٣١٣٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا زَيْدٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحُبَابِ (١) -، وَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا أَبُو صَفْوَانَ - يَعْنِي الْمَروَانِيَّ-، عن أُسَامَةَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، الْمَعْنِى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى حَمْزَةَ وَقَدْ مُثِلَ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "لَوْلَا أَنْ تَجِدَ صَفِيَّةُ في نَفْسِهَا لَتَرَكْتُهُ حَتَّى تَأكُلَهُ الْعَافِيَةُ
===
٣١٣٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا زيد -يعني ابن الحباب-) ح: (ونا قتيبة بن سعيد، نا أبو صفوان - يعني المرواني -) هو عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي الدمشقي، قال ابن معين وعلي بن المديني وأبو مسلم المستملي: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطني: من الثقات.
(عن أسامة، عن الزهري، عن أنس بن مالك، المعنى) وكان الأنسب أن يقول هذا اللفظ قبل قوله: عن أسامة، فإن زيد بن الحباب وأبا صفوان يرويان عن أسامة باتحاد المعنى (أن رسول الله ﷺ مَرَّ على) حمزة (وقد مُثِلَ) هو بضم الميم وكسر الثاء المثلثة بالتخفيف، يقال: مثلت بالقتيل: إذا جدعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئًا من أطرافه.
(فقال رسول الله) ﷺ : (لولا أن تجد) أي تحزن (صفية) أخت حمزة (في نفسها لتركته) أي غير مدفون (حتى تأكله العافية) (٢) قال
стр. 6407
حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ بُطُونِهَا"، وَقَلَّتِ الثِّيَابُ وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى، فَكَانَ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالثَّلاثَةُ يُكَفَّنُونَ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ".
زاَدَ قُتَيْبَةُ: ثُمَّ يُدْفَنُونَ في قَبْرٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُ: "أَيُّهُمْ أَكْثَرُ قُرآنًا؟ " فَيُقَدِّمَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ. [ت ١٠١٦، حم ٣/ ١٢٨، قط ٤/ ١١٦، ق ٤/ ١٠، ك ١/ ٣٦٥]
٣١٣٧ - حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ (٢) الْعَنْبَرِيُّ، نَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ:
===
الخطابي (٣): العافية السباع والطير التي تقع على الجيف وتأكلها، ويُجْمَعُ على العوافي. (حتى يُحْشَرَ) حمزة يوم القيامة (من بطونها) أي العوافي، (وقلَّت الثياب وكثرت القتلى، فكان الرجل والرجلان والثلاثة يكفَّنُون في الثوب الواحد) يحتمل أن يكون المراد أن يُقْطَعَ الثوب الواحد بينهم، ويحتمل أن يكون محمولًا على الضرورة (٤).
(زاد قتيبة: ثم يُدْفَنُون في قبر واحد (٥)، فكان رسول الله ﷺ يسأل: أيهم أكثر قرآنًا؟ ) أي أيهم أكثر حفظًا للقرآن؟ (فيقدمه إلى القبلة).
٣١٣٧ - (حدثنا عباس العنبري، نا عثمان بن عمر قال:
стр. 6408
نَا أُسَامَةُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَنَسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِحَمْزَةَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ غَيْرِهِ".
٣١٣٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ، أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ، وَيَقُولُ: "أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ "، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ، فَقَالَ (١): "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"،
===
نا أسامة، عن الزهري، عن أنس) ﵁: (أن النبي ﷺ مر بحمزة) وهو شهيد (وقد مثل به، ولم يصل على أحد من الشهداء غيره (٢).
قال الشوكاني (٣): وأعلَّه البخاري والترمذي والدارقطني بأنه غَلِطَ فيه أسامة بن زيد، فرواه عن الزهري، عن أنس، ورجَّحوا رواية الليث (٤) عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر.
٣١٣٨ - (حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد بن موهب، أن الليث حدثهم، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن جابر بن عبد الله أخبره: أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد) أي في قبر واحد (ويقول: أيهما كثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير له) أي رسول الله ﷺ (إلى أحدهما) بأن هذا أكثر أخذًا للقرآن (قدَّمه) أي إلى القبلة (في اللحد، فقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة) بأنهم بذلوا مهجهم في مرضاة الله تعالى وإعزاز
стр. 6409
وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُم (١). [خ ١٣٤٧، ت ١٠٣٦، ن ١٩٥٥، جه ١٥١٤، ق ٤/ ٣٤]
٣١٣٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَخْبَرَنَا (٢) ابْنُ وَهْبٍ، عن اللَّيْثِ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ، قَالَ: "يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتلَى أُحُدٍ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ". [خ ٤٠٧٩، وانظر مَا قبله]
(٣٢) بَابٌ: في سَتْرِ (٣) الْمَيِّتِ عِنْدَ غَسْلِهِ
٣١٤٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نَا حَجَّاجٌ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَال: أُخْبِرْتُ عَنِ ابْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ،
===
دينه (وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يُغَسِّلْهم) وليس فيه ذكر الصلاة، وهذا هو الحديث الذي أشار البخاري والترمذي وغيرهما أنه الحديث، وما روى أسامة بن زيد عن الزهري عن أنس، فغلط فيه.
٣١٣٩ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، عن الليث بهذا الحديث بمعناه، قال: يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد) فزاد لفظ: "في ثوب واحد".
(٣٢) (بابٌ: في سَتْرِ (٤) الْمَيِّتِ عِنْدَ غَسْلِهِ)
٣١٤٠ - (حدثنا علي بن سهل الرملي، نا حجاج، عن ابن جريج قال: أُخْبِرْت، عن ابن حبيب بن أبي ثابت) هكذا في النسخة الكانفورية والنسختين المكتوبتين بزيادة لفظ "ابن" على حبيب، ولكن خط على لفظ "ابن" في النسخة
стр. 6410
عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ وَلَا تَنْظُرْ (١) إِلَى فَخْذِ حَيٍّ وَلَا مَيتٍ". [جه ١٤٦٠، حم ١/ ١٤٦، ق ٣/ ٣٨٨، ك ٤/ ١٨٠]
===
المكتوبة المدنية، والظاهر أن لفظ "ابن" ليس بصحيح؛ فإن هذا الحديث (٢) أخرجه ابن ماجه (٣) في "الجنائز"، وليس فيه لفظ "ابن": حدثنا بشر بن آدم، ثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁.
وأخرج الإِمام أحمد في "مسنده" (٤)، ليس فيه لفظ "ابن"، ولفظه: حدثنا عبد الله، ثني عبيد الله بن عمر القواريري، حدثني يزيد أبو خالد البَيْسَرِي القرشي، ثنا ابن جريج، أخبرني حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن أبي ضمرة، عن علي ﵁.
وأخرجه أيضًا الطحاوي (٥)، ولفظه قال: فمما روي عنه في ذلك ما حدثنا ابن أبي عمران قال: ثنا القواريري قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁، ولم يقل فيه عن ابن حبيب بن أبي ثابت.
(عن عاصم بن ضمرة، عن علي أن النبي ﷺ قال: لا تبرز) أي لا تظهر (فخذك) عند أحد (ولا تنظر إلى فخذ حيّ ولا ميّت) فدل هذا الحديث على أن الميت في حكم ستر العورة كالحي.
стр. 6411
٣١٤١ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: "لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نَغْسِلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابهُ؟ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّه عَلَيْهِم النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَذَقَنُهُ (١) في صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ (٢) الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ: أَنِ اغْسِلُوا (٣) النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثِيَابهُ، فَقَامُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَسَلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ، وَيَدْلُكُونَهُ بِالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ.
