"أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحَ".
- قَالَ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ: الَّذِي بِمَأرِبَ- فَقَطَعَهُ لَهُ، فَلَمَّا أَنْ وَلَّى قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمَجْلِسِ: أَتَدْرِي مَا قَطَعْتَ لَهُ؟ إِنَّمَا قَطَعْتَ لَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ، قَالَ: فَانْتَزَعَ مِنْهُ،
===
وابن ماجه، وكان بوجهه خرازة وهي القوبا، فالتقمت أنفه، فمسح النبي ﷺ على وجهه، فلم يمر ذلك اليوم وفيه أثر، روى الطبراني: أنه وفد على أبي بكر لما انتقض عليه عمال اليمن، فأقره أبو بكر على ما صالح عليه النبي ﷺ من الصدقة، ثم انتقض ذلك بعد أبي بكر، وصار إلى الصدقة.
(أنه وفد إلى رسول الله ﷺ ) قال في "الحاشية" قال السبكي: وفد عليه بالمدينة، وقيل: بل لقيه في حجة الوداع (فاستقطعه الملح) أي طلب منه إقطاع معدن الملح لنفسه (قال ابن المتوكل: الذي بمأرب، فقطعه له، فلما أن ولّى قال رجل من المجلس)، قال السبكي: هو الأقرع بن حابس التميمي، وقيل: إنه عباس بن مرداس (أتدري) أي يا رسول الله (ما قطعت له؟ إنما قطعت له الماء العِدّ) بكسر العين وتشديد الدال: وهو الكثير الدائم الذي لا ينقطع، ولا يحتاج إلى عمل، والعِدّ: المهيأ، قلت: والحاصل أنه الماء المهيَّأ لكونه ملحًا إذا يبس، فلا يحتاج في كونه ملحًا إلى عمل وسعي.
(قال) أي الراوي: (فانتزع) أي رسول الله ﷺ (منه) أي من أبيض بن حمال، وإنما أقطعه أولًا ظنًّا بأن القطيعة معدن يحصل منه الملح بعملٍ وَكدٍّ، ثم لما تبين أنه مثل العد، رجع عنه.
قال القاري (١): ومن ذلك علم أن إقطاع المعادن إنما يجوز إذا كانت باطنة لا ينال منها شيء إلا بتعب ومؤنة، كالملح والنفط والفيروزج والكبريت ونحوها، وما كانت ظاهرة يحصل المقصود منها من غير كد وصنعة، لا يجوز
стр. 6302
قَال: وَسَأَلَهُ (١) عَمَّا يُحْمَى مِنَ الأَرَاكِ؟ قَالَ: "مَا لَمْ تَنَلْهُ خِفَافٌ". وَقَالىَ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ: "أَخْفَافُ الإبِلِ". [ت ١٣٨٠، حب ٤٤٩٩، قط ٤/ ٢٢١، ق ٦/ ١٤٩، جه ٢٤٧٥، السنن الكبرى ٥٧٦٨]
٣٠٦٥ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَال: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ:
===
إقطاعها، بل الناس فيها شركاء، كالكلأ ومياه الأودية، وأن الحاكم إذا حكم، ثم ظهر أن الحق في خلافه، ينقض حكمه، ويرجع عنه (٢).
(قال) أي الراوي: (وسأله) أي الرجل النبي ﷺ (عما يُحمى من الأراك؟ ) أي الأرض التي فيها الأراك فيحمى له، قال المظهر: المراد من الحِمى ها هنا الإحياء إذا يحمي المتعارف، لا يجوز لأحَدٍ أن يخصه (قال) أي النبي ﷺ : (ما لم تنله) أي لم تصله (خفاف، وقال ابن المتوكل: أخفاف الإبل) ومعناه: ما كان بمعزل عن المرعى والعمارات، فإن ما قرب من العمارات لا يجوز إحياؤها لاحتياج البلد إليه لمرعى مواشيهم، وإليه أشار بقوله: "ما لم تنله أخفاف الإبل"، أي ليكن الإحياء في موضع بعيد لا تصله إليه الإبل السارحة.
٣٠٦٥ - (حدثنا هارون بن عبد الله قال: قال محمد بن الحسن المخزومي) وهو محمد بن الحسن بن زبالة، بفتح أوله والموحدة، يقال لجده: أبو الحسن، مخزومي مدني، قال معاوية بن صالح: قال لي ابن معين: محمد بن الحسن الزبالي والله ما هو بثقة، وقال هاشم بن مرثد عن ابن معين: كذاب، خبيث، لم يكن بثقة، ولا مأمون، يسرق، وقال البخاري: عنده مناكير، وقال أحمد بن صالح المصري: كتبت عنه مائة ألف حديث، ثم تبين لي أنه كان يضع
стр. 6303
"مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الإبِلِ". يَعْنِي أَنَّ الإبِلَ تَأْكُلُ مُنْتَهَى رُؤُوسِهَا (١)، وُيحْمَى مَا فَوْقَهُ.
٣٠٦٦ - حَدَّثَنا محمدُ بْنُ أَحَمْدَ الْقُرَشِيُّ، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، نَا فَرَجُ بْنُ
===
الحديث، فتركت حديثه، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه، روى أبو داود عن هارون عنه قوله في تفسير حديث أبيض بن حمال: "ما لم تنله أخفاف الإبل".
قلت: فلم يخرج له أبو داود شيئًا، وكيف يخرج له، وقد صرح بكذبه، ثم إن تفسيره الذي ذكره أبو داود قد رواه الطبراني (٢) بعد أن روى الحديث من طريق هارون عنه بسنده فيه إلى أبيض، ثم عقبه بتفسيره، فلو كان أبو داود يقصد الإخراج له، لأخرج حديثه كما صنع الطبراني، وقال مسلم بن الحجاج: محمد بن زبالة غير ثقة.
(ما لم تنله أخفاف الإبل، يعني أن الإبل تأكل منتهى رؤوسها ويُحمى ما فوقه). قال في "المجمع" (٣): معناه أن الإبل تأكل ما تصل إليه أفواهها (٤)؛ لأنها إنما تصل إليه بمشيها على أخفافها، فيحمى ما فوق ذلك. وقيل: أراد أنه يحيى من الأراك ما بَعُد عن العمارة، ولم تبلغه الإبل السارحة إذا أرسلت في المرعى، ويشبه أن تكون هذه الأراكة التى سأل عنها يوم إحياء الأرض وحظر عليها قائمة فيها، فملك الأرض بالإحياء، ولم يملك الأراكة، فأما الأراك إذا نبت في ملك رجل، فإنه يحميه ويمنع غيره منه، ويحتمل أن يريد أنه لا يحمى منه شيء، إذ لا شيء إلا ويناله الأخفاف.
٣٠٦٦ - (حدثنا محمد بن أحمد القرشي، نا عبد الله بن الزبير، نا فرج بن
стр. 6304
سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي ثَابِتُ بْنُ سَعِيدٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن أَبْيَضَ بْن حَمَّالٍ: أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عنْ حِمَى الأَرَاكِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا حِمَى في الأَرَاكِ". فَقَالَ: أَرَاكَةٌ في حِظَارِي، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَا حِمَى في الأَرَاكِ"، قَالَ فَرَجٌ: يَعْنِي بِحِظَارِي الأَرْضَ الَّتِي فِيهَا الزَّرْعُ الْمُحَاطُ عَلَيْهَا (١). [دي ٢٦١١]
٣٠٦٧ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب أَبُو حَفْصٍ قَالَ: نَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نَا أَبَانُ- قَالَ عُمَرُ: وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ -،
===
سعيد قال: حدثني عمي) فيه تجوّز كما تقدَّم قريبًا (ثابت بن سعيد، عن أبيه) سعيد بن أبيض (عن جده، عن أبيض) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندي بزيادة "عن"، والظاهر أنه غلط من الناسخ، أو يقال: إن "عن أبيض" بدل عن جده بإعادة لفظ "عن"، فإن ثابت بن سعيد بن أبيض بن حمال يروي عن أبيه سعيد، وأبوه سعيد يروي عن جد ثابت وهو أبيض (بن حمال: أنه سأل رسول الله ﷺ عن حمى الأراك، فقال رسول الله ﷺ : لا حمى في الأراك) لأنها مرعى دواب الناس.
(فقال: أراكة في حظاري) بفتح الحاء وتكسر، أراد الأرض التي فيها الزرع المحاط عليها كالحظيرة، وكانت تلك الأراك قائمة في أرض أحياها يوم أحياها، فلم يملكها وملك الأرض، فأما الأراك إذا نبت في ملك رجل، فإنه يحميه ويمنع غيره، نقله في الحاشية عن "الفتح" (فقال النبي ﷺ : لا حمى في الأراك، قال فرج: يعني) أي أبيض بلفظ (بحظاري الأرض التي فيها الزرع المحاط عليها) أي بالأراك.
٣٠٦٧ - (حدثنا عمر بن الخطاب أبو حفص قال: نا الفريابي قال: نا أبان- قال عمر: وهو ابن عبد الله بن أبي حازم-) بن صخر بن العيلة
стр. 6305
قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ صَخْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا ثَقِيفًا، فَلَمَّا أَنْ سَمِعَ ذَلِكَ صَخْرٌ رَكِبَ في خَيْلٍ يُمِدُّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَوَجَدَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَدِ انْصَرَفَ وَلَمْ يَفْتَحْ،
===
بفتح العين، وقيل: ابن أبي حازم صخر بن العيلة، البجلي، الأحمسي، الكوفي، روى عن عمه عثمان، قال أحمد: صدوق صالح، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن حبان: كان ممن فحش خطؤه، وانفرد بالمناكير، وقال أحمد أيضًا والعجلي وابن نمير: ثقة، وقال النسائي في "الجرح والتعديل": ليس بالقوي، وذكره العقيلي في "الضعفاء"، وأخرج له ابن خزيمة والحاكم في "صحيحيهما".
