وَكَانَ بِهَذَا الْحَرَمِ يَدْفَعُ عَنْهُ, فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِى أَصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا الْمَكَانِ, فَدُفِنَ فِيهِ, وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ, إِنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ (١) مَعَهُ». فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ. [ق ٤/ ١٥٦، عب ١١/ ٤٥٤ / ٢٠٩٨٩]
* * *
===
نقل في الحاشية عن "جامع الأصول" (٢): بكسر راء وخفة غين معجمة، وهو جاهلي من بقايا ثمود، ثم كان عاملًا لصالح النبي ﷺ ، فأرسله إلى قوم من ثمود، فأحل لهم الحرام، وقيل: كان دليل الحبشة حين جاؤوا لهدم الكعبة، قيل: إنه أول من أخذ العشر، يُضرب به المثل في الظلم والشؤم، وهو الذي يرجم الحاج قبره إلى الآن، قال جرير:
إِذَا مَاتَ الْفَرَزْدَقُ فَارْجُمُوهُ ... كما تَرْمُونَ قَبْرَ أَبِي رِغَالِ
(وكان) أي أبو رغال (بهذا الحرم يدفع) كونه في الحرم (عنه) أي عن أبي رغال العقوبة (فلما خرج) من الحرم (أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه وآية) أي علامة (ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب) أي قطعة من ذهب كالغصن (إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه) أي الغصن (معه) أي مع أبي رغال (فابتدره الناس فاستخرجوا الغصن).
* * *
стр. 6337
(١٥) أَوَّلُ كتَابِ الْجَنَائِزِ
===
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)(١٥) (أَوَّلُ كتَابِ الْجَنَائِزِ) (٢)
الجنائز: جمع جنازة، والجنازة بفتح الجيم اسم للميت المحمول، وبكسرها اسم للنعش الذي يُحمَل عليه الميت، ويقال عكس ذلك، حكاه صاحب "المطالع"، واشتقاقه من جنز إذا ستر، ذكره ابن الفارس وغيره، ومضارعه يجنِز بكسر النون، وقال الجوهري: الجنازة واحد الجنائز، والعامة تقول الجنازة بالفتح، والمعنى للميت على السرير، فإذا لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش، والجنائز بفتح الجيم لا غير، قاله النووي والحافظ (٣) وغيرهما.
والمناسبة بين كتاب الجنائز والكتاب الذي قبله وهو كتاب الخراج والفيء والإمارة بعيدة، ولكن يمكن أن يقال: إن المصنف لما ذكر في آخر الكتاب "باب نبش القبور العادية" ناسب أن يذكر بعده كتاب الجنائز.
стр. 6338
(١) بَابُ الأَمْرَاضِ الْمُكَفِّرَةِ لِلذُّنُوبِ
٣٠٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو مَنْظُورٍ، عن عَمِّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي،
===
أو يقال: إن المصنف ذكر كتاب الجهاد، ثم ذكر كتاب الضحايا، ثم الوصايا، ثم كتاب الفرائض، وهذه الكتب لها تعلق بالموت، فذكر كتاب الجنائز بعدها، ولكن وجه إدخال كتاب الخراج والفيء والإمارة بينهما لِما كان له تعلق بالجهاد، فذكر الجنائز ها هنا بمناسبة الجهاد والضحايا والفرائض لا لمجرد الخراج والفيء والإمارة.
(١) (بَابُ الأمْرَاضِ المُكَفِّرَةِ لِلذُّنُوبِ)
أي جعل الله الأمراضَ كفارةً لذنوب المؤمن الصغائر إذا عَلِمَ أنها رحمة من الله ، وصبر، ولم يظهر الجزع والفزع، ولم يظهر الشكوى
٣٠٨٩ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني رجل من أهل الشام يقال له: أبو منظور) قال في "الخلاصة" (١): "د" أبو منظور عن عمه، وعنه ابن إسحاق، مجهول، وفي "التقريب": أبو منظور الشامي مجهول. (عن عمه) ولم أرَ له ترجمة في كتب الرجال الموجودة عندي.
(قال) أبو منظور: (حدثني عمي) وهذا بيان لقوله أولًا: عن عمه، وظاهر هذا الكلام (٢) يوهم أن ضمير "قال" يعود إلى عم أبي منظور، فعلى هذا حاصل
стр. 6339
عن عَامِرٍ الرَّامِ (١) أَخِي الْخَضِرِ.- قَالَ النُّفَيْلِيُّ: هُوَ الْخُضْرُ، وَلَكِنْ كَذَا قَالَ! - قَالَ: إِنِّي لَبِبِلَادِنَا إِذْ رُفِعَتْ لَنَا رَايَاتٌ وَأَلْوِيَةٌ،
===
المعنى أن أبا منظور يروي عن عمه، وقال عم أبي منظور: حدثني عمي- يعني عم أبي منظور- يروي عن عمه، ولكن هذا غير صحيح؛ فإن الحافظ ﵀ قال في ترجمة عامر الرام: قاله محمد بن إسحاق، عن رجل من أهل الشام يقال له: أبو منظور، عن عمه، عن عامرًا (٢) به.
(عن عامر الرام) قال الحافظ في "التهذيب": عامر الرام، وقيل: الرامي، أخو الخضر بن محارب، عداده في الصحابة، روى عن النبي ﷺ : "إن المؤمن إذا ابتلي، ثم عافاه الله كان كفارة لذنوبه"، الحديث.
وقال في "الإصابة" (٣): عامر الرامي، أخو الخضر، بضم الخاء وسكون الضاد بمعجمتين، المحاربي، من ولد مالك بن مطرف بن خلف بن محارب، وكان يقال لولد مالك: الخضر, لأنه كان شديد الأدمة، وكان عامر راميًا حسن الرمي، فلذلك قيل له: الرامي، وكان شاعرًا (أخي الخضر) بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد المعجمة.
(قال النفيلي) أي عبد الله بن محمد شيخ المصنف: (هو) أي لفظ الخضر بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، صوابه (الخضر) بضم الخاء المعجمة وسكون الضاد المعجمة، أي هذا هو الصواب (ولكن كذا) أي بفتح الخاء وكسر الضاد (قال) أي الراوي، وهو محمد بن سلمة.
حاصله: أن الصواب والمشهور في هذا اللفظ هو الخضر بضم الخاء المعجمة وسكون الضاد المعجمة، ولكن قال شيخي محمد بن سلمة بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد المعجمة، وهو غير صحيح أو غير مشهور.
(قال) أي عامر: (إني لببلادنا إذ رُفِعَت لنا) أي ظهرت لنا (رايات وَأَلْوِية،
стр. 6340
فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا (١): هَذَا لِوَاءُ رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ تَحْتَ شَجَرَةٍ قَدْ بُسِطَ لَهُ كِسَاءٌ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَاُبهُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ، فَذَكَرَ رَسُولُ ﷺ الأَسْقَامَ، فَقَالَ: "إِنَ الْمُؤمِنَ إِذَا أَصَابَهُ السَّقَمُ ثُمَّ أَعْفَاهُ اللَّه مِنْهُا (٢) كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَمَوْعِظَةً لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ ثُمَّ أُعْفِيَ كَانَ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ، فَلَمْ يَدْرِ لِمَ عَقَلُوهُ، وَلَمْ يَدْرِ لِمَ أَرْسَلُوهُ؟ ".
فَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ حَوْلَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الأَسْقَامُ؟
===
فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا لواء رسول الله ﷺ ، فأتيته، وهو تحت شجرة، قد بُسِطَ له كساء، وهو جالس عليه) أي على الكساء (وقد اجتمع عليه) وفي المصرية: "إليه" (أصحابه، فجلست إليهم، فذكر رسول الله ﷺ الأسقامَ) أي الأمراض، (فقال: (إن المؤمن إذا أصابه السقم) أي المرض (ثم أعفاه الله منه) قال في "القاموس" (٣): وأعفاه من الأمر: بَرَّأَه. (كان) أي المرض (كفارةً لما مضى) أي تقدم (من ذنويه) أي الصغائر، ويحتمل أن يقال: إن شأن المؤمن في المرض أن يقبلَ إلى الله تعالى ويتوبَ مما صدر عنه، فحينئذ يكون المرض كفارة للصغائر والكبائر (وموعظة له فيما يستقبل)، أي في الزمان المستقبَل.
