← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

١٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, وَأَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّىُّ, وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِىُّ, الْمَعْنَى, قَالُوا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ === أي هل يجب الوضوء الشرعي بمس اللحم؟ أو هل يجب غسل اليد فقط، وهو الوضوء اللغوي، أو لا يجب؟ والنيء من اللحم ما لم يطبخ أو طبخ أدنى طبخ ولم ينضج، من ناء اللحم ينيء نيئًا كناع ينيع نيعًا، فهو نيء بالكسر، وقد تبدل الهمزة وتدغم، ويقال: نِيٌّ مشددًا، كذا في "المجمع" (١). ١٨٥ - (حدثنا محمد بن العلاء) بن كريب (وأيوب بن محمد الرقي) هو أيوب بن محمد بن زياد بن فروخ بفاء مفتوحة وضم راء مشددة وإعجام خاء، الوزان، كان يزن القطن في الوادي، أبو محمد الرقي، نسبة إلى رقة، وهي بلدة على طرف الفرات، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ٢٤٩ هـ. (وعمرو بن عثمان الحمصي) هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي، أبو حفص الحمصي، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثَّقه النسائي، وكذا أبو داود ومسلمة وثقاه، مات سنة ٢٥٠ هـ. (المعنى) أي معنى ما رووه واحد وإن اختلف لفظهم. (قالوا: ثنا مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدرالفزاري، أبو عبد الله الكوفي، الحافظ، عن أحمد: ثبت حافظ، وقال أبو داود عن أحمد: ثقة ما كان أحفظ، وقال ابن معين ويعقوب بن شيبة والنسائي: ثقة، وقال ابن المديني: ثقة فيما يروي

стр. 772

قَالَ: أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ مَيْمُونٍ الْجُهَنِىُّ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ. قَالَ هِلَالٌ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَاّ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ. === عن المعروفين، وضعيف فيما يروي عن المجهولين، وقال العجلي: ثقة ثبت ما حدث عن المعروفين فصحيح، وما حدث عن المجهولين ففيه ما فيه، وليس بشيء، وقال أبو حاتم: صدوق، لا يدفع عن صدقه، ويكثر روايته عن الشيوخ المجهولين، وقال الآجري عن أبي داود: كان يقلب الأسماء، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان مروان يغير الأسماء يُعَمِّي على الناس، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وفي "الميزان": قال ابن معين: وجدت بخط مروان: وكيع رافضيّ، فقلت له: وكيع خير منك؛ فسبَّني، مات سنة ١٩٣ هـ. (قال: أخبرنا هلال بن ميمون الجهني) ويقال: الهذلي، ويقال: أبو المغيرة، ويقال: أبو معبد، الفلسطيني الرملي، نزيل الكوفة، عن ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن عطاء بن يزيد الليثي، قال هلال) أي هلال بن ميمون: (لاأعلمه) أي لا أعلم عطاء (إلَّا) قال: (عن أبي سعيد)، ويحتمل أن يكون مرجع الضمير الحديث، أي لا أعلم الحديث عن عطاء إلَّا عن أبي سعيد، فعلى الاحتمالين ذكْرُ أبي سعيد على الظن، وقال في "درجات مرقاة الصعود" (١): في رواية ابن حبان الجزم بأنه عن أبي سعيد، فعلى هذا الروايةُ موصولة، وهذا لفظ محمد بن العلاء.

стр. 773

وَقَالَ أَيُّوبُ وَعَمْرٌو: أُرَاهُ (١) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَرَّ بِغُلَامٍ (٢) يَسْلُخُ شَاة, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَنَحَّ حَتَّى أُرِيَكَ", فَأَدْخَلَ يَدَهُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ فَدَحَسَ بِهَا حَتَّى تَوَارَتْ إِلَى الإِبْطِ, ثُمَّ مَضَى فَصَلَّى لِلنَّاسِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ". [جه ٣١٧٩، ق ٩/ ٨٦، حب ١١٦٣] === (وقال أيوب وعمرو: أراه عن أبي سعيد) وهذا اللفظ أيضًا يدل على أن ذكر أبي سعيد ليس على الجزم (أن النبي ﷺ مر بغلام) قال في "القاموس": والغلام: الطارُّ الشارِب، والكَهْلُ ضدٌّ، أو من حين يولد إلى أن يَشِبَّ، جمعه: أَغْلِمَةٌ وَغِلْمَةٌ وغِلْمَانٌ، قال في "في رجات مرقاة الصعود": في رواية الطبراني هو معاذ بن جبل. (يسلخ شاة) (٣) أي ينزع الجلد عنها. (فقال له رسول الله ﷺ : تَنَحَّ) أي تَبَعَّدْ عن مكانك، وكن على جانب منه (حتى أريك) أي أعلمك، وزاد ابن حبان: "فإني لا أراك تحسن تسلخ"، كذا قال الشارح. (فأدخل يده بين الجلد واللحم فدحس بها) أي أدخل اليد (حتى توارت) أي اليد (إلى الإبط) "وقال: هكذا يا غلام فاسلخ"، قال الشارح: زاده ابن حبان. (ثم مضى فصلى للناس ولم يتوضأ) وهذا لفظ محمد بن العلاء وأيوب بن محمد.

стр. 774

(١) زَادَ عَمْرٌو فِى حَدِيثِهِ: يَعْنِى لَمْ يَمَسَّ مَاءً, وَقَالَ: عَنْ هِلَالِ بْنِ مَيْمُونٍ الرَّمْلِىِّ. قال أبو داود: وَ (٢) رَوَاهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادةٍ (٣) === قال أبو داود: (زاد عمرو في حديثه) في تفسير قوله: ولم يتوضأ: (يعني لم يمس (٤) ماء)، فحمل الوضوء في قوله: "ولم يتوضأ" على الوضوء اللغوي. وهذا الحديث يدل على أن مس اللحم النِّيئ من الحيوان المذبوح غير ناقض للوضوء، ولا فرق فيما كان شاة أو بقرًا أو جزورًا، فإنها كلها سواء في هذا الحكم، لا يجب منه الوضوء الاصطلاحي واللغوي، وإنما لم يغسل اليد ليعلم أن ما تحت الجلد من الدسومة والرطوبة وما بقي من الدم غير المسفوح متصلًا باللحم، ليس بنجس بعد الذكاة. (وقال) أي عمرو في روايته: (عن هلال بن ميمون الرملي)، فالفرق بين رواية عمرو وبين رواية محمد بن العلاء وأيوب بن محمد بأنهما قالا بلفظ: أخبرنا هلال، ووصفاه بالجهني، وقال عمرو: عن هلال، ووصفه بالرملي، ولا ضائقة فيه، فإنه اختلاف في اللفظ لا في المعنى. (قال أبو داود: ورواه عبد الواحد بن زيادة) العبدي مولاهم،

стр. 775

وَأَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنْ هِلَالٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ مُرْسَلاً, لَمْ يَذْكُرَ أَبَا سَعِيدٍ. (٧٥) بابٌ: في تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْمَيْتَةِ ١٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلَالٍ -, === أبو بشر، وقيل: أبو عبيدة البصري، وثَّقه ابن سعد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، والعجلي، وقال الدارقطني: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عبد البر: أجمعوا لا خلاف بينهم أن عبد الواحد بن زياد ثقة ثبت، وقال ابن القطان الفاسي: ثقة لم يعتل عليه بقادح، وقال صالح بن أحمد عن علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما رأيت عبد الواحد بن زياد يطلب حديثًا قط بالبصرة ولا بالكوفة، وكنا نجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة أذاكره حديث الأعمش، فلا نعرف منه حرفًا، مات سنة ١٧٦ هـ أو بعدها. (وأبو معاوية) محمد بن خازم، (عن هلال) أي ابن ميمون، (عن عطاء) أي ابن يزيد، (عن النبي ﷺ مرسلًا، لم يذكر) أي كل واحد من عبد الواحد وأبي معاوية، وهكذا في النسخ الموجودة عندنا، وضبط صاحب "غاية المقصود" بصيغة التثنية وهو الأظهر، فقال: لم يذكرا (أبا سعيد). (٧٥) بَابٌ في تَرْكِ الْوُضوءِ مِنْ مَسِّ الْمَيْتَةِ ١٨٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، قال: ثنا سليمان يعني ابن بلال) التيمي القرشي مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو أيوب المدني، كان أصله من البربر، عن أحمد: لا بأس به ثقة، وعن ابن معين: ثقة صالح، وقال

