فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَم أَكُنْ لأَحْرِقَهُمْ بِالنَّارِ، إنَّ (١) رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُعَذّبُوا بِعَذَابِ اللهِ"، وَكُنْتُ قَاتِلَهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَإنَّ رَسُولَ الله ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ". فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: وَيْحَ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢). [خ ٦٩٢٢، ت ١٤٥٨، ن ٤٠٦٠، جه ٢٥٣٥، حم ١/ ٢١٧]
===
لعلي: إن هنا قومًا على باب المسجد يدّعون أنك ربهم، فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت رَبَّنَا وخالقنا ورازقنا، فقال: ويلكم! إنّما أنا عبد مثلكم، آكل الطّعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء، وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله وارجعوا، فأبوا.
فلما كان الغد غدوا عليه، فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام! فقال: أدخلهم، فقالوا كذلك، فلما كان الثّالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنَّكم بأخبثِ قتلة، فأبوا إِلَّا ذلك، فقال: يا قنبر! ائتني بفَعَلَةٍ معهم مرورهم، فخدّ لهم أخدودًا بين باب المسجد والقصر، وقال: احفروا فأبعدوا في الأرض، وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود، قال: إنِّي طارحكم فيها أو ترجعون؟ فأبوا أن يرجعوا، فقذف بهم فيها، حتّى إذا احترقوا قال:
إنِّي إذا رأيت أمرًا منكرًا ... أوقدت ناري، ودعوت قنبرًا
وسند هذا حسن.
(فبلغ ذلك) أي: إحراقُهم (ابنَ عبّاس) وكان إذ ذاك واليًا على البصرة من قِبل علي ﵁ (فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله ﷺ قال؛ لا تعذبوا بعذاب الله، وكنت قاتِلَهم بقول رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ قال: من بَدَّل دينَه فاقتلوه).
(فبلغ ذلك) أي قول ابن عبّاس (عليًّا فقال: ويح ابن عبّاس)، وفي
стр. 7737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
نسخة: ويح أم ابن عباس.
قال الحافظ (١): كذا عند أبي داود، ورأى علي ﵁ أن النّهي للتنزيه، وأن الإمام إذا رأى التغليظ بذلك فعله، وهذا بناء على تفسير "ويح" بأها كلمة رحمة، فتوجع له لكونه حمل النّهي على ظاهره، فاعتقد التّحريم مطلقًا فأنكر، ويحتمل أن يكون قالها رضًا بما قال، وانه حفظ ما نسيه بناء على أحد ما قيل في تفسير ويح أنها تقال بمعنى المدح والتعجب، وكأنه أخذه من قول الخليل: هي في موضع رأفة واستملاح.
وفي "فتح الودود": وقوله: "ويح ابن عبّاس" مدح له وإعجاب به، كما جاء في بعض الروايات: صدق ابن عبّاس، وقال في محل آخر: واستدل (٢) به على قتل المرتدة كالمرتد، وخصه الحنفية بالذكر بحديث النّهي عن قتل النِّساء، وحمل الجمهور النهيَ على الكافرة الأصلّية إذا لم تباشر القتال لقوله في بعض طرق حديث النّهي عن قتل النِّساء لما رأى المرأة مقتولة: "ما كانت هذه لتقاتل"، ثمّ نهى عن قتل النِّساء.
واحتجوا أيضًا بأن "من" الشرطية لا تعم المؤنث، وتعقب بأن ابن عبّاس راوي الخبر قد قال بقتل المرتدة، وقتل أبو بكر ﵁ في خلافته امرأة ارتدت، والصحابة متوافرون، فلم ينكر ذلك عليه أحد، وقد أخرج ذلك كلَّه ابنُ المنذر، وقد وقع في حديث معاذ أن النّبيّ ﷺ لما أرسله إلى اليمن قال له: "أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد وإلًّا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلًّا فاضرب عنقها"، وسنده حسن، وهو نصّ في موضع النزاع فيجب المصير إليه، انتهى.
قلت: وحديث معاذ هذا الّذي استدل به الحافظ على إثبات قتل المرأة المرتدة لم يعزه إلى مخرجه، ولكن وجدت حديثَ معاذ في "نصب الراية" (٣)
стр. 7738
٤٣٥٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّة، عن مَسْرُوقٍ، عن عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ رَجُلٍ (١) مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسولُ اللهِ إِلَّا بِإحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ" (٢). [خ ٦٨٧٨، م ١٦٧٦، ت ١٤٠٢، ن ٤٠١٦، جه ٢٥٣٤، حم ١/ ٣٨٢]
===
للزيلعي ما يخالف حديثَ معاذ هذا.
قال الزيلعي: حديث آخر رواه الطَّبرانيُّ في "معجمه": حدّثنا حسين بن إسحاق التستري، ثنا هرمز بن المعلى، حدّثنا محمّد بن سلمة، عن الفزاري، عن مكحول، عن أبي طلحة اليعمري، عن أبي ثعلبة الخشني، عن معاذ بن جبل ﵃ أن رسول الله ﷺ قال حين بعثه إلى اليمن: "أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن تاب فأقبل منه، فإن لم يتب فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن ثابت فأقبل منها، وإن أبت فاستتبها"، انتهى.
وأنت ترى أن حديث معاذ الّذي أخرجه الطَّبرانيُّ يخالف ما ذكره الحافظ.
٤٣٥٢ - (حدّثنا عمرو بن عون، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله) بن مسعود (قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إِلَّا الله، وأني رسول الله) ذِكْرُ الشّهادة بعد قوله "مسلم" زيادة توكيد لإسلامه (إِلَّا بإحدى ثلاث) أي خصال: (الثيب الزاني) إذا زنى يُرجَم، وكذا الزانية إذا كانت محصنة تُرجَم، (و) الثّاني: (النفس بالنفس) أي نفس قتل نفسًا فيقتَلُ بها، (و) الثّالث: (التارك لدينه) الإسلام، يدلُّ عليه قوله: رجل مسلم (المفارق للجماعة) أي: لجماعة المسلمين، فإنّه إذا ارتد عن الإسلام بعد كونه مسلمًا يقتل.
стр. 7739
٤٣٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْبَاهِلِيُّ (١)، نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عن عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ (٢) مُسْلِم يَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ إِلَّا في إحْدَى (٣) ثَلَاثٍ: رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصَانٍ، فَإنَّهُ يُرْجَمُ، وَرَجُلٌ خَرَجَ مُحَارِبًا للَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإنَّهُ يُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ،
===
والمرأة المرتدة اختلف فيها، فالحنفية قالوا: لا تقتل بل تحبس حتّى تتوب أو تموت، وقال الجمهور: تقتل. ثمّ اعترض بأن من يقاتل يقتل، والجواب بأن المقصود في الحديث بيان أنه لا يجوز قتله إِلَّا بإحدى هذه الخصال، لا أنه لا يجوز القتال معه، فلا إشكال بالباغي؛ لأن الموجود هناك القتال لا القتل.
٤٣٥٣ - (حدّثنا محمّد بن سنان الباهلي، نا إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : لا يحل دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إِلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، إِلَّا في إحدى ثلاثٍ) أي خصال.
(رجل زنى بعد إحصان فإنّه يُرجَم، ورجل خرج محاربًا (٤) لله ورسوله فإنّه يُقتَل) إذا قتل (أو يُصلَب) إذا قتل وأخذ المال (أو ينفى من الأرض) إذا لم يقتل ولم يأخذ المال وأخافَ فقط.
واختلفوا في معناه، قال بعضهم: يُخرَج من بلد إلى بلد، وقال بعضهم: إنّه يُحبَس، وهذا داخل في الثّالثة، ولم يذكر فيه الارتداد، كما في الرِّواية المتقدمة؛ لأنه ليس داخلًا في المسلم إِلَّا مجازًا باعتبار ما كان، فإنّه كان مسلمًا،
стр. 7740
أَوْ يَقْتُلُ نَفْسًا فَيُقْتَلُ بِهَا". [ت ٤٠١٦، حم ٦/ ٢٠٥]
===
ولما ارتدّ عن الإسلام صار كافرًا، فإذا قتل لم يصدق عليه أنه قتل مسلمًا.
(أو يقتل نفسًا) متعمدًا (فَيُقْتَل بها).
قال ابن جرير (١): واختلف أهل العلم في المستحق اسمَ المحارب لله ورسوله، الّذي يلزمه حكم هذه، فقال بعضهم: هو اللص الّذي يقطع الطريقَ، وهو عطاء الخراساني، وقتادة، وقال آخرون: هو اللص المجاهر بلصوصيَّته، المكابر في العصر وغيره، وممن قال ذلك الأوزاعي، وقال مالك بن أنس: من حمل السلاح على المسلمين في مصرٍ أو خلاء، فكان ذلك منه على غير نائرة كانت بينهم، ولا دخل ولا عداوة، قاطعًا للسبيل والطريق والديار، مخيفًا لهم بسلاحه، فقتل أحدًا منهم قتله الإمام كقتله المحارب.
وقال الوليد: سألت [عن] ذلك اللَّيث بن سعد وابن لهيعة، قلت: تكون المحاربة في دور العصر والمدائن والقرى؟ فقالا: نعم، إذا هم دخلوا عليهم بالسيوف علانية أو ليلًا بالنيران، فقلت: إذا أخذوا المال ولم يقتلوا؟ فقال: نعم هم المحاربون، فإن قتلوا قُتلوا، وإن لم يقتلوا وأخذوا المال قُطِعُوا من خلاف إذا هم خرجوا به من الدَّار، وليس من حارب المسلمين في الخلاء والسبيل بأعظم من محاربة من حاربهم في حريمهم ودورهم، وهو قول (٢) الشّافعيّ.