(وإن المنافق إذا مرض، ثم أُعْفِيَ كان كالبعير عَقَلَه) قال في "القاموس" (٤): عقل البعيرَ: شَدَّ وظيفَه إلى ذراعه، كَعَقَّلَه واعتقله. (أهلُه ثم أرسلوه، فلم يَدْرِ لِمَ عقلوه، ولم يَدْرِ لِمَ أرسلوه؟ فقال رجل) لم أقف على تسميته (ممن حوله: يا رسول الله! وما الأسقام؟
стр. 6341
وَاللَّهِ مَا مَرِضْتُ قَطُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قُمْ عَنَّا فَلَسْتَ مِنَّا".
فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ كِسَاءٌ وَفِي يَدِهِ شَيءٌ قَدِ الْتَفَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُكَ أَقْبَلْتُ إِلَيْكَ فَمَرَرْتُ بِغَيْضَةِ شَجَرٍ فَسَمِعْتُ فِيهَا أَصْوَاتَ فِرَاخِ طَائِرٍ، فَأَخَذْتُهُنَّ فَوَضَعْتُهُنَّ في كِسَائِي، فَجَاءَتْ أُمُّهُنَّ فَاسْتَدَارَتْ عَلَى رَأسِي، فَكَشَفْتُ لَهَا عَنْهُنَّ، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِنَّ مَعَهُنَّ، فَلَفَفْتُهُنَّ بِكِسَائِي فَهُنَّ أُولَاءِ مَعِي، قَالَ: "ضَعْهُنَّ عَنْكَ"، فَوَضَعْتُهُنَّ، وَأَبَتْ أُمُّهُنَّ إِلَّا لُزُومَهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: "أَتَعْجَبُونَ لِرُحْمِ أُمِّ الأَفْرَاخِ فِرَاخَهَا؟ "، قَالُوا (١): نَعَمْ
===
والله ما مرضت قط، فقال النبي ﷺ : قم عنا فلستَ منا) أي من أهل صحبتنا وقربنا, لأنك لم تبتل بالمصيبة والبلية، وشأن المؤمن الكامل أن يبتلى، وتصيبه البلايا حتى يطهره الله في الدنيا.
(فبينا نحن عنده) أي عند رسول الله ﷺ (إذ أقبل رجل عليه كساء، وفي يده شيء قد التف) أي لف الكساءَ (عليه) أي على الشيء (فقال) الرجل: (يا رسول الله! إني لَمَّا رأيتُكَ أقبلت إليك، فمررتُ بغيضة شجر) قال في "القاموس": والغَيْضَة بالفتح: الأَجَمَة، ومجتمع الشجر في مغيض. (فسمعت فيها) أي الغيضة (أصوات فراخ طائر) والفراخ بكسر الفاء، جمع فرخ، وهو ولد الطائر (فأخذتهن، فوضعتهن في كسائي، فجاءت أمهن، فاستدارت على رأسي، فكشفت لها) أي لأم الفراخ (عنهن) أي عن فراخها (فوقعت عليهن معهن) أي الفراخ (فَلَفَقْتُهن) أي الأمَّ وفراخَها (بكسائي، فهن أولاء معي).
(قال) رسول الله ﷺ : (ضعهن عنك) أي على الأرض (فوضعتهن، وأبت أمهن إلَّا لزومهن، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: أَتعجبون لِرُحْم) قال في "الدرجات": كقفل (أمِّ الأفراخِ فراخَها؟ ) أي لرحمة أمهن لهن (قالوا: نعم،
стр. 6342
يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَوَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أُمَّ الأَفْرَاخِ بِفِرَاخِهَا، ارْجِعْ بِهِنَّ حَتَّى تَضَعَهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَذتَهُنَّ وَأمُّهُنَّ مَعَهُنَّ"، فَرَجَعَ بِهِنَّ.
... (١).
(٢) [بَابٌ: إِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا فَشَغَلَهُ عَنْهُ مَرَضٌ أوْ سَفَرٌ] (٢)
٣٠٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَمُسَدَّدٌ، الْمعنى،
===
يا رسول الله، قال) رسول الله ﷺ : (فوالذي بعثني بالحق لله أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها، ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتَهن وأُمُّهن معهن، فرجع بهنّ)، وإنما أمر رسول الله ﷺ بأن يرجع بهن حتى يضعهن من حيث أخذهن رحمة منه على الخلق وشفقة عليها لئلا تضيع الأفراخ وتتألم أُمّهن.
(٢) (بَابٌ: إِذَا كان الرَّجُلُ يَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا فَيَشْغَلَهُ عَنْهُ مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ)، فهل يكتب له أجر عمله؟ وهذه الترجمة ليست موجودة في النسخة المصرية
٣٠٩١ - (حدثنا محمد بن عيسى ومسدد، المعنى) أي معنى حديثهما
стр. 6343
قَالَا: نَا هُشَيْمٌ، عن الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ السَّكْسَكِيِّ، عن أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى (١) قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ (٢) غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ يَقُولُ: "إِذَا كَانَ الْعَبْدُ يَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا فَشَغَلَهُ عَنْهُ (٣) مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ كُتِبَ (٤) لَهُ كَصَالِحِ مَا كان يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ". [خ ٢٩٩٦، حم ٤/ ٤١٠ - ٤١٨]
===
واحد (قالا: نا هشيم، عن العوّام) بتشديد الواو (ابن حوشب) بن يزيد بن الحارث الشيباني الربعي، أبو عيسى الواسطي، أسلم جده على يد عليّ، فوهب له جارية، فولدت له حوشب، فكان على شرطته، عن أحمد: ثقة ثقة، وقال ابن معين وأبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، ليس به بأس.
(عن إبراهيم بن عبد الرحمن) بن إسماعيل (السكسكي) بفتح المهملتين، وسكون الكاف الأولى، نسبة إلى السكاسك بطن من كندة، أبو إسماعيل الكوفي، مولى صُخَير بضم المهملة وفتح المعجمة مصغرًا، قال أحمد بن حنبل: ضعيف، وقال القطان: كان شعبة يضعِّف، كان يقول: لا يحسن يتكلم، وقال النسائي: ليس بذاك القوي، يُكتَب حديثه، وذكره العقيلي في "الضعفاء" (٥).
(عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: سمعت النبي ﷺ غير مرة ولا مرتين) أي بل أكثر منها (يقول: إذا كان العبد يعمل عملًا صالحًا فشغله عنه) أي عن العمل الصالح (مرض أو سفر كُتِبَ له كصالح ما كان يعمل وهو صحيح) يتعلق بالمرض (مقيم) وهو يتعلق بالسفر.
стр. 6344
(٣) بَابُ عِيَادَةِ النِّسَاء
٣٠٩٢ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَارٍ، عن أَبِي عَوَانَةَ (١)، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عن أُمِّ الْعَلَاءِ
===
(٣) (بابُ عِيَادَةِ النِّسَاء)، أي عيادة الرجالِ النساءَ، وليس في النسخة المصرية هذه الترجمة أيضًا
٣٠٩٢ - (حدثنا سهل بن بكار، عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير) بن سويد بن حارثة القرشي، قال في "التقريب" (٢): يقال له: الفرسي بفتح الفاء والراء ثم مهملة، نسبة إلى فرس له سابق، المعروف بالقبطي، أبو عمرو، ويقال: أبو عمر، عن أحمد: عبد الملك مضطرب الحديث جدًّا مع قلة روايته، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غلط في كثير منها، وعن ابن معين: مخلط، وقال العجلي: تغير حفظه قبل موته، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وكان مدلَّسًا، وقال ابن نمير: كان ثقة ثبتًا، وقال ابن البرقي عن ابن معين: ثقة، إلا أنه أخطأ في حديث أو حديثين.
واختُلِفَ في ضبط القرشي، قيل: بالقاف والمعجمة نسبة إلى قريش، ويدل عليه قول ابن سعد أنه حليف بني عدي بن كعب، وعليه مشى المؤلف بقوله القرشي، وأما أبو حاتم ويعقوب بن سفيان (٣) وغير واحد فضبطوه بالفاء والمهملة لنسبته إلى فرسه، حتى خَطَّأ ابن الأثير من قال غير ذلك، والصواب أنه يجوز في نسبته الأمران لما أسلفنا.
(عن أم العلاء) ذكر الحافظ أولًا في "الإصابة" (٤): أم العلاء عمة حزام بن حكيم (٥) الأنصارية، قال ابن السكن: عادها النبي ﷺ ، وخَرَّج حديثها عن أهل
стр. 6345
قَالَتْ: عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَرِيضَةٌ، فَقَالَ: "أَبْشِرِي (١) يَا أُمَّ الْعَلَاءِ، فَإِنَّ مَرَضَ الْمُسْلِمِ يُذْهِبُ اللهُ بِهِ خَطَايَاهُ كَمَا تُذْهِبُ النَّارُ خَبَثَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ".