===
٣١٤١ - (حدثنا النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير قال: سمعت عائشة) ﵂ (تقول: لما أرادوا غسل النبي ﷺ ) بعد وفاته (قالوا: والله ما ندري أنجرِّد رسولَ الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا)، ولعل المراد بالتجريد تجريد الميت (٤) بما سوى الإزار (أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم) أي الصحابة (النومَ حتى ما منهم رجل إلَّا وذقنه) مُنحن (في صدره، ثم كلَّمهم مكلِّم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسِلُوا النبي ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميصه (٥)، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم) أي لا بأيديهم.
стр. 6412
وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَلَهُ إِلَّا نِسَاؤُه". [جه ١٤٦٤، حم ٦/ ٢٦٧، ق ٣/ ٣٨٧]
===
ويُستَدَلُّ بهذا الحديث أن الميت إذا غُسِلَ يجب أن لا يمس عورته إلَّا بلف الثوب على يده.
(وكانت عائشة) ﵂ (تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت) (١) أي لو علمت أولًا ما علمت آخرًا، ولعلها علمت آخرًا أن تعلق النكاح من أزواجه ﷺ لم ينقطع؛ لأن رسول الله ﷺ حي، ولهذا لم يجز لهن النكاح من أحد بعده ﷺ ، أو علمت أن ما دامت العدة باقية فتعلق نكاح الزوج بالزوجة باق (ما غسله إلَّا نساؤه).
قال الشوكاني (٢): قوله: "لو استقبلت من أمري"، قيل: فيه أيضًا متمسك لمذهب الجمهور، ولكنه لا يدل على عدم جواز غسل الجنس لجنسه [مع وجود الزوجة] ولا على أنها أولى من الرجال؛ لأنه قول صحابية، ولا حجة فيه، وقد تولى غسلَه ﷺ علي والفضل بن عباس، وأسامة بن زيد يناول الماء، والعباس واقف، ولم ينقل إلينا أن أحدًا من الصحابة أنكر ذلك، فكان إجماعًا منهم.
وروى البزار (٣) من طريق يزيد بن بلال قال: قال علي ﵁: "أوصى النبي ﷺ أن لا يغسِّلَه أحد غيري"، وروى ابن المنذر (٤) عن أبي بكر ﵁: "أنه أمرهم أن يغسِّل النبيَّ ﷺ بنو أبيه، وخرج من عندهم".
стр. 6413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد روت عائشة ﵂ قالت: رجع إليَّ رسول الله ﷺ من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعًا في رأسي، وأقول: وَارَأساه؛ قال ﷺ : "بل أنا وارأساه! ما ضَرَّكِ لو مُتّ قبلي فغسَّلتكِ وكفّنتكِ، ثم صليت عليكِ ودفنتكِ" (١).
قال الشوكاني (٢): فيه دليل أن المرأة يغسلها زوجها إذا ماتت، وهي تغسله قياسًا وبغسل أسماء لأبي بكر، وعلي لفاطمة، ولم يقع لسائر الصحابة إنكار على ذلك (٣) على علي وأسماء ﵄، وقد ذهب إلى ذلك العترة والشافعية والأوزاعي وإسحاق والجمهور، وقال أحمد: لا تغسله لبطلان النكاح، ويجوز العكس عنده كالجمهور، وقال أبو حنيفة وأصحابه والشعبي والثوري: لا يجوز أن يغسلها لمثل ما ذكرها أحمد، ويجوز العكس عندهم كالجمهور، قالوا: لأنه لا عدة عليه بخلافها.
والجواب عن حديث عائشة ﵂ بأنه محمول على الغسل تسببًا، فمعنى قوله: "غسَّلتُكِ" قمت بأسباب غسلكِ حملناه على هذا صيانة لمنصب النبوة عما يورث شبهة نفرة الطباع عنه وتوفيقًا بين الدلائل على أنه يحتمل أنه كان مخصوصًا بأنه لا ينقطع نكاحه بعد الموت بقوله: "كل سبب ونسب ينقطع بالموت إلَّا سببي ونسبي" (٤).
وأما حديث علي ﵁ فقد روي أن فاطمة ﵂ غسلتها أم أيمن، ولو ثبت أن عليًّا ﵁ غسلها، فقد أنكر عليه ابن مسعود حتى قال علي ﵁: أما علمتَ أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 6414
٣١٤٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ (١)، عَنْ مَالِكٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، الْمَعْنَى، عَنْ أَيُّوبَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ
===
"إن فاطمة زوجتك في الدنيا والآخرة" (٢)، فدعواه الخصوصية دليل على أنه كان معروفًا بينهم أن الرجل لا يغسِّل زوجتَه.
(٣٣) (بابٌ: كَيْفَ غسْلُ الْمَيِّتِ؟ ) (٣)
٣١٤٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، ح: وحدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، كلاهما أي مالك وحماد بن زيد يرويان (عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته) زينب (٤) (فقال: اغسلنها (٥) ثلاثًا أو خمسًا (٦) أو أكثر من
стр. 6415
ذَلِكِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي"، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ، فَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ". [خ ١٢٥٤، م ٩٣٩، ت ٩٩٠، جه ١٤٥٨، ن ١٨٨١، حم ٥/ ٨٤]
قَالَ: (١) عَنْ مَالِك: تَعْني إِزَارَهُ، وَلَمْ يَقُلْ مُسَدَّدٌ: "دَخَلَ عَلَيْنَا".
===
ذلكِ) بكسر كاف خطاب لأم عطية (إن رأيتنَّ ذلك) أي إن وقعت الضرورة في رأيكن إلى كثرة دفعات الغسل، فاغسلنها خمسًا أو أكثر من ذلك (بماء وسدر (٢)، واجعلن في الآخرة) أي المرة الآخرة (٣) (كافورًا أو) للشك من الراوي (شيئًا من كافور، فإذا فرغتن) عن المحسل (فآذنني) أي أخبرنني بالفراغ عن الغسل.
(فلما فرغنا) من غسلها (آذنّاه) أي أخبرنا رسول الله ﷺ منه بذلك (فأعطانا حَقْوَه) أي إزاره، والأصل فيه معقد الإزار، ويسمى به الإزار للمجاورة، وهو بفتح حاء، وقد تكسر، فقاف ساكنة.
(فقال رسول الله ﷺ : أشعرنها إياه) أي اجعلن هذا الحقو تحت الأكفان بحيث يلاصق بشرتها؛ ليصل إليها البركة (٤).
(قال) القعنبي: (عن مالك: تعني) أي أم عطية بالحقو (إزاره، ولم يقل مسدد: دخل علينا).
стр. 6416
(٣٣) بَابٌ: كَيْفَ غَسْلُ الْمَيِّتِ ؟
٣١٤٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ وأَبُو كَامِلٍ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ زُرَيْعٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: نَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ حَفْصَةَ أُخْتِهِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: "مَشَّطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ". [خ ١٢٥٤، م ٩٣٩، ت ٩٩٠، جه ١٤٥٩، ن ١٨٨٣، حم ٦/ ٤٠٧]
٣١٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، نَا هِشَامٌ، عن حَفْصةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: "وَضَفَرْنَا رَأسَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، ثُمَّ أَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا: مُقَدَّمَ رَأْسِهَا وَقَرْنَيْهَا". [خ ١٢٦٢، م ٩٣٨]
===
٣١٤٣ - (حدثنا أحمد بن عبدة وأبو كامل، أن يزيد بن زريع حدثهم قال: نا أيوب، عن محمد بن سيرين، عن حفصة أخته) أي أخت محمد بن سيرين، (عن أم عطية قالت: مشطناها) أي فرقنا شعر رأسها بالمشط (ثلاثة قرون).
