فعل عمر ولا علي ﵄.
٢٩٨٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن نمير، نا هاشم بن البريد) بفتح الموحدة وكسر الراء بعدها تحتانية، أبو علي الكوفي، عن أحمد: لا بأس به، وعن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: كوفي ثقة إلَّا أنه يترفض، وقال الجوزجاني: كان غاليًا في سوء مذهبه، وقال الدارقطني: مأمون، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(نا حسين بن ميمون) الخِنْدِفي بكسر الخاء المعجمة وسكون النون بعدها دال مهملة مكسورة ثم فاء، قال ابن المديني: ليس بمعروف قلّ من روى عنه،
стр. 6171
عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: "اجْتَمَعْتُ أَنَا وَالْعَبَّاسُ وَفَاطِمَةُ وَزيدُ بْنُ حَارِثَةَ عِنْدَ النَّبِي ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُوَلِّيَنِي حَقَّنَا مِنْ هَذَا الْخُمُسِ فِي كِتَاب اللَّهِ فَأَقْسِمَهُ (١) حَيَاتَكَ كَيْلَا يُنَازِعُنِي أَحَدٌ بَعْدَكَ، فَافْعَلْ، قَاَلَ: فَفَعَلَ ذَلِكَ.
قَالَ: فَقَسَمْتُهُ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ وَلَّانِيهِ (٢) أَبُو بَكْرٍ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ آخِرُ سَنَةٍ مِنْ سِنِي (٣) عُمَرَ فَإِنَّهُ أَتَاهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَعَزَلَ حَقَّنَا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: بِنَا عَنْهُ الْعَامَ غِنًى، وَبِالْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ
===
وقال أبو زرعة: شيخ، وقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث، يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، قلت: وقال البخاري: لا يتابع عليه، ذكر ذلك في التاريخ" (٤)، وذكره في "الضعفاء".
(عن عبد الله بن عبد الله) الرازي، قاضي الرَّي، (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت عليًّا يقول: اجتمعتُ أنا والعباسُ وفاطمةُ وزيدُ بنُ حارثة عند النبيِّ ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إن رأيتَ أن تُوَلِّيَنِي حقَّنا من هذا الخُمُس في كتاب الله فأقسمه) بصيغة المتكلم (حياتَك) أي في حياتك (كيلا ينازعني أحد بعدك فافعَلْ، قال) أي علي: (فَفَعَلَ) أي رسول الله ﷺ (ذلك) أي ولاني قسمةَ الخُمُس بين مستحقيه.
(قال) أي علي: (فقسمتُه حياةَ رسول الله ﷺ ، ثم ولّانيه أبو بكر) فقسمتُه كذلك (حتى إذا كانت آخر سنة من سِنِيْ عمر فإنه أتاه مال كثير، فَعَزَلَ حقَّنا، ثُمَّ أَرْسلَ إليَّ) أي دعاني للقسمة (فقلت: بنا عَنْهُ العامَ غِنًى، وبالمسلمين إليه
стр. 6172
حَاجَةٌ، فَارْدُدْهُ عَلَيْهِمْ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ لَمْ يَدْعُنِي إِلَيْهِ أَحَدٌ بَعْدَ عُمَرَ.
فَلَقِيتُ الْعَبَّاسَ بَعْدَ مَا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ! حَرَّمْتَنَا الْغَدَاةَ شَيْئًا لَا يُرَدُّ عَلَيْنَا أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا دَاهِيًا". [ق ٦/ ٣٤٣، ش ٣٣٤٤٩]
٢٩٨٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَنْبَسَةُ، نَا يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ الْهَاشِمِيُّ، أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ
===
حاجةٌ، فَارْدُدْه عليهم، فردّه عليهم، ثم لم يَدْعُني إليه أحدٌ بعد عمر، فلقيت العباس بعد ما خرجتُ من عند عمر) فذكرت له القصة (فقال) أي العباس: (يا علي حَرَّمْتَنَا الغداةَ) أي جعلتنا اليوم محرومين (شيئًا لا يُرَدُّ علينا أبدًا، وكان رجلًا داهِيًا) أي فطنًا ذا رأي في الأمور.
قال في "نصب الراية" (١): قال المنذري: وحسين بن ميمون، قال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه وليس بالقوي، وقال ابن عدي، ليس بمعروف، وذكر له البخاري في "تاريخه" (٢) هذا الحديث، وقال: لم يتابع عليه، قال المنذري (٣): وفي حديث جبير بن مطعم أن أبا بكر لم يقسم لذوي القربى، وفي حديث علي أنه قسم لهم، وحديث جبير صحيح، وحديث علي لا يصح.
٢٩٨٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة، نا يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب) بن هاشم، صحابي سكن الشام، وقال أبو القاسم الطبراني: الصواب في اسمه المطلب (أخبره أن أباه
стр. 6173
رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ وَعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِب قَالَا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْن رَبِيعَةَ وَللْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: ائْتِيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُولَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَلَغْنَا مِنَ السِّنِّ مَا تَرَى وَأَحْبَبْنَا أَنْ نَتَزَوَّجَ، وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوْصَلُهُمْ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَبَوَيْنَا مَا يُصْدِقَانِ عَنَّا، فَاسْتَعْمِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى الصَّدَقَاتِ، فَلْنُؤَدِّ إِلَيْكَ مَا يُؤَدِّي الْعُمَّالُ، وَلْنُصِبْ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ مَرْفَقٍ.
قَالَ: فَأَتَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَنَحْنُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَقَالَ لَنَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لا وَاللَّهِ (١) لَا يَسْتَعْمِلُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ رَبِيعَةُ: هَذَا مِنْ أَمْرِكَ،
===
ربيعة بن الحارث) بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، ابن عم النبي ﷺ (وعباس بن عبد المطلب قالا) أي ربيعة بن الحارث وعباس بن عبد المطلب العبد المطلب بن ربيعة وللفضل بن عباس: ائتيا رسولَ الله ﷺ فقولا له: يا رسول الله، قد بَلَغْنا من السنِّ ما ترى) أي بَلَغْنا مبلغَ الرجال وبَلَغْنا النكاح (وَأَحْبَبْنَا أن نتزوَّج، وأنت يا رسول الله أبرُّ الناس وأوصلُهم) أي للرحم (وليس عند أبوَيْنا ما يُصْدِقان عَنّا) أي يؤديان المهر عَنّا إذا تزوَّجْنا (فاستَعْمِلْنا) أي اجعلنا عاملين (يا رسولَ الله على الصدقاتِ، فَلْنُوءَدِّ إليك) أي من مالِ الصدقات مثل (ما يُوءَدِّي العُمَّالُ) أي إليك (وَلْنُصِبْ) أي نحصل (ما كان فيها) أي في الصدقات (من مَرْفَقٍ) وهي العُمالة.
(قال) أي عبد المطلب بن ربيعة: (فأتى إلينا عليُّ بنُ أبي طالب ونحن) الواو للحال (على تلك الحال) أي يتكلم أَبوَانَا في أمرنا (فقال) أي عليٌّ (لنا: إن رسولَ الله ﷺ لا) أي لا تفعلوا (والله لا يَسْتَعْمِلُ) أي لا يجعل عاملًا (أحدًا منكم على الصدقة، فقال له ربيعة: هذا من أمرك) يحتمل أن يكون بتقدير حرف
стр. 6174
قَدْ نِلْتَ صِهْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ نَحْسُدْكَ عَلَيْهِ، فَأَلْقَى عَلِيٌّ رِدَاءَهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنَا أَبُو حَسَنٍ (١) الْقَرْمُ، وَاللَّهِ لَا أَرِيمُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْكُمَا ابْنَاكُمَا (٢) بِحَوْرٍ (٣) مَا بَعَثْتُمَا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَالْفَضْلُ حَتَّى نُوَافِقَ صَلَاةَ الظُّهْرِ قَدْ قَامَتْ، فَصلَّيْنَا مَعَ النَّاسِ، ثُمَّ أَسْرَعْتُ أَنَا وَالْفَضْلُ إِلَى بَابِ حُجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وهُوَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ زينَبَ بنْتِ جَحْشٍ، فَقُمْنَا بِالْبَاب (٤) حَتَّى أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي وَأُذُنِ الْفَضْلِ
===
الاستفهام للإنكار، ويحتمل التحقيق، أي هذا من حسدك، كما يؤيده حديث الطبراني (٥)، ويؤيده لفظ "مسلم": "فقال: والله ما تَصْنَعُ هذا إلَّا نَفَاسَةً منك علينا" (قَدْ نِلْتَ صِهْرَ رسولِ الله ﷺ ) أي صِرتَ خَتَنَه (فلم نَحْسُدْك عليه، فَأَلْقَى عليٌّ رداءَه، ثم اضطجعَ عليه، فقال) أي عليٌّ: (أنا أبو حَسَنٍ القَرْمُ) وهو في الأصل فحل الإبل، ومنه قيل للرئيس: قرم، والمراد أنه مقدم في الرأي، والمعرفة، وتجارب الأمور، فهو فيهم بمنزلة القَرْم من الإبل (والله لا أَرِيْمُ) أي لا أبرحُ من هذا المحل (حتى يَرْجِعَ إليكُما ابناكما بِحَوْرٍ) أي بجواب (ما بَعَثْتُما به إلى النبي ﷺ ) لئلا تظنوا بي أني تكلمت في أمركما رسولَ الله ﷺ على خلاف ما بعثتما.