وقال آخرون: المحارب هو قاطع الطريق، فأمّا المكابر في الأمصار فليس بالمحارب الّذي له حكم المحاربين، وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه.
ثمّ اختلف أهل التّأويل في هذه الخلال أتلزم المحارب باستحقاقه اسمَ المحاربة، أم يلزمه ما لزمه من ذلك على قدر جرمه مختلفًا باختلاف إجرامه؟ خص ابن عبّاس إذا حارب فقتل، فعليه القتل إذا ظُهِرَ عليه قبل توبته،
стр. 7741
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وإذا حارب وأخذ المال وقتل، فعليه الصلب إن ظُهِرَ عليه قبل توبته، وإذا حارب وأخذ ولم يقتل، فعليه قطع اليد والرَّجل من خلاف إن ظُهِر عليه قبل توبته، وإذا حارب وأخاف السبيل، فإنّما عليه النَّفْي.
وقال آخرون: الإمام فيه بالخيار أن يفعل أيَّ هذه الأشياء الّتي ذكر الله في كتابه.
ومذهب الحنفية ما قال "في البدائُع" (١): قطع الطريق أربعة أنواع:
إمّا أن يكون بأخذ المال لا غير؛ وإما أن يكون بالقتل لا غير؛ وإما أن يكون بهما جميعًا؛ وإما أن يكون بالتخويف من غير أخذ ولا قتل.
فمن أخذ المال ولم يقتل قُطِعت يده ورجله من خلاف، ومن قتل ولم يأخذ المال قُتِل، ومن أخذ المال وقتل، قال أبو حنيفة ﵀: الإمام بالخيار، إن شاء قطع يده ورجله، ثمّ قتله أو صلبه، وإن شاء لم يقطعه وقتله أو صلبه. وعندهما: يقتل ولا يقطع.
ومن أخاف ولم يأخذ مالًا ولا قتل نفسًا يُنفى، والنَّفْي في قوله ﵎: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢)، قال بعضهم: المراد منه وينفوا من الأرض بحذف الألف (٣)، ومعناه: وينفوا من الأرض بالقتل والصلب، إذ هو النَّفْي من وجه الأرض حقيقة، وهذا على قول من تأول الآية الشريفة في المحارب الّذي أخذ المال، وقيل: إن الإمام يكون مخيرًا بين الأجزية الثّلاثة، والنَّفْي من الأرض ليس غير واحد من هذه الثّلاثة في التخيير؛ لأن بالقتل والصلب يحصل النَّفْي، فكذا لا يجوز أن يجعل النَّفْي مشاركًا الأجزيةَ الثلاثةَ في التخيير؛ لأنه لا يزاحم القتل لأنه دونه بكثير، وقيل: نفيه أن يطرد حتّى يخرج من دار الإسلام، وهو قول الحسن.
стр. 7742
٤٣٥٤ - حَدثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: نَا (١) يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ مُسَدَّدٌ، نَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ:
===
وعن إبراهيم النخعي في رواية: أن نفيه طلبه، وبه قال الشّافعيّ ﵀: أنه يطلب في كلّ بلد، والقولان لا يصحان؛ لأنه إن طلب في البلد الّذي قطع الطريق ونفي عنه، فقد ألقي ضرره على بلد آخر، وإن طلب من كلّ بلد من بلاد الإسلام ونفي عنه يدخل دار الحرب، وفيه تعريض له على الكفر وجعله حربًا لنا، وهذا لا يجوز.
وعن النخعي في رواية أخرى: أنه يحبس (٢) حتّى يحدث توبة، وفيه نفي عن وجه الأرض مع قيام الحياة إِلَّا عن الموضع الّذي حبس فيه، ومثل هذا في عُرف النَّاس يسمى نفيًا عن وجه الأرض وخروجًا عن الدنيا، كما أنشد لبعض المحبوسين:
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا جاءنا السجان يومًا لحاجة ... عجبنا، وقلنا؛ جاء هذا من الدنيا
كذا في "البدائع" (٣).
٤٣٥٤ - (حدّثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: نا يحيى بن سعيد، قال مسدد: نا قرة بن خالد) ولم يذكر تحديث أحمد، وقد تقدمت هذه الرِّواية في أول كتاب القضاء، وقال فيه: حدّثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، نا قرة، نا حميد بن هلال، حدثني أبو بردة، فما أدري ما وجه تخصيص مسدد بذكر تحديث مسدد منفردًا نا قرة بن خالد، والحال أن أحمد بن حنبل مشارك فيه؟ ! .
стр. 7743
نَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، نَا أَبُو بُرْدَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: أَقْبَلْتُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ: أَحَدُهُمَا عن يَمِينِي، وَالآخَرُ عن يَسَارِي، فَكِلَاهُمَا (١) سَأَلَا (٢) الْعَمَلَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ سَاكِتٌ، فَقَالَ: "مَا تَقُولُ يَا أَبَا مُوسى، أَوْ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ؟ "، قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا في أَنْفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ.
قَالَ: وَكَأَنّي (٣) أَنْظُرُ إلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ قَلَصَتْ،
===
(نا حميد بن هلال، نا أبو بردة قال: قال أبو موسى: أقبلت إلى النّبيّ ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين).
قال الحافظ (٤): هما من قومه، ولم أقف على إسمهما، ووقيع في "الأوسط" للطبراني من طريق عبد الملك بن عمير، عن أبي يردة في هذا الحديث: أن أحدهما ابن عم أبي موسى، وعند مسلم من طريق يزيد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة، رجلان من بني عمي، إنتهى.
(أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، فكلاهما سألا العمل) أي سألاه أن يجعلهما عاملًا على ناحية (والنبي ﷺ ساكت، فقال) النّبيّ ﷺ : (ما تقول يا أبا موسى أو) شك من الراوي (يا عبد الله بن قيس؟ ) وهو اسم أبي موسى، وإنّما سأل عنه رسول الله ﷺ عن مراده؛ لأنه لعلّه فهم أن يكون مراده مرادهما.
(قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما) أي ما أخبراني به (وما شعرت) أي بطريق أخرى (إنهما يطلبان العمل) كأنه اعتذر وأظهر أني لم أحضر عندك لطلب العمل (قال) أبو موسى: (وكأني انظر إلى سواكه تحت شفته قَلصَتْ) أي ارتفعت فإنه متأسف على سؤالهما.
стр. 7744
قَالَ (١): "لَنْ نَسْتَعْمِلَ - أَوْ لَا نَسْتَعْمِلُ - عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى، أَوْ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ". فَبَعَثَهُ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ. قَالَ: فَلمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ مُعَاذٌ قَالَ: انْزِلْ، وَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً، فَإذَا (٢) رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ (٣)، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ، دِينَ السُّوءِ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: اجْلِسْ، نَعَم، قَالَ: لَا أَجْلِس حَتَّى يُقْتَل، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ، ثَلَاث مِرَار، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ
===
(قال) رسول الله ﷺ للرجلين: (لن نستعمل أو) للشك من الراوي (لا نستعمل على عملنا من أراده) أي وطلبه؛ لأن الطالب لنفسه لا يكون مؤتمنًا، وأمّا الّذي لا يطلب ويكره فيستدلى به على أمانته (ولكن اذهب أنت يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس، فبعثه) أي أبا موسى عاملًا (على اليمن، ثمّ أتبعه معاذَ بنَ جبلٍ) أي إلى اليمن، ولكن كان بعثُ معاذٍ على غير ما بعث عليه أبا موسى من أراضي اليمن وجوانبها، فكان معاذ إذا سار في ولايته أقرب من أبي موسى يزوره.
(قال) أبو بردة: (فلما قدم عليه) أي على أبي موسى (معاذ قال) أبو موسى: (أنزل) عن الدابة (وألقى له) أي لمعاذ (وسادة) أي مخدة أو فراشًا إكرامًا للضيف (فإذا رجل عنده) أي عند أبي موسى (مُوثَق) أي مشدود في الوثاق.
(قال) معاذ: (ما هذا؟ قال) أبو موسى: (هذا كان يهوديًا فأسلم، ثمّ راجع دينَه دينَ السوء) أي تَهَوَّدَ (قال) معاذ: إِلَّا أجلس حتى يُقْتَلَ، قضاء الله ورسوله) خبر مبتدأ محذوف، أي هذا قضاء الله ورسوله.
(قال) أبو موسى: (اجلس! نعم) يُقتَل (قال) معاذ: إِلَّا أجلس حتى يُقتَل، قضاء الله ورسوله، ثلاث مرار، فأمر به فَقُتِل).