(قال: حدثني) عمي (عثمان بن أبي حازم) بن صخر بن العيلة البجلي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: سيأتي في الكنى عن أبي حاتم الرازي أن صخر بن العيلة يكنى أبا حازم، فعلى هذا يكون لوالد صخر صحبة ورواية, وليس كذلك، فيحتمل أن يكون صخر جد عثمان لأمه، وأما أبوه فليس هو ابن صخر، بل أبو حازم آخر لا يعرف.
(عن أبيه) أبي حازم بن صخر بن العيلة، أبو العيلة، ويقال: أبو حازم، صخر بن العيلة الأحمسي، قال أبو حاتم: أبو حازم البجلي اسمه صخر بن العيلة، قلت: صخر بن العيلة صحابي تقدم، ويحتمل أن يكون أيضًا أبا حازم، وأما صاحب الترجمة فهو ابنه، وقال ابن القطان: إنه لا يعرف حاله.
(عن جده صخر) بن العيلة، بفتح المهملة وسكؤن المثناة التحتية، ابن عبد الله بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن أسلم بن أحمس الأحمسي، له صحبة، قال ابن عبد البر: يقال: إن عيلة أمه (إن رسول الله ﷺ غزا ثفيفًا، فلما أن سمع ذلك) أي غزو رسول الله ﷺ (صخر ركب في خيل) أي في جماعة من ركاب الخيل (يمد) من باب الإفعال، أي يعين (النبي ﷺ ، فوجد نبي الله في قد انصرف) أي رجع (ولم يفتح) أي ثقيفًا.
стр. 6306
فَجَعَلَ صَخْر حِينَئِذٍ (١) عَهْدَ اللهِ وَذِمَّتَهُ أَنْ لَا يُفَارِقَ هَذَا الْقَصْرَ حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ (٢) رَسُولِ الله ﷺ .
فَلَمْ يُفَارِقْهُمْ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ صَخْر: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ ثَقِيفًا قَدْ نَزَلَتْ عَلَى حُكْمِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا مُقْبِلٌ إِلَيْهِمْ وَهُمْ في خَيْلٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلَاةِ جَامِعَةً، فَدَعَا لأَحْمَسَ عَشْرَ دَعَوَاتٍ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لأَحْمَسَ في خَيْلِهَا وَرِجَالِهَا".
وَأَتَاهُ (٣) الْقَوْمُ، فَتَكَلَّمَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ صَخْرًا أَخَذَ عَمَّتِي وَدَخَلَتْ (٤) فِيمَا دَخَلَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ،
===
(فجعل صخر حينئذ عهدَ الله وذمته أن لا يفارق هذا القصر) ويغزوه (حتى ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فلم يفارقهم) بل ما زال يقاتلهم (حتى نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ) أي قبلوا أن لرسول الله ﷺ أن يحكم فيهم ما يشاء.
(فكتب إليه) أي إلى رسول الله ﷺ (صخر: أما بعد، فإن ثقيفًا قد نزلت على حكمك يا رسول الله، وأنا مقبل إليهم وهم في خيل، فأمر رسول الله ﷺ بالصلاة جامعة) أي احضروا الصلاة حال كونها جامعة (فدعا لأحمس) أي لقبيلة صخر (عشر دعوات: اللهم بارك لأحمس في خيلها) أي ركابها (ورجالها) جمع راجل، وهو من يمشي على رجليه، وليس له ظهر يركبها، وهذا أحد الدعوات العشر ولم يذكر باقيها، ويحتمل أن يكون المعنى كرر هذا الدعاء عشر مرات.
(وأتاه) أي رسول الله ﷺ (القوم) أي ثقيف (فتكلم المغيرة بن شعبة) الثقفي (فقال: يا نبي الله، إن صخرًا أخذ) أي سَبَى (عمتي) والحال أنها (دخلت فيما دخل فيه المسلمون) أي من الإِسلام، يعني قبل الأخذ
стр. 6307
فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "يَا صَخْرُ، إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَادْفَعْ إِلَى الْمُغِيرَةِ عَمَّتَهُ"، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ.
وَسَأَلَ نَبِيَّ اللَّهِ (١) ﷺ ماءً لِبَنِي سُلَيْم قَدْ هَرَبُوا عَنِ الإسْلَامِ
وَتَرَكوا ذَلِكَ الْمَاءَ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَنزلْنِيهِ أَنَا وَقَوْمِي، قَالَ: "نَعَمْ"، فَأَنْزَلَهُ وَأَسْلَمَ (٢) - يَعْنِي السُّلَمِيِّينَ (٣) -، فَأَتَوْا صَخْرًا، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِمْ الْمَاءَ، فَأَبَى، فَأَتَوُا النَّبِيَّ فَقَالُوا: يَا نَبِي اللَّهِ، أَسْلَمْنَا وَأَتَيْنَا صَخْرًا لِيَدْفَعَ إِلَيْنَا مَاءَنَا فَأَبَى عَلَيْنَا، فَدَعَاهُ فَقَالَ: "يَا صَخْرُ، إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ، فَادْفَعْ إِلَى الْقَوْمِ مَاءَهُمْ"،
===
(فدعاه) أي دعا (رسول الله ﷺ ) صخرًا (فقال: يا صخر، إن القوم إذا أسلموا أحرزوا) أي حفظوا (دماءهم وأموالهم، فادفع إلى المغيرة عمته) لأنها لا يجوز سبيها وقد أسلمت (فدفعها) أي فدفع صخر عمته (إليه) أي إلى المغيرة بن شعبة.
(وسأل) صخر (نبي الله ﷺ ماء لبني سليم قد هربوا عن الإِسلام وتركوا ذلك الماء، فقال) صخر: (يا نبي الله، أنزلنيه) أي ذلك الماء (أنا) الضمير المرفوع مستعار للضمير المنصوب (وقومي، قال) رسول الله ﷺ : (نعم، فأنزله، وأسلم -يعني السُّلَميين-، فأتوا صخرًا فسألوه أن يدفع إليهم الماء، فأبى) صخر.
(فأتوا النبي ﷺ فقالوا: يا نبي الله، أسلمنا وأتينا صخرًا ليدفع إلينا ماءنا، فأبى علينا، فدعاه) أي دعا رسول الله ﷺ صخرًا (فقال: يا صخر، إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم فادفع إلى القوم ماءهم)،
стр. 6308
قَالَ: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَغَيَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ حُمْرَةً، حَيَاءً مِنْ أَخْذِهِ الْجَارِيَةَ وَأَخْذِهِ الْمَاءَ.
٣٠٦٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي سَبْرَةُ بْنُ
===
وهذا مشكل (١)، فإن القوم إذا هربوا من الإِسلام عن قريتهم، واستولى عليها المسلمون، وفتحوها عنوة يملكونها، ثم إذا أسلم القوم لا يرد إليهم قريتهم، فكيف أمره ﷺ بدفع الماء إليهم، وقال: "إذا أسلموا أحرزوا أموالهم".
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم جوابه من تقرير شيخه ﵀: قوله: "إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم"، وذلك حق لا ريب فيه، إلا أن المعتبر من الإِسلام في حرز الأموال والأنفس ما كان قبل وقوع الرق، ولم يكن ها هنا كذلك، إلَّا أن النبي ﷺ ذكره في غير محله، وأراد به المعنى الأعم من الإِسلام قبل وقوع الرق عليه وبعده، ليكون ذلك سببًا لفكاك رقها، وكذلك في قوله الآتي حيث أتى السلميون، انتهى.
قلت: أما ما وقع في قصة عمة مغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ نزعها منه، فإنه يمكن أن تكون عمة مغيرة أسلمت قبل الأخذ.
وأما ما ورد في ماء لبني سليم فإنه مشكل بأن يوجه أنهم أسلموا قبل استيلاء المسلمين على الماء، فيمكن أن يوجه بأنه ﷺ أمر برده إلى السلميين تطييبًا لقلوبهم، وأتى بكلام ذي جهتين، كما في قصة ذي النسعة عند مسلم، ولفظه: "إن قتل فهو مثله" (قال: نعم يا نبي الله، فرأيت وجه رسول الله ﷺ يتغير عند ذلك حمرة، حياء من أخذه الجارية وأخذه الماء) أي منه.
٣٠٦٨ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، حدثني سبرة بن
стр. 6309
عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الرَّبِيعِ (١) الْجُهَنِيُّ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ في مَوْضِع الْمَسْجِدِ تَحْتَ دَوْمَةٍ، فَأَقَامَ ثَلَاثًا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى تبوكَ، وَإِنَّ جُهَيْنَةَ لَحِقوهُ بِالرَّحْبَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: "مَنْ أَهْلُ ذِي الْمَرْوَةِ؟ " فَقَالُوا: بَنُو رِفَاعَةَ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَقَالَ: "قَدْ أَقْطَعْتُهَا لِبَنِي رِفَاعَةَ"، فَاقْتَسَمُوهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ بَاعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَمْسَكَ فَعَمِلَ. ثُمَّ سَأَلْتُ أَبَاهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَني بَبَعْضِهِ وَلَمْ يُحَدِّثْنِي بِهِ كُلِّهِ. [ق ٦/ ١٤٩]
٣٠٦٩ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَحْيَى- يَعْنِي ابْنَ آدم-،
===
عبد العزيز بن الربيع الجهني)، ذكره ابن حبان في "الثقات"، له في أبي داود حديث واحد في الإقامة ثلاثًا عند الخروج إلى تبوك، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس به بأس، (عن أبيه) عبد العزيز بن الربيع، (عن جده: أن النبي ﷺ نزل في موضع المسجد) أي في موضع بني فيه المسجد هناك بعد ذلك، ولم يكن المسجد حين نزل (تحت دومة) بفتح الدال، واحدة دوم، وهي ضخام الشجر، وقيل: شجرة المقل (فأقام ثلاثًا) أي ثلاث ليال (ثم خرج إلى تبوك، وإن جهينة لحقوه بالرحبة) أي الأرض الواسعة.