(قال عبد المطلب: فانطلقت أنا والفضل حتى نُوافِقَ) أي وافقنا رسولَ الله ﷺ (صلاةَ الظهر قد قامت، فَصَلَّيْنَا مع الناس، ثم أسرعتُ أنا والفضل إلى باب حُجْرَةِ النبيِّ ﷺ ، وهو يومئذ عند زينب بنت جحش) أي يوم نَوْبتها (فقمنا بالباب حتى أتَى رسولُ الله ﷺ ، فَأَخَذَ بأُذُني وأُذُن الْفَضْلِ) أي شفقةً ورحمةً.
стр. 6175
ثُمَّ قَالَ: "أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ"، ثُمَّ دَخَلَ فَأَذِنَ لِي وَللْفَضْلِ فَدَخَلْنَا فَتَوَاكَلْنَا الْكَلَامَ قَلِيلًا، ثمَّ كَلَّمْتُهُ أَو كَلَّمَهُ الْفَضْلُ - قَدْ شَكَّ في ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ -، قَالَ: كَلَّمَهُ بِالَّذِي أَمَرَنَا بِهِ أَبَوَانَا.
فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً وَرَفَعَ بَصَرَهُ قِبَلَ سَقْفِ الْبَيْتِ حَتَّى طَالَ عَلَيْنَا أَنَّهُ لَا يُرْجِعُ إِلَيْنَا شَيْئًا، حَتَّى رَأَيْنَا زينَبَ تُلَمِّعُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَاب بِيَدِهَا، تُرِيدُ أَنْ لَا تَعْجَلَا (١) وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ في أَمْرِنَا، ثُمَّ خَفَّضَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ، فَقَالَ لَنَا: "إِنَّ هَذ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لآلِ مُحَمَّدٍ،
===
(ثم قال: أَخْرِجَا ما تُصَرِّرَانِ) أي أظْهِرَا ما تجمعان وتكتمان في صدورِكما (ثمَّ دَخَلَ) أي الحجرة (فَأَذِنَ لي وللْفَضْلِ) أي بالدخول (فَدَخَلْنا) عليه (فَتَوَاكَلْنَا الكلامَ) قال في "المجمع": أي اتكل كل واحد منهما على الآخر، انتهى، أي أراد كلُّ واحد منا أن يبدأ الآخر الكلام (قليلًا) أي زمانًا قليلًا (ثم كلَّمْته أو كَلَّمه الفضلُ، قد شك في ذلك عبد الله) وهذا قول الزهري (قال) أي عبد المطلب بن ربيعة كلّمتُه أو (كلّمه) الفضل (بالذي) أي بالكلام الذي (أمرنا به أبوانا).
(فسكت رسول الله ﷺ ساعة ورفع بصرَه قِبَلَ سَقْفِ البيت حتى طال علينا) وظَنَنَّا (أنه) أي رسول الله ﷺ (لا يُرْجِعُ إلينا شيئًا) أي من الجواب (حتى رَأَيْنَا زينبَ) أم المؤمنين (تُلَمِّعُ) أي تشير (من وراء الحجاب بيدِها، تريد) أي بإشارتها (أن لا تَعْجَلَا وإن رسول الله ﷺ ) مشغول (في أمرنا، ثم خَفَّضَ رسولُ الله ﷺ رأسَه، فقال لنا: إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تَحِلُّ لمحمدٍ ولا لآل محمدٍ) والمراد لبني هاشم.
стр. 6176
ادْعُوَا (١) لِي نَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ"، فَدُعِيَ لَهُ نَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ، فَقَالَ: "يَا نَوْفَلُ، أَنْكِحْ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ" (٢)، فَأَنْكَحَنِي نَوْفَلُ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ادْعُوا لي مَحْمِيَّةَ بْنَ جَزْءٍ"، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَني زُبَيْدٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الأَخْمَاسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَحْمِيَّةَ: "أَنكِحِ الْفَضْلَ" فَأَنْكَحَهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُمْ فَأَصْدِقْ عَنْهُمَا مِنَ الْخُمُسِ كَذَا وَكَذَا" لَمْ يُسَمِّه لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ. [م ١٠٧٢، ن ٢٦٠٩، حم ٤/ ١٦٦، خزيمة ٢٣٤٢]
===
(اُدْعُوَا لي نوفلَ بنَ الحارث) بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، أُسِرَ يومَ بدر كافرًا، وفداه عمُّه العباس، وشهد فتح مكة، وحنينًا، والطائف (فَدُعِيَ له نوفلُ بن الحارث، فقال) أي رسول الله ﷺ : (يا نوفل، أنكِحْ عبدَ المطلب) أي ابنتك (فَأَنْكَحَنِي نوفل، ثم قال النبي ﷺ : اُدْعُوا لي مَحْمِيِّةَ بنَ جَزْء) بن عبد يغوث الزبيدي، وكان صحابيًّا قديم الإِسلام (وهو رجل من بني زبيد) بضم الزاي وفتح الباء المنقوطة بواحدة بعدها ياء معجمة بنقطتين من تحتها وفي آخرها دال مهملة، وفي رواية لمسلم: "وهو رجل من بني أسد"، قال النووي (٣): قال القاضي: كذا وقع، والمحفوظ أنه من بني زبيد لا من بني أسدٍ.
(كان رسول الله ﷺ استعمله على الأخماس، فقال رسول الله ﷺ لمحميَّةَ: أَنْكِحِ الفضلَ) أي ابنتك (فَأَنْكَحَه، ثم قال رسول الله ﷺ ) لمحميَّةَ: (قُمْ فَأَصْدِقْ) أي أَعْطِ الصداقَ (عنهما) أي عن عبد المطلب بن ربيعة والفضل بن عباس زوجتيهما (من الخُمُس كذا وكذا) قال الزهري: (لم يُسَمِّه) أي الصداق (لي عبدُ الله بن الحارث).
стр. 6177
٢٩٨٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَنْبَسَةُ بْنُ خَالِدٍ، نَا يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَني عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيًّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبي طَالِبٍ قَالَ: "كَانَ (١) لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الْخُمُسِ يَوْمَئِذٍ،
===
٢٩٨٦ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة بن خالد، نا يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عليُّ بنُ حسين) زين العابدين، (أن حسين بن علي) بن أبي طالب، (أخبره أن عليَّ بنَ أبي طالب قال: كان لي شَارِفٌ) أي ناقةٌ مُسِنَةٌ (من نصيبي من المغنم يوم بَدْرٍ، وكان رسولُ الله ﷺ أعطاني شارفًا) أي ناقةً مُسِنَّةً (من الْخُمُسِ يومئذٍ) أي يوم بدرٍ.
قال الحافظ (٢): قال ابن بطال: ظاهره أن الخمس شرع يوم بدر، ولم يختلف أهل السير أن الخمس لم يكن (٣) يوم بدر، وقد ذكر إسماعيل القاضي في غزوة بني قريظة قال: قيل: إنه أول يوم فرض فيه الخمس، قال: وقيل: نزل بعد ذلك، قال: ولم يأت ما فيه بيانٌ شافٍ، وإنما جاء صريحًا في غنائم حنين، قال ابن بطال: وإذا كان كذلك فيحتاج قول علي ﵁ إلى تأويل، ثم حكى الحافظ تأويله، ثم ردَّ ذلك التأويل.
