← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِيِ هُرَيْرَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "ابْتَاعَ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نوْفَلٍ خُبَيْبًا، === من رواية الليث عنه، عن الزهري، عن عمر، قال البخاري في "تاريخه": "عمرو" أصح، وقد ذكرت ما فيه في غزوة بدر، انتهى. وقال (١) في غزوة بدر: قوله: أخبرني عمرو بن جارية بالجيم، وفي رواية الكشميهني: عمرو بن أبي أسيد بن جارية، وكذا للأصيلي، ونسب إلى جده، بل هو جد أبيه؛ لأنه ابن أسيد بن العلاء بن جارية، ووقع في غزوة الرجيع: عمرو بن أبي سفيان، وهي كنية أبيه أسيد، وأسيد بفتح الهمزة للجميع، وأكثر أصحاب الزهري [قالوا]: فيه: "عمرو" بفتح العين، وقال بعضهم: "عمر" بضم العين، وكذا وقع في الجهاد في "باب هل يستأسر الرجل" للأكثر: عمرو، أما النسفي وأبو زيد المروزي فلم يسمياه، فقالا: ابن أسيد، وقال ابن السكن: في رواية: "عمير" بالتصغير، والراجح "عمرو" بفتح العين (٢). (وكان من أصحاب أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: ابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبًا)، وقصته (٣) أن رسول الله ﷺ بعث عشرة عينًا، فيهم خبيب بعد وقعة بدر، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت، فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة ذكروا لحيّ من هذيل، يقال لهم: بنو لحيان، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلجأ عاصم وأصحابه إلى فدفد، وجاء القوم فأحاطوا بهم، فرموهم حتى قتلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل، وبقي خبيب وزيد ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدًا، فنزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر فأبى أن يصحبهم، فقتلوه وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة.

стр. 6372

وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَلَسَ خُبيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا لِقَتْلِهِ (١)، فَاسْتَعَارَ مِنَ ابْنَةِ (٢) الْحَارِثِ مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَأَعَارَتْهُ، فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَتْهُ فَوَجَدَتْهُ مُخْلِيًا وَهُوَ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَي بِيَده، فَفَزِعَتْ فَزْعَةً عَرَفَهَا فِيهَا، فَقَالَ: أَتَخْشِينَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ (٣) ذَلِكَ". [خ ٤٠٨٦، سنن النسائي الكبرى ٨٨٣٩، حم ٢/ ٢٩٤] === (وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فجلس) هكذا في النسختين المكتوبتين، وفي النسخة المصرية: "فلبث" (خبيب عندهم أسيرًا حتى أجمعوا) أي عزموا (لقتله، فاستعار) خبيب (من ابنة الحارث) قال الحافظ (٤): ووقع في "الأطراف" (٥): لخلف: أن اسمها زينب بنت الحارث (موسى) وهي آلة الحلق (يستحدّ بها) أي يحلق شعر عانته (فأعارته). (فدرج) أي ذهب إليه (بُنَيّ) تصغير ابن، قال الحافظ: ذكر الزبير بن بكار أن هذا الصبي هو أبو حسين بن الحارث بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وهو جد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي المحدث، وهو من أقران الزهري. (لها) أي لابنة الحارث (وهي غافلة حتى أتته) أي خبيبًا (فوجدته مخليًا) متفردًا (وهو) أي الابن (على فخذه) أي على فخذ خبيب (والموسى بيده، ففزعت فزعة) أي خافت خوفًا (عرفها) أي عرف خبيب الفزعةَ (فيها) أي في ابنة الحارث. (فقال) خبيب: (أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك).

стр. 6373

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ، أَنَّ ابْنَةَ الْحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا (١) - يَعْيي لِقَتْلِهِ- اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَأَعَارَتْهُ. (١٧) بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ عِنْدَ الْمَوْت ٣١١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا الأَعْمَشُ، عن أَبِي سُفْيَانَ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقُولُ === قال الحافظ: وعند أبي الأسود عن عروة: فأخذ خبيب بيد الغلام، فقال: هل أمكن الله منكم؟ فقالت: ما هذا ظني بك، فرمى لها الموسى، وقال: إنما كنت مازحًا. (قال أبو داود: روى هذه القصة شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عياض) بن عمرو بن عبد القاري الحجازي، روى عن ابنة الحارث قصة خبيب، ذكره العجلي في "الثقات"، وقال مالك: تابعي ثقة (أن ابنة الحارث أخبرته، أنهم) أي بنو الحارث بن عمرو (حين اجتمعوا يعني لقتله) أي خبيب (استعار منها موسى يستحدّ بها، فأعارته) وهذا تقوية لما وقع في حديث أبي هريرة من قصة استعارة موسى منها، وإعطائها إياه. ومناسبة الحديث بالترجمة بأن المحبوس للقتل كالمريض، وكما استعار خبيب موسى للاستحداد، وهو محبوس للقتل، فكذلك المريض له أن يفعل ذلك. (١٧) (بَابُ مَا يُسْتَحَب مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ عِنْدَ الْمَوْتِ) ٣١١٣ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا الأعمش، عن أبي سفيان) طلحة بن نافع (عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول

стр. 6374

قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ، قَالَ: "لَا يَمُوتُ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ". [م ٢٨٧٧، جه ٤١٦٧، حم ٣/ ٣٢٥] === قبل موته بثلاث) أي بثلاث ليال (قال) أي رسول الله ﷺ : (لا يموت أحدكم) أي لا يبلغ أحدُكم الموتَ (إلَّا) في حالة (وهو يحسن الظنَّ بالله) تعالى (١). قال الخطابي (٢): إنما يحسن بالله ظَنَّه من حسن عمله، فكأنه قال: أَحْسِنوا أعمالَكم يَحْسُنْ ظنُّكم بالله تعالى، إذ من ساء عمله ساء ظنه، وقد يكون أيضًا حسن الظن بالله من جهة الرجاء وتأميلِ عفوه . وقال الرافعي بـ "تاريخ قزوين" (٣): يجوز أنه ترغيب في توبة، وخروج عن مظالم، فإنه إن فعله حسن ظنه ورجا رحمته. وقال النووي في "شرح المهذب" (٤): معنى تحسينه بالله أن يظن أنه تعالى يرحمه، ويرجوه، ويتدبر الآيات، والأحاديث الواردة في كرمه تعالى وعفوِه ورحمتِه وما وعده لأهل توحيده، وما يسره لهم من رحمته يوم القيامة، كما قال الله تعالى في الحديث الصحيح (٥): "أنا عند ظن عبدي بي"، هذا هو الصواب في معناه، وقاله جمهورهم، وشذّ الخطابي فذكر معه تأويلًا آخر: إن معناه: أحسِنوا أعمالَكم، وهو تأويل باطل نبهت عليه لئلا يغتر به، قاله في "الدرجات" (٦).

стр. 6375

(١٨) بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَطْهِيرِ ثيَابِ الْمَيِّتِ عِنْدَ الْمَوْتِ ٣١١٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عن ابْنِ الْهَادِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا بثِيَابٍ جُدَدٍ فَلَبِسَهَا، ثُمّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْمَيِّتُ (١) يُبْعَثُ في ثِيَابِهِ الّتِي يَمُوتُ فِيهَا". [ق ٣/ ٣٨٤، ك ١/ ٣٤٠] === (١٨) (بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَطْهِيرِ ثِيَابِ الْمَيِّتِ عِنْدَ الْمَوْتِ) ٣١١٤ - (حدثنا الحسن بن علي، نا ابن أبي مريم، أنا يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، أنه لما حضره الموت دعا بثياب جُدَدٍ) جمع جديد (فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الميت يُبْعَثُ في ثيابه التي يموت فيها). قال الشيخ في "اللمعات" (٢): ظاهره أن أبا سعيد إنما لبس ثيابًا جددًا امتثالًا لظاهر هذا الحديث بأن المراد ظاهره، وهو أن البعث يكون في الثياب، واستشكل بأنه قد ورد في الحديث الصحيح: " يُحْشَرُ الناسُ حفاة عراة"، فأجاب بعضم: بأن البعث غير الحشر، وكأنه أراد أن البعث هو إخراج الموتى من القبر، والحشر نشرهم في عرصات القيامة، فيحتمل أن يكون البعث في الثياب، والحشر عراة (٣)، وهذا الكلام بعيد في غاية البعد. وقال المحققون من أهل الحديث: إن الثياب في قوله ﷺ : "الميت يُبْعَثُ في ثيابه التي يموت فيها"، كناية عن الأعمال التي يموت فيها، وقد ورد أن