стр. 776

عن جَعْفَرٍ، === ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال الخليلي: ثقة، وقال ابن عدي: ثقة، وأثنى عليه مالك - رحمه الله تعالى-، وقال ابن الجنيد (١): إنما وضعه عند أهل المدينة أنه كان على السوق، وقال ابن الشاهين في "كتاب الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: لا بأس به وليس ممن يعتمد على حديثه، مات سنة ١٧٧ هـ. (عن جعفر) بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي، أبو عبد الله المدني الصادق، وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فلذلك كان يقول: ولدني أبو بكر مرتين، قال ابن حبان: كان من سادات أهل البيت فقهًا وعلمًا وفضلًا، وقال علي بن الجعد عن زهير بن معاوية: قال أبي لجعفر بن محمد: إن لي جارًا يزعم أنك تبرأ من أبي بكر وعمر، فقال جعفر: برأ الله من جارك، والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر، وقال حفص بن غياث: سمعت جعفر بن محمد يقول: ما أرجو من شفاعة علي شيئًا إلَّا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله. وثَّقه الإِمام الشافعي، ويحيى بن معين، وأبو حاتم وقال: لا يسأل عن مثله، ووثّقه النسائي، وقال مصعب الزبيري: كان مالك لا يروي عنه حتى يضمه إلى آخر. وقال ابن المديني: سئل يحيى بن سعيد عنه، فقال: في نفسي منه شيء، ومجالد أحب إلى منه، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث ولا يحتج به ويستضعف، سئل مرة: سمعت هذه الأحاديث من أبيك؟ فقال: نعم، وسئل مرة، فقال: إنما وجدتها في كتبه، قال الحافظ:

стр. 777

عَنْ أَبِيهِ, عَن جَابِرٍ: "أَنَّ رَسُولَ (١) اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلاً مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ, وَالنَّاسُ كَنَفَتَيْهِ, فَمَرَّ بِجَدْىٍ === يحتمل أن يكون السؤالان وقعا عن أحاديث مختلفة، فذكر فيما سمعه أنه سمعه، وفيما لم يسمعه أنه وجده، وهذا يدل على تثبته، وقال الساجي: كان صدوقًا مأمونًا إذا حدث عنه الثقات فحديثه مستقيم، قال أبو موسى: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن سفيان عنه، ولد سنة ٨٠ هـ، ومات سنة ١٤٨ هـ. (عن أبيه) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو جعفر الباقر، أمه بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وليس يروي عنه من يحتج به، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن البرقي: كان فقيهًا فاضلًا، وقال محمد بن فضيل عن سالم بن أبي حفصة: سألت أبا جعفر وابنه جعفر بن محمد عن أبي بكر وعمر؟ فقالا لي: يا سالم، تولهما وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامَيْ هدى، وعنه قال: ما أدركت أحدًا من أهل بيتي إلَّا وهو يتولاهما، مات سنة ١١٤ هـ. (عن جابر) بن عبد الله: (أن رسول الله ﷺ مر بالسوق) قال الشارح: سميت به لقيام الناس غالبًا فيها على سوقها، أو لأن ما يباع يساق إليها. (داخلًا من بعض العالية) وجمعها العوالي (٢) وهي أماكن بأعلى أراضي المدينة من جهة نجد، (والناس كنفتيه) (٣) أي: جانبيه. (فمر بجَدْيٍ) والجدي من أولاد المعز ذكرها ما بلغ ستة أشهر

стр. 778

أَسَكَّ مَيِّتٍ, فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ (١) ثُمَّ قَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا (٢) لَهُ»؟ . وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [م ٢٩٥٧، حم ٣/ ٣٦٥، ق ١/ ١٣٩] === أو سبعة أشهر (أَسَكّ) (٣) قال في "القاموس": والسَّكَكُ محركةً: الضَّمَمُ، وصِغَرُ الأُذُنِ، ولُزُوقُها بالرأس، وقلة إشرافها، أو صِغَرُ قُوْفِ الأذن، وضيق الصِّماخِ، وهو أَسَكُّ، وهي سَكَّاء، فعلى هذا معناه صغير الأذنين أو مقطوعهما (ميت، فتناوله) أي مد يده إليه (فأخذ بأذنه) لأنه كان صغير الأذنين لا مقطوعهما. (ثم قال) ﷺ مخاطبًا لمن حضر من الصحابة: (أيكم يحب أن هذا) أي الجدي (له، وساق الحديث) هذا قول أبي داود، أي وساق شيخي عبد الله بن مسلمة الحديث إلى آخره، ولكن اختصرته، وذكرت منه على قدر الضرورة، وتمامه في مسلم (٤)، ثم قال: "أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ "، فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به، قال: "تحبون أنه لكم"، قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيبًا فيه؛ لأنه أَسَكُّ، فكيف وهو ميت، فقال: "فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم"، انتهى. وهذا الحديث يدل على أن مس الميتة مع كونه نجسًا لا ينقض الوضوء، فكيف إذا كان لحم الحيوان المذكى طاهرًا، فإنه لا ينقض الوضوء أيضًا (٥).

стр. 779

(٧٦) بابٌ: فِى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ (١) النَّارُ ١٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قال: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ". [خ ٢٠٧, م ٣٥٤] ١٨٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ, الْمَعْنَى, قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنْ مِسْعَرٍ, عَنْ أَبِى صَخْرَةَ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ, === (٧٦) (بابٌ: في تَرْكِ الْوُضُوءِ (٢) مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ) ١٨٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: ثنا مالك) بن أنس الإِمام (عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ (٣) أكل كتف شاة) أي نضيجًا (٤) (ثم صلى ولم يتوضأ) وهذا يدل على أن أكل ما مسته النار غير ناقض للوضوء. ١٨٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن سليمان الأنباري، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: ثنا وكيع) بن الجراح، (عن مسعر) بن كدام بكسر الكاف وتخفيف الدال. (عن أبي صخرة جامع بن شداد) المحاربي الكوفي، وثَّقه ابن معين

стр. 780

عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: "ضِفْتُ النَّبِىَّ (١) ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِىَ, وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزُّ لِى بِهَا مِنْهُ. قَالَ: فَجَاءَ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ. === وأبو حاتم والنسائي، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة متقن، وقال العجلي: شيخ عالٍ ثقة من قدماء شيوخ الثوري، مات سنة ١٢٧ هـ أو ١٢٨ هـ. (عن المغيرة بن عبد الله) بن أبي عقيل اليشكري الكوفي، وثَّقه العجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن المغيرة بن شعبة قال) أي المغيرة: (ضفت (٢) النبي ﷺ ) ضقت بصيغة المتكلم من ضاف يضيف كبعت، أي نزلت عليه ضيفًا, لأنه لم يكن من أهل المدينة، ولا يأوي إلى أهل ولا مال، وكان من الفقراء (ذات ليلة) أي ليلة، ولفظ ذات مقحم. (فأمر بجنب فشوي) أي أمر ﷺ بطبخ الجنب، أي أحد شقي الشاة الذي فيه الأضلاع، فطبخ (وأخذ) ﷺ (الشفرة) أي السكين (فجعل يحزُّ لي) أي يقطع (بها) أي بالشفرة (٣) (منه) أي من الجنب. (قال) أي المغيرة: فبينما هو يأكل (جاء بلال) مؤذن رسول الله ﷺ (فآذنه بالصلاة) أي أعلمه بوقت قيام الصلاة.