стр. 7745
ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيْلِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا - مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ -: أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ، أَوْ أَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَرْجُو في نَوْمَتِي مَا أَرْجُو في قَوْمَتِي". [خ ٦٩٢٣، م ١٧٣٣، حم ٤/ ٤٠٩]
٤٣٥٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا الْحِمَّانِيُّ - يَعْنِي عَبْدَ الْحَمِيدِ (١) بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ -، عن طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى وَبُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبي بُرْدَةَ، عن أَبِي مُوسَى قَالَ: "قَدِمَ عَلَيَّ مُعَاذٌ - وَأَنَا بِالْيَمَنِ - وَرَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسلَمَ فَارْتَدَّ عن الإسْلَامِ. فَلمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ
===
(ثمّ تذاكرا) أي أبو موسى ومعاذ (قيامَ اللّيل، فقال أحدُهما - معاذُ بْنُ جبل -) خبر مبتدأ محذوف أي هو، أو بدل من لفظ أحدهما (أما أنا فأنام) في اللّيل (وأقوم) في آخره للصلاة (أو) للشك من الراوي (أقوم وأنام، وأرجو في نومتي ما أرجو في قَومتي) أي أتوقَّع الأجرَ والثوابَ في نومتي؛ لأنها تعين على العبادة، فإن النفس تستريح بها ما أتوقع من الأجر والثواب في قيامي للصلاة.
٤٣٥٥ - (حدّثنا الحسن بن علي، نا الحماني) بكسر المهملة وتشديد الميم (يعني عبد الحميد بن عبد الرّحمن) أبو يحيى الكُوفيُّ، ولقبه بشمين، أصله خوارزمي، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو داود: كان داعية في الإرجاء، وقال النَّسائيُّ: ليس بقوي، وقال في موضع آخر: ثقة، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال ابن سعد وأحمد: كان ضعيفًا، وقال العجلي: كوفي، ضعيف الحديث، مرجئ، وقال البرقي: قال ابن معين: كان ثقة ولكنه ضعيف العقل.
(عن طلحة بن يحيى وبريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال) أبو موسى: (قدم عليَّ معاذ وأنا باليمن، ورجل) الواو للحال (كان يهوديًا فأسلم، فارتد عن الإسلام، فلما قدم معاذ) أي على أبي موسى
стр. 7746
قَالَ: لَا أَنْزِلُ عن دَابَّتِي حَتَّى يُقْتَلَ، فَقُتِلَ. قَالَ أَحَدُهُمَا: وَكَانَ قَدِ اسْتُييبَ قَبْلَ ذَلِكَ". [حم ٥/ ٢٣٩، ق ٨/ ٢٠٦]
٤٣٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، نَا حَفْصٌ، نَا الشَّيْبَانِيُّ، عن أَبِي بُرْدَةَ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ: "فَأُتِيَ أَبُو مُوسَى بِرَجُلٍ قَدْ ارْتَدَّ عن الإسْلَامِ، فَدَعَاهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، فَجَاءَ مُعَاذٌ، فَدَعَاهُ فَأَبَى، فَضُرِبَ عُنُقُهُ". [ق ٨/ ٢٠٦]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عن أَبِي بُرْدَةَ، لَمْ يَذْكُرِ الاسْتِتَابَةَ. وَرَوَاهُ ابْنُ فُضَيْلٍ، عن الشَّيْبَانِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ،
===
ضيفًا (قال) أي معاذ: (لا أنزل عن دابتي حتّى يُقتَل) أي هذا المرتد (فقُتِل، قال أحدهما) أي من طلحة بن يحيى وبريد بن عبد الله: (وكان قد استتيب قبل ذلك) أي طلب منه أن يتوب عن الارتداد ويسلم فلم يَتُبْ.
٤٣٥٦ - (حدّثنا محمّد بن العلاء، نا حفص، نا الشيباني، عن أبي بردة، بهذه القصة، قال: فأتي أبو موسى برجل قد ارتد عن الإسلام، فدعاه عشرين نيلة أو قريبًا منها) إلى أن يرجعَ إلى الإسلام، ويتوبَ عن ارتداده (فجاء معاذ، فدعاه، فأبى فضرب) ببناء المجهول أو المعلوم (عنقه) وفي العبارة تقديم وتأخيره، وتقدير العبارة هكذا: فدعاه عشرين ليلة أو قريبًا منها، فدعاه فأبى عن قبول الدّعوة في هذه الأيَّام، فجاء معاذ فضرب عنقه، فالاستتابة المثبتة هو استتابة أبي موسى، وأمّا المنفية فاستتابة معاذ (١).
(قال أبو داود: رواه عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة (٢)، لم يذكر الاستتابة، ورواه ابن فضيل (٣)، عن الشيباني، عن سعيد بن أبي بردة،
стр. 7747
عن أَبِيهِ عن أَبِي مُوسَى، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الاسْتِتَابَةَ.
٤٣٥٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، نَا الْمَسْعُودِيُّ، عن الْقَاسِمِ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ: "فَلَمْ يَنْزِلْ حَتَّى ضُرِبَ عُنُقُهُ، وَمَا اسْتَتَابَهُ". [انظر مَا قبله]
٤٣٥٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبي السَّرْحِ (١) يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ فَلَحِقَ بِالْكُفَّارِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَأَجَارَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ". [ن ٤٠٦٩]
٤٣٥٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ،
===
عن أبيه، عن أبي موسى، لم يذكر فيه الاستتابة).
٤٣٥٧ - (حدّثنا ابن معاذ، نا أبى) معاذ، (نا المسعودي، عن القاسم، بهذه القصة، قال: فلم ينزل حتّى ضُرِبَ عنقه، وما استتابه) أي ما استتابه معاذ بعد الاستتابة من أبي موسى.
٤٣٥٨ - (حدّثنا أحمد بن محمّد المروزي، نا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه) حسين بن واقد، (عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: كان عبد الله بن سعد بن أبي السرح يكتب) الوحيَ الرسول الله ﷺ ، فأزله الشيطان) أي حمله على الزلة (فلحق بالكفار) مرتدًا (فأمر به رسول الله ﷺ أن ئقتَل يوم الفتح) فيمن أهدر دمهم وأمر بقتله (فاستجار) أي طلب الأمان (له عثمان بن عفان فأجاره) أي آمنه (رسول الله ﷺ ).
٤٣٥٩ - (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أحمد بن المفضل،
стр. 7748
نَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ (١) قَالَ: زَعَمَ السُّدِّيُّ، عن مُصعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عن سَعْدٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ اخْتَبَأَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَجَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَايِعْ عَبْدَ اللهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: "أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إلَى هَذَا حِينَ (٢) رَآنِي كَفَفْتُ يَدَيَّ عن بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ؟ "، فَقَالُوا: مَا نَدْرِي (٣) يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا في نَفْسِكَ، أَلَا أَوْمَأْتَ
===
نا أسباط بن نصر قال: زعم) أي: قال (السَّدِّيِّ) الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن (عن مُصْعَب بن سعد، عن) أبيه (سعد) بن أبي وقاص (قال: لما كان يوم فتح مكة اختبأ) أي اختفى (عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان) كان أخا عثمان من الرضاعة (فجاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ فقال) عثمان: (يا رسول الله! بايِعْ عبدَ الله، فرفع) رسول الله ﷺ (رأسَه فنظر إليه) ويقول عثمان: يا رسول الله! بايِعْ عبدَ الله (ثلاثًا، كل ذلك) أي في كل واحد من المرات الثلاث (يأبى) رسول الله ﷺ ، أي لا يبايعه (فبايعه بعد ثلاث، ثمّ أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد) أي ذو رشد وفهم (يقوم إلى هذا) أي إلى عبد الله بن سعد بن أبي السرح (حين رآني كففتُ يدي عن بيعته فيقتله؟ ).
قال في "فتح الودود": فيه أن التوبة عن الكفر في حياته ﷺ كانت موقوفة على رضاه ﷺ . قلت: لعله مخصوص بمن أمر ﷺ بإهدار دمه قبل ذلك.
(فقالوا) أي الصحابة: (ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألَّا أومأْتَ)
стр. 7749
إلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟ قَالَ: "إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ". [ن ٤٠٦٧]
٤٣٦٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي إسْحَاقَ، عن الشَّعْبِيِّ، عن جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ إلَى الشِّرْكِ (١) فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ". [م ١٢٤، ن ٤٠٥٤، حم ٤/ ٣٦٥]
(٢) بَابُ الْحُكْمِ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ -
٤٣٦١ - حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى الْخُتَلِيُّ، نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ،
===
أي أشرتَ (إلينا بعينك) بقتله؟ (قال) رسول الله ﷺ : (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنةُ الأعين) أي خيانة الأعين، أو الأعين الخائنة.
٤٣٦٠ - (حدّثنا قتيبة بن سعيد، نا حميد بن عبد الرّحمن، عن أبيه) عبد الرّحمن، (عن أبي إسحاق، عن الشّعبيّ، عن جرير قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: إذا ابق العبد إلى الشرك) أي ارتد عن الإسلام، أو إلى أهل الشرك، فإذا ابق إلى أهل الشرك فالظاهر أنه يرجع إلى الشرك فالجزاء يترتب عليه، وهو حِلَّةُ دمِه وجوازُ قتلِه، وأمّا إذا كان بقي على الإسلام فالظاهر أنه محمول على التغليظ والتشديد (فقد حَلَّ دَمُه).
(٢) (بَابُ الْحُكْمِ فِيمَنْ سَبَّ (٢) النبيَّ ﷺ )
٤٣٦١ - (حدّثنا عباد بن موسى الخُتَّلي (٣)، نا إسماعيل بن جعفر المدني،
стр. 7750
عن إسْرَائِيلِ، عن عُثْمَانَ الشَّحَّامِ، عن عِكْرِمَةَ قَالَ: نَا ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَعْمَى كَانتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتِمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَيزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ (١) ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ في النَّبِيِّ ﷺ وَتَشْتِمُهُ، فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ (٢)
===
عن إسرائيل، عن عثمان الشحام) العدوي، أبو سلمة البصري، يقال: اسم أبيه عبد الله، ويقال: ميمون، قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد القطان، وذكر عثمان الشحام (٣)، فقال: يعرف وينكر, ولم يكن عندي بذاك، وعن أحمد: ليس به بأس، وعن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو زرعة, وقال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسًا، وقال الآجرى عن أبي داود: ثقة، أو قال: ليس به بأس، وقال النَّسائيُّ: ليس بالقوي، وقال مرّة: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في "الثقات".