٣٠٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى. (ح): وَنَا ابْنُ بَشَّارٍ (٢): نَا عُثْمَانُ بْنُ عَمْرٍو
===
الشام، ثم خَرَّج هو وابن منده من طريق الزبيدي عن يونس بن سيف (٣) أن حزام بن حكيم أخبره عن عمته أمِّ العلاء: "أن رسول الله ﷺ عادها من حمى، فرآها تضور من شدة الحمى"، الحديث. قال ابن السكن: لم أجد لها غير هذا الحديث.
ثم ذكر أم العلاء ثانيًا وكتب: قال ابن السكن: روى عنها عبد الملك بن عمير، وليست التي قبلها، ثم أخرج من طريق أبي عوانة عن عبد الملك: أن امرأة يقال لها: أم العلاء حدثته قالت: "عادني رسول الله ﷺ وأنا مريضة الحديث".
قلت: وهكذا أخرجه أبو داود من رواية أبي عوانة، وذهب غيره إلى أنهما واحدة لاتفاق الحديثين، وإن اختلف مخرجهما، لكن يقوي ما قاله ابن السكن: أن عمة حزام بن حكيم قيل فيها: إنها أنصارية، وهذه جاء في سياق حديثها عن عبد الملك بن عمير عن أم العلاء امرأة منهم، وعبد الملك لخمي، فتكون هذه لخمية، والتي قبلها أنصارية، فقوي التعدد.
(قالت: عادني رسول الله ﷺ وأنا مريضة، فقال: أبشري يا أم العلاء، فإن مرضَ المسلم يُذهِبُ الله به خطاياه، كما تذهب النارُ خبثَ الذهب والفضة).
٣٠٩٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، ح: ونا) محمد (بن بشار، نا عثمان بن عمرو) بن ساج القرشي، أبو ساج الجزري، مولى بني أمية، وقد يُنسَبُ إلى
стр. 6346
- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا لَفْظُه (١) -، عن أَبِى عَامِرٍ الْخَزَّازِ، عن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لأَعْلَمُ أَشَدَّ آيةٍ في كِتَابِ (٢) اللَّهِ ،
===
جده، وقول المصنف: "وقد يُنْسَبُ إلى جده" يوهم الجزمَ بأنه عثمان بن ساج الراوي عن خصيف ومقسم وغيرهما، وقد تردد فيه بعد ذلك، وقد أكثر التخريجَ الفاكهى في "كتاب مكة" عَن عثمان بن ساج من غير ذكر عمرو بينهما، وأما النسائي والعقيلي وغيرهما فما زادوا في نسب عثمان بن عمرو شيئًا، إلَّا أنهم قالوا: إنه حراني، ولا يسمي أحد منهم [جده].
فيدل مجموع ذلك على المغايرة بينهما، قال العقيلي: عثمان بن عمرو الحراني لا يُتابَع في حديثه، وقال الأزدي: يتكلمون في حديثه، وقال أبو حاتم: عثمان والوليد ابنا عمرو بن ساج يُكتَب حديثُهما ولا يُحتَجُّ بهما، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(قال أبو داود: وهذا لفظه) أي لفظ ابن بشار، (عن أبي عامر الخزاز) بمعجمات، صالح بن رستم المزني مولاهم، البصري، عن ابن معين: ضعيف، وعن يحيى: لا شيء، وعن أحمد: صالح الحديث، وقال العجلي: جائز الحديث، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: يُكتَب حديثُه ولا يُحتَج به، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وقال الطيالسي: حدثنا أبو عامر الخزاز، وكان ثقة، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وقال ابن عدي: عزيز الحديث، وقال أبو بكر البزار ومحمد بن وضاح: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣).
(عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله! إني لأعلم أشد) أي أخوف وأشق (آية في كتاب الله أي عليَّ أو على المسلمين
стр. 6347
قَالَ: «أَيَّةُ آيَةٍ يَا عَائِشَةُ؟ » , قَالَتْ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ , قَالَ: «أَمَا عَلِمْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ المسلم (١) تُصِيبُهُ النَّكْبَةُ أَوِ الشَّوْكَةُ فَيُكَافَأُ بِأَسْوَء عَمَلِهِ, وَمَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ! » , قَالَتْ (٢): أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قَالَ: «ذَاكُمُ (٣) الْعَرْضُ, يَا عَائِشَةُ! مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ». [خ ١٠٣، م ٢٨٧٦ مختصرًا]
===
(قال) رسول الله ﷺ : (أية آية يا عائشة؟ قالت: قول الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾) (٤).
(قال) رسول الله ﷺ : (أما علمتِ يا عائشة أن المسلم) وفي المصرية: "المؤمن" (تصيبه النكبة) قال في "القاموس": النكبة بالفتح: المصيبة، (أو) للشك من الراوي (الشوكة) تصيب المؤمنَ فيذكر الله تعالى ويصبر عليها (فيكافأ باسوأ عمله) من الصغائر (ومن حوسب عُذِّب، قالت: أليس يقول الله) (﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾) (٥) فهذه الآية تدل على أن من يحاسب حسابًا يسيرًا لا يُعَذَّب، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، فكيف يصح: من حُوْسِبَ عُذِّبَ.
(قال) رسول الله ﷺ (ذاكم) أي الحساب اليسير (العرض) أي عرض الذنوب على الله ، وهو ليس بحساب في الحقيقة (يا عائشة! من نوقش الحسَاب) أي استُقْصِيَ فيه ولم يُسَامَحْ (عُذِّب) وحاصل الجواب أن المراد من الحساب في قوله: "من حوسب" هو المناقشة في الحساب والمطالبة بكل من الجليل والحقير، لا مطلق الحساب الشامل للعرض. وهذا الحديث لا مناسبة له بباب "عيادة النساء" بل له مناسبة بالباب الذي قبله.
стр. 6348
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ بَشَّارٍ قَالَ: نَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ.
(٤) بَابٌ: في الْعِيَادَةِ
٣٠٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَرَفَ فِيهِ الْمَوْتَ، قَالَ: "قَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ حُبِّ يَهُودَ"،
===
(قال أبو داود: وهذا لفظ ابن بشار قال: نا ابن أبي مليكة)، وأما لفظ مسدد فلعله: عن ابن أبي مليكة. فإن قلت: هذا مخالف لما تقدم: "وهذا لفظه عن أبي عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة "، فإنه يدل على أن لفظ ابن بشار بلفظ عن ابن أبي مليكة، وهذا يدل على أن لفظ ابن بشار هو: حدثنا ابن أبي مليكة، ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله في السند: "وهذا لفظه" المراد به أن لفظ متن الحديث لفظ ابن بشار، وما قال بعد تمام الحديث: "هذا لفظ ابن بشار" هو لفظه في السند قوله: "حدثنا ابن أبي مليكة".
(٤) (بابٌ: في الْعِيَادَةِ) (١)
٣٠٩٤ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد قال: خرج رسول الله ﷺ يعود عبد الله بن أُبَيّ) المنافق (في مرضه الذي مات فيه، فلما دخل عليه عرف فيه الموت) أي علاماتها وآثارها.
(قال) رسول الله ﷺ : (قد كنت أنهاك) أي أزجرك (عن حب يهود)
стр. 6349
قَالَ: فَقَدْ أَبْغَضَهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، فَمَهْ؟ فَلَمَّا مَاتَ أَتَاهُ ابْنُهُ (١) فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ (٢)، إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَدْ مَاتَ، فَأَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، فَنَزَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. [حم ٥/ ٢٠١، ك ١/ ٣٤١]
(٥) بَابٌ: في عِيَادَةِ الذِّمِّيِّ
٣٠٩٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادٌ- يَعْنِي ابْنَ زيدٍ -، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ: أَنَّ غُلَامًا مِنَ الْيَهُودِ كَانَ مَرِضَ
===
وَحُبُّهم حملك على النفاق، فحينئذ تموت على النفاق، ولا ينجيك الإِسلام اللساني من عذاب الله. (قال) عبد الله: (فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فَمَهْ؟ ) أي فبغضهم لم ينفعه من الموت، ومنشأ هذا الجواب أن عبد الله لم يفهم ما قال له رسول الله ﷺ .
(فلما مات أتاه) أي رسول الله ﷺ (ابنُه) عبد الله بن أبيّ، وكان مؤمنًا (فقال: يا نبي الله! إن عبد الله بن أبي قد مات؛ فأعطني قميصَك اُكَفِّنْه فيه، فنزع رسول الله ﷺ قميصَه فأعطاه) أي القميصَ (إياه) أي عبدَ الله بن عبد الله، وإنما أعطاه القميص تطييبًا لقلب عبد الله بن عبد الله، وقد علم ﷺ أن القميص لا ينفعه مع نفاقه، وقيل: أعطاه قميصًا بعوض ما أعطى القميصَ عباسًا، فأحب رسول الله ﷺ أن يكافئه في الدنيا.