ثم قال: إن الأنفال التي فيها التصريح بفرض الخمس نزل غالبها (٤) في قصة بدر، وقد جزم الداودي الشارح بأن آية الخمس نزلت يوم بدر، وقال السبكي: نزلت الأنفال في بدر وغنائمها.
стр. 6178
فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِي بفَاطِمَةَ بِنْتِ (١) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنَأْتِي بِإِذْخِرَ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ فَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرْسِي.
فَبَيْنَا أنَا أَجْمَعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعًا مِنَ الأَقْتَابِ وَالْغَرَائِرِ وَالْحِبَالِ، وَشَارِفَايَ مُنَاخَانِ
===
(فلما أَرَدْتُ أَن أَبْتَنِي بفاطمةَ بنتِ رسولِ الله ﷺ ) أي أدخل بها، والبناء الدخول بالزوجة، وأصله أنهم كانوا من أراد ذلك بُنيتْ له قبة فخلا فيها بأهله.
واختلف في وقت دخول علي بفاطمة، وهذا الحديث يشعر بأنه كان عقب وقعة بدر، ولعله كان في شوال سنة اثنتين، فإن وقعة بدر كان في رمضان منها، وقيل: تزوجها في السنة الأولى، ونقل ابن الجوزي أنه كان في صفر سنة اثنتين، وقيل: في رجب، وقيل: في ذي الحجة، وقيل: تأخر دخوله بها إلى سنة ثلاث، وفيه بُعد.
(وَاعَدْتُ رجلًا صَوّاغًا) قال الحافظ (٢): لم أقف على اسمه (من بني قينقاع) قبيلة من اليهود (أن يرتحلَ معي فَنَأْتِيَ بِإِذْخِرَ، أردت أن أبيعَه من الصوّاغين فأستعين به) أي بما يَحْصَلُ من بيع الإذخر (في وليمة عرسي) بكسر العين المهملة وسكون الراء، أي في وليمة زوجتي، أو بالضم وبضمتين وهو النكاح، قال في القاموس: والعِرس بالكسر: امرأة الرجل، وبالضم وبضمتين: النكاح.
(فبينا أنا أجمع لشارفَيَّ) بفتح الفاء، صيغة التثنية، مضافة إلى ياء المتكلم (متاعًا من الأقتاب) جمع قتب، وهو الرحل الصغير, وهو للجمل كالإكاف لغيره (والغرائر) جمع غِرارة بكسر غين معجمة ورائين، وهي الجوالق للتبن وغيره (والحبال) بكسر الحاء المهملة جمع حبل (وشَارِفايَ مناخان) وفي رواية
стр. 6179
إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصارِ، أَقْبَلْتُ حِينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ، فَإِذَا بِشَارِفَيَّ قَدِ اجْتُبَّتْ أَسْنِمَتُهُمَا، وَبُقِرَتْ خَوَاصِرُهُمَا، وَأُخِذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا، فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ حِينَ رَأَيْتُ ذَلِكَ الْمَنْظَرَ، فَقُلْتُ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ قَالُوا: فَعَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ في شَرْبٍ مِنَ الأَنْصَارِ، غَنَّتْهُ قَيْنَةٌ وَأَصْحَابَهُ، فَقَالَتْ فِي غِنَائِهَا:
أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ (١) النِّواء
===
الأكثر: مناختان، فالتذكير باعتبار لفظ الشارف، والتأنيث باعتبار كونهما ناقتين (إلى جنب حجرة رجل من الأنصار) لم أقف على اسمه.
(أَقْبَلْتُ حين جَمَعْتُ ما جَمَعْتُ) أي من الأقتاب والغرائر والحبال (فإذا) أي فإذا أنا ملاقٍ (بشَارِفيَّ قد اجْتُبَّتْ) أي قطعت (أسنمتُهما) جمع سِنام (وبُقِرَتْ) أي شقّت (خواصرُهما) جمع خاصرة (وأُخِذ من أكبادِهما، فلم أملك عَيْنَيَّ حين رأيتُ ذلك المنظر) أي رأيت منظرًا أفزعني، فجرى دمعي وبكيت، وإنما غلبه البكاء لظنه تأخّر الابتناء بزوجته بسبب فوات ما يستعان به عليه، أو لخشية أن ينسب في حقها التقصير، لا لمجرد فوات الناقتين من حيث أنهما من متاع.
(فقلت: من فعل هذا؟ قالوا: فَعَلَه حمزةُ بنُ عبد المطلب، وهو) أي حمزة (في هذا البيت في شَرْبٍ) أي جماعة شاربي الخمر (من الأنصار) وهي إذ ذاك لم تحرم (غَنَّتْهُ قَيْنَةٌ) أي أمة مغنية (وأصحابَه) عطف على الضمير المنصوب (فقالت في غنائها):
(أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ).
حمز مُرَخَّم حمزة، والشُّرُف بضمتين جمع شارف، وهي المسنة من النوق، والنوَاء بالكسر والمد: السِّمَان، جمع ناوية، وتمامه: "وَهُنَّ مُعَقَّلاتٌ
стр. 6180
فَوَثَبَ إِلَى السَّيْفِ فَاجْتَبَّ (١) أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، فَأَخَذَ (٢) مِنْ أَكْبَادِهِمَا.
قَالَ عَلِيٌّ: فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ زيدُ بْنُ حَارِثَةَ (٣)، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الَّذِي لَقِيتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا لَكَ؟ "، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْتُ
===
بِالْفَنَاءِ" (٤)، حكى المرزباني في "معجم الشعراء" (٥) أن هذا الشعر لعبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزومي المدني، وبقيته:
ضع السكين في اللَّبَّات منها ... وضَرِّجْهُنَّ حمزةُ بالدماء
وعَجِّلْ من أطايبها لشَرْبٍ ... قديدًا من طبيخ أو شواء
(فوثب) أي قام حمزة مسرعًا (إلي السيف فَاجْتَبَّ) أي قطع (أَسْنِمَتَهُمَا وبَقَرَ) أي شَق (خواصرَهُما، فأخذ من أكبادِهما) ولعله ذبحهما أولًا، ثم فعل ما فعل.
قال الحافظ (٦): وفي الحديث حل تذكية الغاصب؛ لأن الظاهر أنه ما بَقَر خواصرَهما وجبّ أسنمتهما إلَّا بعد التذكية المعتبرة، ويمكن أن يكون فعله هذا في غلبة السكر، ولم يثبت في حديث أنهم أكلوا ذلك، ولو أكلوا فيمكن أن يكون أكلهم في حالة السكر.
(قال علي: فانطلقتُ حتى أدخلَ) أي دخلتُ (على رسولِ الله ﷺ وعنده زيدُ بنُ حارثة، فعرف رسول الله ﷺ الذي لقيتُ) مما عدا حمزة على ناقَتَيَّ (فقال رسولُ الله ﷺ : ما لك؟ قال) علي: (فقلتُ: يا رسولَ الله، ما رأيتُ
стр. 6181
كَالْيَوْمِ، عَدَا حَمْزَةُ عَلَى نَاقَتَيَّ، فَاجْتَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، وَهَا هُوَ ذَا فِي بَيْتِ وَمَعَهُ شَرْبٌ.
فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ برِدَائِهِ فَارْتَدَاهُ (١)، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَتَّى جَاءَ (٢) الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ، فَاسْتَأذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَإِذَا هُمْ شَرْبٌ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يلُومُ حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَ، فَإِذَا حَمْزَةُ ثَمِلٌ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ، فَنَظَرَ حَمْزَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى رُكْبَتَيْهِ (٣)، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى سُرَّتِهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ: وَهَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لأَبِي؟
===
كاليومِ) في الشدة عليَّ (عدا حمزةُ على ناقَتَيَّ، فاجْتَبَّ أسنِمَتَهما، وبَقَرَ خواصرَهما، وها) حرف تنبيه (هو ذا في بيت ومعه شَرْبٌ).
(فدعا رسولُ الله ﷺ بردائه فارتداه، ثم انطلق يمشي واتبعتُه أنا وزيدُ بنُ حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن فَأُذِنَ له، فإذا هم شَرْبٌ، فطفق) أي شرع (رسول الله ﷺ يَلُوْمُ حمزةَ فِيما فَعَلَ) وفي رواية ابن جريج: "فدخل على حمزة فتغيظ عليه" (فإذا حمزة ثَمِلٌ) أي سكران، قال في "القاموس": الثَّمَلُ محركةً: السكر، ثَمِلَ كَفَرِحَ فهو ثَمِلٌ (مُحْمَرَّةٌ عيناه) من شدة السكر.
