وَإنَّمَا أَوْليَائِي الْمُتَّقُونَ، ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ،
===
أهلي في الفعل؛ لأنه لو كان من أهلي لم يهيج الفتنة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (١).
(وإنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل) أي يجتمعون على بيعة رجل (كَوَرِكٍ) بفتح وكسر (على ضِلَع) بكسر ففتح، وهذا مثل، والمراد أنه لا يكون على ثبات؛ لأن الورك لثقله لا يثبت على الضلع لدقته، والمعنى أنه يكون غير أهل الولاية لقلة علمه، وخفة رأيه، وحلمه، أي يصطلحون على رجل لا نظام له، ولا استقامة لأمره؛ وحاصله أنه لا يستعد، ولا يستبد لذلك فلا يقع عند الأمر موقعه.
والذي يظهر لي أنها هي الفتنة التي حدثت في رمضان سنة ألف وثلثمائة وأربع وثلاثين (٢)، ومنشأها أن الشريف حسين بن علي كان في زمن حكومة الأتراك شريفًا تابعًا لحكومتهم، ثم راسل إحدى سلطنة من النصارى في زمان الحرب الكبير، وكان الحرب بين سلطنة الأتراك وحكومة النصرانية، فلحق بالحكومة النصرانية سرًّا، ووافق معهم على حرب الأتراك، فقتل الأتراك الذين كانوا في مكة المكرمة من جند الأتراك، وسبى نساءهم، ثم تولى الحكومة بنفسه، وسمى نفسه ملك الحجاز، وبقيت حكومته قريبًا من عشر سنين، ثم اضمحل أمره، واصطلح الناس على حكومة ابنه علي بن الحسين، ولم ينتظم له أمر فبقي كوركٍ على ضلع.
وإنما سميت هذه الفتنة فتنة السراء؛ لأن مبناها وأسباب حديثها (٣) كانت في السرِّ؛ فإن الحكومة النصرانية أماله إليها سرًّا، وأرسل إليها (٤) من الجنيهات
стр. 7597
ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذ الأُمَّةِ إلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً، فَإذَا قِيلَ: انْقَضَتْ تَمَادَتْ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا
===
ألوفًا في السرِّ ليبغي على حكومة الإِسلام، وينحرف عنها، فقسم من هذه الجنيهات في أهل البدو، وتوافق معهم على قتال الأتراك المسلمين، وكل ذلك في السر، واتفق أن قائد الأتراك الذي كان بمكة أخبر بشيء من هذه الفتنة، فسأل الشريف عنها، فحلف عند الكعبة أنه لا أصل له، حتى اطمأن قائد الأتراك، ثم وقع ما وقع من قتلِ المسلمين، وسبي نسائهم، وإرسالِهم إلى الكفار، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم.
ويحتمل أن يكون السراء من السرور؛ لأن في ذلك الزمان بعد الحصار والمضايقةِ الشديدة نُثِرَتْ على العرب الجنيهاتُ، والحبوبُ، وسائرُ الأطعمة بعد الفقر الشديد، حتى إن أحدهم من أفقر العربان لا يملك جنيهتين مَلَكَ ثمانية وأربعين ألف جنيهة، وهو عبيد الله بن هويمل الحازمي، وكذلك غيره، سمعت هذا من أحد علماء المدينة كان عندي موصوفًا بالثقة والإتقان.
(ثم فتنة الدهيماء) وهي بضم ففتح، والدهماء السوداء، والتصغير للذم، أي الفتنة العظماء، والطامة العمياء (١) (لا تدع) أي لا تترك تلك الفتنة (أحدًا من هذه الأمة إلَّا لطمته لطمة) أي أصابته بمحنة، ومسته ببلية، وأصل اللطم هو الضرب على الوجه ببطن الكف، والمراد أن أثر تلك الفتنة يعم الناس، ويصل لكل أحد من ضررها.
(فإذا قيل: انقضت) أي توهموا أن تلك الفتنة انتهت (تمادت) أي استطالت واستمرت (يصبح الرجل فيها مؤمنًا) لتحريم دم أخيه وعرضه وماله
стр. 7598
وُيمْسِي (١) كَافِرًا، حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إلَى فُسْطَاطَيْنِ: فُسْطَاطِ إيْمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ، وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إيْمَانَ فِيهِ، فَإذَا كَانَ ذَاكُمْ (٢) فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ" (٣). [حم ٢/ ١٣٣، ك ٤/ ٤٦٦]
٤٢٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (٤) قَالَ: نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن قَتَادَةَ،
===
(ويمسي كافرًا) لتحليله ما ذُكِرَ، ويستمر ذلك (حتى يصير الناس إلى فسطاطين (٥)) أي فرقتين، وأصل الفسطاط الخيمة، فهو من باب ذكر المحل، وإرادة الحال (فسطاط إيمان) أي خالص (لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه) أصلًا أو كمالًا، لما فيه من أعمال المنافقين من الكذب، والخيانةِ، ونقضِ العهد، وأمثالِ ذلك.
(فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال) أي ظهوره (من يومه أو من غَدِه) وهذا يؤيد أن المراد بالفسطاطين المدينتان، فإن المهدي يكون في بيت المقدس فيحاصره الدجال، فينزل عيسى ﵊ فيذوب الملعون كالملح ينماع في الماء، فيطعنه بحربة له فيقتله، فيحصل الفرج العام، والفرح التام، وهذه الفتنة بعد وستكون قبيل ظهور المهدي، ويمتد إلى نزول عيسى بن مريم ﵊.
٤٢٤٤ - (حدثنا مسدد قال: نا أبو عوانة، عن قتادة،
стр. 7599
عن نَصرِ بْنِ عَاصِمٍ، عن سُبَيْعِ بْن خَالِدٍ قَالَ: "أَتَيْتُ الْكُوفَةَ في زَمَنِ فُتِحَتْ تُسْتَرُ أَجْلِبُ مِنْهَا بِغَالًا، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإذَا صَدْعٌ مِنَ الرِّجَالِ، وَإذَا رَجُلٌ جَالِسٌ تَعْرِفُ إذَا رَأَيْتَهُ أَنَّهُ مِنْ رِجَالِ أَهْلِ الْحِجَازِ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَتَجَهَّمَنِي الْقَوْمُ وَقَالُوا: أَمَا تَعْرِفُ هَذَا؟ هَذَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
===
عن نصر بن عاصم) الليثي، (عن سبيع) مصغرًا (ابن خالد) ويقال: خالد بن خالد، ويقال: خالد بن سبع، وقيل فيه: سبيعة بن خالد، ولا يصح، اليشكري البصري، روى عن حذيفة، ذكره ابنُ حبان في "الثقات" والعجليّ.
(قال: أتيت الكوفة في زمن فُتِحَتْ تُسْتَرْ) (١) بالضم، ثم السكون، وفتح التاء الأخرى، وراء؛ أعظم مدينة بخوزستان اليوم، وهو تعريب شوستَر، وَفُتِحَتْ في زمن خلافة عمر ﵁، فتحها أبو موسى الأشعري (أجلب منها بغالًا، فدخلتُ المسجد) أي مسجد كوفة (فإذا صَدَعٌ من الرجال) قال في "المجمع" (٢): أي رجل بين رجلين، هو بسكون قال، وربما حرك، هو من الرجال الشاب المعتدل، ومن الوعول الفتي الفارسي، أي جماعة في موضع من المسجد، كذا في "المجمع". وقال في "القاموس": والصدع (٣) بالكسر: الجماعة من الناس. قلت: وهذا المعنى أولى.
(وإذا رجل جالس تعرِفُ) بزيه وهيئته (إذا رأيتَه) أي رأيتَ زيَّه وهيئَتَه (أنه من رجال أهل الحجاز، قال: قلت: من هذا؟ فتجهَّمَني القوم) أي أظهروا لي آثار الكراهة في وجوههم (وقالوا: أما تعرف هذا؟ هذا حذيفة بن اليمان صاحبُ رسولِ الله ﷺ ).
стр. 7600
فَقَالَ حُذَيْفَةُ: إنَّ النَّاسَ كَانُوا يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عن الشَّرِّ؛ فَأَحْدَقَهُ الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقَالَ: إنِّي قَدْ أَرَى الَّذِي تُنْكِرُونَ، إنِّي قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ هَذَا الْخَيْرَ الَّذِي أَعْطَانَا اللَّهُ تَعَالَى، أَيَكُونُ بَعْدَهُ شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قُلْتُ: فَمَا الْعِصْمَةُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: "السَّيْفُ" (١).
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ثُمَّ مَاذَا يَكُونُ؟ قَالَ: "إنْ كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى خَلِيفَةٌ في الأَرْضِ، فَضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ فَأَطِعْهُ، وَإلَّا فَمُتْ وَأَنْتَ عَاضٌّ
===
(فقال حذيفة: إن الناس كانوا يسألون رسولَ الله ﷺ عن الخير) الذي يصل أمةَ محمدٍ ﷺ في المستقبَلِ (وكنت أسأله عن الشر) أي عن الفتن التي تقوم في أمته ﷺ فيما بعد؛ مخافةَ أن يدركني (فأحدقه) أي أحاطه (القوم بأبصارهم) وانتظروا سماع ما يقول، وتوجهوا إليه.