(٥) (بَابٌ: في عِيَادَةِ الذِّمِّيِّ) (٣)، هل يجوز؟
٣٠٩٥ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد -يعني ابن زيد-، عن ثابت، عن أنس: أن غلامًا) قيل: اسمه عبد القدوس (من اليهود، كان مرض)،
стр. 6350
فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأسِهِ (١)، فَقَالَ لَهُ: "أَسْلِمْ"، فَنَظَرَ إِلَى أَبيهِ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ (٢): أَطِع أَبَا الْقَاسِمِ، فَأَسْلَمَ، فَقَامَ الَنَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذهُ بِي مِنَ النَّارِ". [خ ٥٦٥٧، حم ٣/ ٢٨٠، ق ٣/ ٣٢٣]
===
وفي رواية البخاري: "كان يخدم النبي ﷺ فمرض".
(فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد) رسول الله (عند رأسه) أي رأسِ الغلام (فقال له) أي للغلام: (أَسْلِمْ) والظاهر أنه كان عاقلًا (فنظر) أي الغلام (إلى أبيه، وهو عند رأسه) أي كان أبوه عند رأس الغلام (فقال له أبوه: أَطِعْ أبا القاسم) ﷺ (فأسلم، فقام النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه بي) أي بسببي (من النار).
وهذا الحديث يدل على أن إيمان الصبيان معتبر صحيح، ولو لم يسلموا عُذِّبوا. قال الحافظ (٣): وفي الحديث جواز استخدامِ المشرك، وعيادتِه إذا مرض، وفيه حسنُ العهد، واستخدامُ الصغير, وعرضُ الإِسلام على الصبي، ولولا صحته منه ما عرضه عليه، وفي قوله: "أنقذه بي من النار" دلالة على أنه صح إسلامه، وعلى أن الصبي إذا عقل الكفر ومات عليه أنه يُعَذَّب، انتهى.
قلت: ومسألة أطفال المشركين خلافية لاختلاف الأدلة الواردة فيها، ولهذا توقف فيه إمام الأئمة الإِمام الأعظم - رحمه الله تعالى-، وفصَّله الحافظ في "فتح الباري" في "باب أولاد المشركين" (٤).
стр. 6351
(٦) بَابُ الْمَشْيِ في الْعِيَادَةِ
٣٠٩٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عن سُفْيَانَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي لَيْسَ بِرَاكِبٍ بَغْلًا (١) وَلَا بِرْذَوْنًا". [خ ٥٦٦٤، ت ٣٨٥١، حم ٣/ ٣٧٣، السنن الكبرى ٧٥٠١]
(٧) بَابٌ: في فَضْلِ الْعِيَادَةِ (٢)
٣٠٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، نَا الرَّبِيعُ بْنُ رَوْحِ بْنِ خُلَيْدٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ
===
(٦) (بابُ الْمَشْيِ)، أي على الأرجل (في الْعِيَادَةِ)
٣٠٩٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: كان النبي ﷺ يعودني ليس براكب (٣) بغلًا ولا برذونًا) بكسر موحدة وفتح معجمة: الدابة لغة، وخصه العرف بنوع من الخيل، وهو التركي من الخيل خلاف الأعراب، والبراذين جمعه، "مجمع" (٤).
(٧) (بابُّ: في فَضْلِ الْعِيَادَةِ) على وضوء
٣٠٩٧ - (حدثنا محمد بن عوف الطائي، نا الربيع بن روح بن خليد) الحضرمي، أبو روح اللاحوني الحمصي، قال أبو حاتم: كان ثقة خيارًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، (نا محمد بن خالد) بن محمد، ويقال: ابن موسى
стр. 6352
قَالَ: نَا الْفَضْلُ بْنُ دَلْهَم الْوَاسِطِيُّ، عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، وَعَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُحْتَسِبًا بُوعِدَ مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ (١) خَرِيفًا".
قُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، وَمَا الْخَرِيفُ؟ قَالَ: الْعَامُ (٢).
٣٠٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا شُعْبَةُ، عن الْحَكَمِ،
===
الوهبي، أبو يحيى بن أبي مخلد الحمصي، عن أبي داود: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطني: ثقة.
(قال: نا الفضل بن دلهم الواسطي، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ فأحسن الوضوء) أي أتى به كاملًا مسبغًا (وعاد أخاه المسلم محتسبًا) أي طالبًا للأجر والثواب (بُوْعد) صيغة مجهول من المباعدة (من جهنم مسيرة سبعين خريفًا). قال ثابت: (قلت: يا أبا حمزة) كنية لأنس بن مالك (وما الخريف؟ قال: العام).
(قال أبو داود: والذي تفرد به البصريون منه العيادةَ وهو متوضئ) أي لم يروه إلا البصريون، وهم أنس بن مالك وثابت البناني وفضل بن دلهم، والنسخة المصرية والمكتوبة الأحمدية والمكتوبة المدنية خالية عن هذه العبارة.
٣٠٩٨ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن الحكم) بن عتبة (٣)،
стр. 6353
عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، عن عَلِيٍّ قَالَ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا مُمْسِيًا إِلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَتَاهُ مُصْبِحًا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيف في الْجَنَّةِ". [حم ١/ ١٢١، ق ٣/ ٣٨١]
٣٠٩٩ - حَدَّثنا من عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: نَا الأَعْمَشُ، عن الْحَكَمِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ، عن النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْخَرِيفَ. [جه ١٤٤٢، حم ١/ ٨١، ك ١/ ٣٤٩، ق ٣/ ٣٨٠]
===
(عن عبد الله بن نافع) الكوفي، أبو جعفر، مولى بني هاشم، ذكره ابن حبان في "الثقات"، ووقع في رواية ابن جرير: "وكان غلامًا للحسن بن علي ﵄"، ذكر الحافظ في "التهذيب" (١) روايته عن الحسن بن علي وأبي موسى الأشعري، ولم يذكر روايته عن علي ﵁.
(عن علي) ﵁ (قال: ما من رجل يعود مريضًا ممسيًا) أي وقت المساء، وهو من الزوال إلى الغروب (إلَّا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح، وكان له خريف). قال في "المجمع" (٢): أي مخروف (في) ثمار (الجنة، ومن أتاه مصبحًا خرج معه سبعون ألف ملك، يستغفرون له حتى يمسي، وكان له خريف في الجنة)، والحديث موقوف على علي ﵁.
٣٠٩٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو معاوية قال: نا الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي) ﵁، (عن النبي ﷺ بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم (ولم يذكر الخريفَ).
حاصله: أن الحديث المرفوع اقتصر فيه على ذكر خروج الملائكة سبعين ألفًا حتى يصبح، ولم يذكر فيه: "وكان له خريف في الجنة".
стр. 6354
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ مَنْصُورٌ عن الْحَكَمِ أَبِي حَفْص، كَمَا رَوَاهُ شُعْبَةُ.
===
(قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ مَنْصُورٌ عن الْحَكَمِ أَبِي حَفْص، كَمَا رَوَاهُ شُعْبَةُ) أي موقوفًا، والذي عندي في معنى هذا الكلام أن شعبة ومنصورًا رويا عن الحكم موقوفًا على علي ﵁، وروى الأعمش عن الحكم مرفوعًا، فالموقوف محفوظ، وقال صاحب "العون" (١) في معنى هذا الكلام: ورواه منصور عن الحكم، أي بذكر الخريف كما رواه شعبة.
قلت: وهذا بعيد؛ فإن الأهم عند المحدثين أن يتكلموا في السند، ولم أجد رواية منصور عن الحكم فيما عندي من كتب الحديث، وقد رواه أحمد الإِمام في "مسنده" بأسانيد مختلفة، أكثرها مرفوعًا، وبعضها موقوفًا.
فروى عن عبد الله بن يزيد، ثنا شعبة، عن الحكم، عن عبد الله بن نافع قال: عاد أبو موسى الأشعري الحسنَ بن علي ﵄، فقال له علي ﵁: أعائدًا جئت أم زائرًا؟ فقال أبو موسى: بل جئت عائدًا، فقال علي ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من عاد مريضًا" (٢)، الحديث، وهو مرفوع.
