وَإنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَفِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: مِنْهُ (١) اقْتَبَسُوهُ وَمِنْهُ تَعَلَّمُوهُ، وَلَئِنُ قُلْتُمْ: لِمَ أَنْزَلَ اللهُ آيةَ كَذا، وَلِمَ قَالَ كَذَا؟ ! لَقَدْ قَرَؤُوا مِنْهُ مَا قَرَأتُمْ، وَعَلِمُوا مِنْ تَأويلِهِ مَا جَهِلْتُمْ، وَقَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: كُلُّهُ بِكِتَاب وَقَدَرٍ (٢)، وَمَا يُقْدَرُ يَكُنْ (٣) وَمَا شَاءَ اللَّه كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأ لَمْ يَكُنْ، وَلَا نَمْلِكُ لأَنْفُسِنَا نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، ثُمَّ رَغِبُوا بَعْدَ ذَلِكَ وَرَهِبُوا (٤).
٤٦٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنبَلٍ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: نَا سَعِيدٌ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي أَيُّوبَ- قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ، عن نَافِعٍ قَالَ:
===
اليقين أنه سبحانه أَحَاطَ عِلمُه وأحصى كتابُه بجميع ما يتعلق به خيرُ الدارين لعباده وجرى فيه قدره (وإنه) أي القدر (مع ذلك لفي مُحْكَمَ كتابه، منه اقتبسوه) أي حصلوا علمَ القدر (ومنه) أي الكتاب (تعلموه).
(ولئن قلتم: لِمَ أنزل اللهُ آية كذا) أي ما يخالف بظاهره القدر (ولمَ قال كذا؟ ! لقد قرؤوا منه) أي من الكتاب (ما قرأتم، وعلموا من تأويله ما جَهِلْتم، وقالوا بعد ذلك: كله بكتاب) أي اللوح المحفوظ (وقدَر، وما يُقْدَرُ يكن، وما شاء الله كان، وما لم يَشأْ لم يكن، ولا نملك لأنفسِنا نفعًا ولا ضرًّا، ثم رغبوا بعد ذلك) أي بعد الإقرار بالقدَر رغبوا في الأعمال الصالحة (ورَهِبوا) من الأعمال السيئة أو رَغِبُوا في الجنة ورَهِبُوا من النار.
٤٦٠٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل قال: نا عبد الله بن يزيد قال: نا سعيد -يعني ابن أبي أيوب- قال: أخبرني أبو صخر) حميد بن زياد، (عن نافع قال:
стр. 8052
"وَكَانَ لابْن عُمَرَ صَدِيقٌ مِنْ أَهْلِ الشَّام يُكَاتِبُهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ (١) ابْنُ عُمَرَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ في شَيءٍ مِنَ القدَرِ. فَإيَّاكَ أَنْ تَكْتُبَ إلَيَّ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إنَّهُ سَيَكُونُ في أُمَّتِي أَقْوَامٌ يُكَذِّبُونَ بِالْقَدَرِ". [ت ٢١٥٢، ٢١٥٣، جه ٤٠٦١، حم ٢/ ٩٠]
٤٦٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، نَا حمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن خَالِدٍ الْحَذَّاءِ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ! أَخْبِرْنِي عن آدمَ، أَلِلسَّمَاءِ خُلِقَ أَمْ لِلأَرْضِ؟ قَالَ: لاِ، بَلْ لِلأَرْضِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوِ اعْتَصَمَ فَلَمْ يَأكُلْ مِنَ الشَّجَرَةِ؟
===
وكان لابن عمر) عبد الله (صديقٌ) أي مُحِبٌّ (من أهل الشام يُكَاتِبُه) فبَلَغَ ابنَ عمر ﵄ أنه يتكلم في القَدَر وينكره، (فكتب إليه ابن عمر) ﵁: (إنه بلغني أنك تكلمتَ في شيء من القَدَر) أي في مسألة من مسائله تكلمتَ بالإنكار، (فإيَّاك أن تكتبَ إليَّ) لأني تركتُ حبَّك والمكاتبةَ إليك، (فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: إنه سيكون في أمتي أقوامٌ يُكَذِّبُون بالقَدَر)، فالإيمان بالقَدَر فَرْضٌ ولازمٌ، فمن أنْكر من القَدَرِ شيئًا- خيرًا كان أو شرَّا- فقد خَرَجَ من الإيمان.
٤٦٠٨ - (حدثنا عبد الله بن الجرَّاح، نا حماد بن زيد، عن خالد الحذَّاء قال: قلتُ للحسن: يا أبا سعيد! أخبِرْني عن آدم) وسأل خالد الحذَّاء عن بعضِ فروع مسألة القَدَر ليعرف عقيدتَه فيها؛ لأن الناس كانوا يَتَّهِمونه بالقَدَر، إما لأن بعض تلامذته مَالَ إلى ذلك، أو لأنه قد تكلم بكلام أشتبه على الناس تأويلُه، فظَنوا أنه قاله، لاعْتقاده مذهب القَدَرية، فإن المسألة من مظانِّ الاشتباه.
(أللسماء خُلِقَ أم للأرض؟ ) أي أم خُلِقَ أن ينزل إلى الأرض، فيسكن فيها ذريتُه، وقُدر ذلك (قال: لا، بل) خلىَ (للأرض) قال خالد: (قلت: أرأيتَ) أي أخبرْني (لو اعتصم) أي لو عصم نفسه (فلم يأكل من الشجرة)
стр. 8053
قَالَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ. قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عن قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾، قَالَ (١): إنَّ الشَّيَاطِينَ لَا يَفْتِنُونَ بِضَلَالَتِهِمْ إلَّا مَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ (٢) الْجَحِيمَ.
٤٦٠٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، نَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عن الْحَسَنِ فَي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قَالَ: "خلقَ هَؤُلاِءِ لِهَذِهِ، وَهَؤُلَاءِ لِهَذِهِ".
٤٦١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا إسْمَاعِيلُ، أَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ *
===
ويكف نفسه؟ (قال: لم يكن له منه بُدٌّ) أي من أكلها (قلت: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (٣) قال) الحسن: (إن الشياطين لا يَفتنون بضلالتهم) أي بإضلالهم (إلَّا من أوجب الله عليه الجحيمَ) وقدَّر عليه ذلك.
٤٦٠٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، نا خالد الحذَّاء، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (٤) قال) الحسن: (خلق هؤلاء) المؤمنين (لهذه) أي الجنة (و) خلق (هؤلاء) أي المنافقين والكفار (لهذه) أي للنار، فأثبت القدر.
٤٦١٠ - (حدثنا أبو كامل، نا إسماعيل، أنا خالد الحذَّاء قال: قلت للحسن) أي سألته عن معنى قوله تعالى: (﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾) (٥) خطاب
стр. 8054
إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾، قَالَ: إلَّا مَنْ أَوْجَبَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ أَنَّهُ يَصْلَى الْجَحِيمَ.
٤٦١١ - حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: نَا حَمَّادٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي (١) حُمَيْدٌ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لأَنْ يُسْقَطَ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأَرْضِ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَقُولَ: الأَمْرُ بِيَدِي.
٤٦١٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ: نَا حَمَّاد، نَا حُمَيْدٌ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا الْحَسَنُ مَكَّةَ، فَكَلَّمَنِي فُقَهَاءُ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ أُكَلِّمَهُ في أَنْ يَجْلِسَ لَهُمْ يَوْمًا يَعِظُهُمْ (٢) فِيهِ. فَقَالَ: نَعَمْ، فَاجْتَمَعُوا فَخَطَبَهُمْ (٣)،
===
للشياطين، أي لا تفتنونهم (﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾) أي إلَّا مَنَ قُدِّر له دخولُ الجحيم (قال) الحسن: (إلَّا من أوجب الله تعالى عليه) وقَدَر له (أنه يصلَى الجحيم).
٤٦١١ - (حدثنا هلال بن بِشْر قال: نا حماد قال: أخبرني حميد قال: كان الحسن يقول: لأن يُسْقَطَ من السماء إلى الأرض أحبُّ إليه من أن يقول: الأمر بيدي) أي ينكر القدر, لأن الأمر إذا كان بيده فهو خالق لأفعاله، وإنكار لأن يكون الله سبحانه خالق فعل العبد وهو إنكار للقدر، وإنما كان أحب لأن السقوط إلى الأرض تكليف ببدنه، وأما هذا القول فهو مفسد لدينه.
٤٦١٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، نا حميد قال: قدم علينا الحسن مكةَ) أي من البصرة، (فكلَّمني فقهاء أهل مكة أن أكلِّمَه) أي الحسن (في أن يَجلس لهم) أي لأهل مكة (يومًا يعِظهم فيه، فقال) الحسن: (نعم، فاجْتَمَعوا فخطبهم،
стр. 8055
فَمَا رَأَيْتُ أَخْطَبَ مِنْهُ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ خَلَقَ الشَّيْطَانَ؟ فَقَالَ: سبْحَانَ اللهِ! هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ؟ خَلَقَ اللَّه الشَّيْطَانَ، وَخَلَقَ الْخَيْرَ، وَخَلَقَ الشَّرَّ. قَالَ (١) الرَّجُلُ: قَاتَلَهُم اللَّه! كَيْفَ يَكْذِبُونَ عَلَى هَذَا الْشَّيْخِ؟ .
٤٦١٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ كثير قَالَ: أَنَا سُفْيَانُ، عن حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنِ الْحَسَنِ ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾، قَالَ: الشِّرْكُ.
===
فما رأيت أَخْطبَ منه، فقال رجل: يا أبا سعيد) كنية الحسن (مَنْ خَلَقَ الشيطان؟ فقال) الحسن: (سبحان الله! ! ) تعجب من السؤال (هَلْ مِنْ خالقٍ غيرُ الله؟ خَلَقَ اللهُ الشيطانَ وخَلَقَ الخير، وخَلَقَ الشرَّ)، فأَثبت الحسنُ أن خالقَ الخير وخالقَ الشرِّ هو اللهُ ، والمعتزلة والقدرية قائلون إن خالقَ الشرِّ ليس (٢) هو الله (قال الرجل: قاتلهم الله! كيف يَكْذِبون على هذا الشيخ؟ ) فإن الناس ينسبونه إلى الاعتزال والقدر.