(فقال) حذيفة: (إني قد أرى الذي تنكرون، إني قلت: يا رسول الله! أرأيتَ) أخبرني (هذا الخير الذي أعطانا الله تعالى) أي من النعماء والسرور (أيكون بعده شَرٌّ كما كان قبله؟ قال: نعم) أي يكون بعده الشر وهي الفتنة.
(قلت: فما العصمة من ذلك؟ ) أي فما طريق الاجتناب عن الفتنة؟ (قال: السيف) تقاتلهم به، قالوا: هي فتنة الردة (٢) التي كانت في زمن أبي بكر الصديق ﵁ (قلت: يا رسول الله! ثم ماذا يكون؟ قال: إن كان لله تعالى خليفة في الأرض، فَضَرَبَ ظهرَك، وأخذ مالَكَ فَأَطِعْه، وإلَّا فمت وأنت عاضٌّ
стр. 7601
بِجِذْلِ شَجَرَةٍ"، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مَعَهُ نَهْرٌ وَنَارٌ، فَمَنْ وَقَعَ في نَارِهِ وَجَبَ أَجْرُهُ وَحُطَّ وِزْرُهُ، وَمَنْ وَقَعَ في نَهْرِهِ وَجَبَ وِزْرُهُ وَحُطَّ أَجْرُهُ"، قَالَ قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "ثُمَّ هِيَ قِيَامُ السَّاعَةِ". [حم ٥/ ٣٨٦]
٤٢٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
===
بجِذْلِ شجرةٍ) أي وإن لم يكن في الأرض خليفة لله، فينبغي لك أن تموت في حالة تعضُّ بأسنانك جذل شجرة، يعني تكون في عزلة من الناس على مضض الزمان وتحمل مشاقه، لا تدخل في الفتنة، ولا تشترك في القتال.
(قلت: ثم ماذا؟ قال) رسول الله ﷺ : (ثم يخرج الدجال)، وهذا (١) يدل على أنه وقع في رواية حذيفة اختصار منه؛ لأنه أخبر أولًا أن رسول الله ﷺ ذكر الفتن، ولم يترك فتنة تحدث إلى قيام الساعة إلَّا نبَّه عليها وأخبر بها، وظاهر أن الذي ذكر أولًا من الفتن في هذا الحديث هو محمول على الردة التي وقعت في زمن أبي بكر الصديق ﵁، ثم وقع بعدها فتن كثيرة ولم تُذْكَرْ، فَعُلِمَ بها أنها حُذِفَتْ.
(معه نهر ونار) أي نهر ماء، ونهر نار أو خندقه (فمن وقع في ناره وجب) أي ثبت (أجره) عند الله (وحط) أي عنه (وزره) أي إثمه (ومن وقع في نهره وجب) أي ثبت (وزره، وحط) أي حبط وسقط (أجره) أي ثواب أعماله؛ لأنه ارتد.
(قال: قلت: ثم ماذا؟ قال) رسول الله ﷺ : (ثم هي) أي الفتنة العظمى (قيام الساعة) أي تظهر علامتها وآياتها الكبار.
٤٢٤٥ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: نا عبد الرزاق،
стр. 7602
عن مَعْمَرٍ، عن قَتَادَةَ، عن نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عن خَالِدِ بْن خَالِدٍ الْيَشْكُرِيِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ: قُلْتُ: بَعْدَ السَّيْفِ؟ قَالَ: "بَقِيَّةٌ (١) عَلَى أَقْذَاءٍ، وَهُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ". ثُمّ سَاقَ الْحَدِيثَ. قَالَ: وَكَانَ قَتَادَةُ يَضَعُهُ عَلَى الرِّدَّةِ الَّتِي في زَمَنِ أَبِى بَكْرٍ "عَلَى أَقْذَاءٍ" يَقُولُ: قَذًى، "وَهُدْنَةٌ" يَقُولُ: صُلْحٌ، "عَلَى دَخَنٍ": عَلَى ضَغَائِنَ.
===
عن معمر، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن خالد بن خالد اليشكري، بهذا الحديث) المتقدم (قال: قلت: بعد السيف) أي ماذا بعده؟ (قال: بقية على أقذاء) (٢) جمع قَذَى، وهو ما يقع في العين من غبار، أي يبقى الناس بقية على فساد في قلوبهم (وهُدْنَة (٣) على دَخن) أي صلح على بقايا من الضغن.
(ثم ساق) أي معمر (الحديث، قال) معمر: (وكان قتادة يضعه على الردة التي في زمن أبي بكر) ﵁. (على أقذاء، يقول: قذى) أي واحد الأقذاء القذى، (وهدنة يقول: صلح على دخن) ومعنى قوله: على دخن (على ضغائن) (٤).
стр. 7603
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀: قوله: "بقية على أقذاء" يعني أنها تبقى بقية من الخير إلَّا أنها ليست في صفاء الأول، بل فيها كدر وأقذاء، وهذا ظاهره لا يصدق على وقعة الردة إذ لم يكن بعدها كدر، وإنما كانت الكدورات بعد مقتل عثمان ﵁، وكذلك قوله ﷺ : "وهدنة على دخن"، إلَّا أن تحمل البعدية على غير المتصلة منها، أو يقال على بعد: إن الأمر لم يكن من صفاء القلوب بعد أبي بكر مثله في زمنه ﷺ ، وإن لم يظهر في أمر الدين إلا قوة وشدة، كما وقعت في أيام عمر ﵁.
وبالجملة فحمل قوله ها هنا بالسيف على المقاتلة بقتلة عثمان أوفق بالعبارة، وليس في أخذ السيف ها هنا سعي في الفتنة حتى تلزم مخالفة قوله ﷺ في الفتن وشدة توكيده في التحرز عنها، وذلك لما قلنا: إن الفتنة إنما هي فتنة ما لم يظهر خطؤها من الصواب.
وأما إذا عرفت الحقَّ وجب عليك تأييد صاحب الحق على مخالفه، وبذلك ينحل وجه اختلاف الصحابة ﵃ فيما بينهم، حيث أعانوا طائفة طائفة، ومنهم من فَرَّ بدينه، وصار بمعزل منهما جميعًا، كما في قصة علي ﵁ يوم الجمل، فليس على أحد منهم اعتراض، وذلك لأن من أعان أحدًا منهم فإنما أعان لما رآه على الحق عنده، ومن رأى ذلك فتنة، ولم يظهر الصواب عنده، لم يشارك أحدًا منهما، انتهى.
قلت: قوله: "بقية على أقذاء، وهدنة على ضغن"، والذي أظن في معناه هذه إشارة إلى ما وقع بين علي ومعاولة ﵄ من الصلح والتحكيم، فهذه إشارة إليه، وأما قوله: قال: "السيف"، ، فحمله عندي على الفتنة التي في آخر زمن عثمان ﵁، كما قال شيخنا ﵀ أولى مما قال قتادة.
стр. 7604
٤٢٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، نَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ -، عن حُمَيْدٍ، عن نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ الَّليْثِيِّ قَالَ: "أَتَيْنَا الْيَشْكُرِيَّ في رَهْطٍ مِنَ بَنِيِ لَيْثٍ فَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ؟ فَقُلْنَا (١): أَتَيْنَاكَ نَسْأَلُكَ عن حَدِيثِ حُذيْفَةَ ... فذكر الحديث (٢).
===
٤٢٤٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، نا سليمان - يعني ابن المغيرة -، عن حميد، عن نصر بن عاصم الليثي قال: أتينا اليشكريَّ في رهط من بني ليث فقال: من القوم؟ ) قلنا: بنو ليث (فقلنا: أتيناك نسألك عن حديث حذيفة، فذكر الحديث) يعني قال: أقبلنا مع أبي موسى قافلين، وغارت الدواب بالكوفة، قال: فاستأذنت أبا موسى أنا وصاحب لي، قال: فأذن لنا، فقدمنا الكوفة، فقلت لصاحبي: أنا داخلٌ المسجدَ، فإذا قامت السوق خرجتُ إليك، قال: فدخلتُ المسجد فإذا فيه حلقة كأنما قُطِعَت رؤوسهم يستمعون إلى حديثِ رجُل قال: فقصت عليهم، فجاء رجل فقام إلى جنبي، قال: فقلتُ من هذا؟ قال: أبصريٌّ أنت؟ قال: قلت: نعم؛ قال: قد عرفتُ، ولو كنتَ كوفيًّا لم تسأل عن هذا [هذا حذيفة بن اليمان] قال: فدنوت منه فسمعته يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، وعرفت أن الخير لن يسبقني، فقلت: يا رسول الله! أبعد هذا الخير شر؟ فقال: "يا حذيفة!
стр. 7605
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "فِتْنَةٌ وَشَرٌّ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! (١) بَعْدَ هَذَا الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: "يَا حُذَيْفَةُ! تَعَلَّمْ كِتَابَ اللَّهِ وَاتَّبِعْ مَا فِيهِ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ بَعْدَ هَذَا الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: "هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ، وَجَمَاعَةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ فِيهَا - أَوْ فِيهِمْ -".