(فنظر حمزة إلى رسول الله ﷺ ) أي إلى رجليه (ثم صَعَّدَ) أي رفع (النظرَ فنظر إلى ركبتيه، ثم صَعَّد النظرَ فَنَظَرَ إلى سرته، ثم صَعَّدَ النظرَ فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ ) قيل: أراد (٤) أن أباه عبد المطلب جد
стр. 6182
فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ ثَمِلَ (١) فَنَكَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَقِبَيْهِ (٢) الْقَهْقَرَى، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا (٣) مَعَهُ". [خ ٣٠٩١، م ١٩٧٩]
٢٩٨٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ عُقْبَةَ الْحَضْرَمِيُّ، عن الْفَضْلِ بْنِ الْحَسَنِ الضَّمْرِيِّ، أَنَّ أُمَّ الْحَكَمِ أَوْ ضُبَاعَةَ ابْنَتَي الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
===
النبي ﷺ ولعليٍّ أيضًا، والجد يُدعى سيدًا، وحاصله أن حمزة أراد الافتخار عليهم بأنه أقرب إلى عبد المطلب منهم.
(فعرف رسول الله ﷺ أنه ثَمِلَ فَنَكَصَ رسولُ الله ﷺ على عَقِبَيْه القَهْقَرَى) خشية أن يزداد غضبه فينتقل من القول إلى الفعل، قال الحافظ (٤): روى ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش أن النبي ﷺ أغرم حمزة ثمن الناقتين (فَخَرَجَ وخَرَجْنَا معه).
٢٩٨٧ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، حدثني عياش بن عقبة) بن كليب (الحضرمي) أبو عقبة المصري، يقال: إنه عم عبد الله بن لهيعة، قال الدارقطني: والمصريون ينكرون ذلك، قال النسائي والدارقطني: ليس به بأس، وقال النسائي في موضع آخر: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن الفضل بن الحسن) بن عمرو بن أمية (الضمري) المدني، نزيل مصر، ذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الذكر بعد الصلاة، قلت: قال العجلي: مصري تابعي ثقة.
(أن أم الحكم أو) للشك من الراوي (ضباعة ابنتي الزبير بن عبد المطلب) قال في "التقريب": أم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب الهاشمية، ويقال:
стр. 6183
حَدَّثَتْهُ (١) عَنْ إِحْدَاهُمَا أَنَّهَا قَالَتْ: أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبْيًا، فَذَهَبْتُ أَنَا وَأُخْتِي وَفَاطِمَةُ بِنْتُ (٢) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَسَأَلْنَاهُ أَنْ يَأَمُرَ لَنَا بِشَيْءٍ مِنَ السَّبْيِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَبَقَكُنَّ يَتَامَى بَدْرٍ،
===
أم حكيم، يقال: اسمها صفية، وقيل: هي عاتكة، وقيل: هي ضباعة المتقدمة، صحابية لها حديث، وضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب الهاشمية بنت عم النبي ﷺ لها صحبة، فأم الحكم على القولين الأولين هي أخت ضباعة، فالاختلاف على هذين القولين اختلاف وشك في أن راوية الحديث أم الحكم أو ضباعة، وإليه يشير قول المصنف: "ابنتي الزبير" بصيغة التثنية، وأما على القول الثالث بأن تكون أم الحكم هي ضباعة فليس الشك إلَّا في اسمها.
(حدثته عن إحداهما) فما قال صاحب "العون" (٣) في شرح قوله: "أن أم الحكم أو ضباعة إلى آخره": شك من الراوي في أن أم الحكم بنت الزبير حدثت الفضلَ بنَ الحسن، عن ضباعة بنت الزبير أو أن ضباعة حدثته عن أم الحكم، غلطٌ محضٌ، فإن إحداهما ليس لها رواية عن الأخرى، ولا يثبت في موضع أن إحداهما روت عن الأخرى.
(أنها قالت: أصاب رسول الله ﷺ سَبْيًا، فذهبت أنا وأختي) لم أقف على تعيينها (وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فشكونا إليه ما نحن فيه) من المحن والمشاقِّ في خدمة البيت (وسألناه أن يأمر لنا بشيء من السَّبْي) ليَكْفِيْنا المؤنة (فقال رسول الله ﷺ سبقكُنَّ يتامى بدرٍ) وهذا إما باعتبار الاستحقاق بأنّ استحقاقَ يتامى بدر سبقكُنّ فيعطون، أو باعتبار الإعطاء بأن يتامى بدر أعطوا قبلكن، فلم يبق لكُنَّ من السبي ما تعطين.
стр. 6184
وَلَكِنْ سَأَدُلُّكُنَّ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُنَّ مِنْ ذَلِكَ: تُكَبِّرْنَ اللَّه عَلَى إِثْرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَكْبيرَةً، وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَحْمِيدَةً، وَلَا إِلهَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ".
قَالَ عَيَّاشٌ: وَهُمَا ابْنَتَا عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ .
٢٩٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، عن سَعِيدٍ - يَعْنِي الْجُرَيرِيَّ -، عن أَبِي الْوَرْدِ،
===
(ولكن سأدلّكنّ على ما هو خير لكنّ من ذلك) أي من النبي (تُكَبِّرْنَ الله على إثر) بكسر فسكون، ويجوز فتحها، أي عقب (كل صلاة ثلاثًا وثلاثين تكبيرة، وثلاثًا وثلاثين تسبيحة، وثلاثًا وثلاثين تحميدة، ولا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) (١) مرة واحدة.
(قال عياش) بن عقبة: (وهما) أي أم الحكم وضباعة (ابنتا عم النبي ﷺ ) لأنهما بنتا الزبير بن عبد المطلب، ورسول الله ﷺ ابن عبد الله بن عبد المطلب.
٢٩٨٨ - (حدثنا يحيى بن خلف، نا عبد الأعلى، عن سعيد - يعني الجريري -، عن أبي الوَرْد) بن ثمامة بن حزن، القشيري البصري، روى عنه أبو مسعود سعيد بن إياس الجريري، قال الدارقطني: ما حدث عنه غيره كذا قال، وقد حدث عنه أيضًا شداد بن سعيد أبو طلحة الراسبي، وقال ابن سعد: وكان معروفًا قليل الحديث، قلت: وقد تقدم في ترجمة أبي محمد الحضرمي ما يدل على أن أبا الورد روى عنه راوٍ يسمى عبد الله بن ربيعة
стр. 6185
عن ابْنِ أَعْبُدَ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: أَلَا أُحَدِّثُكَ عَنِّي وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ (١) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَتْ
===
أو عبد ربه بن ربيعة، لكن قال فيه: عن أبي الورد بن أبي بردة، وهو وهم، فإن الحديث واحد.
(عن ابن أَعْبُدَ) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا بالعين المهملة والباء الموحدة، وقال ابن الأثير في "جامع الأصول" (٢): هكذا جاء في حديث علي ﵁ في "كتاب الصحبة"؛ قال له: "ألا أحدثك عني وعن فاطمة بنت رسول الله ﷺ " أَعْبُد بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وضم الباء الموحدة.
وقال في "الخلاصة" (٣): علي بن أغيد - بإسكان المعجمة وفتح التحتانية - عن علي، وعنه ثمامة أبو الورد.
وقال في "الميزان" (٤): ابن أعبد عن علي ﵁ قال ابن المديني: لا يعرف، قلت: اسمه علي بن التيمة الليثي (٥)، روى له أبو داود والنسائي في مسند علي هذا الحديث ولم يسمياه.
قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٦): قلت: له حديث آخر في "مسند أحمد" في زيادة ابنه عبد الله في شكر الطعام، ولم أعرف من سماه عليًّا.
قلت: وما قال في "الخلاصة": وعنه ثمامة أبو الورد، يعلم منه أن أبا الورد اسمه ثمامة، ولم أَرَ هذا لغيره، بل قالوا: إن اسم أبيه ثمامة، والله تعالى أعلم.