٣١٤٤ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا عبد الأعلى، نا هشام، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: وضفرنا رأسها) أي رأس بنت رسول الله ﷺ (ثلاثة قرون) أي ثلاث ضفائر، جعلنا قرنيها ضفيرتين وناصيتها ضفيرة (ثم ألقيناها) أي القرون الثلاثة (خلفها) أي على ظهر (مقدم رأسها) بيان للقرون الثلاثة، أي أحد القرون مقدم رأسها وهو ناصيتها (وقرنيها) أي الضفيرتين من جانبي رأسها.
قلت (١): وعندنا (٢) الحنفية: يُسْدَلُ شعرُها بين ثدييها من الجانبين جميعًا تحت الخمار، ولا يُسْدَل شعرها خلف ظهرها، وعند الشافعي: يسدل خلف ظهرها، ولنا أن ضفرها ومشطها وإلقاءها خلف ظهرها من باب الزينة،
стр. 6417
٣١٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ، نَا خَالِدٌ، عن حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لَهُنَّ في غُسْلِ ابْنَتِهِ: "إِبْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا". [خ ١٢٥٥، م ٩٣٨، ت ٩٩٠، جه ١٤٥٩، ن ١٨٨٤]
===
وهذه ليست بحال الزينة، ولا حجة في حديث أم عطية لأن ذلك كان فعلها، وليس في الحديث أن النبي ﷺ علم ذلك.
٣١٤٥ - (حدثنا أبو كامل، نا إسماعيل، نا خالد، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية: أن رسول الله ﷺ قال لهن) أي للنساء الغاسلات (في غسل ابنته: ابدأْنَ بميامنها) أي بغسل ميامنها يعني أعضاء اليمين منها قبل المياسر، (ومواضع الوضوء منها)، أي وابدأن بغسل مواضع الوضوء قبل غسل باقي الأعضاء.
قال الحافظ (١): ليس بين الأمرين تناف لإمكان البداءة بمواضع الوضوء وبالميامن معًا، قال الزين بن المنير: قوله: "ابدأن بميامنها" أي في الغسلات التي لَا وُضوء (٢) فيها، انتهى. قلت: لا حاجة إلى تفسير قوله: "بميامنها" بقوله: "التي لا وضوء فيها"، بل ظاهر الكلام معناه: ابدأن بميامنها في غسل أعضاء الوضوء، والأعضاء التي لا وضوء فيها.
ثم قال الحافظ: "ومواضع الوضوء منها"، أي في الغسلة المتصلة بالوضوء، فكأن المصنف أشار بذلك إلى مخالفة أبي قلابة في قوله: "يبدأ بالرأس ثم باللحية"، قال: والحكمة في الأمر بالوضوء تجديد أثر سمة المؤمنين في ظهور أثر الغرة والتحجيل، انتهى.
والمراد بأعضاء الوضوء في غسلها هي الأعضاء التي ذُكِرَت في كتاب الله تعالى، فلهذا لم يدخل المضمضة والاستنشاق ولا مسح الرأس؛ لأنه ليس
стр. 6418
٣١٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبيْدٍ، نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عن مُحَمَّدٍ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ. [خ ١٢٥٥، م ٩٣٩، ن ٢٠٠٨، جه ١٤٥٨، حم ٥/ ٨٥]
===
يُغْسَل كما هو مذهب الحنفية، والعجب من صاحب "العون" (١) فإنه قال: وفي هذا رد على من لم يقل باستحباب البداءة بالميامن وهم الحنفية.
وتبع صاحبُ العون في هذا الشوكانيَّ فإنه قال في "النيل" (٢) قبل ذلك: وفي هذا رد على من لم يقل باستحباب البداءة بالميامن، وهم الحنفية. وهذا غلط منهما وافتراء على الحنفية ووقاحة عظيمة، فإن الكتب المعتبرة للحنفية كـ "الهداية" و"البدائع" وغيرهما متفقة طافحة بهذه المسألة، ومتفقة على استحباب البداءة بالميامن.
قال في "البدائع" (٣): ثم يُوَضَّأُ وضوءَه للصلاة؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال للاتي غسلن ابنته: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها"، ولأن هذا سنة الاغتسال في حالة الحياة، فكذا بعد الممات، ثم يضجعه على شقه الأيسر لتحصل البداءة بجانبه الأيمن، إذ السنَّة هي البداءة بالميامن على ما مر، انتهى.
وقال في "الهداية" (٤): ثم يضجع على شقه الأيسر، فيغسل بالماء والسدر، حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت منه، ثم يضجع على شقه الأيمن فيغسل، حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت منه، لأن السنَّة هو البداءة بالميامن.
٣١٤٦ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد، عن أيوب، عن محمد) بن سيرين، (عن أم عطية بمعنى حديث مالك)، وهذا الكلام ذكره توطئة وتمهيدًا
стр. 6419
(١) زَادَ في حَدِيثِ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بِنَحْوِ هَذَا، وَزَادَتْ فِيهِ: "أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ إِنَّ رَأَيْتُنَّ (٢) ذَلِكَ".
===
لما بعده، وإلا فقد تقدم في أول الباب من حديث مالك: وقال حماد بن زيد، وقال فيه: المعنى، فلو لم يُحْمَلْ على التوطئة لكان تكرارًا محضًا.
(وزاد) أي أيوب (في حديث حفصة عن أم عطية بنحو هذا) أي بنحو هذا الكلام الذي ذكره في حديث محمد بن سيرين عن أم عطية (وزادت) أي قال أيوب: زادت حفصة (فيه) أي في هذا الحديث: (أو سبعًا أو كثر من ذلك إن رأيتن ذلك).
حاصل هذا الكلام أن غرض المصنف بهذا الكلام بيان الفرق بين حديث أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية، وبين حديث أيوب عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية بأن حديث أيوب عن ابن سيرين: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك"، فذكر الإكثار فيه قبل الخمس (٣)، ولم يذكر السبع.
وأما في حديث حفصة بنت سيرين، عن أم عطية فذكر بعد الخمس سبعًا، ثم ذكر: أو أكثر من ذلك.
ويدل عليه صنيع النسائي في "المجتبى" (٤)، فإنه عقد "غسل الميت أكثر من سبعة"، وأخرج فيه أولًا حديث أيوب، عن محمد، عن أم عطية، قال: أخبرنا قتيبة، حدثنا حماد، ثنا أيوب، [عن محمد] (٥)، عن أم عطية، وفيه فقال: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك".
стр. 6420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ثم أخرج حديث أيوب، عن حفصة، عن أم عطية، قال: أخبرنا قتيبة قال: حدثنا حماد، عن أيوب، عن حفصة، عن أم عطية نحوه، غير أنه قال: "ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك"، ثم قوى حديث حفصة بسند آخر، فقال: أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال: حدثنا بشر، عن سلمة بن علقمة، عن محمد، عن بعض إخوته، عن أم عطية قالت: "توفيت ابنة لرسول الله ﷺ ، فأمرنا بغسلها، فقال: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثر من ذلك".
والعجب من الحافظ فإنه مع سعة نظره قال في "الفتح" (١): ولم أرَ في شيء من الروايات بعد قوله: "سبعًا" التعبيرَ بـ "أكثر من ذلك" إلا في رواية لأبي داود، وأما ما في سواها (٢) فإما "أو سبعًا" وإما "أو أكثر من ذلك"، فإن الحديث (٣) الذي أخرجه النسائي من حديث إسماعيل بن مسعود فيه التعبير "بأكثر من ذلك" بعد قوله: "أو سبعًا"، فلعله غفل عن هذا الحديث.