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! "الْهُدْنَةُ عَلَى الدَّخَنِ مَا هِيَ؟ " قَالَ: "لَا تَرْجِعُ قُلُوبُ أَقْوَامٍ عَلَى الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "فِتْنَة عَمْيَاءُ صَمَّاءُ،
===
تعلَّم كتاب الله، واتبع ما فيه" ثلاث مرات، قال: فقلت: يا رسول الله: أبعد هذا الشر خير (٢)؟
(قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: فتنة وشر)، لعله إشارة إلى الفتنة التي حدثت في آخر خلافة عثمان ﵁ (قال: قلت: يا رسول الله! بعد هذا الشر خير؟ قال: يا حذيفة! تعلم كتاب الله، واتبع ما فيه) أي أَعْرِضْ عن هذا السؤال (ثلاث مرات) ثم سأل، فقال: (قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الشر خير؟ قال: هدنة على دخن) أي صلح على خيانة ونفاق (وجماعة) أي اجتماع بين الفريقين (على أقذاء) أي كدورات (فيها، أو) للشك من الراوي (فيهم)، ولعل هذا محمول على ما وقع من الصلح والتحكيم بين معاوية وعلي ﵄.
(قلت: يا رسول الله! الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه) بل يكون في قلوبهم ضغينة (قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: فتنة عمياء صماء،
стр. 7606
عَلَيْهَا دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ. فَإنْ تَمُتْ يَا حُذَيْفَةُ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تتَّبعَ أَحَدًا مِنْهُمْ".
٤٢٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، نَا أَبُو التَّيَّاح، عن صَخْرِ بْنِ بَدْرٍ الْعِجْلِيِّ، عن سُبَيْعِ بْنِ خَالِدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ، عن حُذَيْفةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَإنْ لَمْ تَجِدْ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةً فَاهْرُبْ حَتَّى تَمُوتَ، فَإنْ تَمُتْ (١) وَأَنْتَ عَاضٌّ، وَقَالَ في آخِرِهِ قَالَ: قُلْتُ: فَمَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: "لَؤ أَنَّ رَجُلًا نَتَجَ فَرَسًا لَمْ تُنْتَجْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ". [خ ٧٠٨٤، م ١٨٤٧]
===
عليها دعاة على أبواب النار) ولا يبعد أن يُحْمَلَ هذا على ما وقع في أيام يزيد بن معاوية من قتل الحسين بن علي ﵄ وجماعته، أو على ما وقع في أيام الحجاج بن يوسف في خلافة عبد الملك حيث قتل ابن الزبير ﵁ (فإن تَمُت يا حذيفة وأنت عاض على جذل) أي أصل شجر (خير لك من أن تتبع أحدًا منهم) أي إن أدركْتَ تلكَ الفتنةَ.
٤٢٤٧ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، نا أبو التياح، عن صخر بن بدر العجلي) البصري، ذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا.
(عن سبيع بن خالد بهذا الحديث، عن حذيفة، عن النبي ﷺ قال: فإن لم تجد يومئذ خليفة فاهرب حتى تموت، فإن تمت وأنت عاض) وجزاؤه مقدر، وهي قوله: خير لك (وقال في آخره، قال: قلت: فما يكون بعد ذلك؟ قال: لو أن رجلًا نتج فرسًا) أي طلب نتاجه، وسعى في تحصيل ولده بمباشرة الأسباب (لم تنتج) أي ما يجيء لها ولد (حتى تقوم الساعة)، وهذا يدل على أن هذه الفتنة التي أشار إليها في الحديث المتقدم- وهي العمياء والصماء - تكون قربَ القيامة.
стр. 7607
٤٢٤٨ - حَدَّثنَا مُسَدَّدٌ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا الأَعْمَشُ، عن زيدِ بْنِ وَهْبٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ (١) ﷺ قالَ: "مَنْ بَايَعَ إمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا رَقَبَةَ الآخَرِ". قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي. قُلْتُ: هَذَا ابْنُ عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَفْعَلَ وَنَفْعَلَ. قَالَ: "أَطِعْهُ في طَاعَةِ اللهِ، وَاعْصِهِ في مَعْصِيَةِ اللهِ" (٢). [م ١٨٤٤، ن ٤١٩١، جه ٣٩٥٦، حم ٢/ ١٦١]
===
٤٢٤٨ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: من بايع إمامًا فأعطاه صفقةَ يده) أي عقد بيعته بيده (وثمرة قلبه) أي أعطاه الإخلاص الذي في القلب في الإطاعة (فَلْيُطِعْه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر، قلت) قائل هذا الكلام هو عبد الرحمن: (أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال) عبد الله بن عمرو، (سمعته أذناي) أي من لسان رسول الله ﷺ (ووعاه قلبي، قلت: هذا ابنُ عمك معاويةُ يأمرنا أن نفعل، ونفعل) أي يأمرنا بمنازَعَةِ علي ﵁ ومقاتَلَتِه مع أن عليًا ﵁ هو الأول، ومعاوية هو الآخر الذي قام منازعًا.
(قال) ابن عمرو: (أطِعْه في طاعة الله، واعصه في معصية الله).
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀: قوله: "أطعه في طاعة الله"، استشكل عليه الجواب عما سأله السائل، إذ لا شك أن عليًّا ﵁ كان هو الأول بيعة، وأحقّ منه بالخلافة، وكان معاوية ﵁ في أول ما حارب معه علي ﵁ على خلاف الحق، إلا أنه كان قد أخطأ في اجتهاده، حيث تواترت إليه الأخبار بما أورثت
стр. 7608
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
له علم يقين بأن قتل عثمان ﵁ إنما هو بإشارة علي ﵁، وعِلْمِه بذاك، وصار وجود الحسنين على الباب قرينةً لذاك وحجةً للمعاندين الذين كانوا مُتَصَدِّيْن لإفساد ما بينهم، وكذلك نقول فيمن لم يبايع يزيدَ منهم، ومن بايعه منهم، فإن معنى قوله ﷺ : "اقتلوا الآخر" ليس على إطلاقه، كيف: ولو كان الأمر بقتل الآخر مطلقًا عن كل تقييد لأدى ذلك إلى تكليف بما لا يطاق، كيف وإنه أمر لكل من يأتي منه القتل ويتيسر، لا لمن لم يتأت منه ذلك أيضًا، وإذا كان أمر القتل للمتمكن منه لا مطلقًا كان ذلك إجازة لانقياد المتغلب إذا لم يتيسر قتله، وإلَّا لكان إلقاء لنفسه في التهلكة بمخالفته.
وإذا تحققت هذا فاعلم أن الصحابة كلهم اتفقوا بعد علي ﵁ على معاوية ﵁، ولما وصلت النوبة إلى يزيد بن معاوية، تفرقت منهم فرق، فمن جَوَّز خلافته نَظَرَ إلى النصوص الواردة في إطاعة أئمة الجور، ومن لم يجوِّزْها افتقر إلى خليفة آخر يقوم به أمرهم.
فمن هذا الأخير: ابن الزبير ﵁، فإنه رأى نفسه أحق بالخلافة، فأخذ البيعة، ولعله أخذ البيعة قبل بيعة يزيد أو معه، فعلى الوجهين جميعًا فلا يلزم أن يكون من خالف يزيد ولم يبايعه باغيًا، كيف وأنه لم يَصرْ خليفة حتى يلزم من مخالفته البغاوةُ، نعم يشكل على ذلك بيعة ابن عمر ﵁ فنقول: إنه إنما بايع يزيدَ لما رأى من تغلبه، وخاف الفتنة لو أنكره، فكان ذلك من الذين أشرنا إليه قريبًا.
وأما ابن الزبير فقد رأى من نفسه أن يقاومه فلم يطاوعه، ولم يقو على ذلك ابن عمر ﵁، وذلك لأنه لم يَعُدَّ قوة ابن الزبير بحيث يقدر على مقاومة يزيد ومقابلته، وإن زعم ابن الزبير من نفسه ذلك.
بقي ها هنا شيء وهو أن حسين بن علي ﵁ كيف أحجم عن بيعة الرجلين جميعًا، فنقول:
أما يزيد لم يتعاقد الحسين البيعة معه؛ لما لم يره متأهلًا لها، مع أن أهل الحل والعقد لم يكونوا اتفقوا بعد على أحد حتى يلزم بمخالفته البغي.
стр. 7609
٤٢٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عن شَيْبَانَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "ويلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ". [حم ٢/ ٤٤١]
٤٢٥٠ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ، حُدِّثْتُ عن ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُوشِكُ
===
وأما ابن الزبير فلعله لم يبلغه أمرُ خلافته، أو بلغه فرأى أن يبايعه إذا وصل إلى المدينة، فلم يتفق له ذلك؛ لما ابتلي به من الوقائع، أو يكون هذا الإمهال منه؛ لأنه لم ير ابنُ الزبير يقوى على مقاومة يزيد، وإن كان خليفةَ حقٍ عنده، فأحب أن يُجْمِعَ أهلَ الكوفة وغيرهم على بيعته، فذهب إليه لذلك، فلم يتيسر له ما أراد، وكان من أمره ما كان، وأيًّا ما كان فلا يلزم بغاوة أحد من هؤلاء الأعيان، انتهى.
