فَعَضَّ يَدَهُ، فَانْتَزَعَهَا، فَنَدَرَتْ ثَنيَّتُهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَهْدَرَهَا، وَقَالَ: "أَتُرِيدُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ في فِيكَ تَقْضَمُهَا كَالْفَحْلِ؟ "، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عن جَدِّهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَهْدَرَهَا، وَقَالَ: بَعِدَتْ (١) سِنُّهُ. [خ ٦٨٩٣، م ١٦٧٣، ن ٤٧٦٣]
٤٥٨٥ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نَا هُشَيْمٌ، نَا حَجَّاجٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ، عن عَطَاءٍ، عن يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، بِهَذَا، زَادَ: ثُمَّ قَالَ- يَعْني النَّبِيَّ ﷺ لِلْعَاضِّ: "إنْ شِئْتَ أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ يَدِكَ فَيَعَضَّهَا ثُمَّ تَنْزِعَهَا
===
قال شيخنا: فيتعين على هذا أن يعلى هو العاضُّ. ملخَّص من كلام الحافظ في "الفتح".
(فعض) أي الأجيرُ (يده) أي يد الرجل (فانتزَعها) أي نزع الرجل اليد من فيه (فنَدَرَتْ) أي سقطتْ (ثَنِيَّته، فأتى) الأجيرُ (النبيَّ ﷺ ) ليقضي بأرْش الثنايا (فأهْدرها) أي لم يوجب (٢) فيها شيئًا (وقال) رسول الله ﷺ : (أتريدُ أن يضعَ يدَه في فِيك) أي فمك (تَقْضَمُها) (٣) أي تَمْضَغُها (كالفحل؟ ).
(قال) عطاء أو ابن جريج: (وأخبرني ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله بن زُهير، (عن جدِّه) هو زهير، أبو مليكة بن عبد الله بن جَدْعان، (أن أبا بكر أَهْدَرَها) أي الثنيةَ (وقال: بَعِدَت) أي انقضت (سِنُّه) وهذا دعاء عليه.
٤٥٨٥ - (حدثنا زياد بن أيوب، نا هُشيم، نا حجاج وعبد الملك، عن عطاء، عن يعلي بن أمية، بهذا، زاد) عطاء: (ثم قال -يعني النبي ﷺ للعاضِّ: إن شئتَ أن تُمَكِّنه) من التمكين وهو الإقرار (من يدك فيَعَضَّها ثم تنزِعَها
стр. 8017
مِنْ (١) فِيهِ", وَأَبْطَلَ دِيَةَ أَسْنَانِهِ.
(٢٣) بابٌ (٢) فِيمَنْ تَطَبَّبَ وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبُّ فَأَعْنَتَ
٤٥٨٦ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ الأَنْطَاكِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ, أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ أَخْبَرَهُمْ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَطَبَّبَ وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبٌّ, فَهُوَ ضَامِنٌ". [ن ٤٨٣٠, جه ٣٤٦٦]
قَالَ نَصْرٌ: قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا لَمْ يَرْوِهِ إلَّا الْوَلِيدُ, لَا نَدْرِى صَحِيحٌ (٣) هو أَمْ لَا؟
===
من فيه) وهذا القول من رسول الله ﷺ ليس للتشريع, بل للزجر والتنبيه (وأبطل دية أسنانه).
(٢٣) (بَابٌ فِيمَنْ تَطَبَّبَ وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبٌّ فأَعْنَتَ) أي أهلك المريض
٤٥٨٦ - (حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي ومحمد بن الصَّبَاح بن سفيان، أن الوليد بن مسلم أخبرهم، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أن رسول الله ﷺ قال: من تَطَبَّب) أي عالج (ولا يُعلم منه طِبٌّ) أي ليس هو طبيبًا (فهو ضامنٌ).
(قال نصر) شيخ المصنف في حديثه: (حدثني ابن جريج) بدل عن ابن جريج.
(قال أبو داود: هذا لم يروه إلَّا الوليد، لا ندري صحيح هو أم لا؟ ).
стр. 8018
٤٥٨٧ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا حَفْصٌ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي بَعْضُ الْوَفْدِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى أَبِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَيُّمَا طَبِيبٍ تَطَبَّبَ عَلَى قَوْمٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ تَطَبُّبٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَأَعْنَتَ، فَهُوَ ضَامِنٌ".
قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: أَمَا إنَّهُ لَيْسَ بِالنَّعْتِ إنَّمَا هُوَ قَطْعُ الْعُرُوق وَالْبَطُّ وَالْكَيُّ. [انظر مَا قبله]
===
قال الخطابي (١): ولا أعلم خلافًا في أن المعالج إذا تعدَّى فتلف المريض كان ضامنًا (٢)، والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفه متعدٍ، فإذا تولَّد من فعله التلفُ ضمن الديةَ وسقط عنه القودُ؛ لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض، وجناية الطبيب في قول عامة الفقهاء على عاقلته.
٤٥٨٧ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا حفص، نا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، حدثني بعض الوفد الذين قدِموا على أبى) من التابعين (قال) بعض الوفد: (قال رسولُ الله ﷺ : أيما طَبيبٍ تَطَبَّبَ) أي عَالَجَ (على قوم لا يُعرف له تَطَبُّبٌ قبل ذلك فَأَعْنَتَ) أي أفسد وأهلك (فهو ضامنٌ).
(قال عبد العزيز) أي الراوي المذكور (أَمَا إنه ليس بالنَّعْتِ) أي حكم الضمان ليس بالوصف باللسان، وكذا حُكم الكتابة، فإنه إذا وَصَفَ الدواءَ لإنسانٍ فعَمِل بالمريض فهلَك لا يلزم الطبيب الدية (إنما هو) أي حكم الضمان (قَطْعُ العُرُوقِ والبَطُّ) أي الشق (والكَيُّ) بالنار.
стр. 8019
(٢٤) بَابُ الْقِصَاصِ مِنَ السِّنِّ
٤٥٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا الْمُعْتَمِرُ، عن حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ أُخْتُ أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ، فَأَتَوُا النَّبيَّ ﷺ فَقَضَى بِكَتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْقِصَاصَ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا
===
حاصله: أن الطبيب إذا عَالَجَ بشيءٍ من المعالجة بيده مثلًا قَطَع العِرْقَ، أو شقَّ الجِلْدَ، أو كَوَاه بمِكْواة، أو سقاه بيده فأَوْجَر في فِيه فتَلفَ، فهو جنايةٌ يلزمه الدية، وأما إذا وَصَفَ له الدواءَ وبيَّنه للمريض فأكل المريض بيده فلا ضمان فيه.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في "التقرير": قوله: "وليس بالنَّعْتِ" يعني بذلك أنه لم يُرد بالطبيب ما اشتهر فيه هذا اللفظ من المعالِج الخاص، بل هو عام لكل من يأتي منه مثل ذلك كأكل ونحوه، انتهى.
(٢٤) (بَابُ الْقِصَاصِ مِنَ السِّنِّ)
٤٥٨٨ - (حدثنا مسدد، نا المعتمِر، عن حُميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كَسَرَتِ (١) الرُّبَيِّع) عمَّة أنس بن مالك (أُخْتُ أنس بن النضر ثنيَّة امرأةٍ، فأتوا) أي أهل مكسورة السنِّ (النبي ﷺ فقضى بكتاب الله القصاصَ) لما في قوله تعالى: ﴿وَاَلسِّنِّ بِاَلسِّنِّ﴾ (٢).
(فقال أنس بن النضر: والذي بعثك بالحق لا تُكْسَر ثنيتُها) أي ثنية
стр. 8020
الْيَوْمَ، قَال: "يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ"، فَرَضُوا بأَرْشٍ أَخَذُوهُ، فَعَجَبَ نَبِيُّ اللَّهِ (١) ﷺ وَقَالَ: "إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّه". [خ ٢٧٠٣، ن ٤٧٥٧، جه ٢٦٤٩، حم ٣/ ١٢٨]
قَال أَبُو دَاوُدَ: سمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ يُقْتَصُّ مِنَ السِّنِّ؟ قَال: تُبْرَدُ.
(٢٥) بَابٌ في الدَّابَّةِ تَنْفَحُ بِرِجْلِهَا
٤٥٨٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ،
===
الرُّبَيع بنت النضر (اليوم) أي في هذا الوقت، وكان ذلك إخبارًا عما يجد في نفسه ثقةً على ربِّه لا رادًّا بحكمه، كتبه مولانا محمد يحيى المرحوم في "التقرير".
(قال) رسول الله ﷺ : (يا أنس! كتابُ الله) أي حكم كتاب الله (القصاصُ، فرَضُّوا) أي أولياء المرأة المجنيِّ عليها (بأرْشٍ) أي بديةٍ (أخذوه) فسقط القصاص، (فعجب نبي الله ﷺ وقال: إنَّ مِنْ عِبادِ الله) أي بعض عبادِ الله (مَن لَوْ أَقْسَمَ على اللهِ) إنه يفعل كذا (لأبرَّهُ) أي لجعله صادقًا بارًّا في قسمه.