стр. 6376

(١٩) بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمَيِّتِ مِنَ الْكَلَامِ ٣١١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن الأَعْمَشِ، أَبِي وَائِلِ، عن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ"، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُولِي: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَأَعْقِبْنَا (١) عُقْبَى صَالِحَةً"، قَالَتْ: فَأَعْقَبَنِي الله تَعَالَى بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ " [م ٩١٩، ت ٩٧٧، ن ١٨٢٥، جه ١٤٤٧، ١٥٩٨، حم ٦/ ٣٢٢] === العبد يُبْعَثُ على ما مات عليه من عمل صالح أو سيء، والعرب يكني بالثياب عن الأعمال لملابسة الرجل بها ملابسة الثياب، وقيل في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ (٢)، أي أعمالك فأصلح، انتهى. قال الهروي (٣): وليس قول من ذهب به إلى الأكفان بشيء؛ لأن المرء إنما يكفن به بعد موته. (١٩) (بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمَيِّتِ مِنَ الْكَلَامِ) ٣١١٥ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أم سلمة) أم المؤمنين (قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا حضرتم الميت فقولوا خيرًا، فإن الملائكة يُوءَمِّنُونَ) أي يقولون: آمين (على ما تقولون) من خير أو شر فيستجاب. (فلما مات أبو سلمة) وهو زوج أم سلمة قبل النبي ﷺ (قلت: يا رسول الله! ما أقول؟ قال: قولي: اللهم اغفر له وأعقبنا) أي أَبْدِلْنا وَعَوِّضْنا (عقبى) أي بدلًا وعوضًا (صالحة، قالت: ) قلت ذلك (فأعقبني الله تعالى) أي أبدلني الله (محمدًا ﷺ ) بأنه ﷺ تزوجها.

стр. 6377

(٢٠) بابٌ: في التَّلْقِين ٣١١٦ - حَدَّثَنَا مالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعِيُّ، نَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، نَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ أَبِي عَرِيبٍ، عن كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عن مُعَاذِ بْنِ جَبَل قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِله إِلَّا الله دَخَلَ الجَنَّةَ". [حم ٥/ ٢٤٧، ك ١/ ٣٥١] ٣١١٧ - حدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا بِشْرٌ، نَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، نَا يَحْيَى بْنُ عُمَارَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ قَوْلَ لَا إِله إِلَّا الله" [م ٩١٦، ن ١٨٢٦، جه ١٤٤٥، ت ٩٧٦، حم ٣/ ٣، ق ٣/ ٣٨٣] === (٢٠) (بابٌ: في التَّلْقِينِ) والتلقين: هو ذكر كلمة التوحيد عند من حضره الموت ٣١١٦ - (حدثنا مالك بن عبد الواحد المسمعي) بكسر الميم الأولى، وفتح الثانية، بينهما مهملة ساكنة، أبو غسان البصري، قال ابن قانع: ثقة ثبت، وقال ابن حبان في "الثقات": يُغْرِبُ، (نا الضحاك بن مخلد، نا عبد الحميد بن جعفر قال: حدثني صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرة، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دخل الجنة). ولأجل هذا الحديث يُسْتَحَب أن يذكر هذه الكلمة عند من حضره الموت، وكذلك الحديث الآتي. ٣١١٧ - (حدثنا مسدد، نا بشر، نا عمارة بن غزية، نا يحيى بن عمارة قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ : لَقِّنُوا موتاكم (١) والمراد بالموتى: من حضره الموت على المجاز (قولَ لا إله إلَّا الله) أي ذكروا

стр. 6378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === من حضره الموتُ منكم بكلمة التوحيد أو بكلمة الشهادة، بأن تتلفظوا بها أو بهما عنده، لا أن تأمروه بها. قال الطيبي (١): أي من قرب منكم من الموت، سماه باعتبار ما يؤول إليه مجازًا، وعليه يُحْمَل قولُه ﵊: "اقرؤوا على موتاكم يس" (٢). قيل: ويمكن الأمر بقراءة [يس] بعد الموت. قال زين العرب: وكذا التلقين يمكن حملُه على ما بعد الدفن، فإن إطلاق التلقين عليه أحق من المُحْتَضَر؛ لأنه في المحتضر لا يخلو عن المجاز بخلاف ما بعد الدفن، لا بأس بإطلاق كليهما، نقله ميرك. وقوله: إطلاق التلقين ... إلخ، فيه أن التلقين المتعارف غير معروف (٣) في السلف، بل هو أمر حادث، فلا يُحْمَلُ عليه قولُه ﵊، مع أن التلقين اللغوي حقيقة في المحتضَر، مجاز في الميت، ولأن الأول أقرب إلى السماع وأوجب إلى الانتفاع، وقد قال ابن حبان وغيره في الحديث المذكور: إنه أراد به من حضره الموت، وكذلك قال في قوله ﷺ : "اقرأوا على موتاكم يس"، أراد به من حضره الموت لا أن الميت يُقْرَأ عليه، كذا ذكر السيوطي في "شرح الصدور". وأخرج البيهقي في "شعب الإيمان" (٤): عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "افتحوا على صبيانكم أوَّل كلمة بلا إله إلا الله، ولَقِّنوهم عند الموت لا إله إلَّا الله؛ فإنه من كان أول كلامه لا إله إلَّا الله، ثم عاش ألف سنة ما سُئِلَ عن ذنب واحد"، أخرجه الحاكم في "تاريخه" والبيهقي في

стр. 6379

(٢١) بَابُ تَغْمِيضِ الْمَيِّت ٣١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ أَبُو مَرْوَانَ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ - يَعْيي الْفَزَارِيَّ -، عن خَالِدٍ (١)، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤيبِ، عن أمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ، فَصَيَّحَ (٢) نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ === "شعب الإيمان" عن ابن عباس، وقال البيهقي: غريب، كذا في "جمع الجوامع" للسيوطي، ثم الجمهور على أنه يندب هذا التلقين، وظاهر الحديث يقتضي وجوبَه، وذهب إليه جمع، بل نقل بعض المالكية الاتفاقَ عليه، انتهى. قاله القاري (٣). (٢١) (باب تَغْمِيضِ الْمَيِّتِ) ٣١١٨ - (حدثنا عبد الملك بن حبيب أبو مروان، نا أبو إسحاق- يعني الفزاري-، عن خالد) الحذاء، (عن أبي قلابة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة) عند موته (وقد شَقَّ بصرُه فأغمضه) وفيه دليل على استحباب إغماض الميت، وأجمع المسلمون على ذلك، قالوا: والحكمة (٤) فيه أن لا يقبح لمنظره لو ترك إغماضه (فَصَيَّحَ) بتشديد الياء المفتوحة من باب التفعيل (٥)، ولم أجده في كتب اللغة، والظاهر ما في رواية مسلم: "فَضَجَّ" (ناس من أهله) أي أبي سلمة.

