أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ (١) ﷺ ، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ رَاجِعًا مِنْ عِنْدِهِ، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ عِنْدَهُمْ رَجُل مَجْنُون مُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ، فَقَالَ أَهْلُهُ: إنَّا حُدِّثْنَا أَنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا قَدْ جَاءَ (٢) بِخَيْرٍ، فَهَلْ عِنْدَك شيءٌ تُدَاوُونَهُ (٣)؟ فَرَقَيْتُهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب فَبَرَأَ، فَأَعْطَوْنِي مِئَةَ شَاةٍ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "هَلْ إلَّا هَذَا؟ ". وَقَالَ مُسَدَّدٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ: "هَلْ قُلْتَ غَيْرَ هَذَا؟ " قُلْتُ: لَا، قَالَ: "خُذْهَا، فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ". [حم ٥/ ٢١٠، ك ١/ ٥٥٩، "السنن الكبرى" للنسائي ٧٥٣٤]
===
السليطي (٤)، ويقال: البرجمي، له صحبة، (أنه أتى رسول الله ﷺ ، فأسلم) على يديه (ثم أقبل راجعًا من عنده، فمر على قوم عندهم رجل مجنون موثق بالحديد) أي: مربوط بالوثاق الشديد.
(فقال أهله: إنا حُدثنا) بصيغة المجهول (أن صاحبكم هذا) يعني رسول الله ﷺ (قد جاء بخير، فهل عندكم شيء تداوونه؟ ) أي: هل عندكم من دواء، أي: رقية (فرقيته بفاتحة الكتاب فبرأ، فأعطوني مئة شاة، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال) رسول الله ﷺ : (هل إلَّا هذا؟ ) أي: هل قرأت غير الفاتحة (وقال مسدد في موضع آخر: هل قلت غير هذا؟ قلت: لا، قال) رسول الله ﷺ : (خذها) أي: المائة شاة جميعها (فلعمري) قسم (لمن أكل) الشيء (برقية باطل، لقد أكلتَ برقية حق).
وفيه دليل على أن الرقية على قسمين: حق وباطل، فرقية الحق: ما كانت بالكتاب والسنَّة أو غيرها من ذكر الله تعالى، وإن كانت بغير ذلك مما لا يعرف معناه لا يجوز لاحتمال أن يكون فيها كفر، قاله ابن رسلان.
стр. 7247
٣٨٩٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ، عَن (١) سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لُدِغْتُ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ أَنَمْ حَتَّى أَصْبَحْتُ، قَالَ: "مَاذَا؟ " قَالَ: عَقْرَبٌ، قَالَ: "أَمَا إنَّكَ لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّكَ (٢) إنْ شَاءَ اللَّهُ". [سي ٥٩٥]
٣٨٩٨ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، نَا بَقِيَّةُ، نَا الزُّبَيْدِيُّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن طَارِقٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَدِيغٍ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ، قَالَ:
===
٣٨٩٧ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: سمعت رجلًا من أسلم قال: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ ، فجاء رجل من أصحابه، فقال: يا رسول الله، لدغت) بصيغة المجهول (الليلة، فلم أنم حتى أصبحت، قال) رسول الله ﷺ : (ماذا؟ قال: عقرب، قال: أما إنك لو قلت حين أمسيت) والمساء ما بين الظهر إلى المغرب: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) أي: من شر جميع خلقه المكلفين (لم يضرك إن شاء الله).
٣٨٩٨ - (حدثنا حيوة بن شريح، نا بقية، نا الزبيدي، عن الزهري، عن طارق) بن محاسن، قال في "التقريب": وقيل: ابن مخاشن، ويقال: ابن أبي مخاشن، ويقال: أبو مخاشن، الأسلمي حجازي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، له عندهما في التعويذ، صحح الذهلي أنه طارق بن مخاشن بخاء وستين معجمتين.
(عن أبي هريرة قال: أتي النبي ﷺ بلديغ لدغته عقرب، قال) أبو هريرة:
стр. 7248
فَقَالَ: "لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يُلْدَغْ، أَوْ لَمْ يَضُرَّهُ". [سي ٥٩٨]
٣٨٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن أَبِي بِشْرٍ، عن أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَهْطًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ ﷺ انْطَلَقُوا في سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، فَنَزُلوا بحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَقَالً بَعْضُهُمْ: إنَّ سَيّدَنَا لُدِغَ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدِكُمْ (١) شَيءٌ يَنْفَعُ صَاحِبَنَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: نَعَمْ، وَاللَّه إنِّي لأَرْقِي، وَلَكِنِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَأَبَيْتُمْ أَنْ تُضِيِّفُونَا،
===
(فقال) رسول الله ﷺ : (لو قال: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، لم يلدغ، أو) للشك، أي: سمها (لم يضره).
قال ابن رسلان: اعلم أن الأدوية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يضره، بخلاف الأدوية الطبيعية فإنها تنفع بعد حصول الداء.
٣٨٩٩ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري: أن رهطًا (٢) من أصحاب النبي ﷺ انطلقوا في سفرة سافروها، فنزلوا بحي من أحياء العرب) زاد البخاري: "فلم يقروهم"، (فقال بعضهم) أي: بعض الحي: (إن سيدنا لدغ (٣)، فهل عند أحدكم شيء ينفع صاحبنا؟ فقال رجل من القوم) أي: من الصحابة ﵃: (نعم، والله إني لأرقي) أي: لأعلم الرقية (ولكن استضفناكم فأبيتم أن تضيفونا)
стр. 7249
مَا أَنَا بِرَاقِ حَتَّى تَجْعَلُوا لِي جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ. فَأَتَاهُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ أُمَّ الْكِتَاب، وَيَتْفُلُ حَتَّى بَرَأَ، كَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ. قَالَ: فَأَوْفَاهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: اقْتَسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَسْتَأمِرَهُ (١). فَغَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمْ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ! أَحْسَنْتُمْ، اقْتَسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ". [خ ٢٢٧٦، م ٢٢٠١، ت ٢٠٦٤، جه ٢١٥٦، حم ٣/ ٢، "السنن الكبرى" للنسائي ٧٥٤٧]
===
من الضيافة (ما أنا براقٍ) لسيدكم (حتى تجعلوا لي جُعْلًا) أي: أجرًا (فجعلوا له قطيعًا) قيل: كان ثلاثون شاة (٢) (من الشاء) جمع شاة (فأتاه، فقرأ عليه أم الكتاب) وفي رواية الترمذي: "فقرأت عليه الحمد سبع مرات"، والراقي هو أبو سعيد الخدري، ويجمع بزاقه (ويتفل حتى برأ، كأنما أنشط) أي: حلَّ وأخرج (من عقال، قال: فأوفاهم) أي: أداهم (جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقالوا) أي قال بعضهم لبعض؟ (اقتسموا) وهذه القسمة إنما هي برضا للراقي لأن الغنم ملكه، إذ هو الذي فعل العوض الذي به استحقها, لكن طابت نفسه بالتشريك والمواساة.
(فقال الذي رقى: لا تفعلوا) أي: لا تفعلوا القسمة (حتى نأتي رسول الله ﷺ فنستأمره) أي: نستشيره، فإن أذن فعلنا، (فغدوا على رسول الله ﷺ فذكروا له) ذلك، (فقال رسول الله ﷺ ) تعجبًا: (من أين علمتم أنها) أي: الفاتحة (رقية؟ ! ) وقد روى الدارقطني (٣) من حديث أبي سعيد، وفيه: "وما يدريك أنها رقية"، فقال: يا رسول الله! شيء ألقي في رُوعي.
(أحسنتم، اقتسموا) أي: الشياه (واضربوا لي معكم بسهم)، وفي
стр. 7250
٣٩٠٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَا: نَا شُعْبَةُ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، عن الشَّعْبِيِّ، عن خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ التَّمِيمِيِّ، عن عَمِّهِ (١) قَال: أَقْبَلْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُول اللهِ ﷺ ، فَأَتَيْنَا عَلَى حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ قَالُوا: إنَّا أُنْبِئْنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ، فَهَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رُقْيَةٍ؟ فَإنَّ عِنْدَنَا مَعْتُوهًا في الْقُيُودِ. قَالَ: فَقُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: فَجَاؤُوا بِمَعْتُوهٍ (٢) في الْقُيُودِ، قَالَ: فَقَرَأتُ عَلَيْهِ بِفَاتِحَةِ (٣) الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً (٤)، أَجْمَعُ بُزَاقِي،
===
الحديث أعظم دليل على أن يجوز الأجرة على الرقي والطب، كما قاله الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد، وأما الأجرة على تعليم القرآن، فأجازها الجمهور بهذا الحديث وبرواية البخاري: "أن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله"، وحرَّمه أبو حنيفة، قاله ابن رسلان.
