أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ بِخَلِيفَةٍ (١)، قَالَ: كَذَبَتْ أَسَتَاهُ بَنِي الزَّرْقَاء.- يَعْنِي بَنِي مَرْوَانَ-.
٤٦٤٨ - حَدَّثَنّا مُحَمَّدُ بنُ الْعَلَاءِ، عَنِ ابْنِ إدْرِيس، أَنَا حُصَيْنٌ، عن هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِم الْمَازِنيِّ، وَسُفْيَانُ، عن مَنْصُورٍ، عن هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِمٍ الْمَازِنيِّ- قَالَ:
===
(أن عليًّا لم يكن بخليفة، قال) سفينة: (كذبت أَسْتَاهُ بَني الزَّرقاء).
قال في الحاشية: الأستاه: جمع است، وهو العجز، ويُطلق على حلقة الدبر، وأصلها سَتَه بفتحتين، والمراد أنه كلمة كاذبة خرجت من دُبُرهم، والزَّرْقاء امرأة من أمهات بني أمية، (يعني بني مروان) شبه الكلمة الكاذبة القبيحة بما يخرج من الدبر من الريح المُنْتِنَة، فاستعار للأفواه الأَستاه.
٤٦٤٨ - (حدثنا محمد بن العلاء، عن ابن إدريس، أنا حُصَين، عن هلال بن يَساف، عن عبد الله بن ظالم المازني، وسفيان) عطف على ابن إدريس، فكما أن ابن إدريس يروي عن حُصَين، عن هلال بن يساف، عن عبد الله بن ظالم، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، كذلك يروي سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن عبد الله بن ظالم، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.
والدليل على ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده": حدثنا عبد الله، ثني أبي، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن حُصَين ومنصور، عن هلال بن يَساف، عن سعيد بن زيد، قال وكيع مرةً: قال منصور: عن سعيد بن زيدٍ، وقال مرةً: حُصَين، عن ابن ظالم، عن سعيد بن زيد.
فالحاصل: أن هذا السند يدل على أن سفيان يروي عن حصين ومنصور. وأخرج أبو داود حديث سفيان عن منصور فقط، والإمام أحمد أخرج روايته عن كليهما: حُصَين ومنصور.
(عن منصور، عن هلال بن يَساف، عن عبد الله بن ظالم المازني، قال)
стр. 8087
ذَكَرَ سُفْيَانُ رَجُلًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِم الْمَازِنيِّ- قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زيدِ بْن عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ فُلَانٌ إلِى الْكُوفَةِ أَقَامَ فُلَانٌ خَطِيبًا. فَأَخَذ بِيَدِي سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ: أَلَا تَرَى إلَى هَذَا الظَّالِمِ، فَأَشهَدُ (١) عَلَى التِّسْعَةِ أَنَّهُمْ في الْجَنَّةِ، وَلَوْ شهِدْتُ عَلَى الْعَاشِرِ لَمْ أَيْثَمْ (٢) - قَالَ ابْنُ إدْرِيس: وَالْعَرَبُ تَقُولُ: آثَمْ- قُلْتُ: وَمَنِ التِّسْعَةُ؟
===
ابن إدريس (٣): (ذكر سفيان رجلًا فيما بينه وبين عبد الله بن ظالم المازني) كما سيذكره أبو داود بعد تمام الحديث من رواية الأشجعي، ولكن نسيته.
(قال) عبد الله بن ظالم: (سمعتُ سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل قال: لما قدم فلانٌ) أي معاوية (إلى الكوفة أقام) أي قام (فلان خطيبًا) وأما على نسخة "أقام فلانًا" فالضمير في "أقام" إلى معاوية، والمراد بـ "فلان" الخطيب مغيرة بن شعبة.
كتب في حاشية المكتوبة الأحمدية: رأيت في بعض الأصول في الهامش: "فلان" معاوية بن سفيان، أقام "فلانًا" أي المغيرة بن شعبة، وكان في الخطبة تعريضًا بسب عليٍّ ﵁، أو بتفضيل معاوية ﵁ عليه ﵁ ونحوه، ولذلك قال سعيد ما قال، انتهى.
وقال في "فتح الودود": ولقد أحسن أبو داود في الكناية عن اسم معاوية ومغيرة بـ "فلان" سِتْرًا عليهما في مثل هذا المحل، لكونهما صحابِيين.
(فأخذ بيدي سعيدُ بن زيد فقال: ألا ترَى إلى هذا الظالم) وأشار إلى الخطيب، (فأشهدُ على التسعة أنهم في الجنة، ولو شهدت على العاشر لم أَيْثَم) بالإمالة، أي لم آثِم.
(قال ابن إدريس: والعرب تقول: آثم) يعني بغير الإمالة.
(قلت) وهذا قول عبد الله بن ظالم لسعيد: (ومَنِ التسعة؟
стр. 8088
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى حِرَاءٍ: "اُثْبُتْ حِرَاءُ، إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ".
قُلْتُ: وَمَنِ التِّسْعَةُ؟ قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ. قُلْتُ: وَمَنِ الْعَاشِرُ؟ فَتَلَكَّأَ هُنَيَّةً ثُمَّ قَالَ: أَنَا". [ت ٣٧٥٧، جه ١٣٣، حم ١/ ١٨٧]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الأَشْجَعِيُّ، عن سُفْيَانَ، عن مَنْصُورٍ، عن هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عن ابْنِ حَيَّانَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِمٍ، بِإسْنَادهِ.
===
قال: قال رسولُ الله ﷺ وهو على حِراء) جبل بمكة فتحرك: (اُثبتْ حراءُ، إنه ليس عليك إلَّا نبيٌّ أو صدِّيق أو شهيد، قلت: ومن التسعة؟ قال: ) أحدهم: (رسولُ الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة (١)، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، قلت: ومَنِ العاشر؟ فتلكَّأ) أي تلبَّث وتأخَّر عن الكلام (هُنيَّة) أي ساعة يسيرة (ثم قال: أنا).