стр. 6380

فَقَالَ: "لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ"، ثُمَّ قَالَ: "اللهُمَّ اغْفِرْ لأبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ في الْمَهْدِيِّينَ (١)، وَاخْلُفْهُ في عَقِبِهِ فِيِ الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ في قَبْرِهِ وَنوِّرْ لَهُ فِيهِ" (٢). [م ٩٢٠، جه ١٤٥٤، حم ٦/ ٢٩٧] (٢٢) بَابٌ: في الاسْتِرْجَاعِ ٣١١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا ثَابِتٌ، === (فقال) ﷺ : (لا تدعوا على أنفسكم إلَّا بخير) أي لا تدعوا بالويل والثبور على عادة الجاهلية (فإن الملائكة يُوءَمِّنون) أي يقولون: آمين (على ما تقولون) أي تدعون من خير أو شر. (ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجتَه في المهديين، واخلفه) أي كن له خليفة (في عقبه) أي خلفه وورائه (في الغابرين) أي الباقين من أقاربه (واغفر لنا وله ربَّ العالمين، اللهم أفسح له في قبره، وَنوِّرْ له فيه). (٢٢) (بَابٌ: في الاسْتِرْجَاعِ) أي القول بإنا لله وإنا إليه راجعون ٣١١٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا ثابت،

стр. 6381

عَنِ ابْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَصَابَتْ (١) أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَقُلْ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ , اللَّهُمَّ عِنْدَكَ أَحْتَسِبُ مُصِيبَتِى فَأجِرْنِى فِيهَا, وَأَبْدِلْ لِى خَيْرًا مِنْهَا». [سي ١٠٧١، حم ٦/ ٣١٧، وانظر: م ٩١٨] (٢٣) بابٌ: في الْمَيِّتِ يُسَجَّى ٣١٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن عَائِشَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُجِّيَ في ثَوْب حِبَرَةٍ". [خ ٥٨١٤، م ٩٤٢، السنن الكبرى ٧١١٣] === عن ابن عمر بن أبي سلمة (٢)، عن أبيه) أي عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، (عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا أصابت أحدَكم مصيبة) أي حقيرة أو جليلة (فليقل: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللَّهُمَّ عِنْدَكَ أَحْتَسِبُ) أي من عندك أحتسب (مصيبتي) أي أطلب ثواب مصيبتي (فَأْجرْني) بالمد والقصر، آجره يوجره: أثابه وأعطاه أجرًا، وكذا أَجَرَه كنصر، أمر الأول آجرني كأكرمني، والثاني كانصرني (٣) (فيها) أي في المصيبة (وأبدل لي بها) أي بالمصيبة (خيرًا منها). (٢٣) (بَابٌ: في الْمَيِّتِ يُسَجَّى)، أي يُغَطَّى ٣١٢٠ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة: أن النبي ﷺ سُجِّيَ) أي غُطِّيَ بعد وفاته (في ثوب حِبَرَةٍ). قال في "المجمع" (٤): والحبير من البرود ما كان مُوَشّيًا

стр. 6382

(٢٤) بَابُ الْقِرَاءَة عِنْدَ الْمَيِّتِ ٣١٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ الْمَرْوَزِيُّ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عن سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عن أَبِي عُثْمَانَ - وَلَيْسَ بالنَّهْدِيِّ -، عَنْ أَبيهِ، عن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (١) ﷺ : "إِقْرَأُوا ﴿يس﴾ عَلَى (٢) مَوْتَاكُمْ" (٣) [جه ١٤٤٨، سي ١٠٧٤، حم ٥/ ٢٦، ق ٣/ ٣٨٣] === مخططًا، يقال: بُردٌ حبيرٌ وبردٌ حِبَرَةٌ بوزن عِنَبَةٍ على الوقف والإضافة، وهو برد يمان، والجمع حِبَرٌ وحبرات. (٢٤) (بابُ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْمَيِّتِ) ٣١٢١ - (حدثنا محمد بن العلاء ومحمد بن مكي المروزي، المعنى، قالا: نا ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، وليس بالنهدي)، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٤): أبو عثمان، وليس بالنهدي، روى عن معقل بن يسار، وقيل: عن أبيه، عن معقل، قال ابن المديني: لم يَرْوِ عنه غيرُه وهو مجهول، وقال الآجري عن أبي داود: هو ابن عثمان السَكَنِي، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن أبيه، عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : اقرأوا ﴿يس﴾ على موتاكم) أي الذين حضرهم الموتُ، ولعل الحكمة في قراءتها أن يستأنس المحتضَرُ بما فيها من ذكر الله ، وأحوالِ القيامة والبعث، قال التوربشتي: يحتمل أن يكون المراد بالميت الذي حضره الموت، فكأنه صار

стр. 6383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === في حكم الأموات، أو أن يراد: من قضى نحبه، وهو في بيته أو دون مدفنه (١). قال الإِمام في "التفسير الكبير" (٢): الأمر بقراءة ﴿يس﴾ على من شارف الموتَ مع ورود قوله ﵊: "لكل شيء قلب، وقلب القرآن يس"، إيذان بأن اللسان حينئذ ضعيف القوة وساقط البنية (٣)، لكن القلب أقبل على الله بكليَّته، فيقرأ عليه ما يزداد قوة قلبه ويشتد (٤) تصديقه بالأصول. قال الطيبي (٥): السر في ذلك- والعلم عند الله- أن السورة الكريمة إلى خاتمتها مشحونة بتقرير أمهات الأصول، وجميع المسائل المعتبرة التي أوردها العلماء في مصنفاتهم [من النبوة] وكيفيةِ الدعوة، وأحوالِ الأمم، وإثباتِ القدر، وأن أفعال العباد مستندة إلى الله تعالى، وإثباتِ التوحيد، ونفي الضدّ والندّ، وأماراتِ الساعة، وبيانِ الإعادة والحشر، وحضورِ العرصات والحساب والجزاء والمرجع والمآب، فحقها أن تُقْرَأَ عليه في تلك الساعة. وقد أخرج ابن أبي الدنيا والديلمي، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "ما من ميِّتٍ يَقْرَأُ عند رأسه سورة ﴿يس﴾ إلَّا هَوَّنَ الله عليه" (٦)، وفي رواية صحيحة أيضًا: " ﴿يس﴾ قلب القرآن، لا يقرأها عبد يريد الدارَ الآخرةَ إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، فاقرأوها على موتاكم" (٧).

стр. 6384

(٢٥) بَابُ (١) الْجُلُوسِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ ٣١٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "لَما قُتِلَ زيدُ بْنُ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٌ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الْمَسْجِدِ يُعْرَفُ في وَجْهِهِ الْحُزْنُ" === قال ابن حبان: المراد به من حضره الموت، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي الدنيا وابن مردويه: "ما من ميت يُقْرَأُ عنده ﴿يس﴾ إلَّا هَوَّن الله عليه"، وخالفه بعض محققي المتأخرين، فأخذ بظاهر الخبر، فقال: بل يقرأ عليه بعد موته وهو مسجَّى، وذهب بعض إلى أنه يقرأ عليه عند القبر (٢)، ويؤيده خبر ابن عدي وغيره: "من زار قبرَ والديه أو أحدَهما في كل جمعة فقرأ عندهما يس، غُفِرَ له بعدد كل حرف منها". (٢٥) (بَابُ الْجُلُوسِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ) ، أي الجلوس في المصيبة ٣١٢٢ - (حدثنا محمد بن كثير، نا سليمان بن كثير) كلاهما أخوان (عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: لما قُتِلَ زيد بن حارثة وجعفر) بن أبي طالب (وعبد الله بن رواحة) أي في غزوة مؤتة (جلس رسول الله ﷺ في المسجد يُعْرَفُ) ببناء المجهول (في وجهه الحزنُ).

стр. 6385

وَذَكَرَ الْقِصَّةَ (١). (٢) [خ ١٢٩٩، م ٩٣٥، ن ١٨٤٧] (٢٦) بَابُ (٣) التَّعْزِيَةِ === قال الطيبي: كأنه كظم الحزنَ كظمًا، فظهر منه ما لا بد للجبلَّة البشرية منه، انتهى. وفيه من الفقه أن الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم، فمن أصيب بمصيبة عظيمة لا يُفْرِط في الحزن حتى يقع في المحظور من اللطم والشقّ والنوح وغيرها، ولا يفرط في التجلد حتى يفضي إلى القسوة والاستخفاف بقدر المصاب، فيقتدي به ﷺ في تلك الحالة بأن يجلس المصاب جلسة خفيفة بوقار وسكينة تظهر عليه مخايل (٤) الحزن، ويؤذن بأن المصيبة عظيمة، نقله الحافظ (٥) عن الزين بن المنير. وأما جلوسه في المسجد، فلعله كان حسب العادة الشريفة (٦)، وليس المراد أن جلوسه كان لأجل أن يأتيه الناس فيعزُّوه. (وذكر القصة) وذكره البخاري مفصلًا في: "باب من جلس عند المصيبة يُعْرَف فيه الحزنُ". (٢٦) (بابُ التَّعْزِيَةِ) قال في "المجمع" (٧): من عزَّى مصابًا، أي حمله على العزاء، وهو