قلت: ولكن أجازه متأخرو الحنفية للضرورة.
٣٩٠٠ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي)، ح: (وحدثنا ابن بشار، نا محمد بن جعفر، قالا: نا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، عن خارجة بن الصلت التميمي، عن عمه) علاقة بن صحار التميمي (قال: أقبلنا من عند رسول الله ﷺ ، فأتينا على حي) أي: قبيلة (من العرب قالوا) أي: الحي: (إنا أنبئنا) أي أخبرنا (أنكم قد جئتم من عند هذا الرجل بخير) أي: فوز وفلاح (فهل عندكم من دواء أو رقية؟ فإن عندنا معتوهًا) مجنونًا مقيدًا (في القيود، قال) عم خارجة: (فقلنا: نعم، قال: فجاؤوا بمعتوه في القيود، قال: فقرأت عليه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية، أجمع بزاقي،
стр. 7251
ثُمَّ أَتْفُلُ قَالَ: فَكَأَنَّمَا نُشِطَ (١) مِنْ عِقَالٍ. قَالَ: فَأَعْطَوْنِي جُعْلًا، فَقُلْتُ: لَا، حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "كُلْ، فَلَعَمْرِي مَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ". [حم ٥/ ٢١١]
٣٩٠١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدّثَنَا أَبِي، وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، ثنَا ابْنُ جَعْفَرٍ، نَا شُعْبَةُ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، عن الشَّعْبِيِّ، عن خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ، عن عَمِّهِ أَنَّهُ قَالَ: "فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، كُلَّمَا خَتَمَهَا جَمَعَ بُزَاقَهُ ثمَّ تَفَلَ، فَكَأَنَمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَأَعْطَوْهُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ (٢) النَّبِيَّ ﷺ . بِمَعْنَى حَدِيثِ مُسَدَّدٍ". [حم ٥/ ٢١١]
===
ثم أتفل) أي: على المريض.
(قال: فكأنما نشط من عقال) أي: من قيد، (قال: فأعطوني جُعلًا) وهو مائة شاة (فقلت: لا، حتى أسأل رسول الله ﷺ ) فسألته (فقال: كل، فلعمري من أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق) (٣).
٣٩٠١ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، وحدثنا ابن بشار، ثنا ابن جعفر، نا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، عن خارجة بن الصلت، عن عمه أنه قال: فرقاه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية، كلما ختمها جمع بزاقه ثم تفل) أي: على المجنون، (فكأنما أنشط من عقال، فأعطوه شيئًا، فأتيت النبي ﷺ ، بمعنى حديث مسدد) المتقدم قبل هذا بأربعة أحاديث.
стр. 7252
٣٩٠٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ في (١) نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ (٢) وَأَمْسَحُ عَلَيْهِ بِيَدِهِ (٣) رَجَاءَ بَرَكتِهَا". [خ ٥٠١٦، م ٢١٩٢، جه ٣٥٢٩، حم ٦/ ١١٤ "السنن الكبرى" للنسائي ٧٥٤٤]
(٢٠) بَابٌ: في السُّمْنَةِ
٣٩٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى (٤)، نَا نُوحُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سَيَّارٍ،
===
٣٩٠٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ في نفسه بالمعوذات) بكسر الواو، وكان حقه المعوذتين, لأنهما سورتان، فجمع إما لإرادة هاتين السورتين وما يشبههما من القرآن، أو باعتبار أن أقل الجمع اثنان، وجاء في بعض الروايات أنه ﷺ كان يقرأ بسورة الإخلاص والمعوذتين، فهو من باب التغليب.
(وينفث) أي: ينفخ على نفسه الشريفة (فلما اشتد وجعه) ولم يقدر على أن يقرأ وينفث (كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيده) الشريفة (رجاء بركتها).
(٢٠) (بَابٌ: في السُّمْنَةِ)
بضم السين قاله في "القاموس" بالضم: دواء السِّمَنِ
٣٩٠٣ - (حدثنا محمد بن يحيى، نا نوح بن يزيد بن سيَّار) البغدادي
стр. 7253
نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "أَرَادَتْ أُمِّي أَنْ تُسَمِّنِّي (١) لِدُخُولِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: فَلَمْ أُقْبِلْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِمَّا ترِيدُ, حتَّى أَطْعَمَتْني الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ، فَسَمِنْتُ عَلَيْهِ كَأَحْسَنِ السِّمَنِ". [جه ٣٣٢٤]
===
أبو محمد المؤدب، قال محمد بن المثنى: سألت أحمد عنه فقال: اكتب عنه فإنه ثقة، حج مع إبراهيم بن سعد، وكان يؤدب ولده، وقال ابن سعد: كان ثقة وفيه غش، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(نا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أرادت أمي أن تُسَمنِّي) أي: تجعلني سمينًا (لدخولي على رسول الله ﷺ ، قالت) عائشة: (فلم أقبل عليها بشيء مما تريد) أي: ما استقام لي ذلك، وما حصل لي السمن بشيء مما أطعمتني أمي، (حتى أطعمتني القثاء بالرطب، فسمنت عليه كأحسن السمن) (٢).
وفيه دليل على تسمين المرأة لزوجها قبل الدخول السمن المعتدل دون المفرط، ويكون بالأشياء الرخيصة دون ما يستعمل في هذا الزمان بالأثمنة الكثيرة كالفستق ودهن اللوز والأهليلجات وغير ذلك مما يحتاج إلى ثمن كثير، بل يسمن برخيص الثمن، والسِّمَن مطلوب في الزوجة، كما يطلب الجمال وتحسين المرأة عند الدخول, لأنه أوقع في القلوب وجالب للمحبة وطول الصحبة، وفي الحديث: "ويل للمسمنات يوم القيامة" أي: اللاتي يستعملن السمنة، وهو دواء تسمن به المرأة بالثمن الكثير لتفتخر به على غيرها، أو لتحصل لها المنزلة الرفيعة في قلوب الرجال.
стр. 7254
(٢١) بَابٌ (١): في الْكُهَّانِ (٢)
٣٩٠٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عن حَكِيمٍ الأَثْرَمِ، عن أَبِي تَمِيمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَتَى كَاهِنًا"،
===
(٢١) (بَابٌ: في الْكُهَّان)
والكاهن: من يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويَدَّعِي معرفةَ الأسرار، فمنهم من له تابع من الجن يلقي إليه الأخبار، ومنهم من يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام أو فعل أو حال، ويخص باسم العرَّاف (٣)، وهو الذي يتعاطى مكان المسروق، ومكان الضالة ونحوهما، وحديث: "من أتى كاهنًا" يشمل الكاهن والعراف والمنجم، قالوا: وينبغي للمحتسب منعهم وتأديبهم، وأن يؤدب الآخذ والمعطي
٣٩٠٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، ح: ونا مسدد، نا يحيى، عن حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم) البصري، قال البخاري: لا يتابع في حديثه يعني عن أبي تميمة عن أبي هريرة، ولا نعرف لأبي تميمة سماعًا من أبي هريرة، وقال ابن عدي: يعرف بهذا الحديث.
(عن أبي تميمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أتى كاهنًا،
стр. 7255
قَالَ مُوسَى في حَدِيثِهِ: "فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ (١)، أَوْ أَتَى امْرَأَةً". قَالَ مُسَدَّدٌ: "امْرَأَتَهُ حَائِضًا، أَوْ أَتَى امْرَأَةً". قَالَ مُسَدَّد: "امْرَأَتَهُ في دُبُرِهَا: فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ". [ن ١٣٥، جه ٦٣٩، حم ٢/ ٤٠٨]
===
قال موسى) شيخ المصنف (في حديثه: فصدَّقه بما يقول، أو أتى امرأة، قال مسدد: امرأته حائضًا) أي: في فرجها، (أو أتى امرأة، قال مسدد: امرأته في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ ).
وهذا محمول على المستحلِّ، أو تغليظ، واختلفوا في وجوب الكفارة في إتيان الحائض، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا يجب عليه شيء، بل يستحب أن يتصدق إن وطئ في أول الحيض بدينار، وفي آخره بنصف الدينار، ويستغفر الله تعالى، وأما تحريم الوطء في الدبر فهو أغلظ تحريمًا من وطء الحائض, لأن الحائض إنما حرم وطؤها للنجاسة العارضة، وتحريم الدبر أولى لأن نجاسته لازمة.
وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه: أن ناسًا يتحدثون عنه أنه يجيز وطء المرأة في دبرها، فبعَّد من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل، وقال: كذبوا علي ثلاثًا، ثم قال: ألستم قومًا عربًا؟ ألم يقل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (٢)؟ وهل يكون الحرث إلَّا في موضع المنبت، قاله ابن رسلان.
قلت: وهذه المسألة متفق عليها في جميع الأديان من الإِسلاميين واليهود والنصارى وغيرهم، وخالف فيها الروافض، فإنهم جوَّزوها، ونقلوا جوازها عن أئمتهم، وهو كذب على الأئمة ﵃.
стр. 7256
(٢٢) بَابٌ (١): في النُّجُومِ
٣٩٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُسَدَّدٌ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا يَحْيَى، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَخْنَسِ، عن الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ، اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ". [جه ٣٧٢٦، حم ١/ ٢٢٧]
===
(٢٢) (بَابٌ: في النُّجُومِ)
٣٩٠٥ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومسدد، المعنى، قالا: نا يحيى، عن عبيد الله ابن الأخنس، عن الوليد بن عبد الله، عن يوسف بن ماهك، عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : من اقتبس علمًا من النجوم، اقتبس شعبة من السحر (٢)، زاد ما زاد) أي: من زاد في علم النجوم زاد من السحر بقدر ما زاد، فكما أن تعلم السحر والعمل به حرام، فكذا تعلم النجوم والكلام فيه حرام، والمنهي عنه ما يدعيه أهل التنجيم من علم الحوادث والكوائن التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، ويزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، وهذا علم استأثر الله به.
وأما علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة، فغير داخل فيما نهي عنه، ومن المنهي عنه التحدث بمجيء المطر ووقوع الثلج وهبوب الرياح وتغير الأسعار.
وفي قوله: "زاد ما زاد"، النهي عن الزيادة على قدر الحاجة من القبلة والوقت، قاله ابن رسلان.
стр. 7257
٣٩٠٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الله، عن زيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْصُّبْحِ بالْحُدَيْبِيَةِ في أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاس فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ "، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ (١)،
===
٣٩٠٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله، عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلّى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية) بضم الحاء المهملة وفتح الدال وخفة المثناة تحت قبل الباء عند بعض المحققين، وقال أكثر المحدثين بتشديدها، سميت ببئر هناك عند شجرة الرضوان.
(في أثر) بفتح الهمزة والثاء المثلثة، وبكسر الهمزة وسكون المثلثة (سماء) أي: مطر (كانت من الليل) وسمَّى المطر سماء لأنه ينزل من السماء، (فلما انصرف) أي: من الصلاة (أقبل على الناس) أي: توجه بوجهه إليهم (فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم) وهذا حسن الأدب من الصحابة ﵃.
(قال) رسول الله ﷺ : قال الله ﵎: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر) قال القرطبي: ظاهره أنه الكفر الحقيقي لأنه قابل المؤمن الحقيقي، فيحمل على من اعتقد أن المطر من فعل الكواكب، وخلقها, لا من فعل الله كما يعقله بعض جهال المنجمين والطباعيين، فأما من اعتقد أن الله هو خالق المطر، ثم تكلم بهذا القول فليس بكافر لكنه مخطئ.
стр. 7258
فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ (١) مُؤْمِنٌ بِي، (٢) كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي، مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ". [خ ١٠٣٨، م ٧١، ن ١٥٢٥]
===
(فأما من قال: مطرنا بفضل الله) تعالى (وبرحمته، فذلك مؤمن بي) و (كافر بالكوكب)، فإنه يعتقد أن الكواكب من مخلوق الله تعالى، ليس له تدبير ولا خلق ولا ضر ولا نفع.
(وأما من قال (٣): مطرنا بنوء كذا وكذا) النوء لغة: هو النهوض بثقل، يقال: ناء بكذا أنهض به متثاقلًا، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ (٤) أي: لتثقلهم عنه النهوض، وكانت العرب تقول: إذا طلع نجم من المشرق وسقط آخر من المغرب، يحدث عنه ذلك مطر أو ريح، فمنهم من ينسبه إلى الطالع، ومنهم من ينسبه إلى الغارب والثاقب، فنهى الشارع عن هذا القول لئلا يتشبه بهم في نطقهم. (فذلك كافر (٥) بي، مؤمن بالكوكب).
стр. 7259
(٢٣) [بَابٌ: في الْخَطِّ وَزَجْرِ الطَّيْرِ]
٣٩٠٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، نَا عَوْفٌ، نَا حَيَّانُ- قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ: ابْنُ الْعَلَاءِ- قَالَ: نَا قَطَنُ بْنُ قَبِيْصَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: سمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ
===
(٢٣) (بَابٌ: في الْخَطِّ وَزَجْرِ الطَّيْرِ)
هذه الترجمة مذكورة على الحاشية، وفي بعض النسخ في المتن
٣٩٠٧ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، نا عوف، نا حيان، قال غير مسدد) ولم يذكره من هو من شيوخ المصنف: (ابن العلاء) أي: حبان بن العلاء نسبه إلى أبيه، وأما مسدد فقال: حبان فقط، ولم ينسبه إلى أبيه، قال في "تهذيب التهذيب": حبان بن العلاء، عن قطن بن قبيصة حديث العيافة والطيرة والطرق من الجبت، وقيل: عن حبان لم ينسب، وقيل: عن حبان أبي العلاء، وقيل: عن حبان ابن عمير، وقال إسحاق بن منصور عن أحمد ويحيى: ليس هو ابن عمير، وقال ابن حبان في "الثقات": حبان بن مخارق أبو العلاء، عن قطن بن قبيصة، عن أبيه.
(قال: نا قطن بن قبيصة) بن المخارق الهلالي، أبو سهلة البصري، قال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له عندهما حديث في الطيرة، (عن أبيه) قبيصة بن المخارق بن عبد الله الهلالي البصري، وفد على النبي ﷺ ، وروى عنه، كنيته أبو بشر، كانت له دار بالبصرة.
(قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: العيافة) بكسر العين المهملة وفاء بعد الألف، هي زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادة العرب كثيرًا، ومنه قول لبيد:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع
(والطيرة) بكسر الطاء وفتح المثناة تحت، وقد تسكن، وهي التشاؤم بالشيء، وكان هذا يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشارع وأبطله ونهى عنه، وأبطل أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضرر.
стр. 7260
وَالطَّرْقُ مِنَ الْجِبْتِ". الطَّرْقُ: الزَّجْرُ، وَالْعِيَافَةُ: الْخَطُّ. [حم ٥/ ٦٠]
٣٩٠٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارِ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: قَالَ عَوْفٌ: "الْعِيَافَةُ: زَجْرُ الطَّيْرِ، وَالطَّرْقُ: الْخَطُّ يُخَطُّ (١) في الأَرْضِ". [ق ٨/ ١٣٩]
(٢٤) بَابٌ: في الطِّيَرَةِ وَالْخَطِّ
٣٩٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عن سَلَمَةَ بْنِ
===
(والطرق) بالطاء المهملة المفتوحة وسكون الراء، وهو الضرب بالحصى الذي تفعله النساء (من الجبت) المذكور في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ (٢)(٣)، فالجبت: إبليس، والطاغوت: أولياؤه، والمراد أن هذه الثلاث مما يوسوس به إبليس ويأمر به أولياؤه الذين يطيعونه.
قال أبو داود: (الطرق: الزجر (٤)) للطير، فإذا زجروها تيامنوا إذا طارت لجهة اليمين، وتشاءموا بها إذا طارت للشمال، يتفاءلون بطيرانها كالسانح والبادح، وهو نوع من الكهانة (والعيافة: الخط) أي: في الرمل.
٣٩٠٨ - (حدثنا ابن بشار قال: قال محمد بن جعفر: قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط في الأرض) أي: في الرمل، أو يؤخذ منها وببسط في التحت، كما هو معروف للمنجمين، قاله ابن رسلان.