(قال أبو داود: سمعتُ أحمد بن حنبل قيل له: كيف يقْتَصُّ من السنِّ؟ قال: تُبْرَدُ) أي في الكسر، وأما في القَلْع فلا يفتقر إلى البرْد، بل يقلع لحصول المساواة به، ولا يمكن في الكَسْر إلا بالبرد، كتبه مولانا محمد يحيى المرحوم في "التقرير".
(٢٥) (بابٌ في الدَّابَّةِ تَنْفَخُ)، أي: تضرب (بِرِجْلِهَا)
٤٥٨٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن يزيد،
стр. 8021
نَا سفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الرِّجْلُ جُبَارٌ" (١). [قط ٣/ ١٥٢، رقم ٢٠٨، ق ٨/ ٣٤٣]
===
نا سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: الرِّجْل) أي ما أصابته الدابة بِرِجْلها (جُبار) (٢) أي هَدْر.
قال الخطابي (٣): وقد تكلم الناس في هذا الحديث، فقيل: إنه غير محفوظ، وسفيان بن حسين معروف بسوء الحفظ.
قالوا: وإنما هو "العجماء [جرحها] جُبار" لو صح الحديثُ لكان القول به واجبًا. وقد قال به أصحاب الرأي، وذهبوا أن الراكب إذا نفحَت دابتُه إنسانًا برِجلها فهو هدْر، فإن نفحَته بيدها فهو ضامن، قالوا: وذلك أن الراكبَ يملِك تصريفها من قُدَّامها, ولا يملك ذلك فيما وراءها.
وقال الشافعي (٤): اليد والرِّجْل سواء، لا فرق بينهما، وهو ضامن، والملكة منه قائمة في الوجهين إن كان فارسًا. انتهى.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في "التقرير": قوله: "الرِّجْل جُبار" أي إذا لم يكن الفارِسُ عليه، أو أصاب أحدًا من الحصى المنفوحَة برِجْلها عادةً، أو نخسها أحد فضربت برجلها، ففي كل تلك الصور لا شيء على مالكها. انتهى.
стр. 8022
(١)
٤٥٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب وَأَبِي سَلَمَةَ سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، عن رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَ: "الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ". [تقدَم برقم ٣٠٨٥]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْعَجْمَاءُ الْمُنْفَلِتَةُ الَّتِي لَا يَكُونُ مَعَهَا أَحَدٌ، وتكُونُ بِالنَّهَارِ لَا تكون بِاللَّيْلِ.
===
٤٥٩٠ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة) أنهما (سمِعَا أبا هريرة يحدث، عن رسول الله ﷺ قال: العَجْماء) أي البهيمة (جُرْحُها جُبارٌ) أي هَدْرٌ (والمَعْدِنُ جُبارٌ) أي إذا حَفَر حَفيرة لاسْتخراج المَعْدِنِ فوقع فيه إنسان فهو هَدْرٌ (والبِئْر جُبارٌ) أي إذا حَفَر البئرَ في مِلْكه فسقط فيه أحد فهو هَدْرٌ (وفي الرِّكازِ الخُمسُ).
قال في "القاموس": الركاز: وهو ما رَكَزَه الله تعالى في المَعَادِنِ، أي أحدثه فيها، ودَفين أهل الجاهلية، وقطع الفضة والذهب من المعدن.
(قال أبو داود: والعَجْماء) أي المراد من العجماء الدابة (المُنْفَلِتَةُ التي لا يكون معها أحدٌ، وتكون بالنهار لا تكون بالليل).
قال الخطابي (٢): وإنما يكون جُرْحُها هدرًا إذا كانت مُنْفَلِتَة عائرةً على وجهها, ليس لها قائدٌ ولا سائقٌ، وأما البئر فهو أن يحفر الرجلُ بئرًا في ملك نفسه فيتردى فيها إنسانٌ فإنه هَدْرٌ لا ضمان عليه.
وقد يتأول أيضًا عن البئر تكون بالوادي يحفرها الإنسان فيُحْيِيها بالحفر والإنباط، فيتردَّى فيها إنسانٌ فيكون هَدْرًا. والمعدن ما يستخرجه الإنسان من
стр. 8023
(٢٦) بَابٌ في النَّارِ تَعَدَّى
٤٥٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. (ح): وَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التّنِّيسِيُّ، نَا زيدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ الصَّنْعَانِيُّ، كِلَاهُمَا عن مَعْمَرٍ، عن هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "النَّارُ جُبَارٌ". [جه ٢٦٧٦]
===
معدن الذهب والفضة ونحوهما فيستأجر قومًا يعملون فيها فرُبَّما انهارتْ على بعضهم فهو هَدْرٌ.
(٢٦) (بَابٌ في النَّارِ تَعَدَّى) بحذف إحدى التائين، أي تتعدَّى
٤٥٩١ - (حدثنا محمد بن المتوكل العسقَلاني، نا عبد الرزاق، ح: ونا جعفر بن مسافر التَّنِّيْسي، نا زيد بن المبارك، نا عبد الملك الصنعاني، كلاهما) أي عبد الرزاق وعبد الملك (عن مَعْمر، عن هَمَّام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ النَّارُ جُبار).
قال الخطابي (١): لم أَزَل أسمَع أصحابَ الحديث يقولون: غَلط فيه عبد الرزاق، إنما هو "البئر جُبار" حتى وجدتُه لأبي داود، عن عبد الملك الصنعاني، عن معمر، فدل أن الحديث لم ينفرد به عبد الرزاق، ومن قال: هو تصحيف "البئر"، احتج في ذلك بأن أهل اليمن يميلون "النار"، يُكسرون النون منها، فسَمِعه بعضُهم على الإمالة، فكتبه بالياء، ثم نَقَلَه الرواةُ مُصَحَفًا.
قال الشيخ: وإن صحَّ الحديث على ما روي فيتأول بالنار التي (٢) يُوقِدُها الرجل في مِلْكه لأرَبٍ له فيها فَتُطيرُها الريح، فتشعلها في مال (٣)
стр. 8024
(١)(٢٧) بَابُ جِنَايَةِ الْعَبْدِ يَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ
٤٥٩٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبي، عن قَتَادَةَ، عن أَبِي نَضْرَةَ، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ: "أَنَّ غُلَامًا لأناسِ فُقَرَاءَ
===
أو متاع لغيره من حيث لا يملك ردها فيكون هذا غير مضمون عليه. انتهى.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قوله: "النَّار جُبار"، هذا إذا أوقدها وكان بحيث لا يخاف الحرقة بها، أما إذا أشعلها والريح هائجةٌ وجب الضمان.
(٢٧) (بَابُ جِنَايَةِ الْعَبْدِ يَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ)
٤٥٩٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي نَضْرة، عن عمران بن حُصين: أن غلامًا (٢) لأُناس فقراء).
стр. 8025
قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لأُناسٍ أَغْنِيَاء، فَأَتَى أَهْلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّا نَاسٌ (١) فُقَرَاءُ، فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ (٢) شَيْئًا". [ن ٤٧٥١]
(٢٨) بَابٌ فِيمَنْ قُتِلَ في عِمِّيَّا بَيْنَ قَوْمٍ
٤٥٩٥ - حُدِّثْتُ (٣) عن سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ
===
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم: "الغلام" ها هنا هو الصغير من الأحرار لا العبد، إذ لو كان عبدًا لأدَّاه إليهم عوضًا من جنايته ولما صحَّ قولهم: "إنا ناس فقراء"؛ لأن الدعوى كانت على العبد، وهو موجود لهم، ولا يطلب منهم شيء آخر، حتى يعتذروا بأنه لا شيء لهم، فإن فهم المؤلف منه أنه العبد، فظاهر أنه ليس بسديد، وإن أثبت المدعي قياسًا حيث لم يجب شيء بقطع الغلام فلا يجب شيء بقطع العبد أيضًا.
والجامع أنهما ليسا في أيديهما، وأنهما محجوران عن التصرفات فليس لهما الافتداء ولا الصلح على شيء غير صحيح أيضًا، وذلك لأنه مكلَّف، فلا يصح أن يقاس على الصبي وهو غير مكلف شرعًا. انتهى.
(قَطع أذنَ غلامٍ لأناس أغنياء، فأتى أهلُه النبيَّ ﷺ فقالوا: يا رسول الله! إنا ناسٌ فقراء، فلم يجعل عليه شيئًا).