(فقال) أي رسول الله ﷺ (لهم: من) استفهامية (أهل ذوي المروة؟ ) وهي قرية بوادي القرى، وقيل: بين خشب ووادي القرى (فقالوا: ) هم (بنو رفاعة من جهينة، فقال) رسول الله ﷺ (قد أقطعتها لبني رفاعة فاقتسموها، فمنهم من باع) أي حظه منها، (ومنهم من أمسك فعمل. ثم سألت) وهذا قول ابن وهب سألت (أباه) أي أبا سبرة (عبد العزيز) بعد ما حدثني سبرة هذا الحديث، فلقيت أباه بعد ذلك، فسألته (عن هذا الحديث، فحدثني ببعضه ولم يحدثني به كله).
٣٠٦٩ - (حدثنا حسين بن علي، نا يحيى - يعني ابن آدم-،
стр. 6310
نَا أَبُو بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عن هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ (١) أَبِي بَكْرٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقطَعَ الزُّبَيْرَ نَخْلًا". [ق ٦/ ١٤٦]
٣٠٧٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُوسَى بْنُ إِلسْمَاعِيلَ- الْمَعْنَى وَاحِدٌ- قَالَا: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتَايَ صَفِيَّةُ وَدُحَيْبَةُ
===
نا أبو بكر بن عياش، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر: أن رسول الله ﷺ أقطع الزبير) بن العوام (نخلًا) (٢).
قال القاري (٣): وفي "شرح السنَّة": الإقطاع نوعان بحسب محله: إقطاع تملك، وهو الذي تملك فيه بالإحياء كما مرّ، وإقطاع إرفاق، وهو الذي لا يمكن تملك ذلك المحل بحال، كإقطاع الإِمام مقعدًا من مقاعد السوق أحدًا ليقعد للمعاملة ونحوها، وكان إقطاع الزبير من القسم الأول، قال المظهر: النخل مال ظاهر العين حاضر النفع كالمعادن الظاهرة، فيشبه أن يكون إنما أعطاه ذلك من الخمس الذي سهمه ﵇، أو أن يكون من الموات الذي لم يملكه أحد فيتملك بالإحياء.
٣٠٧٠ - (حدثنا حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل - المعنى واحد -، قالا: نا عبد الله بن حسان) التميمي أبو الجنيد (العنبري) يلقب عتريس، قال في "التقريب": مقبول (قال: حدثتني جدتاي صفية) بنت عليبة، روت عن جدها حرملة بن عبد الله العنبري، عن جدة أبيها قيلة بنت مخرمة، وعنها عبد الله بن حسان العنبري، وهي جدته، قلت: ذكرها ابن حبان في "الثقات" (ودُحيبة) مصغرًا بنت عليبة العنبرية، روت عن جدها حرملة بن عبد الله العنبري، وعن
стр. 6311
ابْنَتَا عُلَيْبَةَ- وَكَانَتَا رَبِيبَتَي قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ، وَكَانَتْ جَدَّةَ أَبِيهِمَا- أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُمَا قَالَتْ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: تَقَدَّمَ صَاحِبِي - تَعْنِي حُرَيْثَ بْنَ حَسَّانَ وَافِدَ بَكْرِ بْن وَائِلٍ- فَبَايَعَهُ عَلَى الإسْلَامِ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْمِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي تمِيمٍ بِالدَّهْنَاءِ:
===
جدة أبيها قيلة بنت مخرمة، وعنها عبد الله بن حسان العنبري، وهي جدته، ذكرها ابن حبان في "الثقات"، لكنه ذكرها في الذال المعجمة (ابنتا عليبة، وكانتا) أي صفية ودحيبة (ربيبني قيلة بنت مخرمة، وكانت) أي قيلة (جدة أبيهما أنها) أي قيلة (أخبرتهما) أي صفية ودحيبة.
(قالت) قيلة: (قدمنا على رسول الله ﷺ )، قال الحافظ في "الإصابة" (١): إن قدوم الحارث بن حسان كان أيام بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص في غزوة السلاسل (قالت: تقدم صاحبي) أي رفيقي (تعني حريث بن حسان وافد بكر بن وائل) وهو الحارث بن حسان، ويقال: ابن يزيد البكري الذهلي، ويقال: اسمه حريث، ولعله تصغير، ووقع في بعض طرق حديثه: أنه وفد على رسول الله ﷺ ، قاله الحافظ في "الإصابة".
(فبايعه) أي رسول الله ﷺ (على الإِسلام عليه وعلى قومه) أي على إسلام نفسه وإسلام قومه، (ثم قال) أي حريث بن حسان: (يا رسول الله، اكتب بيننا وبين بني تميم بالدهناء).
قال في "معجم البلدان" (٢): قال أبو منصور: الدهناء من ديار بني تميم معروفة، تقصر وتمد، قال: وهي سبعة أجبل من الرمل في عرضها، بين كل جبلين شقيقة، وطولها من حزن ينسوعة إلى رمل يبرين، وهي من أكثر بلاد الله كلأً مع قلة أعذاءٍ ومياه، وإذا أخصبت الدهناء ربّعت العرب جمعًا لسعتها وكثرة
стр. 6312
أَنْ لَا يُجَاوِزَهَا إِلَيْنَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا مُسَافِرٌ أَوْ مُجَاوِرٌ, فَقَالَ: «اكْتُبْ لَهُ يَا غُلَامُ بِالدَّهْنَاءِ» , فَلَمَّا رَأَيْتُهُ قَدْ أَمَرَ لَهُ بِهَا شُخِصَ بِى وَهِىَ وَطَنِى وَدَارِى, فَقُلْتُ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّهُ لَمْ يَسْأَلْكَ السَّوِيَّةَ مِنَ الأَرْضِ إِذْ سَأَلَكَ, إِنَّمَا هَذِهِ الدَّهْنَاءُ عِنْدَكَ مُقَيَّدُ الْجَمَلِ, وَمَرْعَى الْغَنَمِ, وَنِسَاءُ بَنِى تَمِيمٍ وَأَبْنَاؤُهَا وَرَاءَ ذَلِكَ, فَقَالَ: «أَمْسِكْ يَا غُلَامُ،
===
شجرها، وهي عذاة مكرمة نزهة، من سكنها لا يعرف الحمى لطيب تربتها وهوائها، هذا آخر كلامه.
(أن لا يجاوزها إلينا منهم أحد إلَّا مسافر أو مجاوز) أي لا يسكن فيها متوطنًا (فقال) أي رسول الله ﷺ : (اكتب له) أي لحريث بن حسان (يا غلام) ولم أقف على تسميته (٢) (بالدهناء، فلما رأيته قد أمر له بها) أي بالدهناء (شُخص بي) على بناء المجهول، يقال للرجل إذا أتاه ما يقلقه: "قد شخص"، كأنه رفع من الأرض تعلقه وانزعاجه (وهي وطني وداري) جملة حالية.
(فقلت: يا رسول الله، إنه لم يسألك السوية من الأرض إذ سألك)، كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀: أي مكانًا يستوي فيه استحقاق بكر وتميم، أو لم يطلبك ما يكون في طلبه سوية وعدل، وإنما طلب ما في إعطائه جائرة على تميم ومضرّة بهم (إنما هذه الدهناء عندك) أي أنها ليس على بعد منك حتى يشتبه حالها، وإنما هي قريبة منك، فتفحص من أمرها حتى يتبين لك الصدق والكذب (مقيد الجمل) أي مرعى الجمل، فهو لا يبرح منه كأنه مقيد هناك (ومرعى الغنم، ونساء بني تميم وأبناؤها وراء ذلك) أي على قريب منه، أو المعنى: ونساء بني تميم وأبناؤها وراء ذلك في الحاجة إليه والتعويل عليه.
(فقال) أي رسول الله ﷺ للكاتب: (أمسك) عن الكتابة (يا غلام،
стр. 6313
صَدَقَتِ الْمِسْكِينَةُ, الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ, يَسَعُهُمُ (١) الْمَاءُ وَالشَّجَرُ, وَيَتَعَاوَنُونِ (٢) عَلَى الْفَتَّانِ». [ق ٦/ ١٥٠]
٣٠٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, حَدَّثَنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ (٣) , حَدَّثَتْنِى أُمُّ جَنُوبٍ بِنْتُ نُمَيْلَةَ, عَنْ أُمِّهَا سُوَيْدَةَ بِنْتِ جَابِرٍ, عَنْ أُمِّهَا عَقِيلَةَ بِنْتِ أَسْمَرَ بْنِ مُضَرِّسٍ, عَنْ أَبِيهَا أَسْمَرَ بْنِ مُضَرِّسٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ فَبَايَعْتُهُ, فَقَالَ: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَاءٍ (٤) لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ
===
صدقت المسكينة) أي قيلة، (المسلم أخو المسلم، يسعهم الماء والشجر) أمرهم بحسن المجاورة ونهاهم عن سوء المشاركة (ويتعاونون على الفتان) جمع فاتن، أي ينبغي لهم إذا فتن بعضهم أن يعاونوه برفع الفتنة عنهم.
وفي نسخة: "سئل أبو داود عن الفتان فقال: الشيطان".
٣٠٧١ - (حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الحميد بن عبد الواحد) الغنوي بصري، ذكره ابن حبان في "الثقات"، (حدثتني أم جنوب بنت نميلة) لا يعرف حالها، من السابعة، كذا في "التقريب"، (عن أمها سويدة بنت جابر)، قال في "التقريب": لا تعرف، (عن أمها عقيلة بنت أسمر بن مضرس) لا يعرف حالها.
(عن أبيها أسمر بن مضرس) الطائي، من أعراب البصرة، له حديث واحد عن النبي ﷺ فيه: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له"، وهو حديث عزيز لا نعرف له غيره، قال ابن عبد البر: هو أخو عروة بن مضرس، قال ابن منده في "معرفة الصحابة": هو أسمر بن أبيض بن مضرس.
(قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته، فقال: من سبق إلى ماء لم يسبقه إليه مسلم
стр. 6314
فَهُوَ لَهُ». قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ يَتَعَادَوْنَ يَتَخَاطَّونَ. [ق ٦/ ١٤٢]
٣٠٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ, فَأَجْرَى فَرَسَهُ حَتَّى قَامَ, ثُمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ (١) , فَقَالَ: «أَعْطُوهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ السَّوْطُ». [حم ٢/ ١٥٦، ق ٦/ ١٤٤]
===
فهو له، قال) أي أسمر بن مضرس: (فخرج الناس يتعادون) أي يسرعون في العدو (يتخاطون) أي كل منهم يسبق صاحبه في الخط وإعلام ما له بعلامة.
٣٠٧٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا حماد بن خالد، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه) أي قدر عَدْوه (فأجرى فرسه، حتى قام) أي من عدوه الذي كان في أول وهلة منه (ثم رمى بسوطه، فقال) أي رسول الله ﷺ : (أعطوه من حيث بلغ السوط) فكان له مقدار مجموع حضر الفرس ورمي السوط.
قال القاري (٢): قال النووي ﵀: هذا دليل لجواز إقطاع الإِمام الأرض المملوكة لبيت المال، لا يملكها أحد إلَّا بإقطاع الإِمام، ثم تارة يقطع رقبتها، ويملكها الإنسان بما رأى فيه مصلحة، فيجوز تمليكها كما يملك ما يعطيه من الدراهم والدنانير وغيرها، وتارة يقطعه منفعتها، فيستحق بها الانتفاع مدة الاقتطاع.
وأما الموات فيجوز لكل أحد إحياؤه، ولا يفتقر إلى إذن الإِمام، هذا مذهب مالك والشافعي والجمهور، وقد سبق في كلام البغوي والمظهر: أن إقطاع الزبير إنما يحمل على الموات، فهو دليل لأبي حنيفة ﵀، والأحاديث المطلقة محمولة عليه.
стр. 6315
(٣٧) بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
٣٠٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا عَبْدُ الْوَهَّاب، نَا أَيُّوبُ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن سَعِيدِ بْنِ زيدٍ، عن النبي ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ،
===
(٣٧) (بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ)
قال في "القاموس": المُوَاتُ كغراب: الموت، وكسحاب: ما لا روح فيه، وأرض لا مالك لها، أو أرض لم تحيى بعد، انتهى. وفي اصطلاح الفقهاء: أرض مباحة غير مملوكة لأحد خارج البلدة، لا يتعلق بها مرافق أهل البلدة
٣٠٧٣ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا عبد الوهاب، نا أيوب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد، عن النبي ﷺ قال: من أحيا أرضًا ميتة) أي غير مملوكة لمسلم، ولم يتعلق لمصلحة بلدة أو قرية، بأن يكون مركض دوابهم أو مرعى لهم (فهي له) أي صارت تلك الأرض مملوكة له، لكن إذن الإِمام شرط له عند أبي حنيفة ﵀، وخالفه صاحباه والشافعي وأحمد محتجين بإطلاق الحديث.
وقال الشوكاني (١): وعن مالك: يحتاج إلى إذن الإِمام فيما قرب مما لأهل القرية إليه حاجة من مرعى ونحوه.
قال القاري (٢): وفيه أن قوله ﷺ : "ليس للمرء إلَّا ما طابت به نفس إمامه"، يدل على اشتراط الإذن، فيحمل المطلق عليه؛ لأنهما في حادثة واحدة.
وقال في "البدائع" (٣): وأما بيان ما يثبت به الملك في الموات
стр. 6316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وما لا يثبت، فالملك في الموات يثبت بالإحياء بإذن الإِمام عند أبي حنيفة ﵀، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله- يثبت بنفس الإحياء، وإذن الإِمام ليس بشرط، وجه قولهما قوله ﵊: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم فيه حق"، أثبت الملك للمحيي من غير شريطة إذن الإِمام، ولأنه مباح استولى عليه فيملكه بدون إذن الإِمام، كما لو أخذ صيدًا أو هشَّ كلأ.
وقوله ﵊: "وليس لعرق ظالم فيه حق"، روي منونًا ومضافًا، فالمنون هو أن تنبت عروق أشجار إنسان في أرض غيره بغير إذنه، فلصاحب الأرض قلعها حشيشًا.
ولأبي حنيفة -عليه الرحمة- ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه"، فإذا لم يأذن فلم تطب نفسه به، فلا يكون له، ولأن الموات غنيمة، فلا بد للاختصاص به من إذن الإِمام كسائر الغنائم، والدليل عليه أن "غنيمة" اسم لما أصيب من أهل الحرب بإيجاف الخيل والركاب، والموات كذلك, لأن الأرض كلها كانت تحت أيدي أهل الحرب، استولى عليه المسلمون عنوة وقهرًا، فكانت كلها غنائم، فلا يختص بعض المسلمين بشيء منها من غير إذن الإِمام كسائر الغنائم، بخلاف الصيد والحطب والحشيش, لأنها لم تكن في يد أهل الحرب، فجاز أن تملك بنفس الاستيلاء وإثبات اليد عليها.
وأما الحديث فيحتمل أنه يصير مقيدًا به شرعًا، ويحتمل أنه إذن جماعة بإحياء الموات بذلك النظم، ونحن نقول بموجبه، فلا يكون حجة مع الاحتمال، نظير قوله ﵊: "من قتل قتيلًا فله سلبه"، حتى لم يصح الاحتجاج به في إيجاب السلب للقاتل على ما ذكر في "كتاب السير"، أو يحمل ذلك على حال الإذن توفيقًا بين الدلائل، انتهى.
стр. 6317
وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ". [ت ١٣٧٨، ق ٦/ ١٤٢]
٣٠٧٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ, نَا عَبْدَةُ, عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِى ابْنَ إِسْحَاقَ -, عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا فَهِىَ لَهُ». وَذَكَرَ مِثْلَهُ, قَالَ: فَلَقَدْ خَبَّرَنِى الَّذِى حَدَّثَنِى هَذَا الْحَدِيثَ؛
===
(وليس لعرق ظالم حق) قال الحافظ (١): في رواية الأكثر بتنوين عرق، وظالم نعت له، وهو راجع إلى صاحب العرق، أي ليس لذي عرق ظالم، أو إلى العرق، أي ليس لعرق ذي ظلم، ويروى بالإضافة، ويكون الظالم صاحب العرق، فيكون المراد بالعرق الأرض، وبالأول جزم مالك والشافعي والأزهري وابن فارس وغيرهم، وبالغ الخطابي فغلّط رواية الإضافة، قال ربيعة: العرق الظالم يكون ظاهرًا ويكون باطنًا، فالباطن ما احتفره الرجل من الآبار أو استخرجه من المعادن، والظاهر ما بناه أو غرسه، وقال غيره: الظالم من غرس أو زرع أو بني أو حفر في أرض غيره بغير حق ولا شبهة.
٣٠٧٤ - (حدثنا هناد بن السري، نا عبدة، عن محمد -يعني ابن إسحاق-، عن يحيى بن عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو عروة المدني، قال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال أبو حاتم: يقال: كان أعلم من أخيه هشام بن عروة، وقال النسائي: ثقة، وقال الزبير: كان من أشراف بني عروة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: من أحيا أرضًا) هكذا في المكتوبة القلمية والمجتبائية والقادرية والكانفورية بحذف لفظ "ميتة"، وفي المصرية بزيادتها (فهي له، وذكر) يحيى بن عروة (مثله) أي مثل حديث هشام بن عروة (قال) عروة: (فلقد خبرني الذي حدثني هذا الحديث) ولم يذكر اسم الراوي،
стр. 6318
أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَرَسَ أَحَدُهُمَا نَخْلًا فِى أَرْضِ الآخَرِ, فَقَضَى لِصَاحِبِ الأَرْضِ بِأَرْضِهِ, وَأَمَرَ لِصَاحِبِ (١) النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ مِنْهَا. قَالَ: فَلَقَدْ (٢) رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَتُضْرَبُ أُصُولُهَا بِالْفُؤُوسِ - وَإِنَّهَا لَنَخْلٌ عُمٌّ - حَتَّى أُخْرِجَتْ مِنْهَا. [ق ٦/ ١٤٢، السنن الكبرى ٥٧٦٠]
٣٠٧٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِىُّ نَا وَهْبٌ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ مَكَانَ
===
قال الحافظ في مبهمات "تهذيب التهذيب" و"التقريب": عروة بن الزبير فيمن أحيا أرضًا ميتة قال: حدثني الذي حدثني يقال: هو سعيد بن زيد.
(أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ، غرس أحدهما نخلًا في أرض الآخر (٣)، فقضى) رسول الله ﷺ (لصاحب الأرض بأرضه، وأمر لصاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال) الذي حدث عروة: (فلقد رأيتها) أي النخل (وإنها لتضرب أصولها بالفؤوس) جمع فأس (وإنها لنخل عم) بضم عين مهملة وتشديد ميم (٤).
قال الخطابي: أي طوال، والواحد عميم، وقال في "النهاية": أي تامة في طولها، وانعطافها، وواحدها عميمة، وأصلها عمم، فسكن وأدغم، وقيل: كأنها في طولها والتفافها عمي الأرض (حتى أخرجت منها) أي من الأرض.
٣٠٧٥ - (حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي، نا وهب، عن أبيه، عن ابن إسحاق، بإسناده ومعناه، إلَّا أنه قال عند قوله مكان
стр. 6319
الَّذِى حَدَّثَنِى هَذَا", فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ , وَأَكْثَرُ (١) ظَنِّى أَنَّهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ: فَأَنَا رَأَيْتُ الرَّجُلَ يَضْرِبُ فِى أُصُولِ النَّخْلِ. [انظر سابقه]
٣٠٧٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الآمُلِىُّ, نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ, نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ, أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ, عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ, عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: "أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى أَنَّ الأَرْضَ أَرْضُ اللَّهِ, وَالْعِبَادَ عِبَادُ اللَّهِ, وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ أَحَقُّ بِها (٢) , جَاءَنَا بِهَذَا عَنِ النَّبِىِّ ﷺ الَّذِينَ جَاءُوا بِالصَّلَوَاتِ عَنْهُ". [ق ٦/ ١٤٢]
٣٠٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, نَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ, نَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ سَمُرَةَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَاطَ
===
"الذي حدثني هذا"، فقال: رجل من أصحاب النبي ﷺ ، وأكثر ظني أنه أبو سعيد الخدري: فأنا رأيت الرجل) أي صاحب النخل (يضرب) بالفؤوس (في أصول النخل) يقطعها ليخرجها من أرض صاحب الأرض.