(قال أبو داود: رواه الأشجعي) (٢)، عبيد الله بن عبد الرحمن، (عن سفيان) الثوري، (عن منصور، عن هلال بن يَساف، عن ابن حيان). قال في "تهذيب التهذيب" (٣): ابن حيان، عن عبد الله بن ظالم، عن سعيد بن زيد: عشرة في الجنة، وعنه هلال بن يساف، واختلف عليه فيه، ويقال: اسمه حيان بن غالب.
(عن عبد الله بن ظالم بإسناده) فزاد الأشجعي بين هلال وعبد الله بن ظالم ابنَ حيان، وهو الذي أشار إليه ابن إدريس
стр. 8089
٤٦٤٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النُّمَيرِيُّ، نَا شُعْبَةُ، عن الْحُرِّ بْنِ الصَّيَّاحِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الأَخْنَسِ، أَنَّهُ كَانَ في الْمَسْجِدِ فَذَكَرَ رَجُلٌ عليًّا، فَقَامَ سعِيدُ بْنُ زيدٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ أَنّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: عَشَرَةٌ في الْجَنَّةِ: النَّبِيُّ ﷺ في الْجَنَّةِ، وَأَبُو بَكْرٍ في الجَنَّةِ، وَعُمَرُ في الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ في الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ في الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ في الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ في الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ في الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ في الْجَنَّةِ، وَلَوْ شِئْتُ لَسَمَّيْتُ الْعَاشِرَ.
قَالَ: قَالُوا (١): مَنْ هُوَ؟ فَسَكَتَ. قَالَ: فَقَالُوا: مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ سَعِيدُ بْنُ زيدٍ، [ت ٣٧٥٧، حم ١/ ١٨٨]
===
٤٦٤٩ - (حدثنا حفص بن عمر النميري (٢)، نا شعبة، عن الحُرّ بن الصبّاح، عن عبد الرحمن بن الأخنس، أنه) أي عبد الرحمن (كان في المسجد فذكر رجل عليًّا) بسُوء، (فقام سعيد بن زيد فقال: أشهدُ على رسول الله ﷺ أني سمعته وهو يقول: عَشَرة في الجنة: النبي ﷺ في الجنة، وأبو بكرٍ في الجنة، وعمرُ في الجنة، وعثمانُ في الجنة، وعليٌّ في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئتُ لسميت العاشر، قال) عبد الرحمن: (قالوا: مَنْ هو؟ ) أي العاشر (٣) (فسكت، قال) عبد الرحمن: (فقالوا: من هو؟ قال) أي سعيد: (سعيد بن زيد) يعني نفسه.
стр. 8090
٤٦٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، نَا صَدَقَةُ بْنُ الْمُثَنَّى النَّخَعِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي رِيَاحُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ فُلَانِ في مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، عِنْدَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ، فَجَاءَ سَعِيدُ بْنُ زيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، فَرَحَّبَ بِهِ، وَحَيَّاهُ، وَأَقْعَدَهُ عِنْدَ رِجْلِهِ عَلَى السَّرِيرِ. فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَقُال لَهُ: قَيْسُ بْنُ عَلْقَمَةَ فَاسْتَقْبَلَهُ وَسَبَّ (١) فَسَبَّ، فَقَالَ سَعِيدٌ: مَنْ يَسُبُّ هَذَا الرَّجُلُ؟ قَال: يَسُبُّ عَلِيًّا، قَال: أَلَا أَرَى أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُسَبُّونَ عِنْدَكَ، ثُمَّ لَا تُنْكِرُ وَلَا تُغَيِّرُ! أَنَا سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول- وَإنِّي لَغَنِيٌّ أَنْ أَقُول عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ
===
٤٦٥٠ - (حدثنا أبو كامل، نا عبد الواحد بن زياد، نا صدَقة بن المثنى) بن رِياح بكسر الراء المهملة ثم التحتانية ابن الحارث (النخعي) قال أحمد: شيخ صالح، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: ووثقه العجلي. قال: (حدثني جدِّي رِياح بن الحارث) بكسر الأول ثم التحتانية، كوفيٌّ ثقة من الثالثة.
(قال) رياح: (كنت قاعدًا عند فلان) وهو المغيرة بن شعبة (في مسجد الكوفة، عنده) أي المغيرة (أهل الكوفة، فجاء سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، فرحَّب) المغيرة (به) أي بسعيد، (وحيَّاه) بتحية الإِسلام، (وأقعده) أي سعيدًا (عند رِجْله على السرير).
(فجاء رجلٌ من أهل الكوفة يقال له: قيس بن علقمة فاستقبله) أي استقبل قيس المغيرة أو على العكس (وَسَبَّ فسبَّ) أي يسب سبًّا بعد سبٍّ (فقال سعيد: مَنْ يسبُّ هذا الرجل؟ قال) المغيرة: (يسُبُّ عليًّا، قال) سعيد: (ألا أَرَى أصحاب رسول الله ﷺ يُسَبُّون عندك، ثم لا تُنْكِر ولا تُغيِّر) أي لا تنهى عنه ولا تزجر! وفي المثل المشهور: "إن السفيه إذا لم يُنْهَ مأمور".
(أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: وإني لغنيٌّ أن أقول عليه ما لم يقل
стр. 8091
فَيَسْأَلُني عَنْهُ غَدًا إذَا لَقِيتُهُ -: "أَبُو بَكْرٍ في الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ في الْجَنَّةِ"، وَسَاقَ مَعْنَاهُ. ثُمَّ قَالَ: لَمَشْهَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَغْبَرُّ فِيهِ وَجْهُهُ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمُرَهُ، وَلَوْ عُمِّرَ عُمُرَ نُوْح! ". [جه ١٣٣, حم ١/ ١٨٧]
٤٦٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، الْمَعْنى، قَالَا: نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ، أَنَّ (١) أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ صَعِدَ أُحُدًا، فَتَبِعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَضَرَبَهُ نَبِيُّ اللهِ (٢) ﷺ بِرِجْلِهِ وَقَالَ: "اُثْبُتْ أُحُدُ! نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانَ". [خ ٣٦٨٦, ت ٣٦٩٧، حم ٣/ ١١٢]
===
فيسألُني عنه غدًا إذا لقيته) هذه جملة معترضة بين قوله "يقول" ومقولته: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وساق معناه، ثم قال) سعيد: (لَمَشهدُ رجلٍ منهم مع رسول الله ﷺ يَغْبرُّ فيه وجهه خيرٌ من عملِ أحدِكم عُمرَه) أي في جميع عمره (ولو عُمِّرَ عمُرَ نوح! ).