(٢٨) (بَابٌ فِيمَنْ قُتل في عِمِّيًّا بَيْنَ قَوْمٍ)
وقد سبق شرح هذا الكلام وشرح هذا الحديث
قال أبو داود:
٤٥٩٥ - (حُدِّثْتُ) بِبِناء المجهول (عن سعيد بن سليمان، عن سليمان بن
стр. 8026
كَثِيرٍ قَالَ: نَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عن طَاوُسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ في عِمِّيَّا أَوْ رِمِّيَّا تَكُونُ بَيْنَهُمْ بِحَجَرٍ أَوْ بِسَوْطٍ فَعَقْلُهُ عَقْلُ خَطَإ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا فَقَوَدُ يَدَيْهِ، فَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ". [تقدَم برقم ٤٥٤٠]
آخِرُ كتَابِ الدِّيَّاتِ
===
كثير قال: نا عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : من قُتِلَ في عِمِّيًّا أو رمِّيًا تكون بينهم بحَجَر أو بسَوطٍ فعَقْلُه عَقْلُ خطإٍ، ومن قتل عمْدًا فقَوَدُ بديه، فمن حَالَ بينه وبينه فعليه لعنةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعين).
قال المنذري (١): وأخرجه أبو داود فيما تقدَّم مسندًا، وقال ها هنا:
"حُدِّثْتُ عن سعيد بن سليمان" ولم يُسمِّ مَنْ حَدَّثَه، فهي رواية مجهول. انتهى.
آخِرُ كتَابِ الدِّيات
стр. 8027
تمَّ بحمد الله وتوفيقه المجلد الثاني عشر ويتلوه إن شاء الله تعالى المجلد الثالث عشر، وأوله: "أول كتاب السُّنَّة"
وصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا
محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
стр. 8028
بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد
تأليف
الإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري
(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)
مَعَ تعليقات
الإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي
(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)
اعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ
الْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي
الْجُزْء الثَّالِث عشر
طبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان
نَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة
стр. 8029
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 8030
بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (١٣)
стр. 8031
الطَّبعَة الأولى
مُحقّقَة وَمُنَقّحَة
١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق
مَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي
للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد
SHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER
For Research & Islamic Studies
MOZAFFARPUR, AZAMGARH, U.P - INDIA
الْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١
الفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١
متحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١
الْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae
стр. 8032
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٣٤) أَوَّلُ كتَابِ السُّنَّةِ
(١) بَابُ شَرْحِ السُّنَّةِ
٤٥٩٦ - حَدَّثَنَاوَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عن خَالِدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسبْعِينَ فِرْقَة، وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى عَلَى إحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفتَرِقُ أُمَّتِي
===
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٣٤) (أَوَّلُ كتَابِ السُّنَّةِ)
(١) (بَابُ شَرْحِ السُّنَّةِ)
أي: كَشف معانيها وبيان فضائلها وتميزها من البدْعة
٤٥٩٦ - (حدثنا وَهْب بن بَقِيَّة، عن خالد، عن محمد بن عَمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : افْترقتِ اليهودُ على إحدى أو اثنتين وسبعين فِرْقةً، وتفرَّقتِ النصارى على إحدى أو ثِنْتَين وسبعين فِرْقةً، وتَفترِقُ أمتي) أي أمَّة الإجابة (١)
стр. 8033
عَلَى ثَلَاثٍ وَسبْعِينَ فِرْقَةً". [ت ٢٦٤٠، جه ٣٩٩١، حم ٢/ ٣٣٢]
٤٥٩٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى (١) قَالَا:
===
(على ثلاثٍ وسبعين فرقةً). والمراد من هذا التفرُّق: التفرُّق المذمومُ الواقعُ في أصول الدين.
وأما اختلاف الأمة في فروعه فليس بمذموم، بل هو من رحمة الله سبحانه، فإنك ترى أن الفِرَقَ المختلفة في فروع الدين كلهم متَّحِدون في الأصول، ولا يُضَللُ بعضُهم بعضًا. وأما المتفرِّقُون في الأصول فيُكَفِّرُ بعضهم بعضًا ويُضلِّلُون.
وأما العدد فيُحمل على التكثير، ولو نظر إلى جميعها من الأصول والفروع فإنها تزيد على المئات، وأما لو نظر إلى أصول الفِرَق فيمكن أن يكون للتحديد، فإن الفِرَق المختلفة وإن تَشَعَّبَتْ شُعَبُهم ما يزيد على هذا القدر بكثير، ولكن أصولهم يَبْلغون هذا العدد.
والأَوْلَى أن يقال: إن هذا العدد لا بد أن يُوفي ويبلغ بهذا المقدار ولا يَنقص منه، ولكن لو زاد على هذا العدد فلا مضايقة فيه.
٤٥٩٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى قالا:
стр. 8034
نَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، نَا صَفْوَانُ. (ح): وَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ نَحْوَهُ، حَدَّثَنِي أَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَرَازِيُّ، عن أَبِي عَامِر الْهَوْزَنيِّ، عن مُعَاوِيَةَ بْن أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ قَامَ (١) فَقَالَ: أَلَا! إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَامَ فِينَا فَقَالَ: "أَلَا! إنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ (٢) سَتَفْتَرِق عَلَى ثَلَاثٍ (٣) وَسَبْعِينَ: ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ في النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ في الْجَنَّةِ، وَهِي الْجَمَاعَةُ".
زَادَ ابْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو في حَدِيثِهِمَا: وَإنَّهُ سَيَخْرُجُ في (٤) أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلَبُ لِصَاحِبِهِ،
===
نا أبو المغيرة، نا صفوان، ح: ونا عمرو بن عثمان، حدثنا بقية، حدثني صفوانُ نحوه) أي نحو ما حدَّث أبو المغيرة قال: (حدثني أزهر بن عبد الله الحَرَازي، عن أبي عامر الهَوْزني، عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام) فينا (فقال: ألا! إن رسول الله ﷺ قام فينا) خطيبًا (فقال: ألا! إن مَن قَبْلَكم من أهل الكتاب) أي اليهود والنصارى (افترقوا على ثنتين وسبعين مِلَّةً) أي فرقة في الدين، (وإن هذه الملة) أي الأمة (ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار) أي نار جهنم (وواحدة في الجنة، وهي الجماعة) أي وهي أهل السنة والجماعة.
(زاد) محمد (بن يحيى وعَمرو) بن عثمان (في حديثهما: وإنه سيخرج في أُمَّتِي أقوام تَجَارى) بحذف إحدى التائين، أي تَتَجَارى، أي تسرَّى (بهم تلك الأهواء) أي البدعات (كما يَتَجارى الكَلَب) بالتحريك، داءٌ يَعرِض للإنسان مِنْ عَضّ الكلْب المجنون، وتعرض له أَعْراضٌ رَدِيئَةٌ، ويمتنع من شُرْب الماء حتى يموت عَطَشًا (٥) (لصاحبه) أي من يصيبه.
стр. 8035
وَقَال عَمْرٌو: الْكَلَبُ بِصَاحِبِهِ لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ، وَلَا مَفْصِلٌ إلَّا دَخَلَهُ. [حم ٤/ ١٠٢، ك ١/ ١٢٨]
(٢) بَابُ (١) النَّهْيِ عَنِ الْجِدَالِ وَاتِّبِاعِ الْمُتَشَابِهِ مِنَ الْقُرْآنِ
٤٥٩٨ - حَدَّثَنَا (٢) الْقَعْنَبِيُّ، نَا يَزِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ (٣)، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عن عَائِشَةَ قالَتْ: "قَرَأَ رَسُولُ الله ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ إلى ﴿أُولُو الأَلْبَابِ﴾ , قَالَتْ: قَالَ (٤) رَسُول اللَّهِ ﷺ : فَإذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ
===
(وقال عمرو: الكلب بصاحبه) بالباء الموحدة (لا يبقَى منه عِرْقٌ، ولا مَفْصِل إلَّا دَخَلَه) وهذه الحالة في أهل البدع في هذا الزمان ظاهرة مثل ظهور الشمس، عافانا الله من ذلك وجميعَ المسلمين.
(٢) (بابُ النَّهْىِ عَنِ الْجِدَالِ وَاتِّبَاعِ المُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ)
٤٥٩٨ - (حدثنا القَعْنبي، نا يزيد بن إبراهيم، عن عبد الله بن أبي مُليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قَرَأَ رسولُ الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ إلى ﴿أُولُو الأَلْبَابِ﴾ وتمامها: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٥).
(قالت: قال رسول الله ﷺ : فإذا رأيتم الذين يَتَّبِعُون ما تَشَابَهَ منه
стр. 8036
فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ، فَاحْذَرُوهُمْ". [خ ٤٥٤٧، م ٢٦٦٥، ت ٢٩٩٤، حم ٦/ ٤٨]
(٣) بَابُ مُجَانبُةِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَبُغْضِهِمْ
٤٥٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا يَزِيدُ بْنُ
===
فأولئك الذين سمَّى اللهُ) أي سَمَاهم الله بتسمية مَذْمومةٍ قَبِيحةٍ بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ (فَاحْذَرُوهم) أي لا تُجَالِسُوهم ولا تُفاتِحوهم بالكلام.