٤٦١٣ - (حدثنا ابن كثير قال: أنا سفيان، عن حُميد الطويل، عن الحسن) البصري في قوله تعالى: (﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٣) قال) الحسن في معناه: أن نسلك (الشرك) في قلوب الذين قدَّر اللهُ لهم أَنهم مجرمون.
стр. 8056
٤٦١٤ - حَدَّثَنَا محُمَّدُ بْنُ كثيرٍ قَالَ: أَنَا سُفْيَانُ، عن رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ غَيْرُ ابْنِ كَثيرٍ، عن سُفْيانَ، عن عُبَيْدٍ الصِّيدِ، عن الْحَسَنِ في قَوْلِ الله : ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾، قَالَ: بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الإيْمَانِ.
٤٦١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا سُلَيْمَانُ (١)، عن ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: كُنْتُ أسيرُ بَالشَّامِ، فَنادَانِي رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي فَالْتَفَتُّ، فَإذَا رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَوْنٍ! مَا هَذَا الَّذِي يَذْكُرُونَ عَنِ الْحَسَنِ؟ قَالَ: قُلْتُ: إنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَى الْحَسَنِ كَثيرًا.
===
٤٦١٤ - (حدثنا محمد بن كثير قال: أنا سفيان) الثوري، (عن رجلٍ) أَبْهمه ابن كثير، ثم قال أبو داود: (قد سمَّاه) أي ذلك الرجل (غير ابن كثير) من بعض مشايخي (عن سفيان) فقال: عن سفيان الثوري، (عن عُبيد الصِّيد) فسمَّى الرجلَ المبهمَ عبيد الصِّيد، وهو عُبيد (٢) بن عبد الرحمن المزني، أبو عبيدة البصري الصيرفي، المعروف بعُبيد الصِّيد، عن ابن معين: صويلح، قلت: وذكره العجلي في "الثقات"، وقال: لا بأس به.
(عن الحسن في قول الله : ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ (٣) قال: بينهم) أي أَوْقَع الحَيْلُولة بين الكفار (وبين الإيمان) وإيقاع الحَيْلُولة منسوب إلى الله ، فثبت القَدرُ، وثَبَتَ خلافُ المعتزِلة أن الشرَّ غير مخلوق لله .
٤٦١٥ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا سليمان، عن ابن عون قال: كنتُ أسيرُ بالشام، فنَاداني رجلٌ من خلفي فالتفتُّ، فإذا) هو (رجاء بن حَيْوَة) يُناديني (فقال: يا أبا عون! ما هذا الذي يذكُرون عن الحسن) الذي يقتضي إنكار القدر؟ (قال) ابن عون: (قلت: إنهم يكذبون على الحسن كثيرًا) فهذا الذي ينقلون عنه افتراءً عليه.
стр. 8057
٤٦١٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: نَا حَمَّاد قَالَ: سَمِعْتُ أَيُّوبَ يَقُولُ: كَذَبَ عَلَى الْحَسَن ضَرْبَانِ مِنَ النَّاسِ: قَوْمٌ الْقَدَرُ رَأيُهُم، وَهُمْ يِرُيدُونَ أَنْ يُنَفّقُوا بِذَلِكَ رَأيَهُمْ، وَقَوْم لَهُ في قُلُوبِهِمْ شَنَآن وَبُغْضٌ يَقُولُونَ: أَلَيْسَ مِنْ قَوْلِهِ كَذَا؟ أَلَيْسَ مِنْ قَوْلِهِ كَذَا؟ ".
٤٦١٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، أَنَّ يَحْيَى بْنَ كَثِيرٍ الْعَنْبَرِيَّ حَدَّثَهُمْ قَالَ: كَانَ قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ يَقُولُ لَنَا: يَا فِتْيَانُ، لَا تُغْلَبُوا عَلَى الْحَسَنِ، فَإنَّهُ كَانَ رَأيهُ السُّنَّةَ وَالصَّوَابَ.
٤٦١٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: نَا مُؤَمَّلُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّ كَلِمَةَ
===
٤٦١٦ - (حدثنا سليمان بن حرب قال: نا حماد قال: سمعت أيوبَ يقول: كذَب على الحسن ضرْبان) أي نوعان (من الناس) أحدهم: (قومٌ القدَرُ) أي إنكار القدر (رأيُهم) واعتقادُهم (وهم يريدون أن يُنَفِّقُوا) أي يُروّجوا (بذلك) أي بالنقل عن الحسن تكذيبَ القدر وإنكارَه (رأيهم) بأن مثل هذا العالِم لما أنكر القدَر فكيف بغيرهم من عوام الناس؟
(و) ثانيهم: (قومٌ له) أي للحسن (في قلوبهم شَنآنٌ) أي عداوةٌ (وبغض يقولون: أليس من قوله) أي الحسن (كذا؟ أليس من قوله كذا؟ ) فيفترون عليه بالأقاويل الكاذبة.
٤٦١٧ - (حدثنا ابن المثنى، أن يحيى بن كثير العنبري حدثهم قال: كان قُرَّة بن خالد يقول لنا: يا فِتْيان) جمع فتى، وهو الشابُّ من الرجال (لا تُغلَبوا على الحسن) أي لا يَغلبنَّكَم القدريةُ في أن الحسن منهم، فلا تَظنُوا به أنه منهم، (فإنه كان رأيُه السنةَ والصوابَ).
٤٦١٨ - (حدثنا ابن المثنى وابن بشار قالا: نا مؤمَّل بن إسماعيل، نا حماد بن زيد، عن ابن عون قال: لو علمنا أن كلمة
стр. 8058
الْحَسَن تَبْلُغُ مَا (١) بَلَغَتْ لَكَتَبْنَا بَرُجُوعِهِ كِتَابًا، وَأَشْهَدْنَا عَلَيْهِ شُهُودًا، وَلَكِنَّا قُلْنَا: كَلِمَةٌ خَرَجَتْ لَا تُحْمَلْ.
٤٦١٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ لِيَ الْحَسَنُ: مًا أَنَا بعَائِدٍ إلَى شَيءٍ مِنْهُ أَبَدًا (٢).
٤٦٢٠ - حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: نَا عُثْمَانُ بْنُ عُثْمَانَ،
===
الحسن) التي قالها في القدر (تبلغ ما بلغتْ لكتبْنا برجوعه كتابًا، وأشهدْنا عليه شهودًا، ولكنا قلنا: كلمةٌ خرجتْ) من لسان الحسن (لا تُحمل).
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قوله: "كلمةٌ خَرجتْ لا تُحمل" أي لا تسافر بها الرُّكْبان إلى البُلْدان، ولكنها حملت إليها، وكان الحسن تكلَّم بكلمة مشتبهةٍ فالتبستْ على السامعين، فرَمَوه بالاعتزال والقدَر، ولذلك رد المؤلف على هؤلاء أبلغ ردٍّ بإثبات عقيدته على وفق أهل السنَّة، لكونه من أكابر طريقتي الحقيقة والشريعة، انتهى.
٤٦١٩ - (حدثنا سليمان بن حرب قال: نا حماد بن زيد، عن أيوب (٣) قال: قال لي الحسن: ما أنا بِعَائدٍ) أي راجع (إلى شيء منه) أي من الذي قلته من الكلمة المشتبهة مرادها (أبدًا).
٤٦٢٠ - (حدثنا هلال بن بشر قال: نا عثمان بن عثمان،
стр. 8059
عن عُثْمَانَ الْبَتَيِّ قَالَ: مَا فَسَّرَ الْحَسَنُ آيةً قَطُّ إلَّا عن (١) الإِثْبَاتِ.
٤٦٢١ - حَدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ (٢) قَالَا (٣): نَا سُفْيَانُ، عن أَبِى النَّضْرِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْن أَبِي رَافِعٍ، عن أَبِيهِ، عن (٤) النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا ألْفيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا في كِتَابِ اللهِ اتبعْنَاهُ" [ت ٢٦٦٣، جه ١٣، ك ١/ ١٠٨، حم ٦/ ٨]
٤٦٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ.
===
عن عثمان البتِّي قال) عثمان: (ما فسَّر الحسنُ آيةً قَطُّ إلَّا عن الإثبات) (٥) أي إثبات القدر (٦).
٤٦٢١ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل وعبد الله بن محمد النفيلي قالا: نا سفيان، عن أبي النضر، عن عُبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: لا أُلفينَّ) أي لا أجِدَنَّ (أحدَكم متكئًا على أرِيكته) أي سريره (يأتيه الأمر من أمري مِمَّا أمرتُ به أو نَهيتُ عنه) وهو ليس في كتاب الله (فيقول: لا ندري) أي ذلك من أمر دينه، (ما وجدْنا في كتاب الله اتَّبعناه) وما لم نجدْه لم نأخذ به! فلا يفعل ذلك، ولا يقول، وقد تقدَّم هذا الحديث قريبًا، ومناسبته بالباب ظاهرة؛ لأنه يدل على لزوم السنَّة.
٤٦٢٢ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا إبراهيم بن سعد،
стр. 8060
(ح): وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَر الْمَخْرَمِيُّ وَإبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عن سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا (١) مَا لَيْسَ فِيهِ (٢) فَهُوَ رَدٌّ". [خ ٢٦٩٧، م ١٧١٨، جه ١٤ , حم ٦/ ٢٧٠]
قَالَ ابْنُ عِيسَى: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ صَنَعَ أَمْرًا عَلَى غَيْرِ أَمْرِنَا فَهُوَ رَدٌّ".