(قال: قال لي علي) ﵁: (ألا أُحَدِّثُك عني وعن فاطمة) ﵂ (بنتِ رسولِ الله ﷺ ، وكانت) أي فاطمة
стр. 6186
مِنْ أَحَبِّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ؟ قُلْتُ: بَلَى.
قَالَ: إِنَّهَا جَرَّتْ بِالرَّحَى حَتَّى أَثَّرَ فِي يَدِهَا، وَاسْتَقَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَ في نَحْرِهَا، وَكَنَسَتِ الْبَيْتَ حَتَّى اغْبَرَّتْ ثِيَابُهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ خَدَمٌ، فَقُلْتُ: لَوْ أَتَيْتِ أَبَاكِ فَسَأَلْتِهِ (١) خَادِمًا، فَأَتَتْهُ فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ حُدَّاثًا، فَرَجَعَتْ، فَأَتَاهَا مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: "مَا كَانَ (٢) حَاجَتُكِ؟ "، فَسَكَتَتْ، فَقُلْتُ: أَنَا أُحَدِّثُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَرَّتْ بِالرَّحَى حَتَّى أَثَّرَتْ (٣) فِي يَدِهَا، وَحَمَلَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَتْ فِي نَحْرِهَا، فَلَمَّا أَنْ جَاءَكَ الْخَدَمُ أَمَرْتُهَا أَنْ تَأْتِيَكَ فَتَسْتَخْدِمَكَ خَادِمًا
===
(من أحبِّ أهلِه إليه؟ ) أي إلى رسولِ الله ﷺ (قلت: بلى) أي حَدِّثْنِي.
(قال) علي: (إنها جَرَّتْ بالرَّحَى) أي أدَارَتِ الرَّحَى (حتى أَثَّر) أي الجر (في يدها، واستَقَتْ بالقِرْبَة) أي جاءت بماءٍ في القِربة حاملة لها (حتى أَثَّر في نَحرِها) أي صدرها (وكنَسَتِ البيتَ حتى اغْبَرَّتْ ثيابُها، فأتى النبيَّ ﷺ ) مفعول لأَتَى (خَدَمٌ) أي سَبْيٌ، فاعله.
(فقلت: لو أتيتِ أباكِ فسألته خادمًا فأتته، فوجدت عنده حُدَّاثًا) أي رجالًا يتحدثون فلم تكلمه حياء من الناس (فَرَجَعَتْ) إلى بيتها (فأتاها) أي رسول الله ﷺ فاطمة (من الغد، فقال) رسول الله ﷺ : (ما كان حَاجَتُكِ؟ فَسَكَتَتْ) من الحياء.
(فقلت: أنا أُحَدِّثُك يا رسول الله) بحاجتها التي ذهبت بها إليك (جَرَّتْ بالرَّحَى حتى أَثَّرَتْ في يدها، وحَمَلَتْ بالقربة حتى أَثَّرَتْ في نحرها، فلما أن جاءك الخَدَمُ أَمَرْتُها أن تَأْتِيَكَ فَتَسْتَخْدِمَك) أي تطلب منك (خادمًا) يطلق على
стр. 6187
يَقِيهَا (١) حَرَّ مَا هِي فِيهِ. قَالَ: "اتَّقِي اللَّهَ يَا فَاطِمَةُ، وَأَدِّي فَرِيضَةَ رَبِّكِ، وَاعْمَلِي عَمَلَ أَهْلِكِ، فَإِذَا (٢) أَخَذْتِ مَضْجَعَكِ، فَسَبِّحِي ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدِي ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرِي أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ مِئَةٌ فَهِيَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ خَادِمٍ"، قَالَتْ: رَضِيت عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ (٣). [خ ٦٣١٨، م ٢٧٢٧]
===
الجارية والغلام (يَقِيها) أي يحفظها (حَرَّ) أي شدة (ما هي فيه) من الكلفة في خدمة البيت.
(قال) رسول الله ﷺ : (اتَّقِي الله يا فاطمة، وأَدِّي فريضةَ ربِّك، واعمَلي عَمَلَ أهلِك، فإذا أَخَذْتِ مَضْجَعَكِ، فَسَبِّحِي ثلاثًا وثلاثين، واحْمَدِي ثلاثًا وثلاثين، وكَبِّرِي أربعًا وثلاثين، فتلك مائة فَهِيَ خيرٌ لك من خادم، قالت: رضيت عن الله وعن رسوله).
قال أبو جعفر الطحاوي (٤): ذهب قوم إلى أن ذوي قرابة رسول الله ﷺ لا سهم لهم من الخمس معلوم، ولا حظ لهم منه خلاف حظ غيرهم، وإنما جعل الله لهم ما جعل من ذلك بقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٥)، وبقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٦) بحال فقرهم وحاجتهم، فأدخلهم مع الفقراء والمساكين، فكما (٧) يخرج الفقير واليتيم والمسكين من ذلك، لخروجهم من المعنى الذي به استحقوا ما استحقوا من ذلك، فكذلك ذوو قرابة رسول الله ﷺ المضمومون معهم، إنما كانوا ضموا معهم لفقرهم، فإذا استغنوا خرجوا من ذلك.
стр. 6188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقالوا: لو كان لقرابة رسول الله ﷺ في ذلك حظ لكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ منهم، إذ كانت أقربهم إليه نسبًا، وأمسهم به رحمًا، فلم يجعل لها حظًّا في السَّبْي الذي ذكرنا, ولم يُخدِمْها منه خادمًا، ولكنه وَكَلَها إلى ذكر الله ، لأن ما تأخذ من ذلك، إنما حكمها فيه حكم المساكين فيما تأخذ من الصدقة، فرأى أن تَرْكَها ذلك والإقبالَ على ذكر الله وتسبيحه وتهليله خيرٌ لها من ذلك وأفضل.
وقد قَسَمَ أبو بكر وعمر ﵄ بعد وفاة رسولِ الله ﷺ جميع الخُمُسِ، فلم يَرَيَا لقرابة رسول الله ﷺ في ذلك حقًّا خلاف حق سائر المسلمين.
فثبت بذلك أن هذا هو الحكم عندهما، وثبت - إذ لم ينكره عليهما أحدٌ من أصحاب رسولِ الله ﷺ ولم يخالفهما فيه - أن ذلك كان رأيهم فيه أيضًا.
وإذا ثبت الإجماع في ذلك من أبي بكر وعمر ومن جميع أصحاب رسول الله ﷺ ثبت القول به، ووجب العمل به، وترك خلافه، ثم هذا علي ﵁ لما صار الأمر إليه حمل الناس على ذلك أيضًا.
وذكروا في ذلك ما قد حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا يوسف بن عدي قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن محمد بن إسحاق قال: سألت أبا جعفر فقلت: رأيت عليَّ بنَ أبي طالب حيث وَليَ العراقَ، وما ولي من أمور الناس، كيف صنع في سهم ذوي القربى؟ قال: سلك [به]- والله - سبيل أبي بكر وعمر، قلت: وكيف؟ وأنتم تقولون ما تقولون؟ قال: إنه - والله - ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه، قلت: فما منعه؟ قال: كره - والله - أن يدعى عليه خلاف أبي بكر وعمر.
فهذا علي بن أبي طالب ﵁ قد أجراه على ما كان أبو بكر وعمر ﵄ أجرياه عليه؛ لأنه رأى ذلك عدلًا، ولو كان رأيه خلاف ذلك مع علمه ودينه وفضله إِذَنْ لَرَدَّه إلى ما رأى.
стр. 6189
٢٩٨٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَلِيٍّ بْنِ حُسَيْنٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ: "وَلَمْ يُخْدِمْهَا" [انظر سابقه]
٢٩٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْقُرَشِيُّ - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ - يَعْنِي ابْنَ عِيسَى -: كُنَّا نَقُولُ إِنَّهُ مِنَ الأَبْدَالِ قَبْلَ أَنْ نَسْمَعَ أَنَّ الأَبْدَالَ مِنَ الْمَوَالِي - قَالَ: حَدَّثَنِي الدَّخِيلُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ نُوحٍ بْنِ مُجَّاعَةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ سِرَاجِ بْنِ مُجَّاعَةَ، عن أَبِيهِ،
===
٢٩٨٩ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين بهذه القصة، قال) علي بن حسين: (ولم يُخْدِمْها (١) أي ولم يُعْطِها خادمًا.