٤٢٤٩ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة) ﵁، (أن النبي ﷺ قال: ويل للعرب) الويل: حلول الشر، وهو تفجيع، أو "ويل" كلمة عذاب، أو واد في جهنم، وخص العرب بذلك؛ لأنهم كانوا حينئذ مُعْظَمَ مَن أسلم (من شر قد اقترب).
قال الطيبي (١): أشار به إلى قتل عثمان وما جرى بعده بين علي ومعاوية. أو أراد به قضية يزيد مع الحسين ﵁، وهو في المعنى أقرب؛ لأن شره ظاهر عند كل أحد من العرب والعجم (أفلح من كَفَّ يَدَه) أي عن القتال.
٤٢٥٠ - (قال أبو داود: حُدِّثْتُ عن ابن وهب قال: نا جرير بن حازم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : يوشك
стр. 7610
الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُحَاصَرُوا إلى الْمَدِينَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبْعَدَ مَسَالِحِهِمْ سَلَاحٌ". [ك ٤/ ٥١١، طس ٦٤٢٨]
٤٢٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، عن عَنْبَسَةَ، عن يُونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ، قَالَ: "وَسَلَاحٌ قَرِيبٌ مِنْ خيْبَرَ".
٤٢٥٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن أَيُّوبَ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن أَبِي أَسْمَاءَ، عن ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ الله تَعَالَى زَوَى لِيَ الأَرْضَ،
===
المسلمون أن يحاصَرُوا إلى المدينة) أي يحاصرهم العدو فيضطروا بذلك إلى المدينة، فيجتمعوا فيها (حتى يكون أبعد مسالحهم) (١) أي ثغورهم (سلاح) ضبطه السيوطي بضم السين، وقال في "القاموس" (٢): كَسَحابٍ، أو قَطام: موضع (٣) أسفل خيبر، وقال في "المعجم": سَلاح، كأنه بوزن قطام: موضع أسفل من خيبر، وقال في "الدرجات": سُلاح كغراب: موضع بقرب خيبر.
٤٢٥١ - (حدثنا أحمد بن صالح، عن عنبسة) بن خالد بن يزيد الأموي، (عن يونس، عن الزهري قال) أي الزهري: (وسلاح) موضع (قريب (٤) من خيبر).
٤٢٥٢ - (حدثنا سليمان بن حرب ومحمد بن عيسى قالا: نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى زَوَى) أي جمع (لي الأرضَ) أي حقيقةً،
стр. 7611
أَوْ قَالَ: إنَّ رَبِّي زَوَى لِيَ الأَرْضَ، فَأُرِيتُ (١) مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا. وَإنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لي مِنْهَا، وَأُعْطِيْتُ الْكَنْزَيْنِ: الأَحْمَرَ، وَالأَبْيَضَ. وَإنِّي سَأَلْتُ رَبِّي تَعَالَى لأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ (٢)، وَلَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإنَّ رَبِّي قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، إنِّي إذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَلَا أُهْلِكُهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَلَا أُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ،
===
أو في الإدرك (أو قال) شك من الراوي: (إن ربي زوى لي الأرضَ، فأريت مشارقَها ومغاربَها، وإن مُلْكَ أمتي سيبلغ ما زوي لي (٣) منها، وأُعطِيْتُ الكنزين: الأحمر) الذهب، (والأبيض) الفضة، ولعل المراد بالكنزين: كنزا كسرى وقيصر مَلِكَي العراق والشام، كذا قال النووي (٤).
(وإني سألت ربي تعالى لأمتي أن لا يهلكها بسنة) أي قحط (بعامَّةٍ) أي: تعم وتشمل جميعَ الأمة فتهلكها (ولا يُسَلِّطَ عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم) أي: كافرًا (فيستَبِيْحَ بَيْضَتَهم) قال في "النهاية" (٥): بَيضة الدار: وسطها ومعظمها، أراد عدوًا يستأصِلُهم ويُهْلِكُهم جميعًا.
(وإن ربي قال لي: يا محمد) ﷺ (إني إذا قضيتُ قضاء فإنه لا يُرَدُّ، ولا أهلكهم) أي: قضيت قضاءً في أمتك أني لا أهلكهم (بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضَتَهم،
стр. 7612
وَلَو اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِ أَقْطَارِهَا، أَوْ قَالَ: بَأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَ (١) يَكُونَ بَعْضُهُمْ يَسْبِي بَعْضًا. وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإذَا (٢) وُضِعَ السَّيْفُ في أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أمَّتِي الأَوْثَانَ
===
ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها، أو) للشك من الراوي (قال: بأقطارها) أي جميع من في الأرض من غير المسلمين (حتى يكون بعضُهم) أي بعضُ المسلمين (يُهلِك بعضًا، ويكون بعضهم يَسبي بعضًا) فلا أخاف عليهم من الكفار أن يهلكوا جميعًا.
(وإنما أخاف على أمتي الأئمةَ المضلين) أي الداعين إلى الباع، كما وقعت فتنة القرآن في زمن الإِمام أحمد - رحمه الله تعالى-، وقُتِلَ فيها من علماء الحق بقدر لا يحصى عددهم.
(وإذا وُضِعَ السيف في أمتي) يقتل بعضُهم بعضًا (لم يُرْفَعْ عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحَقَ قبائلُ من أمتي بالمشركين)، ولعله إشارة إلى ما وقع من الردة في خلافة الصديق ﵁، أو في الحكومة المغربية "تونس" تسلط عليها النصارى، فخرج من خرج منها من المسلمين، وبعضهم صاروا نصارى.
(وحتى تعبد قبائلُ من أمتي الأوثانَ)، ولعله إما إشارة إلى ما يعبده المبتدعون من القبور وغيرها، أو إشارة إلى ما يقع في آخر الزمان ما أشار
стр. 7613
وَإنَّهُ سَيَكُونُ في أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلاثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي. وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ"- قَالَ ابْنُ عِيسَى: "ظَاهِرِينَ" ثُمَّ اتَّفَقَا- "لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى". [م ٢٨٨٩، ت ٢٢٠٢، م ١٩٢٠، جه ٣٩٥٢، حم ٥/ ٢٧٨]
===
إليه رسول الله ﷺ بقوله: "حتى تضطرب (١) أليات نساء دوس حول ذي (٢) الخلصة".
(وإنه سيكون في أمتي كذَّابون) دجالون (ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي).
وقد خرج إلى هذا الزمان كثيرون منهم، كما أن في هذا الزمان خرج في الهند المسيحُ القادياني في نواحي بنجاب في بلدة قاديان من مضافات أمر تسر، فادَّعى أنه المهدي، وأنه المسيح، وأنكر نزول المسيح، وادَّعى أن عيسى ابن مريم ﵊ توفي، وقبره في كشمير، ولعله بقي منهم بعضهم ولو زادوا على ثلاثين لا يكون مخالفًا للحديث؛ لأن مفهوم العدد لا يُعتَبَرُ (٣).
(ولا تزال طائفة من أمتي على الحق، قال) محمد (بن عيسى) شيخ المصنف: (ظاهرين) أي غالبين بالحجة (ثم اتفقا، لا يضرهم من خالفهم) وهم طائفة أهل السنَّة والجماعة (حتى يأتي أمر الله تعالى) أي بموت كل مؤمن ومؤمنة.
وهذا الحديث فيه معجزات ظاهرة، وقد وقعت كلها بحمد الله تعالى، كما أخبر به ﷺ ، فصلاة الله وسلامه على رسوله الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلَّا وحي يُوْحى.
стр. 7614
٤٢٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي أَبِي - قَالَ ابْنُ عَوْفٍ: وَقَرَأَتُ في أَصْلِ إسْمَاعِيلَ - قَالَ: حَدَّثَنِي ضَمْضَمٌ، عن شُرَيْحٍ، عن أَبِي مَالِكٍ - يَعْنِي الأَشْعَرِيَّ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ الله أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ: أَنْ لَا يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ فَتَهْلِكُوا جَمِيعًا، وَأَنْ لَا يَظْهَرَ أَهْلُ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ، وَأَنْ لَا تَجَتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ". [طب ٣٤٤٠]
٤٢٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، عن سُفْيَانَ، عن مَنْصُورٍ، عن رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عن الْبَرَاءِ بْنِ نَاجِيَةَ،
===
٤٢٥٣ - (حدثنا محمد بن عوف الطائي، نا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، قال ابن عوف: وقرأت في أصل إسماعيل) أي حصل لي هذا الحديث عن محمد بن إسماعيل بطريقين: بأنه حدثني به، وأيضًا قرأته في أصل، وهو الكتاب الذي كُتِبَ فيه هذا الحديث وغيره.
(قال: حدثني ضمضم، عن شريح، عن أبي مالك - يعني الأشعري - قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله أجاركم) أي آمنكم (من ثلاث خلال) أي خصال (أن لا يدعو عليكم نبيُّكم فَتَهْلِكوا) أي تموتوا (جميعًا، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق) أي فيفنيهم (وأن لا تجتمعوا على ضلالة) بل لا تزال طائفة من أمتي على الحق، كما تقدم من الحديث.