٤٦٢٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَمْرٍو السُّلَمِيُّ وَحِجْرُ بْنُ حِجْرٍ قَالَا: أَتَيْنَا الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ، وَهُوَ مِمَّنْ نَزَلَ (٣) فِيهِ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ
===
ح: ونا محمد بن عيسى قال: نا عبد الله بن جعفر المَخْرَمي وإبراهيم بن سعد، عن سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قال رسولُ الله ﷺ : مَنْ أَحدَث في أمرنا) هذا والمراد به الدين (ما ليس فيه) أي بذاته ولا من أصله (فهو رَدٌّ) أي ذلك الأمر مردودٌ.
(قال ابن عيسى) شيخ المصنف، تفسير "ما": (قال النبي ﷺ : من صَنَع أمرًا على غير أمرنا) سواء كان في العمل أو الاعقاد (فهو رَدٌّ) أي مردودٌ.
٤٦٢٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا الوليد بن مسلم، نا ثور بن يزيد، حدثني خالد بن مَعدان، حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلَمي وحِجْرِ بن حِجْر قالا: أتينا العِرْباض بن سارية، وهو ممن نزل فيه: ﴿وَلَا﴾ سبيل (﴿عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾) على المَراكبِ للجهاد (﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ
стр. 8061
عَلَيْهِ﴾ , فَسَلَّمْنَا وَقُلْنَا: أَتَيْنَاكَ زَائِرِينَ, وَعَائِدِينَ, وَمُقْتَبِسِينَ (١).
فَقَالَ الْعِرْبَاضُ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ, ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا, فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ, وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ. فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّ هَذِهِ (٢) مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ, فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا (٣)؟
فَقَالَ: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ, وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كان عَبْدًا حَبَشِيًّا (٤).
===
عَلَيْهِ﴾ (٥)، فسَلَّمْنا وقلنا: أتيناكَ زائرِين) من الزيارة، (وعائدِين) من العيادة، (ومقتبِسِين) أي محصلين نور العلم منك.
(فقال العِرْباض: صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا) بوجهه، (فَوَعَظَنا موعظةً بليغةً ذَرَفَتْ) أي سَالَتْ (منها العيونُ، ووَجِلَتْ) أي خَافتْ (منها القلوبُ، فقال قائل) لم أقف على تسميته، (يا رسول الله! كأنَّ هذه موعِظَةُ (٦) مُوَدِّعٍ) أي الذي يذهب إلى السفر ويُودِّعُ الناسَ، فإن الموَدعَ - بكسر الدال- عند الوَدَاع لا يترك شيئًا مما يهم المودَّع -بفتح الدال- إلَّا بينه بيانًا واضحًا، (فماذا تعهدُ علينا) أي ماذا توصي إلينا؟ (فقال: أُوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعةِ) للأمراء (وإن كان عبدًا حَبَشيًا).
قال الخطابي (٧): يريد به طاعةَ مَنْ وَلَّاه الإمامُ، ولم يُرِدْ بذلك أن يكون الإمامُ عبدًا حبَشيًا، وقد يضرب المثل بما لا يَكاد يصحُّ في الوجود، كقوله ﷺ :
стр. 8062
فَإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ. وَإيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَة، وَكُلَّ بِدْعَةِ ضَلَالَةٌ". [ت ٢٦٧٦، جه ٤٣، دي ٩٦، حم ٤/ ١٢٦]
٤٦٢٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي
===
"من بَنَى لله مَسْجِدًا كَمَفْحَصِ (١) قَطَاةٍ" (٢)، وقدر مَفْحص قطاةٍ لا يكون مسجدًا لآدمي.
(فإنه مَنْ يَعِشْ منكم بَعدي) أي بعد موتي (فسيرَى اخْتلافًا كثيرًا) في الدين (فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشِدِين المَهْدِيِّين، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذ) وهو آخر الأَضْراس، وإنما أراد بذلك الجِدّ في لزوم السنَّة. (وإياكم ومُحدَثَاتِ الأمور) أي احذَرُوها (فإن كلَّ مُحْدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة).
قال الخطابي (٣): هذا خاص ببعض الأمور دون بعض، وكل شيء أُحدث على غير مثال أصْلٍ من أصول الدين وعلى غير عبارته وقياسه، فأما ما كان منها مبينًا على قواعد الأصول ومردودًا إليها فليس ببدعة ولا ضلالة.
وفي قوله: "سُنَّةُ الخُلَفَاءِ"، دليل على أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولًا، وخالف فيه غيره من الصحابة كان المصيرُ إلى قول الخليفة أولى.
٤٦٢٤ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن ابن جريج، حدثني
стр. 8063
سُلَيْمَانُ (١) - يَعْنِي ابْنَ عَتِيقٍ -، عن طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عن الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "أَلَا هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. [م ٢٦٧٠، حم ١/ ٣٨٦]
(٧) بَابُ مَنْ دَعَا إلَى السُّنَّةِ (٢)
٤٦٢٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، نَا إسْمَاعِيلُ- يَعْني ابْنَ جَعْفَرٍ -، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ- يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ-، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ،
===
سليمان - يعني ابن عتيق-، عن طلْقِ بن حبيب، عن الأحنف بن قيس، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: أَلَا) حرف تنبيهٍ (هلك المتنَطِّعون، ثلاث مرات).
قال في الحاشية: قال الخطابي (٣): المتنطِّع: المتعمِّق في الشيء، المتكلف في البحث عنه على مذاهب أهل الكلام، الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغُ عقولُهم.
وقال في "النهاية" (٤): هم المتعمِّقون الغالون في الكلام، المتكلِّمون بأقصَى حلقِهم، مأخوذ من النِّطع، وهو الغارُ الأعلى من الفَم، ثم استُعْمل في كل متعمق قولًا وفعلًا.
(٧) (بَابُ مَنْ دعا إلَى) لُزُومِ (السُّنَّةِ)
٤٦٢٥ - (حدثنا يحيى بن أيوب، نا إسماعيل -يعني ابن جعفر-، أخبرني العلاء -يعني ابن عبد الرحمن-، عن أبيه) عبد الرحمن، (عن أبي هريرة،
стр. 8064
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ دَعَا إلَى هُدَى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا. وَمَنْ دَعَا إلَى ضَلَالَةِ كَانَ عَلَيْهِ (١) مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ (٢) لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا. [م ٢٦٧٤، ت ٢٦٧٤، جه ٢٠٦، دي ٥١٧، حم ٢/ ٣٩٧]
٤٦٢٦ - حَدّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ في الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عن أَمْرٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ عَلَى النَّاسِ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ". [خ ٧٢٨٩، م ٢٣٥٨]
===
أن رسول الله ﷺ قال: من دعا) الناسَ (إلى هدًى كان له من الأجر مثلُ أجورِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنقُص) يصيغة المعلوم (ذلك من أجورهم) أي التابعين (شيئًا، ومن دَعا إلى ضلالةٍ كان عليه) أي على الداعي (من الإثم مثلُ آثامِ مَنْ تَبِعه لا يَنقص ذلك من آثامهم شيئًا).
فإن قلت: هذا بظاهره يخالف قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣).
قلتُ: لا مخالفةَ بينهما، فإن الداعي إلى الضلالة لم يحمل وِزْرَ التابعين، حتى يخالف هذا، بل ما حمله هو باعتبار التسبيب، بأنه صار سببًا لضلالتهم.
٤٦٢٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا سفيان، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه) سعد بن أبي وقاص (قال: قال رسولُ الله- ﷺ : إن أعظم المسلمين في المسلمين جُرْمًا) أي ذنبًا (من سأل عن أمرٍ لم يُحَرَّمْ فحُرِّم على الناس من أجل مسألته) فصار سببًا لتحريمه على الناس.
قال الطيبي (٤): هذا في حق مَن سأل عبثًا وتكلفًا فيما لا حاجة به،
стр. 8065
(٨) بابٌ في التَّفْضيل
٤٦٢٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, ثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ, ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كُنَّا نَقُولُ فِى زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا نَعْدِلُ بِأَبِى بَكْرٍ أَحَدًا, ثُمَّ عُمَرَ, ثُمَّ عُثْمَانَ, ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِىِّ ﷺ لَا تَفَاضُلَ بَيْنَهُمْ". [خ ٣٦٩٨، ت ٣٧٠٧]
===
دون من يسأل سؤال حاجة، فإنه يثاب. واحتج بهذا الحديث من قال: أصل الأشياء الإباحة قبل ورود الشرع، حتى يقوم دليل الحظر، وإنما كان أعظم جُرْمًا لتعدي جنايته إلى جميع المسلمين بشؤم سؤاله وإلحاحه.
(٨) (بابٌ في التَّفضِيلِ)
أي: طريقة السلف في التفضيل بين أصحابه ﷺ ، وقد خالف فيه أهلُ البدع السلفَ، ومن ههنا شرع الرد على طوائف المبتدعين من الروافض
٤٦٢٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا أسود بن عامر، ثنا عبد العزيز ابن أبي سلمة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر (١) قال: كُنا نقول في زمن النبي ﷺ : لا نَعدِل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان) ﵃، أي لا نساوي بأبي بكر أحدًا من الصحابة، بل نُفَضِّله على غيره من جميع الصحابة، وكذلك بعد أبي بكر عمر ﵁، وكذلك بعده عثمان.
(ثم نترك أصحابَ النبي ﷺ لا نفاضل بينهم) وفي نسخة: "لا نُفاضِلُ بينهم"، ومذهب أهل السنَّة والجماعة في ذلك أفضلية أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، على ترتيب الخلافة.
стр. 8066
٤٦٢٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا عَنْبَسَةُ، ثَنَا يُونسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: "كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ ﵃".
٤٦٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، ثَنَا (١) سُفْيَانُ، ثَنَا (٢) جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ (٣)، ثنَا أَبُو يَعْلَى، عن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قُلْتُ لأَبي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: قُلْتُ: ثمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ عُمَرُ، قَالَ: ثُمَّ خَشِيتُ أَنْ أَقُولَ ثُمَّ مَنْ؟ فَيَقُول: عُثْمَانُ (٤).