٣٠٧٦ - (حدثنا أحمد بن عبدة الآملي، نا عبد الله بن عثمان، نا عبد الله بن المبارك، أنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عروة قال أشهد أن رسول الله ﷺ قضى أن الأرض أرض الله، والعباد عباد الله، ومن أحيا مواتًا فهو أحق بها، جاءنا بهذا) أي بقضاء رسول الله ﷺ (عن النبي ﷺ الذين جاءوا بالصلوات عنه) أي الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
٣٠٧٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن بشر، نا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: من أحاط) أي أدار
стр. 6320
حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ (١) لَهُ". [حم ٥/ ٢١، ق ٦/ ١٤٢]
٣٠٧٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, أَنَا ابْنُ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِى مَالِكٌ, قَالَ هِشَامٌ: الْعِرْقُ الظَّالِمُ: أَنْ يَغْرِسَ (٢) الرَّجُلُ في
===
(حائطًا) أي جدارًا (على أرض) أي حول أرض موات (فهي له) أي ملك له.
قال في الحاشية: ظاهر الحديث يدل على أن الإحاطة كافية للتملك، وإليه ذهب أحمد في أشهر الروايات عنه، لكن يشترط أن يكون الحائط منيعًا مما يجري العادة بمثله، وأكثر العلماء على أن التملك إنما هو بالإحياء، والتحجير ليس من الإحياء في شيء، والحديث محمول على كون الإحياء للسكون.
قال القاري (٣): قال النووي ﵀: إذا أراد زريبة للدواب، أو حظيرة يجفف فيها الثمار، أو يجمع فيها الحطب والحشيش، اشترط التحويط، ولا يكفي نصب سعف وأحجار من غير بناء، انتهى.
قلت: قال في "البدائع" (٤): ولو حجر الأرض الموات لا يملكها بالإجماع؛ لأن الموات يملك بالإحياء؛ لأنه عبارة عن وضع أحجار أو خط حولها، يريد أن يحجر غيره عن الاستيلاء عليها وشيء من ذلك ليس بإحياء، فلا يملكها، لكن صار أحق بها من غيره، حتى لم يكن لغيره أن يزعجه، ولأنه سبقت يده إليه، والسبق من أسباب الترجيح في الجملة، قال النبي ﷺ : "مني مناخ من سبق".
٣٠٧٨ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني مالك، قال هشام: العرق الظالم: أن يغرس الرجل في
стр. 6321
أَرْضِ غَيْرِهِ فَيَسْتَحِقُّهَا بِذَلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: وَالْعِرْقُ الظَّالِمُ: كُلُّ مَا أُخِذَ وَاحْتُفِرَ وَغُرِسَ بِغَيْرِ حَقٍّ. [ط ٢/ ٧٤٣/ ٢٦]
٣٠٧٩ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ, نَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى (١) , عَنِ الْعَبَّاسِ السَّاعِدِىِّ - يَعْنِى ابْنَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -, عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ السَّاعِدِىِّ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَبُوكًا (٢) , فَلَمَّا أَتَى وَادِىَ الْقُرَى
===
أرض غيره فيستحقها) أي يريد أن يستحق تلك الأرض (بذلك) أي بغرسه (قال مالك: والعرق الظالم: كل ما أخذ واحتفر وغرس بغير حق).
قال الزرقاني (٣): فظاهر هذا أن الرواية بالتنوين، وبه جزم في "تهذيب الأسماء واللغات" (٤)، فقال: واختار مالك والشافعي تنوين عرق، قال القاضي عياض: أصل العرق الظالم في الغرس يغرسه في الأرض غير ربها ليستوجبها به، وكذلك ما أشبهه من بناء أو استنباط ماء أو استخراج معدن، سميت عرقًا لشبهها في الإحياء بعرق الغرس.
٣٠٧٩ - (حدثنا سهل بن بكار، نا وهيب بن خالد، عن عمرو بن يحيى، عن العباس الساعدي - يعني ابن سهل بن سعد- عن أبي حميد الساعدي قال: غزوت مع رسول الله ﷺ تبوكًا، فلما أتى وادي القرى) واد بين المدينة والشام، من أعمال المدينة، كثير القرى، والنسبة إليه وادي، فتحها النبي ﷺ سنة (٥) سبع عنوة، فلما فرغ من خيبر توجه إلى وادي القرى، فدعا أهلها إلى الإِسلام
стр. 6322
إِذَا امْرَأَةٌ فِى حَدِيقَةٍ لَهَا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: «اخْرُصُوا» , فَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ, فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «أَحْصِى (١) مَا يَخْرُجُ مِنْهَا» , فَأَتَيْنَا تَبُوكَ (٢) , فَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَسَاهُ بُرْدَةً, وَكَتَبَ لَهُ يَعْنِي بِبَحْرِهِ،
===
فامتنعوا عنه فقاتلوه، ففتحها عنوة، وغنم أموالها، وأصاب المسلمون منهم أثاثًا ومتاعًا، فخمَّس رسول الله ﷺ ذلك، وترك الأرض والنخل في أيدي اليهود، وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر.
(إذا امرأة) قال الحافظ (٣): لم أقف على اسمها في شيء من الطرق (في حديقة لها) والحديقة الروضة ذات الشجر، جمعه حدائق، أو البستان من النخل والشجر، أو كل ما أحاط به البناء، أوالقطعة من النخل (فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: اخرصوا). قال في "القاموس": الخرص الحزر والتخمين وكل قول بالظن (فخرص رسول الله ﷺ عشرة أوسق) أي يخرج من ثمار الحديقة عشرة أوسق.
(فقال) رسول الله ﷺ (للمرأة: أحصي ما يخرج منها) أي احفظي عدد كيلها (فأتينا تبوك، فأهدى ملك أيلة) مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام، وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام، وهو يوحنة بن رؤبة (إلى رسول الله ﷺ بغلة بيضاء) واسمها دلدل، قاله الحافظ (٤). (وكساه) أي كسا رسول الله ﷺ ملك أيلة (بردة، وكتب) رسول الله ﷺ (له) أي لملك أيلة (يعني ببحره) (٥) أي بأرضه وبلده، أو المراد بأهل بحرهم, لأنهم كانوا سكانًا بساحل البحر، أي أقره عليهم بما التزموه من الجزية.
стр. 6323
قَالَ: فَلَمَّا أَتَيْنَا وَادِىَ الْقُرَى, قَالَ لِلْمَرْأَةِ: "كَمْ كَانَ فِى حَدِيقَتِكِ؟ "، قَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّى مُتَعَجِّلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ, فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِى فَلْيَتَعَجَّلْ». [خ ٣٧٩١، م ١٣٩٢]
٣٠٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ, نَا الأَعْمَشُ, عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ, عَنْ كُلْثُومٍ, عَنْ زَيْنَبَ, أَنَّهَا كَانَتْ تَفْلِى رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَنِسَاءٌ مِنَ
===
(قال) أبو حميد: (فلما أتينا وادي القرى) أي راجعين عن تبوك (قال) رسول الله ﷺ (للمرأة: كم كان في حديقتك؟ ) أي من التمر (قالت: عشرة أوسق خرص رسول الله ﷺ ) أي وفق خرصه ﷺ (فقال رسول الله ﷺ : إني متعجل إلى المدينة، فمن أراد منكم أن يتعجل معي فليتعجل).
وفي رواية: "حتى إذا دنا من المدينة أخذ طريق غراب لأنها أقرب إلى المدينة، وترك الأخرى"، واستفيد منه بيان قوله: "إني متعجل إلى المدينة، فمن أحب فليتعجل"، أي إني سألك الطريق القريبة، فمن أراد فليأت معي، يعني ممن له اقتدار على ذلك دون بقية الجيش، انتهى.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - رحمه الله تعالى-: والترجمة إنما هي في قوله: "وكتب له ببحره" أي قريته، وباقي الرواية مسرودة استطرادًا.
٣٠٨٠ - (حدثنا عبد الواحد بن غياث، نا عبد الواحد بن زياد، نا الأعمش، عن جامع بن شداد، عن كلثوم) وهو كلثوم بن علقمة بن ناجية بن المصطلق، يقال: له صحبة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، (عن زينب) أم المؤمنين، (أنها كانت تفلي رأس رسول الله ﷺ ) أي تفتش في رأسه القمل (وعنده امرأة عثمان بن عفان ونساء من
стр. 6324
الْمُهَاجِرَاتِ, وَهُنَّ يَشْتَكِينَ مَنَازِلَهُنَّ: أَنَّهَا تَضِيقُ عَلَيْهِنَّ وَيُخْرَجْنَ مِنْهَا, فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُوَرَّثَ (١) دُورَ الْمُهَاجِرِينَ النِّسَاءُ, فَمَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَوَرِثَتْهُ امْرَأَتُهُ دَارًا بِالْمَدِينَةِ. [حم ٦/ ٣٦٣، ق ٦/ ١٥٦]
===
المهاجرات، وهن يشتكين منازلهن: أنها تضيق عليهن) أي بتضييق الورثة عليهن (وبخرجن منها) أي إذا مات أزواجهن.
(فأمر رسول الله ﷺ أن تورث دور المهاجرين النساء) كتب في الحاشية: قال الخطابي: هذه خصوصية لهن؛ لأنهن في المدينة غرائب لا عشيرة لهن، فجاز لهن الدور، لما رأى من المصلحة في ذلك.