٤٢٥٤ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري قال: نا عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن البراء بن ناجية) بنون، وكسر جيم، وخفة مثناة تحت، الكاهلي، ويقال: المحاربي الكوفي، روى عن ابن مسعود حديث "تدور رحى الإِسلام"، قلت: في "تاريخ البخاري" لم يذكر سماعًا من ابن مسعود، قال العجلي: البراء بن ناجية من أصحاب ابن مسعود، كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج هو والحاكم حديثَه في
стр. 7615
عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عن النَّبيِّ ﷺ (١) قَالَ: "تَدُورُ (٢) رَحَى الإسْلَامِ بِخَمْسٍ (٣) وَثَلاثينَ، أَوْ سِتٍّ وَثَلاثَينَ، أَوْ سَبْعٍ وَثَلاثينَ،
===
"صحيحيهما"، وقرأت بخط الذهبي في "الميزان" (٤): فيه جهالة لا يُعْرَف، قلت: قد عَرَّفه العجلي وابن حبان، فيكفي.
(عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: تدور رحى الإِسلام) أي تستقر وتستمر دائرة رحى الإِسلام، ويستقيم دورانها على وجه النظام، قلت: وهذا أحد المعنيين لهذا الكلام، أو يبتدأ دوران (٥) دائرة الحرب وتزلزله وحركاته وسكناته في الإِسلام.
(بخمس وثلاثين) أي لوقت خمس وثلاثين من ابتداء ظهور دولة الإِسلام، وهي زمن هجرة خير الأنام، وبانتهاء المدة تنقضي خلافة الخلفاء الثلاثة بلا خلاف بين الخاص والعام، إذ بعدها مقتل عثمان ﵁.
(أو ست وثلاثين) فيه قضية المجمل (أو سبع وثلاثين) وفيه وقعة صفين و"أو" فيها للتنويع (٦)، أو بمعنى "بل"؛ فإن الأمر فيها أهون مما بعدها لا سيما أمر الإِسلام، ونظام الأحكام، وظهور الصحابة، والعلماء الأعلام، ولذا قال:
стр. 7616
فَإنْ يَهْلِكُوا فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ، وَإنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا.
===
(فإن يهلكوا) أي إن اختلفوا بعد ذلك، واستهانوا في أمر الدين، واقترفوا المعاصي (فسبيل من هلك) أي سبيلهم سبيل من هلك من الأمم الماضية الذين زاغوا عن الحق في اختلافهم وزيغِهم عن الحق، ووهنِهم في الدين، وسمى أسبابَ الهلاك، والاشتغالَ بما يؤدي إليه هلاكًا.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀: قوله: "بخمس وثلاثين إلى آخره"، الظاهر أنه ﷺ قال قبل وفاته بسنين، ثم في ترديده بين ثلاثة سنين إشارة إلى زيادة مراتب النقصان، ففي خمس وثلاثين يكون الإضرار بالإِسلام أقلَّ ما يكون، ثم يزيد عليه، ثم كذلك، فإذا تمت هذه المدة، فإن هلكوا لم يكونوا على ضلال، بل سبيلهم سبيل من هلك من الصحابة الكبار والخلفاء الراشدين الأخيار، وإن لم يهلكوا بل قام لهم دينهم يقيم سبعين عامًا، وليس المراد به التحديد بل التكثير، أو المعنى لا يكون أقل من ذلك وإن زاد، أو يقال: إن مفهوم العدد غير معتبر، انتهى.
(وإن يَقُمْ لهم دينُهم) أي ملكهم (يقم لهم سبعين عامًا) (١).
قال الخطابي (٢): ويشبه أن يكون أراد به مدة ملك بني أمية، وانتقالَه إلى بني العباس؛ فإنه كان بين استقرار الملك لبني أمية إلى أن ظهرت دعاة الدولة العباسية بخراسان نحوًا (٣) من سبعين سنة.
стр. 7617
وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَّةُ هُوَ؟ قَالَ: "الْقَتْلُ الْقَتْلُ". [خ ٧٠٦١، م: ١٥٧، حم ٢/ ٥٢٥]
(١) بَابُ النَّهْيِ عَنِ السَّعْيِ في الْفِتْنَةِ
٤٢٥٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، عن عُثْمَانَ
===
أعمار أهله، أو قربُ مدة الأيام والليالي، حتى تكون السنةُ كالشهر، والشهرُ كالجمعة، والجمعةُ كاليوم، واليومُ كالساعة؛ وذلك لاستلذاذ العيش، يريد - والله أعلم - أنه يقع عند خروج المهدي، ووقوع الأمن في الأرض، وغلبةِ العدل فيها، يستلذ العيش عند ذلك، والحق أن المراد نزع البركهّ من كل شيء حتى من الزمان، وذلك من علامة قرب الساعة.
قال النووى: المراد من قصره عدمُ البركة فيه، وأن اليوم مثلًا يصير الانتقاع به بقدر الانتفاع بالساعة الواحدة، وهذا أظهر وأكثر فائدة, وهو أوفق ليقية الأحاديث, ملخص ما نقل عن "فتح الودود".
(وينقص العلم) بموتِ العلماء وعدم من يقوم مقامهم، (وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج، قِيل: يا رسول الله! أية هو؟ ) أي الهرج ما هو؟ (قال: القتل القتل).
(١) (بابُ النَّهْيِ عَنِ السَّعْيِ في الْفِتْنَةِ) (١)
٤٢٥٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، عن عثمان
стр. 7618
قَالَ: قُلْتُ: أَمِمَّا بَقِيَ أَوْ مِمَّا مَضَى؟ قَالَ: مِمَّا مَضَى" (١). [حم ١/ ٣٩٣، ك ١/ ٥٢٤]
٤٢٥٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ
===
(قال) ابن مسعود: (قلت) لرسول الله ﷺ : (أَمِمَّا بقي أو مِمَّا مضى؟ قال: ممَّا مضى) يريد أن السبعين تتم لهم مستأنفة بعد خمس وثلاثين أم تدخل الأعوام المذكورة في جملتها؟ يعني يقوم لهم أمر دينهم إلى تمام سبعين سنة من أول دولة الإِسلام لا من انقضاء خمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، إلى انقضاء سبعين.
وفي "جامع الأصول" (٢): قيل: إن الإِسلام عند قيام أمره على سنن الاستقامة، والبعد من أحداث الظلمة إلى أن تنقضي مدة خمس وثلاثين سنة، ووجهه أن يكون قد قاله وقد بقي من عمره ﷺ خمس سنين أو ست، فإذا انضمت إلى مدة خلافة الخلفاء الراشدين كانت بالغة ذلك المبلغ. وإن أراد سنة خمس وثلاثين من الهجرة ففيها خرج أهل مصر، وحصروا عثمان ﵁، وإن كان ستة وثلاثين ففيها كانت وقعة الجمل، وإن كانت سبعًا وثلاثين، ففيها وقعة صفين.
٤٢٥٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة، حدثني يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ : يتقارب الزمان) (٣) وفيه تأويلات للعلماء، قيل: يراد به اقترابُ الساعة، أو تقاربُ أهل الزمان بعضهم من بعض في الشر والفتنة، أو قصرُ
стр. 7619
الشَّحَّامِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ أَبِي بَكْرَة، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ يَكُونُ الْمُضْطَجِعُ فِيهَا خَيْرًا مِنَ الْخالِسِ، وَالْجَالِسُ خَيْرًا (١) مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرًا (٢) مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرًا (٣) مِنَ السَّاعِي". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ إبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ". قَالَ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؟
===
الشَحَّام) العدوي، أبو سلمة البصري، يقال: أصم أبيه عبد لله، وقيل: ميمون، قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد القطان وذكر عثمان الشحام فقال: يُعْرَفُ ويُنْكَرُ، ولم يكن عندي بذاك، وعن أحمد: ليس به بأس، وعن ابن معين: ثقة, وكذا قال أبو زرعة, وقال الآجري عن أبي داود - ثقة، وقال النسائي: ليس بالقوي، ومرة قال: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(قال: حدثني مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : إنها ستكون فتنة يكون المضطجع فيها) أي في الفتنة وزمانها (خيرًا من الجالس، والجالس خيرًا من القائم، والقائم خيرًا من الماشي، والماشي خيرًا من الساعي) لأن كل واحد من الأول أبعدُ مباشرة بالفتنة من الآخر.
(قال) أبو بكرة: (يا رسول الله! ما تأمرني؟ قال: من كانت له إبل) ترعى في الأودية (فليلحق بإبله) ويترك البلاد، (ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض) تُزْرَع (فليلحق بأرضه. قال) أبو بكرة لرسول الله ﷺ : (فمن لم يكن له شيء من ذلك) لا إبل، ولا غنم،
стр. 7620
قَالَ: "فَلْيَعْمِدْ (١) إلى سَيْفِهِ فَلْيَضْرِبْ بِحَدِّهِ عَلَى حَرَّةٍ، ثُمَّ لِيَنْجُو (٢) مَا اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ". [م ٢٨٨٧، حم ٥/ ٣٩]
٤٢٥٧ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، نَا الْمُفَضَّلُ، عن عَيَّاضٍ، عن بُكَيْرٍ، عن بُسْرِ بْن سَعِيدٍ، عن حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ الأَشْجَعِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ (٣)، عن النَّبِيِّ ﷺ في هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: قُلْتُ (٤): يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي
===
ولا أرض، فكيف يفعل؟ (قال) رسول الله ﷺ : (فليعمد) أي ليقصد (إلى سيفه فليضرب بحده على حرة) أي حجر، فيكسر حدَّ سيفه، وهو كناية عن ترك القتال (ثُمَّ لِيَنْجُو) أي ليفر ويهرب عن الفتن (ما استطاع النجاء) أي ما استطاع الإسراعَ والهربَ.