стр. 6386

٣١٢٣ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَ: نَا الْمُفَضَّلُ، عن رَبيعَةَ بْنِ سَيْفٍ الْمَعَافِرِيِّ، عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ الْحُبُلِي، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَبَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ (١) - يَعْنِي مَيِّتًا-، فَلَمَّا فَرَغْنَا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَانْصَرَفْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا حَاذَى بَابَهُ وَقَفَ، فَإِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ مُقْبِلَةٍ. قَالَ: أَظُنُّهُ عَرَفَهَا، فَلَمَّا ذَهَبَتْ إِذَا هِيَ فَاطِمَةُ، === بالمد: الصبر، أي بأن يحمله عليه بوعد الأجر بأن يقول: أعظم الله أجرَك، فيسهِّل عليه المصيبة. ٣١٢٣ - (حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني، نا المفضل، عن ربيعة بن سيف المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قبرنا) أي دفنّا في القبر (مع رسول الله) أي مع كوننا مع رسول الله ( ﷺ يعني ميتًا) تفسير لمفعول "قبرنا"، وإنما زاد لفظ "يعني" لأن الشيخ لم يذكر المفعول، فزاد راويه إشارة إلى أن الشيخ لم يذكر المفعول، ولكن مراده ذلك. (فلما فرغنا) أي من الدفن (انصرف) أي رجع (رسول الله ﷺ وانصرفنا معه، فلما حاذى) أي رسول الله ﷺ (بابَه) أي باب بيته (وقف، فإذا نحن) راءون (بامرأةٍ مقبلةٍ، قال) عبد الله بن عمرو بن العاص: (أظنه) أي رسول الله ﷺ (عرفها) أي عرف رسول الله ﷺ إياها، وفي رواية النسائي في هذا اللفظ ثلاث نسخ: [الأولى: ]، "لا تظن" أي المرأة أنه عرفها، والثانية: "لا يظن" ببناء المجهول، والثالثة: "لا نظن" بصيغة المتكلم مع الغير. (فلما ذهبت) أي المرأة المقبلة (إذا هي فاطمة)، وفي رواية النسائي:

стр. 6387

فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا أَخْرَجَكِ يَا فَاطِمَةُ مِنْ بَيْتِكِ؟ "، قَالَتْ: أَتَيْتُ يَا رَسُولَ الله أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ (١)، فَرَحَّمْتُ إِلَيْهِمْ مَيِّتهُمْ أَوْ عَزَّيْتُهُمْ بِهِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَلَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُم الْكُدَى؟ "، قَالَتْ (٢): مَعَاذَ الله، وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ فِيهَا مَا تَذْكُرُ. قَالَ: "لَوْ بَلَغْتِ مَعَهُمْ الْكُدَى"، فَذَكَرَ تَشْدِيدًا في ذَلِكَ، === "فلما توسط الطريق وقف حتى انتهت إليه، فإذا فاطمة" (فقال لها رسول الله ﷺ : ما أخرجكِ يا فاطمة من بيتك؟ ) أي لِمَ خرجتِ من بيتِكِ؟ (قالت: أتيت يا رسول الله أهلَ هذا البيت) وفي النسائي: "أهل هذا الميت" (فرحَّمتُ إليهم ميتَهم) أي دعوت لرحمة الميت، (أو) للشك من الراوي (عزّيتهم به) من التعزية، أي أمرتهم بالصبر به، نحو: أعظم الله أجركم، وفي رواية النسائي: "فترحمت إليهم وعزيتهم بميتهم". (فقال لها رسول الله ﷺ : فلعلكِ بلغتِ معهم الكدى؟ ) مقصورة (قالت: معاذ الله) زاد في رواية النسائي: "أن أكون بلغتها" (وقد سمعتك تذكر فيها) أي في الكدى وبلوغها من الوعيد، (ما تذكر، قال: لو بلغتِ معهم الكدى، فذكر تشديدًا في ذلك)، وفي رواية النسائي: "فقال لها: لو بلغتها معهم ما رأيتِ الجنةَ حتى يراها جد أبيك" (٣). قال السندي (٤) ظاهر السوق يفيد أن المراد: ما رأيتِ أبدًا كما لم يرها

стр. 6388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فلان، وأن هذه الغاية من قبيل: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (١) (٢)، ومعلوم أن المعصية غير الشرك لا تؤدي إلى ذلك، فإما أن يُحْمَلَ على التغليظ في حقها، أو يُحْمَلَ على أنه علم في حقها أنها لو ارتكبت تلك المعصية لأفضَتْ بها إلى معصية تكون مؤدِّية إلى ما ذكر. والسيوطي مشربه (٣) القول بنجاة عبد المطلب، فقال لذلك: أقول: لا دلالة في هذا الحديث على ما توهمه المتوهمون؛ لأنه لو مشت امرأة مع جنازة إلى المقابر لم يكن ذلك كفرًا موجبًا للخلود في النار كما هو واضح، وغاية ما في ذلك أن يكون من جملة الكبائر التي يُعَذَّبُ بها صاحبُها، ثم يكون آخر أمره إلى الجنة. وأهل السنَّة يؤوِّلون ما ورد من الحديث في أهل الكبائر من أنهم لا يدخلون الجنة، بأن المراد: لا يدخلونها مع السابقين الذين يدخلونها أولًا بغير عذاب، فغاية ما يدل عليه الحديث المذكور هو أنها لو بلغت معهم الكدى لم تر الجنة مع السابقين، بل يتقدم ذلك عذابٌ أو شدةٌ أو ما شاء الله تعالى من أنواع المشاقِّ، ثم يَؤوْلُ أمرُها إلى دخول الجنة فطعًا، ويكون عبد المطلب كذلك لا يرى الجنة مع السابقين، بل يتقدم ذلك الامتحان وحده، أو مع مشاق أُخَر، ويكون معنى الحديث: لم تري الجنة حتى يجيء الوقتُ الذي يرى فيه عبد المطلب فترينها حينئذ، فتكون رؤيتك (٤) لها متأخرة عن رؤية غيرك مع السابقين. هذا مدلول الحديث على قواعد أهل السنَّة، لا معنى له غير ذلك على

стр. 6389

فَسَأَلْتُ رَبِيعَةَ عَنْ الْكُدَي فَقَالَ: الْقُبُورُ فِيمَا أَحْسَبُ". [ن ١٨٨٠، حم ٢/ ١٦٨، ق ٤/ ٧٧، ك ١/ ٣٧٤] (٢٧) بَابُ الصَّبْر عِنْدَ (١) الْمُصِيبَةِ ٣١٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَى، نَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ (٢) قَالَ: أَتَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا، === قواعدهم، والذي سمعت من شيخ الإِسلام شرف الدين المناوي: وقد سئل عن عبد المطلب؟ فقال: هو من أهل الفترة الذين (٣) لم تبلغهم الدعوة، وحكمهم في المذهب معروف، انتهى كلام السيوطي. قال المفضل: (فسألت ربيعة عن الكدى، فقال: القبور فيما أحسب) قال السيوطي (٤): قال في "النهاية" (٥): أراد المقابر؛ وذلك لأن مقابرهم كانت في مواضعَ صلبةٍ، هي جمع كُدْيَةٍ، وتروى بالراء جمع كُرْيَة، من كريت الأرض أو كروتها، إذا حفرتَها كالحفرة من حفرت. (٢٧) (بابُ الصَّبْرِ عِنْدَ الْمُصِيْبَةِ) ٣١٢٤ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا عثمان بن عمر، نا شعبة، عن ثابت، عن أنس قال: أتى) أي مرّ (نبيّ الله ﷺ على امرأة). قال الحافظ (٦): لم أقف على اسمها ولا اسم صاحب القبر، وفي رواية مسلم ما يشعر بأنه ولدها. (تبكي على صبي لها) وهذا يدل على أن الصبي كان ابنًا لها.