ثم أقول: إن ما قال صاحب "العون" في شرح هذا الكلام فهو خبط فيه خبط عشواء وركب متن عمياء.
стр. 6421
٣١٤٧ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نَا هَمَّامٌ، نَا قَتَادَةُ، عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ كَانَ يَأحُذُ الْغُسْلَ مِنْ (١) أُمِّ عَطِيَّةَ: يَغْسِلُ بِالسِّدْرِ مَرَّتَيْنِ، وَالثَّالِثَةَ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ. [ق ٣/ ٣٨٩]
(٣٤) بَابٌ: في الْكَفَنِ
٣١٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا ابْنُ جُرَيْج، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ في كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبَيُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ
===
٣١٤٧ - (حدثنا هدبة بن خالد، نا همام، نا قتادة، عن محمد بن سيرين، أنه كان يأخذ الغسل) أي يتعلم غسل الميت (من أم عطية: يغسل بالسدر) أي بالماء الذي تغلى فيه أوراق السدر (مرتين، والثالثةَ بالماء والكافور) أي بالماء الذي يلقى فيه الكافور.
(٣٤) (بَابٌ: في الْكَفَنِ)
٣١٤٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن النبي ﷺ أنه خطب يومًا، فذكر رجلًا من أصحابه قُبِضَ) أي مات (فَكُفِّنَ في كفنٍ غيرِ طائل). قال في "المجمع" (٢): أي غير رفيع ولا نفيس، وأصله النفع والفائدة. وقال النووي (٣): أي حقير غير كامل الستر (وقُبِرَ) أي دُفِنَ (ليلًا، فزجر النبي ﷺ أن يُقْبَرَ الرجل بالليل حتى يصلى عليه).
قال النووي: وأما النهي عن القبر ليلًا فقيل: سببه أن الدفن نهارًا يحضره
стр. 6422
إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفْنَهُ". [م ٩٤٣، ن ١٨٩٥، حم ٣/ ٢٩٥]
٣١٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ،
===
كثيرون من الناس ويصلون عليه، ولا يحضرون في الليل (١) إلَّا أفراد، وقيل: لأنهم كانوا يفعلون ذلك بالليل لرداءة الكفن، فلا يبين في الليل.
وقد اختلف العلماء في الدفن في الليل، فكرهه الحسن البصري إلَّا لضرورة، وهذا الحديث مما يستدل له به.
وقال جماهير العلماء من السلف والخلف: لا يكره، واستدلوا بأن أبا بكر الصديق ﵁ وجماعة من السلف دفنوا ليلًا، وبحديث المرأة السوداء، والرجل الذي كان يَقُمُّ مسجدًا، فتوفي في الليل فدفنوه ليلًا، وسألهم النبي ﷺ عنه، فقالوا: توفي ليلًا فدفناه في الليل، فقال: "ألا آذنتموني؟ "، قالوا: كانت ظلمة، ولم ينكر عليهم، وأجابوا عن هذا الحديث أن النهي كان لترك الصلاة، ولم ينه عن مجرد الدفن بالليل، أو لقلة المصلين، أو عن إساءة الكفن، أو عن المجموع.
(إلَّا أن يضطر الإنسان إلى ذلك) أي في حالة الضرورة (وقال النبي ﷺ : إذا كفن أحدُكم أخاه فليحسن كفنه) (٢)، وفي الحديث (٣) الأمر بإحسان الكفنِ، قال العلماء: وليس المراد بإحسانه السرف فيه والمغالاة ونفاسته، وإنما المراد نظافته ونقاؤه وكثافته وستره وتوسطه، وكونه من جنس لباسه في الحياة غالبًا، لا أفخر منه ولا أحقر.
٣١٤٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا الوليد بن مسلم،
стр. 6423
نَا الأَوْزَاعِيُّ، نَا الزُّهْرِيُّ، عَنِ الْقَاسِم بْن مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "أُدْرج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ثَوْبٍ حِبَرَةٍ ثمَّ أخِّرَ عَنْهُ". [خ ٥٨١٤، م ٩٤٢، حم ٦/ ١٦١، السنن الكبرى: ٧١١٨]
٣١٥٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاح الْبَزَّارُ، نَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ-، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْنُ عَقِيْلِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ أَبِيهِ،
===
نا الأوزاعي، نا الزهري، عن القاسم بن محمد، عن عائشة) ﵂ (قالت: أُدْرجَ) أي أُدْخِلَ (رسول الله ﷺ في ثوب حبرة) (١) على الوصف أو الإضافة (ثم أُخِّرَ عنه). قال المنذري (٢): وسيأتي في حديث عائشة ﵂ بعد هذا ما يوضحه.
٣١٥٠ - (حدثنا الحسن بن الصباح البزار، نا إسماعيل، يعني ابن عبد الكريم) بن معقل بميم مفتوحة، وسكون مهملة، وكسر قاف، ابن منبه، ووهم من قال: أبو هاشم الصنعاني، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن معين: ثقة رجل صدق، والصحيفة التي يرويها عن وهب، عن جابر ليست بشيء، إنما هو كتاب وقع إليهم، [ولم يسمع وهب] من جابر شيئًا.
(حدثني إبراهيم بن عقيل بن معقل) بن منبه الصنعاني، قال ابن معين: لم يكن به بأس، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين قال: إبراهيم ثقة وأبوه ثقة، (عن أبيه) عقيل بن معقل بن منبه اليماني، قال أحمد: عقيل من ثقاتهم، وقال عبد الصمد: ثقة، وقال ابن معين: ثقة،
стр. 6424
عَنْ وَهْبٍ - يَعْنِي ابْنَ مُنَبِّهٍ -، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا تُوُفِّيَ أَحَدُكُمْ فَوَجَدَ شَيْئًا فَلْيُكَفِّنْ في ثَوْبٍ حِبَرَةٍ". [ق ٣/ ٤٠٣]
٣١٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن هِشَام قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ قَالَتْ: "كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ". [خ ١٢٦٤، م ٩٤١، ن ١٨٩٧، جه ١٤٦٩، ت ٩٩٦، حم ٦/ ٤٠]
===
وذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن وهب - يعني ابن منبه-، عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا توفي أحدكم فوجد) أهلُه (شيئًا) أي من الوسع والمال (فليكفن في ثوب حبرة).
٣١٥١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن هشام) أي ابن عروة (قال أخبرني أبي) عروة (قال: أخبرتني عائشة قالت: كُفِّنَ رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب يمانية بيض) جمع أبيض (ليس فيها قميص ولا عمامة) (١).
قال في "البدائع" (٢) وأما الكلام في كمية الكفن فنقول: أكثر ما يُكَفَّنُ فيه الرجل ثلاثة أثواب: إزار، رداء، وقميص، وهذا عندنا.
وقال الشافعي: لا يسن القميص في الكفن، وإنما الكفن ثلاث لفائف،
стр. 6425
٣١٥٢ - حَدَّثَنَا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا حَفْصٌ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ. زَادَ: "مِنْ كُرْسُفٍ"، قَالَ (١): فَذكِرَ لِعَائِشَةَ قَوْلَهُمْ: "في ثَوْبَيْنِ وَبُرْدِ حِبَرَةٍ"، فَقَالَتْ: "قَدْ أُتِيَ بِالْبُرْدِ، وَلَكِنَّهُمْ رَدُّوهُ وَلَمْ يُكَفِّنُوهُ فِيهِ". [م ٩٤١، ت ٩٩٦، ن ١٨٩٧، جه ١٤٦٩، حم ٦/ ٤٥ - ١١٨]
٣١٥٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا:
===
واحتج بما روي عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كُفِّنَ في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة" (٢).