وقد قلت في ذلك ملغزًا:
سَلِّمْ عَلَى مُفْتِي الأَنَامِ وَقُلْ لَهُ ... هَذَا سُؤَالٌ في الْفَرَائِضِ مُبْهَمُ
قَوْمٌ إِذَا مَاتُوا تَحُوزُ دِيَارَهُم ... زَوْجَاتُهُم وَلغَيْرِهَا لَا تُقْسَمُ
وَبَقِيةُ الْمَالِ الَّذِي قَدْ خَلَفُوا ... يَجْرِي عَلَى حُكْمِ التَّوَارُثِ مِنْهُمُ
وجوابه قلت:
هُمُ الْمُهَاجِرُونَ ذَاكَ بِطَيْبَةَ ... صَلى عَلَى ذِيها الْكَرِيمُ المُعَلمُ
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀: ومعنى قوله: "أن تورث دور المهاجرين النساء": الأمر بتوريث منافع الدور إلى انقضاء أيام العدة لا توريث الدور أجمع، أو المعنى أن يجعلوا لهن الدور عند اقتسام التركة، فإنهن أكثر ما تحتجن إلى دور ليسكن فيها، فأمران تفرز الدور في أنصبائهن، وتجعل البساتين والدواب وسائر ما تركه المورث في نصيب بقية الورثة عوضًا عما أخذته من الدور، وما اختاره في الحاشية لم يذهب إليه أحد من الفقهاء، انتهى.
(فمات عبد الله بن مسعود) سنة اثنتين وثلاثين أو التي بعدها في المدينة (فورثته امرأته دارًا بالمدينة)، وهذا أيضًا يحمل على الاحتمالين المتقدمين في كلام مولانا محمد يحيى ﵀.
стр. 6325
(٣٨) بَابُ مَا جَاءَ (١) في الدُّخُولِ في أَرْضِ الْخَرَاجِ
٣٠٨١ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ بلَالٍ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى- يَعْنِي ابْنَ سُمَيْعٍ- قَالَ: نَا زيدُ بْنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الله، عن مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ عَقَدَ الْجِزْيَةَ في عُنُقِهِ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ". [ق ٩/ ١٣٩]
===
(٣٨) (بَابُ مَا جَاءَ في الدُّخُولِ في أَرْضِ الْخَرَاجِ) (٢)
أي: اشتراء أرض الخراج أو أخذ مائها
٣٠٨١ - (حدثنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال، أنا محمد بن عيسى، يعني ابن سميع) وهو محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع بالصغير, مولى معاوية، أبو سفيان الدمشقي، قال عثمان الدارمي عن دحيم: ليس من أهل الحديث، وهو قدري، وقال أبو حاتم: شيخ دمشقي، يكتب حديثه، ولا يحتج به، قال في "التقريب": صدوق، يخطئ، ويدلس، ورمي بالقدر.
(قال: نا زيد بن واقد، حدثني أبو عبد الله) الأشعري الشامي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو زرعة الدمشقي: لم أجد أحدًا سماه، (عن معاذ) بن جبل (أنه قال: من عقد الجزية) أي جزية الأرض وهي الخراج (في عنقه) بشراء أرض الخراج أو بأخذ مائها (فقد برئ مما عليه رسول الله ﷺ ).
كتب في الحاشية عن "فتح الودود": إذا اشترى أرضًا خراجية من كافر لزمه خراجها، والخراج قسم من الجزية، فصار كأنه عقد الجزية في عنقه، ولا شك أن التزام الجزية ليس من طريق السنة، فلعل ذلك هو المعنى بالبراءة، قلت: هو محمول على التشديد والتغليظ.
стр. 6326
٣٠٨٢ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيُّ، نَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَني عُمَارَةُ بْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ، حَدَّثَني سِنَان بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنِي شَبِيبُ بْنُ نُعَيْمٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِجِزْيَتِهَا فَقَدْ اسْتَقَالَ هِجْرَتَهُ، وَمَنْ نَزَعَ صَغَارَ كَافِرٍ مِنْ عُنُقِهِ فَجَعَلَهُ في عُنُقِهِ فَقَدْ وَلَّى الإسْلَامَ ظَهْرَهُ". قَالَ (١): فَسَمِعَ مِنِّي خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ هَذَا الحَدِيثَ فَقَالَ لِي: أَشبِيبٌ حَدَّثَكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا قَدِمْتَ فَسَلْهُ فَلْيَكْتُبْ إِلَيَّ بِالْحَدِيثِ (٢)، قَالَ:
===
٣٠٨٢ - (حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي، نا بقية، حدثني عمارة بن أبي الشعثاء) من شيوخ بقية، مجهول، (حدثني سنان بن قيس) شامي، قال ابن حبان في "الثقات": سيار بن قيس، وقد قيل: سنان بن قيس، روى له أبو داود حديثًا واحدًا، وهو هذا، (حدثني شبيب) بوزن طويل (ابن نعيم) أبو روح، ويقال: ابن أبي روح، الوحاظي الحمصي، ثقة، (حدثني يزيد بن خمير) هو يزيد بن خمير اليزني الحمصي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: ذكره ابن شاهين في "الصحابة"، وقال: مات في خلافة معاوية.
(حدثني أبو الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : من أخذ أرضًا بجزيتها) أي بخراجها (فقد استقال) أي أبطل (هجرته) وهذا على سبيل التغليظ والتشديد (ومن نزع صغار كافر من عنقه، فجعله في عنقه، فقد ولى الإِسلام ظهره).
(قال) سنان بن قيس: (فسمع مني خالد بن معدان هذا الحديث، فقال لي) أي خالد بن معدان: (أشبيب حدثك) هذا الحديث؟ (فقلت: نعم، قال: فإذا قدمت) أي عليه (فسله، فليكتب إليّ بالحديث، قال) سنان: فقدمت عليه،
стр. 6327
فَكَتَبَ لَهُ، (١) فَلَمَّا قَدِمْتُ سَأَلَنِي خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ الْقِرْطَاسَ، فَأَعْطَيْتُهُ (٢). فَلَمَّا قَرَأَهُ تَرَكَ مَا في يَدَيْهِ (٣) مِنَ الأَرْضِ (٤) حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ. [ق ٩/ ١٣٩]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ الْيَزَنِيُّ، لَيْسَ هُوَ صَاحِبَ شُعْبَةَ.
===
فسألته أن يكتب الحديث لخالد (فكتب) ـه (له، فلما قدمت) أي إلى خالد (سألني خالد بن معدان القرطاس) أي الكتاب (فأعطيته، فلما قرأه ترك ما في يديه من الأرض) أي من أرض الخراج (حين سمع ذلك) أي الحديث.
قلت: وعند الحنفية يجوز شراء أرض الخراج، قال في "الهداية" (٥): ويجوز أن يشتري المسلم أرض الخراج من الذمي، ويؤخذ منه الخراج، وقد صح أن الصحابة ﵃ اشتروا أراضي الخراج، وكانوا يؤدون خراجها، فدل على جواز الشراء وأخذ الخراج وأدائه للمسلم من غير كراهة، انتهى.
قال الزيلعي في "نصب الراية" (٦): قلت: قال البيهقي في كتاب "المعرفة": قال أبو يوسف: القول ما قال أبو حنيفة، إنه كان لابن مسعود وخباب بن الأرت وحسين بن علي ولشريح أرض الخراج، قلت: والجواب عن الحديث أن الحديث غير محتج به لأن في سنده مجهولًا.
(قال أبو داود: هذا يزيد بن خمير اليزني، ليس هو صاحب شعبة) حاصل هذا الكلام أن يزيد بن خمير المذكور ها هنا الذي يروي عن أبي الدرداء
стр. 6328
(٣٩) بَابٌ: في الأَرْضِ يَحْمِيهَا الإمَامُ أَوِ الرَّجُلُ
٣٠٨٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ, أَنَا ابْنُ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِى يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ».
===
هو اليزني، وأما يزيد بن خمير تلميذ شعبة، هو رجل آخر، وهو يزيد بن خمير بن يزيد الرحبي الهمداني أبو عمر الحمصي الذبابي.
(٣٩) (بابٌ: في الأرْضِ يَحْمِيهَا الإمَامُ أَوِ الرَّجُلُ)
٣٠٨٣ - (حدثنا ابن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة) بفتح الجيم وتشديد المثلثة، الليثي (أن رسول الله ﷺ قال: لا حمى) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم المفتوحة بمعنى المحمى، وهو مكان يحمى من الناس والماشية ليكثر كلأه، قاله للقاري (١)، قلت: ويمكن أن يكون في معنى المصدر (إلَّا لله ولرسوله) أي لا ينبغي لأحد أن يفعل ذلك إلَّا بإذن من الله ورسوله، فكان النبي ﷺ يحمي لخيل الجهاد وإبل الصدقة.
قال القاضي: كانت رؤساء الأحياء في الجاهلية يحمون المكان الخصيب لخيلهم وإبلهم وسائر مواشيهم، فأبطله ﷺ ، ومنعه أن يحمي إلَّا لله ولرسوله.
وفي "شرح السنة": كان ذلك جائزًا لرسول الله ﷺ لخاصة نفسه، لكنه لم يفعله، وإنما حمى النقيع لمصالح المسلمين، وللخيل المعدة في سبيل الله، قال الشافعي: وإنما لم يجز في بلد لم يكن واسعًا، فتضيق على أهل المواشي، ولا يجوز لأحد من الأئمة بعده ﷺ أن يحمي لخاصة نفسه، واختلفوا في أنه هل يحمى للمصالح، منهم من لم يُجَوِّز للحديث، ومنهم من جَوَّزه على نحو
стр. 6329
قَالَ ابْنُ شهَابٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ. [خ ٢٣٧٠، حم ٤/ ٧١، ق ٧/ ٥٩، قط ٤/ ٢٣٨، السنن الكبرى: ٥٧٧٥]
٣٠٨٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله،
===
ما حمى رسول الله ﷺ لمصالح المسلمين حيث لا يتبين ضرره، قال ابن الملك: المعنى لا حمى لأحد على الوجه الخاص، بل على الوجه الذي حماه لمصالح المسلمين.