стр. 6390

فَقَالَ لَهَا: "اتَّقِي الله وَاصْبِرِي"، فَقَالَتْ: وَمَا تُبَالِي أَنْتَ بِمُصِيبَتِي؟ فَقِيلَ لَهَا: هَذَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَتَتْهُ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَعْرِفْكَ، === (فقال) رسول الله ﷺ (لها) أي للمرأة: (اتقي الله) أي خافي عقابَه، أو مخالَفَتَه بترك النياحة، والظاهر أنه كان في بكائها قدر زائد من نوح وغيره، ولهذا أمرها بالتقوى، ويؤيده أن في مرسل يحيى بن كثير: "فسمع منها ما يكره" (واصبري، فقالت) جاهلة بمن يخاطبها، وظانّة أنه من آحاد الناس: (وما تبالي أنتَ بمصيبتي؟ ) لأنكَ لَمْ تُصِبْ أنتَ بمصيبتي. (فقيل لها) قال الحافظ (١): في رواية "الأحكام": "فمر بها رجل، فقال لها: إنه رسول الله ﷺ ، فقالت: ما عرفته"، وفي رواية أبي يعلى المذكورة: "فقال: هل تعرفينه؟ قالت: لا". وللطبراني في "الأوسط" من طريق عطية، عن أنس: "أن الذي سألها هو الفضل بن عباس"، وزاد مسلم في رواية له: "فأخذها مثلُ الموت"، أي من شدة الكرب الذي أصابها لَمّا عرفت أنه ﷺ خجلًا منه ومهابة. (هذا النبي ﷺ ) أي هذا الذي تخاطبينه هو رسول الله ﷺ ، فندمت على ما جاوبت به النبي ﷺ (فأتته) أي معتذرة (فلم تجد على بابه بَوَّابِيْنَ) كما هو عادة (٢) الملوك والجبابرة (فقالت) لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله! لم أعرفك) أي فلا تأخذ عليّ.

стр. 6391

فَقَالَ: "إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُوْلَى"، أَوْ "عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ" (١). [خ ١٢٨٣، م ٩٢٣، ن ١٨٦٩، ت ٩٨٧، جه ١٥٩٦] (٢٨) بَابٌ: في الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ ٣١٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا شُعْبَةُ، عن عَاصِمٍ الأَحْوَلِ === (فقال) رسول الله ﷺ : (إنما الصبر) أي الكامل المرضي المثابُ عليه (عند الصدمة) أي الحملة (الأولى) وابتداءِ المصيبة، وأولِ لحوق المشقة، وإلا فكل أحد يصبر بعدها، قال الطيبي (٢): إذ هناك سَورة المصيبة فيثاب على الصبر، وبعدها تنكسر السورة، ويتسلى المصاب بعض التسلي، فيصير للصبر طبعًا، فلا يثاب عليه، انتهى. أما إذا لم يَصِرْ الصبر طبعًا، ثم تَذكَّر المصيبة، ثم صبر ولو طال العهد فيثاب، ولكن الدرجة الأعلى عند الصدمة الأولى (أو) للشك من الراوي (عند أول صدمه). (٢٨) (بَابٌ: في الْبُكَاء عَلَى الْمَيِّتِ) ٣١٢٥ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، عن عاصم الأحول،

стр. 6392

قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ، عن أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ: أَنَّ ابْنَةً (١) لِرَسُولِ الله ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ- وَأَنَا مَعَهُ وَسَعْدٌ، وَأَحْسَبُ أُبَيًّا (٢) - أَن ابْنِي أَوْ ابْنَتِي قَدْ حُضِرَ فَاشْهَدْنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ، فَقَالَ (٣): "قُلْ للَّهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ إِلَى أَجَلٍ"، فَأَرْسَلَتْ تُقْسِمُ عَلَيْهِ، فَأَتَاهَا، فَوُضِعَ الصَبِيُّ === قال: سمعت أبا عثمان، عن أسامة بن زيد: أن ابنة لرسول الله ﷺ ) هي زينب (٤) زوجة أبي العاص (أرسلت إليه) أي إلى رسول الله ﷺ رسولًا (وأنا معه وسعد) بن عبادة (وأحسب) أي أظن (أُبَيًّا) أنه معه، وفي رواية البخاري ومسلم: "ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال" (أن ابني أو) للشك من الراوي (ابنتي قد حُضِرَ فاشهَدْنا) أي اُحْضُرْنا. (فأرسل) رسول الله ﷺ (يقرئ السلام فقال) للرسول: (قل) لزينب: (لله ما أخذ وما أعطى، وكل شيء عنده إلى أجل) أي وقت معين، (فأرسلت) ثانيًا رسولها (تُقسم عليه) أي أن يأتيها (فأتاها) أي رسول الله ﷺ ابنتَه (فوضع الصبي

стр. 6393

في حِجْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ونَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا هَذَا؟ قَالَ: "إِنَّهَا رَحْمَةٌ (١) يَضَعُهَا اللهُ في قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادهِ الرُّحَمَاءَ". [خ ١٢٨٤، م ٩٢٣، ن ١٨٦٨، جه ١٥٨٨] ٣١٢٦ - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عن ثَابِتٍ الْبُنَانِي، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وُلدَ لى اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي: إِبْرَاهِيمَ" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ أَنَسٌ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، === في حجر رسول الله ﷺ ، ونفسه) أي روحه (تقعقع) أي تضطرب وتتحرك ولا تثبت على حالة واحدة، أو المعنى: تُصَوِّتُ كما يُصوِّتُ في حالة الغرغرة. (ففاضت عينا رسول الله ﷺ ) (فقال له سعد) بن عبادة: (ما هذا) أي البكاء؟ (قال) رسول الله ﷺ : (إنها) أي الدمعة (رحمة) من الله (يضعها الله في قلوب من يشاء، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) قال ميرك (٢): ظن سعد أن جميع أنواع البكاء حرام، وأنه ﵊ نسي، فأعلمه ﵇ أن مجرد البكاء ليس بحرام، وإنما المحرم النوح والندب وشق الجيوب وضرب الخدود. ٣١٢٦ - (حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : وُلدَ لي اليلةَ غلام، فسميته باسم أبي: إبراهيم) بدل من أبي، (فذكر الحديث) (٣). (قال أنس: لقد رأيته يكيد) أي يجود (بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ ،

стр. 6394

فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، إِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ". [خ ١٣٠٣، م ٣١٥] (٢٩) بابٌ: في النَّوْحِ ٣١٢٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن أَيُّوبَ، === فَدَمَعَتْ) أي سألت بالدمع (عينا رسول الله ﷺ ، فقال: تدمع العين، ويحزن القلب) لأنهما ليسا باختيار العبد (ولا نقول إلَّا ما يرضى ربنا) وهو فاعله، وفي نسخة بضم الياء وكسر الضاد المعجمة من باب الإفعال، وربنا مفعوله، فعلى الأول يقدر لفظ "به" أي ما يرضى به ربنا (إنا بك) أي بفراقك (يا إبراهيم لمحزونون) أي طبعًا وشرعًا، وفيه إشارة إلى أن من لم يحزن فمن قساوة قلبه، ومن لم يدمع فمن قلة رحمته، فهذا الحال أكمل عند أرباب الكمال من حال من مات له ولد من المشايخ فضحك، فإن العدل أن يعطى كل ذي حق حقَّه (١). (٢٩) (بابٌ: في النَّوْح) ٣١٢٧ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن أيوب،

стр. 6395

عَنْ حَفْصَةَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: "إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَانَا عَنِ النِّيَاحَةِ". [خ ٧٢١٥، م ٩٣٦] ٣١٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنا (١) مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الَنَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ". [حم ٤/ ٦٥، ق ٤/ ٦٣] ٣١٢٩ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن عَبْدةَ وأَبِي مُعَاوِيَةَ، === عن حفصة، عن أم عطية قالت: إن رسول الله ﷺ نهانا عن النياحة). ٣١٢٨ - (حدثنا إبراهيم بن موسى، أنا محمد بن ربيعة، عن محمد بن الحسن بن عطية، عن أبيه) الحسن بن عطية، (عن جده) عطية بن سعد، (عن أبي سعيد الخدري قال: لعن رسول الله ﷺ النائحة). قال القاري (٢): يقال: ناحت المرأة على الميت إذا ندبته، أي بكت عليه وعدّدت محاسنَه، وقيل: النوح بكاء مع صوت، والمراد بها التي تنوح على الميت، أو على ما فاتها من متاع الدنيا، فإنه ممنوع منه في الحديث، وأما التي تنوح على معصيتها، فذلك نوع من العبادة، وخص النائحة لأن النوح يكون من النساء غالبًا، ويحتمل أن تكون التاء للمبالغة، فيكون المراد من يكثر منه ذلك، فأما ماوقع ذلك منه أحيانًا فلا يخلّ بعدالته كما في الكذب ونحوه، فلا يكون محل اللعن المشعر بأنه من الكبائر إلَّا أن يُحْمَلَ على التغليظ والزجر. (والمستمعةَ) أي التي تقصد السماع ويعجبها، كما أن المستمع والمغتاب شريكان في الوزر، والمستمع والقارئ مشتركان في الأجر. ٣١٢٩ - (حدثنا هناد بن السري، عن عبدة وأبي معاوية،