٤٢٥٧ - (حدثنا يزيد بن خالد الرملي، نا المفضل، عن عياش، عن بكير، عن بسر بن سعيد، عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعي) ويقال: عبد الرحمن بن الحسين، ويقال: حسين بن عبد الرحمن، ذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الفتن.
(أنه سمع سعدَ بنَ أبي وقاص، عن النبي ﷺ ﷺ في هذا الحديث (٥)، قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت إن دخل عليَّ بيتي،
стр. 7621
وَبَسَطَ (١) يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُنْ كَابْنِ (٢) آدَمَ، وَتَلَا يَزِيدُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ الآية. [ت ٢١٩٤، حم ١/ ١٨٥]
٤٢٥٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، نَا أَبِي، نَا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ، عن الْقَاسِمِ بْنِ غَزْوَانَ، عن إسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ الْجَزَرِيِّ، عن سَالِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ وَابِصَةَ الأَسَدِيُّ،
===
وبسط يده ليقتلني) فماذا أفعل؟ (قال: فقال رسول الله ﷺ : كن كابن آدم) أي فاستسلم حتى تكون قتيلًا كهابيل، ولا تكن قاتلًا كقابيل (وتلا يزيد) شيخ المصنف: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ (٣) الآية).
٤٢٥٨ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا أبي، نا شهاب بن خراش، عن القاسم بن غزوان، عن إسحاق بن راشد الجزري) أبو سليمان الحراني، وقيل: الرقي، مولى بني أمية، وقيل: مولى عمر، قال ابن معين: صالح الحديث ثقة، وقال المفضل بن غسان الغلابي: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن خزيمة: لا يُحتَجّ بحديثه، وقال النسائي في "السنن الكبرى": ليس بذاك القوي، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان وابن الشاهين في "الثقات".
(عن سالم) غير منسوب، عن عمرو بن وابصة، وعنه إسحاق بن راشد، يحتمل أن يكون ابن أبي الجعد، أو ابن أبي المهاجر، قلت: بل أظن أنه ابن عجلان الأفطس.
(قال: حدثني عمرو بن وابصة) بن معبد (الأسدي) الرقي، روى عن أبيه وابصة، وعنه سالم شيخ لإسحاق بن راشد، قلت: ذكره ابن حبان
стр. 7622
عنِ أَبِيهِ وَابِصَةَ، عن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ، فَذكَرَ بَعْضَ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: "قَتْلَاهَا كُلُّهُمْ في النَّارِ". قَالَ فِيهِ: قُلْتُ: مَتَى ذَاكَ (١) يَا ابْنَ مَسعودٍ؟ قَالَ: تِلْكَ أَيَّامُ الْهَرْجِ، حَيْثُ لَا يَأْمَنُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ. قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ الزَّمَانُ؟ قَالَ: تَكُفُّ لِسَانَكَ وَيَدَكَ، وَتَكُونُ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِكَ
===
في "الثقات"، وقال: روى عنه أهل الجزيرة, وأمه أمة بنت عمر بن بشر بن ذي الرمحين.
(عن أبيه وابصة) بن معبد، (عن ابن مسعود قال: سمعت النبي ﷺ يقول، فذكر) ابن مسعود (بعض حديث أبي بكرة، قال: قتلاها كلهم في النار).
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀: قوله: "قتلاها - أي الفتنة - كلهم", وقد عرفت أن الفتنة فتنة ما لم تعلم، أي الحق من الباطل, فمن قُتِل فيها من غير أن يقصد إحقاق الحق كان كذلك، وأما من قُتِلَ في تأييد الحق، أو قُتِلَ ظلمًا لا يريد قتل أحد, فليس هو قتيل فتنة، فاغتنم فإنه غريب، انتهى.
(قال) أي وابصة (فيه) أي في الحديث: (قلت: متى ذاك يا ابن مسعود؟ قال: تلك أيام الهرج (٢)، حيث لا يأمن الرجل جليسَه، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك الزمان؟ قال: تكف لسانَك) عن الكلام في الفتنة (ويدَك) عن قتل أحد (وتكون حِلْسًا من أحلاس بيتك) (٣) أي الزم بيتَك ولا تخرج منه، وأن لا تشارِكْ في الفتنة.
стр. 7623
فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ طَارَ قَلْبِي مَطَارَهُ، فَرَكِبْتُ حَتَّى أَتَيْتُ دِمَشْقَ فَلَقِيتُ خُرَيْمَ بْنَ فَاتِكٍ فَحَدَّثْتُهُ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ الّذِي لَا إلهَ إلَّا هُوَ لَسَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا حَدَّثَنِيهِ ابْنُ مَسْعُودٍ. [حم ١/ ٤٤٨]
٤٢٥٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ ثَرْوَانَ، عن هُزَيْلِ، عن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ
===
(فلما قُتِلَ عثمان) ﵁، قائله وابصة (طار قلبي مَطارَه) قال في "المجمع" (١): أي مال إلى جهة يهواها، وتعلق بها، والمطار موضع الطيران، انتهى. قلت: ويحتمل أن يكون معناه: طار قلبي أي قَلِقَ، وفزع، واستطار، والمطارة مصدر، أو مطاره، أي استطارته.
(فركبتُ حتى أتيتُ دمشق) لأنه لم تكن هناك فتنة (فلقيت خريم بن فاتك) بن أخرم الأزديَّ، أبو أيمن, صحايي، قال البخاري في "التاريخ" (٢): شهد بدرًا، وقال محمد بن عمر: هذا لا يُعْرَفُ (٣)، وإنما أسلم حين أسلم بنو أسد بعد الفتح، فتحول إلى الكوقة فنزلها، وقيل: أسلم خريم ومعه ابنه أيمن يوم الفتح، وجزم ابن سعد بذلك.
(فحدثته) بحديث ابن مسعود (فحلف) خريم (بالله الذي لا إله إلَّا هو لَسَمِعَه) أي خريم هذا الحديث (من رسول الله ﷺ كما حدثنيه ابنُ مسعود).
٤٢٥٩ - (حدثنا مسدد، نا عبد الوارث بن سعيد، عن محمد بن جحادة، عن عبد الرحمن بن ثروان، عن هزيل) بن شرحبيل، (عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : إن بين يدي الساعة) أي قدامها
стр. 7624
فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، وُيمْسِي كَافِرًا، وُيمْسِي مُؤْمِنًا، وُيصْبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرُبوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ، فَإنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَي آدم". [ت ٢٢٠٤، جه ٣٩٦١، حم ٤/ ٤٠٨]
٤٢٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن رَقَبَةَ بْنِ مَصْقَلَةَ،
===
من أشراطها (فتنًا) عظامًا (كقطع الليل المظلم) بكسر القاف وفتح الطاء، أي كل فتنة كقطعة من الليل المظلم في شدتها وظلمتها، وعدم تبيينِ أمرها والتباسها، وفزاعتها، وشيوعها، واستمرارها. (يصبح الرجل فيها) أي في تلك الفتن (مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا" ويصبح كافرًا).
والظاهر أن المراد بالإمساء والإصباح: تقلُّبُ الناس فيها وقتًا دون وقت، لا بخصوص الزمانين، فكأنه كناية عن ترددِ أحوالهم، وتذبذبِ أقوالهم، وتنوع أفعالهم من عهد ونقض، وأمانة وخيانة، ومعروف ومنكر، وسنة وبدعة، وإيمان وكفر.
(القاعد فيها خير من القائم، والماشي فيها خير من الساعي) أي كلما بَعُدَ الشخص عنها وعن أهلها خير له من قربها، واختلاطِ أهلها؛ فإذا رأيتم ذلك (فَكَسِّروا قسيَّكم، وقَطِّعوا) فيها (أوتاركم) جمع وتر، وفيه زيادة المبالغة؛ لأن بعد تقطيع الوتر لا ينتفع به أحد، (واضربوا سيوفكم بالحجارة) حتى تنكسر أو تذهب حدتُها (فإن دخل) بصيغة المجهول (على أحد منكم فليكن) ذلك الأحد (كخير ابني آدم) وهو هابيل، أي فليستسلم حتى يكون قتيلًا، ولا يكون قاتلًا.
٤٢٦٠ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا أبو عوانة، عن رقبة بن مصقلة،
стр. 7625
عن عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ (١) قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِيَدِ ابْنِ عُمَرَ في طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ إذْ أَتَى عَلَى رَأسٍ مَنْصُوبٍ فَقَالَ: شَقِيَ قَاتِلُ هَذَا، فَلمَّا مَضَى قَالَ: وَمَا أُرَى هَذَا إلَّا قَدْ شَقِيَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ مَشَى إلى رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي لِيَقْتُلَهُ فَلْيَقُلْ هَكَذَا (٢)، فَالْقَاتِلُ في النَّارِ، وَالْمَقْتُولُ في الْجَنّةِ".