===
٤٦٢٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة، ثنا يونس، عن ابن شهاب قال: قال سالم بن عبد الله: إن ابن عمر) ﵁ (قال: كنا نقول ورسولُ الله ﷺ حيٌّ: أفضلُ أُمة النبي ﷺ بعده) أي بعد وجوده: (أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان ﵃) أي هذا الأمر كان في زمان رسول الله ﷺ مُجْمعًا عليه، لا ينكره أحدٌ من الصحابة، ولو كان هذا الاعتقادُ مَبنيًّا على السَّماع من رسول الله ﷺ ، فحينئذٍ كان ثبوتُه بالنص أيضًا، كما هو بالإجماع.
٤٦٢٩ - (حدثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، ثنا جامع بن أبي راشد، ثنا أبو يعلى، عن محمد بن الحنفية) هو محمد بن علي بن أبي طالب، وأمه من بني حنيفة، فيُنسب إليها، (قال) محمد: (قلت لأبي) علي بن أبي طالب: (أيُّ الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال) علي: (أبو بكر، قال) محمد: (قلت) لأبي: (ثم مَنْ؟ قال) علي: (ثم عمر، قال) محمد: (ثم خشيتُ أن أقولَ ثم مَنْ؟ فيقول: عثمان)
стр. 8067
فَقُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ يَا أَبَةِ؟ قَالَ: مَا أَنَا إلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. [خ ٣٦٧١]
٤٦٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ، ثنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي الْفِرْيَابِيَّ- قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَان يَقُولُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ أَحَقَّ بِالْوِلَايَةِ (١) مِنْهُمَا، فَقَدْ خَطَّأَ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ (٢)، وَمَا أُرَاهُ يَرْتَفِعُ لَهُ مَعَ هَذَا عَمَلٌ إلَى الْسَّمَاءِ.
٤٦٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى (٣) بْنِ فَارِس، ثَنَا قَبِيصَةُ، ثَنَا عَبَّاد السَّمَّاكُ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ:
===
ومِنْ هذا يُعلم أن عثمان يفضل على عليّ (فقلت: ثم أنت يا أَبَةِ؟ قال) علي: (ما أنا إلَّا رجلٌ من المسلمين).
٤٦٣٠ - (حدثنا محمد بن مسكين، ثنا محمد -يعني الفِرْيابي- قال: سمعتُ سفيان يقول: من زَعَم) أي قال: (أن عليًّا ﵁ كان أحق بالولاية منهما) أي أبي بكر وعمر (فقد خطَّأ أبا بكرٍ وعمرَ) أي نسب الخطأ إلى أبىِ بكر وعمر (والمهاجرين والأنصار) أي جميعهم، (وما أُراه يَرتفعُ له مع هذا) أي مع هذه العقيدة الفاسدة (عملٌ إلى السماء) أي يقبل؛ لأنه مُبتدع مخالف لعقيدة السلف.
٤٦٣١ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا قَبيصة، ثنا عبَّاد السمَّاك) قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٤): عباد السماك، عن سفيان الثوري, وعنه قَبيصة بن عقبة, وقال في "التقريب" (٥): مجهول, (قال: سمعت سفيان يقول:
стр. 8068
الْخُلَفَاءُ خَمْسَةٌ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵃.
(٩) بَابٌ في الْخُلَفَاءِ
٤٦٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ مُحَمَّد: كَتَبْتُهُ مِنْ كِتَابِهِ قَالَ: أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ (١) ﷺ ، فَقَالَ: إنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ ظُلَّةً يَنْطِفُ مِنْهَا السَّمْنُ وَالْعَسَلُ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ بِأَيْدِيهِمْ،
===
الخلفاء خمسة) أي على سيرة النبوة والخلافة الراشدة (أبو بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز ﵃)، وهذا ليس بطريق الحصر، فإن مفهوم العدد لا يعتبر.
(٩) (بَابٌ في الْخُلَفَاءِ) (٢)
٤٦٣٢ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا عبد الرزاق، قال محمد) بن يحيى بن فارس: (كتبته) أي هذا الحديث (من كتابه) وإنما أطلق عليه "حدثنا" مجازًا، (قال: أنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: كان أبو هريرة يحدث أن رجلًا (قال الحافظ) (٣): لم أقف على تسميته (أتى إلى رسول الله ﷺ ، فقال) أي الرجل: (إني أرَى الليلةَ ظُلَّةً) أي سَحابة (يَنْطِف) أي يقطر (منها السَّمْنُ والعَسَلُ، فَأَرَى الناسَ يتكفَّفون بأيديهم) أي يأخذونه بإكفهم
стр. 8069
فَالْمُسْتَكثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مَن السَّمَاءِ إلَى الأَرْضِ، فَأَرَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ بهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمًّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ، ثُمَّ وُصِلَ فَعَلَا بِهِ.
قَالَ (١) أَبُو بَكْرٍ: بِأَبِي وَأُمّي لَتَدَعَنِّي فَلأَعْبُرُنَّهَا (٢)، فَقَالَ: اعْبُرْهَا.
فَقَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ: فَظُلَّةُ الإسْلام، وَأَمَّا مَا يَنْطِفُ مِنَ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ: فَهُوَ الْقُرْآنُ لِينُهُ وَحَلَاوَتُهُ، وَأَمَّا الْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ: فَهُوَ الْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ مِنْهُ. وَأَمَا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأَرْضِ: فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللهُ، ثُمَّ يأخذُ بِهِ
===
(فالمُستكثِرُ والمستقِلُّ) أي بعض منهم الآخذ كثيرًا، ومنهم من يأخذ قليلًا.
(وأرَى سببًا) أي حبلًا (واصلًا من السماء إلى الأرض، فأراك يا رسول الله أخذتَ به فعلوتَ به، ثم أخذ به رجلٌ آخرُ) وهو أبو بكر (فَعَلا به، ثم أخذ به رجلٌ آخر) وهو عمر (فَعَلا به، ثم أخذ به رجلٌ آخرُ) وهو عثمان (فانقطع، ثم وُصِل فَعَلا به).
(قال أبو بكر: بأبي وأمي) أي أنت مفديٌّ بأبي وأمي (لتَدَعَنِّي) أي لتأذنني (فلأعْبُرُنها، فقال) رسول الله ﷺ : (اُعبرْها).
(فقال: أما الظُّلَّة: فظُلَّة الإِسلام، وأما ما ينطف من السمن والعسل: فهو القرآن لِينه وحلاوتُه، وأما المُسْتَكْثِرُ والمستقِلُّ: فهو المستَكْثِر من القرآن والمستقِلُّ منه).
(وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض: فهو الحق الذي أنت عليه، تأخذ به) أي تمسكه (فيُعْليك الله، ثم يأخذُ به) أي بالحق
стр. 8070
بَعْدَكَ رَجُل فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْفو بِهِ، ثُمِّ يَأخُذُ بِهِ رَجلٌ (١) فينقطعُ، ثمَّ يُوصَل لَهُ فيَعْلُو بهِ، أَيْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لتحَدِّثَنِّي أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأتُ؟ فَقَالَ (٢): "أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأتَ بَعْضًا".
فَقَالَ: أَقْسَمْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَتُحَدِّثَثّي مَا الَّذِي أَخْطَأتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تُقْسِمْ". [خ ٧٠٤٦، م ٢٢٦٩، ت ٢٢٩٣، جه ٣٩١٨]
===
(بعدك رجل) آخر (فيعلو به، ثم يأخذ به رجل) آخر (فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع) ذلك الحبل، (ثم يُوصَل له فيعلو به، أَيْ) حرف نداءٍ (رسولَ الله) ﷺ (لتحدثَنّي) أي أخبرني (أصبتُ أم أخطاتُ) في تعبير الرؤيا؟ (فقال) رسولُ الله ﷺ : (أصبتَ بعضًا وأخطأت بعضًا).
(فقال) أبو بكر: (أقسمتُ يا رسول الله! لتحدثَنّي) أي لتخبرني (ما الذي أخطأتُ، فقال النبي ﷺ : لا تُقسم) (٣). قال المنذري (٤): أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه.
قوله: "ثم يأخذُ به بعدك" هو أبو بكر، "ثم يأخذُ به رجلٌ آخرُ" هو عمر، "ثم يأخذُ به رجلٌ آخر فينقطع" هو عثمان. فإن قيل: لو كان معنى "ينقطع" قُتِل لكان سبب عمر مقطوعًا أيضًا. قيل: لم ينقطع سبب عمر لأجل العلو، إنما هو قطع لعَدَاوة مخصوصةٍ، وأما قتل عثمان فهو من الجهة التي علا بها، وهي الولاية، فجعل قتله قطعًا. وقوله: "ثم وصل" يعني بولاية علي.
وقيل: إن معنى كتمان النبي- ﷺ موضع الخطأ، لئلا يحزن الناسُ
стр. 8071
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ما يُعارض لعثمان. وفيه: جواز سكوت العابر وكتمه عبارة الرؤيا إذا كان فيها ما يكره، وفي السكوت عنها مصلحة، انتهى (١).
قال الخطابي (٢): وقد اختلف الناس في معنى قوله: "أصبتَ بعضًا وأَخْطأتَ بعضًا" فقال بعضهم: أراد به الإصابة في عبارة بعض الرؤيا، والخطأ في بعضها.
وقال آخرون: بل أراد بالخطأ ها هنا تقديمه بين يدي رسول الله ﷺ ومسألته الإذن في تعبير الرؤيا, ولم يترك النبي ﷺ ليكون هو الذي يعبرها، فهذا موضع (٣) الخطأ.
وأما الإصابةُ فهو ما تأوله في عبارة الرؤيا وخروج الأمر في ذلك على ما قاله، وبلغني عن أبي جعفر رواية عن بعض السلف أنه قال: موضع الخطأ في عبارة أبي بكر أنه مخطئ أحد المذكورين من السَّمْن والعَسَل، فقال: وأما ما يَنْطفُ من السمن والعسل فهو القرآن لِينُه وحلاوتُه، وإنما أحدهما القرآن والآخرُ السنَّةُ، انتهى.