стр. 781

قال: فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ وَقَالَ: «مَا لَهُ؟ تَرِبَتْ يَدَاهُ» , وَقَامَ يُصَلِّى". و (١) زَادَ الأَنْبَارِىُّ: "وَكَانَ شَارِبِى وَفَى (٢) فَقَصَّهُ لِى عَلَى سِوَاكٍ, أَوْ قَالَ: "أَقُصُّهُ لَكَ عَلَى سِوَاكٍ". [حم ٤/ ٢٥٢] === (قال) أي المغيرة: (فألقى) رسول الله ﷺ (الشفرة، وقال: ما له) أي لبلال؟ (تربت يداه) هذه كلمة استعملت في اللوم والمعتبة، وإن كان أصلها الدعاء على المقول له بالفقر والذلة، ولكن لما استعملت في اللوم جردت عن معناها الأصلي، وإنما قال ذلك, لأن بلالًا كان الأنسب له أن لا يؤذنه بالصلاة، وهو على الطعام مع الضيف (٣)، بل كان عليه أن ينتظر حتى يفرغ، وأما إذا آذنه بالصلاة، فلم يتوقف النبي ﷺ عن القيام تأدبًا بأمر مولاه تعالى، ومسارعة إلى طاعة ربه. (وقام يصلي) أي من غير أن يجدد الوضوء، وعلم بذلك جواز الصلاة مع حضور (٤) الطعام إذا لم يشغل قلبه. (زاد الأنباري) أي محمد بن سليمان أحد شيخي أبي داود، ولم يزده عثمان: (وكان شاربي) قال في "القاموس": وما سال على الفم من الشعر، وما طال من ناحية السبلة، أو السبلة كلها شارب (وَفَى) أي طال (فقصّه) أي الشارب (لي على سواك) (٥) أي وضع السواك تحت الشارب وقصه عليه (أو قال) ﷺ ، وهذا شك من بعض الرواة: (أقصه) أي الشارب (لك على سواك).

стр. 782

١٨٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قال: حَدَّثَنَا سِمَاكٌ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَتِفًا ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِمِسْحٍ كَانَ تَحْتَهُ, ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى". [جه ٤٨٨] ١٩٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِىُّ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ, === حاصله أن في رواية الأنباري بعد قوله: وكان شاربي وفَى، وقع الشك لبعض الرواة في أن قص الشارب وقع منه ﷺ على سواك، أو لم يقع، بل قال: أقصه في الزمان المستقبل على سواك، ثم بعد ذلك لم يذكر أن القص وقع ولم يقع. ١٨٩ - (حدثنا مسدد، قال: ثنا أبو الأحوص، قال: ثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال) أي ابن عباس: (أكل رسول الله ﷺ كتفًا ثم مسح يده بمسح) المسح (١) بالكسر: البلاس، وهو ثوب من الشعر غليظ، (كان تحته) ﷺ (ثم قام) إلى الصلاة (فصلى) أي: من غير أن يجدد الوضوء. ١٩٠ - (حدثنا حفص بن عمر النمري، قال: ثنا همام) بن يحيى، (عن قتادة) بن دعامة، (عن يحيى بن يعمر) (٢) بفتح التحتانية والميم بينهما مهملة ساكنة، وفي "المغني": بفتح الميم وضمها، البصري، أبو سليمان القيسي الجدلي، قاضي مرو، وهو أول من نقط المصاحف، وثقه ابن سعد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وكان على قضاء مرو، ولاه قتيبة بن مسلم،

стр. 783

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) ﷺ انْتَهَسَ مِنْ كَتِفٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ". [حم ١/ ٢٧٩] ١٩١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْخَثْعَمِىُّ قال: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ === وقيل: إن قتيبة عزله لما بلغه أنه يشرب المُنَصَّف (٢)، مات قبل المئة، وقيل: بعدها. (عن ابن عباس) هو عبد الله (أن النبي ﷺ انتهس) النهس (٣) بفتح النون وسكون الهاء وسين مهملة، هو الأكل بمقدم الفم، وبالمعجمة بالأضراس، وقيل: هما بمعنى (من كتف، ثم صلَّى ولم يتوضأ) (٤). ١٩١ - (حدثنا إبراهيم بن الحسن الخثعمي) أبو إسحاق المصيصي المقسمي، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وفي موضع آخر: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات". (قال: ثنا حجاج) بن محمد المصيصي قال: (قال ابن جريج) عبد الملك: (أخبرني محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهُدَير بالتصغير، التيمي، أبو عبد الله، أو أبو بكر المدني، أحد الأئمة الأعلام، عن ابن عيينة: كان من معادن الصدق، ويجتمع إليه الصالحون، وما رأيت

стр. 784

قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: "قَرَّبْتُ لِلنَّبِىِّ ﷺ خُبْزًا وَلَحْمًا, فَأَكَلَ ثُمَّ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ, ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ, ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ طَعَامِهِ, فَأَكَلَ, ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ". [حم ٣/ ٣٢٢] === أحدًا أجدر أن يقول: قال رسول الله ﷺ ، ولا يسأل عمن هو من ابن المنكدر لتحريه، وقال الحميدي: حافظ، وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة، وقال الواقدي: كان ثقة ورعًا عابدًا يكثر الإسناد عن جابر، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال إبراهيم بن المنذر: غاية في الحفظ والإتقان والزهد، حجة، مات سنة ١٣٠ هـ. (قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قربت (١) للنبي ﷺ خبزًا ولحماً، فأكل ثم دعا بوضوء) (٢) أي بماء للوضوء (فتوضأ به، ثم صلَّى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه) أي بما بقي من الطعام (فأكل) أي ثانيًا (ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ). ولعله ﷺ ترك الوضوء من أكل ما مسته النار, لأنه نسخ وجوب الوضوء به، أو يقال: إنه توضأ أولًا وضوءًا لغويًا استحبابًا، ثم لم يتوضأ ثانيًا لبيان جواز الترك.

стр. 785

١٩٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ أَبُو عِمْرَانَ الرَّمْلِىُّ قال: حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَيَّاشٍ قال: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِى حَمْزَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ, عَنْ جَابِرٍ قَالَ: "كَانَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ". [ن ١٨٥، خزيمة ٤٣، حب ١١٣٤] === ١٩٢ - (حدثنا موسى بن سهل أبو عمران الرملي) وكان نسائي الأصل، وثَّقه ابن أبي حاتم، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ٢٦٢ هـ. (قال: ثنا علي بن عياش) بن مسلم الألهاني، أبو الحسن الحمصي البكاء، وثَّقه العجلي والنسائي، وقال الدارقطني: ثقة حجة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان متقنًا، مات سنة ٢١٩ هـ. (قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة) اسمه دينار الأموي مولاهم، أبو بشر الحمصي، قال أحمد: ثبت صالح الحديث، وقال ابن معين: ثقة، ووثَّقه العجلي ويعقوب بن أبي شيبة وأبو حاتم والنسائي، مات سنة ١٦٢ هـ. (عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار) أي: كان آخر الفعلين من رسول الله ﷺ ، فالأمر بمعنى المأمور، وهو الفعل، ويحتمل أن يكون الأمر في معناه، فحينئذ يكون معنى هذا الحديث أنه ﷺ أمر بالوضوء مما مسته النار أولًا ففعل، ثم أمر بترك الوضوء منه فترك، فكان أَخر الأمرين ترك الوضوء بما مسته النار. قال النووي في "شرح مسلم" (١): حديث جابر حديث صحيح، رواه أبو داود والنسائي وغيرهما من أهل السنن بأسانيدهم.