(عن عكرمة قال: نا ابن عبّاس: أن أعمى) لم أقف على تسميته (كانت له أم ولد) أي غير مسلمة (تشتم النّبيّ ﷺ وتقع فيه) أي تذكره بالسوء (فينهاها) أي الأعمى يمنعها عن شتمه (فلا تنتهي) أي لا تمتنع (ويزجرها) بالعنف (فلا تنزجر) أي لا تكف لسانها.
(قال) ابن عبّاس: (فلما كانت ذات ليلة جَعَلَتْ) أي شَرَعَتْ (تقع في النّبيّ ﷺ وتشتِمُه، فأخذ المغول) بكسر الميم، وسكونِ الغين المعجمة، وفتحِ الواو، واللام، قال في "النهاية" (٤): شِبْه سيفٍ قصيرٍ يشتمل به الرَّجل تحت ثيابه فيغطِّيه، وقيل: حديدة دقيقة لها حَدٌّ ماضٍ، وقيل: هو سوط في جوفه سيفٌ دقيقٌ يشدّ به الفاتك على أوسطه ليغتال به النَّاس، كذا في "مرقاة الصعود".
стр. 7751
فَوَضَعَهُ في بَطْنِهَا، وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ، فَلَطَخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: "أَنْشُدُ اللهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ" (١)، فَقَامَ الأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ، وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَنَا صَاحِبُهَا كَانَتْ تَشْتِمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، وَلي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلَ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ (٢) الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتِمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ (٣)
===
(فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك) بالدم من الفراش والثياب (بالدم).
والحديث أخرجه النَّسائيُّ، وليس فيه من قوله: "فوقع بين رجليها" إلى قوله: "بالدم".
(فلما أصبح) أي صار الصباح (ذُكِرَ ذلك) أي قتلُها (للنبي ﷺ ، فجمع النَّاس فقال) رسول الله ﷺ : (أنشد اللهَ رجلًا فعل ما) أي الّذي (فعل) وهو قَتلُها، (لي عليه حق) من الإطاعة وإجابة الدّعوة (إِلَّا قام) وأخبرني بما فعل (فقام الأعمى يتخطى الناسَ، وهو يتزلزل) أي يتحرك خوفًا (حتّى قعد بين يدي النّبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها) أي قاتِلُها، وقصتها أنها (كانت تشتمك، وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة)، وإنّما قال ذلك ليدفع عن نفسه تهمته في قتلها غير ما ذكره، فبين أنها كانت رفيقة، ولي منها أولاد صغار.
(فلما كان البارحة جعلتْ تشتمكَ، وتقع فيك، فأخذت المِغْوَلَ فوضعتُه
стр. 7752
في بَطْنِهَا، وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قتَلْتُهَا. فَقَالَ (١) النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَا اشْهَدُوا إن دَمَهَا هَدْرٌ". [ن ٤٠٧٠]
٤٣٦٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، عن جَرِيرٍ، عن مُغِيرَةَ، عن الشَّعْبِيِّ، عن عَلِيٍّ: أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتِمُ
===
في بطنها، واتكأت عليها حتّى قتلتُها، فقال النّبيّ ﷺ : ألَّا اشهدوا أن دَمَها هدر) أي ساقط.
قال الشوكاني (٢): وفي حديث ابن عبّاس وحديث الشّعبيّ دليل على أنه يُقتَل مَنْ شتم النبيِّ ﷺ ، وقد نقل ابن المنذر الاتفاقَ على أن من سب النّبيّ ﷺ صريحًا وجب قتله، ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشّافعيّة في "كتاب الإجماع": أن من سب النّبيّ ﷺ بما هو قذف صريح كفر باتِّفاق العلماء، فلو تاب لم يسقط عنه القتل؛ لأن حد قذفه القتلُ، وحد القذف لا يسقط بالتوبة، وخالفه القفال فقال: كفر بالسبِّ، فسقط القتل بالإِسلام، وقال الصَّيدلُّاني: يزول القتل، ويجب حد القذف.
قال الخطابي: لا أعلم خلافًا في وجوب قتله إذا كان مسلمًا، وقال ابن بطّال: اختلف العلماء فيمن سَبَّ النّبيّ، فأمّا أهل العهد والذِّمَّة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك: يُقتَل من سبه ﷺ منهم إِلَّا أن يسلم، وأمّا المسلم فيقتل بغير استتابة، ونقل ابنُ المنذر عن اللَّيث، والشّافعيّ، وأحمد، وإسحاق مثلَه في حق اليهودي ونحوه، وروي عن الأوزاعي، ومالك في مسلم أنها ردة يستتاب منها، وعن الكوفيين إن كان ذميًّا عُزِّر، وإن كان مسلمًا فهي ردة.
٤٣٦٢ - (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة وعبد الله بن الجراح، عن جرير، عن مغيرة، عن الشّعبيّ، عن علي: أن يهودية كانت تشتم
стр. 7753
النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتَّى مَاتَتْ فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دَمَهَا. [ق ٩/ ٢٠٠]
٤٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيِلَ، نَا حَمَّادُ، عن يُونُسَ، عن حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ .
(ح): وَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله وَنُصَيْرُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَا: نَا أَبُو أُسَامَةَ، عن يَزبدَ بْنِ زُريعٍ، عن يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ، عن حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطَرِّفٍ، عن أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: "كُنْتُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، فَتَغَيَّظَ
===
النّبيّ ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتّى ماتت، فأبطل رسول الله ﷺ دمَها)
وهذا القتل محمول على السياسة.
قال في "رد المحتار" (١): قوله: "ويكون التعزير بالقتل"، رأيت في "الصارم المسلول" للحافظ ابن تيمية: أن من أصول الحنفية أن ما لا قتل فيه عندهم مثل القتل بالمثقل، والجماع في غير القبل إذا تكرر، فللإمام أن يقتل فاعله، وكذلك له أن يزيد على الحدّ المقدَّر إذا رأى المصلحة في ذلك، ويحملون ما جاء عن النّبيّ ﷺ وأصحابه من القتل في مئل هذه الجرائم على أنه رأى المصلحة في ذلك، ويسمونه القتل سياسة، وكان حاصله: أن له أن يُعَزَّرَ بالقتل في الجرائم الّتي تعظمت بالتكرار، وشرع القتل في جنسها, ولذا أفتى أكثرهم بقتل من أكثر مِنْ سَبَّ النّبيّ ﷺ من أهل الذِّمَّة، وإن أسلم بعد أخذه، وقالوا: يقتل سياسة.
٤٣٦٣ - (حدّثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن يونس، عن حميد بن هلال، عن النّبيّ ﷺ ، ح: ونا هارون بن عبد الله ونصير بن الفرج قالا: نا أبو أُسامة، عن يريد بن زريع، عن يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مطرف، عن أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر فتغيظ) أبو بكر
стр. 7754
عَلَى رَجُلٍ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: تَأْذَنُ لِي يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: فَأَذْهَبَتْ كَلِمَتِي غَضَبَهُ، فَقَامَ فَدَخَلَ فَأَرْسَلَ إلَيَّ، فَقَالَ: مَا الّذِي قُلْتَ آنِفًا؟ قُلْتُ: ائْذَنْ لِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ: أَكُنْتَ فَاعِلًا لَوْ أَمَرْتُكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: لَا وَاللهِ، مَا كَانَتْ لِبَشَرٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﵇" (١). [ن ٤٠٧٢، حم ١/ ١٠]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا لَفْظُ يَزِيدَ (٢).
===
(على رجل) لم أقف على اسمه (فاشتد) أي الرَّجل (عليه) أي على أبي بكر وَسَبَّه، ويحتمل أن يكون معناه: فاشتد غضبُ أبي بكر على ذاك الرَّجل.
(فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله أضرِبَ عنقه؛ قال: فأذهبت كلمتي) هذه الّتي قلتها له في استئذان القتل (غضبَه، فقام) أبو بكر (فدخل) البيت (فأرسل إليّ) فدعاني (فقال: ما الّذي قلتَ آنفًا؟ قلت) له: إنِّي قلت لك: (ائذن لي أضرب عنقه، قال) أبو بكر: (أكنتَ فاعلًا لو أمرتُكَ؟ ) قال: أبو برزة: (قلت: نعم، قال: لا، والله) أي لا يجوز والله (ما كانت لبشر بعد محمدٍ ﵇.
يعني لو أمر ﷺ في التغيظِ وسَبِّ الآخر له بالقتل لجاز قتله، وأمّا غيره ﷺ من خلفائه وامرائه إذا سَبَّهم أحد أو تغيظوا على أحد وأمروا بقتله لا يجوز قتله؛ لأن تغيظه ﷺ لم يكن إِلَّا حقًّا، وأمّا تغيظنا فحق وباطل.
(قال أبو داود: وهذا) أي المذكور (لفظ يزيد)، وهذا الحديث يدل على أن غضب الصحابي على أحد، وكذ! غضب أحدٍ علمِه وَسَبّه، ليس بمستوجب لكفرِه وقتلِه.
