(٤٣) بَابٌ: في الصَّفِّ (١) عَلَى الْجَنَازَةِ
٣١٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادٌ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن مَرْثَدٍ الْيَزَنِيِّ، عن مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ مَيِّتٍ (٢) يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَوْجَبَ"
===
أنه لا ينبش، وقد دفن بلا غسل أو بلا صلاة، فلم يبيحوه، أما إذا رأوا نقله قبل الدفن أو تسوية اللبن فلا بأس بنقله نحو ميل أو ميلين؛ لأن المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا المقدار.
(٤٣) (بَابٌ: في الصَّفِّ عَلَى الْجَنَازَةِ)
٣١٦٦ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد) بن عبد الله (اليزني، عن مالك بن هبيرة) (٣) بن خالد بن مسلم السكونى (٤)، ويقال: الكندي، يكنى أبا سعيد، عداده في أهل مصر، قال البخاري في "التاريخ" (٥) له صحبة.
(قال: قال رسول الله ﷺ : ما من ميت يموت فيصلي عليه ثلاثة (٦) صفوف من المسلمين إلَّا أوجب) أي ذلك الفعل على الله المغفرةَ وعدًا منه تعالى وفضلًا، وقد جاء في رواية (٧): "إلا غفر الله له". والتعبير بالإيجاب
стр. 6442
قَالَ: فَكَانَ (١) مَالِكٌ إِذَا اسْتَقَلَّ (٢) أَهْلَ الْجَنَازَةِ جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ لِلْحَدِيثِ. [ت ١٠٢٨، جه ١٤٩٠، حم ٤/ ٧٩، ق ٤/ ٣٠، ك ١/ ٣٦٢]
(٤٤) بَابُ اتِّباع النِّسَاءِ الْجَنَازَةَ
٣١٦٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: "نُهِينَا أَنْ نَتْبَعَ الْجَنَائِزَ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا". [خ ١٢٧٨، م ٩٢٨، جه ١٥٧٧، حم ٦/ ٤٠٨]
===
نظرًا لكون وعد الله لا يخلف، فهو واجب لغيره صحيح زيادة للتطميع في حسن الرجاء، فلا ينافي أنه يجب على كل أحد أن يعتقد أنه لا يجب على الله شيء.
(قال) مرثد: (فكان مالك إذا استقلّ أهلَ الجنازة) أي عَدَّهم قليلًا (جزَّأهم) أي قَسَّمهم (ثلاثة صفوف للحديث).
(٤٤) (بَابُ اتباع النِّسَاءِ الْجَنَازَةَ)
٣١٦٧ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد، عن أيوب، عن حفصة، عن أم عطية قالت: نُهِيْنَا أن نتبع الجنائز ولم يُعْزَمْ علينا).
قال النووي (٣): معناه: نهانا رسول الله ﷺ عن ذلك نهيَ كراهة تنزيه، لا نهي عزيمة تحريم، ومذهب أصحابنا أنه يكره، وليس بحرام لهذا الحديث. قال القاضي (٤): قال جمهور العلماء بمنعهن من اتباعها، وأجازه علماء المدينة، وأجازه مالك (٥)، وكرهه للشابة.
стр. 6443
(٤٥) بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ (١)
٣١٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن سُمَيٍّ، عن أَبِي صالحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ قَالَ: "مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَصَلَّى عَلَيْهَا
===
قال في "الدر المختار" (٢): ويكره خروجهن تحريمًا (٣). قال الشامي: لقوله ﵊: "ارجعن مأزوراتٍ غير مأجورات"، رواه ابن ماجه (٤) بسند ضعيف، لكن يعضده المعنى الحادث باختلاف الزمان الذي أشارت إليه عائشة ﵂ بقولها: "لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النساء بعده لمنعهن كما مُنِعَتْ نساء بني إسرائيل" (٥)، وهذا في نساء زمانها، فما ظنك بنساء زماننا. وأما ما في "الصحيحين" عن أم عطية: "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا"، أي أنه نهي تنزيه، فينبغي أن يختص بذلك الزمن حيث [كَانَ] يباح لهن الخروج إلى المساجد والأعياد.
(٤٥) (بابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ) وتشييعها، أي المشي معها
٣١٦٨ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن سميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة) ﵁ (يرويه) عن رسول الله ﷺ (قال: من تبع جنازة فصلى عليها) (٦) فرجع، ولم يَمْشِ
стр. 6444
فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ، أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ، أَوْ أَحَدُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ". [خ ١٣٢٣، م ٩٤٥، ت ١٠٤٠، ن ١٩٩٦، جه ١٥٣٩، حم ٢/ ٤٧٠]
٣١٦٩ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ حُسَيْنٍ الْهَرَوِيُّ قَالَا: نَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ - وَهُوَ حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ - أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ دَاوُدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ،
===
معها (١) إلى القبر حتى يُدْفَنَ (فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها) أي من دفنها (فله قيراطان، أصغرهما مثل أحد، أو أحدهما مثل أحد).
٣١٦٩ - (حدثنا هارون بن عبد الله وعبد الرحمن بن حسين) الحنفي، أبو الحسين (الهروي)، روى عنه أبو داود حديثًا واحدًا في اتباع الجنازة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب" (٢): مقبول.
(قالا: نا المقرئ) أي أبو عبد الرحمن، (حدثنا حيوة، حدثني أبو صخر -وهو حميد بن زياد- أن يزيد بن عبد الله بن قسيط حدثه، أن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص حدثه، عن أبيه) أي عامر بن سعد بن أبي وقاص، (أنه كان عند ابن عمر بن الخطاب إذ طلع خباب صاحب المقصورة) وهو خباب مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، أبو مسلم، أدرك الجاهلية، واختُلِفَ في صحبته، روى مسلم من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص عن خباب صاحب المقصورة، عن عائشة وأبي هريرة في اتباع الجنائز.
стр. 6445
فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، أَلا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقُولُ: "مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا"، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ، فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ" (١). [م ٩٤٥]
٣١٧٠ - حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاع السَّكُونِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ، عن شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي نمِرٍ، عن كُرَيْبٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (٢) ﷺ يقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا
===
قال في "القاموس" (٣): والمقصورة: الدار الواسعة المحصَّنة، أو هي أصغر من الدار، كالقُصارة بالضم، ولا يدخلها إلا صاحبها.
(فقال: يا عبد الله بن عمر! ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها، فذكر معنى حديث سفيان، فأرسل ابن عمر) أي خبابًا (إلى عائشة) يسأل عن قول أبي هريرة تحقيقًا وتثبيتًا للرواية لا شكًّا في رواية أبي هريرة، زاد في رواية "مسلم": "ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت" (فقالت) عائشة: (صدق أبو هريرة).
٣١٧٠ - (حدثنا الوليد بن شجاع السكوني، نا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، عن ابن عباس قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا
стр. 6446
لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ". [م ٩٤٨, جه ١٤٨٩، حم ١/ ٢٧٧]
(٤٦) بَابٌ: في اتِّباع الْمَيِّتِ بِالنَّارِ
٣١٧١ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ. (ح): وَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، نَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَا: نَا حَرْبٌ- يَعْنِي ابْنَ شَدَّادٍ -، نَا يَحْيَى، حَدَّثَنِي بَابُ بْنُ عُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، عَنْ أَبِيهِ
===
لا يشركون بالله شيئًا) أي المسلمون، فيصلون عليه، ويدعون له (إلَّا شُفِّعوا) أي قُبِلَ شفاعتهم (فيه) أي في ذلك الميت.
ووقع في رواية: "يبلغون مائة كلهم يشفعون له" (١)، وقد تقدم حديث "ثلاث صفوف" فليس فيها اختلاف، فلا يلزم من قبول شفاعة عدمُ قبول ما دون ذلك، وحينئذ كل الأحاديث معمول به، وتحصل الشفاعة بأقل الأمور، والله تعالى أعلم.