стр. 786

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وهَذَا اخْتِصَارٌ مِنَ الْحَدِيثِ الأَوَّلِ. === قال الشوكاني (١): ويشهد لأصل الحديث ما أخرجه البخاري في الصحيح عن سعيد بن الحارث، قلت لجابر: الوضوء مما مست النار؟ قال: لا, وللحديث شاهد من حديث محمد بن مسلمة أخرجه الطبراني في "الأوسط" ولفظه: "أكل آخر أمره لحمًا، ثم صلَّى ولم يتوضأ". (قال أبو داود (٢): وهذا اختصار (٣) من الحديث الأول) ولفظ "هذا" إشارة إلى قول جابر: "كان آخر الأمرين"، الحديث. والمراد من الحديث الأول الحديث الذي تقدم وهو حديث محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قربت للنبي ﷺ ، الحديث. والذي يفهم من كلام البيهقي أن المصنف أشار بهذا الكلام إلى أن من استدل بقول جابر هذا على نسخ وجوب الوضوء مما مسته النار، فاستدلاله بهذا القول غير سديد، فإن هذا القول لا يدل على أن ترك الوضوء بما مسته النار كان آخر فعله ﷺ مطلقًا، بل هذا اختصار من

стр. 787

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الحديث الأول الذي رواه جابر بن عبد الله يقول: "قربت للنبي ﷺ خبزًا ولحمًا فأكل، ثم دعا بوضوء فتوضأ به، ثم صلَّى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ". فهذا يدل على أن ترك الوضوء بما مسته النار كان آخر الأمرين في ذلك المجلس لا مطلقًا، فلا يستدل به على النسخ, لأنه يمكن أن يكون قوله ﷺ : "الوضوء مما مست النار" أو "توضؤوا مما مست النار"، ورد بعد هذه القصة. قلت: وهذا الظن ناشئ من غير دليل يدلس عليه، فإن هذا الظن موقوف على ثبوت أن وضوءه ﷺ بعد أكل الخبز واللحم أولًا كان لأجل الأكل، وهو في حيز المنع، بل يحتمل أن وضوءه ﷺ لوجود حدث آخر لا لما أكله، ولو سلم ذلك فلا نسلم أن هذا الفعل ليس هو آخر الأمرين مطلقًا بل مختص بذاك المجلس، ونقول: إن هذا الفعل الذي ثبت في هذا المجلس هو آخر الفعلين مطلقًا، ما دام لم يثبت أنه ﷺ فعل أو أمر بخلافه بعد ذلك المجلس، ولم يثبت هذا. فلو سلَّمنا أن هذا الحديث اختصار من الحديث الأول لا يضرنا، وقد استدل به المحققون من الأئمة بنسخ الوضوء بما مسته النار بهذا القول وبأمثاله من أقوال الصحابة وأفعالهم ﵃. قال البيهقي في "سننه" (١): قال الزعفراني: قال أبو عبد الله الشافعي: وإنما قلنا: لا يتوضأ منه, لأنه عندنا منسوخ، ألا ترى أن عبد الله بن عباس، وإنما صحبه بعد الفتح، يروى عنه أنه رآه يأكل من

стр. 788

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === كتف شاة ثم صلَّى ولم يتوضأ، وهذا عندنا من أشد الدلالات على أن الوضوء منه منسوخ، وأن أمره بالوضوء منه بالغسل للتنظيف، والثابت عن رسول الله ﷺ أنه لم يتوضأ منه، ثم عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وعامر بن ربيعة، وأبي بن كعب، وأبي طلحة كل هؤلاء لم يتوضؤوا منه. قال الشيخ: أما الطريقة الأولى فإليها ذهب جماعة من العلماء، واحتجوا فيها بما احتج به الشافعي من رواية ابن عباس، ثم برواية جابر بن عبد الله الأنصاري ومحمد بن مسلمة وأبي هريرة. أما حديث جابر فأخرجه بسنده، قال: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار. ثم فأخرجه بسند آخر، قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ أنه أكل خبزًا ولحمًا، ثم صلَّى ولم يتوضأ. وأما حديث محمد بن مسلمة أخرجه بسنده عن محمد بن مسلمة، قال: أكل رسول الله ﷺ مما غيرت النار، ثم صلَّى ولم يتوضأ، وكان آخر أمريه. وأما حديث أبي هريرة، أخرجه بسنده عن أبي هريرة أنه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ من ثور أقط، ثم رآه أكل من كتف شاة، ثم صلَّى ولم يتوضأ. ثم قال البيهقي (١) بعد تخريج هذه الروايات: وقد روي في حديث آخر ما يتوهم أن يكون الناسخ إيجاب الوضوء منه، ثم ساق تلك الروايات، ثم قال: فهذه الأحاديث قد اختلف فيها، واختلف في الأول

стр. 789

١٩٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِى كَرِيمَةَ === والآخر منها، فلم نقف على الناسخ والمنسوخ منها ببيان بَيِّنٍ يحكم به دون ما سواه، فنظرنا إلى ما اجتمع إليه الخلفاء الراشدون والأعلام من أصحاب رسول الله ﷺ ، فأخذنا بإجماعهم بالرخصة فيه، وبالحديث الذي يروى فيه الرخصة عن النبي ﷺ . قلت فيه: أولًا: أن البيهقي خالف إمامه الشافعي في قوله: فلم نقف على الناسخ والمنسوخ منها، وقد تقدم أن إمامه صرح يكون حكم الوضوء منسوخًا. وثانيًا: أن البيهقي صرح يكون إيجاب الوضوء منه ناسخًا على التوهم، والتوهم لا يكون حجة بل لا يكون قابلًا للقبول ولا يلتفت إليه. وثالثاً: أن الحديث الذي ذكره في معرض الاستدلال على كون إيجاب الوضوء هو الناسخ، في سنده زيد بن جبيرة عن أبيه، وزيد هذا، قال ابن معين: لا شيء، وقال ابن أبي حاتم والبخاري: منكر الحديث، كذا في "الجوهر النقي" (١). ١٩٣ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: ثنا عبد الملك بن أبي كريمة) الأنصاري مولاهم، أبو زيد المغربي، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في ترك الوضوء مما مست النار، قال أبو العرب في "طبقات علماء القيروان": كان ثقة خيارًا، يقال: إنه كان مستجابًا، وقال سحنون: كان ورعًا صاحب أحاديث، وقال أبو جعفر أحمد بن أبي خالد المقرئ: كان ثقة، مات سنة ٢٠٤ هـ أو بعدها.

стр. 790

- قَالَ ابْنُ السَّرْحِ: مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ - قَالَ: حَدَّثَنِى عُبَيْدُ بْنُ ثُمَامَةَ الْمُرَادِىُّ قَالَ: "قَدِمَ عَلَيْنَا مِصْرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ, مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ (١) ﷺ , فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ فِى مَسْجِدِ مِصْرَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِى سَابِعَ سَبْعَةٍ, أَوْ سَادِسَ سِتَّةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ === (قال ابن السرح: من خيار المسلمين) أي يقول المصنف: قال شيخي أحمد بن عمرو بن السرح: كان عبد الملك من خيار المسلمين، وهذا توثيق من ابن السرح لشيخه عبد الملك. (قال: حدثني عبيد) مصغرًا (ابن ثمامة المرادي) ويقال: عتبة بن ثمامة، وهو الصواب، قال الحافظ: في "التقريب": مقبول من الخامسة. (قال: قدم علينا مصر عبد الله بن الحارث بن جزء) (٢) بن عبد الله بن معدي كرب الزبيدي بضم الزاي، حليف أبي وداعة السهمي، وابن أخي محمية بن جزء الزبيدي، قال البخاري: له صحبة، سكن مصر، وذكر أبو جعفر الطحاوي، أن وفاته كانت بسقط القدور قرية بأسفل مصر، ذكر الطبري أنه كان اسمه العاصي، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وهو آخر من مات بمصر من الصحابة، مات سنة ٨٥ هـ أو بعدها (من أصحاب رسول الله ﷺ ). (فسمعته يحدث في مسجد مصر قال) أي عبد الله بن الحارث: (لقد رأيتني سابع سبعة أو سادس ستة مع رسول الله ﷺ ) أي كانوا سبعة