قال الشوكاني (١): وقد ظن بعضهم أن بين الأحاديث القاضية بالمنع من الحمى والأحاديث القاضية بجواز الإحياء معارضة، ومنشأ هذا الظن عدم الفرق بينهما، وهو فاسد، فإن الحمى أخص من الإحياء مطلقًا، قال ابن الجوزي: ليس بين الحديثين معارضة، فالحمى المنهي عنه ما يحمى من الموات الكثيرة العشب لنفسه خاصة كفعل الجاهلية، والإحياء المباح ما لا منفعة للمسلمين فيه شاملة فافترقا.
(قال ابن شهاب: وبلغني أن رسول الله ﷺ حمى النقيع) (٢) هو بالنون: موضع على عشرين فرسخًا من المدينة، وقدره ميل في ثمانية أميال، وأصل النقيع: كل موضع يستنقع، أي يجتمع فيه الماء، وهذا النقيع المذكور في هذا الحديث غير نقيع الخضمات الذي جمع فيه أسعد بن زرارة بالمدينة (٣).
٣٠٨٤ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا عبد العزيز بن محمد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله،
стр. 6330
عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عن الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ وَقَالَ: "لَا حِمَى إِلَّا للهِ ". [حم ٤/ ٧١، ك ٢/ ٦١]
(٤٠) بَابُ مَا جَاءَ في الرِّكَازِ وَمَا فِيهِ
٣٠٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, نَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «فِى الرِّكَازِ الْخُمُسُ» (١) [خ ١٤٩٩، م ١٧١٠، ت ١٣٧٧، ن ٢٤٩٥، جه ٢٥٠٩، حم ٢/ ٢٣٩]
===
عن عبد الله بن عباس، عن الصعب بن جثامة، أن النبي ﷺ حمى النقيع وقال: لا حمى إلا لله وإنما أعاد الحديث بهذا السند؛ لأن في هذا الحديث قوله: "إن النبي ﷺ " موصول، وبالسند الأول منقطع.
(٤٠) (بَابُ مَا جَاءَ في الرِّكَازِ وَمَا فِيهِ) من المال، والركاز بكسر الراء قيل: هو الكنز الجاهلي المدفون في الأرض، وقيل يشمل المعدن أيضًا
٣٠٨٥ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة سمعا أبا هريرة يحدث، أن النبي ﷺ قال: في الركاز الخمس) (٢)،
стр. 6331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا قطعة من حديث طويل، ولفظه: "العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس".
واختلفوا في معنى الركاز، فقال مالك والشافعي: الركاز دفن الجاهلية، وقال أبو حنيفة والثوري وغيرهما: إن المعدن ركاز أيضًا، واحتج الأولون بما وقع في الحديث من التفرقة بينهما بالعطف، فإنه جعل المعدن جبارًا، وجعل في الركاز الخمس، فدل هذا العطف بأن الركاز غير المعدن.
قلت: هذا الاحتجاج غير صحيح، فإن المراد بالمعدن حفرته، فإنه إذا وقع فيها إنسان فلا ضمان فيه، والمراد بالركاز المال الذي في المعدن بأن المال المستخرج منها فيه الخمس، فعلى هذا دلالة العطف صحيحة, لأن مدلول أحدهما غير مدلول الآخر، فلا حجة فيه لأحد.
قال في "البدائع" (١): أما المستخرج من الأرض نوعان: أحدهما يسمى كنزًا، وهو المال الذي دفنه بنو آدم في الأرض، والثاني يسمى معدنًا، وهو المال الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلق الأرض، والركاز اسم يقع على كل واحد منهما إلا أن حقيقته للمعدن واستعماله للكنز مجازًا.
قال الزيلعي (٢): واستدل لنا الشيخ في "الإمام" بحديث أخرجه البيهقي في "المعرفة" (٣): عن حبان بن علي، عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الركاز الذهب الذي ينبت بالأرض".
стр. 6332
٣٠٨٧ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيكٍ، نا الزَّمْعِيُّ، عن عَمَّتِهِ قُرَيْبَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عن أُمِّهَا كَرِيمَةَ بِنْتِ الْمِقْدَادِ، عن ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب بْنِ هَاشِمٍ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا قَالَتْ: ذَهَبَ الْمِقْدَادُ لِحَاجَتِهِ بِبَقِيعِ (١) الْخَبْجَبةِ
===
قال البيهقي: وروي عن أبي يوسف ﵀ عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "في الركاز الخمس", وما الركاز يا رسول الله؟ قال: "الذي خلقه في الأرض يوم خلقت". وسكت الشيخ عن علة الحديث، وهو عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، قال ابن حبان في "كتاب الضعفاء": كان يقلب الأخبار ويهم في الآثار.
٣٠٨٧ - (حدثنا جعفر بن مسافر، نا ابن أبي فديك، نا الزمعي) هو موسى بن يعقوب بن عبد الله الزمعي، (عن عمته قريبة بنت عبد الله بن وهب) بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى الأسدية، قال في "التقريب": مقبول، (عن أمها كريمة بنت المقداد) بن الأسود الكندية، روت عن أمها ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بن هاشم، وعنها زوجها عبد الله بن وهب بن زمعة، وابنتها قريبة بنت عبد الله، ذكرها ابن حبان في "الثقات".
(عن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بن هاشم أنها أخبرتها) أي روت ضباعة كريمة (قالت) ضباعة: (ذهب المقداد) أي زوجها (لحاجته) أي لقضائها (ببقيع (٢) الخبجبة) بفتح أوله وسكون ثانيه، ثم جيم، ثم باء أخرى، بقيع الخبجبة: موضع جاء ذكره في "سنن أبي داود"، والخبجبة: شجر يعرف بها، هكذا في "معجم البلدان" (٣). وقال في "القاموس" في مادة
стр. 6333
فَإِذَا جُرَذٌ يُخْرِجُ مِنْ جُحْرٍ دِينَارًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُخْرِجُ دِينَارًا دِينَارًا، حَتَّى أَخْرَجَ سَبْعَةَ عَشَرَ دِينَارًا، ثُمَّ أَخْرَجَ خِرْقَةً حَمْرَاءَ - يَعْنِي فِيهَا دِينَارٌ- فَكَانَتْ (١) ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَهَبَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ، وَقَالَ لَهُ: خُذْ صَدَقَتَهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "هَلْ هَوَيْتَ إِلَى الْجُحْرِ؟ "، قَالَ (٢): لَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَارَكَ اللهُ لَكَ فَيهَا". [جه ٢٥٠٨]
===
الخبب: الخَبْخَبَةُ: شجر، ومنه بقيع الخبخبة؛ لأنه كان مَنْبِتَها، أو هو بجيمين. وقال في "مجمع البحار" (٣): بقيع الخبخبة بفتح خاءين وسكون باء أولى: موضع بناحية المدينة.
(فإذا جرذ) وهو الفأر الذكر الكبير (يخرج من جحر) بالجيم والحاء (دينارًا، ثم لم يزل يخرج دينارًا دينارًا) أي دينارًا واحدًا بعد آخر (حتى أخرج سبعة عشر ينارًا، ثم أخرج خرقة حمراء - يعني فيها دينار- فكانت ثمانية عشر دينارًا، فذهب) أي المقداد (بها) أي بالدنانير (إلى النبي ﷺ فأخبره) بالقصة (وقال له: خذ صدقتها، فقال له النبي ﷺ : هل هويت) أي ملت (إلى الجحر) فأخذت منها الدينار؟ قال الخطابي: يدل على أنه لو أخذها من الجحر لكان ركازًا يجب فيها الخمس (قال: لا، فقال له رسول الله ﷺ : بارك الله لك فيها).
قال في "الدرجات" (٤): لا يدل على أنه جعلها له في الحال، ولكنه محمول على بيان الأمر في اللقطة التي إذا عرّفت سنة، ولم تُعرف كانت لآخذها (٥).
стр. 6334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - رحمه الله تعالى-: قوله: "بارك الله فيها ... إلخ"، وكان ذلك لقطة إلَّا أن تعريفها كان قريبًا من المتعذر، فإن الفأرة لا يعلم من أين أخذت، والتعريف يتعذر في الأمكنة كلها، فكان الإنفاق على المقداد كإنفاق الفقير لقطة على نفسه بعد تعريفها، وكان المقداد محتاجًا إليها، فرخصه فيها، وإنما برّكه لما علم من قناعته حيث اكتفى بما تيسر، ولم يتبع حرصه في تفتيش المزيد عليه وأما المقداد فإنما لم يهو إلى الجحر لما علم أن إخراج الفأرة هذه الخرقة قال على أنه لم يبق من ماله بقية.
بقي ها هنا شيء، وهو أن بعض الناظرين وجه السؤال عن الإهواء إلى الجحر بأنه لو هوى إلى الأرض لكان ذلك ركازًا, ولوجب فيه الخمس (١)، ولا يفهم لذلك التوجيه وجه، فإن الأمر لم يكن إلى إهوائه إلى الأرض مع أنه قد بين ما وقع من القضية، مع أن المقداد لو أخذه من الجحر لكان في وجود الخرقة دليل على أنه ليس بقديم، إذ لو كان كذلك لما بقيت الخرقة ساعة، ولا يجب الخمس إلا في العادي الذي لا يعرف صاحبه، أو في ما هو مخلوق خلقة، فلم يكن ذلك السؤال إلا لما قلنا من أنه سبر بذلك غور قناعته.
ولعل الوجه فيه: أن الكنز ما يخرجه الإنسان مما كان مدفونًا، واللقطة ما وجده منبوذًا على وجه الأرض، ولكل منهما أحكام خاصة، فلو أنه أخرجه بيده لكان ذلك كنزًا بخلاف ما إذا أخرجته الفأرة، انتهى كلامه.