٤٦٥١ - (حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع، ح: ونا مسدد، نا يحيى المعنى، قالا: نا سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، أن أنس بن مالك حدثهم، أن نبي الله ﷺ صعِد أُحُدًا فتبعه أبو بكر وعمر وعثمان، فَرَجَفَ بهم) أي تحرَّك الجبل بهم، (فضربه نبيُّ الله ﷺ بِرِجْله وقال: اُثبتْ أحُد! ) بتقدير النداء, فما عليك إلَّا (نبيٌّ وصدِّيق وشهيدان) (٣).
стр. 8092
٤٦٥٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعْيدٍ وَيزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ (١)، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابرٍ، عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يدخلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ". [ت ٣٨٦٠، حم ٣/ ٣٥٠]
٤٦٥٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. (ح): وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن عَاصِمٍ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، - وَقَالَ مُوسَى: "فَلَعَلَّ اللَّه"، وَقَالَ ابْنُ سِنَانٍ -: "اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ". [تقدم برقم ٢٦٥٠]
===
٤٦٥٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد الرملي، أن الليث حدثهم، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا يدخلُ النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة)، والمراد بها بيعة الرضوان اليسار إليها في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢) الآية.
٤٦٥٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد بن سلمة، ح: وحدثنا أحمد بن سنان، نا يزيد بن هارون، نا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ ، وقال موسى) بن إسماعيل شيخ المصنف: (فلعل الله) اطَّلع على أهل بَدْر (وقال) أحمد (بن سنان) شيخه الآخر: (اطَّلع اللهُ على أهل بدْر) أي لم يذكر لفظ "لعل"، (فقال: اِعْمَلُوا مَا شِئْتُم فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)، كأنه تعالى علم منهم أنه لا يجيء (٣) منهم ما يُنافي المغفرة، فقال لهم: ﴿اعمَلُواْ مَا شِئْتُم﴾ (٤) إظهارًا لكمال الرضا عنهم، وأنه لا يُتوقَّع منهم من الأعمال بحسب الأعم الأغلب إلَّا الخير، فهذا كناية عن كمال الرضا وصَلاح
стр. 8093
٤٦٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، أَنَ مُحَمَّدَ بْنَ ثَوْرٍ حَدَّثَهُمْ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيَّ، عن عُرْوَةَ بْنٍ الزُّبَيْرِ، عن الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: خَرَجَ النَبِيُّ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَذكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ: فَأَتَاهُ (١) عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَكُلَّمَا كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى (٢) النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ السَّيْفُ، وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، فَضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ: أَخِّرْ يَدَكَ عن لِحْيَتِهِ (٣)، فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأسَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. [تقدَّم برقم ٢٧٦٥]
===
الحال وتوفيقهم غالبًا للخير، وليس المقصودُ الإذن في المعاصي كيف شاءوا، كذا في "فتح الودود".
٤٦٥٤ - (حدثنا محمد بن عبيد، أن محمد بن ثور حدثهم، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة قال: خرج النبي ﷺ زمن الحديبية، فذكر الحديث) أي قصة الصلح.
(قال: فأتاه عروة بن مسعود) الثقفي من جهة كفار مكة (فجعل يُكلِّم النبيَّ ﷺ ، فكلما كلَّمه) أي كلما كلَّم عروةُ النبي ﷺ (أخذ) عروةُ (بلحيته) الشريفة (والمغيرةُ بن شعبة قائم على النبي ﷺ ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَر) هو قلنسوة الحديد، (فضرب) المغيرة (يدَه) أي يد عروة (بنعل السيف) وهو ما يكون في أسفل القِرَاب من فضة وغيرها.
(وقال) أي المغيرة: (أخِّر يدَك عن لحيته) ﷺ (فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ فقالوا: المغيرة بن شعبة)، وكان عروة بن مسعود عمَّ المغيرة بن شعبة، وإنما لم يعرفه لأنه كان مغطى بالسلاح، وإنما ذكر هذا الحديث بعدما ذكر قصة سَبَّ علي ﵁ عنده، ليعلم أن المغيرة ممن بايَعَ تحت الشجرة، فلا يحط من منزلته، ولا يقصر في توقيره وإكرامه.
стр. 8094
٤٦٥٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيِّ، عن عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عن أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ، عن أَبِي خَالِدٍ مَوْلَى آلِ جَعْدةَ، عنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَأَخَذ بِيَدِي، فَأَرَانِي بَابَ الْجَنَّةِ الَّذِي تَدْخُلُ مِنْهُ أُمَّتِي"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُول اللَّهِ! وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّا إنَّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يدخلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي".
===
٤٦٥٥ - (حدثنا هنَّاد بن السريّ، عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عبد السلام بن حرب، عن أبي خالد الدالاني، عن أبي خالد مولى آل جَعْدة، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : أتاني جبريل ﵇ فأخذ بيدي، فأراني بابَ (١) الجنة الذي تدخل منه أمتي) وذلك في ليلة المعراج، أو في وقت آخر.
(فقال أبو بكر: يا رسول الله! وَدِدتُ أني كنت معك حتى أنظر إليه) أي إلى باب الجنة كما نظرت أنت إليه (فقال رسول الله ﷺ : أما إنك يا أبا بكرٍ) راءٍ إياه عن قريب؛ لأنك (أول من يدخلُ الجنةَ من أمتي) فلا تحزن على ما فاتك من الرؤية.