стр. 791

فِى دَارِ رَجُلٍ, فَمَرَّ بِلَالٌ, فَنَادَاهُ بِالصَّلَاةِ, فَخَرَجْنَا فَمَرَرْنَا بِرَجُلٍ وَبُرْمَتُهُ عَلَى النَّارِ, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَطَابَتْ بُرْمَتُكَ؟ ». قَالَ: نَعَمْ, بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى, فَتَنَاوَلَ (١) مِنْهَا بَضْعَةً, فَلَمْ يَزَلْ يَعْلُكُهَا حَتَّى أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ". === وأنا سابعهم، أو كانوا ستة وأنا سادسهم، وهذا شك من بعض الرواة (في دار رجل) لم يعرف من هو (فمر بلال فناداه) أي آذنه (بالصلاة فخرجنا) من الدار (فمررنا برجل) ولم يعرف هذا الرجل (وبُرْمَته) والبرمة بضم الباء وسكون الراء: القدر مطلقًا، وهي في الأصل ما اتخذ من الحجر، وجمعها بِرَامٌ وبُرَمٌ وكصُرَدٍ (على النار) أي تطبخ على النار. (فقال له رسول الله ﷺ : أطابت بُرْمَتُك) أي تم وكمل نضج برمتك؟ (قال: نعم، بأبي أنت وأمي) أي مفدي أنت بأبي وأمي. (فتناول) أي أخذ (منها) أي من البرمة (بضعة) أي قطعة من اللحم فجعلها في فيه، (فلم يزل يعلكها) أي يمضغها (حتى أحرم (٢) بالصلاة) أي كبر للتحريم، معناه أنه ابتلعها قبيل التكبير (وأنا انظر إليه) (٣) ﷺ أي إلى فعله ذلك، ويحتمل أن يكون الغرض منه بيان قوة حفظه لتلك الواقعة، فحينئذ معناه: وكأني أنظر إليه الآن، والأول أقرب.

стр. 792

(٧٧) بابُ التَّشْدِيدِ فِى ذَلِكَ ١٩٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ شُعْبَةَ قال: حَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ, عَنِ الأَغَرِّ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوُضُوءُ مِمَّا أَنْضَجَتِ النَّارُ». [م ٣٥٢، ت ٧٩، ن ١٧١، جه ٤٨٥، حم ٢/ ٤٥٨] === (٧٧) (بَابُ التَّشْدِيْدِ (١) في ذَلِكَ) المراد بالتشديد: وجوب الوضوء، والإشارة إلى ما مسته النار، ومعناه: باب وجوب الوضوء مما مسته النار ١٩٤ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: ثنا يحيى) القطان، (عن شعبة) بن الحجاج (قال: حدثني أبو بكر بن حفص) هو عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أبو بكر المدني، مشهور بكنيته، قال النسائي: ثقة، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عبد البر: كان من أهل العلم والثقة، أجمعوا على ذلك. (عن الأغر) اسمه سلمان أبو عبد الله المدني، مولى جهينة، أصله من أصبهان، قال ابن عبد البر: هو من ثقات تابعي أهل الكوفة، وقال ابن خلفون: وثقه الذهلي، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الوضوء) واجب أو يجب، فالرفع، أو الزموا الوضوء، فيكون منصوبًا على الإغراء (مما أنضجت النار).

стр. 793

١٩٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قال: حَدَّثَنَا أَبَانُ, عَنْ يَحْيَى, يَعْنِى ابْنَ أَبِى كَثِيرٍ, عَنْ أَبِى سَلَمَةَ, أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ حَدَّثَهُ "أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ فَسَقَتْهُ قَدَحًا مِنْ سَوِيقٍ, === ١٩٥ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي (قال: ثنا أبان) بن يزيد العطار، (عن يحيى -يعني ابن أبي كثير-، عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (أن أبا سفيان بن سعيد بن (١) المغيرة) بن الأخنس بن شريق الثقفي المدني، روى عن خالته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وعنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وثقه ابن حبان (حدثه) أي حدث أبا سلمة (أنه) أي أبا سفيان (دخل على أم حبيبة) (٢) هي بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي، زوج النبي ﷺ أم المؤمنين، اسمها رملة، أسلمت قديمًا، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبد الله بن جحش، ومات هناك، فتزوجها رسول الله ﷺ وهي هناك. وعن عائشة ﵂ قالت: دعتني أم حبيبة عند موتها، فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فتحلليني من ذلك، فحللتها واستغفرت لها، فقالت لي: سررتني سرك الله، وأرسلت إلى أم سلمة بمثل ذلك، وماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين، جزم بذلك ابن سعد وأبو عبيد. (فسقته) أي أم حبيبة أبا سفيان (قدحًا من سويق) القدح بالتحريك: آنية تُروي الرجلين، أو اسم يجمع الصغار والكبار، جمعه أقداح، كذا في "القاموس"، والسويق: دقيق القمح المقلو والشعير والذرة وغيرها، كذا في "المجمع" (٣).

стр. 794

فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ (١). فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِى, أَلَا تَوَضَّأُ؟ إِنَّ النَّبِىَّ (٢) ﷺ قَالَ: «تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ» , أَوْ قَالَ: "مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ". [ن ١٨٠، حم ٦/ ٣٢٦] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: فِى حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ: يَا ابْنَ أَخِى. === (فدعا بماء فمضمض. قالت) أي أم حبيبة: (يا ابن أختي) وكان أبو سفيان بن سعيد ابن أختها، كما صرح علماء أسماء الرجال (ألا توضأ؟ ) الهمزة للإنكار على ترك الوضوء، وتوضأ بصيغة المضارع حذفت إحدى تائيها (إن النبي ﷺ قال: "توضؤوا مما غيرت النار"، أو قال: "مما مست النار") شك من بعض الرواة، أي قال هذا اللفظ أو ذاك. (قال أبو داود: في حديث الزهري يا ابن أخي) (٣) في موضع "يا ابن أختي"، فكون أبي سفيان ابن أخي أم حبيبة، إما محمول على المجاز، أو مبني على وهم من بعض الرواة، وهذه الأحاديث تدل على وجوب الوضوء مما مسته النار. وقد اختلف الناس في ذلك فذهب جماعة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن سمرة، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وأبي بن كعب، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وعائشة ﵃، وجماهير التابعين، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي،

стр. 795

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي خيثمة، وسفيان الثوري، وأهل الحجاز، وأهل الكوفة إلى أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار، ولا ينتقض به، وذهبت طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي مما مسته النار. واستدل الآخرون بالأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء مما مسته النار، وأجاب الأولون من ذلك بجوابين: الأول: أنه منسوخ بحديث جابر، الثاني: أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين، قال النووي: ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء من أكل ما مسته النار. واعترض الشوكاني (١) على الجواب الأول بأن الجواب الأول إنما يتم بعد تسليم أن فعله ﷺ يعارض القول الخاص بنا وينسخه، والمتقرر في الأصول خلافه. قلت: هذا من الظنون التي لا مستند لها يُشَدُّ به هذا الظنُّ، فإن دعواه أن وجوب الوضوء وقوله ﷺ فيه خاص بنا لا يثبت إلَّا بدليل صريح يثبت الخصوصية، وما لم يثبت لا يكون خاصًا بنا، وأما إذا ثبت الخصوص فلا يعارض فعله ﷺ ، فما هو متقرر في الأصول فمسلَّم، ولكن ليس هذا موضعه. واعترض على الجواب الثاني بأنه قد تقرر أن الحقائق الشرعية مقدمة على غيرها، وحقيقة الوضوء الشرعية هي غسل جميع الأعضاء التي تغسل للوضوء، فلا يخالف هذه الحقيقة إلَّا لدليل.