ثم أخرج من حديث محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم، عن عبد الله بن نافع قال: عاد أبو موسى الأشعري الحسنَ بن علي بن أبي طالب ﵄، فقال له علي ﵁: عائدًا جئت أم زائرًا؟ قال: لا، بل جئت عائدًا، قال علي ﵁: "أما إنه ما من مسلم يعود مريضًا إلا خرج معه سبعون ألف ملك"، الحديث، وهذا موقوف.
وأخرج (٣) مرفوعًا من حديث أبي معاوية، ثنا الأعمش، عن الحكم بن
стр. 6355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: جاء أبو موسى إلى الحسن بن علي يعوده، فقال له علي ﵁: عائدًا جئت أم شامتًا؟ قال: لا، بل عائدًا، فقال له علي ﵁: إن كنتَ جئتَ عائدًا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا عاد الرجل أخاه المسلمَ مشى في خرافة الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غَمَرَتْه الرحمةُ، فإن كان غدوةً صلَّى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن كان مساءً صلَّى عليه ألف ملك حتى يصبح"، وفيه ذكر الخريف على خلاف حديث أبي داود.
وقد أخرج (١) في قصة أخرى في عيادة عمرو بن حُرَيث حسنَ بن علي ﵄، فقال علي ﵁: سمعت رسول الله ﷺ نحو هذا الحديث.
وقد أخرج (٢) من حديث محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا سعيد بن سلمة -يعني ابن أبي الحسام-، ثنا مسلم بن أبي مريم، عن رجلى من الأنصار، عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من عاد مريضًا مشى في خِراف الجنة"، وهذان الحديثان مرفوعان.
وقد أخرج الترمذي (٣) من حديث عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أتى أخاه المسلم عائدًا مشى في خرافة الجنة حتى يجلس"، الحديث، وهذا فيه ذكر الخرافة على خلاف رواية أبي داود.
وزاد على حاشية النسخة المكتوبة القلمية:
стр. 6356
٣١٠٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن الْحَكَمِ، عن أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ - قَالَ: وَكَانَ نَافِعٌ غُلَامَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ- قَالَ: جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ يَعُودُهُ.
وَسَاقَ مَعْنَى حَدِيثِ شُعْبَةُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أُسْنِدَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ عن النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ صَحِيحٍ.
(٨) بَابٌ: في الْعِيَادَةِ مِرَارًا
٣١٠١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا عَبْدُ الله بْنُ نُمَيْرٍ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "لَمَّا أُصِيبَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ رَمَاهُ رَجُلٌ
===
٣١٠٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن أبي جعفر عبد الله بن نافع- قال: وكان نافع غلام الحسن بن علي- قال: جاء أبو موسى إلى الحسن بن علي يعوده، وساق معنى حديث شعبة. قال أبو داود: أُسند هذا عن علي، عن النبي ﷺ من غير وجه صحيح) وكتب بعد إيراد هذا الحديث: أورده في "الأطراف" (١)، ثم قال: حديث عثمان عن جرير في رواية أبي الحسن بن العبد وغيره، ولم يذكره أبو القاسم.
(٨) (بَابٌ: في الْعِيَادَةِ مِرَارًا)
٣١٠١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما أصيب سعدُ بنُ معاذ يوم الخندق رماه رجل)، وفي رواية البخاري: "رماه رجل من قريش يقال له: حِبّان بن العرقة"، وهو اسم أمه، وهو حبان بن قيس من بني معيص بن عامر بن لؤي.
стр. 6357
في الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْمَةً في الْمَسْجِدِ ليَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ". [خ ٤١٢٢، م ١٧٦٩]
(٩) بَابُ الْعِيَادَةِ مِنْ الرَّمَدِ
٣١٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عن أَبِيهِ، عن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: "عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنَيَّ". [ق ٣/ ٣٨١]
===
(في الأكحل) بفتح الهمزة والمهملة، وبينهما كاف ساكنة، وهو عرق في وسط الذراع، قال الخليل: هو عرق الحياة، ويقال: إن في كل عضو منه شعبة فهو في اليد الأكحل، وفي الظهر الأبهر، وفي الفخذ النَّساء، وإذا قطع لم يرقأ الدم.
(فضرب عليه رسول الله ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب)، والحديث طويل اقتصر المصنف منه على قدر الترجمة، وتمامه في "مغازي البخاري" (١).
(٩) (بَابُ الْعِيَادَةِ مِنَ الرَّمَدِ)
٣١٠٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا حجاج بن محمد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن زيد بن أرقم قال: عادني رسول الله ﷺ من وجع كان بعيني).
قال القاري (٢): قال في "الأزهار": وفيه بيان استحباب العيادة وإن لم يكن المرض مخوفًا كالصداع ووجع الضرس، وأن ذلك عيادة، حتى يحوز بذلك أجر العيادة، ويحنث به خلافًا للشيعة. أقول: وروي عن بعض الحنفية أن العيادة في الرمد ووجع الضرس خلاف السنَّة، والحديث يرده،
стр. 6358
(١٠) بَابُ الْخُرُوجِ مِنَ الطَّاعُون
٣١٠٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شَهَابٍ،
===
ولا أعلم من أين تيسر لهم الجزم بأنه خلاف السنَّة مع أن السنَّة خلافه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وقد ترجم عليه أبو داود في "سننه" فقال: "باب العيادة من الرمد"، ثم أسند الحديث والله الهادي.
أقول: يُحْمَلُ [قوله]: "خلاف السنَّة" على السنَّة المؤكدة، ولا يرد الحديث؛ إذ ليس فيه تصريح منه بأنه عيادة، بل يحتمل أن يكون زيارة، وإنما قال الصحابي على زعم أنه عيادة، أو على أنه مشابه بالعيادة فأطلقه مجازًا.
قال في "شرعة الإِسلام": ومن السنَّة المؤكدة أن يعود أخاه فيما اعتراه، أي أصابه من المرض إلَّا في ثلاثة أمراض: صاحب الرمد، والضرس، والدمل، قال الشارح: وبتقييدنا السنَّةَ بالمؤكدة يندفع ما يُتَوَهَّم من المخالفة بين ما ذكر المصنف وبين ما ذكر في "المصابيح" من أن زيد بن أرقم قال: عادني النبي ﷺ من وجع كان بعيني، فإنه محمول على أنه من السنن غير المؤكدة (١)، وخلاصة الكلام أنه لا يلزم فيها العيادة، لا أنه منهي عنها، انتهى.
(١٠) (بَابُ الْخُرُوجِ) (٢) من بلده (مِنَ الطَّاعُون)
٣١٠٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب،
стр. 6359
عن عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنٍ بنِ زيدِ بْنِ الْخَطَّاب، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نوْفَلٍ، عن عَبْدِ الَلَّةِ بْنِ عَبَّاسٍ (١) قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تُقْدِمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ
===
عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب) العدوي، أبو عمر المدني، استعمله عمر بن عبد العزيز على الكوفة، وقيل: عداده في أهل الجزيرة، قال العجلي والنسائي وابن خراش: ثقة، وقال أبو بكر بن أبي داود: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس قال: قال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا سمعتم به) أي بالطاعون (بأرض) أي وقع بأرض (فلا تقدموا عليه) بضم التاء من الإقدام، وفي بعض النسخ بفتح التاء والدال، والمحفوظ ضم التاء (وإذا وقع بأرض
стр. 6360
وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ- يَعْيي الطَّاعُونَ-". [خ ٥٧٣٠، م ٢٢١٨]
===
وأنتم بها) أي بالأرض (فلا تخرجوا فرارًا (١) منه - يعني الطاعون-).
قال الطيبي (٢): فيه أنه لو خرج لحاجة فلا بأس به، وقال بعضهم: الطاعون لما كان عذابًا نهى عن الإقدام، فإنه تهوُّر وإقدام على الخطر، والعقل يمنعه، ونهى عن الفرار أيضًا، فإن الثبات فيه تسليم لما لم يسبق منه اختيار فيه، ويحتمل أنه كره ذلك لما فيه من تضييع المرضى والموتى لو تحول الأصحاء عنهم، وقال القاضي: في الحديث النهي عن استقبال النبلاء فإنه تهور، وعن الفرار فإنه فرار عن القدر، ولا ينفعه، قال الخطابي (٣): أحد الأمرين تأديب وتعليم، والآخر تفويض وتسليم، انتهى، قاله القاري.
وقد أخرج البخاري عن عائشة ﵂ قالت: "سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون، فأخبرني: أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحد يقع الطاعونُ، فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلَّا كان له مثل أجر شهيد" (٤).
وأخرج الشيخان (٥)، عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "الطاعون رجز أُرْسِلَ على طائفة من بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه".