ولنا ما روي عن عبد الله بن مغفل ﵁ أنه قال: "كفنوني في قميصي، فإن رسول الله ﷺ كُفِّنَ في قميصه الذي توفي فيه" (٣). وهكذا روي عن ابن عباس: "أنه ﵇ كُفِّنَ في ثلاثة أثواب، أحدها القميص الذي توفي فيه" (٤).
والأخذ برواية ابن عباس أولى من الأخذ بحديث عائشة؛ لأن ابن عباس حضر تكفينَ رسول الله ﷺ ودفَنه، وعائشة ﵂ ما حضرت ذلك، على أن معنى قولها: "ليس فيها قميص" أي لم يتخذ قميصًا جديدًا.
٣١٥٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا حفص، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة) ﵂ (مثله، زاد: مِنْ كرسفٍ، قال: فَذُكِرَ لعائشة قولهم: في ثوبين وبرد حبرة، فقالت: قد أتي بالبرد، ولكنهم) أي الصحابة (ردّوه ولم يكفنوه) أي رسولَ الله ﷺ (فيه).
٣١٥٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة قالا:
стр. 6426
نَا (١) ابْنُ إدْرِيس، عَنْ يَزِيدَ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي زِيَادٍ -، عن مِقْسَمٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ نَجْرَانِيَّةٍ: الْحُلَّةُ ثَوْبَانِ، وَقَمِيصُهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ". [جه ١٤٧١، حم ١/ ٢٢٢]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ عُثْمَانُ: في ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ: حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، وَقَمِيصِهِ الَذِي مَاتَ فِيهِ.
(٣٥) بَابُ كَرَاهِيَّةِ الْمُغَالَاةِ في الْكَفَنِ
٣١٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ، نَا عَمْرُو بْنُ هَاشَمٍ أَبُو مَالِكٍ الْجَنْبِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عن عَلِيٍّ بْنِ
===
نا ابن إدريس، عن يزيد -يعني ابن أبي زياد (٢) -، عن مقسم، عن ابن عباس قال: كُفِّن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب نجرانية) نسبة إلى نجران، وهي بلدة باليمن (الحلة) مرفوع بتقدير المبتدأ (ثوبان) بدل من الحلة، أو يقال: الحلة بالجر على البدلية من ثلاثة أثواب، وثوبان خبر مبتدأ مقدر، وكذلك قوله: (وقميصه) يحتمل الرفع والجر (الذي مات فيه).
(قال أبو داود: قال عثمان) بن أبي شيبة: (في ثلاثة أثواب: حلة حمراء وقميصه الذي مات فيه).
(٣٥) (بَابُ كَرَاهِيَّةِ الْمُغَالاةِ في الْكَفَنِ)
٣١٥٤ - (حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، نا عمرو بن هاشم أبو مالك الجنبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن علي بن
стр. 6427
أَبِي طَالِبٍ- كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ- قَالَ: لَا تُغَالَى (١) في كَفَنٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لَا تُغَالُوْا في الْكَفَنِ فَإِنَّهُ يُسْلَبُهُ سَلْبًا سَرِيعًا". [ق ٣/ ٤٠٣]
٣١٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي وَائِلٍ، عن خَبَّابٍ قَالَ: إِنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ
===
أبي طالب- كرَّم الله وجهه- قال) علي: (لا تغالى) بصيغة المجهول من المغالاة (في كفن) أي لا تبالغ في زيادة قيمته (٢)، ولا تجاوز عن الحد فيه، وأصل الغلاء الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء، يقال: غاليت وغلوت فيه: إذا جاوزت فيه الحد.
(فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تغالوا في الكفن) أي لا تجاوزوا الحد فيه بارتفاع قيمته (فإنه) أي الكفن (يسلبه) أي أن الكفن يُسْلَبُ عن الميت، فلفظ يسلب ببناء المجهول.
ونقل في حاشية القلمية الأحمدية عن "فتح الودود": على بناء المفعول، ونائب الفاعل ضمير الميت (سلبًا سريعًا)، وحاصله أن الكفن في الأرض يبلى سريعًا ويضيع (٣)، ففي مغالاة الكفن إضاعة المال.
٣١٥٥ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن خباب قال: إن مصعب بن عمير) بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار العبدري، أحد السابقين إلى الإِسلام، أسلم قديمًا والنبي ﷺ في دار الأرقم،
стр. 6428
قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلا نَمِرَةٌ، كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ (١) رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ (٢) مِنَ الإذْخِرِ". [خ ١٢٧٦، م ٩٤٠, ت ٣٨٥٣، ن ١٩٠٣، حم ٥/ ١٠٩، ق ٣/ ٤٠١]
٣١٥٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عن حَاتِمِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ،
===
وكتم إسلامه خوفًا من أمه وقومه، فعلمه عثمان بن طلحة، فأعلم أهله فأوثقوه، فلم يزل محبوسًا إلى أن هرب مع من هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة، فهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، ثم شهد أحدًا ومعه اللواء فاستُشْهِدَ.
(قُتِلَ يوم أحد ولم يكن له إلَّا نمرة) أي برد قصير (٣) من صوف (٤). (كنا إذا غطينا بها رأسَه خرجت رجلاه) منها، (وإذا غطينا) بها (رجليه خرج رأسُه) منها، (فقال رسول الله ﷺ : غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر).
٣١٥٦ - (حدثنا أحمد بن صالح، حدثني ابن وهب، حدثني هشام بن سعد، عن حاتم بن أبي نصر) القِنَّسْريني بكسر أوله، وتشديد النون المفتوحة،
стр. 6429
عن عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عن أَبِيهِ، عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الْكَفَنِ الْحُلَّةُ، وَخَيْرُ الأُضْحِيَةِ الْكَبْشُ الأَقْرَنُ". [جه ١٤٧٣، ق ٣/ ٤٠٣]
===
وسكون المهملة، نسبة إلى قنسرين بلد عند حلب، له عند أبي داود وابن ماجه حديث واحد في الجنائز في الكفن، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن القطان الفاسي: لم يروِ عنه غير هشام بن سعد، فهو مجهول، (عن عبادة بن نسي، عن أبيه) نسي مصغرًا، الكندي الشامي، قال في "تهذيب التهذيب" (١): ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب" (٢)، و"الخلاصة" (٣): مجهول.
(عن عبادة بن الصامت، عن رسول الله ﷺ قال: خير الكفن الحلة) نقل في حاشية المكتوبة الأحمدية عن "فتح الودود": ولعل المراد أنها من خير الكفن، والمطلوب بيان وفائها في التكفين. قلت: فالحاصل أن الحلة وهي الإزار والرداء خير من ثوب واحد، والثلاثة الكمال فيه.
قال القاري (٤): اختار بعض الأئمة أن يكون الكفن من برود اليمن لهذا الحديث، والأصح أن الأبيض أفضل لحديث عائشة وحديث ابن عباس.
(وخير الأضحية الكبش الأقرن)، ولعل وجه الفضيلة لعظم جثته وسمنه في الغالب، أو حسن صورته وكونه مرغوبًا فيه ومحبوبًا عند أهله.
стр. 6430
(٣٦) بابٌ: في كَفَنِ الْمَرْأَةِ
٣١٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا أَبِي، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي نُوحُ بْنُ حَكِيم الثَّقَفِيُّ، وَكَانَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ يُقَال لَهُ دَاوُدُ- قَد وَلَّدَتْهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ
===
(٣٦) (بَابٌ: في كَفَنِ الْمَرْأَةِ) (١)
٣١٥٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يعقوب بن إبراهيم، نا أبي) أي إبراهيم بن سعد، (عن ابن إسحاق، حدثني نوح بن حكيم الثقفي) المقرئ، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الذهبي في "الميزان" (٢): لا يعرف، وفي "التقريب" (٣): مجهول، وفي "الخلاصة" (٤): وثقه ابن حبان.