قلت: ويمكن أن يقال: إن المراد من الانقطاع: هو ترك الطريقة التي كان عليها رسول لله ﷺ وأبو بكر وعمر- ﵄ بأنهم لم يؤثروا في إعطاء الولايات أقاربهم، وعثمان مشى خِلافَ تلك الطريقة، فآثرهم حتى نشأت الشكاية في ذلك بين الصحابة، وصار ذلك سببًا للخروج عليه وقتله، والمراد بالوصل: أن عثمان- ﵁ قُتِل، فصار قتلُه ظلمًا سببًا للوصل برفع الدرجات.
стр. 8072
٤٦٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، ثنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثيرٍ، ثَنَا سُلَيْمَان بْنُ كَثِيرٍ، عن الزُهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذ الْقِصَّةِ، قَالَ: فَأَبَى أَنْ يُخْبِرَهُ. [انظر مَا قبله]
٤٦٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، ثَنَا الأَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ، عن أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْم: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ "، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، رَأَيْتُ كَأَنَّ مِيزَانَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ فَوُزِنْتَ أَنْتَ وَأَبُو بَكْرٍ، فَرُجِحْتَ (١) أَنْتَ بِأَبِي بَكْرٍ، وَوُزِنَ (٢) أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَرُجِحَ (٣) أَبُو بَكْرٍ،
===
٤٦٣٣ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا محمد بن كثير، ثنا سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ بهذه القصة، قال: فأبى أن يخبره).
فإن قلت: قد أمر النبيُّ ﷺ بإبرار القسم. قال النووي (٤): إنما لم يبر النبي ﷺ قسم أبي بكر؛ لأن إبرار القسم مخصوص بما إذا لم يكن فيه مَفسَدة ولا مَشَقة ظاهرة، فإن وجد فلا إبرار، انتهى.
٤٦٣٤ - (حدثنا محمد بن المثنى، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن النبي ﷺ قال) للناس الحاضرين (ذات يوم: مَنْ رَأَى منكم رُؤيا؟ فقال رجل) لمِ أقف على تسميته: (أنا، رأيت) ثم قَصَّ رؤياه: (كأن ميزانًا نزل من السماء فَوُزِنتَ أنت وأبو بكر، فرُجحتَ أنت بأبي بكر) أنت غلبت وزِدتَ نسبة أبي بكر، (وَوُزِنَ أبو بكر وعمر، فرُجحَ أبو بكر،
стр. 8073
وَوُزِنَ (١) عُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرُجِحَ عُمَرُ، ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ، فَرَأَيْنَا الْكَرَاهِيَةَ في وَجْهِ رَسُولِ اللَهِ ﷺ . [ت ٢٢٨٧، حم ٥/ ٤٤]
٤٦٣٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، عن عَلِيٍّ بْنِ زيدٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِيِ بَكْرَةَ، عن أَيلىِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -قالَ ذاتَ يَوْمٍ: "أَيُّكُمْ رَأَى رُؤْيَا؟ "، فَذكَرَ مَعْنَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَرَاهِيَةَ. قَالَ: فَاسْتَاءَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَعْنِي فَسَاءه ذَلِكَ، فَقَالَ: "خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ، ثُمَّ يُؤْتي اللَّه الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ". [حم ٥/ ٤٤]
===
وَوُزِنَ عمر وعثمان، فَرجحَ عمر، ثم رفع الميزان، فرأينا الكراهيةَ (٢) في وجه رسول الله ﷺ ).
٤٦٣٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن علي بن زيد (٣)، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه) أبي بكرة، (أن النبي ﷺ قال ذات يوم: أَيُّكم رأَى رُؤيا؟ فذكر معناه، ولم يذكر الكراهية، قال: فَاسْتَاءَ لها) افتعال من السوء، أي اغْتَم لها (رسول الله ﷺ ، يعني فَساءَه ذلك، فقال: خِلافةُ نبوَّةٍ) يعني الذي رأيت، (ثم يؤتي اللهُ المُلْكَ من يَشَاء) كأنه إشارة إلى انقطاع ما كان متصلًا من أمر الخلافة باتفاق بين المسلمين.
فإن قلتَ: هذا يدل على أن بعد زمان عثمان يكون المُلْكُ وَتَتِمُّ الخلافةُ على نَهْج النبوة، وهذا مخالف لأهل السنَّة.
стр. 8074
٤٦٣٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عن عَمْرِو بْنِ أَبَانَ بْن عُثْمَانَ، عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أرِيَ اللَّيْلَةَ رَجُل صَالِحٌ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ نيطَ بِرَسُولِ الله ﷺ ، وَنيطَ عُمَرُ بِأَبِي بَكْرٍ، وَنيطَ عُثْمَانُ بِعُمَرَ".
قَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا قُمْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قُلْنَا: أَمَّا الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَّا تَنَوُّطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضِ فَهُمْ وُلَاةُ هَذَا الأَمْرِ الَّذِي بَعَثَ اللَّه بِهِ نِبِيَّهُ ﷺ . [حم ٣/ ٣٥٥، ك ٣/ ٧١]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ يُونُسُ وَشُعَيْبٌ، لَمْ يَذْكُرَا عَمْرًا.
===
قلتُ: أجاب عنه مولانا محمد يحيى المرحوم في "التقرير": بأن لفظة "ثم" للتراخي، فلا يلزم أن يكون المُلكُ بعد المذكور من غير مُهْلَة، حتى يلزمَ أن لا يكون بعد عثمان خلافة، بل عليٌّ والحسن خلفاء، وبعدهما مُلكٌ وإمارةٌ.
٤٦٣٦ - (حدثنا عمرو بن عثمان، ثنا محمد بن حرب، عن الزُّبيدي، عن ابن شهاب، عن عمرو بن أبان بن عثمان، عن جابر بن عبد الله، أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: أُرِيَ) بصيغة الماضي المجهول (الليلةَ رجلٌ صالحٌ) يريد به نفسه ﷺ (أن أبا بكر نِيطَ) أي عُلِّق (برسول الله ﷺ ، ونيطَ عمرُ بأبي بكر، ونيطَ عثمانُ بعمر) ﵃.
(قال جابر: فلما قُمْنا من عند رسول الله ﷺ قلنا: أَمَّا الرجلُ الصالحُ: فرسولُ الله ﷺ ، وأَمَّا تَنَوُّطُ) أي تعلُّقُ (بعضِهم ببعضٍ فهم وُلاة هذا الأمر الذي بَعث اللهُ به نبيه ﷺ ).
(قال أبو داود: رواه يونس وشعيب (١)، لم يذكرا عمرًا) أي عمرو بن أبان بن عثمان، فعلى هذا يكون السند منقطعًا؛ لأن ابن شهاب لم يسمع من جابر بن عبد الله، قاله المنذري (٢).
стр. 8075
٤٦٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَى، نَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أَبيهِ، عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُب، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (١)! رَأَيْتُ كَأَنَّ دَلْوًا دُلِّيَ (٢) مِنَ السَّمَاءِ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَشَرِبَ شُرْبًا ضَعِيفًا، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَخَذ بِعَرَاقِيهَا فَانْتَشَطَتْ، وَانْتَضَحَ عَلَيْهِ مِنْهَا (٣) شَيءٌ. [حم ٥/ ٢١]
===
٤٦٣٧ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا عفان بن مسلم، نا حماد بن سلمة، عن أشعث بن عبد الرحمن، عن أبيه) عبد الرحمن، (عن سَمُرة بن جندُب، أن رجلًا قال: يا رسول الله! رأيت) في الرؤيا (كأن دَلْوًا دُلِّيَ) أي أُرْسِلَ (من السماء) أي إلى الأرض، (فجاء أبو بكر فأخذ بِعَراقِيها) (٤) أي بأعوادها التي يُربَط بها الحبلُ (فشرب شُربًا ضعيفًا، ثم جاء عمرُ فأخذ بِعَراقِيها فشرب حتى تضلَّع (٥)) أي حتى تمدَّد ضلوعُه، (ثم جاء عثمان) ﵁ (فأخذ بِعَراقِيها فشرب حتى تضلَّع) أي حتى تمدد ضلوعُه.
(ثم جاء علي فأخذ بعراقيها فانْتَشَطَتْ) أي اضْطَرَبَت، (وانْتَضَح) أي رَشَّ (عليه) أي على علي (منها) أي من الدلوِ (شيء) وفي هذا إشارة إلى أنه لم يجتمع عليه أمر الخلافة، واضطرب الأمرُ، وثَارَ هيجانُ الفتن عليه في زمانه، وبقي مشغولًا في دفع البغي والفساد مما وقع بين المسلمين، ولم يفتح أرضًا من الكفار.
стр. 8076
٤٦٣٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نَا الْوَلِيدُ، نَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عن مَكْحُولٍ قَالَ: "لَتَمْخُرَنَّ الرُّومُ الشَّامَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا (١) لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا (٢) إلَّا دِمَشْقُ وَعَمَّانُ".
===
٤٦٣٨ - (حدثنا علي بن سهل الرملي، نا الوليد، نا سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول قال) مكحول: (لَتَمْخُرَنَّ) (٣) المَخرُ: الشقّ، كما أن السفينة تشق الماء في جريها (الرومُ الشامَ أربعين صباحًا لا يمتنع منها) أي عن الشام (إلَّا دمشقُ وعَمَّان) كشدَّاد بالفتح، ثم التشديد، وآخره نون، بَلَدٌ في طرف الشام، وهو المراد في حديث الترمذي: "من عدن إلى عَمَّان البلقاء".
وأما عُمَان بضم أوله, وتخفيف ثانيه: اسم كورة عربية على ساحل بحر اليمن والهند، في شرقي هجَر، أكثر أهلها في أيامنا خوارج إباضية، ليس فيها من غير هذا المذهب إلا طارئٌ غريب، وأهل البحرين بالقرب منهم بضدِّهم، كلهم روافضٌ سبَائيون لا يَكتُمون ولا يتحاشُّون، وليس عندهم من يخالف هذا المذهب، إلا أن يكون غريبًا، كذا في في "المعجم" (٤) , والمراد في هذا الحديث الأول لا الثاني. وهذا الحديث موقوف على مكحول.