(٤٦) (بَابٌ: في اتِّباعِ الْمَيِّتِ بِالنَّارِ)
٣١٧١ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا عبد الصمد، ح: ونا ابن المثنى، نا أبو داود، قالا) أي عبد الصمد وأبو داود: (نا حرب- يعني ابن شداد-، نا يحيى، حدثني باب بن عمير) الحنفي، الشامي، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الجنائز، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ليس هو جد عمرو بن عبيد، وقال الدارقطني: لا أدريه من هو؟ وقال في "التقريب" (٢): مقبول.
(حدثني رجل من أهل المدينة، عن أبيه) كلاهما مجهولان،
стр. 6447
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تُتْبَعُ الْجَنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ". [حم ٢/ ٥٣٢]
===
قاله المنذري (١)، (عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا تُتْبَعُ الجنازة بصوت) (٢) كتب على حاشية القلمية عن "فتح الودود": والمراد بالصوت إما البكاء، أو مطلق الصوت، فيشمل رفع الصوت بلا إله إلَّا الله ونحوه خلف الجنازة، انتهى. قلت: وكذلك يشمل صوت الطبل والبوق، كما يفعله عبدة الأصنام من أهل الهند.
(ولا نار) قال في "البدائع" (٣): ولا تتبع الجنازة بنار إلى قبره، يعني الإجمار في قبره؛ لما روي أن النبي ﷺ خرج في جنازة، فرأى امرأة في يدها (٤) مجمر، فصاح عليها وطردها حتى توارت بالآكام، وروي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "لا تحملوا معي مجمرًا" (٥)، ولأنها آلة العذاب فلا تتبع معه تفاؤلًا.
قال إبراهيم النخعي: أكره أن يكون آخر زاده من الدنيا نارًا، ولأن هذا فعل أهل الكتاب فيكره التشبه بهم.
стр. 6448
(١) زَادَ هَارُونُ: "وَلَا يُمْشَى بَيْنَ يَدَيْهَا" (٢).
(٤٧) بَابُ الْقِيَامِ لِلجَنَازَةِ
٣١٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أَبِيهِ، عن عَامِرِ بْن رَبِيعَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوْضَعَ". [خ ١٣٠٧، م ٩٥٨، ت ١٠٤٢، ن ١٩١٦، جه ١٥٤٢، حم ٣/ ٤٤٥]
٣١٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، نَا سُهَيْلُ بْنُ
===
(زاد هارون: ولا يُمْشى بين يديها) أي قدام الجنازة، وسيجيء الكلام فيه في "باب المشي أمام الجنازة".
(٤٧) (بابُ الْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ)
٣١٧٢ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة) وهو من الصحابة من المهاجرين الأولين، أسلم قبل عمر ﵁، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، قال ابن سعد: كان قد حالف الخطاب فتبناه، فكان يقال: عامر بن الخطاب.
(يبلغ به النبيَّ ﷺ : إذا رأيتم جنازة فقوموا لها) أي لهول الموت لا تعظيمًا للميت (حتى تخلفكم) أي يتجاوز عنكم إن كنتم في طريقها إلى محل الصلاة، أو محل الدفن (أو تُوْضَعَ) أي في المحل الذي أنتم فيه فتوضَعُ للصلاة أو للدفن.
٣١٧٣ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا سهيل بن
стр. 6449
أَبِي صَالِحٍ، عن ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا تَبِعْتُمُ الْجَنَازة فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوْضَعَ". [خ ١٣١٠، م ٩٥٩، ت ١٠٤٣، ن ١٩١٤، حم ٣/ ٢٥]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الثوْرِيُّ، عَنْ سُهَيْل، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِيهِ: حَتَّى تُوْضَعَ بِالأَرْضِ، وَرَوَاهُ أبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ سُهَيْلٍ (١) قَالَ: حَتَّى تُوضَعَ في اللَّحْدِ.
(٢) وَسُفْيَانُ أَحْفَظُ مِنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ.
===
أبي صالح، عن ابن أبي سعيد الخدري) عبد الرحمن، (عن أبيه) أبي سعيد (قال: قال رسول الله ﷺ : إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى تُوْضَعَ) على الأرض.
(قال أبو داود: روى الثوري (٣)(٤) هذا الحديث عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال فيه: حتى توضع بالأرض، ورواه أبو معاوية (٥)، عن سهيل قال: حتى توضع في اللحد، وسفيان أحفظ من أبي معاوية)، ومناسبته بالباب أن ترجمة الباب كانت شاملة لمن كان قاعدًا في طريقها ولمن كان ماشيًا معها، فهذا الحديث في حق من كان يمشي معها.
قال في "البدائع" (٦): ويكره لمتبعى الجنازة أن يقعدوا قبل وضع الجنازة؛
стр. 6450
٣١٧٤ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ، نَا الْوَلِيدُ، نَا أَبُو عَمْرٍو، عن يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذ مَرَّتْ بِنَا جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا، فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَحْمِلَ إِذْ (١) هِيَ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا هِيَ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: "إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ جَنَازَةً (٢) فَقُومُوا". [خ ١٣١١، م ٩٦٠، ن ١٩٢٢]
===
لأنهم أتباع الجنازة، والتبع لا يقعد قبل قعود الأصل، ولأنهم إنما حضروا تعظيمًا للميت، وليس من التعظيم الجلوس قبل الوضع.
أما بعد الوضع فلا بأس بذلك لما روي عن عبادة بن الصامت ﵁: "أن النبي ﷺ كان لا يجلس حتى يوضَعَ الميت في اللحد، وكان قائمًا مع أصحابه على رأس قبر، فقال يهودي: هكذا نفعل بموتانا، فجلس ﷺ ، وقال لأصحابه: خالفوهم" (٣).
٣١٧٤ - (حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني، نا الوليد، نا أبو عمرو، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبيد الله بن مقسم قال: حدثني جابر قال: كنا مع النبي ﷺ إذ مرت بنا جنازة، فقام) رسول الله ﷺ (لها، فلما ذهبنا لِنَحْمِلَ إذ هي جنازة يهودي، فقلنا: يا رسول الله! إنما هي جنازة يهودي (٤) فقال) رسول الله ﷺ : (إن الموت فزع) أي ذو فزع، (فإذا رأيتم جنازة فقوموا).
стр. 6451
٣١٧٥ - حَدَّثَثَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَم، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ في الْجَنَازَةِ (١) ثُمَّ قَعَدَ بَعْدُ". [م ٩٦٢، ت ١٠٤٤، ن ١٩٢٣، جه ١٥٤٤، حم ١/ ٨٢]
٣١٧٦ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ بَهْرَامَ الْمَدَائنيُّ, نَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو الأَسْبَاطِ الْحَارِثِيُّ،
===
٣١٧٥ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ الأنصاري) الأشهلي، أبو عبد الله المدني، وثقه أبو زرعة وابن سعد، وذكره بن حبان في "الثقات"، (عن نافع بن جبير بن مطعم، عن مسعود بن الحكم، عن علي بن أبي طالب: أن النبي ﷺ قام في الجنازة، ثم قعد بعد) أي ترك القيام لها، فالقيام للجنازة منسوخ، وعليه الجمهور (٢).
٣١٧٦ - (حدثنا هشام بن بهرام المدائني) أبو محمد، قال ابن وارة والخطيب: كان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن حبان: كان مستقيم الحديث، (نا حاتم بن إسماعيل، أنا أبو الأسباط) بشر بن رافع (الحارثي) النجراني إمامها ومفتيها قال أحمد: ليس بشيء، ضعيف في الحديث، وقال البخاري: لا يتابَعُ في حديثه، وقال الترمذي: يُضَعَّف في الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، لا نرى له حديثًا قائمًا، وقال الحاكم أبو أحمد: بشر بن رافع الحارثي واليماني ليس بالقوي عندهم، وقال ابن عدي: وبشر بن رافع هو أبو الأسباط الحارثي، وهو مقارب الحديث، لا بأس بأخباره، ولم أجد له حديثًا منكرًا، قال: وعند البخاري أن
стр. 6452
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِى أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِتِ قَال: كَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُومُ في الْجَنَازَةِ حَتَّى تُوْضَعَ في اللَّحْدِ (١)، فَمَرَّ بِهِ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: هَكَذَا نَفْعَلُ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: "اجْلِسُوا خَالِفُوهُمْ". [ت ١٠٢٠، جه ١٥٤٥، ق ٤/ ٢٨]
===
بشر بن رافع هذا هو أبو الأسباط الحارثي، وعند ابن معين: أن أبا الأسباط شيخ كوفي، وعند النسائي: أن بشر بن رافع غير أبي الأسباط (٢).
(عن عبد الله بن سليمان بن جنادة بن أبي أمية) الأزدي الدوسي، قال البخاري: فيه نظر، لا يُتابَعُ على حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن أبيه) سليمان بن جنادة بن أبي اْمية الأزدي الدوسي، قال أبو حاتم (٣): منكر الحديث، وقال البخاري: هو حديث منكر، ولم يتابَع في هذا، قال ابن عدي: لم ينكر عليه البخاري غير هذا الحديث، يروي عن أبيه، عن عبادة بن الصامت في القيام للجنازة.
(عن جده) جنادة بن أبي أمية الأزدي، ثم الزهراني، ويقال: الدوسي، أبو عبد الله الشامي، مختَلَف في صحبته، قال أبو يونس: كان من الصحابة، شهد فتح مصر، وولي البحرين لمعاوية، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة من كبار التابعين، قلت (٤): هما اثنان: أحدهما صحابي، والآخر تابعي، وقد بينت ذلك بأدلة في "معرفة الصحابة (٥) ".
(عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضَعَ في اللحد، فمر به حبر) أي عالم (من اليهود فقال: هكذا نفعل، فجلس النبي ﷺ ، وقال: اجلسوا خالفوهم).
стр. 6453
(٤٨) بَابٌ: الرُّكُوبِ في الْجَنَازَةِ
٣١٧٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
===
قال الشوكاني (١): واختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب أحمد وإسحاق وابن حبيب وابن الماجشون: أن القيام للجنازة لم ينسخ، والقعود منه ﷺ كما في حديث علي (٢) - إنما هو لبيان الجواز، فمن جلس فهو في سعة، ومن قام فله أجر، وكذا قال ابن حزم: إن قعوده ﷺ بعد أمره بالقيام- يدل على أن الأمر بالندب، ولا يجوز أن يكون نسخًا.
قال النووي (٣): والمختار أنه مستحب، وبه قال المتولي وصاحب "المهذب" من الشافعية، وممن ذهب إلى استحباب القيام: ابن عمر، وابن مسعود، وقيس بن سعد، وسهل بن حنيف، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: إن القيام منسوخ يحديث علي ﵁، قال الشافعي: إما أن يكوق القيام منسوخًا، أو يكون لعلة، وأيهما كان فقد ثبت أنه ﵇ تركه بعد فعلِه، والحجة في الآخِرِ من أمره، والقعود أحبّ إليّ، انتهى (٤).
(٤٨) (بابٌ: ) في (الرُّكُوبِ في الْجَنَازَةِ)
٣١٧٧ - (حدثنا يحيى بَن موسى البلخي، أنا عبد الرزاق،
стр. 6454
أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ، عن ثَوْبَانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِدَابَّةٍ وَهُوَ مَعَ الْجَنَازَةِ فَأَبَى أَنْ يَرْكَبَ (١)، فَلَمَّا انْصَرَفَ أُتِيَ بِدَابَّةٍ فَرَكِبَ، فَقِيلَ لَهُ؟ فَقَالَ: "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَمْشِي، فَلَمْ أَكُنْ لأَرْكَبَ وَهُمْ يَمْشُونَ، فَلَمَّا ذَهَبُوا رَكِبْتُ". [ق ٤/ ٢٣، ك ١/ ٣٥٥]
٣١٧٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
===
أنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن ثوبان: أن رسول الله ﷺ أُتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركب، فلما انصرف) أي رجع من دفنها (أتي بدابة فركب، فقيل له) أي سئل عنه: أنك لم تركب في المشي مع الجنازة وركبتَ في الانصراف عنها؟ (فقال: إن الملائكة كانت تمشي، فلم أكن لأرْكَبَ وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبتُ).
قال الشوكاني (٢): في حديث ثوبان عند ابن ماجه (٣): "ألا تستحيون؟ ! إن ملائكة الله على أقدامهم"، فيه كراهة الركوب لمن كان متبعًا للجنازة، ويعارضه حديث المغيرة (٤) من إذنه للراكب أن يمشي خلف الجنازة, ويمكن الجمع بأن قوله ﷺ : "الراكب خلفها" لا يدل على عدم الكراهة، وإنما يدل على الجواز، فيكون الركوب جائزًا مع الكراهة، أو بأن إنكاره ﷺ على من ركب، وَتَرْكه للركوب إنما كان لأجل مشي الملائكة, ومشيهم مع الجنازة التي مشى معها رسول الله ﷺ لا يستلزم مشيهم مع كل جنازة، لإمكان أن يكون ذلك منهم تبركًا به ﷺ ، فيكون الركوب على هذا جائزًا غير مكروه.
٣١٧٨ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، حدثنا شعبة،
стр. 6455
عَنْ سِمَاكٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ: "صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحٍ وَنَحْنُ شُهُودٌ، ثُمَّ أُتِيَ بِفَرَسٍ فَعُقِلَ حَتَّى رَكِبَهُ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ بِهِ وَنحْنُ نَسْعَى حَوْلَهُ ﷺ ". [م ٩٦٥، ت ١٠١٣، حم ٥/ ٩٠ - ٩٥، ق ٤/ ٢٢]
(٤٩) بَابُ الْمَشْي أَمَامَ الْجَنَازَةِ
٣١٧٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٍ،
===
عن سماك، سمع جابر بن سمرة قال: صلى النبي ﷺ على ابن الدحداح) بدالين مهملتين وحاء بينهما، ويقال: أبو الدحداحة، قال ابن عبد البر: لا يُعْرَفُ اسمه (١). (ونحن شهود، ثم أتي بفرس فَعُقِلَ) أي حُبِس وَكُفَّ (حتى ركبه، فجعل يتوقص به) أي يَثبُ به (ونحن نسعى) أي نشتد (حوله ﷺ ).
(٤٩) (بَابُ الْمَشْيِ أَمَامَ الْجَنَازَةِ) (٢)
٣١٧٩ - (حدثنا القعنبي، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم،
стр. 6456
عن أَبِيهِ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ (١) ﷺ وَأَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ" [ت ١٠٠٧، ن ١٩٤٤، جه ١٤٨٣، حم ٢/ ٨]
===
عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة).
قال في "البدائع" (٢): وأما كيفية التشييع، فالمشي خلف الجنازة أفضل عندنا، وقال الشافعي: المشي أمامها أفضل، واحتج بما روى الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عمر: "أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة"، وهذا حكايته عادة، وكانت عادتهم اختيار الأفضل، ولأنهم شفعاء الميت، والشفيع أبدًا يتقدم، ولأنه أحوط للصلاة لما فيه من التحرز عن احتمال الفوت.
ولنا: ما روي عن ابن مسعود موقوفًا عليه ومرفوعًا إلى رسول الله ﷺ أنه قال: "الجنازة متبوعة، وليست بتابعة، ليس معها من تقدمها" (٣). وروي عنه: "أنه ﵇ كان يمشي خلف جنازة سعد بن معاذ" (٤)، وروى معمر، عن طاوس، عن أبيه قال: "ما مشى رسول الله ﷺ حتى مات، إلا خلف الجنازة" (٥)، وعن ابن مسعود: "فضل المشي خلف الجنازة على المشي أمامها كفضل المكتوبة على النافلة" (٦).
ولأن المشي خلفها أقرب إلى الاتعاظ؛ لأنه يعاين الجنازةَ فيتعظ، فكان أفضل.
стр. 6457
٣١٨٠ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ، عن يُونُسَ،
===
والمروي عن النبي ﷺ لبيانِ الجواز، وتسهيلِ الأمر على الناس عند الازدحام، وهو تأويل فعل أبي بكر وعمر ﵄، والدليل (١) عليه ما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى (٢) أنه قال: "بينا أنا أمشي مع عليّ خلف الجنازة وأبو بكر وعمر يمشيان أمامها، فقلت لعلي ﵁: ما بال أبي بكر وعمر يمشيان أمام الجنازة؟ فقال؟ إنهما يعلمان أن المشي خلفها أفضل من المشي في أمامها، إلَّا أنهما يسهلان بالناس"، ومعناه أن الناس يتحرزون عن المشي أمامها [تعظيمًا لهما] (٣) فلو اختارا المشي خلف الجنازة لضاق الطريق على مُشَيِّعِيها.
وأما قوله: "إن الناس شفعاء الميت فينبغي أن يتقدموا"؛ فيشكل هذا بحالة الصلاة، فإن حالة الصلاة حالة الشفاعة، ومع ذلك لا يتقدمون الميت، بل الميت قدامهم، وقوله: "هذا أحوط للصلاة"؛ قلنا: عندنا إنما يكون المشي خلقها أفضل إذا كان بقرب منها بحيث يشاهدها، وفي مثل هذا لا تفوت الصلاة، ولو مشى قدامها كان واسعًا؛ لأن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر - رضي الله كنهما- فعلوا ذلك في الجملة على ما ذكرنا، غير أنه يكره أن يتقدم الكل عليها؛ لأن فيها إبطال متبوعية الجنازة من كل وجه.
٣١٨٠ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن يونس،
стр. 6458
عن زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن أَبِيهِ، عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ- قَالَ: وَأَحْسَبُ أَنَّ أَهْلَ زِيَادٍ أَخْبَرُوني أَنَّهُ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ، وَالْمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا قَرِيب (١) مِنْهَا، وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وُيدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ". [ت ١٠٣١، ن ١٩٤٢، جه ١٤٨١، حم ٤/ ٢٤٧]
===
عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، قال) يونس: (وأحسب) أي أظن (أن أهل زياد أخبروني أنه) أي زيادًا (رفعه إلى النبي ﷺ ) حاصل كلام يونس أن زيادًا حدثني بهذا الحديث ولم يرفعه (٢)، ولكن أهل زياد الذين حدثهم زياد بهذا الحديث أخبروني أنه رفعه.
(قال) أي رسول الله ﷺ : (الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها قريب)، هكذا بالرفع في النسخة المكتوبة الأحمدية والكانفورية والنسخة المكتوبة المدنية، وفي النسخة المصرية وحاشية النسخة القلمية المدنية: قريبًا بالنصب، وتأويل الرفع بتقدير المبتدأ، أي وهو قريب (منها، والسقط) (٣) بكسر السين أكثر من الضم، والفتح: أي الولد الساقط عن بطن أمه، والمراد به الذي يستهل (يصلَّى عليه ويُدْعَى لوالديه بالمغفرة والرحمة).
قال الشوكاني (٤): (٥) ومحل الخلاف فيمن سقط بعد أربعة أشهر ولم يستهل، وظاهر حديث الاستهلال أنه لا يصلى عليه، وهو الحق؛ لأن الاستهلال يدل على وجود الحياة قبل خروج السقط، كما يدل على
стр. 6459
(٥٠) بَابُ الإسْرَاعِ بِالْجَنَازَةِ
٣١٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ
===
وجودها بعده، فاعتبار الاستهلال من الشارع دليل على أن الحياة بعد الخروج من البطن معتبرة في مشروعية الصلاة على الطفل، وأنه لا يكتفى بمجرد العلم بحياته في البطن فقط.
قال القاري (١): نقل ميرك عن "الأزهار": أنه ليس المراد به الاقتصار على ذلك، بل يجب له ويستحب لهما بقوله: اللهم اجعله شفيعًا لأبويه (٢) وسلفًا وذُخرًا وعظة واعتبارًا، وَثَقِّلْ به موازينَهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنهما بعده، انتهى. ويستحب عندنا بعد التكبير الأولى أن يقرأ: سبحانك اللهم وبحمدك ... إلخ، وبعد الثانية: الصلاة على النبي ﷺ كما في التشهد، وبعد الثالثة: اللهم اغفر لحينا .... إلى آخره، وإن كان صغيرًا: اللهم اجعله لنا فرطًا، واجعله لنا ذخرًا، واجعله لنا شافعًا مشفعًا.
(٥٠) (بَابُ الإسْرَاعِ بِالْجَنَازَةِ)
أي في تجهيزها وتكفينها وفي المشي معها
٣١٨١ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة يبلغ به النبيَّ ﷺ قال: أسرعوا بالجنازة (٣)
стр. 6460
فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ". [خ ١٣١٥، م ٩٤٤، ت ١٠١٥، جه ١٤٧٧، حم ٢/ ٢٤٠، ن ١٩١٠]
===
فإن تك صالحة فخير) أي فله خير (تقدمونها) أي الجنازة (إليه) أي إلى الخير (وإن تك سوى ذلك) أي غير خير (فشر) أي فهو شر (تضعونه) أي الشر (عن رقابكم).
قال الشوكاني (١): قال ابن قدامة (٢): هذا الأمر للاستحباب بلا خلاف بين العلماء، وشذ ابن حزم فقال بوجوبه، والمراد بالإسراع: شدة المشي، وعلى ذلك حمله بعض السلف، وهو قول الحنفية. قال صاحب "الهداية" (٣): ويمشون بها مسرعين دون الخبب. وفي "المبسوط" (٤): ليس فيها شيء موقت، غير أن العجلة أحب إلى أبي حنيفة.
وعن الجمهور المراد بالإسراع: ما فوق سجية المشي المعتاد. قال في "الفتح" (٥): والحاصل أنه يستحب الإسراع بها، لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت، أو مشقة على الحامل أو المشيِّع؛ لئلا ينافي المقصود من النظافة وإدخال المشقة.
وقيل: المعنى: الإسراع بتجهيزها، قال القرطبي: والأول أظهر. وقال النووي (٦): الثاني باطل مردود بقوله في الحديث: "تضعونه عن رقابكم".
стр. 6461
٣١٨٢ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا شُعْبَةُ، عن عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِيهِ: "أَنَّهُ كَانَ في جَنَازَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ،
===
وقد قوى الحافظ الثاني بما أخرجه الطبراني بأسناد حسن عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مات أحدكم فلا تحبِسوه، وأسرعوا به إلى قبره"، وبما أخرجه أيضًا أبو داود من حديث الحصين بن وحوح مرفوعًا: " لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله"، الحديث.
قال الحافظ: فيه استحباب المبادرة إلى دفن الميت، لكن بعد أن يتحقق أنه مات، أما مثل المطعون، والمفلوج، والمسبوت، فينبغي أن لا يسرع في تجهيزهم حتى يمضي يوم وليلة ليتحقق موتهم، نبه على ذلك ابن بزيزة، ويؤخذ من الحديث ترك صحبة [أهل] البطالة وغير الصالحين (١).
٣١٨٢ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة، عن عيينة بن عبد الرحمن) بن جوشن الغطفاني الجوشني، أبو مالك البصري، قال أحمد: ليس به بأس، صالح الحديث، وقال الدوري عن ابن معين: ليس به بأس، وقال مرة: ثقة، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، قال أبو حاتم: صدوق، قال: وكان ثقة، وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أبيه) عبد الرحمن بن جوشن بفتح الجيم والمعجمة، وسكون الواو بينهما، آخره نون، الغطفاني البصري، كان صهر أبي بكرة على ابنته، قال أحمد: ليس بالمشهور، وقال أبو زرعة: ثقة، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجبي: عيينة ثقة، وأبوه ثقة.
(أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص) الثقفي الطائفي، أبو عبد الله، صحابي شهير، نزيل البصرة، أسلم في وقد ثقيف، فاستعمله النبي ﷺ على الطائف، وأقرّه أبو بكر، ثم عمر، ثم استعمله عمر على عمان والبحرين، ثم سكن البصرة حتى مات بها في خلافة معاوية.
стр. 6462
وَكُنَّا نَمْشِي مَشْيًا خَفِيفًا، فَلَحِقَنَا أَبُو بَكْرَةَ فَرَفَعَ سَوْطَهُ فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -نَرْمُلُ رَمَلًا". [ن ١٩١٣، حم ٥/ ٣٦]
٣١٨٣ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، نَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. (ح): وَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، نَا عِيسَى- يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ-، عن عُيَيْنَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَا: في جَنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَقَالَ: "فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ بَغْلَتَهُ وَأَهْوَى بِالسَّوْطِ". [ن ١٩١٢، حم ٥/ ٣٨]
٣١٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ يَحْيَى الْمُجَبِّرِ- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ- عن أَبِي مَاجِدَةَ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْنَا نَبِيّنا ﷺ عَنِ الْمَشْي مَعَ الْجَنَازَةِ، فَقَالَ: "مَا دُونَ
===
(وكنا نمشي مشيًا خفيفًا، فلحقنا أبو بكرة فرفع) علينا (سوطه) لأجل التنبيه على المشي الخفيف (فقال: لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله ﷺ نرمل رملًا) أي نسرع في المشي إسراعًا.
٣١٨٣ - (حدثنا حميد بن مسعدة، نا خالد بن الحارث. ح: ونا إبراهيم، نا عيسى -يعني ابن يونس-، عن عيينة) بن عبد الرحمن (بهذا الحديث، قالا) أي خالد بن الحارث وعيسى بن يونس: (في جنازة عبد الرحمن بن سمرة، وقال) عبد الرحمن بن جوشن) (١): (فحمل عليهم بغلته وأهوى) أي أمال عليهم (بالسوط) ليضربهم تهديدًا على ترك السنة في المشي.
٣١٨٤ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن يحيى المُجَبِّر (٢) - قال أبو داود: وهو يحيى بن عبد الله التيمي- عن أبي ماجدة (٣)، عن ابن مسعود قال: سألنا نبيَّنا ﷺ عن المشي مع الجنازة، فقال: ما دون
стр. 6463
الْخَبَبِ، إِنْ يَكُنْ خَيْرًا نُعَجِّلْ إِلَيْهِ (١)، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَبُعدًا لأَهْلِ النَّارِ، وَالْجَنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلَا تَتْبَعُ، لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا" (٢). [ت ١١١، جه ١٤٨٤، حم ١/ ٣٧٨، ق ٤/ ٢٢]
(٥١) بَابُ الإمَامِ يُصَلِّي (٣) عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ
٣١٨٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلٍ، نَا زُهَيْرٌ، نَا سِمَاكٌ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: مَرِضَ رَجُلٌ، فَصِيحَ عَلَيْهِ، فَجَاءَ جَارُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَهُ قَدْ مَاتَ، قَالَ: "وَمَا يُدْرِيكَ؟ "، قَالَ:
===
الخبب، إن يكن) الميت (خيرًا نعجِّل إليه، وإن يكن غير ذلك فبعدًا لأهل النار) دعاء عليه (والجنازة متبوعة ولا تَتْبع، ليس معها من تقدمها) أي بعيدًا منها، وهذا الحديث ضعّفه البخاري وغيره من المحدثين، وقد تقدم الكلام عليه قريبًا.
(٥١) (بَابُ الإمَامِ يُصَلِّي عَلَى مَنْ قتَلَ نَفْسَهُ)
٣١٨٥ - (حدثنا ابن نفيل، ثنا زهير، ثنا سماك، حدثني جابر بن سمرة قال: مرض رجل) لم أقف على تسميته (فصيح عليه) أي بكى عليه أهلُه بالصوت (فجاء جاره إلى رسول الله ﷺ ) لم أقف على تسمية الجار أيضًا (فقال: إنه قد مات) وإنما أخبر بموته لما سمع الصياح فاستدل على موته.
(قال) رسول الله ﷺ : (وما يدريك؟ ) أي بما علمتَ موته؟ (قال) الجار:
стр. 6464
أَنَا رَأَيْتُهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ"، قَالَ: فَرَجَعَ فَصِيحَ عَلَيْهِ، فَجَاءَ إِلَي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ"، قَالَ: فَرَجَعَ فَصيح عَلَيْهِ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبِرْهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: اللهُمَّ الْعَنْهُ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ الرَّجُلُ فَرَآه قَدْ نَحَرَ نَفْسَهُ بِمِشْقَصٍ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ (١) ﷺ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، قَالَ: "وَمَا يُدْرِيكَ؟ "، قَالَ: رَأَيْتُهُ يَنْحَرُ نَفْسَهُ بِمِشَاقِصَ مَعَهُ، قَالَ: "أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "إِذًا لَا أُصَلِّي عَلَيْهِ". [م ٩٧٨، ت ١٠٦٨، ن ١٩٦٤، حم ٥/ ٩١، جه ١٥٢٦]
===
(أنا رأيته) أي علمته (قال رسول الله ﷺ : إنه لم يمت، قال) جابر: (فرجع) أي الجار (فصيح عليه) أي الرجل ثانيًا (فجاء) أي الجار (إلى رسول الله ﷺ فقال) أي الجار: (إنه قد مات، فقال النبي ﷺ : إنه لم يمت، قال) جابر: (فرجع) أي الجار (فصيح عليه) أي على الرجل المريض ثالثًا (فقالت امرأته) أي امرأة المريض لجارها: (انطلق إلى رسول الله ﷺ فَأَخْبِرْه) أي بموته (فقال الرجل) أي الجار: (اللَّهم العنه، قال) جابر: (ثم انطلق الرجل) الجار إلى المريض (فرآه) أي الرجل المريض (قد نحر نفسَه بمشقص) أي بنصل سهم عريض (معه، فانطلق) أي الجار (إلى النبي ﷺ فأخبره أنه) أي المريض (قد مات، قال) رسول الله ﷺ : (وما يدريك؟ ) أي بما علمت أنه مات؟ (قال) أي الجار: (رأيته ينحر نفسَه بمشاقص معه).
(قال) رسول الله ﷺ تحقيقًا للأمر: (أأنت رأيته) أنه ينحر نفسه؟ (قال) الجار: (نعم، قال) رسول الله ﷺ (إذًا) يعني: إذا نحر نفسه (إلا أصلي عليه).
قال الخطابي (٢): وتركُ النبي ﷺ الصلاةَ عليه معناه العقوبةُ له، والردعُ
стр. 6465
(٥٢) بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ قتلَتْهُ الْحُدُودُ
٣١٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن أَبِي بِشْرٍ قَالَ: حَدَّثَني نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، عن أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَى مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، وَلَمْ يَنْهَ عن الصَّلَاةِ عَلَيْهِ". [ق ٤/ ١٩]
===
لغيره عن مثل فعله. وقد اختلف (١) الناس في هذا، فكان عمر بن عبد العزيز لا يرى الصلاة على من قتل نفسه، وكذلك قال الأوزاعي، وقال أكثر الفقهاء: يُصَلَّى عليه.
قلت: إنما ترك الصلاةَ عليه رسولُ الله ﷺ ينفسه الشريفة، ولم ينه الناسَ عنها، فبهذا ينبغي أن لا يصليَ عليه كبار الأئمة والمقتدون من الناس، وأما غيرهم فيصلون عليه لئلا يضيع الفرضى الكفائي، ويؤيد ذلك ما عند النسائي بلفظ: "أما أنا فلا أصلي عليه"، ويدل على الصلاة على الفاسق حديث: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله" (٢).
(٥٢) (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ قتَلَتْهُ الْحُدُودُ)
٣١٨٦ - (حدثنا أبو كامل، نا أبو عوانة، عن أبي بشر قال: حدثني نفر من أهل البصرة، عن أبي برزة الأسلمي: أن رسول الله ﷺ لم يصل (٣) على ماعز بن مالك) فإنه رُجِمَ (ولم ينه عن الصلاة عليه).
قال الخطابي (٤): قلت: كان الزهري يقول: يصلى على الذي يقاد منه في حد، ولا يصلى على من قُتِلَ في رجم، وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه أمر أن يصلى على شراحة وقد رجمها، وهو قول أكثر الفقهاء.
стр. 6466
(٥٣) بَابٌ: في الصَّلَاةِ عَلَى الطِّفْلِ
٣١٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسَ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ
===
وقال الشافعي: لا تترك الصلاةُ على أحد من أهل القبلة برًّا كان أو فاجرًا، وقال أبو حنيفة وأصحايه والأوزاعي: يُغسَل المرجوم ويُصَلّى عليه، وقال مالك: من قتله الإِمام في حد من الحدود فلا يصلي عليه الإِمام، ويصلي عليه أهله إن شاءوا أو غيرهم، وقال أحمد بن حنبل: لا يصلي الإِمام على قاتل نفس ولا غالٍّ، وقال أبو حنيفة: من قُتِلَ من المحاربين أو صُلِبَ لم يُصَلَّ عليه، وكذلك الفئة الباغية لا يُصَلَّى على قتلاهم، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أن تارك الصلاة إذا قُتِلَ لم يُصَلَّ عليه، ويُصَلَّى على من سواه ممن قُتِلَ في حد أو قصاص.
(٥٣) (بابٌ: في الصَّلَاةِ عَلَى الطِّفْلِ) (١)
٣١٨٧ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا يعقوب بن
стр. 6467
إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، نَا أَبِي، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ رَسولُ اللهِ ﷺ ". [حم ٦/ ٢٦٧]
٣١٨٨ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عن وَائِلِ بْنِ دَاوُدَ قَالَ: سَمِعْتُ البهيَّ قَالَ: "لَمَّا مَاتَ
===
إبراهيم بن سعد، نا أبي) إبراهيم بن سعد، (عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: مات إبراهيم ابن النبي ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهرًا، فلم يصل عليه رسول الله ﷺ ).
قال الخطابي (١): كان بعض أهل العلم يتأول على أنه إنما ترك الصلاةَ عليه لأنه قد استغنى بنبوة رسول الله ﷺ عن قربة الصلاة، كما استغنى الشهداء بقربة الشهادة عن الصلاة عليهم، وقد روى عطاء مرسلًا: أن النبي ﷺ صلى على ابنه إبراهيم، وهذا أولى الأمرين (٢) وإن كان حديث عائشة ﵂ أحسن اتصالًا، وقد روي: أن الشمس قد خُسِفَتْ يوم وفاة إبراهيم، فصلى رسول الله ﷺ صلاة الخسوف فاشتغل بها عن الصلاة، انتهى. وقيل (٣): المعنى أنه ﵇ لم يصل بنفسه وصلى غيره، وقيل: إنه لم يصل عليه بجماعة.
٣١٨٨ - (حدثنا هناد بن السري، نا محمد بن عبيد، عن وائل بن داود قال: سمعت البَهِيَّ) عبدَ الله بنَ يسار مولى المصعب بن الزبير (قال: لما مات
стр. 6468
إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ ﷺ صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الْمَقَاعِدِ". [ق ٤/ ٩]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَرَأتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ يَعْقُوبَ الطَّالَقَانِيِّ (١): حَدَّثَكُمْ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عن عَطَاءٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ لَيْلَةً" [المراسيل ٤٣١]
(٥٤) بَابُ الصَّلَاة عَلَى الْجَنَازَةِ في الْمَسْجِدِ
٣١٨٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ،
===
إبراهيم ابن النبي ﷺ صلَّى عليه رسول الله ﷺ في المقاعد) بفتح الميم: دكاكين عند دار عثمان، وقيل: درج، وقيل: موضع بقرب المسجد اتخذ للقعود فيه للحوائج والوضوء، كذا في "المجمع" (٢).
(قال أبو داود (٣): قرأت على سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثكم ابن المبارك، عن يعقوب بن القعقاع، عن عطاء، عن النبي ﷺ : صلى على ابنه إبراهيم وهو (٤) ابن سبعين ليلة).
(٥٤) (بَابُ الصَّلاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ في الْمَسْجِدِ)
٣١٨٩ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا فليح بن سليمان،
стр. 6469
عن صَالِحِ بْنِ عَجْلَانَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّادٍ، عن عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "واللَّه مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ الْبَيْضَاءِ (١) إِلَّا في الْمَسْجِدِ". [م ٩٧٣، ت ١٠٣٣، ن ١٩٦٧، جه ١٥١٨، حم ٦/ ٧٩]
٣١٩٠ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عن الضَّحَّاكِ- يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ-، عن أَبِي النَّضْرِ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "وَاللَّه لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ في الْمَسْجِدِ: سُهَيْلٍ وَأَخِيهِ". [م ٩٧٣]
===
عن صالح بن عجلان ومحمد بن عبد الله بن عباد، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: والله ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء) القريشي، وبيضاء أمه، واسمها دعد (٢)، واسم أبيه وهب بن ربيعة، وذكر ابن إسحاق أنه شهد بدرًا، وهذا يدل على أنه مات في حياته ﷺ ، وأرَّخ ابن سعد وفاته سنة تسع (إلَّا في المسجد) (٣).
٣١٩٠ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا ابن أبي فديك، عن الضحاك - يعني ابن عثمان-، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة) ﵂ (قالت: والله لقد صلى رسول الله على ابني بيضاء في المسجد: سهيلٍ وأخيه)، وأسم أخيه سهل بن بيضاء، وقال أبو نعيم: اسم أخي سهيل صفوان، ومن سماه سهلًا فقد وَهِمَ، كذا قال.
стр. 6470
٣١٩١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنِي صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَ في الْمَسْجِدِ فَلَا شَئء لَهُ" (١). [جه ١٥١٧، حم ٢/ ٤٥٥، ق ٤/ ٥٢]
===
٣١٩١ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن ابن أبي ذئب، حدثني صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من صلى على جنازة في المسجد (٢) فلا شيء له) (٣).
فالحديثان الأولان من الباب يدلان على جواز صلاة الجنازة في المسجد، وهو قول الجمهور لهذين الحديثين، ولكن ما وقع في مسلم أنه لما توفي سعد بن أبي وقاص قالت عائشة ﵂: ادخلوا به المسجدَ حتى أصلي عليه، فأُنكِرَ ذلك عليها، فأجابت بهذا الحديث.
وفيه أولًا: أنها واقعة حالٍ لا عموم لها، ويمكن أن يكون ذلك لضرورة كونها معتكفة، ويوم مطر، على أن إنكار الصحابة والتابعين عليها دليل على أن الأمر ثبت خلافها.
وقال أبو حنيفة وأصحابه بكراهة الصلاة على الميت في المسجد، قال في "الدر المختار" (٤): وكُرِهَ تحريمًا، وقيل: تنزيهًا في مسجد جماعة هو -أي الميت- فيه وحده أو مع القوم، واخْتلِفَ في الخارجة عن المسجد وحده، أو مع بعض
стр. 6471
(٥٥) بَابُ الدَّفْنِ عِنْدَ طُلُوع الشَّمْسِ وَ (١) غُرُوبِهَا
٣١٩٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، نَا مُوسَى بْنُ
===
القوم، والمختار الكراهة (٢) مطلقًا، "خلاصة". بناء على أن المسجد بني للمكتوبة وتوابعها كنافلة وذكر وتدريس علم، انتهى. واستدلوا بالحديث الثالث (٣) من الباب؛ فإن ظاهره يدل على الكراهة.
وقد حقق ابن الهمام في "فتح القدير" (٤): أن الكراهة تنزيهية، ومرجعها خلاف الأولى، ووافقه تلميذه العلامة قاسم (٥). وقال الإِمام الطحاوي (٦): النهيُ عنها وكراهتُها قول أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف، وحقق أن الجواز كان ثم نُسِخَ، وتبعه في "البحر"، وانتصر له أيضًا سيدي عبد الغني في رسالة سماها "نزهة الواجد".
قال الشامي: ولكن يشكل بصلاة الناس على أبي بكر وعمر ﵄ في المسجد بمحضر من الصحابة من غير إنكار منهم على ذلك، ويمكن أن يحمل أيضًا على ضرورة، والله تعالى أعلم.
(٥٥) (بابُ الدَّفَنِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغرُوبِهَا)
٣١٩٢ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، نا موسى بن
стр. 6472
عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يحدِّث أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ: "ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ (١)، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ، أَوْ كَمَا قَالَ". [م ٨٢٥، ت ١٠٣٠، ن ٥٦٠، جه ١٥١٩، حم ٤/ ١٥٢، ق ٢/ ٤٥٤]
===
علي بن رباح قال: سمعت أبي يحدث أنه سمع عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات) أي أوقات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن) أي في تلك الساعات الثلاث (أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل) أي تزول عن نصف النهار (وحين تضيف) بحذف إحدى التاءين (الشمس للغروب حتى تغرب، أو كما قال).
قال الخطابي (٢): واختلف الناس في جواز الصلاةِ على الجنازة والدفنِ في هذه الساعات الثلاث، فذهب أكثر أهل العلم إلى كراهية الصلاة على الجنائز في الأوقات التي تكره الصلاة فيها، وروي عن ابن عمر ﵁، وهو قول عطاء والنخعي والأوزاعي، وكذلك قال سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وكان الشافعي (٣) ﵀ يرى الصلاةَ على الجنائز أية ساعة شاء من ليل أو نهار، وكذلك الدفنَ أي وقت كان من ليل أو نهار.
стр. 6473
(٥٦) بابٌ إِذَا حَضَرَ جَنَائِزُ رِجَالٍ وَنسَاءٍ مَنْ يُقَدَّم ؟
٣١٩٣ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهِبٍ الرَّمْلِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن ابْن جُرَيْجٍ، عن يَحْيَى بْنِ صُبَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمًّارٌ مَوْلَى الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ: "أَنَّهُ شَهِدَ جَنَازَةَ أُمّ كُلْثُومٍ وَابْنِهَا،
===
قلت: قول الجماعة أولى لموافقة الحديث، انتهى. فالمراد من قوله: "نقبر"، الصلاةُ عليه للملازمة بينهما، ولأن الدفن غير مكروه (١).
(٥٦) (باب إِذَا حَضَرَ جَنَائِزُ رِجَالٍ وَنسَاءٍ، مَنْ يُقَدَّم؟ )
أي إلى الإِمام
٣١٩٣ - (حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي، حدثنا ابن وهب، عن ابن جريج، عن يحيى بن صبيح قال: حدثني عمار مولى الحارث بن نوفل: أنه شهد جنازةَ أمِ كلثوم) بنت علي بن أبي طالب من فاطمة ﵂ زوجة عمر بن الخطاب ﵁ (وابنِها) زيد بن عمر، ماتت أم كلثوم وولدها في يوم واحد، أصيب زيد في حرب كانت بين بني عدي، فخرج ليصلح بينهم، فشجَّه رجل، وهو لا يعرفه في الظلمة، فعاش أيامًا، وكانت أمه مريضة فماتا في يوم واحد.
стр. 6474
فجُعِلَ الْغُلَامُ مِمَّا يَلِي الإمَامَ، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ، وَفِي الْقَوْمِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَبُو قَتَادَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالوا: هَذ السُّنَّةُ". [ن ١٩٧٧]
(٥٧) بابٌ: أَيْنَ يَقُومُ الإمَام مِنَ الْمَيِّتْ إِذَا صَلَّى عَلَيْهِ ؟
٣١٩٤ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مُعَاذٍ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن نَافِعٍ أَبِي غَالِبٍ قَالَ: كُنْتُ في سِكَّةِ الْمِرْبَدِ،
===
(فجُعِل الغلامُ مما يلي) أي يتصل (١) (الإِمام، فأنكرتُ ذلك) أي علمت ذلك في نفسي منكرًا (وفي القوم ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة وأبو هريرة) فسألتهم (فقالوا: هذه السنة) أي في وضع الجنائز يوضَعُ الرجال مما يلي الإِمام، ثم النساء.
(٥٧) (بابٌ: أَيْنَ يَقُومُ (٢) الإمَامُ مِنَ الْمَيِّتِ إِذَا صَلَّى عَلَيْهِ؟ )
٣١٩٤ - (حدثنا داود بن معاذ، نا عبد الوارث، عن نافع أبي غالب) ويقال: رافع (قال: كنت في سِكة المربد) نقل في حاشية المكتوبة الأحمدية عن "فتح الودود": سكة المربد، بكسر ميم وفتح موحدة، هو موضع بالبصرة. وقال في "المجمع" (٣): المربد هو الموضع الذي تُحْبَسُ فيه الإبل والغنم، وبه سميت مربد المدينة والبصرة.
стр. 6475
فَمَرَّتْ جَنَازَةٌ وَمَعَهَا نَاسٌ كَثِيرٌ، قَالُوا: جَنَازَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ (١)، فَتَبِعْتُهَا، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ عَلَيْهِ كِسَاءٌ رَقِيقٌ عَلَى بُرَيْذِينَةٍ (٢)، عَلَى رَأسِهِ خِرْقَةٌ تَقِيهِ مِنَ الشَّمْسِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا الدِّهْقَانُ؟
===
(فمرت جنازة معها ناس كثير، قالوا) أي الناس: (جنازة عبد الله بن عمر) كذا في النسخة الكانفورية والقلمية الأحمدية، وأما في النسخة المكتوبة المدنية والنسخة المصرية ونسخة الخطابي (٣): "عمير"، وليس المراد بعبد الله بن عمر هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، ولم أجد ترجمة عبد الله بن عمير هذا في شيء من الكتب (٤)، ولم أقف على أن القصة التي وقعت في الحديث أين وقعت؟
وظاهر لفظ الحديث يدل على أنها وقعت في البصرة؛ فإن أنس بن مالك ﵁ أقام في البصرة، وما مات عبد الله بن عمر بالبصرة، بل مات في مكة، ودُفِنَ بذي طوى، والله أعلم.
(فتبعتها، فإذا أنا) ملاقِ (برجل عليه كساء رقيق على بريذينة) تصغير برذون، وهو الفرس غير العربي، و (على رأسه خرقة تَقِيْه من الشمس، فقلت: من هذا الدِّهقان؟ ) أي رئيس القرية، قال في "المجمع" (٥): هو بكسر الدالِ وضمِّها: رئيس القرية، ومقدم التُنّاء (٦)، وأصحاب الزراعة، وهو معرب.
стр. 6476
قَالُوا: هَذَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَلَمَّا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ قَامَ أَنَسٌ، فَصَلَّى عَلَيْهَا وَأَنَا خَلْفَهُ لَا يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَقَامَ عِنْدَ رَأسِهِ فَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ لَمْ يُطِلْ وَلَمْ يُسْرِعْ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقْعُدُ، فَقَالُوا (١): يَا أَبَا حَمْزَةَ، الْمَرْأَةُ الأَنْصَارِيَّةُ، فقَرَّبُوهَا وَعَلَيْهَا نَعْشٌ أَخْضَرُ، فَقَامَ عِنْدَ عَجِيْزَتِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا نَحْوَ صَلَاتِهِ عَلَى الرَّجُلِ، ثُمَّ جَلَسَ.
فَقَالَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ (٢) كَصَلَاتِكَ: يُكَبِّرُ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، وَيَقُومُ عِنْدَ رأسِ الرَّجُلِ وَعَجِيزَةِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
===
(قالوا: هذا أنس بن مالك (٣)، فلما وُضِعَتِ الجنازة قام أنس، فصلى عليها وأنا خلفه لا يحول بيني وبينه شيء، فقام عند رأسه) أي الميت (فكبر أربع تكبيرات لم يُطِلْ ولم يُسْرعْ، ثم ذهب يقعد، فقالوا: يا أبا حمزة، المرأة الأنصارية) (٤) أي هذه جنازتها فَصَلِّ (فقرَّبوها) أي إلى أنس (وعليها نعش أخضر، فقام عند عجيزتها، فصلى عليها نحو صلاته على الرجل) أي بأربع تكبيرات (ثم جلس).
(فقال العلاء بن زياد) بن مطر العدوي: (يا أبا حمزة) كنية أنس بن مالك (هكذا) بتقدير همزة الاستفهام (كان رسول الله ﷺ يصلي على الجنازة كلصلاتك: يكبر عليها) أي على الجنازة رجلًا كان أو امرأة (أربعًا، ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال) أنس بن مالك: (نعم).
стр. 6477
قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، غَزَوْتُ مَعَهُ حُنَيْنًا، فَخَرَجَ الْمُشْرِكُون فَحَمَلُوا عَلَيْنَا حَتَّى رَأَيْنَا خَيْلَنَا وَرَاءَ ظُهُورِنَا، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ يَحْمِلُ عَلَيْنَا فَيَدُقُّنَا وَيَحْطِمُنَا، فَهَزَمَهُم اللَّه، وَجَعَلَ يُجَاءُ بِهِمْ فَيُبَايِعُونَهُ عَلَى الإسْلَامِ، وَقَالَ (١) رَجُلٌ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ عَلَيَّ نَذْرًا (٢) إِنْ جَاءَ اللَّه بِالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ مُنْذُ الْيَوْم يَحْطِمُنَا لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَجِيءَ بِالرَّجُلِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُبْتُ إِلَى اللَّهِ! فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٣) لَا يُبَايِعُهُ ليَفِيَ الآخَرُ (٤) بِنَذْرِهِ.
===
(قال) العلاء بن زياد: (يا أبا حمزة، غزوتَ) بتقدير الاستفهام (مع رسول الله ﷺ ؟ قال) أنس: (نعم، غزوت معه حنينًا، فخرج المشركون فحملوا علينا حتى رأينا خيلنا) أي تنهزم (وراء ظهورنا، وفي القوم) يعني الكفار (رجل يحمل علينا فيدقُّنا ويحَطمنا) أي يضربنا ويكسرنا (فهزمهم الله، وجعل) أي رسول الله ﷺ (يجاء بهم) أي عنده (فيبايعونه على الإِسلام، فقال رجل) لم أقف على تسميته (من أصحاب النبي ﷺ : إن عليَّ نذرًا إن جاء الله بالرجل الذي كان منذ اليوم) أي من ابتداء اليوم (يحطمنا لأضربن عنقَه، فسكت رسول الله ﷺ ) على سماع نذره (وجيء بالرجل) الذي هو كان يحطم المسلمين.
(فلما رأى) أي ذلك الرجل (رسولَ الله ﷺ قال: يا رسول الله! تبتُ إلى الله) أي عن الكفر (فأمسك رسول الله ﷺ لا يبايعه لِيَفِي الآخر بنذره) وإنما كفّ رسول الله ﷺ يده عن قبول بيعته مع أَنَّه أظهر الإِسلام وقال: تبت إلى الله؛
стр. 6478
قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَصَدَّى لِرَسُولِ الله ﷺ لِيَأمُرَهُ بِقَتْلِهِ، وَجَعَلَ يَهَابُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَقْتُلَهُ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا بَايَعَهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَذْرِي! قَالَ: "إِنِّي لَمْ أُمْسِكْ عَنْهُ مُنْذُ الْيَوْم إِلَّا لِتُوفِيَ (١)) بِنَذْرِكَ"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَوْمَضْتَ إِلَيَّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُوْمِضَ".
===
لأن إسلام الرجل كان موقوفًا على قبول رسول الله ﷺ إسلامَه وعلى قبول بيعته، كما وقع في قصة إسلام عبد الله بن أبي السرح حين جاء به عثمان ﵁.
(قال: فجعل الرجل يتصدى) أي يتعرض (لرسول الله ﷺ ليأمره بقتله) أي يأذن له فيه (وجعل) أي الرجل (يهاب رسولَ الله ﷺ أن يقتله) أي يهاب من قتله بعد إسلامه فيكون سببًا لغضبه (فلما رأى رسول الله ﷺ أنه) أي الرجل الناذر (لا يصنع شيئًا) من قتله (بايعه).
(فقال الرجل) الناذر: (يا رسول الله نذري! ) أي ضاع نذري (قال) أي رسول الله ﷺ : (إني لم أُمْسِكْ عنه) أي لم أكف يدي عن بيعته (منذ) ابتداء (اليوم إلَّا لتوفِيَ بنذرك، فقال: يا رسول الله، ألا أَوْمَضْتَ إليَّ؟ فقال رسول الله ﷺ : إنه ليس لنبي أن يُوْمِضَ).
قال الخطابي (٢): الإيماض: الرمزُ بالعين والإيماءُ بها، ومنه: وميض البرق، وهو لمعانه. وأما قوله: "ليس لنبي أن يومض" فإن معناه أنه لا يجوز له فيما بينه وبين ربه أن يضمرَ شيئًا ويُظْهِرَ خلافَه؛ لأن الله إنما بعثه لإظهار الدين وإعلانِ الحق، فلا يجوز له ستره وكتمانه لأن ذلك خداع، ولا يحل له أن يؤمِّن رجلًا في الظاهر، ويخفره في الباطن.
وفي الحديث دليل على أن الإِمام بالخيار بين قتل الرجال البالغين من
стр. 6479
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأسارى وبين حقن دمائهم ما لم يسلموا، فإذا أسلموا فلا سبيل عليهم.
وقد اختلف الناس في موقف الإِمام من الجنازة، فقال أحمد بن حنبل: يقوم من المرأة بحذاء وسطها، ومن الرجل بحذاء (١) صدره، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقوم من الرجل والمرأة بحذاء صدره.
وأما التكبير فقد روي عن النبي ﷺ خمس وأربع، وكان آخر ما كان يكبر أربعًا، وكان علي ﵁ يكبر على أهل بيت أو على (٢) أهلِ بدرٍ ست تكبيرات، وسائرِ الصحابة خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا، وكان ابن عباس ﵁ يرى التكبير على الجنازة ثلاثًا، انتهى.
وقال في "البدائع" (٣): وأما كيفية الصلاة على الجنازة فينبغي أن يقوم الإِمام عند الصلاة بحذاء الصدر من المرأة والرجل، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: في الرجل يقوم بحذاء وسطه، ومن المرأة بحذاء صدرها. ولا نص عن الشافعي في كيفية القيام، وأصحابه يقولون: يقوم بحذاء رأس الرجل، وبحذاء عجز المرأة لحديث أنس بن مالك.
ولكنا نقول: هذا معارض بما روى سمرة بن جندب: "أن رسول الله ﷺ صلى على أم قلابة ماتت في نفاسها، فقام وسطَها" (٤)، وهذا موافق لمذهبنا لِمَا ذكرنا أنه يقوم بحذاء صدر كل واحد منهما؛ لأن الصدر وسط البدن، أو نُؤَوِّل
стр. 6480
قَالَ أَبُو غَالِبٍ: فَسَأَلْتُ عَنْ صَنيع (١) أنسٍ في (٢) قِيَامِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَ عَجِيزَتِهَا، فَحَدَّثُونِي أَنَّهُ إِنَّمَا كَان لأنهُ لم تَكُن النُّعُوشُ، فَكَانَ الإمَامُ يَقُومُ حِيَالَ عَجِيزَتِهَا يَسْتُرُهَا مِنَ الْقَوْمِ (٣). [ت ١٠٣٤، جه ١٤٩٤، ق ٤/ ٣٣، حم ٣/ ١١٨]
٣١٩٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نَا حُسَيْن الْمُعَلِّمُ، نَا عَبْدُ الله بْنُ بُرَيْدة، عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: "صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ في نِفَاسِهَا،
===
فنقول: يحتمل أنه وقف بحذاء الوسط إلا أنه مال في أحد الموضعين إلى الرأس، وفي الآخر إلى العجز، فظن الراوي أنه فرق بين الأمرين.
(قال أبو غالب: فسألت) الناسَ (عن صنيع أنس في قيامه على المرأة عند عجيزتها، فحدثوني أنه إنما كان لأنه لم تكن النعوش) في ذلك الزمان على النساء (فكان الإِمام يقوم حيالَ عجيزتها يسترها من القوم)، وهذا الكلام يدل على أن قيام الإِمام حيال عجيزة المرأة على خلاف الأصل للتستر فقط، والأصل في القيام هو موضع آخر، وهو وسطها، وهو الصدر، ولما كان الصدر والرأس قريبين، فإذا قام الإِمام حيال صدر الميت يمكن أن يظن من هو بعيد من الإِمام أنه قام حذاء الرأس، وكثيرًا ما نشاهد ذلك.
٣١٩٥ - (حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع، حدثنا حسين المعلم، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن سمرة بن جندب قال: صليت وراء رسول الله ﷺ على امرأة) أم كعب الأنصارية (ماتت في نفاسها) أي في