قال ابن جرير في "تفسيره" (١): فمعنى الكلام إذًا: فأما الذين في قلوبهم مَيْل عن الحق وحَيْفٌ عنه، فَيَتَّبِعون من آي الكتاب ما تَشَابهتْ ألفاظُه، واحتمل صرفه في وجوه التأويلات باحتماله المعاني المختلفة إرادة اللَّبْس على نفسه وعلى غيره، أحتجاجًا به على باطله الذي مال إليه قلبه دون الحق الذي آتاه (٢) الله، فأوضحه بالمحكمات من آي كتابه.
وهذه الآية وإن كانتْ نزلتْ فيمن ذكرنا أنها نزلت فيهم من أهل الشرك، فإنه معنيّ بها كل مبتدع في دين لله بدعة، فمال قلبُه إليها، تأويلًا منه لبعض متشابه آي القرآن، ثم حاجَّ به وجَادَلَ به أهل الحقّ، وعدل عن الواضح من أدلة آية المحكمات، إرادة منه بذلك اللَّبْس على أهل الحقِّ من المؤمنين، وطلبًا لعلم تأويل ما تشابه عليه من ذلك كائنًا من كان، وأيّ أَصْناف البدعة كان: من أهل النصرانية كان أو اليهودية أو المجوسية، أو كان سبائيًّا أو حَرُوريًّا، أو قَدرِيًّا، أو جَهْمِيًّا، كالذي قال ﷺ : "فَإذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فهم الَّذِينَ عَنَى اللهُ فَاحْذَرُوهُم".
(٣) (بَابُ مُجَانبَةِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَبُغْضِهِم)
٤٥٩٩ - (حدثنا مسدد، نا خالد بن عبد الله، نا يزيد بن
стр. 8037
أَبِي زِيَادٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن رَجُلٍ، عن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الأَعْمَالِ: الْحُبُّ في اللَّهِ, وَالْبُغْضُ في اللَّهِ". [حم ٥/ ١٤٦]
٤٦٠٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْح، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: فَأَخْبَرَنِي (١) عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ-
===
أبي زياد، عن مجاهد، عن رجل، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : أفضلُ الأعْمال: الحبُّ في الله، والبُغْضُ في الله) أي من يُحبُّه لا يُحِبه إلَّا لله، ومن يُبْغِضه لا يبغضه إلا للهِ، فيبغض عدوه ومخالفه وعاصيه، ومنهم أهل الأهواء، ويحب من يطيعه ويواليه.
قال المنذري (٢): في إسناده يزيد بن أبي زياد الكوفي، ولا يحتج بحديثه. وقد أخرج له مسلم متابعة، وفيه أيضًا رجل مجهول.
قال الخطابي (٣): فيه من العلم أن تحريم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث إنما هو فيما يكون بينهما من قبل عتب وموجدة، أو لتقصير يقع في حقوق العِشرة ونحوها، دون ما كان من ذلك من حق الدين، فإن هجرة أهل الأهواء والبدعة دائمة على مَرِّ الأوقات والأزمان ما لم يظهر منه التوبة والرجوعُ إلى الحق.
٤٦٠٠ - (حدثنا ابن السرح، أنا ابن وَهْب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: فأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان) عبد الله (قائدَ) أبيه (كعب) أي يَقُوده حيث يريد (من بَنيه) أي من جملة أولاده (حين عَمِيَ) وهذه جملة معترضة بين اسم "أن" وخبرها،
стр. 8038
قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ (١) - وَذَكَرَ ابْنُ السَّرْحِ قِصَّةَ تَخَلُّفِهِ عن النَّبِيِّ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ - قَالَ: وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عن كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلاثَةُ، حَتَّى إذَا طَالَ عَلَيَّ تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّه مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، ثُمَّ سَاقَ خَبَرَ تَنْزِيلِ تَوْبَتِهِ. [تقدَم برقم ٢٧٧٣]
(٤) بَابُ تَرْكِ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الأَهْوَاءِ
٤٦٠١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نا حَمَّاد، أَنا عَطَاء الْخُرَاسَانِيُّ، عن يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عن عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى
===
خبره: (قال) عبد الله: (سمعت كعب بن مالك) قال أبو داود: (وذكر ابن السرح قصةَ تخلُّفه عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، قال) كعب: (ونهى رسول الله ﷺ المسلمين (٢) عن كلامنا أيُّها الثلاثة) زاد لفظ: "أيها" للتخصيص.
(حتى إذا طال عليَّ) أي ترك الكلام من المسلمين (تَسَوَّرْتُ) أي اِرْتَقَيْتُ (جدار حائطِ أبي قتادة، وهو ابن عمِّي، فسلَّمتُ عليه، فوالله ما ردَّ) قتادة (عليَّ السلام) لأنهم قد نُهُوا عن الكلام والسلام، فلما كان الأمر في العاصي كذلك، ففي ترك الكلام من أهل الأهواء أوجب؛ لأن أخطاءهم في العقائد وتلك كانت معصية في العمل (ثم سَاقَ) ابنُ السرح (خَبرَ تنزيلِ توبته) أي توبة كَعْبٍ.
(٤) (بَابُ تَرْكِ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الأهْوَاءِ)
٤٦٥١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمَر، عن عمار بن ياسر قال: قدمتُ على
стр. 8039
أَهْلِي وَقَدْ تَشَقَّقَتْ يَدَايَ، فَخَلقُونِي بِزَعْفَرَانٍ، فَغَدَوْتُ عَلَى النَّبِيِّ (١) ﷺ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ. وَقَالَ: "اذْهَبْ فَاغْسِلْ هَذَا عَنْكَ". [تقدَّم برقم ٤١٧٦]
٤٦٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عن سُمَيَّةَ، عن عَائِشَةَ: أَنَّهُ اعْتَلَّ بَعِيرٌ لِصَفِيَّةَ بنْتِ حُيَيٍّ، وَعِنْدَ زَيْنَبَ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لزَيْنَبَ: "أًعْطِيهَا بَعِيرًا"، فَقَالَتْ: أَنَا أُعْطِي تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ؟ فَغَضِبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَهَجَرَهَا ذَا الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمَ، وَبَعْضَ صَفَرٍ.
===
أهلي وقد تشقَّقتْ يَدايَ، فخلَّقوني) أي لطخوا يداي (بزعفران، فغدوتُ على النبي ﷺ ، فسلمت عليه، فلم يَردَّ عليَّ) السلام (وقال: اذهبْ فاغسِلْ هذا عنك) مع أن ردَّ السلام واجب، ولكن لا يَرد على أهل المعاصي زَجْرًا ورَدْعًا عنها، وكذلك أهل الأهواء، فهم أولى بأن لا يرد سلامهم، وأولى أن لا يُفاتحوا السلام.
٤٦٠٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت البُناني، عن سُميةَ، عن عائشة: أنه اعتلَّ بعيرٌ) أي حصل له عِلَّة ومرض (لصفية بنت حُيَيٍّ) أم المؤمنين ﵂ (وعند زينبَ) بنت جحش أم المؤمنين (فضلُ ظهرٍ) أي مَرْكبٌ فاضلٌ عن حاجتها، وكانت في سفر (٢) مع رسول الله ﷺ .
(فقال رسول الله ﷺ لزينب: أَعطيها) أي صفيةَ (بعيرًا) أي بعيركِ الفاضل (فقالت) زينب: (أنا أعطي تلك اليهودية؟ ) وكانت من ولد هارون ﵇؟ ! (فغَضِبَ رسولُ الله ﷺ ) على زينب بهذا الكلام (فهجرها ذا الحِجَّةِ، والمُحَرَّمَ، وَبَعَض (٣) صَفَرٍ)، وهذا أيضًا هِجْران على المعصمة، فالهجران على البدعة أولى.
стр. 8040
(٥) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْجِدَالِ في الْقُرْآنِ
٤٦٠٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَزِيدُ (١) قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمِرَاءُ في الْقُرْآنِ كُفْرٌ". [حم ٢/ ٢٨٦، ٣٥٠، ٤٢٤، ٤٧٥]
===
(٥) (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْجدَالِ في الْقُرْآن)
٤٦٠٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يزيد قال: أنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: المِراءُ في القرآن كفرٌ).
قال الخطابي (٢): اختلف الناس في تأويله، فقال بعضهم: معنى المراء ها هنا الشكُّ فيه، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ (٣) أي في شكّ. ويُقال: المِراءُ هو الجِدالُ المُشَكِّكُ فيه، وتأوَّله بعضُهم على المراء في قراءته دون تأويله ومَعَانيه، مثل أن يقولَ قائل: هذا قرآن قد أنْزله الله، ويقول الآخر: لم ينزلْه اللهُ هكذا، فيكفر به من أنكره، وقد أنزل الله تعالى كتابه على سبعةِ أَحرُف، كلها شافٍ كافٍ، فنهاهم ﷺ عن إنكار القراءة التي يسمع بعضهم بعضًا يَقْرؤونها، وتَوَعَّدَهم بالكُفر عليها لينتهوا عن المِرَاء فيه والتكذيب به.