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم في "تقريره": ولا يدرى متى يكون ذلك، وكذلك قوله فيما يأتي من بعد: "سيأتي ملك من ملوك العجم". انتهى.
стр. 8077
٤٦٣٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَامِرٍ المُرِّيُّ، نَا الْوَليدُ، نَا عَبْدُ الْعَزِيز بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الأَعْيَسِ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ سَلْمَانَ يَقُولُ: "سَيَأتِي مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَمِ يَظْهَرُ عَلَى الْمَدَائِنِ كُلِّهَا إلَّا دِمَشْقَ".
٤٦٤٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا بُرْدٌ أَبُو الْعَلَاءِ، عن مَكْحُولٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "مَوْضِعُ فُسْطَاطِ الْمُسْلِمِينَ في الْمَلَاحِمِ أَرْضٌ يقالُ لَهَا: الْغُوطَةُ".
===
٤٦٣٩ - (حدثنا موسى بن عامر المُرِّي، نا الوليد، نا عبد العزيز (١) بن العلاء، أنه سمع أبا الأعْيَس) بفتح التحتانية قبلها مهملة ساكنة (عبد الرحمن بن سلمان) الخولاني الشامي، يقال له: عبيد، ذكره ابن حبان في "الثقات" (يقول: سيأتي ملك من ملوك العجم يظهر على المدائن كلها إلَّا دِمشق) وهذا أيضًا موقوف على أبي الأَعْيَس، ولعله سمعه من بعض الصحابة، ولعله إشارة إلى ما وقع من تَيْمُور على بلاد الإِسلام (٢).
٤٦٤٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا بُرْدُ) بن سنان (أبو العلاء) الدمشقي، (عن مكحول، أن رسول الله ﷺ قال: "موضع فُسطاط (٣) المسلمين في الملاحم) جمع: مَلْحَمَة، وهي محلُّ القتال، والمراد ها هنا: القتالُ، ولعله يكون في زمن المهدي ﵇، وأن يكون محلُّ خِيَامِ المسلمين وجنودِهم (أرضٌ يقال لها: الغُوطة) وهي بالضم، ثم السكون وطاء
стр. 8078
٤٦٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو ظَفَرٍ عَبْدُ السَّلَامِ، نَا جَعْفَرٌ، عن عوفٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: إنَّ مَثَلَ عُثْمَانَ عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ يَقْرَؤُهَا وُيفَسِّرُهَا: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يُشِيرُ إلَيْنَا بِيَدِهِ وَإلَى أَهْلِ الشَّامِ.
===
مهملة، هي الكورة التي منها دمشق، استدارتها ثمانية عشر ميلًا، يحيط بها جِبالٌ عاليةٌ من جميع جهاتها, ولا سيما من شماليها، فإن جبالها عالية جدًّا، ومياهها خارجة من تلك الجبال، وهي بالإجماع أنزه بلاد الله، وأحسنها منظرًا، وهي أحدى جنان الأرض الأربع، وهي: الصُّغْد، والأبُلّة، وشِعب بوان، والغُوطة، وهي أجلُّها (١).
٤٦٤١ - (حدثنا أبو ظَفَر عبد السلام، نا جعفر، عن عوف قال: سمعت الحجاج يخطب وهو يقول: إن مَثَلَ عثمان عند الله كمثلِ عيسى ابن مريم، ثم قرأ هذه الآية) التي تأتي بعد ذلك (يقرؤها ويفسرها) وهي قوله تعالى: (﴿إِذ قَالَ اَللهُ) تعالى: (﴿يَا عِيسَى إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢)، يشير) أي الحجاجُ (إلينا بيده و) يشير (إلى أهل الشام).
فالإشارة إلى عوف ومنْ مثله من غير أهل الشامِ في قوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فالإشارة إليهم: بأنهم كَفَرُوا بعثمانَ، والإشارةُ إلى أهل الشام بأنهم اتبعوه، وجعلهم اللهُ فوق الكفار بأن أعطى فيهم الخلافةَ، وجَعَلَهم أُمَراء وسلاطِينَ، ونَزَعَ المُلْكَ من أيدي الذين كفروا به، وجعلهم أَذِلَّاء ليس بأيديهم إلَّا الذلَّة والهَوان.
стр. 8079
٤٦٤٢ - حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الطَّالْقَانِيُّ، نَا جَرِير، (ح): وَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: نَا جَرِيرٌ، عن الْمُغِيرَةِ، عن الرَبِيع بْنِ خَالِدٍ الضَّبِّي قَالَ: سَمِعتُ الْحَجاجَ يَخْطُبُ، فَقَالَ في خُطْبَتِهِ: رَسولُ أَحَدِكُمِ في حَاجَتِهِ أَكْرَمُ عَلَيْهِ أَمْ خَلِيفَتُهُ في أَهْلِهِ؟ فَقُلْتُ في نَفْسِي: للهِ عَلَيَّ ألاّ أصَلَي خَلْفَكَ صَلَاةً أَبَدًا، وإنْ وَجَدْتُ قَوْمًا يُجَاهِدُونَكَ
===
٤٦٤٢ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالْقَاني، نا جرير، ح: ونا زُهير بن حرب قَالَا) هكذا في أكثر النُّسَخ المكتوبة، ولو كان بصيغة الإفراد لكان أحسن، (نا جرير، عن المغيرة، عن الربيع بن خالد الضَّبي قال: سمعت الحجاج يخطب، فقال في خطبته: رسولُ أحدِكم في حاجته أكرمُ عليه أم خليفته في أهله؟ فقلتُ في نفسي: لِلَّهِ عليَّ أن لا أُصلِّيَ خلفَك صلاةً أبدًا، وإن وجدت قومًا يجاهدونك).
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم في "التقرير": قوله: "رسولُ أحدِكم في حاجته"، حمَلَ الربيعُ على ما حملها المحشي: من أنه قَصَد تفضيلَ نفسه والمَرْوانيِّين على الرسول ﷺ ، وليس بشيء؛ لأن أحدًا منهم لم يكن له تَعرُض بالرسالة، ولا إنكار على النبي ﷺ ، ولا تَعرُّض بالشَّيخَيْن فيما نعلم، بل الذي ترصدوا له فضل عليّ، وكانوا بصَدَد أن يثبتوا خلافه فىٍ كل أمر، لكونهم من أصحاب عثمان في زعمهم, وكان عليٌّ مخالفه فيما ظنوا.
فالحق أن الحجاجَ إنما قَصد بذلك الإشارة إلى ما ترك النبي ﷺ عثمان في المدينة حين مرضتْ زوجتُه، وإلى إرسال عليٍّ على الحج بكلمات ينادي بهن: "أَلَا لَا يَطُوْفَنَّ بالبيت عُريَان" (١)، ولم يعلم أن النبي ﷺ أرسل عثمان رسولًا في الحُدَيبيِة، وترك عليًا خليفة في أهله في بعض الغزوات، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (٢)، انتهى.
стр. 8080
لأُجَاهِدَنَّكَ مَعَهُمْ. زَادَ إسْحَاقُ في حَدِيثِهِ قَالَ: فَقَاتَلَ في الْجَمَاجِمِ حَتَّى قُتِلَ.
٤٦٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا أَبُو بَكْرٍ، عن عَاصم قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: اتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ لَيْسَ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ، وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا- لَيْسَ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ- لأَمِيرِ الْمُؤْمِنينَ عَبْدِ الْمَلِكِ، والله لَوْ أَمَرْتُ النَّاسَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ بَابٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَخَرَجُوا مِنْ بَابٍ آخَرَ، لَحَلَّتْ لِي دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ،
===
(لأجَاهِدَنَّكَ معهم، زاد إسحاقُ في حديثه: قال) المغيرة: (فقاتل) أي الربيع بن خالد (في الجَماجِم) والمراد بالجَماجِم: دَيرُ الجَماجِم بظاهر الكوفة على سبعة فَرَاسِخ منها على طرف البَرِّ للسالك إلى البصرة، وعند هذا الموضع كانت الواقعة (١) بين الحجاج بن يوسف الثقفي وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، التي كسر فيها ابن الأشعث وقتل من القراء، (حتى قُتِل) الربيع بن خالد في هذه الواقعة.
٤٦٤٣ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا أبو بكر، عن عاصم قال: سمعتُ الحجاجَ وهو على المِنْبَر) أي على منبر الكوفة (وهو يقول: اتَّقوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُم ليس فيها مَثْنَوِيَّة) أي استثناء (واسْمَعُوا وأَطِيْعُوا ليس فيها مَثْنَوِيَّة) أي استثناء (لأمير المومنين عبد المَلِك) بن مَروان، وكان إذْ ذاك خليفة، وكان الحجاج واليًا من جهته على العراق.
(والله لو أَمرتُ الناس أن يخرجوا من باب من) أبواب (المسجد) فلم يُطيعوني (فخرجوا من باب آخر، لحَلَّتْ لي دماؤهم وأموالهم) وهذ (مثال لقوله: "اِسْمَعُوا وأَطِيْعُوا لَيْسَ فيها مَثْنَوِية" بوجوب الإطاعة في جميع ما يأمرُ هو وأُمراؤه.
стр. 8081
وَاللَّه لوْ أَخَذْتُ رَبِيعَةَ بِمُضَرَ، لَكَانَ ذَلِكَ لِي مِنَ الله حَلَالٌ (١). وَيَا عَذِيرِي مِنْ عَبْدِ هُذَيْلٍ، يَزْعُمُ أَنَّ قِرَاءَتَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَاللَّه مَا هِيَ إلَّا رَجَزٌ مِنْ رَجَزِ الأَعْرَابِ، مَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى نِبيّهِ ﵇، وَعَذِيرِي مِنْ هَذِهِ الْحَمْرَاءِ، يَزْعُمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَرْمِي بِالْحَجَرِ فَيَقُولُ: إلَى أَنْ يَقَعَ الْحَجَرُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ،
===
(والله لو أخذتُ ربيعة) قبيلة من عرب (بمُضَر) أي بجزيرة مضر، وهي قبيلة أخرى (لكان ذلك لي من الله حلال).