стр. 7755
(٣) بَابُ مَا جَاءَ في الْمُحَارَبَةِ
٤٣٦٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُكْلٍ - أَوْ قَالَ: مِنْ عُرْيْنَةَ - قَدِمُوا عَلَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَاجْتَوُوا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ (١) ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا
===
(٣) (بَابُ مَا جَاءَ في الْمُحَارَبَةِ) (٢)
أي: محاربة الله ورسوله
٤٣٦٤ - (حدّثنا سليمان بن حرب، نا حماد، عن أَيّوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك: أن قومًا من عُكْل) بضم العين وسكون الكاف (٣) (قال: من عرينة) مصغرًا، وهما قبيلتان، قال في "مرقاة الصعود": روى أبو عوانة: "قال: كانوا أربعةً من عرينة، وثلاثةً من عكل" (قدموا على رسول الله ﷺ )، فأسلموا (فاجتووا المدينةَ) أي ما وافقهم هواء المدينة، ومرضوا بانتفاخ البطن، فسألوا رسولَ الله ﷺ أن يبعثهم مع ذود (٤) (فأمر لهم رسول الله ﷺ بلقاح) أي بنوق ذات اللبن، واحدها لقحة (وأمرهم أن يشربوا من أبوالها (٥). وألبانها) في واء لهم، ولعلّه ﷺ علم شفاءهم فيها بالوحي (فانطلقوا، فلما صحُّوا) أي برؤوا من المرض ارتدوا عن
стр. 7756
قَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللهِ (١) ﷺ ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ خَبَرُهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ في آثَارِهِمْ، فَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ حَتَّى جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَسَمَرَ (٢) أَعْيُنَهُمْ وَأُلْقُوا في الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ". [خ ٦٨٥٥، م ١٦٧١، ن ٤٠٢٨، به ٢٥٧٨]
قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ سَرَقُوا، وَقَتَلُوا، وَكَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا الله وَرَسُولَهُ.
٤٣٦٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، عن أَيُّوبَ،
===
الإسلام وكفروا و (قتلوا راعي رسول الله ﷺ ، واستاقوا النعم) أي الإبل.
(فبلغ النبيَّ ﷺ خبرُهم من أول النهار، فأرسل النّبيّ ﷺ في آثارِهم) أي ورائهم في طلبهم (فما ارتفع النهار حتّى جيء بهم) أي أسارى (فَأَمَر بهم فَقُطِعَت أيديهم وأرجلُهم، وسمر أعينهم) أي بمسامير محماة (وأُلقوا في الحرَّة يستسقون فلا يُسْقون).
(قال أبو قلابة: فهولاء قوم سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله).
وقال بعض المفسرين: فيهم نزلت الآية ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (٣). قيل: ما أمر النّبيّ ﷺ بذلك، وإنّما فعله الصّحابة من عند أنفسهم، وقيل: فعل ذلك قصاصًا؛ لأنهم فعلوا بالراعي مثل ذلك، وقيل: بل لشدة جنايتهم، كما يشير إليه كلام أبي قتادة.
٤٣٦٥ - (حدّثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب عن أَيّوب
стр. 7757
بِإسْنَادِهِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ فِيهِ: "فَأَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ، وَقَطَعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَمَا حَسَمَهُمْ". [خ ٣٠١٨]
٤٣٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَا. (ح): وَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عن الأَوْزَاعِيِّ، عن يَحْيَى، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ: "فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في طَلَبِهِمْ قَافَةً فَأُتيَ بِهِمْ (١)، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى في ذَلِكَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية". [خ ٦٨٠٢، م ١٦٧١]
٤٣٦٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيل، نَا حَمَّادُ، نَا ثَابِتٌ وَقَتَادَةُ وَحُمَيْدٌ،
===
بإسناده بهذا الحديث قال فيه: فأمر بمسامير فأُحميت) بالنار (فكحلهم) أي أعينهم بها (وقطع أيديهم وأرجلهم، وما حَسَمَهم) أي لم يقطع دماءهم بالكي؛ لأن الحسم لانقطاع الدِّم، وهو لإبقاء الحياة، ولم يكن القصد هاهنا إبقاءهم بل المقصود قتلهم، فلذلك لم يحسمهم.
٤٣٦٦ - (حدّثنا محمّد بن الصباح بن سفيان، أنا، ح: ونا عمرو بن عثمان، حدّثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، بهذا الحديث، قال فيه: فبعث رسول الله ﷺ في طلبهم قافة) جمع قائف، وهو الّذي يتبع آثار الماشي ويعرف أقدامهم (فَأُتِي بهم، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٢) الآية)، فإنهم لما ارتدوا وقتلوا وأخذوا المال جمع رسول الله ﷺ بين سائر الأجزية.
٤٣٦٧ - (حدّثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا ثابت وقتادة وحميد،
стр. 7758
عن أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ (١)، قَالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمْ يَكْدِمُ الأَرْضَ بِفِيهِ عَطَشًا حَتَّى مَاتُوا. [م ١٦٧١، ت ٧٢، ن ٤٠٣٤، جه ٢٥٧٨، حم ٣/ ٢٨٧، خت ٥٦٨٦]
٤٣٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيِّ، عن هِشَامٍ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، نَحْوَهُ، زَادَ: "ثُمَّ نُهِيَ عن الْمُثْلَةِ" (٢). [حم ٣/ ١٧٧]
===
عن أنس بن مالك، ذكر هذا الحديثَ، قال أنس: فلقد رأيت أحدَهم يَكْدِمُ الأرض) أي يعضّها (بفيه عطشًا حتّى ماتوا).
٤٣٦٨ - (حدّثنا محمّد بن بشار، نا ابن أبي عدي، عن هشام، عن قتادة، عن أنس بن مالك، بهذا الحديث، نحوه، زاد: ثمّ نهى عن المثلة).
قال ابن جرير في "تفسيره" (٣): وقد اختلف أهل العلم في نسخ حكمه ﷺ في العرنيين، فقال بعضهم: ذلك حكم منسوخ، نسخه نهيُه عن المثلة بهذه الآية، يعتي قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية، وقالوا: نزلت هذه الآية عتابًا لرسول الله ﷺ فيما فعل بالعرنيين، وقال بعضهم: بل فعلُ النّبيّ ﷺ بالعرنيين حكم ثابت في نظرائهم أبدًا، لم يُنسَخ ولم يبدّل، وقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية حكم من الله فيمن حارب وسعى في الأرض فسادًا بالحرابة، قالوأ: والعرنيون ارتدوا وقتلوا
стр. 7759
٤٣٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ، عن أَبِي الزِّنَادِ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ - قَالَ أَحْمَدُ: يَعْنِي هُوَ عَبْدُ الله بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -، عن ابْنِ عُمَر: "أَنَّ نَاسَا أَغَارُوا عَلَى إبِلِ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَاقُوهَا (١) وَارْتَدُّوا عن الإسْلَامِ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ مُؤْمِنًا، فَبَعَثَ في آثَارِهِمْ، فَأُخِذُوا، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، قَالَ: وَنَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ الْمُحَارَبَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْحَجَّاجَ حِينَ سَأَلَهُ". [ن ٤٠٤١]
===
وسرقوا وحاريوا الله ورسوله، فحكمهم غير حكم الساعي في الأرض بالفساد من أَهل الإسلام والذِّمَّة.
وقال آخرون: لم يَسْمُلِ النّبيّ ﷺ أعين العرنيين، ولكنه كان أراد أن يسمُلَ، فأنزل الله جلَّ وعز هذه الآية على نبيه يعرِّف الحكم فيهم، ونهاه عن سمل أعينهم.
٤٣٦٩ - (حدّثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو (٢)، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي الزِّناد، عن عبد الله بن عبيد الله، قال أحمد) بن صالح شيخ المصنِّف: (يعني هو عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن الخطّاب، عن ابن عمر: أن ناسًا أغاروا على إبل النّبيّ ﷺ واستاقوها، وارتدوا عن الإسلام، وقتلوا راعي النّبيّ ﷺ مؤمنًا، فبعث) أي الطلب (في آثارهم فَأُخذوا، فقطع أيديهم وأرجلَهم، وسمل أعينَهم، قال) ابن عمر: (ونزلت فيهم آية المحاربة، وهم الذين أخبر عنهم أنسُ بنُ مالك الحجاجَ) بنَ يوسف الثقفي (حين سأله) أي سأل
стр. 7760
٤٣٧٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرَو بْنِ السَّرْح، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي (١) اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ (٢)، عن أَبِي الزَّنَادَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا قَطَعَ الّذِينَ سَرَقُوا لِقَاحَهُ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ بِالنَّارِ عَاتَبَهُ الله تَعَالَى في ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآية". [ن ٤٠٤٢، ق ٨/ ٢٨٣]
٤٣٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا. (ح): وَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ: أَنَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: "كَانَ هَذَا
===
الحجاجُ أنسَ بنَ مالك عن أشد عقوبة عاقبها النّبيّ ﷺ ، فأخبره أنس بما فعله النّبيّ ﷺ بالعرنيين.
٤٣٧٠ - (حدّثنا أحمد بن عمرو بن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني اللَّيث بن سعد، عن محمّد بن عجلان، عن أبي الزِّناد: أن رسول الله ﷺ ) قال المنذري (٣): هذا مرسل، وأخرجه النَّسائيُّ مرسلًا (لَمّا قطع الذين سرقوا لقاحه، وسمل أعينهم بالنار) أي بالحديدة المحماة بالنار (عاتبه الله تعالى في ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآية) (٤)، وهذا أحد الأقوال في تفسير الآية، وهذا القول لو كان صحيحًا فوجهه عدمُ انتظار الوحي، ومسارعةُ الاجتهاد في الحكم.