(وكان قارئًا للقرآن، عن رجل من بني عروة بن مسعود يقال له داود - قد ولدته أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ ).
قال في "تهذيب التهذيب" (٥): هو داود بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود
стр. 6431
أَنَّ لَيْلَى بنْتَ قَانِفٍ (١) الثَّقَفِيَّةَ قَالَتْ: "كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ (٢) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ وَفَاتِهَا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحِقَاءَ، ثُمَّ الدِّرْعَ، ثُمَّ الْخِمَارَ، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ في الثَّوْب الآخرِ، قَالَتْ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِس عِنْدَ الْبَابِ مَعَهُ كَفَنُهَا، يُنَاوِلُنَاهَا (٣) ثَوْبًا ثَوْبًا". [حم ٦/ ٣٨٠، ق ٤/ ٦]
===
الثقفي الطائفي ثم المكي، قال البخاري: ويقال: داود بن عاصم، قال أبو زرعة وأبو داود والنسائي: ثقة، ولعل معنى قوله: "ولدته" من التوليد، أي رَبَّته.
(أن ليلى بنت قانف) بقاف، ثم ألف، ثم نون مكسورة، ثم فاء (الثقفية) صحابية، وكانت فيمن غَسَّلَ أمَّ كلثوم بنتَ النبي ﷺ بعد موتها (قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم ابنة (٤) رسول الله ﷺ عند وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحقاء).
قال في "القاموس" (٥): الحَقْو: الكشحُ والإزارُ، ويُكْسَرُ، أو مَعْقِدُه كالحقوة والحقاء، جمع: أَحْقٍ وأَحْقاءٌ وَحِقِيٌّ وحقاءٌ، انتهى. فعلم أن الحقاء مفرد وجمع.
(ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أُدْرِجَتْ بعد) ذلك (في الثوب الآخر) فصارت لها في الكفن خمسة ثياب (قالت) ليلى: (ورسول الله ﷺ جالس عند الباب معه كفنها، يناولناها ثوبًا ثوبًا).
стр. 6432
(٣٧) بَابٌ: في الْمِسْكِ لِلمَيِّتِ
٣١٥٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا الْمُسْتَمِرُّ بْنُ الرَّيَّانِ، عن أَبِي نَضْرَةَ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَطْيَبُ طِيبِكُمْ الْمِسْكُ". [م ٢٢٥٢، ت ٩٩١، ن ١٩٠٥، حم ٣/ ٣١، ك ١/ ٣٦١]
(٣٨) بَابُ تَعْجِيلِ الْجَنَازَةِ (١)
٣١٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ الرُّؤَاسِيُّ
===
(٣٧) (بابٌ: في الْمِسْكِ (٢) لِلْمَيِّتِ)
٣١٥٨ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا مستمر بن الريان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : أطيب طيبكم المسك)، فيستدل بإطلاق الحديث جواز استعمال المسك للميت.
(٣٨) (بابُ تَعْجيلِ الْجَنَازَةِ)، أي التعجيل في تجهيزها
٣١٥٩ - (حدثنا عبد الرحيم بن مطرف) بن أنيس (الرُّؤَاسِيّ) بضم الراء
стр. 6433
أَبُو سُفْيَانَ وَأَحْمَدُ بْنُ جَنابٍ قَالَا: نَا عِيسَى- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ-، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ الْبَلَوِيِّ، عن عَزْرَةَ (١) - وقَالَ عَبْدُ الرَّحِيم: عُرْوَة- بْن سَعِيدٍ الأَنْصَارِيّ، عن أَبِيهِ، عَنْ الْحُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ: أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ مَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَالَ:
===
(أبو سفيان) الكوفي ثم السروجي، ابن عم وكيع، قال أبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال أبو علي الجياني: كان ينزل سروجَ قرية من قرى الثغر (وأحمد بن جناب قالا: نا عيسى، قال أبو داود: وهو) أي عيسى (ابن يونس، عن سعيد بن عثمان البلوي) المدني، ذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في "الجنائز"، روى عن عروة أو عزرة بن سعيد.
(عن عزرة- وقال عبد الرحيم: عروة- بن سعيد). قال الحافظ: عروة، ويقال: عزرة بن سعيد الأنصاري عن أبيه، وعنه سعيد بن عثمان البلوي، روى له أبو داود حديثًا واحدًا، تقدم في حصين بن وحوح على الشك في اسمه، حاصله: أن عبد الرحيم بن مطرف وأحمد بن جناب شيخي المصنف اختلفا في لفظ عزرة وعروة، فقال أحمد: عزرة بعين مهملة، ثم زاي مفتوحة، ثم راء مفتوحة، وقال عبد الرحيم: عروة بعين مهملة مضمومة، ثم راء ساكنة، ثم واو مفتوحة.
(الأنصاري، عن أبيه) سعيد الأنصاري، روى عن حصين بن وحوح، وعنه ابنه عروة أو عزرة، مجهول، (عن الحصين (٢) بن وحوح) بفتح أوله ومهملتين الأولى ساكنة، الأنصاري الأوسي المدني، صحابي، له حديث واحد في ذكر طلحة بن البراء.
(أن طلحة بن البراء) البلوي (مرض، فأتاه النبيُّ ﷺ يعوده، فقال:
стр. 6434
"إِنِّي لَا أُرَى طَلْحَةَ إِلَّا قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ، فَآذِنُونِي بِهِ وَعَجِّلُوا، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ (١) أَهْلِهِ". [ق ٣/ ٣٨٦]
(٣٩) بَابٌ: في الْغُسْلِ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ
٣١٦٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نَا زَكَرِيَّا، نَا مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ، عن طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ الْعَنَزِيِّ،
===
إني لا أرى طلحة إلَّا قد حدث فيه (٢) الموت) أي آثار الموت ومقدماته (فآذنوني به) أي إذا مات فأخبروني (٣) بموته (وعجِّلوا) بتجهيزه وتكفينه (فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تُحْبَسَ بين ظهراني أهله) أي بين أهله.
قال الطيبي (٤): إن المؤمن عزيز مكرم، فإذا استحال جيفة ونتنًا استقذرته النفوس، وتنفر عنه الطبائع، فينبغي أن يسرع فيما يواريه، فذكر الجيفة ها هنا كذكر السوءة في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ (٥)، قال ميرك: وليس في قوله: "جيفة مسلم" دليل على نجاسته، ولفظ "ظهراني" مقحم.
(٣٩) (بَابٌ: في الْغُسْلِ مِنْ غَسْلِ الميِّتِ)
٣١٦٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن بشر، نا زكريا، نا مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب العنزي،
стр. 6435
عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيوْم الْجُمُعَةِ، وَمِنَ الْحِجَامَةِ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ". [تقدَّم برقم ٣٤٨]
٣١٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ، عن عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ". [ق ١/ ٣٠٣، وانظر: ت ٩٩٣، جه ١٤٦٣، حم ٢/ ٢٧٢]
===
عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة أنها حدثته: أن النبي ﷺ كان يغتسل من أربع: من الجنابة، وبوم الجمعة، ومن الحجامة، و) من (غسيل الميت).
٣١٦١ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن أبي فديك، حدثني ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن عمرو بن عمير، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من غَسَّل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ).