٢٩٩٠ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا عَنْبَسَةُ بنُ عبد الواحد القرشي - قال أبو جعفر يعني ابن عيسى: كنا نقول: إنه) أي عنبسة بن عبد الواحد (من الأبدال قَبْلَ أن نسمع أن الأبدال (٢) من الموالي -) فلما سمعنا أن الأبدال تكون من الموالي رَجَعْنَا من هذا القول (قال: حدثني الدَّخيل) بفتح أوله وكسر المعجمة (ابن إياس بن نوح بن مُجَّاعَة) بن مرارة الحنفي اليمامي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مستور.
(عن هلال بن سِرَاجِ بن مُجَّاعة) وهو ابن عم والد دخيل، وسِرَاج بكسر المهملة وآخره جيم، وَفَدَ على عمر بنِ عبد العزيز في خلافته، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث.
(عن أبيه) سراج بكسر أوله والتخفيف، وآخره جيم، ابن مجاعة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا.
стр. 6190
عن جَدِّهِ مُجَّاعَةَ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَطْلُبُ دِيَةَ أَخِيهِ قَتَلَتْهُ بَنُو سَدُوسٍ مِنْ بَنِي ذُهْلٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ كُنْتُ جَاعِلًا لِمُشْرِكٍ دِيَةً جَعَلْتُ (١) لأَخِيكَ، وَلَكِنْ (٢) سَأُعْطِيكَ مِنْهُ عُقْبَى"، فَكَتَبَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ مِنْ أَوَّلِ خُمُسٍ يَخْرُجُ مِنْ مُشْرِكِي بَنِي ذُهْلٍ، فَأَخَذ طَائِفَةً مِنْهَا، وَأَسْلَمَتْ بَنُو ذُهْلٍ، فَطَلَبَهَا بَعْدُ مُجَّاعَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَأَتَاهُ بِكِتَابِ
===
(عن جدِّه مُجَّاعَة) بضم أوله وتشديد الجيم، ابن مرارة بتخفيف الراء، الحنفي اليمامي، صحابي له حديث، كان رئيسًا في بني حنيفة، وكان قد أتى النبيَّ ﷺ يطلب دية أخيه، وهلالُ بنُ سراج ابنُ ابنه، وَفَدَ على عمر بن عبد العزيز بكتاب النبيِّ ﷺ ، فقبّله ومَسَحَ به وجهه.
(أَنه أَتَى النبيَّ ﷺ يَطْلُبُ دِيَةَ أخيه، قتلته بنو سَدُوسٍ من بني ذُهْلٍ) ولعله يطلب دية أخيه من بيت المال (فقال النبيُّ ﷺ : لو كنتُ جاعلًا لمشرِكٍ ديةً جَعَلْتُ لأخِيك) فلم يرض رسولُ الله ﷺ بإعطاءٍ من الدية من بيت المال؛ لأن أخاه كان مشركًا (ولكن سأُعْطِيْكَ منه) أي من أخيك (عُقْبى) أي عوضًا، ولعل هذا كان لتأليف قلبه وقومه؛ لأنه كان رئيسَ قومِه فيميلوا إلى الإِسلام، والظاهر أنه كان إذ ذاك مسلمًا.
(فَكَتَبَ له النبيُّ ﷺ بمائةٍ من الإبل من أول خُمُسٍ يَخْرُجُ من مشركي بني ذُهْلٍ) أي غزاهم المسلمون، فغنموا أموالهم، فَخَرَّج منه الخُمُسَ، فَأَعْطَاهُ منه مائةَ إبلٍ عقبى من أخيه.
(فَأَخَذَ طائفةً منها) أي من الإبل، أي غزاهم المسلمون وغنموا أموالهم، فخرج منه الخمس، فأعطاه طائفة من الإبل لم تبلغ مائة، وبقيت طائفة منها.
(وأسْلَمَتْ بنو ذُهْلٍ) فلم يتمكن المسلمون أن يأخذوا شيئًا من أموالهم (فَطَلَبَها) أي بقية الإبل (بعدُ مُجَّاعةُ إلى أبي بكر) في زمان خلافته (وأتاه بكتاب
стр. 6191
النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَتَبَ لَهُ أَبُو بَكرٍ بَاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ صَاعٍ مِنْ صَدَقَةِ الْيَمَامَةِ: أَرْبَعَةِ آلَافٍ بُرًّا (١)، وَأَرْبَعَةِ آلَافٍ شَعِيرًا (٢)، وَأَرْبَعَةِ آلَافٍ تَمْرًا (٣)، وَكَانَ فِي كِتَاب النَّبِيِّ (٤) ﷺ لِمُجَّاعَةَ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم! هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ﷺ لِمُجَّاعَةَ بْنِ مُرَارَةَ مِنْ بَنِي سُلْمَى، إِنِّي أَعْطَيْتُهُ (٥) مِائَةً مِنَ الإبِلِ مِنْ أَوَّلِ خُمُسٍ يَخْرُجُ مِنْ مُشْرِكِي بَني ذُهْلٍ، عُقْبَةً مِنْ أَخِيهِ".
(٢١) بَابُ مَا جَاءَ فِي سَهْمِ الصَّفِيِّ
===
النبيِّ ﷺ ، فكتب له أبو بكر باثْنَيْ عَشَرَ ألفِ صاعٍ من صدقة اليمامة: أربعة آلاف بُرًّا، وأربعة آلاف شعيرًا، وأربعة آلاف تمرًا) ولعله كان اثنا عشر ألف صاع وفاءَ قيمةِ طائفةٍ من الإبل التي بقيت لمجّاعة، مما كتب له رسول الله ﷺ .
(وكان في كتاب النبي ﷺ لمجاعة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا كتابٌ من محمد النبي ﷺ لمجاعة بن مرارة من بني سُلمى، إني أعطيتُه مائةً من الإبل من أول خمس يخرج من مشركي بني ذُهْلٍ عقبةً) أي عوضًا (من أخيه) الذي قتلته بَنُو سَدُوسٍ من بني ذُهْلٍ.
(٢١) (بَابُ مَا جَاءَ فِي سَهْمِ الصَّفِيِّ) (٦)
وهو شيء يختاره ويصطفيه رسول الله ﷺ من الغنيمة، والفرق بين الصفي المذكور في هذا الباب وبين ما تقدم في "باب في صفايا رسول الله ﷺ " أن هذا
стр. 6192
٢٩٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أنَا سُفْيَانُ، عن مُطَرِّفٍ، عن عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: "كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ سَهْمٌ يُدْعَى الصَّفِيَّ، إِنْ شَاءَ عَبْدًا (١)، وَإِنْ شَاءَ أَمَةً (٢)، وَإِنْ شَاءَ فَرَسًا (٣)، يَخْتَارُهُ قَبْلَ الْخُمُسِ".
٢٩٩٢ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا أَبُو عَاصِمٍ وَأَزْهَرُ
===
ما يصطفيه من الغنيمة بعد القتال، وأما الذي تقدم قبل فهو الذي أفاء الله على رسوله ﷺ ، لم يُوجِفْ عليه المسلمون بخيلٍ ولا ركابٍ، فلما كانت هذه الأموال خاصة برسول الله ﷺ سميت الصفيَّ، والله تعالى أعلم.
٢٩٩١ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن مطرف، عن عامر الشعبي قال: كان للنبي ﷺ سَهْمٌ) أي في الغنيمة (يُدْعَى الصَّفِيَّ، إن شاء عبدًا، وإن شاء أمةً، وإن شاء فرسًا) أو سيفًا (يختاره قبل الخمسِ (٤)) أي قبل إخراجه، وهذا السهم مختص بالنبي ﷺ ليس لأحد بعده من الخلفاء والأئمة.
٢٩٩٢ - (حدثنا محمد بن بشار، نا أبو عاصم وأزهر) هو أزهر بن سعد السمان، أبو بكر الباهلي البصري، قال ابن سعد: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن قانع: ثقة مأمون، وقال إسحاق بن منصور عن يحيى: ثقة، وقال العقيلي في "الضعفاء": له حديث منكر عن ابن عون، وساق له حديث فاطمة في التسبيح، وصله أزهر، وخالفه غيره فأرسله، وحكى العقيلي وأبو العرب الصقلي في "الضعفاء": أن الإِمام أحمد قال: ابن أبي عدي أحبّ إليّ من أزهر. قلت: ليس هذا بجرح يوجب إدخاله في الضعفاء.