٤٣٧١ - (حدّثنا محمّد بن كثير، أنا، ح: ونا موسى بن إسماعيل قال: أنا همام، عن قتادة، عن محمّد بن سيرين قال: كان هذا) أي عقوبة العرنيين
стр. 7761
قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ - يَعْنِي حَدِيثَ أَنَسٍ -". [ق ٨/ ٢٨٣]
٤٣٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ، ثَنَا (١) عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
نَزَلَتْ هَذ الآيَةُ في الْمُشْرِكِينَ، فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَ (٢). [ن ٤٠٤٦]
===
(قبل أن تنزل الحدود، يعني حديث أنس) الّذي فيه قصة العرنيين.
٤٣٧٢ - (حدّثنا أحمد بن محمّد بن ثابت، ثنا علي بن حسين، عن أبيه) حسين بن واقد، (عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحدّ الّذي أصاب).
كتب في حاشية الأحمدية معزيًّا إلى مولانا محمّد إسحاق: لعلّه مذهب ابن عبّاس.
وكتب مولانا محمّد يحيى المرحوم في "التقرير": قوله: "لم يمنعه ذلك أن يقام ... إلخ"، أراد بالحد جزاء ما ارتكبه، وضمان ما أتلفه لا الحدّ المصطلح شرعًا، فإذا أسلم المشرك بعد قطعِه الطريقَ، وأخذِه المالَ فيه وقتلِه كان حق الله عفوًا عنه، وأمّا ولي المقتول ورب المال فلهما مطالبته بحقيهما، فعلى هذا لا يخالف مقالة ابن عبّاس مذهمب الجمهور.
стр. 7762
(٤) بَابٌ في الْحَدِّ يُشْفَعُ فِيهِ ؟
٤٣٧٣ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي. (ح): وَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، نَا اللَّيْثُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةٍ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا؟ - يَعْنِي رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ النَّبِيِّ (١) ﷺ ؟
فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أُسَامَةُ، أَتَشْفَعُ في حَدٍّ
===
قال المنذري (٢): في إسناده علي بن حسين بن واقد، وفيه مقال.
(٤) (بَابٌ في الْحَدِّ يُشْفَعُ فِيهِ؟ )، بتقدير حرف الاستفهام
٤٣٧٣ - (حدّثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني قال: حدثني، ح: ونا قتيبة بن سعيد الثقفي، نا اللَّيث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أن قريشًا أَهَمَّهم) أي أوقعهم في الهمّ (شأنُ المرأة المخزومية الّتي سرقت) قال في "مرقاة الصعود": اسمها فاطمة بنت الأسود، وفي "الإصابة": بنت أبي الأسود (٣)، وقيل: بنت الأسود بن عبد الأسد، قال ابن سعد: وفي رواية أهل المدينة وغيرهم من أهل مكّة: [أن] الّتي سرقت فقطع رسول الله ﷺ يدها أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد، وكانت تستعير الحلي وتجحده، فاتفق أنها سرقت فأمر رسول الله ﷺ بقطع يدها.
(فقالوا: من يكلِّم فيها؟ - يعني رسولَ الله ﷺ ) بالشفاعة لها (قالوا: ومن يجترئ إِلَّا أُسامة بن زيد حِبُّ النّبيّ ﷺ ؟ ) لأنه ابن متبناه زيد بن حارثة، فقالوا لأسامة (فكلَّمه أسامةُ، فقال رسول الله ﷺ : يا أُسامة! أتشفع في حد
стр. 7763
مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ " ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: "إنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَأَيْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ (١) سَرَقَتْ لقطَعْتُ يَدَهَا". [خ ٣٤٧٥، م ١٦٨٨، ت ١٤٣٠، ن ٤٩٠١، جه ٣٥٤٧، حم ٦/ ٤١]
٤٣٧٤ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ (٢) يَدِهَا.- وَقَصَّ نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ قَالَ: فَقَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهَا-". [م ١٦٨٨ , حم ٦/ ١٦٢]
===
من حدود الله تعالى؟ ثمّ قام فاختطب) أي خطب النَّاس (فقال: إنّما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه) لأجل شرافته فيراعونهما (وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ) فيضعون حدود الله، فأهلكهم الله لذلك، (وأيم الله لو أن فاطمةَ بنتَ رسولِ الله ﷺ سرقت) , أعاذها الله من ذلك (لقطعتُ يَدَها).
٤٣٧٤ - (حدّثنا عبّاس بن عبد العظيم ومحمد بن يحيى قالا: نا عبد الرزّاق، أنا معمر، عن الزّهريُّ، عن عروة، عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية) قبيلة من قريش (تستعير المتاع وتجحده) أي كانت في أول الأمر ذلك حالها، فذكر لبيان حالها لا لسبب قطع يدها، ثمّ اتفق أنها سرقت أيضًا (فأمر النّبيّ ﷺ بقطع يدها) أي في السّرقة (وَقَصَّ) معمر (نحو حديث اللَّيث، قال: فقطع النّبيّ ﷺ يَدَها).
стр. 7764
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوى ابْنُ وَهْبٍ هَذَا الْحَدِيثَ، عن يُونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ فِيهِ كَمَا قَالَ اللَّيْثُ: إنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ في غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَرَوَاهُ الليْثُ عن يُونُسَ، عن ابْنِ شِهَابٍ، بِإسْنَادِهِ، قَالَ (١): اسْتَعَارَتِ امْرَأَةٌ، وَرَوَاهُ مَسْعُودُ بْنُ الأَسْوَدِ، عن النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: "سُرَقَتْ قَطِيفَةٌ مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ " (٢).
===
(قال أبو داود: روى ابن وهب (٣) هذا الحديثَ عن يونس، عن الزّهريُّ، وقال فيه كما قال اللَّيث: إن امرأة سرقت على عهد النّبيّ ﷺ في) زمان إلخزوة الفتح، ورواه اللَّيث عن يونس، عن ابن شهاب، بإسناده، قال: استعارت امرأة (٤)، ورواه مسعود بن الأسود) (٥). بن حارثة القُرَشيُّ العدوي المعروف بابن العجماء.
قال ابن عبد البرّ: كان من السبعين الذين هاجروا من بني عدي بن كعب، وكان من أصحاب الشجرة، روى حديثَه ابنُ إسحاق، عن محمّد بن طلحة بن ركانة، عن أمه عائشة بنت المسعود بن الاْسود، عن أبيها قال: لما سرقت تلك المرأة القطيفةَ من بيت رسول الله ﷺ ، الحديث.
(عن النّبيّ ﷺ نحو هذا الخبر، قال: سُرِقَتْ قطيفةٌ من بيت رسول الله ﷺ .
стр. 7765
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ أَبُو الزُّبَيْرِ عن جَابِرٍ: "أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ، فَعَاذَتْ بِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ".
٤٣٧٥ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، قَالَا: نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَيْدٍ نَسَبَهُ جَعْفَرٌ إلَى سَعِيدِ بْنِ زيدٍ بنِ عَمْرٍو بْنِ نُفَيْلٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ". [حب ٩٤، حم ٦/ ١٨١، ق ٨/ ٢٦٧، قط ٣/ ٢٠٧]
===
قال أبو داود: ورواه أبو الزُّبير (١) عن جابر: أن امرأة سرقت فعاذت بزينب (٢) بنت رسول الله ﷺ ) والمرأة هي المخزومية، ولما لم تجترئ رينب على الشفاعة فيها آل الأمرُ إلى أُسامة بن زيد.
٤٣٧٥ - (حدّثنا جعفر بن مسافر ومحمد بن سليمان الأنباري قالا: نا ابن أبي فديك، عن عبد الملك بن زيد) بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي المدني، قال ابن أبي حاتم عن أبي الجنيد: ضعيف الحديث، وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في "الثقات" (٣)، روى له أبو داود، والنَّسائيّ حديثًا واحدًا: حديث عمرة، عن عائشة: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتِهم"، والثّاني: "تُرْفَع زينة الدنيا سنة خمس وعشرين ومائة"، قال: وهذان الحديثان منكران، لم يروهما غير عبد الملك.
(نسبه جعفر) بن مسافر شيخ المصنِّف (إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل) ولم ينسبه محمّد بن سليمان الشّيخ الثّاني للمصنف، (عن محمّد بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : أقيلوا) أي اعفوا عن (ذوي الهيئات) الحسنةِ (عثراتِهم) أي زلاّتِهم (إِلَّا الحدود).
стр. 7766
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال في "الدرجات" (١): قال الشّافعيّ: ذوو الهيئة من لم تظهر منهم ريبة، وفي "النهاية" (٢): من لا يُعرَفون بشرٍّ فيزَلّ أحدهم زلة، أي تجاوَزُوأ عن ذوي الهيئات الحسنة، وهم من لزموا هيئة واحدة، وسمتًا واحدًا خيرًا، فلا تختلف حالاتهم بأن تنقلهم من كذا إلى كذا هيئة.
وقال البيضاوي: ذوي الهيئات أصحاب الذوات والخصال الحميدة، أو ذوو الوجوه من النَّاس، والعثرات صغار الذنوب، وما يندر عنهم من خطايا، فالاستثناء في قوله: "إِلَّا الحدود" منقطع، أو الذنوب مطلقًا، وبالحدود ما يوجبها فيكون متصلًا، والخطاب مع الأئمة وغيوهم ممّن يستحق مؤاخذة وتأديبًا عليها.