وقال بعضُهم: إنما جاء هذا في الجدال بالقرآن من الآي التي فيها ذكر القدر والوعيد وما كان في معناهما، على مذهب أهل الكلام والجَدْل، وعلى معنى ما يجري من الخَوْض بينهم فيها دون ما كان منها في الأحكام وأبواب التحليل والتحريم والحظر والإباحة، فإن أصحاب رسولِ الله ﷺ قد تَنَازعوا فيما بينهم، وتحاجُّوا بها عند اختلافهم في الأحكام، ولم يتحرَّجوا من التناظر بها وفيها، وقد قال : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤)، فعلم أن النهي ينصرف إلى غير هذا الوجه. والله أعلم، انتهى.
стр. 8041
(٦) بَابٌ في لُزُومِ السُّنَّةِ
٤٦٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدةَ، نَا أَبُو عَمْرِو بْنُ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ، عن حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ، عن الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِب، عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَلَا إنِّي أُوْتيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ
===
قلت: وإنما سُمِّي المراءُ كُفرًا لإفضائه إليه.
(٦) (بَابٌ في لُزُومِ السُّنَّةِ)
٤٦٠٤ - (حدثنا عبد الوهاب بن نَجْدَة، نا أبو عمرو بن كثير بن دينار) هكذا في جميع النسخ الموجودة من المكتوبة والمطبوعة: "أبو عمرو بن كثير بن دينار"، وقد تَتَبَّعْتُ فيما عندي من كتب الرجال وكتب الحديث فلم أجدْه (١) فيها مع شدة التَّفَحُّصِ، فمَنِ اطَلع عليه وقَيَّدَه ها هنا فجزاه الله خيرًا.
(عن حَرِيز) بتقديم الراء على الزاي (ابن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المِقْدام بن مَعْدِي كَرِبَ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: ألا إني أُوتيتُ الكتابَ (٢) ومثلَه) أي ومثل الكتاب (معه) وهو الحديث؛ لأنه الوحيُ غيرُ المَتْلُوّ، والمماثلة في وجوب العمل والاعتقاد بهما؛ لأن الحديث إذا سمع من رسول الله ﷺ فهو قطْعيٌّ مثل القرآن.
(ألا يوشكُ رجلٌ شَبْعانُ) أي ذو المال والرئاسة، جالسٌ (على أَرِيْكَتِهِ)
стр. 8042
يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ! أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ (١)، وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ، فَإنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاه". [حم ٤/ ١٣٠، ت ٢٦٦٤، جه ٣١٩٣]
٤٦٠٥ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِيُّ، نَا اللَّيْثُ، عن عُقَيْلٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ عَائِذَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ
===
أي سريره، وهذا إشارة إلى تكبره ونَخْوَتِه (يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وَجدتُم فيه من حلال فأحلُّوه) أي اعتقدوه حلالًا (وما وجدتُم فيه من حرامٍ فحرِّموه)، وأما ما سوى القرآن من الأحاديث فلا تقبل.
(ألا لا يَحِلُّ لكم الحمارُ الأهليُّ، ولا كل ذي ناب من السبع)، وهذه الأشياء ليست في القرآن، وأنا أُبَيِّنُ لكم حرمتَها فَخُذُوه، كما تأخذون تحليل القرآن وتحريمه.
(ولا لُقْطَةُ مُعَاهِدٍ) وإنما خص المعاهد بذلك؛ لأن في لُقْطَتِهِ مَظِنَّة الاستحلال لكُفْره (إلَّا أن يَستغنيَ عنها صاحبُها) أي يتركها لمن أَخَذَها استغناء عنها لخَسَاسَتِها (وَمَنْ نَزَلَ بقومٍ فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يُعْقِبَهم) (٢) أي يأخذ منهم في العقب (بمثل قِراه) وقد تقدم بحث الضيافة فيما تقدم.
٤٦٠٥ - (حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن مَوْهَب الهَمْداني، نا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، أن أبا إدريس الخولاني عائدَ الله أخبره، أن يزيد بن
стр. 8043
عَمِيرَةَ- وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ- أَخْبَرَهُ، قَالَ: "كَانَ لَا يَجْلِسُ مَجْلِسًا لِلذِّكْرِ حِينَ يَجْلِسُ إلَّا قَالَ: اللَّه حَكَمٌ قِسْطٌ، هَلَكَ الْمُرْتَابُونَ. فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَوْمًا: إنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَنًا يَكْثُرُ فِيهَا الْمَالُ، وَيُفْتَحُ فِيهَا الْقُرْآنُ حَتَّى يَأخُذَهُ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ، وَالرَّجُلُ وَالْمَرَأَةُ، وَالْكَبِيرُ (١) وَالصَّغِيرُ، وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ، فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ: مَا لِلنَّاسِ لَا يَتَّبِعُونِي وَقَدْ قَرَأتُ الْقُرْآنَ؟ ! مَا هُمْ بِمُتَّبعِيَّ حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ! فَإيَّاكُمْ وَمَا ابْتَدَعَ، فَإنَّ مَا ابْتُدِعَ ضَلَالَةٌ، وَأُحَذِّرُكُمْ زيغَةَ الْحَكِيمِ، فَإنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقْولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ.
===
عَميرة) مكبرًا (- وكان من أصحاب معاذ بن جبل- أخبره، قال) يزيد: (كان) معاذ بن جبل (لا يجلس مجلسًا للذكر) أي الوعظ (حين يجلس إلَّا قال): إن (اللهَ حَكَمٌ قِسطٌ) أي حَاكمٌ عَادِلٌ (هَلَكَ المُرْتابون) أي الشاكُّون.
(فقال معاذ بن جبل يومًا: إن من ورائكم) أي قدامكم (فِتنًا) في الدين (يكثُر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذَه المؤمنُ والمنافقُ، والرجلُ والمرأةُ، والكبيرُ والصغيرُ، والعبدُ والحر) ويَأْخُذ لفظَه ولا يَتَفَقَّهُ معناه.
(فيُوشك قائلٌ أن يقول) أي في قلبه: (مَا للناس لا يَتَّبِعُوني وقد قرأتُ القرآن؟ ! مَا هُم بِمُتَّبِعِيَّ حتى أبتدِعَ لهم غيره! ).
قال في "فتح الودود": يقول ذلك لما رآهم يتركون القرآنَ والسنَّةَ وَيتَّبِعُون الشيطانَ والبدْعَةَ.
(فإياكم وما ابتُدِع) فاحْذَروه (فإن ما ابتُدِع) أي الذي ابتُدِع في الدين (ضلالةٌ، وأُحذِّركم) أي أُخَوِّفُكُم (زَيْغَةَ الحكيم) أي انحرافه عن الحق، فإن ما في زَيغة الحكيم من المضارّ ليس في زيغة الجاهل، (فإن الشيطانَ قد يقولُ) أي يجري (كلمةَ الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافقُ كلمةَ الحق) أي يجرى على لسانه الحق.
стр. 8044
قَالَ: قُلْتُ لِمُعَاذٍ: مَايدْرِينِي- رَحِمَكَ اللَّهُ- أَنَّ الْحَكِيمَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقِّ؟ ! قَالَ: بَلَى، اجْتَنِبْ مِنْ كَلَامِ الْحَكِيمِ الْمُشْتَهِرَاتِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: مَا هَذِهِ؟ وَلَا يَثْنِيَنَّكَ ذَلِكَ عَنْهُ، فَإنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ، وَتَلَقَّ الْحَقَّ إذَا سَمِعْتَهُ، فَإنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا".
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ في هَذَا الْحَدِيثِ:
===
(قال) يزيد بن عَميرة: (قلت لمعاذ: ما يُدريني- رحمك اللهُ- أن الحكيم قد يقول كلمةَ الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ ! قال) معاذ: (بلى، اجتنبْ من كلام الحكيم المشتهِرات التي يُقال لها) أي المشتهرات: (ما هذه؟ ) أي يقول الناس في شأنها هذه الكلمة إنكارًا.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في "التقرير": قوله: "ما يدريني"، يعني بذاك أني كيف لي الفرق بين حقه وباطله؟ !
وحاصل الجواب: أن ما أنكر عليه العلماءُ باطلٌ، وكذلك ما أنكرتَ عليه إن كنتَ أهل علم.
(ولا يثنينك) أي لا يَصْرِفَنَّك (ذلك) أي كلام الحكيم (عنه، فإنه) أي الحكيم (لعله أن يراجِع) إلى الحق، (وتَلقَّ الحقَ إذا سمعتَه، فإن على الحق نورًا) (١).