стр. 6193
قَالَا: نَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: "سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عن سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّفِيِّ، قَالَ: كَانَ يُضْرَبُ لَهُ بِسَهْم مَعَ الْمُسْلِمِينَ وإِنْ لَمْ يَشْهَدْ، وَالصَّفِيُّ يُؤْخَذُ لَهُ رَأْسٌ مِنَ الْخُمُسِ قَبْلَ كُلِّ شَيءٍ". [ن ٤١٤٥، ق ٦/ ٣٠٤]
===
(قالا: نا ابن عون قال: سألت محمدًا) أي ابن سيرين (عن سَهْمِ النبيِّ ﷺ والصفيِّ، قال) أي أحمد بن سيرين: (كان يضرب له بسهم) في الغنيمة (مع المسلمين) الغانمين (وإن لم يشهد) أي رسول الله ﷺ القتال (والصفيُّ يؤخذ له رأس من الخمس قبل كلِّ شيءٍ).
والحديثان رجالهما ثقات لكنهما مرسلان, لأن الشعبي وابن سيرين لم يدركا النبيَّ ﷺ ، وهذا مخالف لما تقدم في حديث الشعبي، فإنه يدل على أن الصفيَّ كان من جملة الغنيمة قبل القسمة، وهذا يدل على أنه كان من الخمس لا من جملة الغنيمة.
ومذهبنا في ذلك ما قال شمس الأئمة السرخسي في "شرح السير الكبير" (١): فقد كان لرسول الله ﷺ ثلاث حظوظ في الغنائم: الصفيُّ، وخُمُسُ الخمس، وسَهْمٌ كَسَهْم أحد الغانمين، ومعنى الصفيّ أنه كان يصطفي لنفسه شيئًا قبل القسمة من سيف أو دِرْع أو جارية أو نحو ذلك، وقد كان هذا لوليِّ الجيش في الجاهلية مع حظوظ أخر، وفيه يقول القائل:
لَكَ الْمِرْبَاعُ (٢) مِنْهَا وَالصَّفَايَا ... وَحُكْمُكَ (٣) وَالنَّشِيطَةُ (٤) وَالْفُضُولُ (٥)
стр. 6194
٢٩٩٣ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ السُّلَمِيُّ، نَا عُمَرُ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ -، عن سَعِيدٍ - يَعْنِي ابْنَ بَشِيرٍ -، عن قَتَادَةَ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا غَزَا كَانَ لَهُ سَهْمٌ صَافٍ (١) يَأْخُذُهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَتْ صَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ السَّهْمِ، وَكَانَ إِذَا لَمْ يَغْزُ بِنَفْسِهِ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِهِ (٢) وَلَمْ يُخَيَّرْ". [ق ٦/ ٣٠٤]
===
فانتسخ ذلك كله سوى الصفي، فإنه كان لرسول الله ﷺ ولم يبق بعد موته بالاتفاق، حتى إنه ليس للإمام الصفي بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وإنما الخلاف في سهمه من الخمس أنه هل بقي للخلفاء بعده؟ وقد بينا ذلك في "السير الصغير".
٢٩٩٣ - (حدثنا محمود بن خالد السلمي، نا عمر - يعني ابن عبد الواحد -، عن سعيد - يعني ابن بشير -، عن قتادة قال: كان رسول الله ﷺ إذا غزا كان له سَهْمٌ صَافٍ يأخذه من حيث شاء، فكانت صفية من ذلك السهم، وكان إذا لم يغز بنفسه) أي لم يشهد القتال مع الجيش (ضرب له بسهمه ولم يُخَيّر) أي لم يخير في أن يصطفي من الغنيمة شيئًا، فحاصله أنه ﷺ إذا لم يكن يغزو بنفسه لا يكون له اختيار سهم الصفي، وهذا الحكم باعتبار ظاهر هذا القيد.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ما يخالف ذلك، وهو: قوله: "إذا غزا كان له سهم صاف ... إلخ"، المراد بالسهم ها هنا هو الصفي, لأنه حظ من الغنيمة وسهم، وقوله: "إذا غزا" ليس قيدًا حتى لا يكون الصفي إذا لم يغز، بل كان له الصفي غزا أو لم يغز، إلَّا أن يقتسم أهل السرية غنيمة قبل أن يأتوا بها المدينة بإجازة منه ﷺ ، فكان لا يؤخذ منها الصفي، لا لأنه ﷺ لم يستحقه، بل لعدم بقاء محله لوقوع القسمة، انتهى.
قلت: وهذا لم أره من أحد من العلماء المتقدمين والمتأخرين صرح بذلك، لكنه يؤيده ما كتب رسول الله ﷺ إلى بني زهير بن أُقَيْش: "إنكم إن
стр. 6195
٢٩٩٤ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيًّ، نَا (١) أَبُو أَحْمَدَ، أَنَا سُفْيَانُ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَتْ صَفِيَّةُ مِنَ الصَفِيِّ". [ق ٦/ ٣٠٤]
===
شهدتم أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخُمُسَ من المغنم، وَسَهْمَ النبي ﷺ ، وسَهْمَ الصفي، أنتم آمنون بأمان الله ورسوله" (٢)، وهذا صريح في أن سهم الصفي مستحق لرسول الله ﷺ سواء شهد القتال أو لم يشهد، على أن الحديث ضعيف, لأن عمر بن عبد الواحد (٣) ضعفه علماء الرجال.
قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٤): قال سعيد بن عبد العزيز: كان حاطب الليل، وقال عمرو بن علي ومحمد بن المثنى: حدث عنه ابن مهدي ثم تركه، وكذا قال أبو داود عن أحمد، وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله يضعف أمره، وقال الدوري وغيره عن ابن معين: ليس بشيء، وقال عثمان الدارمي وغيره عن ابن معين: ضعيف، وقال علي بن المديني: كان ضعيفًا، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: منكر الحديث، ليس بشيء، ليس بقوي الحديث، يروي عن قتادة المنكرات، وقال البخاري: يتكلمون في حفظه وهو محتمل، وقال النسائي: ضعيف، وقال الآجُريُّ عن أبي داود: ضعيف، وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ فاحش الخطأ، يروي عن قتادة ما لا يتابع عليه، وعن عمرو بن دينار: ما ليس يعرف عن حديثه، والله تعالى أعلم.
٢٩٩٤ - (حدثنا نصر بن علي، نا أبو أحمد، أنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت صفيةُ من الصفيِّ) أي من سهمه الصفي،
стр. 6196
٢٩٩٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الزُّهْرِيُّ، عن عَمْرو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "قَدِمْنَا خَيْبَرَ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى الْحِصْنَ، ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّة بِنْتِ حُيَيًّ، وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا، وَكَانَتْ عَرُوسًا، فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ، فَخَرَجَ بِهَا حَتى بَلَغْنَا سُدَّ الصَّهْبَاءِ حَلَّتْ فَبَنَى بِهَا". [خ ٢٢٣٥، م ١٣٦٥، ق ٦/ ٣٠٤]
===
اصطفاها رسول الله ﷺ من الغنيمة قبل القسمة، ولكن يخالفه الحديث الآتي أن رسول الله ﷺ اشتراها بسبعة أرؤس، وسيأتي جوابه هناك إن شاء الله تعالى.
٢٩٩٥ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري) حليف زهرة، القاري، (عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس بن مالك قال) أنس: (قدمنا خيبر، فلما فَتَحَ الله تعالى الحِصْنَ). قال الحافظ (١): وعند ابن إسحاق أن صفية سُبيت من حصن القموص، وهو حصن بني أبي الحقيق، وكانت تحت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق.
(ذُكر له جمال صفية بنت حُيَي، وقد قُتِلَ زَوجُهَا) وكانت تحت سلَّام بن مشكم القرظي، ثم فارقها، فتزوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضيري، فقتل عنها يوم خيبر، ذكر ذلك ابن سعد، قاله الحافظ.
(وكانت عروسًا، فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه، فَخَرَجَ بها حتى بَلَغْنَا سدّ) بفتح المهملة وضمها (الصهباء) اسم موضع بينه وبين خيبر روحة، وقال الحافظ (٢): وهي على بريد من خيبر، قاله ابن سعد وغيره. (حلَّت (٣) فبنى بها).