стр. 8095
٤٦٥٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ إيَاسٍ الْجُرَيْرِيَّ أَخْبَرَهُمْ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيَّ، عن الأَقْرَعِ مُؤَذِّنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: "بَعَثَنِي عُمَرُ (١) إلَى الأسْقُفِّ
===
٤٦٥٦ - (حدثنا حفص بن عمر أبو عمر الضرير) وهو حفص بن عمر، أبو عمر الضرير الأكبر البصري، قال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، عامة أحاديثه محفوظة، وقال ابن حبان: كان من العلماء بالفرائض والحساب والشعر وأيام الناس والفقه، وُلد وهو أعمى، وقال العاقيلي: ثنا محمد بن عبد الحميد، ثنا أحمد بن محمد الحضرمي قال: سألت يحيى بن معين، عن ابن عمر الضرير فقال: لا يرضى، وقال الساجي: وكان يحفظ الحديث، وكان سليمان الشاذكوني يمدحه ويطريه وينسبه إلى الحفظ، وذكروا أن حماد بن سلمة يستذكره الأحاديث وهو حدث، وكان غاية في السنَّة، وله موضع بالبصرة من العلم، وليس له في أبي داود إلَّا هذا الحديث (٢).
(ثنا حماد بن سلمة، أن سعيد بن إياس الجُرَيْريّ أخبرهم، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، عن الأقرع موذِّن عمرَ بن الخطاب)، روى له أبو داود هذا الحديث الواحد، وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره الذهبي في "الميزان" (٣) فقال: لا يُعرف.
(قال: بعثني عمرُ بن الخطاب إلى الأُسقفّ) (٤) هو كعب الأحبار
стр. 8096
فَدَعَوْتُهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ تَجِدُنِي في الْكِتَاب؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: كَيْفَ تَجِدُنِي؟ قَالَ: أَجِدُكَ قَرْنًا (١)، قَالَ: فَرَفَعَ عَلَيْهِ الدِّرَّةَ، فَقَالَ: قَرْنُ مَهْ (٢)؟ فَقَالَ: قَرْنٌ حَدِيدٌ، أَمِينٌ شَدِيدٌ. قَالَ: كَيْفَ تَجِدُ الَّذِي يَجِيءُ (٣) بَعْدِي؟ فَقَالَ: أَجِدُهُ خَلِيفَةً صَالِحًا غَيْرَ أَنَّهُ يُؤْثِرُ قَرَابَتَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَرْحَمُ الله عُثْمَانَ- ثَلَاثًا-. فَقَالَ: كَيْفَ تَجِدُ الّذِي بَعْدَهُ؟ قَالَ: أَجِدُهُ صَدَأَ حَدِيدٍ،
===
(فدعوتُه، فقال له عمر: هل تجدني في الكتاب) أي تجدُ ذكري في التوراة؟ (قال: نعم، قال: كيف تجدني؟ قال: أَجِدُك قَرْنًا، قالَ: فرفع عليه الدِّرَّة) (٤) أي مطايبة، ولم يرد أن يضربه، (فقال: قَرْن مَهْ) أي القرن ما هو؟ (فقال: قرنٌ حديدٌ).
قال في "المجمع" (٥): وحديث عمر والأُسقف: "قال: أجدك قرنًا، فقال: قَرْنُ مَهْ؟ قال: قَرنٌ من حديد"، هو بفتح قاف: الحِصْن، وجمعه: قُرُونٌ، ولذا قيل لها: صياصي، انتهى.
(أمينٌ شديدٌ) أي ذو أمانة، شديد في أمر الله لا يخاف لَوْمَةَ لائم، (قال) عمر ﵁: (كيف تجد الذي يجيء بعدي؟ فقال: أجده خليفة صالِحًا غير أنهُ يُؤثر) أي يرجح (قَرابته، فقال عمر: يرحم الله عثمان! ثلاثًا).
(فقال) عمر: (كيف تجدُ الذي بعده؟ قال) كعب: (أجده صَدَأَ (٦) حديدٍ)
стр. 8097
قَالَ: فَوَضَعَ عُمَرُ يَدَهُ عَلَى رأْسِهِ فَقَالَ: يَا دَفْرَاهُ يَا دَفْرَاهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إنَّهُ خَلِيفَةٌ صَالِحٌ، وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْلَفُ حِينَ يُسْتَخْلَفُ، وَالسَّيْفُ مَسْلُولٌ، وَالدَّمُ مُهْرَاقٌ" (١).
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَالدَّفْرُ: النَّتْنُ.
(١١) بَابٌ في فَضْلِ أَصْحَابِ النَّبِي ﷺ -
٤٦٥٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَنَا. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن قَتَادَةَ، عن زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ،
===
أي وسخَه (قال: فوضع عمر يدَه على رأسه) أي على رأسى نفسه، (فقال: يا دَفْراه يا دَفْراه) أي يا نتناه، (فقال) الأُسقفّ: (يا أمير المومنين! إنه خليفة صالح، ولكنه يُستخلفُ حين بُستخلفُ، والسيف مسلولٌ، والدم مُهْراق).
وهذا الحديث يدل على أن عمر يعلم من يكون خليفة من بعده، ولا علم له إلا من النبي ﷺ ، غير أنه سأل الأسقف عنه لمزيد الاحتياط والاطمئنان لا ليعلم القصة.
(قال أبو داود: والدَّفْر: المتن).
(١١) (بابٌ في فَضْلِ أَصْحَابِ النَّبِيَّ ﷺ )
٤٦٥٧ - (حدثنا عمرو بن عون قال: أنا، ح: ونا مسدد، نا أبو عوانة، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن عِمران بن حُصَين قال: قال رسول الله ﷺ : خير أمتي) أي خير قرون أمتي (القرنُ الذي بُعِثتُ فيهم).
стр. 8098
ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ- وَاللَّةُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا- ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُون وَلَا يُوفُونَ، وَيَخُونُون وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَفْشُو فِيهِم السِّمَنُ". [م ٢٥٣٥، ت ٢٢٢٢، حم ٤/ ٤٢٦]
===
قال في "فتح الودود" (١): قيل: قرنُه ﷺ من أول بعثته ﷺ إلى آخر مَنْ مات من الصحابة، وكان مدتُه عشرين ومائة سنة، وقَرْنُ التابعين من سنة مائة إلى نحو سبعين، وقَرنُ أَتْباع التابعين إلى العشرين ومائتين.