وهذا الحديث أحد الأحاديث الّتي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني، وكانت انتهت إليه رئاسة معوفة الحديث ببغداد على "المصابيح" للبغوي، وزعم أنها موضوعة، فرد عليه (٣) الحافظ ابن حجر بكراسته، وقال ابن عدي: هو منكر بهذا الإسناد، ولم يروه غير عبد الملك، وقال المنذري: عبد الملك ضعيف، قال الحافظ ابن حجر: لم ينفرد به بل رواه غيره، أخرجه النَّسائيُّ (٤) بطريق عطاف بن خالد، عن عبد الرّحمن بن محمّد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة، وعطاف به ضَعْفٌ لكنه غير متروك، فيقوى أحد الطريقين بالآخر، وقد رواه النَّسائيُّ من طريق آخر عن عمرة، وفيها اختلاف بوصل وإرسال، وبدون هذا يرتفع الحديث عن كونه متروكًا، فضلًا عن كونه موضوعًا.
وقال الحافظ صلاح الدين العلّائي: عبد الملك بن زيد هذا قال له النَّسائيُّ:
стр. 7767
(٥) بَابٌ (١): يُعْفَى عَنِ الْحُدُودِ مَا لَمْ تَبْلُغِ السُّلْطَانَ
٤٣٧٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ، عن عَمُرٍو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدِّ فَقَدْ وَجَبَ". [ن ٤٨٨٦]
(٦) بَابُ السَّتْرِ عَلَى أَهْلِ الْحُدُودِ
٤٣٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن سُفْيَانَ، عن زَيْدِ بْنِ
===
ليس به بأس، ووثقه ابن حبّان، فالحديث حسن إن شاء الله تعالى لا سيما مع إخراج النَّسائيُّ له، كأنه لم يخرج بكتابه منكرًا، ولا واهيًا، ولا عن رجل متروك.
(٥) (بَابٌ: يُعْفَى عَنِ الْحُدُودِ مَا لَمْ تَبْلُغِ السُّلْطَانَ) (٢)
٤٣٧٦ - (حدّثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب قال: سمعت ابنَ جريج يحدث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) شعيب، (عن) جده (عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: تعافوا الحدود فيما بينكم) أي تجاوزوا عنها, ولا ترفعوها إليَّ (فما بلغني من حد) أي ما ثبت عندي (فقد وجب) ولا يجوز فيه التجاوز والعفو.
(٦) (بَابٌ السَّتْرِ عَلَى أَهْلِ الْحُدُودِ)
أي: استحبابه، ولعلّه مقصود فيما فيه حق (٣) - الله تعالى فقط
٤٣٧٧ - (حدّثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، عن زيد بن
стр. 7768
أَسْلَمَ، عن يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ، عن أَبِيهِ: أَنَّ مَاعِزًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فأَقَرَّ عِنْدَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ، وَقَالَ لِهَزَّالٍ: "لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ (١) خَيْرًا لَكَ". [حم ٥/ ٢١٦، ق ٨/ ٣٣٠]
٤٣٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، نَا يَحْيَى، عن ابْنِ الْمُنْكَدِرِ: "أَنَّ هَزَّالًا أَمَرَ مَاعِزًا أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فيُخْبِرَهُ". [ق ٨/ ٣٣١]
===
أسلم، عن يزيد بن نعيم، عن أبيه) نعيم بن هزال بفتح [الهاء و] الزاي
المشددة، الأسلمي، مختَلَف في صحبته، روى عن النّبيّ ﷺ قصة ماعز
الأسلمي عن أبيه، ذكره ابن حبّان في "الثقات".
(إن ماعزًا أتى النّبيّ ﷺ ) وقيل: (فأقر عنده أربع مرات) بالزنا وكان محصنًا (فأمر) أي رسول الله ﷺ (برجمه، وقال) النّبيّ ﷺ (لهزال: لو سترته بثوبك كان خيرًا لك)، وكان هزال (٢) أمره بالاعتراف بالزنا عند رسول الله ﷺ ، فقال له: لو أمرتَه بالستر لكان خيرًا.
٤٣٧٨ - (حدّثنا محمّد بن عبيد، نا حماد بن زيد، نا يحيى، عن ابن المنكدر: أن هزالًا أمر ماعزًا أن يأتي النّبيّ ﷺ فيخبره) بما فعل من الزِّنا، فأخبره وأقرَّ عنده فأمر بالرجم، وقال لهزال: لو سترته.
стр. 7769
(٧) بَابٌ: في صَاحِبِ الْحَدِّ يَجِيءُ فَيُقِرُّ
٤٣٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، نَا الْفِرْيَابِيُّ، نَا إسْرَائِيلُ، نَا سِمَاكُ بْنُ حَرْب، عن عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ، عن أَبِيهِ: "أَنَّ امْرَأَةً خَرَجَتْ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ تُرِيدُ الصَّلاةَ فَتَلَقَّاهَا رَجُلٌ فَتَجَلَّلَهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا فَصَاحَتْ، وَانْطَلَقَ، وَمَرَّ عَلَيْهَا رَجُلٌ (١) فَقَالَتْ: إنَّ ذَاكَ (٢) فَعَلَ بِي كَذَا وَكَذَا، وَمَرَّتْ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَتْ: إنَّ ذَاكَ (٣) الرَّجُلَ فَعَلَ بِي كَذَا وَكَذَا، فَانْطَلَقُوا فَأَخَذُوا الرَّجُلَ الذِي ظَنَتْ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَتَوْهَا بِهِ فَقَالَتْ: نَعَمْ هُوَ هَذَا، فَأَتَوا بِهِ رَسُول اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَمَرَ بِهِ
===
(٧) (بَابٌ: في صَاحِبِ الْحَدِّ يَجيءُ فَيُقِرُّ)
٤٣٧٩ - (حدّثنا محمّد بن يحيى بن فارس، نا الفريابي، نا إسرائيل، نا سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه) وائل بن حجر: (إن امرأة خرجت على عهد النّبيّ ﷺ ) إلى المسجد (تريد الصّلاة فتلقاها رجل فتجلّلها) أي تغشاها (فقضى حاجته منها) أي من الجماع (فصاحت) أي رفعت صوتها (وانطلق) أي الرَّجل الزاني (ومر عليها رجل) آخر (فقالت: إن ذاك) أي الرَّجل الآخر المارّ (فعل بي كذا وكذا) كناية عن الجماع (ومرت عصابة) أي جماعة (من المهاجرين فقالت: إن ذاك الرَّجل) وأشارت إلى الرَّجل الآخر (فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا فأخذوا الرَّجل الّذي ظَنَّتْ) أي قالت (أنه) أي الرَّجل (وقع عليها، فأتوها به) أي أتوا عندها بذلك الرَّجل الآخر وسألوها هل الّذي فعل بكِ هذا؟
(فقالت: نعم، هو هذا، فأتوا به رسولَ الله ﷺ ، فلما أمر به) أي بالرجل
стр. 7770
قَامَ صَاحِبُهَا الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا، فَقَالَ؛ يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا صَاحِبُهَا، فَقَالَ لَهَا: "اذْهَبِي فَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكِ". وَقَالَ لِلرَّجُلِ (١) قَوْلًا حَسَنًا، فَقَالُوا لِلرَّجُلِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا: "ارْجُمْه"
===
بإقامة الحدّ عليه، وفي رواية التّرمذيّ: لِيُرْجَمَ، ولا يخفى أنه بظاهره مشكل؛ إذ لا يستقيم الأمر بالرجم من غير إقرار، ولا بينة، وقول المرأة لا يصلح لينة، بل هي الّتي تستحق أن تُحَدَّ حَدَّ القذف، فلعلّ المراد: فلما قارب أن يأمر به، وذلك قاله الراوي نظرًا إلى ظاهر الأمر حيث إنهم أحضروه في المحكمة عند الإمام، والإمام اشتغل بالتفتيش عن حاله، كذا في "فتح الودود".
وكتب مولانا محمّد يحيى المِرحوم في "التقرير": قوله: "فلما أمر به. ... إلخ"، الظّاهر أن الأمر لم يكن إلَّا بإخراجِه وإبعادِه، حيث رأوه اختل عقله وتشتت أمره، ولم يثبتت عليه شيء، ولم ينقح وجه القضية إِلَّا أَن صاحب الفعلة الّتي كان ارتكبها ظن انهم إنّما يذهيون به لإقامة الحدّ عليه فاعترف لظنه بذلك، وكذلك هن روى هاهنا , فلما أمر به ليرجم، إنّما زاد لفظ الرَّجْم لظنه إحاطتهم به لذلك، وإنّما كانوا حدقوا به ليبعدوه ويخرجوا من جنابه، ولكن الازدحام كثيرًا ما يمنع النظار عن أن ينكشف لهم الأمر كما هو، فظن الراوي أن الأمر قد وقع للرجم فيخرجونه لذلك, فرواه على ما زعم مع أنه لم يكن ذلك، انتهى.
(قام صاحبها الّذي وقع عليها، فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها) الّذي فعل بها تلك الفعلة (فقال لها) رسول الله ﷺ : (اذهبي فقد غفر الله لكِ) فإنها كانت مكرهة (وقال للرجل) البريء الّذي زعمت غلطًا أنه هو الّذي وقع عليها (قولًا حسنًا) ليجبر خاطرَه.