стр. 796

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قلت: نعم لا يخالف الحقيقة إلَّا لدليل، وها هنا دليل ظاهر، فإن في حديث ابن عباس أنه يعجب ممن يزعم أن الوضوء مما مست النار، ويضرب فيها الأمثال، ويقول: إنا نستحمّ بالماء المسخن، ونتوضأ به، وندهن بالدهن المطبوخ، وذكر أشياء مما يصيب الناس حتى قال لأبي هريرة حين حدثه أبو هريرة هذا الحديث كما في الترمذي (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط، فقال له ابن عباس: أنتوضأ من الدهن! أنتوضأ من الحميم! فقال أبو هريرة: يا ابن أخي! إذا سمعت حديثًا عن النبي ﷺ فلا تضرب له مثلًا". فهذا ابن عباس مع وفور علمه لا يمكن أن يخالف قول رسول الله ﷺ ، ومحال أن يعترض على قول رسول الله ﷺ بل هو يعترض على فهم أبي هريرة بأن ما فهمه من هذا الحديث، وحمله على الوضوء الشرعي غلط وباطل، بل هو محمول على الوضوء اللغوي. وكذلك استدلاله في مقابلة هذا الحديث بقوله كما رواه البيهقي (٢): "لقد رأيتني في هذا البيت عند رسول الله ﷺ وقد توضأ، ثم لبس ثيابه، فجاء المؤذن، فخرج إلى الصلاة حتى إذا كان في الحجرة خارجًا من البيت لقيته هدية عضو من شاة، فأكل منه لقمة أو لقمتين، ثم صلَّى وما مس ماءً"، يرشد إلى أنه حمل الوضوء على الوضوء اللغوي استحبابًا، وإلَّا فلا يكون لقوله محملٌ صحيحٌ. وأيضًا الحديث الذي رواه ابن عباس في المضمضة من اللبن، وقال

стр. 797

(٧٨) بابٌ: فِى الْوُضُوءِ مِنَ اللَّبَنِ === فيه: "إن له دسمًا"، فهذا التعليل كما يدل على استحباب الوضوء اللغوي على شرب اللبن لإزالة الدسومة، كذلك يدل على استحباب الوضوء اللغوي من أكل كل ما فيه دسومة من لحم الجزور والبقر والغنم، فكما حمل الأمر بالمضمضة والوضوء على استحباب غسل الفم، كذلك يحمل الأمر بالوضوء على استحبابه، وهذا ظاهر جدًا لمن جعل الإنصاف نصب عينيه والله ولي التوفيق. وكذلك يدل عليه أنه اجتمع عليه الخلفاء الراشدون والأعلام من أصحاب رسول الله ﷺ ، فإن إجماعهم على ترك الوضوء مما مست النار لا يمكن أن يكون مبنيًا على الجهل عن حكم وجوب الوضوء مما مست النار، بل لا بد أن يكون محمولًا على أن هذا الحكم منسوخ عندهم، أو محمولًا على المعنى اللغوي. فهذه قرائن تدل بعضها على أن الوضوء مما مست النار محمول على الوضوء اللغوي، وبعضها تدل على أنه محمول على الوضوء الشرعي ومنسوخ. (٧٨) (بَابٌ: في الْوُضُوءِ مِن اللَّبَنِ) المراد بالوضوء ها هنا الوضوء اللغوي لا الاصطلاحي، بأن من شرب لبنًا يستحب له أن يزيل الدسومة من فيه بالماء، وهذا مجمع عليه، ولم أقف (١) على اختلاف فيه.

стр. 798

١٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ عَقِيلٍ, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ (١) ثُمَّ قَالَ: === ١٩٦ - (حدثنا قتيبة) (٢) بن سعيد (قال: ثنا الليث) بن سعد، (عن عُقَيل) مصغرًا، ابن خالد بن عَقيل مكبرًا، الأيلي، أبو خالد الأموي، مولى عثمان، وثَّقه أحمد ومحمد بن سعد والنسائي، وقال أبو زرعة: صدوق ثقة، وعن ابن معين: أثبت من روى عن الزهري مالك ثم معمر ثم عقيل، وعن ابن معين: عقيل ثقة حجة، وقال العجلي: أيلي ثقة، وأما أبو حاتم فقال: لم يكن بالحافظ، كان صاحب كتاب، محله الصدق، وقال الوليد: قال لي الماجشون: كان عقيل جلوازًا (٣)، وقال عبد الله بن أحمد: ذكر عند أبي أن يحيى بن سعيد قال: عقيل وإبراهيم بن سعد كأنه يضعفهما، وقال: وأي شيء هذا؟ هؤلاء ثقات لم يخبرهما يحيى، مات بمصر سنة ١٤١ هـ. (عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، قال الواقدي: كان عالمًا، وكان ثقة فقيهًا كثير الحديث والعلم، شاعرًا وقد عمي، وقال العجلي: كان أعمى، وكان أحد فقهاء المدينة، تابعي، ثقة، رجل صالح، جامع للعلم، وقال أبو زرعة: ثقة مأمون إمام، مات سنة ٩٤ هـ وقيل بعدها. (عن ابن عباس أن النبي ﷺ شرب لبنًا فدعا بماء فتمضمض، ثم قال:

стр. 799

"إِنَّ لَهُ دَسَمًا". [خ ٢١١، م ٣٥٨، ت ٨٩، ن ١٨٧، جه ٤٩٨] === إن له دسمًا) الدسم كسبب: الودك، وهذه الجملة أشير بها لعلة المضمضة من اللبن، ووجه المناسبة أنه ربما بقي من آثاره شيء، فتخلل ونزل الجوف في صلاته فأبطلها، أو استمر في فمه فأورثه رائحة كريهة، كذا قال الشارح، وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري في "صحيحه" بهذا السند. قال الحافظ (١): لكن رواه ابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي، فذكره بصيغة الأمر: "مضمضوا من اللبن"، كذا رواه الطبراني (٢) من طريق آخر عن الليث بالإسناد المذكور، وأخرج ابن ماجه من حديث أم سلمة وسهل بن سعد مثله، وإسناد كل منهما حسن. قال العيني (٣): وبعد، فليس في مضمضته ﷺ وجوب مضمضة ولا وضوء على من شربه إذا كانت أفعاله غير لازمة العمل بها لأمته، إذا لم تكن بيانًا عن حكم فرض في التنزيل. وقال صاحب "التلويح": فيه نظر. قلت: حاصل النظر أن الأحاديث التي أخرجها ابن ماجَه وغيره بصيغة الأمر تدل على الوجوب، قلت: ولكن الحديث الذي رواه أبو داود بسند لا بأس به إلى أنس بن مالك "أن رسول الله ﷺ شرب لبنًا فلم يمضمض ولم يتوضأ وصلَّى" يدل على نسخ المضمضة. قال العيني: والصواب في هذا أن الأحاديث التي فيها الأمر بالمضمضة أمر استحباب لا وجوب، والدليل على ذلك ما رواه أبو داود المذكور آنفًا، وما رواه الشافعي ﵀ بإسناد حسن عن أنس

стр. 800

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === "أن النبي ﷺ شرب لبنًا فلم يتمضمض ولم يتوضأ"، فإن قلت: ادَّعى ابن شاهين أن حديث أنس ناسخ لحديث ابن عبّاس، قلت: لم يقل به أحد، ومن قال فيه بالوجوب حتى يحتاج إلى دعوى النسخ، كذا في "العيني"، وكذلك قال الحافظ في "الفتح". قلت: وبالجملة فلم يقل أحد (١) بوجوب المضمضة والوضوء الاصطلاحي بشرب اللبن، سواء كان مطبوخًا، أو غير مطبوخ، نعم بقي ها هنا أن ما أخرج ابن ماجه بسنده عن أسيد بن حضير، وفيه: " توضؤوا من ألبان الإبل"، وأيضًا من حديث عبد الله بن عمرو، وفيه: "توضؤوا من ألبان الإبل"، يدل على وجوب الوضوء الاصطلاحي من ألبان الإبل، فإن الحديثين وإن كان في بعض رواتهما مقال، ولكنهما لما تأيد كل واحد منهما بالآخر صارا حجة ودليلًا على الوجوب، فإن صيغة الأمر للوجوب، والوضوء لفظ يجب أن يحمل على الحقيقة الشرعية. فإن قيل: إن الأحاديث التي رويت في باب الوضوء من اللبن قرينة صارفة عن أن يحمل الأمر على الوجوب، وقد حمل الأمر بالمضمضة على الاستحباب فيها، فكذلك يحمل ها هنا الأمر بالوضوء على الاستحباب دون الوجوب، فإن ألبان الإبل فرد من أفراد جنس اللبن. قلنا: لا نسلم ذلك، فإن وجوب الوضوء بألبان الإبل حكم، والمضمضة من اللبن حكم آخر غير ذلك الحكم، فمحال أن يكون هذا قرينة على ذاك، فيمكن أن يكون حكم المضمضة أولًا، ثم أمروا بالوضوء بعد ذلك بشرب ألبان الإبل، بل الأولى في الجواب، أن يقال: إن إجماع