===
عن عون بن أبي جحيفة، عن عبد الرحمن) وفي نسخة: "ابن سمرة" (قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر في طريق من طرق المدينة إذ أتى على رأس منصوب) على الجذع بأنه صُلِبَ عليه، وقال: صاحب "العون" (٣): لعله رأس ابن الزبير. وكذا في حاشية المكتوبة الأحمدية، والظاهر أنه غير صحيح؛ لأنه يأباه: قوله "في طريق من طرق المدينة"، ولو كان المراد ابنَ الزبير لقال: "في طريق المدينة"، وزيادة لفظ "الطريق" يدل على أنها واقعة المدينة التي وقعت في بعض طرقها، وكذلك قوله الذي يأتي في الحديث: "وما أُرَى إلَّا قد شَقِيَ"، يأبى عن حمل الكلام على ابن الزبير؛ لأن ابن الزبير صحابي دافع عن نفسه وعن المسلمين، وكان هو أحقّ بالخلافة من يزيدَ.
(فقال: شقيَ قال، هذا)؛ لأنه قتل مسلمًا (فلما مضى) أي ابن عمر (قال: وما أرى هذا) أي: المقتول (إلَّا قد شقي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مشى إلى رجل من أمتي ليقتله) ظلمًا (فليقل) أي: فليفعل (هكذا) أي يمد عنقه، ويرضى بقتل نفسه (فالقاتل في النار، والمقتول في الجنة).
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم في "التقرير": قوله: "فليقل هكذا"، كان الظاهر أن المقتول لم يفعل هكذا، وإن كان محتملًا أن يكون فعله، ولذا أورد شقاوة المقتول بصيغة الظن دون شقاوة القاتل؛ لأنه مذكورة بصيغة الجزم.
стр. 7626
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عن عَوْنٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سُمَيْرٍ أَوْ سُمَيْرَةَ، وَرَوَاهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عن عَوْنٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سُمَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ لِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ - يَعْنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ - عن أَبِي عَوَانَةَ، وَقَالَ: هُوَ في كِتَابِي: ابْنُ سَبْرَةَ، وَقَالَ: سَمُرَة، وَقَالُوا: سُمَيْرَة. هَذَا كَلَامُ أَبِي الْوَليدِ.
===
(قال أبو داود: رواه الثوري (١)، عن عون، عن عبد (٢) الرحمن بن سمير، أو سميرة. ورواه ليث بن أبي سليم (٣) عن عون، عن عبد الرحمن بن سميرة، قال أبو داود: قال لي الحسن بن علي: حدثنا أبو الوليد - يعني بهذا الحديث - عن أبي عوانة، وقال) أبو الوليد: (هو في كتابي: ابن سبرة، وقال) أبو عوانة, وفي نسخة: "وقالوا": (سمرة) وقال، وفي نسخة: (وقالوا: سميرة، هذا كلام أبي الوليد).
حاصله: أن الحسن بن علي شيخ المصنف يقول: حدثنا أبو الوليد بهذا الحديث عن أبي عوانة، وقال: الذي في كتابي الذي كتبته عن أبي عوانة ففيه في اسم والد عبد الرحمن مكتوب: ابن سبرة, وقال أبو عوانة عند التحديث: سمرة، وقالوا - أي الناس - في تسمية والد عبد الرحمن - سميرة، وأما على النسخة الثانية، وهو: "وقالوا: سمرة" فيكون معناه: وقال الناس بعضهم: سمرة، وبعضهم: سميرة.
стр. 7627
٤٢٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عن أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عن الْمُشَعِّثِ بْنِ طَرِيفٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ فِيهِ: "كَيْفَ أَنْتَ إذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ يَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ
===
وقالق المنذرى: وذكر البخاري في "تاريخه الكبير" (١) عبد الرحمن هذا، وذكر الخلاف في اسم أبيه، وقال: حديثه في الكوفيين، وذكر له هذا الحديث مقتصرًا منه على المسند، قال الدراقطني: تفرد به أبو عوانة عن رقبة، عن عون ابن أبي جحيفة عنه، يعني عن عبد الرحمن بن سمير.
٤٢٦١ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن المشَعِّث).
في "الخلاصة" (٢): بوزن مِشْرَح، أي: بكسر الميم، وسكون المعجمة، وخفة العين، وفي "التقريب": مشعث بتشديد المهملة يعدها مثلثة، ويقال: منبعث بسكون النون، وفتح الموحدة، وكسر المهملة (ابن طريف) قاضي هراة، قال صالح بن محمد: كان قاضي هراة، ولا نعرف بخراسان قاضيًا أقدم منه إلَّا يحيى بن يعمر, ومشعث جليل لا يُعْرَفُ في قضاة خراسان أجل منه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له في "السنن" حديث أبي ذر هذا، قال أبو داود: لم يذكر المشعثَ في هذا الحديث غيرُ حماد بن زيد.
قلت: وقد رواه جعفر بن سليمان، وغير واحد، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت نفسه، ولم يذكروا المشعثَ.
(عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، فذكر الحديث، قال فيه) أي في الحديث: (كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت) أي القبر (فيه)
стр. 7628
بِالْوَصِيفِ؟ - يَعْنِي الْقَبْر-"، قُلْتُ: اللَّه وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، أَوْ قَالَ مَا خَارَ اللَّه لِي وَرَسُولُهُ، قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ"، أَوْ قَالَ: "تَصَبَّر"، ثُمَّ قَالَ لي: "يَا أَبَا ذَرٍّ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "كَيْفَ أَنْتَ إذْ (١) رَأَيْتَ أَحْجَارَ الزَّيْتِ قَدْ غَرِقَتْ بِالدَّمِ؟ " قُلْتُ: مَا خَارَ اللَّه لِي وَرَسُولُهُ، قَالَ: "عَلَيْكَ بِمَنْ أَنْتَ مِنْهُ"
===
أي في زمان الموت (بالوصيف؟ ) أي الخادم (يعني) بالبيت (القَبر) قيل: محل القبر، وقيل: أجرة حفره (قلت: الله ورسوله أعلم، أو قال: ما خار) أي اختار (الله لي ورسوله).
قال الخطابي (٢): البيت ها هنا القبرُ، والوصيف الخادمُ، يريد أن الناس يشغلون عن دفن موتاهم، حتى لا يوجَدَ من يحفر قبر الميت ويدفنه إلَّا أن يعطي فيه وصيفًا، أو قيمته، وقد يكون معناه أن مواضع القبور تضيق عنهم، فيبتاعون لموتاهم القبورَ كلِّ قبر بوصيف.
وقيل (٣): إن البيوت تصير رخيصة بكثرةِ الموت، وقلةِ من يسكنها؛ فيباع بيت بعبد، وقيل: إنه لا يبقى في البيت إلَّا عبد يقوم بمصالح أهل ذلك البيت.
(قال: عليك بالصبر، أو قال: تَصَبَّر، ثم قال لي: يا أبا ذر! قلت: لبيك وسعديك، قال: كيف أنت إذ رأيت أحجار الزيت) موضع (٤) بالمدينة (قد غرقت بالدم؟ ) أي أحيطت بالدم (قلت: ما خار الله لي ورسوله، قال: عليك بمن أنت منه) قال القاضي: أي ارجع إلى من أنت جئت منه، وخرجت من عنده، يعني أهلك وعشيرتك، والظاهر أن يقال: ارجع إلى إمامك ومن بايعته.
стр. 7629
قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا آخُذُ سيْفِي فَأَضَعُهُ عَلَى عَاتِقِي؟ قَالَ: "شَارَكْتَ الْقَوْمَ إذًا"، قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: "تَلْزَمُ بَيْتَكَ". قَالَ: قُلْتُ: فَإنْ دُخِلَ عَلَيَّ بَيْتِي؟ قَالَ: "فَإنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ ثَوْبَكَ عَلَى وَجْهِكَ يَبُوءُ بِإثْمِكَ وَإثْمِهِ". [جه ٣٩٥٨، ق ٨/ ١٩١، حم ٥/ ١٤٩، ك ٤/ ٤٢٤]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَذْكُرِ الْمُشَعِّثَ في هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ.
===
(قال: قلت: يا رسول الله! أفلا آخذ سيفي فأضعه على عاتقي؟ قال) رسول الله ﷺ : (شاركت القومَ إذًا) أي إذا وضعت سيفك على عاتقك تشارك القوم في الفتنة.
(قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: تلزم بيتكَ. قال) أبو ذر: (قلت: فإن دخل عليَّ) أحد في (بيتي) ليقتلني فماذا أفعل؟ (قال) رسول الله ﷺ : (فإن خشيت أن يبهرك) أي يغلبك (شعاع السيف) أي ضوؤه وبريقه (فألق ثوبك على وجهك) فإن قتلك (يبوء بإثمك وإثمه) أي بإثم قتلك الذي ارتكبه الآن، وبآثامه الآخر التي كانت له أولَّا، أو المراد بإثمك الذي ارتكبته، ومعنى الرجوع به أنه يحط عنك؛ لأنه لما استُشْهِدْتَ عفا الله عنك ذلك الإثم بسبب قتله إياك، وكان ذلك (١) حين قتل الحجاج كبار علماء المدينة، يقال: إنه قتل عشرة آلاف من العلماء، كتبه مولانا محمد يحيى المرحوم في "التقرير".