(فقالوا) أي الصّحابة لرسول الله ﷺ (للرجل) أي في حق الرَّجل (الّذي وقع عليها: ارجمه) خطاب لحضرة النّبيّ ﷺ ، فأمر برجمه (٢)
стр. 7771
فَقَالَ: "لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَقُبِلَ مِنْهُمْ". [ت ١٤٥٤، حم ٦/ ٣٩٩]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرِ أَيْضًا عن سِمَاكٍ.
(٨) بَابٌ: في التَّلْقِينِ في الْحَدِّ
٤٣٨٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن أَبِي الْمُنْذِرِ مَوْلَى أَبِي ذَرٍّ، عن أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ:
===
فَرُجِمَ (فقال) رسول الله ﷺ : (لقد تاب توبة) وهي اعترافُه بالزناء، وتسليمُ نفسه للرجم (لو تابها أهل المدينة) أي جميعهم لمعاصيهم (لَقُبِلَ منهم).
(قال أبو داود: ورواه أسباط بن نصر (١) أيضًا عن سماك)، كما رواه إسرائيل عن سماك.
(٨) (بَابٌ: في التَّلْقِينِ في الْحَدِّ)
وهو التكلم بكلمة عند الجاني فيفهم منه الإنكار عن الحدّ، فينكره، وهذا التلقين مستحب لدرء الحدّ لا لإسقاط حق المسروق منه، فيعطى له حقه وإن اندرأ الحدّ
٤٣٨٠ - (حدّثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبي المنذر مولى أبي ذر) الغفاري، قال في "التقريب": مقبول (عن أبي أمية المخزومي) ويقال: الأنصارى، حجازي، لم يختلف على حماد بن سلمة أنه مخزومي، والذي قال: من الأنصار، همام بن يحيى، صحابي، له حديث واحد.
стр. 7772
أَنَّ النَّبِيَّ (١) ﷺ أُتِيَ بِلِصٍّ قَدِ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ" قَالَ: بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ وَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ: "اسْتَغْفِرِ اللهِ وَتُبْ إلَيْهِ"، فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ الله وَأَتُوبُ إلَيْهِ، فَقَالَ: "اللهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ - ثَلَاثًا -". [ن ٤٨٧٧، جه ٢٥٩٧، حم ٥/ ٢٩٣، دي ٢٣٠٧]
===
(أن النبي ﷺ أتي بلصٍّ قد اعترف اعترافًا، ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله ﷺ : ما إخالك) (٢) أي ما أظنك (سرقتَ) قيل: أراد بذلك النّبيّ ﷺ تلقينَ الرجوع عن الاعتراف، وللإمام ذلك في السارق إذا اعترف، كما تشير إليه ترجمة المصنِّف، ومن لا يقول به يقول: لعلّه ظن بالمعترف غفلة عن معنى السّرقة وأحكامها، أو لأنه استبعد اعترافه بذلك لأنه ما وجد معه متاع، كذا في السندي (٣) على "النسائي".
(قال: بلى) أي سرقتُ (فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، فأمر به فقطع) يده، (وجيء به) بعد القطع (فقال) رسول الله ﷺ : (استغفر الله وتب إليه، فقال) الرَّجل: (أستغفر الله وأتوب إليه)، وهذا يدلُّ على أن (٤) الحدّ ليس بكفارة للذنوب، والكفارة هي التوبة (فقال) ﷺ : (اللهُمَّ تب عليه، - ثلاثًا-).
стр. 7773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال في "فتح القدير" (١): قوله: يجب القطع بإقراره مرّة واحدة عند أبي حنيفة، ومحمد، ومالك، والشّافعيّ، وأكثرِ علماء هذه الأمة، وقال أبو يوسف: لا يقطع إِلَّا بإقرار مرتين، وهو قول أحمد، وابن أبي ليلى، وزفر، وابن شبرمة، وروي عن أبي يوسف اشتراط كون الإقرارين في المجلسين.
استدلوا بالمنقول والمعنى.
أما المنقول فما روى أبو داود، عن أبي أمية المخزومي، "أنه ﵊ أتي بلص قد اعترف، ولم يوجد معه متاع، فقال ﷺ : ما إخالك سرقت، فقال: بلى يا رسول الله! فأعادها ﵇ مرتين أو ثلاثًا فأمر به فقطع"، فلم يقطعه إِلَّا بعد تكرار إقراره.
وأسند الطحاوي (٢) إلى علي ﵁: أن رجلًا أقر عنده بسرقة مرتين، فقال: قد شهدت على نفسك شهادتين فأمر به فقطع، فعلقها في عنقه.
وأمّا المعنى: فإلحاق الإقرار بها بالشهادة عليها في العدد، فيقال: حَدَّ، فيُعتبرُ عدد الإقرار به بعدد الشهود، نظيره إلحاق الإقرار في حد الزِّنا في العدد بالشهادة فيه.
ولأبي حنيفة ما أسنده الطحاوي (٣) إلى أبي هريرة في هذا الحديث، "قالوا: يا رسول الله! إن هذا سرق، فقال: ما إخاله سرق، فقال السارق: بلى، يا رسول الله! قال: اذهبوا به فاقطعوه، ثمّ احسموه، ثمّ ائتوني به، قال: فذهب به فقُطع، ثمّ حُسم، ثمّ أُتي به إلى رسول الله ﷺ فقال: تب إلى الله ، فقال: تبت إلى الله ، فقال: تاب الله عليك". فقد قطعه بإقراره مرّة.
стр. 7774
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، عن هَمَّامٍ، عن إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: عن أَبِي أُمَيَّةَ - رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ -، عن النَّبِيِّ ﷺ (١).
(٩) بَابٌ في الرَّجُلِ يَعْتَرِفُ بِحَدٍّ وَلَا يُسَمِّيهِ
٤٣٨١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا عُمَرُ (٢) بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عن الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ: "أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ (٣) ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ
===
وأمّا المعنى فمعارض بحد القذف؛ والقصاص، وهو وإن لم يكن حدًّا فهو في معناه من حيث إنّه عقوبة، هكذ! ظهر الموجب مرّة، فيكتفي به كالقصاص وحد القذف.
تم قال (٤): وباب الرجوع في حق الحدّ لا ينتفي بالتكرار، فله أن يرجع يعد التكرار فيقبل في الحدود، ولا يصح في المال رجوعه بوجه؛ لأن صاحب المال يكذبه.
(قال أبو داود: رواه عمرو بن عاصم، عن همام) بن يحيى، (عن إسحاق بن عبد الله قال: عن أبي أمية - رجلِ من الأنصار -، عن النّبيّ ﷺ ).
(٩) (بَابٌ في الرَّجُلِ يَعْتَرِفُ بِحَدٍّ وَلَا يُسَمِّيهِ)، أي: لا يعيِّنه
٤٣٨١ - (حدّثنا محمود بن خالد، ثا عمر بن عبد الواحد؛ عن الأوزاعي قال: حدثني أبو عمار قال: حدثني أبو أمامة: أن رجلًا أتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنِّي أصبت حدًّا) ولم يعين ما يوجب الحدّ (فأقمه عليَّ،
стр. 7775
قَالَ: "تَوَضَّأْتَ حِينَ أَقْبَلْتَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "هَلْ صَلَّيْتَ مَعَنَا حِينَ صَلَّيْنَا؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "اذْهَبْ فَإنَّ الله قَدْ عَفَا عَنْكَ". [م ٢٧٦٥، حم ٥/ ٢٦٤]
(١٠) بَابٌ في الامْتِحَانِ بِالضَّرْبِ
٤٣٨٢ - حَدّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، نَا بَقِيَّةُ، نَا صَفْوَانُ، نَا أَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ الله الْحَرَازِيُّ:
===
قال: توضأت حين أقبلتَ؟ قال: نعم، قال: هل صلَّيت معنا حين صلَّينا؟ قال: نعم، قال: اذهب فإن الله قد عما عنك) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١)
قال في "مرقاة الصعود": قال العلماء: هذا الرَّجل لم يفصح بما يوجب الحدّ، ولعلّه كان بعضَ الصغائر، فظن بأنه يوجب الحدّ عليه، فلم يكشفه عند رسول الله ﷺ ، ولعلّه ﷺ علم بالوحي أن ما فعله هو من صغائر الذنوب فقال فيه ما قال.
وقال الخطابي، وجزم النووي وجماعة أن الذنب الّذي فعله كان من الصغائر بدليل قوله: إنّه كفَّرته الصّلاة، يناء على أن الّذي تكفره الصّلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر.
(١٥) (بَابٌ في الامْتِحَانِ بِالضَّرْبِ) لتفتيش الجناية
٤٣٨٢ - (حدّثنا عبد الوهّاب بن نجدة، نا بقية، نا صفوان، نا أزهر بن عبد الله) بن جميع (الحَرازي) الحمصي، ويقال: أزهر بن سعيد، قال البخاري: أزهر بن عبد الله، وأزهر بن سعيد، وأزهر بن يزيد واحد, نسبوه مرّة مرادي، ومرة هَوْزني, ومرة حرازي، ووافقه جماعة على ذلك، وفرق ابن حبّان في "الثقات" بين أزهر بن سعيد، وأزهر بن عبس الله، ثمّ ذكر أزهر بن عبد الله الراوي عن تميم، وعنه الخليل بن مرّة؛ وقال: إن لم يكن هو الحرازي فلا أدري