وفي هذا الوقت ظهر البدعُ ظهورًا فاشيًا، وامتُحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوالُ تغيرًا، ولم يزل الأمرُ إلى الآن كذلك، وهذا مصداق قوله ﷺ : "ثم يفشُو الكذب".
(ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم - واللهُ أعلمُ أَذَكَرَ الثالثَ أم لا- ثم يظهر قوم يَشهدون) كِذْبًا وَزورًا (ولا يُستشهَدون، ويَنذِرُون ولا يُوفون، ويخونون ولا يُؤتَمَنون، ويفشُو فيهم السِّمَنُ).
قال النووي (٢): قال جمهور العلماء في معناه: المراد كثرة اللحم فيهم، وأنه يكثر ذلك، وقيل: المراد بالسِّمَنِ ها هنا: أنهم يتكثَّرون بما ليس فيهم، ويدّعون ما ليس لهم من الشرف، وقيل: المراد جمعُهم الأموال.
стр. 8099
(١٢) بَابٌ في النَّهْيِ عن سَبِّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ -
٤٦٥٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ". [خ ٣٦٧٣، م ٢٥٤١، ت ٣٨٦١، حم ٣/ ١١]
===
(١٢) (بَابٌ في النَّهْيِ عَنْ سَبِّ أَصْحَابِ (١) رَسُولِ الله ﷺ )
٤٦٥٨ - (حدثنا مسدَّد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : لا تَسبُّوا أصحابي).
فإن قلت: لِمنِ الخطاب في قوله: "لا تَسُبُّوا أصحابي"، والصحابة هم الحاضرون؟ قلت: لغيرهم من المسلمين المفروضين في العقل، جعل من سيوجد كالموجود الحاضر وجودهم المترقب.
(فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدُكم مثلَ أُحُد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدِهم) هو ربع صاع (ولا نَصِيفه) أي بقدر نصف المد أيضًا.
стр. 8100
٤٦٥٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ الثَّقَفِيُّ، نَا عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ الْمَاصِرُ (١)، عن عَمْرِو (٢) بْنِ أَبِي قُرَّةَ قَالَ: كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ، فَكَانَ يَذْكُرُ أَشْيَاءَ قَالَهَا رَسُولُ الله ﷺ لأُناسٍ (٣) مِنْ أَصْحَابِهِ في الْغَضَب، فَيَنْطَلِقُ نَاسٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ حُذَيْفَةَ فَيَأتُونَ سَلْمَانَ وَيَذْكُرُونَ (٤) لَهُ قَوْلَ حُذَيْفَةَ، فَيَقُولُ سَلْمَانُ: حُذَيْفَةُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ. فَيَرْجِعُونَ إلَى حُذَيْفَةَ فَيَقُولُوِنَ لَهُ: قَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَكَ لِسَلْمَانَ فَمَا صَدَّقَكَ وَلَا كَذَّبَكَ، فَأَتَى حُذيْفَةُ سَلْمَانَ وَهُوَ في مَبْقَلَةٍ،
===
٤٦٥٩ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زائدة بن قُدامة الثقفي، نا عمر بن قيس الماصرُ) (٥) بكسر الصاد المهملة وتخفيف الراء، ابن أبي مسلم الكوفي، أبو الصباح مولى ثقيف، قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة، وقال الآجري: سئل أبو داود عنه فقال: من الثقات، وأبوه أشهر منه وأوثق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له عندهما -أي في "الأدب المفرد" للبخاري وأبي داود- حديث: "أيما رجل من أمتي سببته"، وفيه قصة حذيفة مع سلمان.
(عن عمرو بن أبي قُرَّة قال: كان حذيفة بالمدائن، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ -لأُناس من أصحابه في الغضَب، فينطلقُ ناسٌ ممن سمِع ذلك من حذيفة فيأتون سلمانَ) الفارسي ﵁ (ويذكرون له قولَ حذيفة) وحديثَه.
(فيقول سلمانُ: حذيفةُ أعلم بما يقول، فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له) أي لحذيفة: (قد ذكرْنا قولَك لسلمان فما صدَّقك ولا كذَّبك).
(فأتى حذيفةُ سلمانَ وهو) أي سلمان (في مَبْقَلةٍ) أي أرض ذات بقْل وزرع
стр. 8101
فَقَالَ: يَا سَلْمَانُ! مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُصَدِّقَني بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ؟ فَقَالَ سَلْمَانُ: إنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَغْضَبُ فَيَقُولُ في الْغَضَبِ لِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَيرْضَى فَيَقُولُ في الرِّضَا لِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَمَا تَنْتَهِي حَتَّى تُوَرِّثَ رِجَالًا حُبَّ رِجَالٍ، وَرِجَالًا بُغْضَ رِجَالٍ، وَحَتَّى تُوقِعَ اخْتِلافًا وَفُرْقَةً؟ وَلَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ فَقَالَ: "أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي سَبَبْتُهُ سَبَّةً، أَوْ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً في غَضَبِي، فَإنَّمَا أَنَا مِنْ وُلْدِ آدم، أغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُونَ، وَإنَّمَا بَعَثَنِي رَحْمَةً لَلْعَالَمِينِ، فَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ صَلَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١)، والله لَتَنْتَهِيَنَّ أوْ لأَكْتُبَنَّ إلَى عُمَرَ (٢). [حم ٥/ ٤٣٧]
===
(فقال) حذيفةُ لسلمان: (يا سلمان! ما يمنعك أن تصدِّقني بما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ فقال سلمان: إن رسول الله ﷺ كان يغضب) أحيانًا (فيقولُ في الغضَب لناسٍ من أصحابه) بعضَ الكلام، (ويرضَى فيقول في الرضا لناسٍ من أصحابه) بعض الكلام، (أَمَا تَنتهي) عن تحديث هذا الكلام (حتى تورِّثَ) أي تحدث وتنشئ (رجالًا) أي في قلوبهم (حُبَّ رجالٍ و) تحدث (رجالًا) أي في قلوب (بغضَ رجالٍ) من أصحاب النبي ﷺ ، (وحتى تُوقعَ اختلافًا وفرقة) أي افتراقًا؟
(ولقد علمتَ أن رسول الله ﷺ خطب فقال: أيُّما رجلٍ من أمتي سَبَبْتُه سَبَّةً، أو لعنتُه لعنةً في غضبي، فإنما أنا من وُلْد آدم، أغضبُ كما يغضبون، وإنما بعثني) الله (رحمةً للعالمين، فاجعلْها) أي تلك السبَّة واللعنة (عليهم صلاةً) أي رحمة (يوم القيامة، والله لَتنْتَهِيَنَّ) عن تحديثك هذا (أو لأَكْتُبَنَّ إلى عمر) ﵁.