стр. 6197
٢٩٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "صَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، ثُمَّ صَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". [خ ٢٢٢٨، م ١٣٦٥، جه ١٩٥٧]
٢٩٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، نَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا ثَابِتٌ، عن أَنَسٍ قَالَ: "وَقَعَ فِي سَهْمِ دِحْيَةَ جَارِيَةٌ جَمِيلَةٌ، فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ،
===
٢٩٩٦ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: صارَتْ صفيةُ لدحيةَ الكلبي) لأنه ﷺ خَيَّرَ دحية أن يختار من السَّبْي ما شاء فتخيّرها (ثم صارت لرسول الله ﷺ ) لأنه اصطفاها بعد، قيل: إن صفية كان اسمها قبل أن تسبى زينب، فلما صارت من الصفي سُميت صفية.
٢٩٩٧ - (حدثنا محمد بن خلاد الباهلي، نا بَهْز بن أسد، نا حماد، أنا ثابت، عن أنس قال: وقع في سهم دحية جاريةٌ جميلةٌ) وهي صفية (فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤس).
قال الحافظ (١): فالأولى في طريق الجمع أن المراد بسهمه هنا نصيبه الذي اختاره دحية لنفسه، وذلك أنه سأل النبيَّ ﷺ أن يعطيَه جارية فَأَذِنَ له أن يأخذ جاريةً، فأخذ صفية، فلما قيل للنبي ﷺ : إنها بنت ملك من ملوكهم، ظَهَرَ له أنها ليست ممن تُوهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه، وقلة من كان في السَّبْي مثل صفية في نفاستها، فلو خَصَّه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المَصلحة العامة ارتجاعها منه، واختصاص النبي ﷺ بها، فإن في ذلك رِضَى الجميع، وليس ذلك من الرجوع في الهبة من شيء، وأما إطلاق الشراء على العوض فعلى سبيل المجاز، ولعله عوضه عنها بنت عمها أو بنت عم زوجها، فلم تطب نفسه، فأعطاه من جملة النبي زيادة على ذلك.
стр. 6198
ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيْم تُصَنِّعُهَا وَتُهَيِّئُهَا". قَالَ حَمَّادٌ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: "وَتَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا: صَفِيَّةٌ ابْنَةُ حُيَيًّ". [م ١٣٦٥]
٢٩٩٨ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ. (ح): وَحَدَّثنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْنَى، قَالَ: نَا ابْنُ عُليَّةَ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عن أَنَسٍ قَالَ: جُمِعٍ السَّبْيُ - يَعْنِي بِخَيْبَرَ - فَجَاءَ دِحْيَةُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْي، قَالَ: "اذْهَبْ وَخُذْ جَارِيَةً"، فَأَخَذَ صَفِيَّةَ ابْنَةَ حُيَيًّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النّبِيِّ (١) ﷺ فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ - قَالَ يَعْقُوبُ: صَفِيَّةَ ابْنَةَ حُيَيٍّ (٢) - سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ (٣)
===
(ثُمَّ دَفَعَها إلى أم سليم تُصَنِّعُها) أي تُزَيِّنُها (وتُهَيِّئُها) أي لرسول الله ﷺ (قال حماد: وأحسبه) أي ثابتًا (قال: وتعتدُّ في بيتها) أي بيت أم سليم (صفيةُ ابنةُ حُيَيًّ) فاعل لتعتد.
٢٩٩٨ - (حدثنا داود بن معاذ، حدثنا عبد الوارث، ح: وحدثنا يعقوب بن إبراهيم، المعنى) أي معنى حديث عبد الوارث ويعقوب واحدٌ (قال) كل واحد منهما، وفي نسخة: قالا: (نا ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: جُمِعَ السَّبْيُ - يعني بخيبر - فَجَاء دحيةُ فقال: يا رسول الله، أَعْطِنِي جاريةً من السَّبْيِ، قال) رسول الله ﷺ : (اذهب فَخُذْ جاريةً) فذهب (٤) (فَأَخذ صفيةَ ابنةَ حُيَيًّ) بضم الحاء المهملة وفتح المثناة التحتانية.
(فجاء رجل) لم أقف على تسميته (إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أَعْطَيْتَ دحيةَ - قال يعقوب: صَفِيّةَ ابنةَ حُيَي - سيدةَ قُريظةَ
стр. 6199
وَالنَّضِيرِ؟ مَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ، قَالَ: ادْعُوهُ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لَهُ: "خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا"، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا. [خ ٣٧١، م ١٣٦٥، ن ٣٣٨٠]
٢٩٩٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا قُرَّةُ قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا بِالْمِرْبَدِ
===
والنضير؟ ما تصلح إلَّا لك).
والفرق بين حديث يعقوب وبين حديث عبد الوارث، أن يعقوب قال: أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قُريظةَ والنضير، لا تصلح إلَّا لك، وأما عبد الوارث فلم يذكر اسمها، بل قال: يا رسول الله أعطيت دحية سيدة قريظة والنضير لا تصلح إلَّا لك.
(قال) رسول الله ﷺ : (اُدْعُوه) أي دحية (بها) أي بصفية، فجاء (فلما نظر إليها) أي إلى صفية (النبي ﷺ قال له) أي لدحية: (خُذْ جاريةً من السَّبْي غيرَها) كأنه خاف عليهما الفتنة من ذلك فاستردها (وأن النبي ﷺ أعتقهاَ وتزوَّجها).
٢٩٩٩ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا قرة قال: سمعت يزيد بن عبد الله قال: كنا بالمِرْبَد) قال في "معجم البلدان" (١): ومربد النعم: موضع على ميلين من المدينة، وفيه تَيَمَّمَ ابنُ عُمَرَ (٢)، ومربد البصرة: من أشهر محالها، وكان يكون سوق الإبل فيه قديمًا، ثم صار محلة عظيمة سكنها الناس، وبه كانت مفاخرات الشعراء ومجالس الخطباء، وهو الآن بائن عن البصرة بينهما نحو ثلاثة أميال، وكان ما بين ذلك كله عامرًا وهو الآن خراب، فصار المربد كالبلدة المفردة في وسط البرية، انتهى.
стр. 6200
فَجَاءَ رَجُلٌ أَشْعَثُ الرَّأْسِ بِيَدهِ قِطْعَةُ أَدِيمٍ أَحْمَرَ، فَقُلْنَا: كَأَنَّكَ مِن أَهْلِ الْبَادِيَةِ؟ قَالَ: أَجَلْ، قُلْنَا: نَاوِلْنَا هَذِهِ الْقِطْعَةَ الأَدِيمَ الَّتِي فِي يَدِكَ، فَنَاوَلنَاهَا، فَقَرَأْنَا مَا فِيهَا (١)، فَإِذَا فِيهَا: "مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى بَنِي زُهَيْرِ بْنِ أُقَيْشَ، إِنَّكُمْ إِنْ شَهِدْتُمْ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّه، وَأَنَّ مُحَمَّدًا (٢) رَسُولُ اللَّهِ، وَأَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ، وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ، وَأَدَّيْتُمُ الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ، وَسَهْمَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَهْمَ الصَّفِيَّ أَنْتُمْ (٣) آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ"، فَقُلْنَا: مَنْ كَتَبَ لَكَ هَذا الْكِتَابَ؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . [ق ٧/ ٥٨، ن ٤١٤٦]
===
قلت: والظاهر أن المراد هنا بالمربد مربد البصرة.
(فجاء رجل أشعثُ الرأس بيده قطعةُ أديم أحمر) واسم الرجل النَّمِرُ كَكَتِف، ويقال بالفتح وبالكسر، شاعر مخضرم لحق النبي ﷺ "قاموس"، كان شاعرًا فصيحًا وَفَدَ على النبي ﷺ ، ونزل البصرةَ، وكان جوادًا، وعُمِّرَ طويلًا، يقال: عاش مائتي سنة.
(فقلنا: كأنك من أهل البادية؟ قال: أجل، قلنا) له: (نَاوِلْنَا هذه القطعة الأديم التي في يدك، فَنَاوَلَناها، فَقَرَأْنَا ما فيها، فإذا فيها) أي في قطعة الأديم: (من محمد رسول الله ﷺ إلى بني زهير بن أُقَيْش، إنّكم إن شهدتم أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأدّيتم الخمس من المغنم، وَسَهْمَ النبي ﷺ ، وَسَهْمَ الصَّفِيِّ، أنتم آمنون بأمان الله ورسوله، فقلنا: من كتب لك هذا الكتاب؟ قال) الرجل: كتب لي ذلك الكتاب (رسول الله ﷺ )