قال الخطابي (١): قلت: لا أعلم أحدًا (٢) من الفقهاء يوجب الاغتسالَ من غسل الميت، ولا الوضوءَ من حمله، ويشبه أن يكون الأمر في ذلك على الاستحباب، وقد يحتمل أن يكون المعنى أن غاسل الميت لا يكاد يأمن أن يصيبه نضح من رشاش الغَسول (٣)، وربما كان على بدن الميت نجاسة، فإذا
стр. 6436
٣١٦٢ - حَدثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى، عن سُفْيَانَ، عن سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِيهِ، عن إِسْحَاقَ مَوْلَى زَائِدَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ بمَعْنَاهُ. [ق ١/ ٣٠١, وانظر مَا قبله]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مَنْسُوخٌ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَسُئِلَ عَنْ الْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ فَقَالَ: يُجْزِئهُ الْوُضُوءُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَدْخَلَ أَبُو صَالِحٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَي هَذَا
===
أصابه نضحه، وهو لا يعلم مكانه كان عليه غسل جميع البدن؛ ليكون الماء قد أتى على الموضع الذي أصابه النجس من بدنه، وقد قيل في معنى قوله: فليتوضأ (١) أي ليكن على وضوء ليتهيأ له الصلاة على الميت، والله أعلم. وفي إسناد الحديث مقال (٢).
٣١٦٢ - (حدثنا حامد بن يحيى، عن سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة) يقال: إسحاق بن عبد الله المدني والد عمر، قال ابن معين والعجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ بمعناه).
(قال أبو داود: هذا منسوخ، سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عن الغسل من غسل الميت فقال) أحمد: (يجزئه الوضوء) فدل قوله: "يجزئه الوضوء" على أنه لم يثبت عنده الغسل.
(قال أبو داود: أدخل (٣) أبو صالح بينه وبين أبى هريرة في هذا
стр. 6437
الْحَدِيثِ- يَعْنِي إِسْحَاقَ مَوْلَى زَائِدَةَ- قَالَ: وَحَدِيثُ مُصْعَبٍ (١) فِيهِ خِصَالٌ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ.
(٤٠) بَابٌ: في تَقْبِيلِ الْمَيِّتِ
٣١٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عن الْقَاسِمِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونِ وَهُوَ مَيِّتٌ، حَتَّى رَأَيْتُ الدُّمُوعَ تَسِيلُ". [ت ٩٨٩، جه ١٤٥٦، حم ٦/ ٤٣، ق ٣/ ٣٦١، ك ١/ ٣٦١]
===
الحديث -يعني إسحاق مولى زائدة - قال: وحديث مصعب فيه خصال ليس العمل عليه) أي على بعض منها، وفي حاشية الكانفورية: في رواية ابن داسة: حديث مصعب ضعيف (٢).
(٤٠) (بَابٌ: في تَقْبِيلِ الْمَيِّتِ)
٣١٦٣ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة) ﵂ (قالت: رأيت رسول الله ﷺ يقبِّل عثمانَ بنَ مظعون وهو ميت) وهو أخ رضاعيٌّ لرسول الله ﷺ ، هاجر هجرتين، وشهد بدرًا، وهو من مات من المهاجرين بالمدينة في شعبان على رأس ثلاثين شهرًا من الهجرة، وَدُفِنَ بالبقيع، وكان من فضلاء الصحابة، وهو أول من دُفِنَ بالبقيع (حتى رأيتُ الدموعَ تسيل) أي من عينيه ﷺ .
стр. 6438
(٤١) بَابٌ: في الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ
٣١٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ، نَا أَبُو نُعَيمٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله- أَوْ (١) سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ- قَالَ: رَأَى نَاسٌ نَارًا في الْمَقْبَرَةِ، فَأَتُوهَا، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الْقَبْرِ، وإذَا هُوَ يَقُولُ: "نَاولُونِي صَاحِبَكُمْ"، فَإِذَا (٢) هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ". [ق ٤/ ٣١، ك ١/ ٣٦٨]
===
(٤١) (بَابٌ: في الدَّفَنِ بِاللَّيْلِ) (٣)
٣١٦٤ - (حدثنا مجمد بن حاتم بن بزيع، نا أبو نعيم، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار قال: أخبرني جابر بن عبد الله أو) شك من الراوي قال: (سمعت جابر بن عبد الله قال: رأى ناس نارًا في المقبرة، فأتوها، فإذا رسول الله ﷺ في القبر) أي نازل (وإذا هو) أي رسول الله ﷺ (يقول: ناولوني) أي أعطوني (صاحبكم) حتى أدفنه (فإذا هو) أي الميت (الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر) وكتب في حاشية النسخة المكتوبة الأحمدية: اسمه عبد الله (٤)، وقد تقدم الكلام في مسألة الدفن بالليل قريبًا (٥).
стр. 6439
(٤٢) بَابٌ: في الْمَيِّتِ يُحْمَلُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ (١)
٣١٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن الأَسْوَد بْنِ قَيْسٍ، عن نُبيْحٍ، عَنْ جَابِرٍ (٢) قَالَ: كُنَّا حَمَلْنَا الْقَتْلَى يَوْمَ أُحُدٍ لِنَدْفِنَهُمْ، فَجَاءَ مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأمُرُكُمْ أَنْ تَدْفِنُوا الْقَتْلَى في مَضَاجِعِهِمْ، فَرَدَدْنَاهُمْ". [ت ١٧١٧، ن ٢٠٠٤، جه ١٥١٦، حم ٣/ ٢٩٧، ق ٤/ ٥٧]
===
(٤٢) (بابٌ: في الْمَيِّتِ يُحْمَلُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ) (٣)
٣١٦٥ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن نبيح) مصغرًا، (عن جابر قال: كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم) في البقيع (فجاء منادي النبي ﷺ فقال) أي المنادي: (إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم) أي مقاتلهم (فرددناهم).
والمعنى لا تُنْقَلُ (٤) الشهداءُ من مقتلهم، بل ادفنوهم حيث قُتِلُوا، وكذا من مات في موضع لا يُنْقَلُ إلى بلد آخر، قاله بعض علمائنا.
وقال في "الأزهار": الأمر في قوله ﷺ : "ردوا القتلى" للوجوب، وذلك أن نقل الميت من موضع يغلب فيه التغيُّر حرام، وكان ذلك زجرًا عن القيامِ بذلك والإقدامِ عليه، وهذا أظهر دليل وأقوى حجة في تحريم النقل، وهو الصحيح، نقله السيد، والظاهر أن نهي النقل مختص بالشهداء؛ لأنه نُقِلَ ابن أبي وقاص من قصره إلى المدينة بحضور
стр. 6440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
جماعة من الصحابة، ولم ينكروا، والأظهر أن يُحْمَلَ النهي على نقلهم بعد دفنهم لغير عذر.
قال المظهر: فيه دلالة على أن الميت لا يُنْقَلُ من الموضع الذي مات فيه، قال الأشرف: هذا كان في الابتداء، أي ابتداءِ أُحدٍ، وأما بعده فلا؛ لِمَا روي أن جابرًا جاء بأبيه عبدِ الله الذي قُتِلَ بأُحد بعد ستة أشهر إلى البقيع، ودفنه بها.
قال الطيبي (١): الظاهر إن دعت الضرورة إلى النقل نُقِلَ، وإلَّا فلا؛ لما روينا عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن صعصعة أنه بلغه: أن عمرو بنَ الجموح وعبدَ الله بن عمرو الأنصاريين كانا قد حضر (٢) السيل قبرَهما، وكانا في قبر واحد، فَحُفِرَ عنهما، فَوُجِدَا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس، فكان أحدهما قد جُرِحَ، ويده على جرحه، فَدُفِنَ وهو كذلك، فأُمِيْطَت يدُه عن جرحه، ثم أُرْسِلَتْ فرجعت كما كانت، وكان بين أحد وبين الحفر عنهما ست وأربعون سنة.