стр. 8102
(١٣) بَابٌ في اسْتخِلَافِ أَبِي بَكْرٍ ﵁
٤٦٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَني الزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمن بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: لَمَّا اسْتُعِزَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عِنْدَهُ في نَفَرٍ منَ الْمُسْلِمِينَ، فَى دَعَاهُ بلَالٌ إلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "مُرُوا مَنْ يُصَلِّي لِلنَّاسِ"، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ، فَإذَا عُمَرُ في النَّاسِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ غَائِبًا، فَقُلْتُ: يَا عُمَرُ! قُمْ فَصَلِّ بِالنَّاسِ، فَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ،
===
(١٣) (بَابٌ في اسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ (١) ﵁
٤٦٦٠ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني الزهري قال: حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن زَمْعَة قال: لما استُعِزَّ).
قال الخطابي (٢): استُعِزَّ بالمريض: إذا غلب على نفسه من شدة المرض، وأصله من العِزِّ: وهو الغَلَبة والاستيلاء على الشيء، (برسول الله ﷺ وأنا عنده في نفرٍ من المسلمين، دعاه) أي رسول الله ﷺ (بلالٌ إلى الصلاة، فقال: مُرُوا من يصلِّي للناس، فخرج عبد الله بن زمعة، فإذا عمرُ في الناس، وكان أبو بكر غائبًا، فقلت: يا عمر! قُمْ فصَلِّ بالناس، فتقدم) عمرُ (فكبر) للتحريمة.
стр. 8103
فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَهُ- (١) وَكَانَ عُمَرُ رَجُلًا مُجْهِرًا- قَالَ: "فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ؟ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ، يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ". فَبُعِثَ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى عُمَرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بَالنَّاسِ. [حم ٤/ ٣٢٢]
٤٦٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، نَا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ إسْحَاقَ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَمْعَةَ أَخْبَرَهُ بِهذَا الْخَبَرِ، قَالَ: لَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَ عُمَرَ، قَالَ ابْنُ زَمْعَةَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَطْلَعَ رَأسَهُ مِنْ حُجْرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: "لَا، لَا، لَا، لِيُصَلِّ
===
(فلما سمع رسولُ الله ﷺ صوته- وكان عمر رجلًا مُجْهِرًا-) أي صاحب جهر ورفع لصوته، يقال: جهر الرجلُ صوتَه، ورجلٌ جَهيرُ الصوت، وجَهيرُ المنْظر، وأجهر: إذا عرف لشدة الصوت، فهو مُجْهِرٌ، قاله الخطابي.
(قال) رسول الله ﷺ : (فأين أبو بكر؟ يأبي اللهُ ذلك) أي تقدُّمَ غير أبي بكر ﵁ (والمسلمون، يأبى اللهُ ذلك والمسلمون، فبُعِث إلى أبي بكر فجاء بعد أنْ صلَّى عمرُ تلك الصلاة، فصلَّى بالناس).
ولعل عمر ﵁ لما عَلِم أنه ﷺ نهى عنِ تقدُّم غير أبي بكر لم يُتمَّ الصلاة ونقضها في أثناء الصلاة، ثم لما جاء أبو بكر صلى بالناس تمامًا.
٤٦٦١ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن أبي فُديكٍ، نا موسى بن يعقوب، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عبد الله بن زَمْعَة أخبره بهذا الخبر، قال: لما سمِع النبيُّ ﷺ صوتَ عمر، قال ابن زَمْعة: خرج النبي ﷺ حتى أَطْلَع رأسه من حُجْرته، ثم قال: لا، لا، لا، ) أي لا يصلِّي بالناس عمرُ ولا غيرُه، (لِيصلِّ
стр. 8104
لِلنَّاسِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ"، يَقُولُ ذَلِكَ مُغْضَبًا.
(١٤) بَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ في الْفِتْنَةِ
٤٦٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَمُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَا: نَا حَمَّادٌ، عن
عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عن الْحَسَنِ، عن أَبِي بَكْرَةَ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: نَا الأَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ، عن أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْحَسَنِ بْن عَلِيٍّ: "إنَّ ابْني هِذَا سَيِّدٌ، وَإنّي أَرْجُو أَنْ يُصْلِحَ الله بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ أمَّتي".
وَقَالَ عَنْ (١) حَمَّادٍ: "وَلَعَلَّ الله أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَظِيمَتَيْنِ". [خ ٢٧٠٤، ت ٣٧٧٣، ن ١٤١٠، حم ٥/ ٣٧، ٣٨]
===
للناسَ ابنُ أبي قُحافة، يقول ذلك مُغضَبًا).
وفي الحديث دليل على صحة خلافة أبي بكر الصديق - رضي الله تعالي عنه -، ولهذا قال عليٌّ: قدَّمك رسولُ الله ﷺ في أمر ديننا فمَنِ الذي يُوخِّرُك في دنيانا؟ ! .
(١٤) (بَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ في الْفِتْنَةِ)
٤٦٦٢ - (حدثنا مُسدَّد ومسلم بن إبراهيم قالا: نا حماد، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن أبي بكرَة، ح: وحدثنا محمد بن المثنَّى، نا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: نا الأشْعث، عن الحسن، عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ للحسن بن علي: إن ابني هذا سيّد، وإنِّي أرجو أن يُصلحَ اللهُ به بين فِئَتَين من أُمتي، وقال عن حماد: ولعلَّ اللهَ أن يُصلحَ به بين فئتَين من المسلمين عظيمَتَين).
وقد وَقَع كما أخبر به ﷺ بأن الحسن أَصلحَ بينه وبين معاوية، وترك الخلافة، وهذا المدح يدل على أن الكلام في الفتنة الذي يُهَيِّجها لا يجوز.