стр. 6335
(٤١) بَابُ نَبْشِ الْقُبُورِ الْعَادِيَّةِ (١)
٣٠٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ, نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ, نَا أَبِى قال: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ, عَنْ بُجَيْرِ بْنِ أَبِى بُجَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ خَرَجْنَا مَعَهُ إِلَى الطَّائِفِ فَمَرَرْنَا بِقَبْرٍ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا قَبْرُ أَبِى رِغَالٍ،
===
(٤١) (بَابُ نَبْشِ الْقُبُورِ (٢) الْعَادِيَّةِ)
أي القديمة لأهل الجاهلية
٣٠٨٨ - (حدثنا يحيى بن معين، نا وهب بن جرير، نا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث، عن إسماعيل بن أمية، عن بجير) بضم الموحدة بعدها جيم مصغرًا (ابن أبي بجير) روى له أبو داود حديثًا وحدًا في قصة أبي رغال، وقال يحيى بن معين: لم أسمع أحدًا يحدث عنه غير إسماعيل، قلت: وكذا قال النسائي، وأما ابن المديني فقال: بجير بن سالم أبو عبيد، روى عنه إسماعيل بن أمية وروح بن القاسم حديث أبي رغال، وهو من أهل الطائف مجهول، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وجهله ابن القطان.
(قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا) معه (بقبر، فقال رسول الله ﷺ : هذا قبر أبي رغال).
стр. 6336
وَكَانَ بِهَذَا الْحَرَمِ يَدْفَعُ عَنْهُ, فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِى أَصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا الْمَكَانِ, فَدُفِنَ فِيهِ, وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ, إِنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ (١) مَعَهُ». فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ. [ق ٤/ ١٥٦، عب ١١/ ٤٥٤ / ٢٠٩٨٩]
* * *
===
نقل في الحاشية عن "جامع الأصول" (٢): بكسر راء وخفة غين معجمة، وهو جاهلي من بقايا ثمود، ثم كان عاملًا لصالح النبي ﷺ ، فأرسله إلى قوم من ثمود، فأحل لهم الحرام، وقيل: كان دليل الحبشة حين جاؤوا لهدم الكعبة، قيل: إنه أول من أخذ العشر، يُضرب به المثل في الظلم والشؤم، وهو الذي يرجم الحاج قبره إلى الآن، قال جرير:
إِذَا مَاتَ الْفَرَزْدَقُ فَارْجُمُوهُ ... كما تَرْمُونَ قَبْرَ أَبِي رِغَالِ
(وكان) أي أبو رغال (بهذا الحرم يدفع) كونه في الحرم (عنه) أي عن أبي رغال العقوبة (فلما خرج) من الحرم (أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه وآية) أي علامة (ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب) أي قطعة من ذهب كالغصن (إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه) أي الغصن (معه) أي مع أبي رغال (فابتدره الناس فاستخرجوا الغصن).
* * *
стр. 6337
(١٥) أَوَّلُ كتَابِ الْجَنَائِزِ
===
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)(١٥) (أَوَّلُ كتَابِ الْجَنَائِزِ) (٢)
الجنائز: جمع جنازة، والجنازة بفتح الجيم اسم للميت المحمول، وبكسرها اسم للنعش الذي يُحمَل عليه الميت، ويقال عكس ذلك، حكاه صاحب "المطالع"، واشتقاقه من جنز إذا ستر، ذكره ابن الفارس وغيره، ومضارعه يجنِز بكسر النون، وقال الجوهري: الجنازة واحد الجنائز، والعامة تقول الجنازة بالفتح، والمعنى للميت على السرير، فإذا لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش، والجنائز بفتح الجيم لا غير، قاله النووي والحافظ (٣) وغيرهما.
والمناسبة بين كتاب الجنائز والكتاب الذي قبله وهو كتاب الخراج والفيء والإمارة بعيدة، ولكن يمكن أن يقال: إن المصنف لما ذكر في آخر الكتاب "باب نبش القبور العادية" ناسب أن يذكر بعده كتاب الجنائز.
стр. 6338
(١) بَابُ الأَمْرَاضِ الْمُكَفِّرَةِ لِلذُّنُوبِ
٣٠٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو مَنْظُورٍ، عن عَمِّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي،
===
أو يقال: إن المصنف ذكر كتاب الجهاد، ثم ذكر كتاب الضحايا، ثم الوصايا، ثم كتاب الفرائض، وهذه الكتب لها تعلق بالموت، فذكر كتاب الجنائز بعدها، ولكن وجه إدخال كتاب الخراج والفيء والإمارة بينهما لِما كان له تعلق بالجهاد، فذكر الجنائز ها هنا بمناسبة الجهاد والضحايا والفرائض لا لمجرد الخراج والفيء والإمارة.
(١) (بَابُ الأمْرَاضِ المُكَفِّرَةِ لِلذُّنُوبِ)
أي جعل الله الأمراضَ كفارةً لذنوب المؤمن الصغائر إذا عَلِمَ أنها رحمة من الله ، وصبر، ولم يظهر الجزع والفزع، ولم يظهر الشكوى
٣٠٨٩ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني رجل من أهل الشام يقال له: أبو منظور) قال في "الخلاصة" (١): "د" أبو منظور عن عمه، وعنه ابن إسحاق، مجهول، وفي "التقريب": أبو منظور الشامي مجهول. (عن عمه) ولم أرَ له ترجمة في كتب الرجال الموجودة عندي.
(قال) أبو منظور: (حدثني عمي) وهذا بيان لقوله أولًا: عن عمه، وظاهر هذا الكلام (٢) يوهم أن ضمير "قال" يعود إلى عم أبي منظور، فعلى هذا حاصل
стр. 6339
عن عَامِرٍ الرَّامِ (١) أَخِي الْخَضِرِ.- قَالَ النُّفَيْلِيُّ: هُوَ الْخُضْرُ، وَلَكِنْ كَذَا قَالَ! - قَالَ: إِنِّي لَبِبِلَادِنَا إِذْ رُفِعَتْ لَنَا رَايَاتٌ وَأَلْوِيَةٌ،
===
المعنى أن أبا منظور يروي عن عمه، وقال عم أبي منظور: حدثني عمي- يعني عم أبي منظور- يروي عن عمه، ولكن هذا غير صحيح؛ فإن الحافظ ﵀ قال في ترجمة عامر الرام: قاله محمد بن إسحاق، عن رجل من أهل الشام يقال له: أبو منظور، عن عمه، عن عامرًا (٢) به.
(عن عامر الرام) قال الحافظ في "التهذيب": عامر الرام، وقيل: الرامي، أخو الخضر بن محارب، عداده في الصحابة، روى عن النبي ﷺ : "إن المؤمن إذا ابتلي، ثم عافاه الله كان كفارة لذنوبه"، الحديث.
وقال في "الإصابة" (٣): عامر الرامي، أخو الخضر، بضم الخاء وسكون الضاد بمعجمتين، المحاربي، من ولد مالك بن مطرف بن خلف بن محارب، وكان يقال لولد مالك: الخضر, لأنه كان شديد الأدمة، وكان عامر راميًا حسن الرمي، فلذلك قيل له: الرامي، وكان شاعرًا (أخي الخضر) بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد المعجمة.
(قال النفيلي) أي عبد الله بن محمد شيخ المصنف: (هو) أي لفظ الخضر بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، صوابه (الخضر) بضم الخاء المعجمة وسكون الضاد المعجمة، أي هذا هو الصواب (ولكن كذا) أي بفتح الخاء وكسر الضاد (قال) أي الراوي، وهو محمد بن سلمة.
حاصله: أن الصواب والمشهور في هذا اللفظ هو الخضر بضم الخاء المعجمة وسكون الضاد المعجمة، ولكن قال شيخي محمد بن سلمة بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد المعجمة، وهو غير صحيح أو غير مشهور.
(قال) أي عامر: (إني لببلادنا إذ رُفِعَت لنا) أي ظهرت لنا (رايات وَأَلْوِية،
стр. 6340
فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا (١): هَذَا لِوَاءُ رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ تَحْتَ شَجَرَةٍ قَدْ بُسِطَ لَهُ كِسَاءٌ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَاُبهُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ، فَذَكَرَ رَسُولُ ﷺ الأَسْقَامَ، فَقَالَ: "إِنَ الْمُؤمِنَ إِذَا أَصَابَهُ السَّقَمُ ثُمَّ أَعْفَاهُ اللَّه مِنْهُا (٢) كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَمَوْعِظَةً لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ ثُمَّ أُعْفِيَ كَانَ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ، فَلَمْ يَدْرِ لِمَ عَقَلُوهُ، وَلَمْ يَدْرِ لِمَ أَرْسَلُوهُ؟ ".
فَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ حَوْلَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الأَسْقَامُ؟
===
فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا لواء رسول الله ﷺ ، فأتيته، وهو تحت شجرة، قد بُسِطَ له كساء، وهو جالس عليه) أي على الكساء (وقد اجتمع عليه) وفي المصرية: "إليه" (أصحابه، فجلست إليهم، فذكر رسول الله ﷺ الأسقامَ) أي الأمراض، (فقال: (إن المؤمن إذا أصابه السقم) أي المرض (ثم أعفاه الله منه) قال في "القاموس" (٣): وأعفاه من الأمر: بَرَّأَه. (كان) أي المرض (كفارةً لما مضى) أي تقدم (من ذنويه) أي الصغائر، ويحتمل أن يقال: إن شأن المؤمن في المرض أن يقبلَ إلى الله تعالى ويتوبَ مما صدر عنه، فحينئذ يكون المرض كفارة للصغائر والكبائر (وموعظة له فيما يستقبل)، أي في الزمان المستقبَل.
(وإن المنافق إذا مرض، ثم أُعْفِيَ كان كالبعير عَقَلَه) قال في "القاموس" (٤): عقل البعيرَ: شَدَّ وظيفَه إلى ذراعه، كَعَقَّلَه واعتقله. (أهلُه ثم أرسلوه، فلم يَدْرِ لِمَ عقلوه، ولم يَدْرِ لِمَ أرسلوه؟ فقال رجل) لم أقف على تسميته (ممن حوله: يا رسول الله! وما الأسقام؟