стр. 6361
(١١) بَابُ الدُّعَاءِ لِلمَرِيضِ بِالشِّفَاءِ عِنْدَ العِيَادَةِ
٣١٠٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا الْجُعَيْدُ، عن عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ أَنَّ أَبَاهَا قَالَ: "اشْتَكَيْتُ بِمَكَّةَ، فَجَاءَنِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي، ثُمَّ مَسَحَ صَدْرِي وَبَطْنِي، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ". [خ ٥٦٥٩, حم ١/ ١٧١، ق ٣/ ٣٨١]
===
والطاعون قيل: الوباء والمرض العام الذي يُفْسِد الهواءَ، فتفسد به الأمزجة والأبدان، وقال النووي (١): الطاعون قروح تخرج في الجسد، فتكون في المرافق أو الآباط أو الأيدي أو الأصابع أو سائر البدن، ويكون معه ورم وأم شديد، وتخرج تلك القروح مع لهيب، ويسود مع حواليه أو يخضرّ أو يحمرّ حمرة شديدة بنفسجية كُدْرَة، يحصل منها خفقان القلب والقيء.
(١١) (بَابُ الدعَاءِ لِلْمَرِيضِ بِالشِّفَاءِ عِنْدَ الْعِيَادَةِ)
٣١٠٤ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا مكي بن إبراهيم، نا الجعيد)، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب": الجعد بن عبد الرحمن بن أوس، ويقال: أويس الكندي، ويقال: التميمي، وقد يُنْسَبُ إلى جده، ويقال له: الجعيد أيضًا، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال ابن المديني: لم يرو عنه مالك، قال الساجي: أحسبه لصغره.
(عن عائشة بنت سعد) بن أبي وقاص (إن أباها قال: اشتكيت بمكة، فجاءني رسول الله ﷺ يعودني، ووضع يده على جبهتي، ثم مسح صدري وبطني، ثم قال: اللهم اشْفِ سعدًا، وأتمم له هجرته)، وكان سعد ممن هاجر إلى المدينة، فكره رسول الله ﷺ أن يموت في موضع هاجر منها، فيكون نقصانًا
стр. 6362
٣١٠٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ كَثِير قَالَ: أَنَا سُفْيَانُ، عن مَنْصُورٍ، عن أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِي". [خ ٥٣٧٣، حم ٤/ ٣٩٤، ق ٣/ ٣٧٩]
قَالَ سُفْيَانُ: وَالْعَافي: الأَسِيرُ (١).
(١٢) بَابُ الدُّعَاءِ لِلمَرِيضِ عِنْدَ الْعِيَادَةِ
٣١٠٦ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ يَحْيَى، نَا شُعْبَةُ، نَا يَزِيدُ أَبُو خَالِدٍ،
===
في الهجرة، فاستجاب الله دعاء رسوله فشفاه، ثم مات بعد ذلك بسنين، سنة خمس وخمسين في المدينة بعد ما فتح العراق، وبني الكوفة.
٣١٠٥ - (حدثنا ابن كثير قال: أنا سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : أطعموا الجائع) وهو سنة إن لم يصل حَدَ الاضطرار، وفرض على الكفاية إن وصل إن لم يتعين. (وعودوا (٢) المريض). قال ابن بطال (٣): يحتمل أن يكون الأمر للوجوب على الكفاية، ويحتمل أن يكون للندب للحث على التواصل والألفة، وجزم الداودي بالأول، وقال الجمهور: هي في الأصل للندب، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض (وفكّوا العاني، قال سفيان: والعاني الأسير) أي المسلم المحبوس عند الكفار، وكذا المحبوس ظلمًا، فيجب على المسلمين إنقاذه بالفدية.
(١٢) (بَابُ الدُّعَاء لِلْمَرِيضِ عِنْدَ الْعِيَادَةِ)
٣١٠٦ - (حدثنا الربيع بن يحيى، نا شعبة، نا يزيد أبو خالد) بن
стр. 6363
عن الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرو، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلهُ فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ: أَسْأَلُ الله الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّا عَافَاهُ اللَّه مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ". [ت ٢٠٨٣، سي ١٠٤٨، حم ١/ ٢٣٩، ك ١/ ٣٤٢]
٣١٠٧ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، نَا ابْنُ وَهْب، عن حُيَيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن (١) الْحُبُلِيِّ، عن ابْنِ (٢) عَمْرٍو قَال: قَالَ
===
عبد الرحمن الدالاني الأسدي الكوفي، (عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: من عاد مريضًا لم يحضر أجلُه) أي موته (فقال عنده سبع مرار: أسأل الله العظيمَ ربَّ العرش العظيم أن يشفيك، إلَّا عافاه الله من ذلك المرض).
كتب على حاشية النسخة المكتوبة الأحمدية: كأن ذكر كلمة "إلا" مبني على أن التقدير: فلم يقل ذلك، عافاه الله، أو أن كلمة "من" للاستفهامِ الإنكاري، فيرجع إلى معنى النفي، كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٤).
٣١٠٧ - (حدثنا يزيد بن خالد الرملي، نا ابن وهب، عن حُيَي) بضم أوله وياءين المنقوطتين من تحت الأولى مفتوحة (ابن عبد الله) بن شريح المعافري الحبلّي، أبو عبد الله المصري، قال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال البخاري: فيه نظر، وقال النسائي: ليس بالقوي، قال ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن الحبلّي) أبي عبد الرحمن، (عن ابن عمرو قال: قال
стр. 6364
النبي ﷺ : "إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ، يَنْكَأ لَكَ عَدُوًّا، أَوْ يَمْشِي لَكَ إِلَى جَنَازَةٍ" (١) [حم ٢/ ١٧٢، ك ١/ ٣٤٤]
(١٣) بَابُ كَرَاهِيَّةِ تَمَنِّي الْمَوْت
٣١٠٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ
===
النبي ﷺ : إذا جاء الرجل يعود مريضًا فليقل: اللهم اشْفِ عبدَك ينكأ) أي يجرح (لك) أي لمرضاتك (عدوًا، أو يمشي لك إلى جنازة) ذكر فعلين، أحدهما من أعالي الأفعال وهو نكاية العدو، والمراد به الجهاد، والثاني من أدانيها، وهو المشي إلى الجنازة، وهو على الاستحباب بالكفاية.
قال في "القاموس" (٢) في الناقص اليائي: نكى العدوِّ، وفيه، نكايةً: قَتَلَ، وَجَرَحَ، والقَرْحَةَ: نَكَأَهَا، وقال في المهموز: نَكَأ القَرْحَةَ، كمنع: قَشَرَهَا قبل أن تَبْرَأَ فَنَدِيَتْ، وَالعَدُوَّ: نَكَأَهم.
وقال في "المجمع" (٣): أو ينكي لك عدوًا، من نكيت في العدو أنكي، إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل فوهنوا لذلك، وقد يهمز لغة [فيه]، يقال: نكأت القرحة إذا قشرتها، ينكأ بالجزم جوابًا للأمر، وبالرفع استئنافًا، وجمع بينهما، فإن الأول: كدح في العقاب على عدو الله، والثاني: سعي في إيصال الرحمة إلى ولي الله، وصوب القاضي غير المهموز؛ لأن المهموز من نكأت القرحة، وليس هذا موضعه إلا على تجوز.
(١٣) (بابُ كَرَاهِيَّةِ تَمَنِّي الْمَوْتِ)
٣١٠٨ - (حدثنا بشر بن هلال، ثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز بن
стр. 6365
صُهَيْبٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَدْعُوَنَّ أَحَدُكُم بالْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لي، وَتَوَفَّني إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لي". [خ ٦٣٥١، م ٢٦٨٠، ت ٩٧١، ن ١٨٢٠، جه ٤٢٦٥، حم ٣/ ١٠١]
٣١٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا أَبُو دَاوُدَ (١)، نَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ
===
صهيب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : لا يدعوَنّ أحدكم بالموت لِضُرّ) (٢) بضم المعجمة، أي لمرض، أو فاقة، أو محنة من عدو، أو نحو ذلك من مشاق الدنيا (نزل به)، وأما إذا خاف ضررًا في دينه فلا كراهية فيه لمفهوم هذا الحديث، وقد فعل هذا كثيرون من السلف (٣) عند خوف الفتنة في أديانهم، وإنما نهى عن الدعاء بالموت لأنه يدل على الجزع في البلاء وعدم الرضاء بالقضاء.
(ولكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة) أي مدة بقائها (خيرًا لي) أي من الموت، وهو أن تكون الطاعة غالبة على المعصية، والأزمنة خالية عن الفتنة والمحنة (وتوفني) أي أمتني (إذا كانت الوفاة خيرًا لي) أي من الحياة بأن يكون الأمر عكس ما تقدم.