стр. 8105
٤٦٦٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَزِيدُ، أَنَا هِشَامٌ، عن مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ: مَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ تُدْرِكُهُ الْفِتْنَةُ إلَّا أنا أَخَافُهَا عَلَيْهِ إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَضُرُّكَ الْفِتْنَةُ".
٤٦٦٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، نَا (١) شُعْبَةُ، عن الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، عن أَبِي بُرْدَةَ، عن ثَعْلَبَةَ بْنِ ضُبَيْعَةَ قَالَ: "دَخَلْنَا عَلَى حُذَيْفَةَ فَقَالَ: إنِّي لأَعْرِفُ رَجُلًا لَا تَضُرُّهُ الْفِتَنُ شَيْئًا، قَالَ: فَخَرَجْنَا فَإذَا فُسْطَاطٌ مَضْرُوبٌ، فَدَخَلْنَا، فَإذَا فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَسَأَلْنَاهُ عن ذَلِكَ؟
===
٤٦٦٣ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يزيدُ، أنا هشام، عن محمد قال: قال حذيفةُ: ما أحدٌ من الناس تُدركه الفتنة إلَّا أنا أخافها) أي الفتنةَ (عليه إلَّا محمد بن مَسْلمة، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: لا تَضُرُّك الفتنةُ).
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قال له ذلك حين أتاه بعد قتله كعبَ بنَ الأشرفِ اليهوديَّ، وقد تقدمتْ قصةُ قتله.
٤٦٦٤ - (حدثنا عمرو بن مرزوق، نا شُعبة، عن الأَشْعث بن سُلَيم، عن أبي بُردة، عن ثعلبة بن ضُبيعة) قال في "تهذيب التهذيب" (٢): هو ضبيعة بن حُصَين الثعلبي، أبو ثعلبة، ويقال: ثَعْلبة بن ضُبيعة الكوفي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في ذكر الفِتْنة من وجهين، سماه في أحدهما ضُبيعة، وفي الآخر ثَعْلبة، وقد رجَّح البخاري وغيره أنه ضُبيعة.
(قال: دخلنا على حُذيفة فقال: إني لأعرف رجلًا لا تَضرُّه الفِتَنُ شيئًا، قال: فخرجنا فإذا فُسطاط) أي خيمة (مَضروبٌ، فدخلنا) أي الفُسطاط (فإذا فيه محمدُ بن مَسْلمة، فسألناه عن ذلك؟ ) أي عن اعْتزاله الناسَ وإقامتِه في الصَّحْراء،
стр. 8106
فَقَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْ أَمْصَارِكُمْ حَتَّى تَنْجَلِيَ عَمَّا انْجَلَتْ" (١).
٤٦٦٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ، عن أَبِي بُرْدَةَ، عن ضُبَيْعَةَ بْنِ حُصَيْنٍ الثَّعْلَبِيِّ، بِمَعْنَاهُ (٢).
٤٦٦٦ - حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ، نَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عن يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عن قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ:
===
(فقال) محمدُ بن مَسْلمة: (ما أريد أن يَشتمِل عليَّ شيء من أمصاركم حتى تَنجليَ) أي تزول الفِتَنُ (عما انجلتْ) ويرتفع الاختلاف، وقد قال رسول الله ﷺ فيه ما قال.
وقد روى محمدُ بن مَسْلمة (٣) قال: أعطاني رسولُ الله ﷺ سَيْفًا وقال: "قاتِلْ به المشركين ما قاتَلوا، فإذا رأيتَ أُمتي يضرب بعضُهم بعضًا فأْتِ به أحدًا، فاضربْ به حتى ينكسر، ثم اجْلِسْ في بيتك حتى تأتيَك يدٌ خاطئةٌ أو منية قاضيةٌ"، وكان ممن اعتزل الفتنةَ، فلم يَشْهد الجَمَلَ ولا صِفِّين، سَكَن المدينةَ، ثم سكن الربذة يعني بعد قتل عثمان.
قال الواقدي: مات بالمدينة في صفر سنة ٤٣ هـ، وهو ابن ٧٧ سنة، وقال ابن أبي داود: قتله أهلُ الشام، دخل عليه رجلٌ من أهل الشام من أهل الأردن وهو في داره فقَتَله.
٤٦٦٥ - (حدثنا مسدَّد، نا أبو عَوانة، عن أشعث بن سُلَيم، عن أبي بُردة، عن ضبيعة بن حُصين الثعلبي، بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم.
٤٦٦٦ - (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الهُذَليُّ، نا ابن عُلَية، عن يونس، عن الحسن، عن قيس بن عُبَاد) بضم المهملة وتخفيف الموحدة (قال:
стр. 8107
قُلْتُ لِعَلِيٍّ: أَخْبِرْنَا عن مَسِيرِكَ هَذَا، أَعَهْدٌ عَهِدَهُ إلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَمْ رَأْيٌ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: "مَا عَهِدَ إليَّ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِشَيْءٍ، وَلَكِنَّهُ رَأْيٌ رَأَيْتُهُ".
٤٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، نَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ، عن أَبِي نَضْرَةَ، عن أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فِرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ". [م ١٠٦٣، حم ٣/ ٢٥]
(١٥) بَابٌ في التَّخْيِيرِ بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ ﵈
٤٦٦٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، نَا عَمْرٌو- يَعْني ابْنَ يَحْيَى-، عن أَبِيهِ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَال: قَالَ
===
قلتُ لعليّ: أَخبِرْنا عن مَسيرك (١) هذا) أي إلى بلاد العراق، (أَعَهْدٌ عَهدِه إليك رسول الله ﷺ ، أم رأيٌ رأيتَه؟ قال: ما عَهِد إليَّ رسولُ الله ﷺ بشيء) من مَسيري إلى العراق أو وقوفي في المدينة (لكنه رأي رأيته).