стр. 6396

الْمَعْنَى، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعَائَشَةَ فَقَالَتْ: وَهِلَ- تَعْنِي ابْنَ عُمَرَ- إِنَّمَا مَرَّ النَّبِيُّ (١) ﷺ عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ: "إِنَّ صَاحِبَ هَذَا (٢) لَيُعَذَّبُ وَأَهْلُهُ يَبْكُونَ عَلَيْهِ"، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. قَالَ عَنْ أَبِي مُعَاوَيَةَ: عَلَى قَبْرِ يَهُودِيِّ ". [خ ٣٩٧٨، م ٩٢٧، ن ١٨٥٠، ١٨٥٦] === المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إن الميت لَيُعَذَّبُ (٣) ببكاء أهله عليه) أي إذا أوصى بالبكاء في حياته، أو كان يرضى به ويحبه. (فَذُكِرَ ذلك) أي حديثُ ابن عمر (لعائشة فقالت: وَهِل) أي غلط (تعني ابنَ عمر)، وفي رواية الشيخين البخاري ومسلم: "أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ" (إنما مر النبي ﷺ على قبر فقال: إن صاحب هذا) القبر (لَيُعَذَّبُ) أي بكفره (وأهله يبكون عليه، ثم قرأت) عائشة في الاستدلال على دعواها ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٤)) بأن بكاءهم هو معصية منهم، فكيف يُعَذَّبُ الميت بفعلهم؟ لأنه مخالف لهذه الآية. (قال) هناد (عن أبي معاوية: على قبر يهودي)، وفي رواية البخاري ومسلم: "إنما مر النبي ﷺ على يهودية يبكى عليها، فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لَتُعَذَّبُ في قبرها". قال القاري (٥): إن هذا الاعتراض وارد لو لم يسمع الحديث إلَّا في هذا

стр. 6397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === المورد، وقد ثبت بألفاظ مختلفة وبروايات متعددة عنه، وعن غيره غير (١) مقيدة بل مطلقة، دخل هذا الخصوص تحت ذلك العموم، فلا منافاة ولا معارضة، فيكون اعتراضها بحسب اجتهادها. قال ميرك نقلًا عن "التصحيح": اختلفوا في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، فقيل: إذا أوصى الميت بذلك، فيعذَّب بسببه بقدر وصيته، وقيل: هذا القول في حق ميت خاص كان يهوديًّا كما قالت عائشة ﵂، وقيل: إنهم كانوا يذكرون في بكائهم ونوحهم من أخباره، ومن جملتها ما يكون مذمومًا شرعًا، فالمعنى (٢) أنه يُعَذَّب بما وقع في البكاء من الألفاظ. قال: وعندي والله أعلم أن يكون المراد بالعذاب هو الألم الذي يحصل للميت إذا سمعهم (٣) يبكون، أو بلغه ذلك؛ فإنه يحصل له تألم بذلك، وأقول: لا شك في تأذي الأرواح بما تتأذى به الأشباح، وهو محمل حسن، وتأويل مستحسن، لولا أنه يعكر عليه ما ثبت في الحديث المتفق عليه من تَقْيِيدِ (٤) العذاب بقوله: "يوم القيامة" مع أنه لا منع من الجمع بين هذا وبين ما تقدم من الرواية, انتهى (٥).

стр. 6398

٣١٣٠ - حدَّثَنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ ثَقِيلٌ، فَذَهَبَتْ امْرَأتُهُ لِتَبْكِيَ أَوْ تَهُمَّ بِهِ، فَقَالَ لَهَا أَبُو مُوسَى: أَمَا سَمِعْتِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَسَكَتَتْ، قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو مُوسَى قَالَ يَزِيدُ: لَقِيتُ الْمَرْأَةَ فَقُلْتُ لَهَا: مَا قَوْلُ أَبِي مُوسَى لَكِ: === ٣١٣٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن يزيد بن أوس) كوفي، قال علي بن المديني: نظرت فإذا قَل رجل من الأئمة إلا قد حَذَث عن رجل لم يروِ عنه غيرُه، فقال له رجل: فإبراهيم النخعي ممن روى عن المجهولين؟ قال: روى عن يزيد بن أوس، عن علقمة، فمن يزيد بن أوس لا نعلم أحدًا روى عنه غير إبراهيم، وذكره ابن حبان في "الثقات" (١). (قال: دخلت على أبي موسى وهو ثقيل) أي مريض (فذهبت امرأته لتبكي أو تهمَّ به) أي تقصد بالبكاء (فقال لها أبو موسى: أما سمعت ما قال رسول الله ﷺ ، قالت: بلى) أي سمعته (قال: فسكتت) أي امتنعت عن البكاء. (قال) إبراهيم: (فلما مات أبو موسى قال يزيد: لقيت المرأة، فقلت لها: ما قول أبي موسى لكِ) أي أخبريني بقول أبي موسى لكِ، وفي المصرية:

стр. 6399

أَمَا سَمِعْتِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ سَكَتِّ؟ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ، وَمَنْ سَلَقَ، وَمَنْ خَرَقَ" (١). [ن ١٨٦٧، حم ٤/ ٤٠٤] ٣١٣١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ، نَا الْحَجَّاجُ عَامِلُ عُمَرَ (٢) بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الرَّبْذَةِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَسِيدُ بْنُ أَبِي أَسِيدٍ، عن امْرَأَةٍ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ قَالَتْ: "كَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الْمَعْرُوفِ الَّذِي أَخَذَ (٣) عَلَيْنَا أَنْ لَا نَعْصِيَهُ فِيهِ: === "فقلت لها: ما قول أبي موسى لكِ" بزيادة لفظ "ما"، (أما سمعت ما قال رسول الله ﷺ ) لك، بيان لقول أبي موسى (ثم سكت) بعد سماع ذلك؟ (قالت) ذكرني أبو موسى قول رسول الله ﷺ وهو: (قال رسول الله ﷺ : ليس منا من حلق) أي الشعرَ في المصيبة، كما هو عادة الكفار من الهنود، (ومن سلَقَ) أي صاح ورفع الصوتَ، (ومن خَرَقَ) أي ثيابَه، وكان ذلك من صنيع الجاهلية. ٣١٣١ - (حدثنا مسدد، نا حميد بن الأسود، نا الحجاج عامل عمر بن عبد العزيز على الربذة) هو حجاج بن صفوان بن أبي يزيد المدني، وثَّقه أحمد، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الأزدي وحده: ضعيف. (قال: حدثني أسيد بن أبي أسيد، عن امرأة من المبايِعاتِ) لم أقف على اسمها، قال الحافظ في بيان المبهمات من النسوة: أسيد بن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات، لم أقف على اسمها، وهي صحابية، لها حديث (٤). (قالت: كان فيما أخذ علينا رسولُ الله ﷺ ) من العهد (في المعروف الذي أخذ علينا) من العهد (أن لا نَعْصِيَه فيه)، وهو المذكور في قوله تعالى:

стр. 6400

أَنْ لَا نَخْمِشَ وَجْهًا، وَلَا نَدْعُوَ ويلًا، وَلَا نَشُقَّ جَيْبًا، وَلَا نَنْشُرَ شَعْرًا". [ق ٤/ ٦٤] (٣٠) بَابُ صُنْعَةِ الطَّعَامِ لِأَهْلِ الْمَيِّت ٣١٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ" (١). [ن ٩٩٨، جه ١٦١٠، حم ١/ ٢٠٥، قط ٢/ ٧٩، ق ٤/ ٦١، ك ١/ ٣٧٢] === ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ (٢) (أن لا نخمشَ) أي لا نخدش (وجهًا)، ولا ندعُوَ ويلًا، ولا نشق جيبًا، ولا ننشر شعرًا) أي عند المصيبة، وكل ذلك كان يفعله أهل الجاهلية، وأكثر ما يفعله النساء فَنُهِيْنَ عن ذلك. (٣٠) (بابُ صُنْعَةِ الطَّعَامِ لأهْلِ الْمَيِّتِ) ٣١٣٢ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، حدثني جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله ﷺ ) أي لأهله لما أتى خبر شهادة جعفر: (اصنعوا) أي هَيِّئوا (لآل جعفر طعامًا، فإنه قد أتاهم أمر يشغلهم) بفتح الياء والغين، وقيل: بضم الأول وكسر الثالث، والمعنى جاءهم ما يمنعهم من الحزن عن تهيئة الطعام لأنفسهم، والمراد طعام يشبعهم يومَهم وليلَتهم؛ فإن الغالب أن الحزن الشاغل عن تناول الطعام لا يستمر أكثر من يوم. وقيل: يُحْمَلُ لهم طعام إلى ثلاثة أيام مدةَ التعزية، ثم إذا صنع لهم ما ذكر، سنّ أن يلحّ عليهم في الأكل لئلا يضعفوا بتركه استحياء، أو لفرط جزع، واصطناعه من بعيد أو قريب للنائحات شديد التحريم؛ لأنه إعانة على