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم في "التقرير": قوله: "فإنه لعله" يعني أنك إن لم تَنصرفْ عنه ولم تَدعه يُرجى أن يَقبل الحق بوَعْظِك وحيائك، أو المعنى لا تنصرف عنه، فلعله يتكلم بالحق فيما وراء ما تكلم به من الباطل.
(قال أبو داود: قال معمر (٢)، عن الزهري في هذا الحديث:
стр. 8045
وَلَا يُنْئِيَنَّكَ (١) ذَلِكَ عَنْهُ مَكَانَ يَثْنِيَنَّكَ. وَقَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عن الزُّهْرِيِّ، في هَذَا (٢): بالْمُشْتَبِهَاتِ (٣) مَكَانَ الْمُشْتَهِرَاتِ، وَقَالَ: لَا يَثْنِيَنَّكَ" كَمَا قَالَ عُقَيْلٌ، وَقَالَ ابْنُ إسحَاقَ، عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: بَلَى، مَا تَشَابَهَ عَلَيْكَ مِنْ قَوْلِ الْحَكِيمِ حَتَّى تَقُولَ: مَا أَرَادَ بِهَذ الْكَلِمَةِ؟ ! .
٤٦٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ قَالَ: أَنَا سُفْيَانُ قَالَ: كتَبَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُهُ عن الْقَدَرِ.
(ح): وَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: نَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ: نَا حَمَّادُ بْنُ دُلَيْلٍ
===
ولا يُنْئِيَنَّكَ) أي لا يُبعدنَّك (ذلك عنه، مكان "يَثْنِيَنَّك". قال صالح بن كيسان (٤)، عن الزهري في هذا) الحديث: ("بالمشتبِهات" مكان "المشتهِرات"، وقال: "لا يَثنينك"، كما قال عُقيل. وقال ابن إسحاق، عن الزهري قال: بلى، ما تَشابه) أي اشتبه (عليك من قول الحكيم حتى تقول) في قلبك أو في الناس: (ما أراد بهذه الكلمة؟ ! ) أي تتعجب منه وتنكر عليه, لأنك لا تجده مطابقًا للقواعد الشرعية.
٤٦٠٦ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أنا سفيان قال: كتب رجلٌ إلى عمر بن عبد العزيز يَسألُه عن القَدَرِ، ح: ونا الربيع بن سليمان المؤذن قال: نا أسد بن موسى قال: نا حماد بن دُلَيْل) مصغرًا، المدائني، أبو زيد قاضي المَدائِنِ، قال مهنا: سألت عنه أحمد فقال: كان قاضِي المدائن، كان صاحب رأي، ولم يكن صاحبَ حديثٍ، قلت: سمعتَ منه شيئًا؟ قال: حديثين، وقال الدوري عن ابن معين: ثقة ليس به بأس، وقال ابن الجنيد عنه: ثقة، وقال ابن عَمَّار:
стр. 8046
قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يُحَدِّثُنَا، عن النَّضْرِ. (ح): وَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن قَبِيصَةَ قَالَا: نَا أَبُو رَجَاءٍ، عن أَبِي الصَّلْتِ
===
كان قاضيًا على المدائنِ فَهَرَبَ منها، وكان من ثقات الناس، رأيته بمكة، وقال أبو داود: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات" (١).
وقال خلف بن محمد الخيام بسنده عن الحسن بن عثمان: كان الفُضيل إذا سئل عن مسألة يقول: ائتُوا أبا زيد فاسألوه، قال: وكان أبو زيد اسمه حمّاد بن دُلَيْل، رجلٌ أعمَى من أصحاب أبي حنيفة، له عند أبي داود حديث واحد، قلت (٢): وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: من الثقات، وقال الأزدي: ضعيف، والأزدي لا يُعْتَدُّ به.
(قال: سمعتُ سفيان الثوري يُحدثُنا، عن النضر، ح: ونا هناد بن السَّري، عن قَبيصة) بن عقبة بن محمد بن سفيان، أبو عامر الكوفي (قالا) هكذا بصيغة التثنية في النسخة المجتبائية، والكانفورية، ونسخة "العون"، والأحمدية القلمية، والنسخة المدنية، وأما في النسخة المكتوبة التي عليها المنذري (٣) ففيها: "قال: أنا أبو رجاء"، ولعله هو الصواب.
(نا أبو رجاء) قال الحافظ في "التهذيب": أبو رجاء، عن أبي الصلت، وعنه قَبيصة بن عقبة، قيل: هو الهَرَوي، انتهى. وقد تقدم ذكر الهروي في "تهذيب التهذيب" (٤)، وهو أبو رجاء الخراساني الهَرَوي، اسمه عبد الله بن واقِدْ، ولم يذكر في ترجمة "عبد الله بن واقد" في شيوخه أبا الصلت، ولا في تلامذته قَبيصةَ بن عُقبة، ورقّم عليه علامة ابن ماجه فقط.
(عن أبي الصلت) قال الحافظ في "تهذيب التهذيب": أبو الصلت عن عمر بن عبد العزيز في القدر، وعنه أبو رجاء، قيل: هو شهاب بن خراش الحوشبي.
стр. 8047
- وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ كَثيرٍ وَمَعْنَاهُمْ-، قَالَ: كَتَبَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُهُ عن الْقَدَرِ، فَكَتَبَ: أَمَّا بَعْدُ! أُوْصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَالاقْتِصَادِ في أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (١) ﷺ ،
===
(وهذا لفظ حديث ابن كثير، ومعناهم) أي معنى غير ابن كثير (قال: كتب رجلٌ إلى عمر بن عبد العزيز يسألُه عن القدَر) بفتح الدال ويسكن، ما قدَره اللهُ تعالى من القضايا.
قال في "شرح السنَّة" (٢): الإيمان بالقدَر فرضٌ لازمٌ، وهو أن يُعتقدَ أن الله تعالى خالق أعمال العباد خيرِها وشرِّها، كتبها في اللَّوْح المحفوظ قبل أن يخلُقَهم، والكُل بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته، غير أنه يرضَى الإيمانَ والطاعَة، وَوَعَدَ عليهما الثواب، ولا يرضَى الكفرَ والمعصيةَ، وأَوْعَد عليهما العقابَ.
والقدر سِرٌّ من أسرار الله تعالى، لم يُطْلِع عليه مَلَكًا مقرَّبًا، ولا نبيًّا مُرْسَلًا، ولا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل، بل يجب أن يعتقد أن الله تعالى خَلَقَ الخَلْق، فجعلهم فرقَتَيْن، فرقةً خلقهم للنَعِيْم فَضْلًا، وفرقةَ للجَحيم عَدْلًا.
وسأل رجلٌ علي بن أبي طالب ﵁ فقال: أخبرني عن القدر؟ فقال: طريق عظيم لا تسلكْه، فأعاد السؤالَ، فقال: بَحْرٌ عميقٌ لا تَلِجْه، فأعاد السؤال، فقال: سِرُّ الله قد خفي عليك فلا تفَتِّشْه، ولله دَرُّ مَنْ قال:
تَباركَ من أجرَى الأمورَ بحكمةٍ ... كما شاء لا ظُلمًا أراد ولا هَضما
فمالك شيء غير ما الله شاءه ... فإن شئت طِبْ نفسًا وإن شئت مُتْ كَظْما
(فكتب) عمر بن عبد العزيز: (أما بعد! أوصيك بتقوى الله) أن تلزمها نفسك (والاقتصاد) أي الاعتدال (في أمره) أي الله سبحانه، (واتباع سنة نبيه ﷺ ،
стр. 8048
وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ الْمُحْدِثُونَ بَعْدَ مَا جَرَتْ بهِ سُنَّتُهُ، وَكُفُوا مُؤْنَتَهُ، فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ، فَإنَّهَا لَكَ- بِإذْنِ اللهَ- عِصْمَةٌ. ثُمَّ اعْلَم أَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعِ النَّاسُ بِدْعَةً إلَّا قَدْ مَضَى قَبْلَهَا مَا هُوَ دَلِيل عَلَيْهَا، أَوْ عِبْرةٌ (١) فِيهَا. فَإنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا في خِلَافِهَا- وَلَمْ يَقُلْ ابْنُ كَثِيرٍ: مَنْ قَدْ عَلِمَ- مِنَ الْخَطَأ وَالزَّلَلِ وَالْحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ، فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ الْقَوْمُ لأَنْفُسِهِمْ، فَإنَّهُمْ عَلَى (٢) عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفُّوا،
===
وترك ما أحدَث المُحْدِثون) أي ابتدع المبتدعون (بعد ما جرتْ به سنته، وكفُوا مُؤْنته) أي كفاهم الله ورسوله ببيان الطريقة المرضية عن أحداث المحدثات وتحمل أثقالها، (فعليك بلزوم السنَّة) أن لا تتجاوز عنها (فإنها) أي السنة (لك بإذن الله عصمة) من المخاوف والمهالك.