٣١٠٩ - (حدثنا محمد بن بشار، نا أبو داود، نا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ قال: لا يتمنين أحدكم
стр. 6366
الْمَوْتَ" فَذَكَرَ مِثْلَهُ. [انظر مَا قبله]
(١٤) بابٌ: في الْفَجْأةِ
٣١١٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، نَا يَحْيَى، عن شُعْبَةَ، عن مَنْصُورٍ، عن تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، أَوْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عن عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ- رَجُلٌ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَرَّةً: عن النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ مَرَّةً: عن عُبَيْدِ، قَالً: "مَوْتُ الْفُجَاءَةِ أَخْذَةُ أَسَفٍ". [حم ٣/ ٤٢٤، ق ٣/ ٣٧٨]
===
الموتَ، فذكر مثله) أي مثل الحديث المتقدم.
(١٤) (بابٌ: في مَوْتِ الْفَجْأَةِ)
بضم الفاء والمد، أو بفتح الفاء وإسكان الجيم بلا مد، أي: الموت بغتة
٣١١٠ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن شعبة، عن منصور، عن تميم بن سلمة) السلمي الكوفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وله أحاديث، ذكره ابن حبان في "الثقات" (أو سعد بن عبيدة) مصغرًا، السلمي، أبو ضمرة الكوفي، وكان ختن عبيد بن خالد على ابنته، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: كان يرى رأي الخوارج، ثم تركه، يُكتَبُ حديثه، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال العجلي: تابعي، ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، و"أو" للشك من شعبة.
(عن عبيد بن خالد السلمي) البهزي، أبو عبد الله الكوفي (رجل من أصحاب النبي ﷺ ) روى له أبو داود حديثين، والنسائي أحدَهما (قال) مسدد (مرة: عن النبي ﷺ ، ثم قال مرة: عن عبيد) أي رفعه مرة وأوقفه أخرى.
(قال: موت الفجاءة) أي بغتة بلا سبب ظاهر (أخذة أسفٍ) بفتح السين وكسرها، فبالفتح معناه: أخذة غضب، وبالكسر معناه: أخذة غضبان، فمعنى الكلام موت الفجاءة أثر غضبه تعالى حيث لم يتركه للتوبة وإعداد زاد الآخرة،
стр. 6367
(١٥) بابٌ: في فَضْلِ مَنْ مَاتَ بِالطَّاعُون
٣١١١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتيكٍ، عن عَتيكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَتيكٍ - وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو أُمِّهِ- أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَ عَمَّهُ جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ، فَصَاحَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: "غُلِبْنَا عَلَيْكَ يَا أَبَا الرَّبِيعِ"، فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ،
===
ولم يمرضه ليكفِّر ذنوبه، ولذلك تعوذ ﷺ من موت الفجاءة، ولكن جاء أنه في حق الكافر كذلك، وفي حق المؤمنين رحمة؛ لأن المؤمن غالبًا مستعد لحلوله، فيريحه من نصب الدنيا (١).
(١٥) (بابٌ: في فَضْلِ مَنْ مَاتَ بِالطَّاعُون)
٣١١١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، عن عتيك) مكبرًا (ابن الحارث بن عتيك (الأنصاري المدني، ذكره ابن حبان في "الثقات" (وهو) أي عتيك بن الحارث (جد عبد الله بن عبد الله، أبو أمه) أي جده الفاسد (أنه) أي عتيك بن الحارث (أخبره) أي عبد الله بن عبد الله (أن عمه) أي عم عتيك بن الحارث وهو (جابر بن عتيك أخبره: أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبدَ الله بن ثابت) بن قيس الأنصاري، مات في عهد النبي ﷺ (فوجده قد غُلِب) أي غشي عليه (فصاح به رسولُ الله ﷺ فلم يجبه، فاسترجع رسولُ الله ﷺ ) أي قال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
(وقال: غُلِبْنا عليك) أي صرنا مغلوبين لأمر الله تعالى وقضائه وقدره بموتك (يا أبا الربيع! فصاح النسوة) بالبكاء (وبكين،
стр. 6368
فَجَعَلَ ابْنُ عَتِيكٍ يُسْكِتُهُنَّ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعْهُنَّ، فَإِذَا وَجَبَ (٢) فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ". قَالُوا: وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الْمَوْتُ"، قَالَتِ ابْنَتُهُ: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لأَرْجُو أَنْ تكُون شَهِيدًا فَإِنَّكَ قَدْ كُنْتَ قَضَيْتَ جِهَازَكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الله قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ، وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟ "، قَالُوا: الْقَتْلَ في سَبِيلِ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ في سبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ،
===
فجعل ابنُ عتيك يُسْكِتُهنَّ) أي يمنعهن من البكاء.
(فقال رسول الله ﷺ : دعهن) لأن بكاءهن لم يبلغ حدَّ النياحة (فإذا وجب) أي مات (فلا تبكِيَنَّ باكية، قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت، قالت ابنته) ولم أقف على تسميتها: (الله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدًا فإنك قد كنتَ قضيتَ) أي أعددت وأتممت (جهازك) أي أسباب جهازك.
(قال رسول الله ﷺ : إن الله قد أوقع أجره) أي أعطاه أجره (على قدر نيته) فإنه لما قضى جهازه ونوى الجهاد في سبيل الله والقتل فيه، فأعطاه الله ثواب الشهادة، ثم قال رسول الله ﷺ : (وما تعدون الشهادة؟ ) أي أيّ شيء تعدون سببَ الشهادة (قالوا: القتل) بالنصب، أي نعد الشهادةَ القتلَ (في سبيل الله)، أو بالرفع، أي هو القتل في سبيل الله.
(قال رسول الله ﷺ : الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله (٣): المطعون) أي الذي مات في الطاعون (٤) (شهيد) أي أحدها، وثانيها
стр. 6369
وَالْغَرِقُ (١) شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ (٢) شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ" (٣). (٤) [ن ١٨٤٦، جه ٢٨٠٣، ط ١/ ٢٣٣/ ٣٦، حم ٥/ ٤٤٦]
===
(الغرق) بكسر الراء، أي الغريق (شهيد، وصاحب ذات (٥) الجنب شهيد، والمبطون) أي الذي مات في مرض استطلاق البطن (شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم) أي الحائط المنهدم ونحوه (شهيد، والمرأة تموت بجُمع شهيد) وفي النسخة المصرية "شهيدة" بالتاء.
وكتب على حاشية القلمية الأحمدية: قال الخطابي (٦): هو أن تموت وفي بطنها ولد، زاد في "النهاية" (٧): وقيل: أو تموت بكرًا (٨)، قال: والجُمْع بضم: بمعنى المجموع، كالذُّخْر بمعنى المَذْخُور، وكسر الكسائي الجيمَ، والمعنى أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غيرَ منفصل عنها، من حَملٍ أو بكارةٍ، انتهى، قال النووي (٩): ضم جيمه أشهر الثلاثة.
стр. 6370
(١٦) بَابُ الْمَرِيضِ يُؤْخَذُ مِنْ أَظْفَارِهِ وَعَانَتِهِ
٣١١٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَا ابْنُ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ،
===
(١٦) (بابُ الْمَرِيضِ يُؤْخَذُ)، وعلى حاشية النسختين القلميتين: يتعاهد (مِنْ أَظْفَارِهِ وَعَانَتِهِ)
٣١١٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا إبراهيم بن سعد، أنا ابن شهاب، أخبرني عمر بن جارية الثقفي حليف بني زهرة)، هكذا في جميع النسخ الموجودة المصرية والكانفورية والنسختين المكتوبتين: "عمر" بغير الواو، وفي كتب الرجال من "التقريب" (١)، و"تهذيب التهذيب" (٢)، و"الخلاصة" (٣)، و"الجمع بين رجال الصحيحين": "عمرو"، ووقع في "البخاري" في "باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان": عن الزهري، عن عمرو بن أبي سفيان الثقفي بالواو.
وقال الحافظ في "الفتح" (٤): قوله: عن عمرو بن أبي سفيان الثقفي: هكذا يقول معمر، ووافقه شعيب وآخرون، وإبراهيم بن سعد يقول: عن الزهري، عن عمر بضم العين، عن معن (٥) بن عيسى عنه، وكذا قال الطيالسي عن إبراهيم، وبذلك جزم الذهلي في "الزهريات"، لكن وقع في غزوة بدر عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد: "عمرو" بفتح العين، وأخرجه أبو داود عن موسى المذكور، فقال: عمر، وكذا قال ابن أخي الزهري ويونس
стр. 6371
وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِيِ هُرَيْرَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "ابْتَاعَ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نوْفَلٍ خُبَيْبًا،
===
من رواية الليث عنه، عن الزهري، عن عمر، قال البخاري في "تاريخه": "عمرو" أصح، وقد ذكرت ما فيه في غزوة بدر، انتهى.