стр. 6401

(٣١) بَابٌ: في الشَّهِيدِ يُغَسَّل ٣١٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى. (ح): وَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجُشَمِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: "رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ في صَدْرِهِ، أَوْ في حَلْقِهِ، فَمَاتَ، فَأُدْرج في ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ. === المعصية، واصطناع أهل الميت (١) لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهة، بل صح عن جرير ﵁: كنا نعده من النياحة، وهو ظاهر في التحريم. قال الغزالي: "ويكره الأكل منه". قلت: وهذا إذا لم يكن من مال اليتيم أو الغائب، وإلا فهو حرام بلا خلاف، انتهى، قاله القاري (٢). قال ابن الهمام (٣): ويُسْتَحَبُ لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام لهم يشبعهم يومَهم وليلَتهم لقوله ﷺ : "اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فإنه قد أتاهم ما يشغلهم". وقال: يكره اتخاذ الضيافة من أهل الميت؛ لأنه مشروع في السرور لا في الشرور، وهذه بدعة مستقبحة. (٣١) (بابُّ: في الشَّهِيدِ يُغَسَّلُ) أي هل يُغْسَلُ؟ ٣١٣٣ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا معن بن عيسى، ح: ونا عبيد الله بن عمر الجشمي، نا عبد الرحمن بن مهدي) كلاهما، أي معن وعبد الرحمن رويا (عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: رُمِيَ رجل) لم أقف على تسميته (بسهم في صدره أو في حلقه فمات، فَأُدْرج في ثيابه كما هو) يحتمل معنيين، أولهما أن يقال: فَأُدْرجَ، أي أُدْخِلَ في القبر حال كونه في ثيابه، وثانيهما

стр. 6402

قَالَ: وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ". [ق ٤/ ١٤، حم ٣/ ٣٦٧] ٣١٣٤ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ (١) نَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عن عَطَاءِ بْن السَّائِب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثيَابِهِمْ" (٢). [جه ١٥١٥، حم ١/ ٢٤٧] ٣١٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ. (ح): وَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، وَهَذَا لَفْظُهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَنسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ (٣): === معناه: فَدُفِنَ مدرَجًا في ثيابه، وإنما احتيج إلى التأويل لأن الثياب لم يُنْزَعْ عنه حتى يقال: أدرج في ثيابه، والله تعالى أعلم. (قال) جابر: (ونحن مع رسول الله ﷺ ) ولم أقف على أن هذه القصة متى وقعت، وفي أي غزوة وقعت. ٣١٣٤ - (حدثنا زياد بن أيوب، نا علي بن عاصم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ ) أي أصحابَه (بقتلى أحد)، الباء بمعنى "في" (أن يُنْزَعَ عنهم الحديدُ) أي السلاح والدروع (والجلودُ) مثل الفرو (وأن يُدْفَنُوا بدمائهم وثيابهم) وهذا ظاهر في أنهم لم يُغْسَلوا. ٣١٣٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، ح: ونا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، وهذا لفظه) أي لفظ سليمان، (قال) ابن وهب: (أخبرني أسامة بن زيد الليثي، أن ابن شهاب أخبره، أن أنس بن مالك حدثهم)

стр. 6403

"أَنَّ شَهُدَاءَ أُحُد لَمْ يُغْسَلُوا، وَدُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ". [ق ٤/ ١٠] === أي ابنَ شهاب وغيرَهم من التلامذة: (أن شهداء أحد لم يُغْسَلُوا، وَدُفِنُوا بدمائهم، ولم يُصَلَّ عليهم). قال الترمذي (١): قال بعضهم: يُصَلى على الشهيد، وهو قول الكوفيين (٢) وإسحاق، وقال بعضهم: لا يُصَلَّى عليه، وهو قول المدنيين (٣) والشافعي وأحمد، وبالأول قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والمزني والحسن البصري وابن المسيب. قال في "البدائع" (٤): وأما حكم الشهادة في الدنيا فنقول: إن الشهيد كسائر الموتى في أحكام الدنيا، وإنما يخالفهم في حكمين: أحدهما: أنه لا يُغْسَلُ عند عامة العلماء، وقال الحسن البصري: يُغْسَلُ؛ لأن الغسل كرامة لبني آدم، والشهيد يستحق الكرامة، إنما لم تُغْسَل شهداءُ أحد تخفيفًا على الأحياء لكون أكثرهم كانوا مجروحين، فلم يقدروا على غسلهم. ولنا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال في شهداء أحد: "زَمِّلُوهم بكلومهم ودمائهم، فإنهم يُبْعَثُون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دمًا، اللون لون الدم، والريح ريحَ المسك" (٥)، وفي رواية: "زَمِّلوهم بدمائهم، ولا تغسلوهم" (٦)، الحديث.

стр. 6404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فالنبي ﷺ لم يأمر بالغسل، وبَيَّن المعنى، وهو أنهم يُبْعَثُون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دمًا، فلا يُزَال عنهم الدمُ بالغسل ليكون شاهدًا لهم يوم القيامة، وبه تَبَيَّنَ أن ترك غسل الشهيد من باب الكرامة، وأن الشهادة جُعِلَتْ مانعة عن حلول نجاسة الموت. وما ذكر من تعذر الغسل غير سديد؛ لما بينا أن النبي ﷺ أمر بأن يزملوهم بدمائهم فبين المعنى، ولأن ترك الغسل لو كان للتعذر لأَمَرَ أن يُيَمَّمُوْا، كما لو تعذر غسل الميت في زماننا لعدم الماء. والثاني: أنه يكفَنُ في ثيابه غير أنه يُنْزَعُ (١) عنه الجلد، والسلاح، والفرو، والحشو، والخف، والمنطقة، والقلنسوة، وعند الشافعي: لا يُنْزَعُ عنه شيء مما ذكرنا لقوله ﵇: "زَمِّلوهم بثيابهم". ولنا ما روي عن علي ﵁ أنه قال: "تُنْزَعُ عنه العمامةُ والخفان والقلنسوة"، وهذا لأن ما يُتْرَكُ يُتْرَك ليكون كفنًا، والكفن يُلْبَسُ للستر، وهذه الأشياء تُلْبَسُ إما للتجمل والزينة، أو لدفع البرد، أو لدفع معرة السلاح، ولا حاجة للميت إلى شيء من ذلك، فلم يكن شيء من ذلك كفنًا، وبه تبين أن المراد من قوله ﷺ : "زملوهم بثيابهم"؛ الثياب التي يُكْفَنُ بها وتُلْبَسُ للستر. وقال الشافعي (٢) ﵀: إنه لا يُصَلَّى عليه كما لا يُغْسَلُ، واحتج بما روي عن جابر: "أن النبي ﷺ ما صلى على أَحَد من شهداء

стр. 6405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أُحُد" (١)، ولأن الصلاة على الميت شفاعة له ودعاء لتمحيص ذنوبه، والشهيد قد تطهَّر عن دنس الذنوب لقول النبي ﷺ "السيف محَّاء للذنوب" (٢)، فاستغنى عن ذلك كما استغنى عن الغسل، ولأن الله تعالى وصف الشهداء بأنهم أحياء (٣)، والصلاة على الميت لا على الحي. ولنا ما روي: "أن النبي ﷺ صلى على شهداء أحد صلاةَ الجِنازة، أو صلاته على الميت" (٤)، حتى روي: "أنه ﵇ صلى على حمزة سبعين صلاة". وما روي عن جابر ﵁ فغير صحيح، وقيل: إنه كان يومئذ مشغولًا، فإنه قُتِلَ أبوه وأخوه وخاله، فرجع إلى المدينة ليدبِّرَ كيف يحملهم إلى المدينة؟ فلم يكن حاضرًا حين صلَّى النبي ﷺ ، فلهذا روى ما روى، ومن شاهد النبي ﷺ قد روى أنه صلى عليهم، ثم سمع جابر منادي رسول الله ﷺ أن تُدْفَنَ القتلى في مصارعهم، فرجع فدفنهم فيها، ولأن الصلاة على الميت لإظهار كرامته، ولهذا اختص بها المسلمون دون الكفرة، والشهيد أولى بالكرامة، وما ذكر من حصول الطهارة بالشهادة فالعبد وإن جل قدره لا يستغني عن الدعاء. ألا ترى أنهم صلوا على رسول الله ﷺ ، ولا شك أن درجته كانت فوق درجة الشهداء، وإنما وصفهم بالحياة في حق أحكام الآخرة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٥)، فأما في حق أحكام الدنيا فالشهيد ميت يُقسَم مالُه، وتنكح امرأته بعد انقضاء العدة، فوجوب الصلاة عليه من أحكام الدنيا، فكان ميتًا فيه فيصلى عليه، والله أعلم.