(ثم اعلم أنه لم يَبتدع الناس بدعة إلَّا قد مضى قبلها) في زمان رسول الله ﷺ (ما هو دليل عليها) أي على بطلانها وقُبحها (أو عِبْرة فيها) أي ما مضى قبل البدعة فيها عبرة لبطلان البدعات، أو عبرة في البدعات بأن يجتنبوها، (فإن السنةَ إنما سَنَّها) أي جعلها طريقةً مسلوكةً (مَنْ قد علم ما في خلافها) من الفساد والقبح، وهو الله سبحانه أمر رسول الله ﷺ ، (ولم يَقلْ ابن كثير: "من قد عَلِم"). ولعله ذكر لفظًا آخر في معناه، لم يحفظه المصنف فتركه، وإنما ذكر هذا اللفظ الربيعُ وهنادُ (من الخطأ) بيان للفظ "ما في خلافها" (والزَّلَل والحمق والتعمُّق) أي التكلف.
(فارْضَ لنفسك ما رضي به القوم) أي السلف الصالح من الصحابة (لأنفسهم، فإنهم على علم وَقَفوا) لأنهم أخذوا العلمَ من مشكاة النبوة، (وببَصَرٍ نافذٍ) أي بصيرةٍ ساريةٍ (كفُّوا) عن المحدثات والبدعات.
стр. 8049
وَلَهُمْ عَلَى كَشْفِ الأَمُورِ كَانُوا أَقْوَى، وَبِفَضْلِ مَا كَانُوا فِيهِ أَوْلَى، فَإنْ كَانَ الْهُدَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ إلَيْهِ، وَلَئِنْ قُلْتُمْ: إنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَهُمْ، مَا أَحْدَثَهُ إلَّا مَن اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ: فَإنَّهُمْ هُمْ السَّابِقُونَ، فَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ بِمَا يَكْفِي، وَوَصَفُوا (١) مِنْهُ مَا يَشْفِي، فَمَا دُونَهُمْ مِنْ مَقْصَرٍ، وَمَا فَوْقَهُمْ مِنْ مَحْسَرٍ، وَقَدْ قَصَّرَ قَوْمٌ دُونَهُمْ فَجَفَوْا، وَطَمَحَ عَنْهُمْ أَقْوَامٌ فَغَلَوْا، وإنَّهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ.
===
(ولَهُم) اللام للتأكيد والضمير مبتدأ (على كشف الأمور) أي المسائل الدقيقة (كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه) من العلوم والبصيرة (أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه) دون ما هم (لقد سبقتموهم) أي السلف (إليه) أي إلى الهدى، وذلك بعيدٌ جدًا لا يمكن ذلك.
(ولئن قُلتم: إن ما حدث بعدهم ما أحدثه إلَّا مَنِ اتَّبع غيرَ سبيلهم، ورَغِب بنفسه عنهم) يعني إن تَشبَّثَ أحد أن السبيل الذي نَسْلُكُه غير ما سلكه هؤلاء فلا يجب اقتداؤهم فيه؛ لأن الاقتداء حيث يَتَّحدُ السبيل، وإذْ لا فَلَا (فإنهم) جواب لقوله: "لئِّن قلتم" أي فاعْلموا أنهم (هم السابقون، فقد تكلموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي) أي فلا منجا في غير سبيلهم (فما دونهم من مَقْصَر، وما فوقهم من مَحْسَر) (٢) يعني أن الإفراط والتفريط بما قرَّروه كِلاهما خطأ، فالتفريط عنه قُصُور، والزيادة عليه كلال وعي، فهذا في الاعتقاديات، إذ الكلام فيها.
(وقد قَصَّر قومٌ دونهم فَجَفوا) أي لم يَصِلوا حدّ الاعتدال (وطَمَح) أي ارتفع (عنهم أقوامٌ فَغَلَوا) أي تجاوزوا عن الحد، ولم يَقِفوا على الحد الشرعي (وإنهم) أي السلف (بين ذلك) في الوسط (لعلى هدًى مستقيم).
стр. 8050
كَتَبْتَ تَسْأَلُ عن الإقْرَارِ بِالْقَدَرِ، فَعَلَى الْخَبِيرِ- بِإذْنِ الله- وَقَعْتَ. مَا أَعْلَمُ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنْ مُحْدَثَةٍ، وَلَا ابْتَدَعُوا مِنْ بِدْعَةٍ هِيَ أَبْيَنُ أَثَرًا، وَلَا أَثْبَتُ أَمْرًا مِنَ الإقْرَارِ بِالْقَدَرِ.
لقَدْ كَانَ ذِكْرُهُ في الْجَاهِليَّةِ الْجَهلَاءِ، يَتَكَلَّمُونَ بِهِ في كَلَامِهِمْ وَفِي شِعرهِمْ، يُعَزُّونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَا فَاتَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَرِدْهُ الإسْلَامُ بَعْدُ إلَّا شِدَّةً، وَلَقَدْ ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غَيْرِ حَدِيثٍ وَلَا حَدِيثَيْنِ، وَقَدْ سمِعَهُ مِنْهُ الْمُسْلِمُونَ، فَتَكَلَّمُوا بهِ في حَيَاتِهِ، وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، يَقِينًا وَتَسْلِيما لِرَبِّهِمْ، وَتَضْعِيفًا لأَنْفُسِهِمْ، أنْ يَكُونَ شَيْءٌ لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمُهُ، وَلَمْ يُحْصِهِ كتَابهُ، وَلَمْ يَمْضِ فِيهِ قَدَرُهُ،
===
(كتبتَ تسأل عن الإقرار بالقدر، فعلى الخبير- بإذن الله- وقعتَ) يعني أنا بهذه المسألة خبير، فسألت المسألة الخبير، (ما أعلمُ) "ما" نافية (ما أحدثَ) "ما" موصولة (الناسُ من مُحدَثة) أي أمر جديد لم يكن في الشرع، (ولا ابتدعوا من بِدْعة هي أبينُ) أي أظهرُ (أثرًا، ولا أثبت أمرًا من الإقرار بالقدر)، فإنكاره إنكار أجلى البديهيات وأقبح المبتدعات، وإنما سماه بدعة باعتبار التدوين والتأليف، ونصب الأدلة العقلية عليه، وإن كان الإقرار به سنة في ذاته.
(لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء، يتكلمون به) أي يذكرونه (في كلامهم وفي شعرهم، يُعَزون) أي يصبرون (به أنفسَهم على ما فَاتَهم، ثم لم يزده الإِسلامُ بعدُ إلَّا شدَّة) أي قوة ثبوت.
(ولقد ذكره رسولُ الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين) بل في أكثر (وقد سَمِعَه) أي القدرَ (منه المسلمون، فتكلَّموا به في حياته، وبعد وفاته، يقينًا وتسليمًا لربِّهم، وتضعيفًا لأنفسهم)، والتضعيف: عَدُّ الشيء ضعيفًا، أي يَعدُّون أنفسهم ضُعفاء مِنْ أن يَتَحَمَّلوا على أنفسهم أن يعتقدوا أو يظنوا من (أن يكون شيء لم يُحِطْ به علمُه) أي علمُ الله تعالى (ولم يحصه كتابُه) أي كتابُ الله تعالى، وهو القرآنُ أو اللوحُ المحفوظُ (ولم يمضِ فيه قدرُه) بل عَلِموا على
стр. 8051
وَإنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَفِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: مِنْهُ (١) اقْتَبَسُوهُ وَمِنْهُ تَعَلَّمُوهُ، وَلَئِنُ قُلْتُمْ: لِمَ أَنْزَلَ اللهُ آيةَ كَذا، وَلِمَ قَالَ كَذَا؟ ! لَقَدْ قَرَؤُوا مِنْهُ مَا قَرَأتُمْ، وَعَلِمُوا مِنْ تَأويلِهِ مَا جَهِلْتُمْ، وَقَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: كُلُّهُ بِكِتَاب وَقَدَرٍ (٢)، وَمَا يُقْدَرُ يَكُنْ (٣) وَمَا شَاءَ اللَّه كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأ لَمْ يَكُنْ، وَلَا نَمْلِكُ لأَنْفُسِنَا نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، ثُمَّ رَغِبُوا بَعْدَ ذَلِكَ وَرَهِبُوا (٤).
٤٦٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنبَلٍ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: نَا سَعِيدٌ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي أَيُّوبَ- قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ، عن نَافِعٍ قَالَ:
===
اليقين أنه سبحانه أَحَاطَ عِلمُه وأحصى كتابُه بجميع ما يتعلق به خيرُ الدارين لعباده وجرى فيه قدره (وإنه) أي القدر (مع ذلك لفي مُحْكَمَ كتابه، منه اقتبسوه) أي حصلوا علمَ القدر (ومنه) أي الكتاب (تعلموه).