(٢٤) (بَابٌ: في الطِّيَرَةِ والْخَطِّ)
٣٩٠٩ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان عن سلمة بن
стр. 7261
كُهَيْلٍ، عن عِيسَى بْن عَاصِمٍ، عن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسعودٍ، عن رَسُولِ اللهِ (١) ﷺ قَالَ: "الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيرَةُ شِرْكٌ- ثَلَاثًا- وَمَا مِنَّا إلَّا، وَلَكِنَّ اللَّه يُذْهِبُهُ بِالْتَّوَكُّلِ". [ك ١/ ٦٤، حب ٦١٢٢، جه ٣٥٣٨، ق ٨/ ١٣٩، حم ١/ ٣٨٩]
٣٩١٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، نَا يَحْيَى، عن الْحَجَّاجِ الصَّوَافِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عن هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ؟
===
كهيل، عن عيسى بن عاصم) الأسدي الكوفي، قال أبو طالب عن أحمد: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له عندهم حديث زر، عن عبد الله في الطيرة، قلت: وقال الحاكم: كوفي ثقة، (عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: الطيرة شرك، الطيرة شرك، ثلاثًا) أي: قال هذه الكلمة ثلاثًا.
(وما منا) أحد (إلَّا) أي: إلَّا ويعتريه شيء منه في أول الأمر قبل التأمل فيختلج في صدره، (ولكن الله) تعالى (يذهبه بالتوكل) على الله .
٣٩١٠ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن الحجاج الصواف، حدثني يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت: يا رسول الله! ومنا رجال يَخطُّون؟ ) قال ابن عباس في تفسير هذا الحديث: الخط هو الذي يخطه الحازي، بالحاء المهملة والزاي، هو الحزاء، وهو الذي ينظر في المغيبات بظنه، وهو علم قد تركه الناس، فيأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلوانًا، فيقول له: اقعد حتى أَخُطَّ لك، وبين يدي الحازي غلام له معه مِيلٌ، ثم يأتي إلى أرض رِخْوة فيخطُّ فيها
стр. 7262
قَالَ: "كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطُّهُ، فَذَاكَ". [م ٥٣٧، ت ١٦١٤، جه ٣٥٣٨، حم ١/ ٣٨٩]
٣٩١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا عَدْوَى،
===
خطوطًا كثيرة في أربعة أسطر بالعَجَلة لئلا يلحقها العَدَدُ، ثم يرجع فيمحو منها على مهل خطَّين خطَّين وغلامه يقول للتفاؤل: أي عيان أسرع البيان (١)، فإن بقي خطان فهو علامة النُّجح (٢)، وإن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة.
وهذا علم معروف، للناس فيه تصانيف كثيرة، وهو معمول به إلى الآن ويستخرجون به الضمير، وهو ضرب من الكهانة.
(قال: كان نبيٌّ من الأنبياء يخطُّ، فمن وافق خطه) خطه بالنصب (فذاك) مصيب، لكن لا يدري الموافقة (٣)، فلا يباح، أو فلا يعرف المصيب، فلا ينبغي الاشتغال بمثله، والحاصل أنه منع عن ذلك.
٣٩١١ - (حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني والحسن بن علي قالا: نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا عدوى) العدوى مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره بالمجاورة والقرب، وبظاهره يخالف ما يأتي من أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "لا يوردن ممرض على مصح"، وأيضًا وقع في "البخاري" (٤) وغيره: "فر من
стр. 7263
وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ"
===
المجذوم فرارك من الأسد"، وهذان الحديثان يثبتان العدوى، فاختلفوا في وجه الجمع بينهما، فقال بعضهم: نفي العدوى هو الأصل، وأما الحديثان الآخران فهما محمولان على سد الذرائع لا على إثبات العدوى، وقال بعضهم: إن الأصل فيه هذان الحديثان، أي بأن الله سبحانه على جري عادته يعدي المرض من حيوان إلى آخر بسبب المخالطة، ونفي العدوى محمول على أنه لا عدوى بالذات، بل هو بجري عادة الله (١).
(ولا صفَر) بفتح الفاء، قيل: هو ما كانت الجاهلية تعتقد، أن في البطن دابة كالحية تهيج عند جوع الآدمي وتؤذيه، فأبطله الإسلام، وقيل: أراد به النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وهو تأخير شهر المحرم إلى صفر، ويجعلون صفر هو الشهر الحرام، فأبطله الله في الإِسلام.
(ولا هامة) بتخفيف الميم على المشهور، ورجح القرطبي التشديد، وفيه تأويلان: أحدهما: أن العرب كانت تتشاءم بالهامة، وهي الطائر المعروف من طير الليل، قيل: هي البومة، كانوا إذا أسقط على دار أحدهم رآها ناعية له بعينه أو بعض أهله، هذا تفسير مالك.
والثاني: أن العرب كانت تعتقد أن (٢) روح الآدمي، وقيل: عظامه تنقلب هامة يطير ويسمَّونها الصدى. وقيل: روح القتيل الذي لا تدرك بثأره يصير هامة، فيقول: اسقوني، فإذا أدرك بثأره طارت، والثاني قول أكثر العلماء، قاله ابن رسلان.
стр. 7264
فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: مَا بَالُ الإبِلِ تَكُونُ في الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا؟ قَالَ: "فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ"؟
قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَحَدَّثَنِي رَجُلٌ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ (١) ﷺ يَقُولُ: "لَا يُورَدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ"، قَالَ: فَرَاجَعَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ حَدَّثْتَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا عَدْوَى، وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ"؟
===
(فقال أعرابي: ما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء) أي: من حسن جسمها، (فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ ) ولفظ مسلم: "فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها كلها"، وبيانه أنهم كانوا يعتقدون أن المريض إذا دخل في الأصحاء أمرضهم وأعداهم، وكذلك في الإبل فأبطله النبي ﷺ ، ثم إنهم لما أوردوا على النبي ﷺ الشبهة العارضة لهم على ذلك في الإبل، فأقطع النبي ﷺ حجتهم، وأزاح شبهتهم بكلمة واحدة، وهي (قال: فمن أعدى) الجمل (الأول؟ ) ومعنى ذلك أن البعير الأجرب الذي أجرب هذه الصحاح على زعمهم، من أين جاءه الجرب؟ من قبل نفسه؟ أم من بعير آخر؟ فيلزم التسلسل، فظهر أن الذي فعل الأول والثاني هو الله تعالى الخالق لكل شيء.
(قال معمر: قال الزهري: فحدثني رجل، عن أبي هريرة، أنه سمع النبي ﷺ يقول: لا يوردن ممرض) بكسر الراء، ومفعول لا يوردن محذوف، أي: لا يورد صاحب الإبل المراض إبله المراض (على مصح) بكسر الصاد، على صاحب الإبل الصحاح.
(قال: فراجعه) أي أبا هريرة (الرجل) الراوي عنه (فقال) أي الرجل: (أليس قد حدثتنا) قبل ذلك (أن النبي ﷺ قال: لا عدوى، ولا صفر، ولا هامة؟ )
стр. 7265
قَالَ: لَمْ أَحَدِّثْكُمُوهُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَدْ حَدَّثَ (١) بِهِ، وَمَا سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ نَسِيَ حَدِيثًا قَطُّ غَيْرَهُ. [خ ٥٧١٧، م ٢٢٢٠، حم ٢/ ٢٦٧]
٣٩١٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عن الْعَلَاءِ، عن أَبِيهِ، عنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا عَدْوَى، وَلَا هَامَةَ، وَلَا نوْءَ، وَلَا صَفَرَ". [م ٢٢٢٠، حم ٢/ ٣٩٧]
٣٩١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ الْبَرْقِيُّ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ:
===
والآن تحدث خلاف ذلك، لا يوردن ممرض على مصح (قال) أبوهريرة: (لم أحدثكموه، قال الزهري: قال أبو سلمة: قد حدث به، وما سمعت أبا هريرة نسي حديثًا قط غيره).
٣٩١٢ - (حدثنا القعنبي، نا عبد العزيز -يعني ابن محمد- عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا عدوى، ولا هامة، ولا نوء) وهي ثمانية وعشرون منزلة، ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ويسقط في المغرب كل ثلاثة عشر ليلة منزلة مع طلوع الفجر، ويطلع أخرى مقابلها (٢) ذلك الوقت في الشرق، فتسقط جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط منزلة وطلوع رقيبها يكون مطر، فينسبون إليها ويقولون: مطرنا بنوء كذا (٣).
(ولا صفر) تقدم معناه.
٣٩١٣ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن البرقي) بفتح الباء الموحدة وسكون الراء، (أن سعيد بن الحكم حدثهم قال: أخبرنا يحيى بن أيوب قال:
стр. 7266
حَدَّثَني ابْنُ عَجْلَانَ قَالَ: حَدَّثَني الْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيمٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَم وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا غُوْلَ".