стр. 6406

٣١٣٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا زَيْدٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحُبَابِ (١) -، وَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا أَبُو صَفْوَانَ - يَعْنِي الْمَروَانِيَّ-، عن أُسَامَةَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، الْمَعْنِى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى حَمْزَةَ وَقَدْ مُثِلَ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "لَوْلَا أَنْ تَجِدَ صَفِيَّةُ في نَفْسِهَا لَتَرَكْتُهُ حَتَّى تَأكُلَهُ الْعَافِيَةُ === ٣١٣٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا زيد -يعني ابن الحباب-) ح: (ونا قتيبة بن سعيد، نا أبو صفوان - يعني المرواني -) هو عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي الدمشقي، قال ابن معين وعلي بن المديني وأبو مسلم المستملي: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطني: من الثقات. (عن أسامة، عن الزهري، عن أنس بن مالك، المعنى) وكان الأنسب أن يقول هذا اللفظ قبل قوله: عن أسامة، فإن زيد بن الحباب وأبا صفوان يرويان عن أسامة باتحاد المعنى (أن رسول الله ﷺ مَرَّ على) حمزة (وقد مُثِلَ) هو بضم الميم وكسر الثاء المثلثة بالتخفيف، يقال: مثلت بالقتيل: إذا جدعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئًا من أطرافه. (فقال رسول الله) ﷺ : (لولا أن تجد) أي تحزن (صفية) أخت حمزة (في نفسها لتركته) أي غير مدفون (حتى تأكله العافية) (٢) قال

стр. 6407

حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ بُطُونِهَا"، وَقَلَّتِ الثِّيَابُ وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى، فَكَانَ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالثَّلاثَةُ يُكَفَّنُونَ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ". زاَدَ قُتَيْبَةُ: ثُمَّ يُدْفَنُونَ في قَبْرٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُ: "أَيُّهُمْ أَكْثَرُ قُرآنًا؟ " فَيُقَدِّمَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ. [ت ١٠١٦، حم ٣/ ١٢٨، قط ٤/ ١١٦، ق ٤/ ١٠، ك ١/ ٣٦٥] ٣١٣٧ - حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ (٢) الْعَنْبَرِيُّ، نَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: === الخطابي (٣): العافية السباع والطير التي تقع على الجيف وتأكلها، ويُجْمَعُ على العوافي. (حتى يُحْشَرَ) حمزة يوم القيامة (من بطونها) أي العوافي، (وقلَّت الثياب وكثرت القتلى، فكان الرجل والرجلان والثلاثة يكفَّنُون في الثوب الواحد) يحتمل أن يكون المراد أن يُقْطَعَ الثوب الواحد بينهم، ويحتمل أن يكون محمولًا على الضرورة (٤). (زاد قتيبة: ثم يُدْفَنُون في قبر واحد (٥)، فكان رسول الله ﷺ يسأل: أيهم أكثر قرآنًا؟ ) أي أيهم أكثر حفظًا للقرآن؟ (فيقدمه إلى القبلة). ٣١٣٧ - (حدثنا عباس العنبري، نا عثمان بن عمر قال:

стр. 6408

نَا أُسَامَةُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَنَسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِحَمْزَةَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ غَيْرِهِ". ٣١٣٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ، أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ، وَيَقُولُ: "أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ "، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ، فَقَالَ (١): "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، === نا أسامة، عن الزهري، عن أنس) ﵁: (أن النبي ﷺ مر بحمزة) وهو شهيد (وقد مثل به، ولم يصل على أحد من الشهداء غيره (٢). قال الشوكاني (٣): وأعلَّه البخاري والترمذي والدارقطني بأنه غَلِطَ فيه أسامة بن زيد، فرواه عن الزهري، عن أنس، ورجَّحوا رواية الليث (٤) عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر. ٣١٣٨ - (حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد بن موهب، أن الليث حدثهم، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن جابر بن عبد الله أخبره: أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد) أي في قبر واحد (ويقول: أيهما كثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير له) أي رسول الله ﷺ (إلى أحدهما) بأن هذا أكثر أخذًا للقرآن (قدَّمه) أي إلى القبلة (في اللحد، فقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة) بأنهم بذلوا مهجهم في مرضاة الله تعالى وإعزاز

стр. 6409

وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُم (١). [خ ١٣٤٧، ت ١٠٣٦، ن ١٩٥٥، جه ١٥١٤، ق ٤/ ٣٤] ٣١٣٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَخْبَرَنَا (٢) ابْنُ وَهْبٍ، عن اللَّيْثِ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ، قَالَ: "يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتلَى أُحُدٍ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ". [خ ٤٠٧٩، وانظر مَا قبله] (٣٢) بَابٌ: في سَتْرِ (٣) الْمَيِّتِ عِنْدَ غَسْلِهِ ٣١٤٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نَا حَجَّاجٌ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَال: أُخْبِرْتُ عَنِ ابْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، === دينه (وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يُغَسِّلْهم) وليس فيه ذكر الصلاة، وهذا هو الحديث الذي أشار البخاري والترمذي وغيرهما أنه الحديث، وما روى أسامة بن زيد عن الزهري عن أنس، فغلط فيه. ٣١٣٩ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، عن الليث بهذا الحديث بمعناه، قال: يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد) فزاد لفظ: "في ثوب واحد". (٣٢) (بابٌ: في سَتْرِ (٤) الْمَيِّتِ عِنْدَ غَسْلِهِ) ٣١٤٠ - (حدثنا علي بن سهل الرملي، نا حجاج، عن ابن جريج قال: أُخْبِرْت، عن ابن حبيب بن أبي ثابت) هكذا في النسخة الكانفورية والنسختين المكتوبتين بزيادة لفظ "ابن" على حبيب، ولكن خط على لفظ "ابن" في النسخة

стр. 6410

عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ وَلَا تَنْظُرْ (١) إِلَى فَخْذِ حَيٍّ وَلَا مَيتٍ". [جه ١٤٦٠، حم ١/ ١٤٦، ق ٣/ ٣٨٨، ك ٤/ ١٨٠] === المكتوبة المدنية، والظاهر أن لفظ "ابن" ليس بصحيح؛ فإن هذا الحديث (٢) أخرجه ابن ماجه (٣) في "الجنائز"، وليس فيه لفظ "ابن": حدثنا بشر بن آدم، ثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁. وأخرج الإِمام أحمد في "مسنده" (٤)، ليس فيه لفظ "ابن"، ولفظه: حدثنا عبد الله، ثني عبيد الله بن عمر القواريري، حدثني يزيد أبو خالد البَيْسَرِي القرشي، ثنا ابن جريج، أخبرني حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن أبي ضمرة، عن علي ﵁. وأخرجه أيضًا الطحاوي (٥)، ولفظه قال: فمما روي عنه في ذلك ما حدثنا ابن أبي عمران قال: ثنا القواريري قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁، ولم يقل فيه عن ابن حبيب بن أبي ثابت. (عن عاصم بن ضمرة، عن علي أن النبي ﷺ قال: لا تبرز) أي لا تظهر (فخذك) عند أحد (ولا تنظر إلى فخذ حيّ ولا ميّت) فدل هذا الحديث على أن الميت في حكم ستر العورة كالحي.
следующие страницы →