(ولئن قلتم: لِمَ أنزل اللهُ آية كذا) أي ما يخالف بظاهره القدر (ولمَ قال كذا؟ ! لقد قرؤوا منه) أي من الكتاب (ما قرأتم، وعلموا من تأويله ما جَهِلْتم، وقالوا بعد ذلك: كله بكتاب) أي اللوح المحفوظ (وقدَر، وما يُقْدَرُ يكن، وما شاء الله كان، وما لم يَشأْ لم يكن، ولا نملك لأنفسِنا نفعًا ولا ضرًّا، ثم رغبوا بعد ذلك) أي بعد الإقرار بالقدَر رغبوا في الأعمال الصالحة (ورَهِبوا) من الأعمال السيئة أو رَغِبُوا في الجنة ورَهِبُوا من النار.
٤٦٠٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: نا عبد الله بن يزيد قال: نا سعيد -يعني ابن أبي أيوب- قال: أخبرني أبو صخر) حميد بن زياد، (عن نافع قال:
стр. 8052
"وَكَانَ لابْن عُمَرَ صَدِيقٌ مِنْ أَهْلِ الشَّام يُكَاتِبُهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ (١) ابْنُ عُمَرَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ في شَيءٍ مِنَ القدَرِ. فَإيَّاكَ أَنْ تَكْتُبَ إلَيَّ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إنَّهُ سَيَكُونُ في أُمَّتِي أَقْوَامٌ يُكَذِّبُونَ بِالْقَدَرِ". [ت ٢١٥٢، ٢١٥٣، جه ٤٠٦١، حم ٢/ ٩٠]
٤٦٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، نَا حمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن خَالِدٍ الْحَذَّاءِ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ! أَخْبِرْنِي عن آدمَ، أَلِلسَّمَاءِ خُلِقَ أَمْ لِلأَرْضِ؟ قَالَ: لاِ، بَلْ لِلأَرْضِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوِ اعْتَصَمَ فَلَمْ يَأكُلْ مِنَ الشَّجَرَةِ؟
===
وكان لابن عمر) عبد الله (صديقٌ) أي مُحِبٌّ (من أهل الشام يُكَاتِبُه) فبَلَغَ ابنَ عمر ﵄ أنه يتكلم في القَدَر وينكره، (فكتب إليه ابن عمر) ﵁: (إنه بلغني أنك تكلمتَ في شيء من القَدَر) أي في مسألة من مسائله تكلمتَ بالإنكار، (فإيَّاك أن تكتبَ إليَّ) لأني تركتُ حبَّك والمكاتبةَ إليك، (فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: إنه سيكون في أمتي أقوامٌ يُكَذِّبُون بالقَدَر)، فالإيمان بالقَدَر فَرْضٌ ولازمٌ، فمن أنْكر من القَدَرِ شيئًا- خيرًا كان أو شرَّا- فقد خَرَجَ من الإيمان.
٤٦٠٨ - (حدثنا عبد الله بن الجرَّاح، نا حماد بن زيد، عن خالد الحذَّاء قال: قلتُ للحسن: يا أبا سعيد! أخبِرْني عن آدم) وسأل خالد الحذَّاء عن بعضِ فروع مسألة القَدَر ليعرف عقيدتَه فيها؛ لأن الناس كانوا يَتَّهِمونه بالقَدَر، إما لأن بعض تلامذته مَالَ إلى ذلك، أو لأنه قد تكلم بكلام أشتبه على الناس تأويلُه، فظَنوا أنه قاله، لاعْتقاده مذهب القَدَرية، فإن المسألة من مظانِّ الاشتباه.
(أللسماء خُلِقَ أم للأرض؟ ) أي أم خُلِقَ أن ينزل إلى الأرض، فيسكن فيها ذريتُه، وقُدر ذلك (قال: لا، بل) خلىَ (للأرض) قال خالد: (قلت: أرأيتَ) أي أخبرْني (لو اعتصم) أي لو عصم نفسه (فلم يأكل من الشجرة)
стр. 8053
قَالَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ. قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عن قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾، قَالَ (١): إنَّ الشَّيَاطِينَ لَا يَفْتِنُونَ بِضَلَالَتِهِمْ إلَّا مَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ (٢) الْجَحِيمَ.
٤٦٠٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، نَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عن الْحَسَنِ فَي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قَالَ: "خلقَ هَؤُلاِءِ لِهَذِهِ، وَهَؤُلَاءِ لِهَذِهِ".
٤٦١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا إسْمَاعِيلُ، أَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ *
===
ويكف نفسه؟ (قال: لم يكن له منه بُدٌّ) أي من أكلها (قلت: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (٣) قال) الحسن: (إن الشياطين لا يَفتنون بضلالتهم) أي بإضلالهم (إلَّا من أوجب الله عليه الجحيمَ) وقدَّر عليه ذلك.
٤٦٠٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، نا خالد الحذَّاء، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (٤) قال) الحسن: (خلق هؤلاء) المؤمنين (لهذه) أي الجنة (و) خلق (هؤلاء) أي المنافقين والكفار (لهذه) أي للنار، فأثبت القدر.
٤٦١٠ - (حدثنا أبو كامل، نا إسماعيل، أنا خالد الحذَّاء قال: قلت للحسن) أي سألته عن معنى قوله تعالى: (﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾) (٥) خطاب
стр. 8054
إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾، قَالَ: إلَّا مَنْ أَوْجَبَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ أَنَّهُ يَصْلَى الْجَحِيمَ.
٤٦١١ - حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: نَا حَمَّادٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي (١) حُمَيْدٌ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لأَنْ يُسْقَطَ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأَرْضِ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَقُولَ: الأَمْرُ بِيَدِي.
٤٦١٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّاد، نَا حُمَيْدٌ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا الْحَسَنُ مَكَّةَ، فَكَلَّمَنِي فُقَهَاءُ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ أُكَلِّمَهُ في أَنْ يَجْلِسَ لَهُمْ يَوْمًا يَعِظُهُمْ (٢) فِيهِ. فَقَالَ: نَعَمْ، فَاجْتَمَعُوا فَخَطَبَهُمْ (٣)،
===
للشياطين، أي لا تفتنونهم (﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾) أي إلَّا مَنَ قُدِّر له دخولُ الجحيم (قال) الحسن: (إلَّا من أوجب الله تعالى عليه) وقَدَر له (أنه يصلَى الجحيم).
٤٦١١ - (حدثنا هلال بن بِشْر قال: نا حماد قال: أخبرني حميد قال: كان الحسن يقول: لأن يُسْقَطَ من السماء إلى الأرض أحبُّ إليه من أن يقول: الأمر بيدي) أي ينكر القدر, لأن الأمر إذا كان بيده فهو خالق لأفعاله، وإنكار لأن يكون الله سبحانه خالق فعل العبد وهو إنكار للقدر، وإنما كان أحب لأن السقوط إلى الأرض تكليف ببدنه، وأما هذا القول فهو مفسد لدينه.
٤٦١٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، نا حميد قال: قدم علينا الحسن مكةَ) أي من البصرة، (فكلَّمني فقهاء أهل مكة أن أكلِّمَه) أي الحسن (في أن يَجلس لهم) أي لأهل مكة (يومًا يعِظهم فيه، فقال) الحسن: (نعم، فاجْتَمَعوا فخطبهم،
стр. 8055
فَمَا رَأَيْتُ أَخْطَبَ مِنْهُ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ خَلَقَ الشَّيْطَانَ؟ فَقَالَ: سبْحَانَ اللهِ! هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ؟ خَلَقَ اللَّه الشَّيْطَانَ، وَخَلَقَ الْخَيْرَ، وَخَلَقَ الشَّرَّ. قَالَ (١) الرَّجُلُ: قَاتَلَهُم اللَّه! كَيْفَ يَكْذِبُونَ عَلَى هَذَا الْشَّيْخِ؟ .
٤٦١٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ كثير قَالَ: أَنَا سُفْيَانُ، عن حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنِ الْحَسَنِ ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾، قَالَ: الشِّرْكُ.
===
فما رأيت أَخْطبَ منه، فقال رجل: يا أبا سعيد) كنية الحسن (مَنْ خَلَقَ الشيطان؟ فقال) الحسن: (سبحان الله! ! ) تعجب من السؤال (هَلْ مِنْ خالقٍ غيرُ الله؟ خَلَقَ اللهُ الشيطانَ وخَلَقَ الخير، وخَلَقَ الشرَّ)، فأَثبت الحسنُ أن خالقَ الخير وخالقَ الشرِّ هو اللهُ ، والمعتزلة والقدرية قائلون إن خالقَ الشرِّ ليس (٢) هو الله (قال الرجل: قاتلهم الله! كيف يَكْذِبون على هذا الشيخ؟ ) فإن الناس ينسبونه إلى الاعتزال والقدر.
٤٦١٣ - (حدثنا ابن كثير قال: أنا سفيان، عن حُميد الطويل، عن الحسن) البصري في قوله تعالى: (﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٣) قال) الحسن في معناه: أن نسلك (الشرك) في قلوب الذين قدَّر اللهُ لهم أَنهم مجرمون.