(قال أبو داود: لم يذكر المشعثَ في هذا الحديث غير حماد بن زيد).
قال الحافظ (٢): وقد رواه جعفر بن سليمان وغير واحد، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت نفسه، ولم يذكر المشعثَ، وذكره حماد بن زيد فقط.
стр. 7630
٤٢٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس قَالَ: نَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، نَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عن أَبِي كَبْشَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وُيمْسِي مُؤْمِنًا وُيصبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْر مِنَ السَّاعِي". قَالُوا: فَمَا (١) تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: "كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ". [حم ٤/ ٤٠٨]
٤٢٦٣ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِصِّيصِيُّ قَالَ: نَا حَجَّاج - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ - قَالَ: نَا (٢) اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ جُبَيْرٍ حَدَّثَهُ، عن أَبِيهِ، عن الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: ايْمُ اللَّهِ، لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
===
٤٢٦٢ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: نا عفان بن مسلم قال: نا عبد الواحد بن زياد، نا عاصم الأحول، عن أبي كبشة قال: سمعت أبا موسى يقول: قال رسول الله ﷺ : إن بين أيديكم فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: كونوا أحلاس بيوتكم) , وقد تقدم ما يتعلق بهذا الحديث قريبًا.
٤٢٦٣ - (حدثنا إبراهيم بن الحسن المصيصي قال: نا حجاج - يعني ابن محمد- قال: نا الليث بن سعد قال: حدثني معاوية بن صالح، أن عبد الرحمن بن جبير حدثه، عن أبيه) أي جبير بن نفير, (عن المقداد بن الأسود قال) أي المقداد: (أيم الله) أي على قسم الله، (لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 7631
"إنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إن السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إن السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، وَلمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا".
(٢) بَابٌ: في كَفِّ اللِّسَانِ
٤٢٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ خَالِدُ بْنُ أَبِي عِمْرانَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْن الْبَيْلَمَانِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ هُرْمُزَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) ﷺ قَالَ: "سَتَكُونُ فِتْنَةٌ صَمَّاءُ
===
إن السعيدَ لَمن جُنب) أي حُفِظَ أو أبعِد من (الفتن، إن السعيد لمَن جُنب الفتن، إن السعيد لَمن جُنب الفتن، ولمن ابتُلي فصبر فواهًا) له: معناه: التلهف والتحسر، أي واهًا لمن باشر الفتنة وسعى فيها، وقيل: معناه الإعجاب والاستطابة، وَلمَنْ بكسر اللام (٢) أي ما أحسن وما أطيب من صبر عليها، وفي "القاموس": واهًا، ويترك تنوينه، كلمةُ تعجبٍ من طيب شيء، وكلمة تلهفٍ من تلف شيء.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في "التقرير": قوله: "فواهًا" تحسر لمن قُتِل، وهو مظلوم، أو استطابة لحاله باعتبار مآله، انتهى.
(٢) (بَابٌ: في كَفِّ اللِّسَانِ)
٤٢٦٤ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثني ابن وهب، حدثني الليث، عن يحيى بن سعيد قال: قال خالد بن أبي عمران، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: ستكون فتنة صَمَّاء
стр. 7632
بَكْمَاءُ عَمْيَاءُ، مَنْ أَشْرَفَ لَهَا اسْتَشْرَفَتْ لَهُ، وَإشْرَافُ اللِّسَانِ فِيهَا كَوُقُوعِ (١) السَّيْفِ".
٤٢٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ قَالَ: نَا لَيْثٌ، عن طَاوُسٍ، عن رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: زِيَادٌ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ،
===
بَكْماء عَمْياء) أي باعتبار أصحابها حيث لا يجدون لها مستغاثًا، ولا يرون منها مخرجًا وخلاصًا، والمعنى لا يميزون فيها بين الحق والباطل، ولا يسمعون النصيحة، والأمر بالمعروف، والنهيَ عن المنكر، بل من تكلم فيها أوذي، ووقع في الفتن والمحن. (من أشرف لها) أي من اطلع عليها، وقرب منها (استشرفت له) أي طلعت تلك الفتنة عليه وجذبته إليها، (وإشراف اللسان) (٢) أي إطلاقه وإطالته (فيها) أي في الفتنة (كوقوع السيف).
٤٢٦٥ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد بن زيد قال: نا ليث، عن طاوس، عن رجل يقال له: زياد) هو زياد بن سليم العبدي، أبو أمامة، المعروف بزياد الأعجم، وهو زياد سيمين كوش مولى عبد القيس، (عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : إنها ستكون فتنة (٣) تستنظف العرب)
стр. 7633
قَتْلَاهَا في النَّارِ، اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وُقُوعِ (١) السَّيْفِ". [ت ٢١٧٨، جه ٣٩٦٧، حم ٢/ ٢١١]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الثَوْرِيُّ، عن لَيْثٍ، عن طَاوُسٍ، عن الأَعْجَمِ.
٤٢٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ قَالَ: زِيادٌ سِيَمِينُ كُوش [انظر سابقه]
(٣) بَابُ (٢) الرُّخْصَة في التَّبَدِّي في الْفِتْنَةِ
٤٢٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عن أَبِيهِ،
===
أي تستوعبهم هلاكًا (قتلاها في النار) لقتالهم على الدنيا واتباعهم الشيطانَ (اللسان فيها أشد من وقوع السيف، قال أبو داود: رواه الثوري، عن ليث، عن طاوس عن الأعجم) وهو زياد سيمين كوش.
٤٢٦٦ - (حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، نا عبد الله بن عبد القدوس قال: زياد سيمين كوش) (٣).
(٣) (بَابُ الرُّخْصَةِ في التَّبَدِّي في الفِتْنَةِ)
أي: الخروج إلى البادية، وترك القرى والبلدان
٤٢٦٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه) عبد الله بن عبد الرحمن،
стр. 7634
عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَواقِعَ الْمَطَرِ (١) يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ". [خ ١٩، جه ٣٩٨٠ ن ٥٠٣٦ , حم ٣/ ٣٠]
(٤) بَابٌ: في النَّهْيِ عَنِ الْقِتَالِ في الْفِتْنَةِ
٤٢٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِل، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن أَيُّوبَ وُيونُسَ، عن الْحَسَنِ، عن الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ - يَعْنِي في الْقِتَالِ-
===
(عن أبي سعيد الخدري قال: قال (٢) رسول الله ﷺ : يوشك) أي يقرب (أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شَعَفَ الجبال) أي رؤوسها وأعاليها، (ومواقع المطر، يفر بدينه من الفتن).
(٤) (بَابٌ: في النَّهْيِ عَنِ الْقِتَالِ في الْفِتْنَةِ)
٤٢٦٨ - (حدثنا أبو كامل، نا حماد بن زيد، عن أيوب ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس) بن معاوية بن حصين التميمي السعدي، أبو بحر البصري، اسمه الضحاك، وقيل: صخر، والأحنف لقب، أدرك النبي ﷺ ولم يسلم، ويُرْوى بسند لين: أن النبي ﷺ دعا له ومناقبه كثيرة، وحلمه يُضْرَبُ به المثَلُ, وكان ثقة مأمونًا قليل الحديث، قال مصعب بن الزبير يوم موته: ذهب اليوم الحزمُ والرأي، وقاله أحمد من طريق الحسن عن الأحنف قال: لست بحليم ولكني أتحالم.
(قال: خرجت وأنا أريد - يعني في القتال -) أي أدخل فيه، وفي نسخة:
стр. 7635
فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: ارْجِعْ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إذَا تَوَاجَهَ (١) الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ في النِّارِ". قَالَ (٢): يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: "إنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ". [خ ٣١، م ٢٨٨٨، ن ٤١٢١، حم ٥/ ٤٦]
٤٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ، عن أَيُّوبَ، عن الْحَسَنِ، بِإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ مُخْتَصَرًا (٣). [انظر سابقه]
===
في قتال الجمل (فلقيني أبو بكرة فقال: ارجع، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما) بأن يريد كل واحد منهما قتلَ الآخر (فالقاتل والمقتول في النار، قال: يا رسول الله! هذا القاتل) أي يصح أن يدخل في النار؛ لأنه قتل مسلمًا، (فما بال المقتول؟ ) فإنه قُتِلَ ظلمًا، فما وجه دخوله في النار؟ (قال: إنه أراد قتلَ صاحبه).
٤٢٦٩ - (حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن أيوب، عن الحسن، بإسناده ومعناه مختصرًا).
فإن قلت: إن في زمان حرب الجمل لم يكن الحق مشتبهًا، بل كان علي ﵁ الخليفَةَ حقًّا، وكانت عائشة - رضىِ الله عنها - على خلاف الحق؛ فعلى هذا كان واجبًا على المسلمين إعانة علي ﵁، فكيف حكم أبو بكرة بحكم هذا الحديث فيها بأن المقتول في النار؟
قلت: هذا التحقق بأن عليًا ﵁ كان على الحق،