قلت: وهذا القول هو القول؛ لأنه لا يظن بجابر أنه ينقل بعد النهي عن أن ينقل (٣).
قال ابن الهمام (٤): ولا يُنْبَشُ بعد إهالة التراب لمدة طويلة ولا قصيرة إلَّا لعذر. قال في "التجنيس": والعذر أن يظهر أن الأرض مغصوبة، أو يأخذها شفيع، أو سقط فيه ثوب أو درهم لأحد، واتفقت كلمة المشايخ في امرأة دُفِنَ ابنها وهي غائبة في غير بلدها فلم تصبر، فأرادت نقله: أنه لا يسعها ذلك، فتجويز شواذ بعض المتأخرين لا يُلْتَفَتُ إليه، ولم نعلم خلافًا بين المشايخ في
стр. 6441
(٤٣) بَابٌ: في الصَّفِّ (١) عَلَى الْجَنَازَةِ
٣١٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادٌ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن مَرْثَدٍ الْيَزَنِيِّ، عن مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ مَيِّتٍ (٢) يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَوْجَبَ"
===
أنه لا ينبش، وقد دفن بلا غسل أو بلا صلاة، فلم يبيحوه، أما إذا رأوا نقله قبل الدفن أو تسوية اللبن فلا بأس بنقله نحو ميل أو ميلين؛ لأن المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا المقدار.
(٤٣) (بَابٌ: في الصَّفِّ عَلَى الْجَنَازَةِ)
٣١٦٦ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد) بن عبد الله (اليزني، عن مالك بن هبيرة) (٣) بن خالد بن مسلم السكونى (٤)، ويقال: الكندي، يكنى أبا سعيد، عداده في أهل مصر، قال البخاري في "التاريخ" (٥) له صحبة.
(قال: قال رسول الله ﷺ : ما من ميت يموت فيصلي عليه ثلاثة (٦) صفوف من المسلمين إلَّا أوجب) أي ذلك الفعل على الله المغفرةَ وعدًا منه تعالى وفضلًا، وقد جاء في رواية (٧): "إلا غفر الله له". والتعبير بالإيجاب
стр. 6442
قَالَ: فَكَانَ (١) مَالِكٌ إِذَا اسْتَقَلَّ (٢) أَهْلَ الْجَنَازَةِ جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ لِلْحَدِيثِ. [ت ١٠٢٨، جه ١٤٩٠، حم ٤/ ٧٩، ق ٤/ ٣٠، ك ١/ ٣٦٢]
(٤٤) بَابُ اتِّباع النِّسَاءِ الْجَنَازَةَ
٣١٦٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: "نُهِينَا أَنْ نَتْبَعَ الْجَنَائِزَ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا". [خ ١٢٧٨، م ٩٢٨، جه ١٥٧٧، حم ٦/ ٤٠٨]
===
نظرًا لكون وعد الله لا يخلف، فهو واجب لغيره صحيح زيادة للتطميع في حسن الرجاء، فلا ينافي أنه يجب على كل أحد أن يعتقد أنه لا يجب على الله شيء.
(قال) مرثد: (فكان مالك إذا استقلّ أهلَ الجنازة) أي عَدَّهم قليلًا (جزَّأهم) أي قَسَّمهم (ثلاثة صفوف للحديث).
(٤٤) (بَابُ اتباع النِّسَاءِ الْجَنَازَةَ)
٣١٦٧ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد، عن أيوب، عن حفصة، عن أم عطية قالت: نُهِيْنَا أن نتبع الجنائز ولم يُعْزَمْ علينا).
قال النووي (٣): معناه: نهانا رسول الله ﷺ عن ذلك نهيَ كراهة تنزيه، لا نهي عزيمة تحريم، ومذهب أصحابنا أنه يكره، وليس بحرام لهذا الحديث. قال القاضي (٤): قال جمهور العلماء بمنعهن من اتباعها، وأجازه علماء المدينة، وأجازه مالك (٥)، وكرهه للشابة.
стр. 6443
(٤٥) بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ (١)
٣١٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن سُمَيٍّ، عن أَبِي صالحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ قَالَ: "مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَصَلَّى عَلَيْهَا
===
قال في "الدر المختار" (٢): ويكره خروجهن تحريمًا (٣). قال الشامي: لقوله ﵊: "ارجعن مأزوراتٍ غير مأجورات"، رواه ابن ماجه (٤) بسند ضعيف، لكن يعضده المعنى الحادث باختلاف الزمان الذي أشارت إليه عائشة ﵂ بقولها: "لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النساء بعده لمنعهن كما مُنِعَتْ نساء بني إسرائيل" (٥)، وهذا في نساء زمانها، فما ظنك بنساء زماننا. وأما ما في "الصحيحين" عن أم عطية: "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا"، أي أنه نهي تنزيه، فينبغي أن يختص بذلك الزمن حيث [كَانَ] يباح لهن الخروج إلى المساجد والأعياد.
(٤٥) (بابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ) وتشييعها، أي المشي معها
٣١٦٨ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن سميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة) ﵁ (يرويه) عن رسول الله ﷺ (قال: من تبع جنازة فصلى عليها) (٦) فرجع، ولم يَمْشِ
стр. 6444
فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ، أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ، أَوْ أَحَدُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ". [خ ١٣٢٣، م ٩٤٥، ت ١٠٤٠، ن ١٩٩٦، جه ١٥٣٩، حم ٢/ ٤٧٠]
٣١٦٩ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ حُسَيْنٍ الْهَرَوِيُّ قَالَا: نَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ - وَهُوَ حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ - أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ دَاوُدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ،
===
معها (١) إلى القبر حتى يُدْفَنَ (فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها) أي من دفنها (فله قيراطان، أصغرهما مثل أحد، أو أحدهما مثل أحد).
٣١٦٩ - (حدثنا هارون بن عبد الله وعبد الرحمن بن حسين) الحنفي، أبو الحسين (الهروي)، روى عنه أبو داود حديثًا واحدًا في اتباع الجنازة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب" (٢): مقبول.
(قالا: نا المقرئ) أي أبو عبد الرحمن، (حدثنا حيوة، حدثني أبو صخر -وهو حميد بن زياد- أن يزيد بن عبد الله بن قسيط حدثه، أن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص حدثه، عن أبيه) أي عامر بن سعد بن أبي وقاص، (أنه كان عند ابن عمر بن الخطاب إذ طلع خباب صاحب المقصورة) وهو خباب مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، أبو مسلم، أدرك الجاهلية، واختُلِفَ في صحبته، روى مسلم من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص عن خباب صاحب المقصورة، عن عائشة وأبي هريرة في اتباع الجنائز.
стр. 6445
فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، أَلا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقُولُ: "مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا"، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ، فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ" (١). [م ٩٤٥]
٣١٧٠ - حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاع السَّكُونِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ، عن شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي نمِرٍ، عن كُرَيْبٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (٢) ﷺ يقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا
===
قال في "القاموس" (٣): والمقصورة: الدار الواسعة المحصَّنة، أو هي أصغر من الدار، كالقُصارة بالضم، ولا يدخلها إلا صاحبها.
(فقال: يا عبد الله بن عمر! ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها، فذكر معنى حديث سفيان، فأرسل ابن عمر) أي خبابًا (إلى عائشة) يسأل عن قول أبي هريرة تحقيقًا وتثبيتًا للرواية لا شكًّا في رواية أبي هريرة، زاد في رواية "مسلم": "ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت" (فقالت) عائشة: (صدق أبو هريرة).
٣١٧٠ - (حدثنا الوليد بن شجاع السكوني، نا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، عن ابن عباس قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا