. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الكبير" (١) في باب ما ورد في ترك التوقيت بسنده إلى زائدة بن قدامة، قال: سمعت منصورًا يقول: كنا في حجرة إبراهيم يعني النخعي ومعنا إبراهيم التيمي، فذكرنا المسح على الخفين، فقال إبراهيم التيمي: ثنا عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت قال: جعل لنا رسول الله ﷺ ثلاثًا ولو استزدناه لزادنا.
وكذلك روى الثوري عن أبيه عن إبراهيم التيمي، ولفظه: "قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نمسح الخف يومًا وليلة إذا أقمنا، وثلاثاً إذا سافرنا، وأيم الله لو مضى في مسألته لجعلها خمسًا".
فرواية إبراهيم التيمي عن أبي عبد الله الجدلي بواسطة عمرو بن ميمون، ورواية إبراهيم النخعي عن أبي عبد الله الجدلي من غير واسطة، وفي رواية التيمي زيادة ليست في رواية النخعي وهي قوله: "ولو استزدناه لزادنا"، معناه: لو كنا نسأل رسول الله ﷺ الزيادة في وقت المسح على الخفين على الثلاث لرخصنا بالزيادة على الثلاث، ولكنا لم نسأله الزيادة فلم يزد ﷺ على الثلاث.
ونقل الشوكاني عن "شرح الترمذي": لو ثبتت لم تقم بها حجة؛ لأن الزيادة على ذلك التوقيت مظنونة أنهم لو سألوا زادهم، وهذا صريح في أنهم لم يسألوا ولا زيدوا، فكيف تثبت الزيادة بخبر دل على عدم وقوعها.
قال الشوكاني: وغايتها بعد تسليم صحتها أن الصحابي ظن ذلك، ولم نتعبَّد بمثل هذا , ولا قال أحد: إنه حجة، وقد ورد توقيت المسح بالثلاث واليوم والليلة من طريق جماعة من الصحابة ولم يظنوا ما ظنه خزيمة.
стр. 667
١٥٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ قال: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ (١) ,
===
١٥٨ - (حدثنا يحيى بن معين قال: ثنا عمرو بن الربيع) بفتح راء وكسر موحدة فسكون باء (ابن طارق) بن قرة بن نهيك بن مجاهد الهلالي، أبو حفص الكوفي، ثم المصري، قال العجلي: كوفي ثقة، وقال الحاكم عن الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: صدوق، مات سنة ٢١٩ هـ.
(قال: أنا يحيى بن أيوب) (٢) الغافقي بمعجمة ثم فاء بعد الألف ثم قاف، أبو العباس المصري. قال أحمد: سيِّئ الحفظ، وقال ابن أبي حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي مرة: ليس بالقوي، قال ابن سعد: منكر الحديث، وقال الدارقطني: في بعض حديثه اضطراب، كان أحمد يقول: يحيى بن أيوب يخطئ خطأ كثيرًا، وقال الحاكم: إذا حدث من حفظه يخطئ، وما حدث من كتاب فليس به بأس، وذكره العقيلي في "الضعفاء"، هذا ما ذكره من جرحه، وأما ما ذكر من توثيقه فقال ابن معين مرة: ثقة، وقال أبو داود: صالح، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال الترمذي عن البخاري: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: كان ثقة حافظًا، وقال إبراهيم الحربي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن عبد الرحمن بن رزين) بفتح الراء وكسر الزاء آخره نون، ويقال: ابن يزيد الغافقي، مولى قريش، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قال الذهبي
стр. 668
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ أَيُّوبَ بْنِ قَطَنٍ, عَنْ أُبَىِّ بْنِ عِمَارَةَ
===
في "الميزان" (١): قال الدارقطني: مجهول، قلت: روى عنه يحيى بن أيوب المصري والعطاف بن خالد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقد لقي سلمة بن الأكوع ﵁ بالربذة وقَبَّل يَدَه، روى ذلك عنه العطاف.
(عن محمد بن يزيد) بن أبي زياد الثقفي الفلسطيني، ويقال: الكوفي، نزيل مصر، مولى المغيرة بن شعبة، قال أبو حاتم: مجهول، قال الخلال: سئل أحمد عن حديثه فقال: رجاله لا يعرفون، وقال ابن حبان: لست أعتمد على إسناد خبره، قال الأزدي: ليس بالقائم، في إسناده نظر، وقال الدارقطني: إسناده لا يثبت، ومحمد وأيوب والراوي عنه مجهولون.
(عن أيوب بن قطن) بفتح القاف والطاء، الكندي الفلسطيني، عن أبي بن عمارة، وقيل: عن عبادة بن نسي عنه، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، قال: محدث، وعن أبي زرعة: لا يعرف، وقال أبو داود عقب حديثه: اختلف في إسناده وليس بالقوي، وقال ابن حبان في "الثقات": أحسبه بصريًا، وقال الأزدي والدارقطني وغيرهما: مجهول، وفي بعض نسخ أبي داود عقب حديثه: قال ابن معين: إسناده مظلم، ووقع في رواية محمد بن نصر المروزي ما يقتضي أن أيوب بن قطن هذا حفيد أبي بن عمارة.
(عن أبي بن عمارة) (٢) بكسر العين وقيل بضمها والأول أشهر، ويقال: ابن عبادة، المدني، سكن مصر، له حديث واحد في المسح على
стр. 669
- قَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: وَكَانَ قَدْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اِلْقِبْلَتَيْنِ - أَنَّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» , قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ: «يَوْمًا». قَالَ: "وَيَوْمَيْنِ" قَالَ: «وَيَوْمَيْنِ» قَالَ: وَثَلَاثَةً (١)؟ قَالَ: «نَعَمْ وَمَا شِئْتَ». [جه ٥٥٧، ك ١/ ١٧٠]
===
الخفين، وعنه أيوب بن قطن، وقيل: وهب بن قطن وعبادة بن نسي، وفي إسناد حديثه اضطراب، وقال أبو حاتم: هو عندي خطأ إنما هو أبو أبي، واسمه عبد الله بن عمرو بن أم حرام، وقال ابن عبد البر: روى عنه عبادة بن نسي، وقوله صواب، فإن أيوب بن قطن أو وهب بن قطن إنما روى عنه بواسطة عبادة بن نسي، هكذا رواه أبو داود وابن حبان والبغوي وغيرهم، وسقط عبادة من إسناده عند ابن ماجه وحده، هكذا في "التهذيب" (٢).
(قال يحيى بن أيوب) المذكور في السند (وكان قد صلَّى) أي أبيّ بن عمارة راوي الحديث (مع رسول الله ﷺ القبلتين) بيت المقدس والكعبة، والغرض منه إظهار أن أبيّ بن عمارة من قدماء الصحابة أسلم في ابتداء زمان الهجرة، وفي رواية ابن ماجه: وكان رسول الله ﷺ قد صلَّى في بيته القبلتين كلتيهما.
(أنه قال: يا رسول الله أمسح) بتقدير حرف الاستفهام (على الخفين؟ قال: نعم) أي امسح عليهما (قال: يومًا) أي أأمسح يومًا؟ (قال: ويومين) أي امسح يومين (قال: وثلاثة) أي أأمسح ثلاثة؟ (قال: نعم، وما شئت)
стр. 670
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ الْمِصْرِىُّ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ, عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَىٍّ, عَنْ أُبَىِّ بْنِ عِمَارَةَ, قَالَ فِيهِ: حَتَّى بَلَغَ سَبْعًا, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «نَعَمْ, وَمَا بَدَا لَكَ».
===
أي امسح ما شئت من الأيام بعد الثلاثة، كان مراده ﷺ بظاهر اللفظ أنه لا توقيت في المسح.
(قال أبو داود: ورواه ابن أبي مريم المصري) هو سعيد (١) بن الحكم، (عن يحيى بن أيوب) الغافقي، (عن عبد الرحمن بن رزين (٢)، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن عبادة بن نسي) بضم النون وفتح السين المهملة الخفيفة وتشديد التحتانية، الكندي أبو عمرو الشامي الأردني، قاضي طبرية، وثَّقه ابن سعد وأحمد وابن معين والعجلي والنسائي، وقال البخاري: عبادة بن نسي الكندي سيدهم، ووثَّقه ابن نمير، مات سنة ١١٨ هـ.
(عن أبي بن عمارة، قال) أي ابن أبي مريم (فيه) أي في الحديث المذكور بعد ذكر الثلاثة: (حتى بلغ سبعًا، قال رسول الله ﷺ : نعم وما بدا لك) أي ما رضيت وظهر لك من الأيام امسح فيها، قال أبو داود:
стр. 671
(١) وَقَدِ اخْتُلِفَ فِى إِسْنَادِهِ وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِىِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ, وَيَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ
===
(وقد اختلف (٢) في إسناده) (٣) أي في إسناد هذا الحديث الذي رواه ابن أبي مريم، قال البيهقي: هكذا في روايتنا، وقيل عن ابن أبي مريم في هذا الإسناد عن عبد الرحمن بن يزيد، وقد قيل في هذا الإسناد غير هذا، أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنا علي بن عمر الحافظ قال: هذا إسناد لا يثبت، وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافًا كثيرًا.
(وليس هو (٤) بالقوي) أي ليس هذا الحديث قوي الإسناد (ورواه ابن أبي مريم (٥) ويحيى بن إسحاق) هو يحيى بن إسحاق البجلي، أبو زكريا، ويقال: أبو بكر السيلحيني، ويقال: السالحيني، والسلحين (٦): قرية بقرب بغداد، قال أحمد: شيخ صالح ثقة صدوق، وعن ابن معين: صدوق، وقال ابن سعد: كان ثقة حافظًا لحديثه، مات سنة ٢١٠ هـ.
стр. 672
السِّيْلَحِينِىُّ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ, وَقَدِ اخْتُلِفَ فِى إِسْنَادِهِ.
(٦٢) بابُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ
١٥٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عن وَكِيعٍ،
===
(السَّيلحيني، عن يحيى بن أيوب، واختلف في إسناده) (١) ولم أجد (٢) رواية يحيى بن إسحاق السيلحيني فيما تتبعت من كتب الحديث، وهذه العبارة موجودة في النسخ الهندية المطبوعة وفي نسخة "عون المعبود"، ولم يوجد في المصرية ولا المكتوبة ولا في نسخة "غاية المقصود"، ولكن كتب في المكتوبة على الحباشية: زادها على الحاشية بعض قارئ الكتاب، والسَّيلحيني بمهملة ممالة وقد تصير ألفًا ساكنة، وفتح اللام، وكسر المهملة، ثم تحتانية ساكنة، ثم نون، هو يحيى بن إسحاق، فالواو التي كتبت بين يحيى بن إسحاق وبين السيلحيني في بعض النسخ غلط من الكاتب، فإن السيلحيني هو يحيى بن إسحاق.
(٦٢) (بَابُ المَسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ)
أي هل يجوز المسح على الجوربين أم لا؟
والجورب (٣): ما يلبس في الرجل لدفع البرد ونحوه بما لا يسمى خفًا ولا جرموقًا.
١٥٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع) بن الجراح،
стр. 673
عَنْ سُفْيَانَ (١) , عَنْ أَبِى قَيْسٍ الأَوْدِىِّ - هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوَانَ -, عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ, عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ".
[ت ٩٩، جه ٥٥٩، حم ٤/ ٢٥٢، خزيمة ١٩٨]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ لَا يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ, لأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. (٢).
===
(عن سفيان) الثوري، (عن أبي قيسى الأودي هو عبد الرَّحمن بن ثروان) بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة، الكوفي، وثَّقه ابن معين والدارقطني وابن نمير، وقال العجلي: ثقة ثبت، وقال أحمد: يخالف في حديثه، وقال أبو حاتم: ليس بقوي وليس بحافظ، وقال النسائي: ليس به بأس، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره العقيلي في "الضعفاء"، مات سنة ١٢٠ هـ.
(عن هُزيل) مصغرًا (ابن شُرَحبيل) بضم أوله وفتح الراء وسكون المهملة، الأودي الكوفي الأعمى، أخو الأرقم بن شرحبيل، أدرك الجاهلية، وثَّقه ابن سعد والدارقطني، وقال العجلي: كان ثقة من أصحاب عبد الله، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين، قال أبو داود (٣): كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث, لأن المعروف عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخُفين)
стр. 674
وَرُوِىَ هَذَا (١) أَيْضًا عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ, وَلَيْسَ بِالْمُتَّصِلِ وَلَا بِالْقَوِىِّ.
(٢) وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ, وَابْنُ مَسْعُودٍ,
===
قلت: وهذا إذا كان حكايته فعل واحد، وأما إذا كان حكايته فعلين مختلفين وقعا في وقتين فحينئذ لا يضره الرواية المعروفة عن المغيرة ﵁ في المسح على الخفين، بل يقال: إن المغيرة رآه ﷺ مسح على الخفين في وقت فرواه كما رأى، ورآه ﷺ أنه مسح على الجوربين في وقت آخر فرواه أيضًا كما رأى، كيف وقد قال الترمذي (٣) بعد تخريج هذا الحديث: هذا حديث حسن صحيح.
(وروي هذا) الحديث (أيضًا عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ أنه مسح على الجوربين)، أخرجه ابن ماجه والبيهقي بسنديهما عن عيسى بن سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، عن أبي موسى الأشعري: "أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين" (٤)
(وليس بالمتصل) لأنه رواه الضحاك بن عبد الرحمن عن أبي موسى، قال البيهقي: لم يثبت سماعه (٥) من أبي موسى (ولا بالقوي) لأن في إسناده (٦) عيسى بن سنان ضعيف لا يحتج به.
(ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وأبو مسعود) هكذا في
стр. 675
وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ, وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ, وَأَبُو أُمَامَةَ, وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ, وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ, وَرُوِىَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
===
المكتوبة والمصرية (١)، وفي بعضها: "ابن مسعود"، وأخرج البيهقي بسنده عن علي بن أبي طالب أنه مسح على الجوربين والنعلين، وكذلك أخرج بسنده عن شعبة عن منصور، مال: سمعت خالد بن سعد يقول: رأيت أبا مسعود الأنصاري يمسح على الجوربين والنعلين.
ولكن قال الشوكاني في "النيل" (٢): قال أبو داود: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وأبو مسعود (٣) والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس، ثم قال الشوكاني: وقد قال بجواز المسح عليه من ذكره أبو داود من الصحابة، وزإد ابن سيد الناس في "شرح الترمذي" عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص وأبا مسعود البدري عقبة بن عمرو.
(والبراء بن عازب، وأنس بن مالك) أخرج روايتهما البيهقي بسنده إليهما في "سننه الكبير" (٤) (وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حُريث، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس) ولم يخرج البيهقي روايتهم إلَّا رواية ابن عباس بسنده عنه: "أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة ومسح على نعليه"، هكذا رواه داود بن الجراح، وهو يتفرد عن الثوري
стр. 676
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بمناكير، هذا أحدها، والثقات رووه عن الثوري دون هذا اللفظ، وروي عن زيد بن الحباب هكذا وليس بمحفوظ.
ثم ساق البيهقي روايته بإسناده، ثم قال: والصحيح رواية الجماعة، فحكوا رشًا على الرجل، والحديث حديث واحد، والعدد الكثير أولى بالحفظ من العدد اليسير مع فضل من حفظ فيه الغسل بعد رش على من لم يحفظه.
ثم أخرج حديث أوس بن أوس برواية هشيم عن يعلى، وبرواية حماد بن سلمة عن يعلى، ثم قال: وهذا الإسناد غير قوي، وهو يحتمل ما احتمل الحديث الأول، يعني غسل الرجلين في النعلين.
قال البيهقي: كان الأستاذ أبو الوليد - رحمه الله تعالى- يؤول حديث المسح على الجوربين والنعلين على أنه مسح على الجوربين منعَّلين، لا أنه جورب على الانفراد، ونعل على الانفراد، أخبرنا بذلك [عنه] أبو عبد الله الحافظ، وقد وجدت لأنس بن مالك أثرًا يدل على ذلك، أخبرناه أبو علي الروذباري، ثنا أبو طاهر محمد بن الحسن المحمد آباذي (١)، ثنا محمد بن عبيد الله المنادي، ثنا يزيد بن هارون، ثنا عاصم الأحول، عن راشد بن نجيح قال: رأيت أنس بن مالك دخل الخلاء وعليه جوربان أسفلهما جلود وأعلاهما خز فمسح عليهما.
واختلف أقوال (٢) العلماء في المسح على الجوربين، فعندنا إن كانا مجلدين أو منعلين يجزئه بلا خلاف عند أصحابنا، وإن لم يكونا مجلدين ولا منعلين، فإن كانا رقيقين يشفان الماء لا يجوز المسح عليهما
стр. 677
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بالإجماع، وإن كانا ثخينين لا يجوز عند أبي حنيفة، وعن أبي يوسف (١) ومحمد يجوز، وروي عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قولهما في آخر عمره.
احتج أبو يوسف ومحمد بحديث المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ توضأ ومسح على الجوربين، ولأن الجواز في الخف لدفع الحرج لما يلحقه من المشقة بالنزع، وهذا المعنى موجود في الجورب بخلاف اللفافة والمكعب, لأنه لا مشقة في نزعهما.
ولأبي حنيفة أن جواز المسح على الخفين ثبت نصًا بخلاف القياس، فكل ما كان في معنى الخف في إدمان المشي عليه، وإمكان قطع السفر به، يلحق به، وما لا فلا، ومعلوم أن غير المجلد والمنعل من الجوارب لا يشارك الخف في هذا المعنى، فتعذر الإلحاق على أن شرع المسح إن ثبت للترفيه، لكن الحاجة إلى الترفيه فيما يغلب لبسه، ولبس الجوارب مما لا يغلب، فلا حاجة فيها إلى الترفيه فبقي أصل الواجب بالكتاب وهو غسل الرِّجلين، وأما الحديث يحتمل أنهما كانا مجلدين أو منعلين وبه نقول ولا عموم له, لأنه حكايته حال، ألا يُرى أنه لم يتناول الرقيق من الجوارب.
وعند الشافعي: لا يجوز المسح على الجوارب، وإن كانت منعلة إلَّا إذا كانت مجلدة إلى الكعبين، وهذا أحد الأقوال في مذهبه.
وقال الشوكاني في "النيل" (٢): قال الشافعي: ولا يجوز المسح على
стр. 678
(٦٣) بَابٌ
١٦٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَعَبَّادُ بْنُ مُوسَى
===
الجوربين إلَّا أن يكونا منعلين يمكن متابعة المشي فيهما، وهذا قول ثانٍ في مذهبه.
وقال الترمذي (١) بعد تخريج حديث مغيرة بن شعبة: "أنه ﷺ مسح على الجوربين": وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح على الجوربين، وءان لم يكونا منعلين إذا كانا ثخينين، وهذا قول ثالث (٢) في مذهبه، قلت: ومحل تفصيل المسألة وتفريعاتها كتب الفقه من شاء فلينظر (٣) فيها.
(٦٣) (بَابٌ)
هذا على ما في أكثر النسخ من المكتوبة، والمصرية والمجتبائية الدهلوية خَال عن الترجمة، وهو الأنسب، وليس في بعض النسخ لفظ الباب.
١٦٠ - (حدثنا مسدد وعباد بن موسى) الختلي بضم المعجمة وتشديد المثناة المفتوحة، نسبة إلى قرية على طريق خراسان إذا خرجت من بغداد، أبو محمد الأنباري، نزيل بغداد، قال ابن معين وأبو زرعة وصالح بن محمد: ثقة، وقال ابن معين مرة: ليس به بأس، مات سنة ٢٣٠ هـ.
стр. 679
قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ, عَنْ أَبِيهِ - قَالَ عَبَّادٌ: قَالَ: أَخْبَرَنِى أَوْسُ بْنُ أَبِى أَوْسٍ الثَّقَفِىُّ-
===
(قالا: نا هشيم) بن بشير، (عن يعلي بن عطاء) العامري الليثي الطائفي، أثنى عليه أحمد بن حنبل خيرًا، ووثَّقه ابن معين والنسائي وابن سعد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ١٢٠ هـ.
(عن أبيه) هو عطاء العامري الطائفي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال شعبة عن يعلي بن عطاء: ولد أبي لثلاث سنين بقيت من خلافة عمر، قال أبو الحسن بن القطان: مجهول الحال، ما روى عنه غير ابنه يعلى، وتبعه الذهبي في "الميزان".
(قال عباد) بن موسى بسنده عن عطاء: (قال) أي عطاء: (أخبرني) غرض المؤلف هذا بيان الاختلاف (١) بين لفظي مسدد وعباد، فإن عبادًا روى بلفظ الإخبار، فقال: أخبرني، ولم يرو مسدد بلفظ الإخبار، بل بلفظ عن (٢)، أو قال مما لا يدل على اللقاء.
(أوس بن أبي أوس) حذيفة والد عمرو بن أوس (الثقفي) قال أحمد في "مسنده": أوس بن أبي أوس الثقفي، وهو أوس بن حذيفة، وقال البخاري في "تاريخه": أوس بن حذيفة الثقفي والد عمرو بن أوس، ويقال: أوس بن أبي أوس، وكذا قال ابن حبان في "الصحابة".
وقال أبو نعيم في "معرفة الصحابة": اختلف المتقدمون في أوس هذا، فمنهم من قال أوس بن حذيفة (٣)، ومنهم من قال: أوس بن أبي أوس
стр. 680
"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْهِ". [حم ٤/ ٨]
وَقَالَ عَبَّادٌ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى علي كِظَامَةَ قَوْمٍ" - يَعْنِى الْمِيضَأَةَ-
===
وكنى أباه، ومنهم من قال: أوس بن أوس، وأما أوس بن أوس الثقفي، وقيل: أوس بن أبي أوس، فروى عنه الشاميون.
قلت: وذكر الحافظ في ترجمة أوس بن أوس الثقفي الصحابي: قال الدوري عن يحيى بن معين: أوس بن أوس وأوس بن أبي أوس واحد، وقيل: إن ابن معين أخطأ في ذلك, لأن أوس بن أبي أوس (١) هو أوس بن حذيفة، قلت: تابع ابن معين جماعة على ذلك منهم أبو داود، والتحقيق أنهما اثنان، وإنما قيل في أوس بن أوس هذا: أوس بن أبي أوس، وقيل في أوس بن أبي أوس الآتي: أوس بن أوس غلطًا، والله أعلم، قال: وتوفي أوس بن حذيفة سنة ٥٩ هـ. "تهذيب التهذيب" (٢).
(أن رسول الله توضأ ومسح على نعليه وقدميه)، وهذا لفظ مسدد (وقال عباد: رأيت رسول الله ﷺ )، فاختلفت ألفاظ مسدد وعباد بأن مسددًا أورد بلفظ: "أن رسول الله ﷺ "، وقال عباد: أي أورد عباد بلفظ: "رأيت رسول الله ﷺ "، فلفظ مسدد يحتمل الإرسال، ولا يدل صريحًا على الرؤية بخلاف لفظ عباد.
(أتى على كظامة قوم يعني الميضأة) هي كالقناة، وجمعها كظائم، وهي آبار تحفر في الأرض متناسقة، ويباعد ما بينهما، ثم يحفر ما بين كل بئرين بقناة، ويخرق بعضها إلى بعض تحت الأرض، فتجتمع مياهها
стр. 681
وَلَمْ يَذْكُرْ مُسَدَّدٌ الْمِيضَأَةَ وَالْكِظَامَةَ, ثُمَّ اتَّفَقَا: "فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْهِ".
===
جارية، يؤدي الماء من الأولى إلى ما يليها، حتى يجتمع الماء إلى آخرهن، ويبقى في كل بئر ما يحتاج إليها أهلها، ثم تخرج عند منتهاها، فتسيح على وجه الأرض، وقيل: هي السقاية "مجمع" (١).
وفسر في الحديث بالميضأة، وهي بسكون تحتية وفتح ضاد فهمزة: إناء التوضئ شبه المطهرة تسع ماءً قدر ما يتوضأ به، وهذا (٢) لا يوافق أهل اللغة، وهذا تفسير من بعض الرواة فوق عباد.
(ولم يذكر مسدد الميضأة والكظامة) مراده بهذا الكلام أنه ليس في رواية مسدد ذكر الميضأة ولا ذكر تفسيره بالكظامة، والحاصل أن الكلام الذي أورده عباد في روايته، وهو "أتى كظامة قوم يعني الميضأة"، لم يذكره مسدد.
(ثم اتفقا) أي مسدد وعباد وكلاهما قالا: (فتوضأ) أي رسول الله ﷺ (ومسح على نعليه وقدميه) فرواية مسدد لفظها هكذا: "أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على نعليه وقدميه"، ولفظ رواية عباد: "قال: رأيت رسول الله ﷺ أتى كظامة قوم يعني الميضأة، فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه".
قال الطحاوي (٣) بعد تخريج رواية أوس بن أبي أوس هذا: فذهب قوم إلى المسح على النعلين، كما يمسح على الخفين، وقالوا: قد شد ذلك
стр. 682
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ما رُوِي بسنده عن أبي ظبيان أنه رأى عليًّا بال قائمًا، ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه، ثم صلَّى، وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا نرى المسح على النعلين، وكان من الحجة لهم في ذلك أنه قد يجوز أن يكون رسول الله ﷺ مسح على نعلين تحتهما جوربان، وكان قاصدًا بمسحه ذلك إلى جوربيه لا إلى نعليه، وجورباه مما لو كانا عليه بلا نعلين جاز له أن يمسح عليهما، فكان مسحه ذلك مسحًا أراد به الجوربين، فأتى ذلك على الجوربين والنعلين، فكان مسحه على الجوربين هو الذي تطهر به، ومسحه على النعلين فضل.
وقد بين ذلك ما حدثنا علي بن معبد بسنده عن أبي موسى: أن رسول الله ﷺ مسح على جوربيه ونعليه، وكذلك عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله ﷺ بمثله، فأخبر أبو موسى والمغيرة عن مسح النبي ﷺ على نعليه كيف كان منه.
وقد روي عن ابن عمر في ذلك وجه آخر، فأخرجه بسنده عن نافع: أن ابن عمر كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه مسح على ظهور قدميه بيديه، ويقول: كان رسول الله ﷺ يصنع هكذا، فأخبر ابن عمر أن رسول الله ﷺ قد كان في وقت ما كان يمسح على نعليه، يمسح على قدميه، فقد يحتمل أن يكون ما مسح على قدميه هو الفرض، وما مسح على نعليه كان فضلًا.
فحديث [أوس بن] أبي أوس (١) يحتمل عندنا ما ذكر فيه عن رسول الله ﷺ من مسحه على نعليه أن يكون كما قال أبو موسى والمغيرة، أو كما قال ابن عمر، فإن كان كما قال أبو موسى والمغيرة، فإنا نقول
стр. 683
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بذلك؛ لأنا لا نرى بأسًا بالمسح على الجوربين، وإن كان كما قال ابن عمر فإن في ذلك إثبات المسح على القدمين، فقد ثبت ذلك، وما عارضه وما نسخه في باب فرض القدمين، فعلى أي المعنيين كان وجه الحديث، فليس في ذلك ما يدل على جواز المسح على النعلين.
ومن طريق النظر لنعلم كيف حكمه؟ فرأينا الخفين الذين قد جُوّزَ المسحُ عليهما إذا تخرَّقا، حتى بدت القدمان منهما أو أكثر القدمين، فكلٌّ قد أجمع أنه لا يمسح عليهما، فلما كان المسح على الخفين إنما يجوز إذا غيَّبا (١) القدمين، ويبطل ذلك إذا لم يغيِّبا القدمين، وكانت النعلان غير مغيبين للقدمين، ثبت أنهما كالخفين اللذين لا يغيبان القدمين "الطحاوي ملخصًا".
قلت: ويمكن أن يوجه هذا الحديث بأنه ﷺ مسح على نعليه (٢) وقدميه، أي بالغسل، كما تدل عليه رواية ابن عباس التي تقدمت في "باب الوضوء مرتين"، وفيها: "فَرَشَّ على رجله اليمنى وفيها النعل، ثم مسحها بيديه ... " الحديث.
ويمكن أن يقال في تأويل هذا الحديث: إنه ﷺ مسح على القدمين
стр. 684
(٦٤) بابٌ: كَيْفَ الْمَسْحُ ؟
١٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى الزِّنَادِ
===
والنعلين عندما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ بالجر، ثم نسخ، والدليل على النسخ قوله ﷺ : "ويل للأعقاب من النار".
(٦٤) (بَابٌ: كَيْفَ الْمَسْحُ؟ ) (١)
١٦١ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز (٢) قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان القرشي مولاهم المدني، قال أبو داود عن ابن معين: أثبت الناس في هشام بن عروة عبد الرحمن بن أبي الزناد، وعن يحيى بن معين: ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث، ليس بشيء، وعنه: ضعيف، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث، وعن ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا، وعنه: ما حدث بالمدينة فهو صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون، وقال الساجي وعمرو بن علي: فيه ضعف، وقال النسائي: لا يحتج بحديثه، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق وفي حديثه ضعف، وقال الترمذي والعجلي: ثقة، وصحَّح الترمذي عدة من أحاديثه، وقال في اللباس: ثقة حافظ، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالحافظ عندهم، وقال الشافعي: كان ابن أبي الزناد يكاد يجاوز القصد في ذم مذهب مالك، مات ببغداد سنة ١٧٤ هـ.
стр. 685
قَالَ: ذَكَرَهُ أَبِى, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ".
وَقَالَ غَيْرُ مُحَمَّدٍ: "عَلَى ظَهْرِ الْخُفَّيْنِ".
[ت ٩٨، ق ١/ ٢٩١، حم ٤/ ٢٤٦، قط ١/ ١٩٥]
===
(قال: ذكره) أي الحديث (أبي) أي رواه أبي مذاكرةً، وأبوه هو أبو الزناد عبد الله بن ذكوان (عن عروة بن الزبير، عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين، وقال غير محمد) أي غير محمد بن الصباح، وهو علي بن حجر، أخرج روايته الترمذي (١)، ولفظها: "مسح على الخفين على ظاهرهما"، وأبو داود الطيالسي، ولكن فيها عن عروة بن المغيرة عن المغيرة بن شعبة، ولفظها: "أن النبي ﷺ مسح ظاهر خفيه" , أخرجها البيهقي في "سننه" (٢) ثم قال: كذا رواه أبو داود الطيالسي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، وكذلك رواه إسماعيل بن موسى عن ابن أبي الزناد، ولكن ما وجدت رواية إسماعيل بن موسى في كتب الحديث، ثم قال البيهقي: ورواه سليمان بن داود الهاشمي، ومحمد بن الصباح، وعلي بن حجر [عن ابن أبي الزناد، عن أبيه عن عروة بن الزبير عن المغيرة، انتهى.
قلت: سليمان بن داود الهاشمي أخرج روايته الدارقطني (٣)، ولفظها: قال: "رأيت رسول الله ﷺ مسح" (على ظهر الخفين) والفرق بينهما أن رواية غير محمد من شيوخ أبي داود نص في المسح على ظاهر الخفين، وأما رواية محمد بن الصباح وإن كانت بظاهرها تدل على المسح على ظاهر الخفين، ولكنها ليست بنص فيه، بل يحتمل أعلى الخف وأسفله.
стр. 686
١٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قال: حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنِى ابْنَ غِيَاثٍ -, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ, عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ, عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - قَالَ: "لَوْ كَانَ الدِّينُ
===
فثبت بروايات الشيوخ أن الراجح عن عبد الرحمن بن أبي الزناد هو المسح على ظاهر الخف، فالواجب أن يؤَوّل رواية محمد بن الصباح كان يمسح على الخفين بأن يقال: معناه يمسح على ظهر الخفين.
وقال الترمذي (١): حديث المغيرة حديث حسن، وهو حديث عبد الرحمن بن أبي الزياد، عن أبيه، عن عروة عن المغيرة، ولا نعلم أحدًا يذكر عن عروة عن المغيرة على ظاهرهما غيره، واستدل بهذا الحديث من قال بمسح ظاهر الخف.
١٦٢ - (حدثنا محمد بن العلاء) بن كريب (قال: ثنا حفص يعني ابن غياث) بكسر معجمة وخفة مثناة تحت ومثلثة، ابن طلق بن معاوية النخعي، أبو عمرو الكوفي، قاضيها وقاضي بغداد، عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة مأمون فقيه، وقال يعقوب: ثقة ثبت إذا حدث من كتابه، ووثقه النسائي وابن خراش وابن سعد، وقال أبو زرعة: ساء حفظه بعد ما استقضي، فمن كتب عنه من كتابه فهو صالح، وإلَّا فهو كذا، وقال داود بن رشيد: حفص كثير الغلط، وقال ابن عمار: كان لا يحفظ حسنًا وكان عسرًا، وقال أحمد بن حنبل: إن حفصًا كان يدلس، مات سنة ١٩٤ هـ.
(عن الأعمش) سليمان بن مهران، (عن أبي إسحاق) السبيعي، (عن عبد خير، عن علي) - رضي الله تعالى عنه - (قال) أي علي: (لو كان الدين
стр. 687
بِالرَّأْىِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ, وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ". [حم ١/ ٩٥، دي ٧١٥، ق ١/ ٢٩٢]
===
بالرأي) أي بظاهر الرأي ومجرد العقل دون الرواية والنقل (لكان أسفل الخف) لقربه من الأوساخ (١) والقاذورات (أولى بالمسح من أعلاه) لبعده منها (وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه) (٢)، فهذا صريح في أن الأسفل ليس بممسوح، فالمراد بظاهر خفيه أعلى ظاهرهما.
قال القاري (٣): اعلم أن العقل الكامل تابع للشرع, لأنه عاجز عن إدراك الحكم الإلهية، فعليه التعبد المحض بمقتضى العبودية، وما ضل من ضل من الكفرة والحكماء والمبتدعة وأهل الأهواء إلَّا بمتابعة العقل وترك موافقة النقل، وقد قال أبو حنيفة ﵀: لو قلت بالرأي لأوجبت الغسل بالبول, لأنه نجس متفق عليه، والوضوء بالمني, لأنه نجس مختلف فيه، ولأعطيت الذكر في الإرث نصف الأنثى لكونها أضعف منه، ويمكن أن يقال: وجه الأولوية أن المقصود من المسح هو الطهارة، ولا شك أن الأسفل (٤) أحوج إلى التطهر، فإنه اجتمع فيه الحدث والخبث، انتهى ملخصًا.
стр. 688
١٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ, عَنِ الأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ
===
١٦٣ - (حدثنا محمد بن رافع) بن أبي زيد، واسمه سابور القشيري مولاهم، أبو عبد الله النيسابوري الزاهد، قال البخاري: كان من خيار عباد الله، وقال النسائي: ثقة ثبت مأمون، وقال مسلم بن الحجاج: ثقة مأمون صحيح الكتاب، وقال محمد بن شاذان: ثقة مأمون، وقال أحمد بن سيار في ذكر مشايخ نيسابور: محمد بن رافع كان ثقة، حسن الرواية عن أهل اليمن، روى عنه البخاري ١٧ حديثًا، ومسلم ٣٦٢ حديثًا، مات سنة ٢٤٥ هـ.
(قال: ثنا يحيى بن آدم) الأموي (قال: نا يزيد بن عبد العزيز) بن سياه بكسر المهملة بعدها مثناة تحت وآخره هاء ساكنة، الأسدي الحماني بكسر المهملة وتشديد الميم، نسبة إلى بني حمان، وهي قبيلة نزلت الكوفة، أبو عبد الله الكوفي، وثَّقه أحمد وابن معين وأبو داود ويعقوب بن سفيان والدارقطني، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن الأعمش) سليمان بن مهران (بإسناده) أي حدثنا محمد بن رافع بسنده عن الأعمش بإسناده أي بإسناد الأعمش المذكور في الرواية المتقدمة، وهو عن أبي إسحاق عبد خير عن علي (بهذا الحديث) أي بالحديث المتقدم.
стр. 689
قَالَ: "مَا كُنْتُ أُرَى بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ إِلَاّ أَحَقَّ بِالْغَسْلِ, حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ". [ق ١/ ٢٩٢، وانظر تخريج الحديث السابق]
١٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قال: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ, عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْحَدِيثِ, قَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْىِ لَكَانَ بَاطِنُ الْقَدَمَيْنِ
===
(قال: ) الضمير يرجع إما إلى علي ﵁، ويمكن أن يرجع إلى يزيد بن عبد العزيز، أي قال يزيد بن عبد العزيز في هذا الحديث هذا اللفظ على خلاف ما قال حفص بن غياث (ما كنت أرى) بصيغة المجهول أي أظن (باطن القدمين إلَّا أحق بالغسل، حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه)، فالجملة الأولى في هذا الحديث الذي رواه يزيد بن عبد العزيز عن الأعمش يخالف سياق ما رواه حفص بن غياث عن الأعمش بأنه ذكر فيها القدمين والغسل، والمراد بباطن القدمين أسفل القدمين إذا كانا في خفين.
وأما الغسل فإما أن يؤول بالمسح، أو يكون معناه أني ظننت أن أسفل القدمين أحق بالغسل من ظاهرهما، فلما رأيت رسول الله ﷺ اكتفى بالمسح على ظاهر خفيه ولم يمسح أسفلهما، استدللت على أن أسفل القدمين ليس بأحق بالغسل من ظاهرهما، بل كلاهما سواء في حكم وجوب الغسل.
١٦٤ - (حدثنا محمد بن العلاء قال: ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش بهذا الحديث، قال) أي علي: (لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدمين) المراد بالباطن أسفل الخف الذي هو محل الوطء لا ما يلاقي
стр. 690
أَحَقَّ بِالْمَسْحِ (١) مِنْ ظَاهِرِهِمَا, وَقَدْ مَسَحَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ.
[انظر تخريج الحديث السابق]
وَرَوَاهُ وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: "كُنْتُ أُرَى أَنَّ بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ أَحَقُّ بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِمَا, حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا". قَالَ وَكِيعٌ يَعْنِى الْخُفَّيْنِ.
وَرَوَاهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ, كَمَا رَوَاهُ وَكِيعٌ
===
البشرة، والمراد بالقدمين الخفان (أحق بالمسح من ظاهرهما، وقد مسح النبي ﷺ على ظهر خفيه، ورواه وكيع عن الأعمش بإسناده) المذكور فيما تقدم (قال: كنت أرى أن باطن القدمين) أي أسفل الخفين (أحق بالمسح من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهرهما، قال وكيع: يعني الخفين) هذا تفسير للضمير في ظاهرهما أو تفسير للقدمين.
(ورواه عيسى بن يونس عن الأعمش كما رواه وكيع)، ولم أجد (٢) في كتب الحديث التي تتبعتها رواية عيسى بن يونس (٣)، إلَّا أن البيهقي (٤) أخرج بسنده عن يونس بن أبي إسحاق عن عبد خير قال: رأيت عليًا ومسح ثم قال: "لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر القدمين لرأيت أن أسفلهما وباطنهما أحق بذلك".
стр. 691
وَرَوَاهُ أَبُو السَّوْدَاءِ عَنِ ابْنِ عَبْدِ خَيْرٍ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ فَغَسَلَ ظَاهِرَ قَدَمَيْهِ, وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ". وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
===
(ورواه (١) أبو السوداء) (٢)، هو عمرو بن عمران النهدي الكوفي، وثَّقه أحمد وابن معين وابن نمير وغيره (عن ابن عبد خير) هو المسيب روى عن أبيه عن علي في الوضوء، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال الذهبي في "الميزان": وضعفه أبو الفتح الأزدي.
(عن أبيه قال: رأيت عليًّا توضأ فغسل ظاهر قدميه، وقال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يفعله، وساق الحديث)، هكذا في النسخ المطبوعة الهندية والمطبوعة بمصر، وأما في النسخة المكتوبة بعد قوله: يفعله، لظننت أن بطونهما أحق بالغسل (٣)، فاختلفت هذه الروايات ففي بعضها المسح، وفي بعضها الغسل، وكذلك في بعضها ذكر القدمين، وفي بعضها الخفين.
قال البيهقي (٤): وفي كل هذه الروايات المقيدات بالخفين دلالة على اختصار وقع في ما أخبرنا أبو علي الروذباري، ثنا أبو محمد بن
стр. 692
١٦٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ
===
شوذب (١) المقرئ بواسط، ثنا شعيب بن أيوب، ثنا أبو نعيم، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عبد خير قال: رأيت عليًّا ومسح، ثم قال: "لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر القدمين لرأيت أن أسفلهما وباطنهما أحق بذلك".
ثم قال البيهقي: وكذلك رواه أبو السوداء عن ابن عبد خير عن أبيه، وعبد خير عن علي في صفة وضوء النبي ﷺ ، فذكر أنه غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، انتهى.
فهذه الروايات تدل على أن المسح المشروع هو مسح ظاهر الخف دون باطنه، وإليه ذهب الثوري وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل، وذهب مالك والشافعي وأصحابهما والزهري وابن المبارك إلى أنه يمسح ظهورهما وبطونهما، قال مالك والشافعي: إن مسح ظهورهما دون بطونهما أجزأه، وقال مالك: من مسح باطن الخفين دون ظاهرهما لم يجزه، وكان عليه الإعادة في الوقت وبعده، وقال ابن شهاب والشافعي في قول: إن من مسح بطونهما ولم يمسح ظهورهما أجزأه، والواجب عند أبي حنيفة مسح قدر ثلاث أصابع من أصابع اليد، وعند أحمد مسح أكثر الخف، وروي عن الشافعي أن الواجب ما يسمى مسحًا، هكذا ذكره الشوكاني (٢).
١٦٥ - (حدثنا موسى بن مروان) البغدادي أبو عمران التمار، سكن الكوفة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ٢٤٠ هـ أو بعدها
стр. 693
وَمَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِىُّ, الْمَعْنَى, قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ, قَالَ مَحْمُودٌ: قال: أَخْبَرَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ, عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ, عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ, عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: "وَضَّأْتُ النَّبِىَّ ﷺ فِى غَزْوَةِ تَبُوكَ فَمَسَحَ عْلَى الْخُفَّيْنِ وَأَسْفَلَهُمَا (١) ". [ت ٩٧، جه ٥٥٠، حم ٤/ ٢٥١، قط ١/ ١٩٥، ق ١/ ٢٩٠]
===
(ومحمود بن خالد الدمشقي، المعنى، قالا: ثنا الوليد) بن مسلم، (قال محمود) شيخ المؤلف: (قال) أي الوليد: (أخبرنا ثور بن يزيد) بلفظ الإخبار، وأما موسى بن مروان فلم يقل بلفظ الإخبار، بل لعله روى بلفظ عن، أو قال بما لا يدل على الاتصال.
(عن رجاء بن حيوة) بفتح المهملة وسكون المثناة التحتانية وفتح الواو، ابن جرول الكندي، أبو المقدام، ويقال: أبو نصر الفلسطيني، قال ابن سعد: كان ثقة فاضلًا كثير العلم، وقال العجلي والنسائي: شامي ثقة، وقال أحمد بن حنبل: لم يلق رجاء ورّادًا كاتب المغيرة، وكذا حكى الترمذي عن البخاري وأبي زرعة، وروايته عن أبي الدرداء مرسلة، مات سنة ١١٢ هـ.
(عن كاتب المغيرة بن شعبة) اسمه وراد بفتح الواو وتشديد الراء، الثقفي أبو سعيد، ويقال: أبو ورد الكوفي، كاتب المغيرة ومولاه، ذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن المغيرة بن شعبة قال: وضأت النبي ﷺ في غزوة تبوك فمسح على الخفين) وفي نسخة: "أعلى الخفين" (وأسفلهما).
هذا الحديث يدل على أن محل المسح في الخفين أعلاهما
стр. 694
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأسفلهما، ويؤيده ما رواه البيهقي في "سننه الكبير" (١): أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنا أبو الوليد الفقيه، ثنا مكي بن عبدان، ثنا عمار بن رجاء، ثنا زيد بن حباب، ثنا سفيان الثوري، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يمسح على ظهر الخف وباطنه، قال: وحدثنا عمار ثنا زيد، ثنا عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر مثله.
فهذا الحديث المرفوع قال فيه الترمذي: هذا الحديث (٢) معلول لم يسنده (٣) عن ثور غير الوليد، وسألت أبا زرعة ومحمدًا عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح، ولهذا قال الشافعي وأصحابه: الأكمل في كيفية المسح أن يضع أصابع يده اليمنى مفرجة على مقدم ظهر الخف، وأصابع يده اليسرى على أسفل العقب، ثم يمرهما، فتنتهي أصابع اليمنى إلى آخر الساق، والأخرى من أطراف الأصابع من تحت، فمسح أعلى الخف عندهم واجب، ومسح أسفله سنة, لأن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال بالاتفاق.
قال القاري (٤): والظاهر أن العمل بالحديث الضعيف محله إذا لم يكن مخالفًا للحديث الصحيح أو الحسن، وسيأتي ما يخالفه من حديثه المتصل، ومن حديث علي كرَّم الله وجهه، وأيضًا إنما يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال الثابتة بأدلة أخرى، وها هنا هذا الحكم ابتدائي مع أنه ليس فيه ما يدل على ثوابه وفضيلته، فتأمل حق التأمل وثبت العرش ثم انقش.
стр. 695
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: وروى البيهقي في "سننه الكبير" (١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو الوليد الفقيه، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، عن أشعث، عن الحسن، عن المغيرة بن شعبة قال: "رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة، حتى كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ على الخفين".
وكذلك أخرج البيهقي في "سننه الكبير" بسنده إلى حميد بن مخراق الأنصاري أنه رأى أنس بن مالك بقباء مسح ظاهر خفيه بكفيه مسحة واحدة.
فهذا الحديث المرفوع وأثر مالك بن أنس ﵁ يدل على خلاف ما دل عليه حديث كاتب المغيرة عن المغيرة، فإنه يدل على أنه ﷺ مسح أعلى الخف الأيمن والأيسر بيده اليمنى واليسرى مسحة واحدة، فلو سلَّمنا مسحه ﷺ أعلى الخف وأسفله لكان صورة المسح أن يمسح أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى وأسفله باليسرى في أول مرة، ثم في المرة الثانية يمسح الخف الأيسر أعلاه باليمنى وأسفله باليسرى بماء جديد.
وهذه الصورة لا يثبتها رواية, بل تخالف الحديث الصحيح الذي رواه المغيرة بن شعبة، وأيضًا يخالفه ما روي عن جابر بن عبد الله وعلي بن أبي طالب وغيرهم، فما قال صاحب "غاية المقصود": وأما الحديث الثاني للمغيرة وحديث علي فليس بين حديثيهما تعارض ... إلخ، نشأ من قلة التدبر.
стр. 696
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَبَلَغَنِى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ثَوْرٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَجَاءٍ.
===
(قال أبو داود: وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء)، هذا ما في النسخ الموجودة عندنا, ولكن قال البيهقي في "سننه" (١): قال أبو داود: ويروى أن ثورًا لم يسمع هذا الحديث من رجاء، وغرض المؤلف بهذا الكلام بيان العلة في هذا الحديث بأن بين ثور بن يزيد ورجاء انقطاعًا.
قال في "الجوهر النقي": قلت: حاصله، أي حاصل ما قال البيهقي: أنه ذكر في الحديث علتين: إحداهما: أن ثورًا لم يسمعه (٢) من رجاء، الثانية: أن كاتب المغيرة أرسله، ويمكن أن يجاب عن الأولى بما تقدم من رواية داود بن رشيد، فإنه صرح (٣) فيها بأن ثورًا قال: حدثنا رجاء، وإن كان داود قد روى عنه أنه قال: عن رجاء، ويجاب عن الثانية بأن الوليد بن مسلم زاد في الحديث ذكر المغيرة، وزيادة الثقة مقبولة، وتابعه على ذلك ابن أبي يحيى، كذا أخرج عنه البيهقي في "كتاب المعرفة".
وبقي في الحديث علَّتان أخريان لم ينبه عليهما البيهقي، إحداهما: أن كاتب المغيرة مجهول، الثانية: أن الوليد مدلس، وقد رواه عن ثور بالعنعنة.
ويجاب عن الأولى بأن المعروف بكتابة المغيرة هو مولاه ورّاد، وهو مخرج له في الصحيحين، فالظاهر أنه هو المراد، وقد أدرج بعض الحفاظ هذا الحديث في ترجمة رجاء عن ورّاد، وذكره المزي في
стр. 697
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
"أطرافه" (١) في ترجمة وراد عن المغيرة، وأصرح من هذا أن ابن ماجه أخرجه في "سننه"، فقال: عن رجاء عن وراد كاتب المغيرة فصرح باسمه، وقال المزي في "أطرافه": رواه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عبد الملك بن عمير عن ورّاد عن المغيرة (٢).
ويجاب عن الثانية بأن أبا داود أخرج هذا الحديث في "سننه"، فقال: عن الوليد أخبرنا ثور، فأمن بذلك تدليسه (٣)، انتهى.
قلت: ومع هذا كله بقي فيه علة أخرى، وهي أن رجاء لم يدرك ورّادًا كاتب المغيرة فثبت الانقطاع، وما وقفت لها على جواب.
تمَّ بحمد الله وتوفيقه المجلد الأول ويتلوه إن شاء الله تعالى المجلد الثاني
وأوله: "باب في الانتضاح"
وصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلَّم تسليمًا كثيرًا
стр. 698
بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد
تأليف
الإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري
(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)
مَعَ تعليقات
الإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي
(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)
اعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ
الْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي
الْجُزْء الثَّانِي
طبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان
نَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة
стр. 699
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 700
بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (٢)
стр. 701
الطَّبعَة الأولى
مُحقّقَة وَمُنَقّحَة
١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق
مَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي
للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد
SHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER
For Research & Islamic Studies
MOZAFFARPUR, AZAMGARH, U.P - INDIA
الْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١
الفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١
متحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١
الْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae
стр. 702
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٦٥) بابٌ: فِى الاِنْتِضَاحِ
١٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قال: حَدَّثَنَا (١) سُفْيَانُ
===
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٦٥) (بابٌ: في الاِنْتِضَاحِ) (٢)
في "القاموس": نضح البيت ينضحه: رشَّه، وفي "المجمع": وفيه من السنن العشر الانتضاح بالماء: وهو أن يأخذ قليلًا من الماء، فيرش به مذاكيره بعد الوضوء لنفي الوسواس، وقيل: هو الاستنجاء، وقيل: إسالة الماء بالنثر والتنحنح (٣)
١٦٦ - (حدثنا محمد بن كثير) العبدي (قال: أنا سفيان) الثوري،
стр. 703
عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ سُفْيَانَ بْنِ الْحَكَمِ الثَّقَفِىِّ - أَوِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ الثقفي - قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا بَالَ يَتَوَضَّأُ (١) وَيَنْتَضِحُ". [ن ١٣٥، جه ٤٦١، حم ٣/ ٤١٠، ق ١/ ١٦١]
===
هكذا في بعض النسخ (عن منصور) بن المعتمر (عن مجاهد) بن جبر المخزومي (عن سفيان بن الحكم الثقفي أو الحكم (٢) بن سفيان الثقفي).
قال الحافظ في "التهذيب" (٣): قد اختلف على مجاهد فيه، قيل: عنه عن الحكم أو ابن الحكم عن أبيه، وقيل: عن الحكم بن سفيان عن أبيه، وقيل: عن الحكم غير منسوب عن أبيه، وقيل: عن رجل من ثقيف عن أبيه، فهذه أربعة أقوال، وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان من غير ذكر أبيه، وقيل: عن مجاهد عن رجل من ثقيف يقال له: الحكم أو أبو الحكم، وقيل: عن ابن الحكم أو أبي الحكم بن سفيان، وقيل: عن الحكم بن سفيان أو ابن أبي سفيان، وقيل: عن رجل من ثقيف، وهذه ستة أقوال ليس فيها عن أبيه.
قال البخاري: قال بعض ولد الحكم بن سفيان: إنه لم يدرك النبي ﷺ ، وقال الخلال عن ابن عيينة: الحكم ليست له صحبة، وكذا نقله الترمذي في "العلل" عن البخاري، وقال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه: الصحيح الحكم بن سفيان عن أبيه، وكذا قال الترمذي في "العلل" عن البخاري، والذهلي عن ابن المديني، وصحَّح إبراهيم الحربي وأبو زرعة وغيرهما أن للحكم بن سفيان صحبة، فالله أعلم، وفيه اضطراب كثير، انتهى بلفظه.
(قال: كان رسول الله ﷺ إذا بال (٤) يتوضأ وينتضح)،
стр. 704
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الشارح: قال الخطابي: الانتضاح ههنا الاستنجاء بالماء، وكان عادة أكثرهم أن يستنجوا بالحجارة ولا يمسوا الماء، قال: ويتأول أيضًا عن رش الفرج بالماء بعد الاستنجاء ليدفع بذلك وسوسة الشيطان، انتهى.
وذكر النووي عن الجمهور أن هذا الثاني هو المراد ها هنا.
قلت: النضح، كما يستعمل في الرش، كذلك يستعمل في الغسل. قال في "المجمع" عن الكرماني: وعند مالك والحنفية النضح بمعنى الغسل كثير معروف، ويؤيد كون النضح ها هنا بمعنى الرش ما أخرجه البيهقي (١) بسنده، قال: ثنا شعيب، عن منصور، عن مجاهد، عن رجل يقال له: الحكم أو أبو الحكم من ثقيف، عن أبيه أنه رأى رسول الله ﷺ توضأ ثم أخذ حفنة من ماء فانتضح بها.
وفي رواية له بسنده عن أسامة بن زيد بن حارثة عن أبيه: "أن جبرائيل نزل على رسول الله ﷺ في أول ما أوحي إليه، فعلَّمه الوضوء، فتوضأ النبي ﷺ ، فلما فرغ أخذ النبي ﷺ بيده ماء فنضح به فرجه".
أخرجه الدارقطني (٢) أيضًا بلفظ: "أن جبرائيل أتاه في أول ما أوحي إليه، فأراه الوضوء والصلاة، فلما فرغ من الوضوء أخذ حفنة من ماء فنضح بها فرجه".
стр. 705
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَافَقَ سُفْيَانَ جَمَاعَةٌ عَلَى هَذَا الإِسْنَادِ،
===
وأخرج الدارقطني بسنده عن أسامة بن زيد: "أن جبرائيل لما نزل على النبي ﷺ أراه الوضوء، فلما فرغ من وضوئه أخذ حفنة من ماء فرش بها في الفرج".
وأخرى للبيهقي بسنده عن ابن عباس موقوفًا: أن رجلًا أتاه، فقال: إني أجد بللاً إذا قمت أصلي، فقال ابن عباس: انضح بكأس من ماء، وإذا وجدت من ذلك شيئًا فقل هو منه، فذهب الرجل فمكث ما شاء الله، ثم أتاه بعد ذلك، فزعم أنه ذهب ما كان يجد من ذلك.
فهذه الروايات كلها تدل على أنه ليس المراد بالنضح ها هنا إلَّا رش الفرج بالماء بعد الوضوء لا الاستنجاء، فإن الاستنجاء لا يكون إلَّا قبل الوضوء.
(قال أبو داود: وافق سفيان جماعة على هذا الإسناد)، فسفيان مفعول للفعل ولفظ جماعة فاعله، والموافقة في أنه لم يذكروا عن أبيه، قال البيهقي بعد تخريج هذه الرواية (١): كذا رواه الثوري ومعمر وزائدة عن منصور.
ثم أخرج رواية شعبة عن منصور، عن مجاهد، عن رجل يقال له: الحكم أو أبو الحكم من ثقيف عن أبيه أنه رأى ... الحديث، ثم قال البيهقي بعد هذه الرواية: وكذلك رواه وهيب عن منصور، ورواه أبو عوانة وروح بن القاسم وجرير بن عبد الحميد عن منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان، ولم يذكروا أباه، فوافق هذه الجماعة سفيان على هذا الإسناد في ترك عن أبيه.