٣٩١٤ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ وَأَنا شَاهِدٌ: أَخْبَرَكُمْ أَشْهَبُ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عن قَوْلِهِ: "لَا صَفَرَ"، قَالَ: إنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُحِلُّونَ صَفَرَ، يُحِلّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا صَفَرَ".
٣٩١٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا عَدْوَى، وَلَا طِيرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْل
===
حدثني ابن عجلان قال: حدثني القعقاع بن حكيم وعبيد الله بن مقسم وزيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لا غول) بضم الغين، نوع من الجن كانوا يرون أن له تأثيرًا في الإضلال عن الطريق والإهلاك، وأنه يتصور بصور مختلفة، فنفى الشارع التأثير، وليس هذا نفيًا لِعَين الغول ووجوده فقد جاء: أن الأَذان يدفع الغيلان.
٣٩١٤ - (قال أبو داود: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهد: أخبركم أشهب قال: سئل مالك عن قوله: لا صفر، قال: إن أهل الجاهلية كانوا يُحلُّون صفر) أي: يجعلونه حلالًا (يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا) كان العرب يحرمون الأشهر الأربعة، وكانوا أصحاب حروب، وإنما كان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، فيحرمونه، ثم يردون التحريم إلى المحرم، ولا يفعلون ذلك إلَّا في ذي الحجة إذا اجتمعت العرب للموسم.
(فقال النبي ﷺ : لا صفر) أي: لا يؤخر المحرم إلى صفر.
٣٩١٥ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ قال: لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل
стр. 7267
الصَّالِحُ، وَالْفَأْلُ الصَّالِحُ: الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ". [حم ٣/ ١٣٠، خ ٥٧٥٦، م ٢٢٢٤، ت ١٦١٥، جه ٣٥٣٧]
٣٩١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، نَا بَقِيَّةُ قَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ: قَوْلُهُ: "هَامَةُ"؟ قَالَ: كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ يَمُوتُ فَيُدْفَنُ إلَّا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ هَامَةٌ. قُلْتُ: فَقَوْلُهُ "صَفَرَ"؟ قَالَ: سَمِعْنَا (١) أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ (٢) يَسْتَشْئِمُونَ بِصَفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا صَفَرَ". قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَدْ سَمِعْنَا مَنْ يَقُولُ: هُوَ وَجَعٌ يَأَخُذُ في الْبَطْنِ، فكَانُوا يَقُولُونَ: هُوَ يُعْدِي، فَقَالَ: "لَا صَفَرَ".
٣٩١٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، عن سُهَيْلٍ،
===
الصالح، والفأل الصالح: الكلمة الحسنة) يسمعها الإنسان.
٣٩١٦ - (حدثنا محمد بن المصفى، نا بقية قال: قلت لمحمد بن راشد) المكحول (٣): (قوله: هامة) أي: ما معناه؟ (قال) أي: محمد بن راشد: كانت الجاهلية تقول: ليس أحد يموت فيدفن إلَّا خرج من قبره هامة، قلت: فقوله: صفر؟ قال) محمد بن راشد: (سمعنا أن أهل الجاهلية يستشئمون) أي: يتشاءمون (بصفر، فقال النبي ﷺ : لا صفر، قال) محمد بن راشد: (وقد سمعنا من يقول: هو وجع يأخذ في البطن، فكانوا يقولون: هو يعدي، فقال: لا صفر).
٣٩١٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، عن سهيل،
стр. 7268
عن رَجُلٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) ﷺ سمِعَ كَلِمَةً، فَأَعْجَبَتْهُ، فَقَالَ: "أَخَذْنَا فَأْلَكَ مِنْ فِيكَ". [حم ٢/ ٣٨٨]
٣٩١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، نَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عن عَطَاءٍ قَالَ: "يَقُولُ نَاسٌ: الصَّفَرُ (٢) وَجَعٌ يَأْحُذُ في الْبَطْنِ، قُلْتُ: فَمَا الْهَامَةُ (٣)؟ قَالَ: يَقُولُ نَاسٌ: الْهَامَةُ الّتِي تَصْرُخُ: هَامَةُ النَّاسِ، وَلَيْسَتْ بِهَامَةِ الإنْسَانِ، إنَّمَا هِيَ دَابَّةٌ".
٣٩١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ شَيْبَةَ، الْمَعْنَى،
===
عن رجل) لم يسم، (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ سمع كلمة، فأعجبته) أي الكلمة لحسنها (فقال) رسول الله ﷺ : (أخذنا فألك من فيك) تقريره: قد أخذنا فألك الحسن أيها المتكلم من فيك، وإن لم تقصد خطابنا، وإنما يعجبه الفأل لأن فيه الأمل والرجاء من الله ، وفي الطيرة وغيرها سوء الظن بالله بوقوع النبلاء، فأبطله.
٣٩١٨ - (حدثنا يحيى بن خلف، نا أبو عاصم، نا ابن جريج، عن عطاء قال: يقول ناس: الصفر وجع يأخذ في البطن، قلت: فما الهامة؟ ) هذا قول ابن جريج (قال) عطاء: (يقول ناس: الهامة التي تصرخ: هامة الناس) أي التي تصرخ لهم وتنزل في بيوتهم يتشاءمون بها.
(وليست بهامة الإنسان) التي تخرج من عظام الميت أو رأسه، وتنقلب فتصير هامة تطير، ويسمى ذلك الطائر: الصدى، (إنما هي دابة) معروفة تسمى: البوم.
٣٩١٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي شيبة، المعنى،
стр. 7269
قَالَا: نَا وَكِيعٌ، عن سُفْيَانَ، عن حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عن عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ - قَالَ أَحْمَدُ: الْقُرَشِيِّ- قَالَ: ذُكِرَتِ (١) الطِّيَرَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فَإذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِكَ". [ق ٨/ ١٣٩]
٣٩٢٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ، عن قَتَادَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبيهِ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيءٍ، وَكَانَ إذَا بَعَثَ عَامِلًا (٢)
===
قالا: نا وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن عامر) القرشي، ويقال: الجهني المكي، روى عن النبي ﷺ مرسلًا في الطيرة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: أثبت غير واحد له صحبة، وشك فيه بعضهم، وروايته عن بعض الصحابة لا تمنع أن يكون صحابيًا، والظاهر أن رواية حبيب عنه غفلة.
(قال أحمد) بن حنبل شيخ المصنف: (القرشي) أي عروة بن عامر القرشي، (قال) أي عروة، (ذكرت الطيرة عند النبي ﷺ ، فقال: أحسنها الفأل) قال في "النهاية" (٣): جاءت الطيرة بمعنى الجنس، والفأل بمعنى النوع (ولا ترد) الطيرة (مسلمًا) عن المضي فيما يقصده.
(فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: "اللَّهُمَّ لا يأتي بالحسنات إلَّا أنت، ولا يدفع السيئات إلَّا أنت، ولا حول ولا قوة إلَّا بك") أي: إلَّا بقدرتك وتوفيقك.
٣٩٢٠ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه) بريدة: (أن النبي ﷺ كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملًا
стр. 7270
سَأَلَ عن اسْمِهِ، فَإذَا أَعْجَبَهُ اسْمُهُ فَرِحَ بِهِ، وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ في وَجْهِهِ. وَإنْ كَرِهَ اسْمَهُ، رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ في وَجْهِهِ. وَإذَا دَخَلَ قَرْيَةً سَألَ عن اسْمِهَا، فَإذَا أَعْجَبَهُ اسْمُهَا فَرِحَ بِهَا، وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ في وَجْهِهِ. وَإنْ كَرِهَ اسْمَهَا، رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ في وَجْهِهِ". [حم ٥/ ٣٤٧]
٣٩٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا أَبَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، أَنَّ الْحَضْرَمِيَّ بْنَ لَاحِقٍ
===
سأل عن اسمه، فإذا أعجبه اسمه فرح به، ورئي بشر ذلك) أي: بشارة ذلك (في وجهه، وإن كره اسمه، رئي كراهية ذلك في وجهه) لانتفاء التفاؤل لا للتشاؤم والتطير.
(وإذا دخل قرية سأل عن اسمها، فإذا أعجبه اسمها فرح بها، ورئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رئي كراهية ذلك في وجهه).
قال محيي السنَّة (١): ينبغي أن يختار الرجل لأولاده وخدمه الأسماء الحسنة، فإن الأسماء المكروهة قد توافق القدر، فإن رجلًا لو سمَّى ابنه بخسار، فربما جرى قضاء الله بأن يلحق خسار ذلك المسمى بخسار، فيعتقد بعض الناس أنه بسبب اسمه فيتشاءمون به، فيحترزون عنه، ويصير معروفًا بالشؤم، فلا ينبغي أن يسمى باسم ليصير بسببه مبغوضًا.
وسبب كراهته الاسم القبيح للقرية؛ لئلا يحصل لهم في القرية مكروه، فيحدث لهم التشاؤم.
٣٩٢١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا أبان قال: حدثني يحيى، أن الحضرمي بن لاحق) التميمي السعدي الأعرج اليمامي، قال يحيى بن معين: ليس به بأس، وليس هو بحضرمي بن لاحق، وقال أبو حاتم: الحضرمي اليمامي، وحضرمي بن لاحق هما عندي واحد، وقال عكرمة بن عمار: كان فقيهًا، وخرجت معه إلى مكة سنة مائة، وذكره ابن حبان في "الثقات"،
стр. 7271
حَدَّثَهُ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عن سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "لَا هَامَةَ، وَلَاَ عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَإنْ تَكُنِ الطّيَرَةُ في شَيءٍ فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ". [حم ١/ ١٨٠]
٣٩٢٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، نَا مَالِكٌ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن حَمْزَةَ
===
قلت: وفرق بين الحضرمي بن لاحق وحضرمي الذي يروي عنه سليمان التيمي، فقال في الثاني: لا أدري من هو؟ ولا ابن من هو؟ انتهى كلامه.
وكذلك قال ابن المديني: حضرمي شيخ بالبصرة، روى عنه التيمي، مجهول، وكان قاصًّا, وليس هو بحضرمي بن لاحق.
قلت: والذي يظهر لي أنهما اثنان.
(حدثه عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن مالك، أن رسول الله ﷺ كان يقول: لا هامة، ولا عدوى، ولا طيرة، وإن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار).
قال القرطبي: لا نظن أن الذي رخص فيه من الطيرة في هذه الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد، كأنها كانت لا تقدم على ما تطيرت به ولا تفعله بوجه، فإن هذا ظن خطأ، وإنما معنى ذلك أن هذه الثلاثة المذكورة أكثر ما يتشاءم الناس ويتطيرون بها لملازمتها الفرس التي يرتبطونها للجهاد ونحوه، والمرأة التي يتزوجونها خصوصًا أن جاء منها أولاد، والدار التي يسكنونها، فمن وقع له شيء من ذلك فقد أباح الشرع له أن يتركه ويستبدل به غيره بما تطيب به نفسه، ويسكن له خاطره، ولم يلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه أو يستمر مع امرأة يكرهها، بل قد فسح له في ترك ذلك كله ببيع وعتق وطلاق ونحو ذلك.
٣٩٢٢ - (حدثنا القعنبي، نا مالك، عن ابن شهاب، عن حمزة (١)
стр. 7272
وَسَالِمٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الشُّؤْمُ في الدَّارِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ". [خ ٥٧٥٣، م ٢٢٢٥، ت ٢٨٢٤، ن ٣٥٦٩، حم ٢/ ١١٥]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْن مِسْكِينٍ وَأَنا شَاهِدٌ: أَخْبَرَكَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عن الشَّؤْمِ في الفَرَسِ وَالدَّارِ؟ قَالَ: "كَمْ مِنْ دَارٍ سَكَنَهَا قَوْمٌ (١) فَهَلَكُوا؟ ! ثُمَّ سَكَنَهَا آخَرُونَ، فَهَلَكُوا، فَهَذَا تَفْسِيرُهُ فِيمَا نُرَى، وَاللهُ أَعْلَمُ" (٢).
===
وسالم ابني عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: الشؤم في الدار، والمرأة، والفرس).
(قال أبو داود: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهد: أخبرك ابن القاسم قال: سئل مالك عن الشؤم في الفرس والدار؟ قال: كم من دار سكنها قوم فهلكوا؟ ! ثم سكنها آخرون، فهلكوا، فهذا تفسيره (٣) فيما نرى، والله أعلم).
اختلفت الروايتان بظاهرهما، فإن أولاهما تقتضي نفي الشؤم والطيرة في الفرس والدار والمرأة، والثانية تثبتها.
ووجه الجمع بينهما ما كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀: أن الطيرة بمعنى الشؤم الذاتي (٤)، والنحوسية الخلقية منتفية حيث أوردها بلفظ "إن" الشرطية الدالة على أنه غير واقع، فالمعنى لو تحقق الشؤم بهذا المعنى لكان في هذه الثلاثة، لكنه غير متحقق فيها فلا يتحقق في
стр. 7273
٣٩٢٣ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ (١) قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ فَرْوَةَ بْنَ مُسَيْكٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرْضٌ عِنْدَنَا يُقَالُ لَهَا أَرْضُ أَبْيَنَ، هِيَ أَرْضُ رِيفِنَا وَمِيرَتِنَا، وَإنَّهَا وَبِئَةٌ - أَوْ قَالَ: وَبَاؤُهَا شَدِيدٌ - فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعْهَا عَنْكَ، فَإنَّ مِنَ الْقَرَفِ التَّلَفَ". [حم ٣/ ٤٥١]
===
شيء، وأما الشؤم بمعنى ما يلحق من المضار أحيانًا أو قلة الجدوى في بعض أفرادها نسبة إلى البعض الآخر منها فغير منفي، بل أثبته بعد بقوله: الشؤم في الدار إلى آخره.
فالحاصل أن النفي والإثبات راجعان إلى شيئين لا إلى شيء واحد، فلا تعارض، وعلى هذا يحمل قوله: "كم من دار سكنها قوم فهلكوا"، فإن هلاكهم ليس لأثر ذاتي في نفس الدار، بل لما عارضها من أمور معترضة من كثافة الهواء وخباثة الأرض وغير ذلك.
٣٩٢٣ - (حدثنا مخلد بن خالد وعباس العنبري قالا: نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن يحيى بن عبد الله بن بحير) بفتح الموحدة وكسر المهملة، ابن ريسان المرادي اليماني، ابن أبي وائل القاص، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(قال: أخبرني من سمع فروة بن مسيك قال: قلت: يا رسول الله! أرض عندنا يقال لها أرض أبين) أي: اسمها هذا (هي أرض ريفنا) أي: زرعنا (وميرتنا) أي: طعامنا (وإنها وبئة) أي: كثيرة الوباء (أو قال: وباؤها شديد، فقال النبي ﷺ : دعها) أي: الأرض (عنك، فإن من القرف) بفتحتين ملابسة الداء وملاقاة المرض (التلف) هو الهلاك يعني من قارب متلفًا يتلف، يعني إذا لم يكن هواء تلك الأرض موافقًا لك فاتركها, وليس هذا من باب العدوى،
стр. 7274
٣٩٢٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، نَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، عن عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عن إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن أَنسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، إنَّا كُنَّا في دَارٍ كَثيرٌ فِيهَا عَدَدُنَا، وَكَثير فِيهَا أَمْوَالُنا، فَتَحَوَّلْنَا إلَى دَارٍ أُخْرَى، فَقَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا، وَقَلَّتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَرُوهَا ذَمِيمَةً". [ق ٨/ ١٤٠]
٣٩٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا مُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عن حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ،
===
إنما هو من باب الطب، فإن استصلاح الهواء عن أعون الأشياء على صحة الأبدان، وفساد الهواء من أسرع الأشياء إلى الأسقام (١).
٣٩٢٤ - (حدثنا الحسن بن يحيى، نا بشر بن عمر، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: قال رجل: يا رسول الله ﷺ ، إنا كنا في دار كثير فيها عددنا، وكثير فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى، فقلَّ فيها عددنا، وقلَّت فيها أموالنا، فقال رسول الله ﷺ : ذروها ذميمة).
هذا أيضًا ليس من الطيرة ولا العدوى، بل من الطب، فإن الهواء مختلف، فبعضها توافق الطباع، وبعضها تخالفها، والأرض الأولى كان هواؤها وماؤها ونباتها كانت موافقة لهم، والدار الثانية التي انتقلوا إليها مخالفة لهم، وأمرهم أن يتركوها إرشادًا إلى المصالح الدنيوية والدينية، ومعنى قوله: ذميمة، أي: اتركوا هذه الدار فإنها مذمومة، فعيلة بمعنى مفعولة.