وقال (١) في غزوة بدر: قوله: أخبرني عمرو بن جارية بالجيم، وفي رواية الكشميهني: عمرو بن أبي أسيد بن جارية، وكذا للأصيلي، ونسب إلى جده، بل هو جد أبيه؛ لأنه ابن أسيد بن العلاء بن جارية، ووقع في غزوة الرجيع: عمرو بن أبي سفيان، وهي كنية أبيه أسيد، وأسيد بفتح الهمزة للجميع، وأكثر أصحاب الزهري [قالوا]: فيه: "عمرو" بفتح العين، وقال بعضهم: "عمر" بضم العين، وكذا وقع في الجهاد في "باب هل يستأسر الرجل" للأكثر: عمرو، أما النسفي وأبو زيد المروزي فلم يسمياه، فقالا: ابن أسيد، وقال ابن السكن: في رواية: "عمير" بالتصغير، والراجح "عمرو" بفتح العين (٢).
(وكان من أصحاب أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: ابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبًا)، وقصته (٣) أن رسول الله ﷺ بعث عشرة عينًا، فيهم خبيب بعد وقعة بدر، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت، فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة ذكروا لحيّ من هذيل، يقال لهم: بنو لحيان، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلجأ عاصم وأصحابه إلى فدفد، وجاء القوم فأحاطوا بهم، فرموهم حتى قتلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل، وبقي خبيب وزيد ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدًا، فنزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر فأبى أن يصحبهم، فقتلوه وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة.
стр. 6372
وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَلَسَ خُبيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا لِقَتْلِهِ (١)، فَاسْتَعَارَ مِنَ ابْنَةِ (٢) الْحَارِثِ مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَأَعَارَتْهُ، فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَتْهُ فَوَجَدَتْهُ مُخْلِيًا وَهُوَ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَي بِيَده، فَفَزِعَتْ فَزْعَةً عَرَفَهَا فِيهَا، فَقَالَ: أَتَخْشِينَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ (٣) ذَلِكَ". [خ ٤٠٨٦، سنن النسائي الكبرى ٨٨٣٩، حم ٢/ ٢٩٤]
===
(وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فجلس) هكذا في النسختين المكتوبتين، وفي النسخة المصرية: "فلبث" (خبيب عندهم أسيرًا حتى أجمعوا) أي عزموا (لقتله، فاستعار) خبيب (من ابنة الحارث) قال الحافظ (٤): ووقع في "الأطراف" (٥): لخلف: أن اسمها زينب بنت الحارث (موسى) وهي آلة الحلق (يستحدّ بها) أي يحلق شعر عانته (فأعارته).
(فدرج) أي ذهب إليه (بُنَيّ) تصغير ابن، قال الحافظ: ذكر الزبير بن بكار أن هذا الصبي هو أبو حسين بن الحارث بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وهو جد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي المحدث، وهو من أقران الزهري. (لها) أي لابنة الحارث (وهي غافلة حتى أتته) أي خبيبًا (فوجدته مخليًا) متفردًا (وهو) أي الابن (على فخذه) أي على فخذ خبيب (والموسى بيده، ففزعت فزعة) أي خافت خوفًا (عرفها) أي عرف خبيب الفزعةَ (فيها) أي في ابنة الحارث.
(فقال) خبيب: (أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك).
стр. 6373
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ، أَنَّ ابْنَةَ الْحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا (١) - يَعْيي لِقَتْلِهِ- اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَأَعَارَتْهُ.
(١٧) بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ عِنْدَ الْمَوْت
٣١١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا الأَعْمَشُ، عن أَبِي سُفْيَانَ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقُولُ
===
قال الحافظ: وعند أبي الأسود عن عروة: فأخذ خبيب بيد الغلام، فقال: هل أمكن الله منكم؟ فقالت: ما هذا ظني بك، فرمى لها الموسى، وقال: إنما كنت مازحًا.
(قال أبو داود: روى هذه القصة شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عياض) بن عمرو بن عبد القاري الحجازي، روى عن ابنة الحارث قصة خبيب، ذكره العجلي في "الثقات"، وقال مالك: تابعي ثقة (أن ابنة الحارث أخبرته، أنهم) أي بنو الحارث بن عمرو (حين اجتمعوا يعني لقتله) أي خبيب (استعار منها موسى يستحدّ بها، فأعارته) وهذا تقوية لما وقع في حديث أبي هريرة من قصة استعارة موسى منها، وإعطائها إياه.
ومناسبة الحديث بالترجمة بأن المحبوس للقتل كالمريض، وكما استعار خبيب موسى للاستحداد، وهو محبوس للقتل، فكذلك المريض له أن يفعل ذلك.
(١٧) (بَابُ مَا يُسْتَحَب مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ عِنْدَ الْمَوْتِ)
٣١١٣ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا الأعمش، عن أبي سفيان) طلحة بن نافع (عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول
стр. 6374
قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ، قَالَ: "لَا يَمُوتُ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ". [م ٢٨٧٧، جه ٤١٦٧، حم ٣/ ٣٢٥]
===
قبل موته بثلاث) أي بثلاث ليال (قال) أي رسول الله ﷺ : (لا يموت أحدكم) أي لا يبلغ أحدُكم الموتَ (إلَّا) في حالة (وهو يحسن الظنَّ بالله) تعالى (١).
قال الخطابي (٢): إنما يحسن بالله ظَنَّه من حسن عمله، فكأنه قال: أَحْسِنوا أعمالَكم يَحْسُنْ ظنُّكم بالله تعالى، إذ من ساء عمله ساء ظنه، وقد يكون أيضًا حسن الظن بالله من جهة الرجاء وتأميلِ عفوه . وقال الرافعي بـ "تاريخ قزوين" (٣): يجوز أنه ترغيب في توبة، وخروج عن مظالم، فإنه إن فعله حسن ظنه ورجا رحمته.
وقال النووي في "شرح المهذب" (٤): معنى تحسينه بالله أن يظن أنه تعالى يرحمه، ويرجوه، ويتدبر الآيات، والأحاديث الواردة في كرمه تعالى وعفوِه ورحمتِه وما وعده لأهل توحيده، وما يسره لهم من رحمته يوم القيامة، كما قال الله تعالى في الحديث الصحيح (٥): "أنا عند ظن عبدي بي"، هذا هو الصواب في معناه، وقاله جمهورهم، وشذّ الخطابي فذكر معه تأويلًا آخر: إن معناه: أحسِنوا أعمالَكم، وهو تأويل باطل نبهت عليه لئلا يغتر به، قاله في "الدرجات" (٦).
стр. 6375
(١٨) بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَطْهِيرِ ثيَابِ الْمَيِّتِ عِنْدَ الْمَوْتِ
٣١١٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عن ابْنِ الْهَادِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا بثِيَابٍ جُدَدٍ فَلَبِسَهَا، ثُمّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْمَيِّتُ (١) يُبْعَثُ في ثِيَابِهِ الّتِي يَمُوتُ فِيهَا". [ق ٣/ ٣٨٤، ك ١/ ٣٤٠]
===
(١٨) (بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَطْهِيرِ ثِيَابِ الْمَيِّتِ عِنْدَ الْمَوْتِ)
٣١١٤ - (حدثنا الحسن بن علي، نا ابن أبي مريم، أنا يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، أنه لما حضره الموت دعا بثياب جُدَدٍ) جمع جديد (فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الميت يُبْعَثُ في ثيابه التي يموت فيها).
قال الشيخ في "اللمعات" (٢): ظاهره أن أبا سعيد إنما لبس ثيابًا جددًا امتثالًا لظاهر هذا الحديث بأن المراد ظاهره، وهو أن البعث يكون في الثياب، واستشكل بأنه قد ورد في الحديث الصحيح: " يُحْشَرُ الناسُ حفاة عراة"، فأجاب بعضم: بأن البعث غير الحشر، وكأنه أراد أن البعث هو إخراج الموتى من القبر، والحشر نشرهم في عرصات القيامة، فيحتمل أن يكون البعث في الثياب، والحشر عراة (٣)، وهذا الكلام بعيد في غاية البعد.
وقال المحققون من أهل الحديث: إن الثياب في قوله ﷺ : "الميت يُبْعَثُ في ثيابه التي يموت فيها"، كناية عن الأعمال التي يموت فيها، وقد ورد أن