غَرَضه: أن الأحكامَ مفوضة إلى رأي الأمَراء والسلاطين، وهذه الأقوال من كُفْرياته؛ لأنه صريح في تحليل الحرام وتحريم الحلال، وإنكار أحكام الشرع، فإن إطاعة الأُمَراء والسلاطين ليس إلا فيما وافق الشرعُ.
(ويا عَذيري) أي من يعذرني لو قتلتُه أو آذيتُه (من عبدِ هُذيل). قيل: أراد به عبدَ الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه -، وإنما أطلق "العبد" عليه تحقيرًا له وخبائة منه، وهذا الذي قاله الحجاج غَلَطٌ وباطلٌ، فإن قراءة عبد الله بن مسعود مَرْوِيةٌ عن رسول الله ﷺ ، أنزلها اللهُ تعالى عليه، وقد أمر رسولُ الله ﷺ بأخذ القراءة من عبد الله بن مسعود ﵁.
(يزعم أن قراءته من عند الله، والله ما هى إلَّا رَجَزٌ من رَجَز الأعراب، ما أنزلها اللهُ على نبيِّه ﵇ ومراده: تَنْفيرُ الناس عن مُصحَف عبد الله بن مسعود، فإنه لما جَمَع عثمان المصاحفَ لم يعط عبد الله بن مسعود مصحفَه.
(وعَذِيري من هذه الحمراء) أي الموالي (يزعم أحدهم أنه يرمي بالحجر فيقول: إلى أن يقع الحجر قد حدث أمر).
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قوله: "الحمراء" أراد بهم العجم، وكانوا يقولون فيما بينهم: إن الفتن قد كثرتْ في أيام عبد الملك والحجاج،
стр. 8082
فَوَاللَّه لأَدَعَنَّهُمْ كَالأَمْسِ الدَّابِرِ. قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لِلأَعْمَشِ فَقَالَ: أَنَا وَاللَّهِ سَمِعْتُهُ مِنْهُ.
٤٦٤٤ - حَدَّثنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شِيْبَةَ، نَا ابْنُ إدرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: هَذِهِ الْحَمْرَاءُ هَبْرٌ هَبْرٌ. أَمَا وَاللَّهِ قَدْ قَرَعْتُ عَصًا بِعَصًا لأَذَرَنَّهُمْ كَالأَمْسِ الذَّاهِبِ - يَعْني الْمَوَالِيَ-.
٤٦٤٥ - حَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ، نَا جَعْفَرٌ- يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ-، نَا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عن شَرِيكٍ، عن سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ قَالَ: جَمَّعْتُ
===
بحيث لو رمَى رامٍ بحجر لكان الحَجَر لم يصلْ إلى الأرض إلَّا وقد حدثت فتنة، وهو كناية عن كثرتها وتتابعها في الوجود (فوالله لأدَعنَّهم) أي لأَترُكنَّهم معدومين (كالأمس (١) الدابر) أي اليوم الماضي.
(قال) عاصم: (فذكرتُه للأعمش فقال: أنا والله سمعته) أي هذا الكلام (منه) أي من الحجاج.
٤٦٤٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن إدريس، عن الأعمش قال: سمعت الحجاج يقول على المنبر: هذه الحمراء) أي الموالي أهل العجم (هَبْرٌ هَبْرٌ) أي قطْع قطْع، يعني يستحقون القتلَ والقطعَ، (أما والله لو قد قَرَعْت عَصًا بعَصًا لأذَرَنَّهم) أي لأَتْرُكَنَّهم (كالأمس الذاهب، يعني) بالحمراء (الموالي).
٤٦٤٥ - (حدثنا قَطَن بن نُسير، نا جعفر - يعني ابن سليمان-، نا داود بن سليمان، عن شريك، عن سليمان الأعمش قال) أي الأعمش: (جمَّعت) من
стр. 8083
مَعَ الْحَجَّاجِ فَخَطَبَ، فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عيَّاشٍ قَالَ فِيهَا (١): فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لِخَلِيفَةِ اللَّهِ، وَصَفِيِّهِ (٢) عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ، قَالَ: وَلَوْ أَخَذْتُ رَبِيعَةَ بِمُضَرَ. وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ الْحَمْرَاءِ (٣).
(١٠) بَابٌ في الْخُلَفَاءِ
٤٦٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، نَا الأَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ، عن أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ
===
التجميع، أي صليت الجمعةَ (مع الحجاج فخطب، فذكر) قَطَن بن نُسير نحو (حديث أبي بكر بن عيَّاش قال فيها: فاسْمَعوا وأَطِيعوا لِخليفة الله وصَفِيِّه عبد الملك بن مروان، وساق الحديث، قال: ولو أخذتُ رَبيعةَ بمُضَر، ولم يذكر) قَطَنُ بن نُسر (قصة الحمراء)،
(١٠) (بَابٌ في الْخُلَفَاءِ) (٤)
٤٦٤٦ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا محمد بن عبد الله الأنصاري، نا الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن النبي ﷺ قال
стр. 8084
ذَاتَ يَوْمٍ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ ", فَقَالَ رَجُلٌ, أَنَا رَأَيْتُ كَأَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ (١) مِنَ السَّمَاءِ فَوُزِنْتَ أَنْتَ وَأَبُو بَكْرٍ, فَرُجِحْتَ أَنْتَ بِأَبِى بَكْرٍ. وَوُزِنَ عُمَرُ وَأَبُو بَكْرٍ, فَرُجِحَ أَبُو بَكْرٍ. وَوُزِنَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ, فَرُجِحَ عُمَرُ, ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ. فَرَأَيْنَا (٢) الْكَرَاهِيَةَ فِى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [ت ٢٢٨٧، حم ٥/ ٤٤]
٤٦٤٧ - حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ، عن سَفِينَةَ قَال: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّه الْمُلْكَ (٣) مَنْ يَشَاءُ" إلَى آخِرِ الْحَدِيث.
(ح): ونَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، نَا (٤) هُشَيْمٌ، عَن الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَب، الْمَعْنَى جَمِيعًا،
===
ذات يوم: مَنْ رأَى منكم رُؤيا؟ فقال رجلٌ: أنا رأيت كأن ميزانًا نزل من السماء فوُزِنتَ أنت وأبو بكر، فرجحتَ أنت بأبي بكر، ووُزِن عمر وأبو بكر، فرجح أبو بكر، ووُزِن عمر وعثمان، فرجَح عمر، ثم رُفع الميزان، فرأينا الكراهيةَ في وجه رسول الله ﷺ )، وهذا الحديث قد تقدم قريبًا, وهاهنا مكرَّر.
٤٦٤٧ - (حدثنا سَوّارُ بنُ عبد الله، نا عبد الوارث بن سعيد، عن سعيد بن جُمْهان، عن سَفينة) مولى رسول الله ﷺ (قال: قال رسولُ الله ﷺ : خلافةُ النبوةِ ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله المُلك من يشاء، إلى آخر الحديث).
(ح ونا عمرو بن عون (٥)، نا هُشيم، عن العوام بن حَوْشَب، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (جميعًا) كلاهما، أي عبد الوارث بن سعيد وعوام بن
стр. 8085
عن سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ، عن سَفِينَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّه الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، أَوْ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ". [ت ٢٢٢٦، حم ٥/ ٢٢٠]
قَالَ سَعِيدٌ: قَالَ لي سَفِينَةُ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ: أَبَا بَكْرٍ (١) سَنَتَيْنِ، وَعُمَرَ عَشْرًا، وَعُثْمَانَ اثْنَي عَشَرَ، وَعَلِيٌّ (٢) كَذَا، قَالَ سَعِيدٌ: قَلْتُ لِسَفِينَةَ: إنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ
===
حَوْشَب رَوَيا (عن سعيد بن جُمْهان، عن سَفينة قال: قال رسولُ الله ﷺ : خلافةُ النبوةِ ثلاثون سنة (٣)، ثم يؤتي الله المُلكَ من يشاء، أو ملكه من يشاء).
(قال سعيد) بن جُمْهان: (قال لي سَفينة) وأخذ بيدي وقال يقبض أصابعي: (أَمْسِكْ عليك: أبا بكر سنتين) أي مدة خلافته (وعمر عشرًا، وعثمان اثني عشر، وعليّ كذا) أي ست سنين، وأسقط فيها الكسرات.
(قال سعيد: قلت لسفينة: إن هؤلاء) أي بني مروان (يزعمون) أي يقولون
стр. 8086
أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ بِخَلِيفَةٍ (١)، قَالَ: كَذَبَتْ أَسَتَاهُ بَنِي الزَّرْقَاء.- يَعْنِي بَنِي مَرْوَانَ-.
٤٦٤٨ - حَدَّثَنّا مُحَمَّدُ بنُ الْعَلَاءِ، عَنِ ابْنِ إدْرِيس، أَنَا حُصَيْنٌ، عن هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِم الْمَازِنيِّ، وَسُفْيَانُ، عن مَنْصُورٍ، عن هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِمٍ الْمَازِنيِّ- قَالَ:
===
(أن عليًّا لم يكن بخليفة، قال) سفينة: (كذبت أَسْتَاهُ بَني الزَّرقاء).
قال في الحاشية: الأستاه: جمع است، وهو العجز، ويُطلق على حلقة الدبر، وأصلها سَتَه بفتحتين، والمراد أنه كلمة كاذبة خرجت من دُبُرهم، والزَّرْقاء امرأة من أمهات بني أمية، (يعني بني مروان) شبه الكلمة الكاذبة القبيحة بما يخرج من الدبر من الريح المُنْتِنَة، فاستعار للأفواه الأَستاه.