стр. 801

(٧٩) باب الرُّخْصَةِ فِى ذَلِكَ ١٩٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ, عَنْ مُطِيعِ بْنِ رَاشِدٍ, عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِىِّ === الخلفاء الراشدين والأعلام من الصحابة والتابعين والفقهاء من الأئمة المجتهدين يدل على أن هذا إما مؤَوّل بالوضوء اللغوي بعلة الدسومة، أو منسوخ لعلمهم بالناسخ منه والمنسوخ، فإن هذا أمر لا يمكن أن يخفى عليهم لعلمهم، والله تعالى أعلم. (٧٩) (بابُ الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ) أي في الوضوء من اللبن، والمراد من الرخصة جواز ترك الوضوء اللغوي والشرعي من شرب اللبن ومسّه ١٩٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عنه مطيع بن راشد) البصري (١)، قال في "الميزان": لا يعرف، روى عنه زيد بن الحباب، وقال: دلني عليه شعبة، قال الحافظ: قلت: وقال أبو داود: أثنى عليه شعبة، قلت: لم أقف على قول أبي داود هذا , ولعله ذكره في غير ذاك المحل. (عن توبة العنبري) هو توبة بن أبي أسد العنبري، أبو المورِّع، بضم الميم وفتح الواو وتشديد الراء المكسورة بعدها مهملة، البصري، واسم أبي الأسد كيسان بن راشد، وقيل: توبة بن أبي راشد، ويقال: ابن أبي المورع، قال إسحاق بن منصور عن ابن معين، وأبو حاتم،

стр. 802

أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا فَلَمْ يُمَضْمِضْ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَصَلَّى". [ق ١/ ١٦٠] قَالَ زَيْدٌ: دَلَّنِى شُعْبَةُ عَلَى هَذَا الشَّيْخِ. === وإبراهيم بن عرعرة، والنسائي: ثقة، أصله من سجستان، ومولده اليمامة، ومنشؤه بها، ثم تحول إلى البصرة، وهو مولى أيوب بن أزهر، وفد على عمر بن عبد العزيز، وولَّاه يوسف بن عمرو سابور، ثم ولَّاه الأهواز، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الأزدي وحده: توبة منكر الحديث، وروى بإسناد له عن ابن معين يضعف، وهو جد العباس بن عبد العظيم الحافظ، مات في الطاعون سنة ١٣١ هـ. (أنه سمع أنس بن مالك يقول: إن رسول الله ﷺ شرب لبنًا فلم يمضمض (١) ولم يتوضأ وصلَّى)، فهذا يدل على أن شرب اللبن لا يجب منه الوضوء ولا المضمضة، فصيغة الأمر الذي ورد فيه محمول على الاستحباب. (قال زيد: دلني شعبة على هذا الشيخ) والمراد بهذا الشيخ مطيع بن راشد، وغرض المصنف من نقل قول زيد الإشارة إلى توثيق مطيع بن راشد، فإن زيد بن الحباب يقول: دلني شعبة، وهداني لأخذ الحديث إلى هذا الشيخ، وشعبة إمام متقن، فدلالته عليه لا يكون إلَّا لكونه ثقة، فلو كان ضعيفًا، أو مستورًا لم يدل عليه شعبة قطعًا، وأيضًا قول زيد: "على هذا الشيخ "توثيق منه، فإن إطلاق لفظ الشيخ يدل على توثيقه، وإن كان في أدنى المرتبة.

стр. 803

(٨٠) باب الْوُضُوءِ مِنَ الدَّمِ . ١٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قال: حَدَّثَنِى صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ, === قال الحافظ في "النخبة" (١): وأدناها ما أشعر بالقرب من أهل التجريح كشيخ، انتهى. قلت: شعبة لم يرو عن مطيع بن راشد، ولم يخرج عنه، فكما يومئ الدلالة على توثيقه كذلك يومئ عدم التخريج على ضعفه، والظاهر أنه لو كان عند شعبة ثقة لروى عنه بنفسه، كما دل عليه غيره، وإلَّا فكيف يُحِبُّ لغيره ما لا يحب لنفسه. (٨٠) (بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الدَّمِ) (٢) أي هل يجب الوضوء من سيلان الدم أو لا يجب؟ ١٩٨ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، قال: ثنا ابن المبارك) هو عبد الله، (عن محمد بن إسحاق) بن يسار (قال: حدثني صدقة بن يسار) الجزري، سكن مكة، قال له سفيان: بلغني أنك من الخوارج، قال: كنت منهم فعافاني الله منه، قال أبو داود: كان متوحشًا يصلي بمكة جمعة وبالمدينة جمعة، وذكر بعضهم أنه عم محمد بن إسحاق بن يسار، وهو وهم ممن قاله، وثَّقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، وابن سعد،

стр. 804

عَنْ عَقِيلِ بْنِ جَابِرٍ, عَنْ جَابِرٍ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْنِى فِى غَزْوَةِ (١) ذَاتِ الرِّقَاعِ - فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ, === والنسائي، ويعقوب بن سفيان، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن عقيل بن جابر) بن عبد الله الأنصاري المدني، قال في "الميزان": فيه جهالة، ما روى عنه سوى صدقة بن يسار، وقال الحافظ: ذكره ابن حبان في "الثقات". (عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله - يعني في غزوة ذات الرقاع -) زاد بعض الرواة لفظة يعني إلى آخره إشارة إلى أنه ليس لفظ: في غزوة ذات الرقاع، من لفظ الأستاذ، ولكن مراده من خروجه معه ﷺ هي غزوة ذات الرقاع، وكانت غزوة ذات الرقاع في سنة أربع (٢) من الهجرة، وذكر البخاري: أنها كانت بعد خيبر؛ لأن أبا موسى جاء بعد خيبر، سميت باسم شجرة هناك، وقيل: باسم جبل هناك فيه بياض وسواد وحمرة، يقال له: الرقاع، وقيل: سميت به لرقاع كانت في ألويتهم، وقيل: سميت بذلك؛ لأن أقدامهم نقبت فلفّوا عليها الخرق، وهذا هو الصحيح, لأن أبا موسى حاضر ذلك مشاهدة، وقد أخبر به، كذا في "العيني شرح البخاري" (٣). (فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين) الإصابة: التفجيع، أي فجع

стр. 805

فَحَلَفَ أَنِّي (١) لَا أَنْتَهِى حَتَّى أُهَرِيقَ دَمًا فِى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ, فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِىِّ (٢) ﷺ , فَنَزَلَ النَّبِىُّ ﷺ مَنْزِلاً, فَقَالَ: "مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا", فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ === رجل من المسلمين امرأة رجل من المشركين، والتفجيع إما بالقتل أو بالسبي (٣) والأسر (فحلف) (٤) أي المشرك (أني لا أنتهي) أي لا أمتنع من الانتقام (حتى أهريق) أي أريق والهاء زائدة (دمًا في أصحاب محمد) أي حتى أقتل واحدًا منهم. (فخرج) أي المشرك (يتبع أثر النبي ﷺ ) الأثر بفتح الهمزة والثاء المثلثة، ويجوز بكسرها وسكون الثاء، قال في "القاموس": خرج في إثره وأثره: بعده. (فنزل النبي ﷺ منزلًا)، إما مفعول أو مصدر، والمراد بالنزول نزول المسافر بالليل للاستراحة (فقال: من رجل يكلؤنا) (٥) أي يحرسنا ويحفظنا، (فانتدب) أي أجاب هذه الدعوة (رجل من المهاجرين) هو عمار بن ياسر