٣٩٢٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يونس بن محمد، نا مفضل بن فضالة، عن حبيب بن الشهيد، عن محمد بن المنكدر،
стр. 7275
عن جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ، فَوَضَعَهَا مَعَهُ في الْقَصْعَةِ، وَقَالَ: "كُلْ، ثِقَةً بِاللَّهِ، وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ" (١). [١٨١٧، جه ٣٥٤٢]
آخِرُ كِتَابِ الطِّبِّ (٢)
===
عن جابر: أن رسول الله ﷺ أخذ بيد مجذوم)، وهذا المجذوم هو معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي (٣)، حليف بني أمية، من مهاجرة الحبشة.
(فوضعها معه في القصعة)، وهذا فعله لبيان الجواز، وأما قوله (٤) ﷺ : "فر من المجذوم، كفرارك من الأسد"، فمحمول على الاحتياط.
(وقال: كل) بسم الله، (ثقة (٥) بالله، وتوكلًا (٦) عليه).
آخِرُ كِتَابِ الطِّبِّ
стр. 7276
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
(٢٣) أَوَّلُ كِتَابِ الْعِتْقِ (١)(١) أَبْوَابُ الْعِتْقِ
٣٩٢٦ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: نَا أَبُو بَدْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُتْبَةَ (٢) إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمٍ،
===
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
(٢٣) أَوَّلُ كِتَابِ الْعِتْقِ (٣)(١) (أَبْوَابُ الْعِتْقِ)
٣٩٢٦ - (حدثنا هارون بن عبد الله قال: نا أبو بدر قال: حدثني أبو عتبة إسماعيل بن عياش قال: حدثني سليمان بن سليم،
стр. 7277
عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ (١) دِرْهَمٌ". [ق ١٠/ ٣٢٤]
٣٩٢٧ - حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، نَا هَمَّامٌ، نَا عَبَّاسٌ الْجُرَيرِيُّ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِئَةِ أُوْقِيَّةٍ، فَأَدَّاهَا إلَّا عَشْرَةَ أَوَاقٍ، فَهُوَ عَبْدٌ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِئَةِ دِينَارٍ، فَأَدَّاهَا إلَّا عَشْرَةَ دَنَانِيرَ، فَهُوَ عَبْدٌ". [ت ١٢٦٠، جه ٢٥١٩، حم ٢/ ١٨٤]
===
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم).
٣٩٢٧ - (حدثنا محمد بن المثنى، حدثني عبد الصمد، نا همام، نا عباس) بالموحدة والسين المهملة (الجريري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: أيما عبد كاتب على مئة أوقية، فأداها إلَّا عشرة أواق، فهو عبد، وأيما عبد كاتب على مئة دينار، فأداها) أي: إلى سيده (إلَّا عشرة دنانير، فهو عبد) (٢)، فهذا الحديث فيه حجة لما عليه الجمهور (٣)، أن المكاتب عبد وإن أدى أكثر ما عليه، ولا يعتق حتى يؤدي جميع ما عليه.
وقال علي ﵁: يعتق منه بقدر ما أدى، وذكر أبو بكر والقاضي وأبو الخطاب من الحنابلة: أنه إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة، فعجز
стр. 7278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
[عن] ربعها يعتق, لأنه يجب رده إليه، فلا يرد إلى الرق لعجزه عنه، واستدلوا بحديث (١) ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أصاب المكاتب حدًا أو ميراثًا وَرِث بحساب ما عتق منه، وُيؤدي المكاتب بحصة ما أدى، دية حر، وما بقي، دية عبد"، رواه الترمذي (٢) وقال: حديث حسن.
وروي عن عمر وعلي أنه إذا أدى الشطر فلا رق عليه، وروي ذلك عن النخعي، وقال عبد الله بن مسعود: إذا أدى قدر قيمته فهو غريم، وقضى به شريح، وقال الحسن في المكاتب: إذا عجز استسعي بعد العجز سنتين، قاله ابن رسلان.
(قال أبو داود: قالوا: ليس هو عباس الجريري، قالوا: هو وهم، ولكنه شيخ آخر).
هذه العبارة في نسخة ابن رسلان، ونسخة أبي داود التي عليها المنذري، وعلى حاشية المجتبائية موجودة، وليس في الكانفورية ولا المصرية ولا المكتوبة الأحمدية والمكتوبة المدنية، فلو كانت هذه العبارة من أبي داود صحيحة، فكأنه أشار إلى أن رواية عباس الجريري، عن عمرو بن شعيب غير محفوظة، فكأنه رجل غير عباس الجريري، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" في ترجمة عباس الجريري: روى عن أبي عثمان النهدي والحسن البصري وعمرو بن شعيب إن كان محفوظًا. ولم يذكر الحافظ في ترجمة عمرو بن شعيب عباس الجريري في تلامذته.
стр. 7279
٣٩٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ قَالَ: نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن نَبْهَانَ- مُكَاتَبٍ لاِمِّ سَلَمَةَ- قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إذَا كَانَ لإحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، فَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ". [ت ١٢٦١، جه ٢٥٢٠، حم ٦/ ٢٨٩]
===
٣٩٢٨ - (حدثنا مسدد بن مسرهد قال: نا سفيان، عن الزهري، عن نبهان) بتقديم النون على الموحدة (مكاتب لأم سلمة) نبهان المخزومي، أبو يحيى المدني، مولى أم سلمة ومكاتبها، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(قال: سمعت أم سلمة نقول: قال لنا رسول الله ﷺ : إذا كان لإحداكن مكاتب، فكان عنده ما يؤدي (١)، فلتحتجب منه).
قال الخطابي (٢): وفي هذا دلالة على أنه (٣) إذا مات وترك وفاء كتابته كان حرًا، وقد يتأول أيضًا على أنه أراد به الاحتياط في أمره, لأنه بعَرض أن يعتق في كل ساعة بأن يعجل نجومه إذا كان واجدًا لها.
قال المنذري (٤): وحديث نبهان. قال الترمذي فيه: حسن صحيح، وذكر فيه معمر سماعَ الزهري من نبهان، وقد ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه: أن محمد بن عبد الرحمن مولى طلحة روى عن نبهان، ومحمد بن عبد الرحمن هذا ثقة، واحتج به مسلم في "صحيحه".
стр. 7280
(٢) بَابٌ: في بَيْعِ الْمُكَاتَبِ إذَا فُسِخَتِ الْمُكَاتبَةُ (١)
٣٩٢٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَا: نَا اللَّيْثُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَ بَرِيرَةَ
===
قال مولانا الشيخ عبد الغني في "إنجاح الحاجة": قالوا: هذا لأزواج النبي ﷺ خاصة، أي الحجاب قبل الأداء مخصوص بأزواجه ﷺ ، وأما غيرهن فالاحتجاب لهن من مواليهن بعد الأداء، وفيه دليل على أن عبد المرأة محرمها، وبه قال الشافعي خلافًا لأبي حنيفة.
قال قاضي خان (٢): والعبد في النظر إلى مولاته الحرة التي لا قرابة بينه وبينها بمنزلة الرجل الأجنبي، فتأويل الحديث بأن المراد منه الاحتجاب المفرط، فإن العبد لكثرة دخوله وخروجه وخدمته لسيده لا تحتجب عنه حق احتجاب، كالكلام معه والنظر إلى الكفين والوجه، كما تحتجب من غيره من الأجانب.
ذكر في "المدارك" (٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (٤)، قال سعيد بن المسيب: لا تغرَّنكم سورة النور، فإنها في الإماء دون الذكور، انتهى.
(٢) (بَابٌ: في بَيْعِ الْمُكَاتَبِ إذَا فُسِخَتِ الْمُكَاتبَةُ)
٣٩٢٩ - (حدثنا قتيبة بن سعيد وعبد الله بن مسلمة قالا: نا الليث (٥)، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أخبرته: أن بريرة
стр. 7281
جَاءَتْ عَائِشَة تَسْتَعِينُهَا في كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إلَى أَهْلِكِ، فَإنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ، وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأَهْلِهَا، فَأَبَوْا وَقَالُوا: إنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونُ لنَا وَلَاؤُكِ.
فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ (١) ﷺ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي، فَإنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "مَا بَالُ أنَاسٍ يشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ في كِتَابِ اللَّهِ؟ ! مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ في كتَابِ اللَّهِ، فَلَيْسَ لَهُ وَإنْ شَرَطَهُ مِئَةَ مَرَّةٍ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ". [خ ٢٥٦١، م ١٥٠٤، ت ٢١٢٥، جه ٢٥٢١، ن ٢٦١٤، حم ٦/ ٤٢]
===
جاءت عائشة) ﵂، وقيل: كانت مولاة لقوم من الأنصار (تستعينها في كتابتها, ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك) بأن أشتريك ببدل كتابتك (ويكون ولاؤك لي فعلت، فذكرت ذلك بريرة لأهلها، فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك) أي: تؤدي بدل كتابتك احتسابًا (٢) وطلبًا للثواب (فلتفعل، ويكون لنا ولاؤك).
(فذكرت ذلك لرسول ﷺ ، فقال لها رسول الله ﷺ : ابتاعي فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق، ثم قام رسول الله ﷺ فقال: ما بال أناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله) وفي حكمه، (من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله، فليس له وإن شرطه) أي: الشرط (مئة مرة، شرط الله أحق وأوثق).
стр. 7282
٣٩٣٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، عن هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "جَاءَتْ بَرِيرَةُ تَسْتَعِينُ (١) في مُكَاتَبَتِهَا (٢)، فَقَالَتْ: إنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْع أَوَاقٍ، في كُلِّ عَامٍ أُوْقِيَّةٌ (٣)، فَأَعِينينِي، فَقَالَتْ: إنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ (٤)، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ إلَى أَهْلِهَا"، وَسَاقَ (٥) الْحَدِيثَ نَحْوَ الزُّهْرِيِّ.
زَادَ في كَلَامِ ﷺ فِي آخِرِهِ: "مَا بَالُ رِجَالٍ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعتِقْ يا فُلَانُ، وَالْوَلَاءُ لِي، وَإنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". [خ ٢٥٦٣، ١٥٠٤]
===
٣٩٣٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: جاءت بريرة تستعين في مكاتبتها فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواقٍ، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقالت) أي: عائشة (إن أحب أهلك أن أعدها) أي: بدل الكتابة (عدة واحدة وأعتقك ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت إلى أهلها، وساق الحديث نحو الزهري).
(زاد في كلام النبي ﷺ في آخره: ما بال رجال يقول أحدهم: أعتق يا فلان والولاء لي، وإنما الولاء لمن أعتق).
وقد اختلفت الروايات في قصة بريرة، ففي بعضها: أنها كاتبت على تسع أواق، في كل عام أوقية، وفي رواية: وعليها خمس أواق نجِّمت في خمس سنين، وفي رواية: ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا، وفي رواية عمرة عن عائشة ﵂ الماضية في أبواب المساجد: فقال أهلها: إن شئت أعطيت
стр. 7283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ما بقي، فجزم الإسماعيلي بأن رواية الخمس المعلقة غلط، ويمكن الجمع أن التسع أصل والخمس كانت بقيت عليها بعد ما أدت منها أربعة أواق، وبهذا جزم القرطبي والمحب الطبري، ولكن يخالفها ما في رواية قتيبة بلفظ: "ولم تكن أن من كتابتها شيئًا"، ويجاب بأنها كانت حصلت الأربع أواق قبل أن تستعين عائشة، فأدتها ثم جاءتها، وقد بقي عليها خمس، فمعنى قوله: "ولم تكن أن من كتابتها شيئًا"، أي: لم تكن مما بقي من كتابتها شيئًا.
ثم هذه القصة مشكلة لما في بعض الروايات أن رسول الله ﷺ قال لعائشة: "واشترطي لهم الولاء"، واستشكل صدور الإذن منه ﷺ في الشراء على شرط فاسد، فاختلف العلماء فيه، فمنهم من أنكر الشرط في الحديث، فقال الخطابي في "المعالم" (١): أن يحيى بن أكثم أنكر ذلك، وعن الشافعي في "الأم" الإشارة إلى تضعيف (٢) رواية هشام المصرحة بالاشتراط لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، وأشار غيره إلى أنه روى بالمعنى الذي وقع له، وليس كما ظن، وأثبت الرواية آخرون وقالوا: هشام حافظ، والحديث متفق على صحته، فلا وجه لرده.
ثم اختلفوا في توجيهها، فزعم الطحاوي أن المزني حدثه به عن الشافعي بلفظ: "وأشرطي" بهمزة قطع بغير تاء مثناة، ثم وجهه بأن معناه: أظهري لهم حكم الولاء، والإشراط الإظهار، قال أوس بن حجر:
فأشرط فيها نفسه وهو معصم،
أي: أظهر نفسه، انتهى.
стр. 7284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأنكر غيره هذه الرواية, والذي في "مختصر المزني" و"الأم" عن الشافعي كرواية الجمهور: "واشترطي" بصيغة الأمر المؤنث من الاشتراط، ثم حكى الطحاوي تأويل الرواية التي بلفظ اشترطي أن اللام في قوله: "اشترطي لهم" بمعنى" على" كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (١)، وحكى الخطابي عن ابن خزيمة أن قول يحيى بن أكثم غلط، والتأويل المنقول عن المزني لا يصح، وقال النووي (٢): تأويل "اللام" بمعنى "على" ههنا ضعيف, لأنه ﵊ أنكر الاشتراط، ولو كان بمعنى "على" لم ينكره.
وضعفه أيضًا ابن دقيق العيد، وقال آخرون: الأمر في قوله: "اشترطي" للإباحة، وهو على جهة التنبيه على أن ذلك لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواء، ويقوي هذا التأويل قوله في رواية أيمن: "اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاؤوا"، وقيل: الأمر فيه بمعنى الوعيد الذي ظاهره الأمر، وباطنه النهي كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٣).
وقال الشافعي في "الأم": لما كان من اشترط خلاف ما قضى الله ورسوله عاصيًا، وكانت في المعاصي حدود وآداب، وكان من أدب العاصين أن يعطل عليهم شروطهم ليرتدعوا عن ذلك ويرتدع به غيرهم كان ذلك من أيسر الأدب، وقال غيره: معنى اشترطي اتركي مخالفتهم فيما شرطوه، ولا تظهري نزاعهم فيما دعوا إليه مراعاة لتنجيز العتق، لتشوف الشارع إليه، وقال النووي: أقوى الأجوبة أن هذا الحكم خاص بعائشة في هذه القضية، وأن سببه المبالغة في الرجوع عن هذا الشرط لمخالفته حكم الشرع، وهو كفسخ الحج إلى العمرة كان خاصًا بتلك الحجة مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص
стр. 7285
٣٩٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى أَبُو الأَصْبَغِ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد- يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ-، عن ابْن إسْحَاقَ، عن مُحَمَّدِ بْن جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ قَالتْ: وَقعَتْ جُوَيْرِيَة بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُصْطَلِقِ في سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ،
===
لا يثبت إلَّا بدليل، وأغرب ابن حزم فقال: كان الحكم ثابتًا بجواز اشتراط الولاء لغير المعتق، فوقع الأمر باشتراطه في الوقت الذي كان جائزًا فيه، ثم نسخ ذلك الحكم بخطبته ﷺ وبقوله: "إنما الولاء لمن أعتق"، ولا يخفى بُعد ما قال، وسياق طرق هذا الحديث تدفع في وجه هذا الجواب، والله المستعان.
وقال الخطابي: وجه هذا الحديث أن الولاء لما كان كلحمة النسب، والإنسان إذا ولد له ولد ثبت له نسبه، ولا ينتقل نسبه عنه، ولو نسب إلى غيره، فكذلك إذا أعتق عبدًا ثبت له ولاؤه، ولو أراد نقل ولائه عنه، أو أذن في نقله عنه لم ينتقل، فلم يعبأ باشتراطهم الولاء، وقيل: اشترطي ودعيهم يشترطون ما شاؤوا ونحو ذلك, لأن ذلك غير قادح في العقد، بل هو بمنزلة اللغو من الكلام، وأخر إعلامهم بذلك ليكون رده وإبطاله قولًا شهيرًا يخطب به على المنبر ظاهرًا، إذ هو أبلغ في النكير وأوكد في التعبير، انتهى.
وهو يئول إلى أن الأمر فيه للإباحة كما تقدم، انتهى. كذا قاله الحافظ في "الفتح" (١).
٣٩٣١ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ الحراني قال: حدثني محمد -يعني ابن سلمة-، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: وقعت جويرية بنت الحارث بن المصطلق) ومصطلق من أجدادها من خزاعه (في سهم ثابت بن قيس بن شماس) وكانت قبل أن تسبى تحت ابن عم لها يقال له: سافِغ بن صفوان،