٤٦٤٨ - (حدثنا محمد بن العلاء، عن ابن إدريس، أنا حُصَين، عن هلال بن يَساف، عن عبد الله بن ظالم المازني، وسفيان) عطف على ابن إدريس، فكما أن ابن إدريس يروي عن حُصَين، عن هلال بن يساف، عن عبد الله بن ظالم، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، كذلك يروي سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن عبد الله بن ظالم، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.
والدليل على ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده": حدثنا عبد الله، ثني أبي، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن حُصَين ومنصور، عن هلال بن يَساف، عن سعيد بن زيد، قال وكيع مرةً: قال منصور: عن سعيد بن زيدٍ، وقال مرةً: حُصَين، عن ابن ظالم، عن سعيد بن زيد.
فالحاصل: أن هذا السند يدل على أن سفيان يروي عن حصين ومنصور. وأخرج أبو داود حديث سفيان عن منصور فقط، والإمام أحمد أخرج روايته عن كليهما: حُصَين ومنصور.
(عن منصور، عن هلال بن يَساف، عن عبد الله بن ظالم المازني، قال)
стр. 8087
ذَكَرَ سُفْيَانُ رَجُلًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِم الْمَازِنيِّ- قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زيدِ بْن عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ فُلَانٌ إلِى الْكُوفَةِ أَقَامَ فُلَانٌ خَطِيبًا. فَأَخَذ بِيَدِي سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ: أَلَا تَرَى إلَى هَذَا الظَّالِمِ، فَأَشهَدُ (١) عَلَى التِّسْعَةِ أَنَّهُمْ في الْجَنَّةِ، وَلَوْ شهِدْتُ عَلَى الْعَاشِرِ لَمْ أَيْثَمْ (٢) - قَالَ ابْنُ إدْرِيس: وَالْعَرَبُ تَقُولُ: آثَمْ- قُلْتُ: وَمَنِ التِّسْعَةُ؟
===
ابن إدريس (٣): (ذكر سفيان رجلًا فيما بينه وبين عبد الله بن ظالم المازني) كما سيذكره أبو داود بعد تمام الحديث من رواية الأشجعي، ولكن نسيته.
(قال) عبد الله بن ظالم: (سمعتُ سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل قال: لما قدم فلانٌ) أي معاوية (إلى الكوفة أقام) أي قام (فلان خطيبًا) وأما على نسخة "أقام فلانًا" فالضمير في "أقام" إلى معاوية، والمراد بـ "فلان" الخطيب مغيرة بن شعبة.
كتب في حاشية المكتوبة الأحمدية: رأيت في بعض الأصول في الهامش: "فلان" معاوية بن سفيان، أقام "فلانًا" أي المغيرة بن شعبة، وكان في الخطبة تعريضًا بسب عليٍّ ﵁، أو بتفضيل معاوية ﵁ عليه ﵁ ونحوه، ولذلك قال سعيد ما قال، انتهى.
وقال في "فتح الودود": ولقد أحسن أبو داود في الكناية عن اسم معاوية ومغيرة بـ "فلان" سِتْرًا عليهما في مثل هذا المحل، لكونهما صحابِيين.
(فأخذ بيدي سعيدُ بن زيد فقال: ألا ترَى إلى هذا الظالم) وأشار إلى الخطيب، (فأشهدُ على التسعة أنهم في الجنة، ولو شهدت على العاشر لم أَيْثَم) بالإمالة، أي لم آثِم.
(قال ابن إدريس: والعرب تقول: آثم) يعني بغير الإمالة.
(قلت) وهذا قول عبد الله بن ظالم لسعيد: (ومَنِ التسعة؟
стр. 8088
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى حِرَاءٍ: "اُثْبُتْ حِرَاءُ، إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ".
قُلْتُ: وَمَنِ التِّسْعَةُ؟ قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ. قُلْتُ: وَمَنِ الْعَاشِرُ؟ فَتَلَكَّأَ هُنَيَّةً ثُمَّ قَالَ: أَنَا". [ت ٣٧٥٧، جه ١٣٣، حم ١/ ١٨٧]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الأَشْجَعِيُّ، عن سُفْيَانَ، عن مَنْصُورٍ، عن هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عن ابْنِ حَيَّانَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِمٍ، بِإسْنَادهِ.
===
قال: قال رسولُ الله ﷺ وهو على حِراء) جبل بمكة فتحرك: (اُثبتْ حراءُ، إنه ليس عليك إلَّا نبيٌّ أو صدِّيق أو شهيد، قلت: ومن التسعة؟ قال: ) أحدهم: (رسولُ الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة (١)، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، قلت: ومَنِ العاشر؟ فتلكَّأ) أي تلبَّث وتأخَّر عن الكلام (هُنيَّة) أي ساعة يسيرة (ثم قال: أنا).
(قال أبو داود: رواه الأشجعي) (٢)، عبيد الله بن عبد الرحمن، (عن سفيان) الثوري، (عن منصور، عن هلال بن يَساف، عن ابن حيان). قال في "تهذيب التهذيب" (٣): ابن حيان، عن عبد الله بن ظالم، عن سعيد بن زيد: عشرة في الجنة، وعنه هلال بن يساف، واختلف عليه فيه، ويقال: اسمه حيان بن غالب.
(عن عبد الله بن ظالم بإسناده) فزاد الأشجعي بين هلال وعبد الله بن ظالم ابنَ حيان، وهو الذي أشار إليه ابن إدريس
стр. 8089
٤٦٤٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النُّمَيرِيُّ، نَا شُعْبَةُ، عن الْحُرِّ بْنِ الصَّيَّاحِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الأَخْنَسِ، أَنَّهُ كَانَ في الْمَسْجِدِ فَذَكَرَ رَجُلٌ عليًّا، فَقَامَ سعِيدُ بْنُ زيدٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ أَنّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: عَشَرَةٌ في الْجَنَّةِ: النَّبِيُّ ﷺ في الْجَنَّةِ، وَأَبُو بَكْرٍ في الجَنَّةِ، وَعُمَرُ في الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ في الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ في الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ في الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ في الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ في الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ في الْجَنَّةِ، وَلَوْ شِئْتُ لَسَمَّيْتُ الْعَاشِرَ.
قَالَ: قَالُوا (١): مَنْ هُوَ؟ فَسَكَتَ. قَالَ: فَقَالُوا: مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ سَعِيدُ بْنُ زيدٍ، [ت ٣٧٥٧، حم ١/ ١٨٨]
===
٤٦٤٩ - (حدثنا حفص بن عمر النميري (٢)، نا شعبة، عن الحُرّ بن الصبّاح، عن عبد الرحمن بن الأخنس، أنه) أي عبد الرحمن (كان في المسجد فذكر رجل عليًّا) بسُوء، (فقام سعيد بن زيد فقال: أشهدُ على رسول الله ﷺ أني سمعته وهو يقول: عَشَرة في الجنة: النبي ﷺ في الجنة، وأبو بكرٍ في الجنة، وعمرُ في الجنة، وعثمانُ في الجنة، وعليٌّ في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئتُ لسميت العاشر، قال) عبد الرحمن: (قالوا: مَنْ هو؟ ) أي العاشر (٣) (فسكت، قال) عبد الرحمن: (فقالوا: من هو؟ قال) أي سعيد: (سعيد بن زيد) يعني نفسه.
стр. 8090
٤٦٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، نَا صَدَقَةُ بْنُ الْمُثَنَّى النَّخَعِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي رِيَاحُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ فُلَانِ في مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، عِنْدَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ، فَجَاءَ سَعِيدُ بْنُ زيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، فَرَحَّبَ بِهِ، وَحَيَّاهُ، وَأَقْعَدَهُ عِنْدَ رِجْلِهِ عَلَى السَّرِيرِ. فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَقُال لَهُ: قَيْسُ بْنُ عَلْقَمَةَ فَاسْتَقْبَلَهُ وَسَبَّ (١) فَسَبَّ، فَقَالَ سَعِيدٌ: مَنْ يَسُبُّ هَذَا الرَّجُلُ؟ قَال: يَسُبُّ عَلِيًّا، قَال: أَلَا أَرَى أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُسَبُّونَ عِنْدَكَ، ثُمَّ لَا تُنْكِرُ وَلَا تُغَيِّرُ! أَنَا سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول- وَإنِّي لَغَنِيٌّ أَنْ أَقُول عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ
===
٤٦٥٠ - (حدثنا أبو كامل، نا عبد الواحد بن زياد، نا صدَقة بن المثنى) بن رِياح بكسر الراء المهملة ثم التحتانية ابن الحارث (النخعي) قال أحمد: شيخ صالح، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: ووثقه العجلي. قال: (حدثني جدِّي رِياح بن الحارث) بكسر الأول ثم التحتانية، كوفيٌّ ثقة من الثالثة.
(قال) رياح: (كنت قاعدًا عند فلان) وهو المغيرة بن شعبة (في مسجد الكوفة، عنده) أي المغيرة (أهل الكوفة، فجاء سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، فرحَّب) المغيرة (به) أي بسعيد، (وحيَّاه) بتحية الإِسلام، (وأقعده) أي سعيدًا (عند رِجْله على السرير).
(فجاء رجلٌ من أهل الكوفة يقال له: قيس بن علقمة فاستقبله) أي استقبل قيس المغيرة أو على العكس (وَسَبَّ فسبَّ) أي يسب سبًّا بعد سبٍّ (فقال سعيد: مَنْ يسبُّ هذا الرجل؟ قال) المغيرة: (يسُبُّ عليًّا، قال) سعيد: (ألا أَرَى أصحاب رسول الله ﷺ يُسَبُّون عندك، ثم لا تُنْكِر ولا تُغيِّر) أي لا تنهى عنه ولا تزجر! وفي المثل المشهور: "إن السفيه إذا لم يُنْهَ مأمور".
(أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: وإني لغنيٌّ أن أقول عليه ما لم يقل