стр. 806

وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: «كُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ». قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ اضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِىُّ وَقَامَ الأَنْصَارِىُّ يُصَلِّى, وَأَتَى الرَّجُلُ, فَلَمَّا رَأَى شَخْصَهُ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةٌ لِلْقَوْمِ (١) , فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ, === (ورجل من الأنصار) هو عباد بن بشر، وقيل: عمارة بن حزم، والمشهور الأول (فقال) ﷺ لهما: (كونا) أي روحا وأقيما (بفم الشعب) (٢) هو الطريق في الجبل، أي أقيما على أعلى الشعب لئلا يدهمهم ويفجأهم عدو. (قال) جابر: (فلما خرج الرجلان) أي المهاجري والأنصاري (إلى فم الشعب اضطجع المهاجري) ليستريح (وقام الأنصاري يصلي) ويحرس، كأنهما اقتسما الليل بأن ينام المهاجري نصف الليل ويحرس الأنصاري، ويقوم المهاجري في النصف الآخر يحرس وينام الأنصاري. (وأتى الرجل فلما رأى شخصه) أي سواده، والضمير إلى الأنصاري، والشخص سواد الإنسان وغيره تراه من بعد، كذا في "القاموس"، (عرف) أي المشرك (أنه) أي السواد (ربيئة) بفتح الراء وكسر الباء الموحدة: الحارس، والطليعة الذي يحرس القوم لئلا يفجأهم عدو، ولا يكون إلَّا على جبل أو شرف ينظر منه، من فتح يفتح، قال الحماسي: فما سَوْذَنِيْقُ (٣) عَلَى مَرْبَأ ... خَفِيفُ الْفُؤَادِ حَديدُ النَّظَرِ (للقوم فرماه) أي المشركُ الأنصاريَّ (بسهم فوضعه فيه) أيَ أصابه

стр. 807

فَنَزَعَهُ, حَتَّى رَمَاهُ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ, ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ, ثُمَّ انْتَبَهَ صَاحِبُهُ, فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُمْ قَدْ نَذِرُوا بِهِ هَرَبَ, فلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِىُّ مَا بِالأَنْصَارِىِّ مِنَ الدَّمِ (١) قَالَ: سَبْحَانَ اللَّهِ! أَلَا أَنْبَهْتَنِى أَوَّلَ مَا رَمَى؟ قَالَ: كُنْتُ فِى سُورَةٍ أَقْرَأُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا". [حم ٣/ ٣٤٣، ك ١/ ١٥٦، قط ١/ ٢٢٣، خزيمة ٣٦، حب ١٠٩٦، ق ١/ ١٤٠ و ٩/ ١٥٠] === (فنزعه) وفي "سنن البيهقي" بسنده: "فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائمًا يصلي، ثم عاد الثانية، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائمًا يصلي، ثم عاد له الثالثة، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، ثم ركع فسجد، ثم أَهَبَّ صاحبه، فقال: اجلس، فقد أُتِيْتُ فوثب"، وفي "البخاري": "فنزفه الدم"، أي خرج. (حتى رماه) أي رمى المشركُ الأنصاريَّ (بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد) أي أتم صلاته (ثم أنبه) وفي بعض النسخ: "انتبه"، والأول أوضح (صاحبه) أي المهاجري. (فلما عرف) المشرك (أنهم) أي أصحاب محمد ﷺ (قد نذروا) أي علموا (به) أي بالمشرك (هرب) أي فر (فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء) أي السائلة الكثيرة من الجروح الثلاثة التي حصلت بالأسهم الثلاثة. (قال: سبحان الله) كلمة تقال عند التعجب (ألا أنبهتني) أي أيقظتني (أول ما رمى؟ ) يعني في أول مرة من الرمي (قال: كنت في سورة أقرؤها) قال الشارح: قال المنذري: هي سورة الكهف (٢) (فلم أحب أن أقطعها) وفي رواية البيهقي: "حتى أنفذها، فلما تابع عَلَيَّ الرمْيَ ركعتُ فآذنتك (٣)،

стр. 808

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وايم الله، لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه، لقطعت نفسي قبل أن أقطعها أو أُنفِذها". قال الحافظ في "شرحه على البخاري" (١): أخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم كلهم من طريق ابن إسحاق، وكذا قال العيني (٢)، قلت: ولم أجد ذكر الحديث في "سنن الدارقطني" (٣). وذكر البخاري في "باب من لم ير الوضوء إلَّا من المخرجين"، ويذكر عن جابر أن النبي ﷺ كان في غزوة ذات الرقاع، فرمي رجل بسهم فنزفه الدم، فركع وسجد ومضى في صلاتِه، ذكره البخاري بصيغة التمريض. قال الحافظ: عقيل لا أعرف راويًا عنه غير صدقة، ولهذا لم يجزم به المصنف، أو لكونه اختصره، أو للخلاف في ابن إسحاق. قلت: الأول والثالث من وجوه التمريض يستلزمه ويقتضيه، وأما الثاني فبعيد، قال العيني (٤): فإن كون الحديث مختصرًا لا يستلزم أن يذكر بصيغة التمريض. اختلف العلماء (٥) في أن الدم من نواقض الوضوء أو لا، فذهب إلى

стр. 809

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الأول أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وقيدوه بالسيلان، وذهب ابن عباس، وابن أبي أوفى، وأبو هريرة، وجابر بن زيد، وسعيد بن المسيب، ومكحول، وربيعة، ومالك، والشافعي إلى أنه غير ناقض، واحتجوا بهذا الحديث، وقالوا: لو كان ناقضًا للطهارة، لكانت صلاة الأنصاري به تفسد أول ما أصابه الرمية، ولم يكن يجوز له بعد ذلك أن يركع ويسجد وهو محدث. والجواب عن هذا الاستدلال أنه فعل واحد من الصحابة، ولعله كان مذهبًا له، أو لم يعلم بحكمه، ومما يقوي هذا أن ظاهر ما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء يدل على أن الدم أصاب ثوبه وبدنه، وكانت ثلاثة أسهم، فالظاهر أنها أصابت ثلاثة مواضع من بدنه، كما يدل عليه لفظ الدماء جمعًا، وذلك يدل على كثرة الدم، ولهذا رآه صاحبه بالليل وهاله، فكما لم يدل مضيه مع النجاسة في الثوب على جواز الصلاة، كذلك لا يدل على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء. ولست أدري كيف يصح الاستدلال بالخبر، والدم إذا سال يصيب بدنه وجلده وربما أصاب ثيابه، ومع إصابة شيء من ذلك وإن كان يسيرًا (١) لا تصح الصلاة عند الشافعي، إلَّا أن يقال: إن الدم كان يخرج على سبيل الرزف، فلا يصيب شيئًا من بدنه، وهذا أمر عجيب خارق للعادة وراء طور العقل.

стр. 810

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وبالجملة فالاحتجاج بهذا الحديث غير صحيح بوجوه: الأول: أن الحديث ضعيف لأن عقيلًا الراوي مجهول، ومحمد بن إسحاق مختلف فيه، والثاني: أن البخاري لم يجزم به بل ذكره بصيغة التمريض، والثالث: أن هذا فعل صحابي، ولعله كان مذهبًا له، أو لم يعلم بحكمه، أو علم ولكن شغله الاستغراق في لذة المناجاة عن الالتفات إليه، فلا يستقيم (١) الاستدلال به على عدم انتقاض الوضوء. وأجاب صاحب "عون المعبود" (٢) عن جهالة عقيل بأن التحقيق في مجهول العين أنه إن وثَّقه أحد من أئمة الجرح والتعديل ارتفعت جهالته، وعقيل بن جابر الراوي وثَّقه ابن حبان، وصحَّح حديثه هو وابن خزيمة والحاكم، فارتفعت جهالته. قلت: نسبة التوثيق إلى ابن حبان ليس بصحيح، فإنه لم يوثقه، ولم يذكر أحد أنه وثَّقه، نعم ذَكَرَه في "الثقات"، وذِكْرُه في "الثقات" لا يستلزم التوثيق، ألا ترى أن ابن حبان كثيرًا ما يذكر الرواة في "الثقات"، وهم ليسوا بثقات. وكذلك تصحيح الحديث من ابن حبان وابن خزيمة والحاكم ليس بتوثيق له عند المحدثين، بل المراد بالتوثيق هو الذي يكون صراحة. وأما تصحيح الحاكم فقال العلامة العيني في "شرح البخاري" في بحث الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: فالحاكم قد عرف تساهله وتصحيحه للأحاديث الضعيفة بل الموضوعة، انتهى.
следующие страницы →