٤٦٦٧ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا القاسم بن الفضل، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد قال: قال رسولُ الله ﷺ : تَمْرُقُ) أي تخرج (مارِقَةٌ) أي جماعة خارجة، وهم الخوارج (عند فُرقةٍ من المسلمين) وهو افتراق جماعة علي ﵁ وجماعةِ معاوية ﵁ (يقتلها) أي الفرقة المارِقَة (أَوْلَى الطائفتين) أي من طائفتي علي ومعاوية (بالحق) أي يقتلها مَن هي أقرب بالحق منهما، وهم طائفة علي فإنهم قتلوها.
(١٥) (بَابٌ في التَّخْيِيرِ) أي التفضيل (بَيْنَ الأنْبِيَاءِ ﵈
٤٦٦٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، نا عمرو- يعني ابن يحيى-، عن أبيه) يحيى، (عن أبي سعيد الخدري قال: قال
стр. 8108
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ". [خ ٢٤١٢، م ٢٣٧٤، حم ٣/ ٣١]
٤٦٦٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس قَالَا: نَا يَعْقُوبُ، نَا أَبِي، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمن وَعَبْدِ الرَّحْمنِ الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ: وَالَّذَي اصْطَفَى مُوسَى، فرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إلَى النَّبِيّ (١) ﷺ فأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تُخَيِّرُوني عَلَى مُوسَى، فَإنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإذَا مُوسَى بَاطِشٌ في جَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مِمَّنْ (٢) صَعِقَ فَأَفَاق قَبْلِي، أَمْ كَانَ (٣) مِمَّنِ اسْتَثْنَى الله تَعَالَى؟ ". [خ ٢٤١١، م ٢٣٧٣، حم ٢/ ٢٦٤]
===
رسولُ الله ﷺ : لا تُخَيِّروا) أي لا تُفضِّلوا (بين الأنبياء) فإنه ربما يفضي إلى التحقير وسوء الأدب.
٤٦٦٩ - (حدثنا حجاج بن أبي يعقوب ومحمد بن يحيى بن فارس قالا: نا يعقوب، نا أبي) إبراهيم بن سعد، (عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رجلٌ من اليهود: والذي) الواو للقسم (اصطفَى موسى) على العالمين (فرفع المسلمُ يدَه فلَطَم وجه اليهودي) وقال: أتقول ذلك وفينا رسول الله ﷺ ؟ (فذهب اليهوديُّ إلى النبي ﷺ فأخبره) وشكَى إليه ضربَ المسلم.
(فقال النبي ﷺ ) تواضعًا: (لا تُخَيِّروني) أي لا تُفضِّلوني (على موسى، فإن الناس يَصْعَقون فأكونُ أولَ من يُفيق) من الصعق، (فإذا موسى باطشُ في جانب العرش، فلا أدري أكان ممن صَعِق فأفاق قبلي، أم كان ممن استثنى اللهُ تعالى؟ ).
стр. 8109
قَال أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ ابْنِ يَحْيَى أَتَمُّ.
٤٦٧٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، نَا الْوَلِيدُ، عن الأَوزَاعِيِّ، عن أَبِي عَمَّارٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنَا سَيِّدُ وُلْدِ آدمَ، وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ". [م ٢٢٧٨، حم ٢/ ٥٤٠]
٤٦٧١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ، عن أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: إنِّي (١) خَيْرٌ
===
وهذا فضلٌ جزئىٌّ، والفضل الكلي لسيدنا رسول الله ﷺ .
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في "تقريره": قوله: "والذي اصطفى موسى"، وكان فيه مَسَاغ التأويل، يحمل الفضل على الفضل الجزئي، وإليه أشار النبي ﷺ في كلامه، ففيه تنبيه على أن كلام العاقل يؤول ما أمكن، ولا تنبغي المنازعة إذا أمكن الاحتراز عنها.
(قال أبو داود: حديث ابن يحيى) وهو محمد بن يحيى شيخ المصنف (أتم).
٤٦٧٠ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا الوليد، عن الأوزاعي، عن أبي عمار، عن عبد الله بن فرُّوخ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أنا سيدُ ولد آدم، وأولُ من تنشقُّ عنه الأرض، وأول شافع، وأول مُشَفَّع) أي مقبول للشفاعة.
٤٦٧١ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: ما ينبغي لعبدٍ أن يقول: إني خير (٢)
стр. 8110
مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى". [خ ٣٤١٣، م ٢٣٧٧، حم ١/ ٢٥٤]
٤٦٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ، عن إسْمَاعِيلَ بْنِ حَكِيم، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عن عَنْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولَ: "مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَقُولَ: إنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى". [حم ١/ ٢٠٥]
===
من يونس بن مَتَّى) أي في نفس مرتبة النبوة.
ومَتَّى -بفتح الميم وتشديد المثناة الفوقية - اسم والد يونس، وقيل: اسم أمه، ولعل وجه تخصيص (١) يونس لِما وقع في قصته في القرآن من تضجره وتوليه كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ... ﴾ (٢) الآية، فخاف رسولُ الله ﷺ أن ينسب أحد إليه النقص فخصه بالذكر.
٤٦٧٢ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن حكيم).
هكذا في جميع النسخ الموجودة من المجتبائية والمصرية والمكتوبات الثلاثة من غير لفظ "أبي"، إلَّا في الكانفورية ونسخة "العون"، فإن فيهما إسماعيل بن أبي (٣) حكيم بزيادة لفظ "أبي" وهو الصواب، وقد تقدَّمت ترجمته في محله، (عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن جعفر قال: كان رسول الله ﷺ يقول: ما ينبغي لنبيٍّ أن يقول: إني خير من يونس بن مَتَّى).
стр. 8111
٤٦٧٣ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ، عن مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ يَذْكُرُ، عن أَنسٍ (١) قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَاكَ إبْرَاهِيمُ ﵇". [م ٢٣٦٩، ت ٣٣٥٢، حم ٣/ ١٧٨]
٤٦٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَمَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ الشَّعِيرِيُّ، الْمَعْنَى، قَا لَا: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لَعِينٌ (٢) هُوَ أَمْ لَا؟
===
٤٦٧٣ - (حدثنا زياد بن أيوب، نا عبد الله بن إدريس، عن مختار بن فُلْفُل يذكر، عن أنس قال: قال رجل لرسول الله ﷺ : يا خيرَ البَرِيَّة، فقال رسول الله ﷺ : ذاك إبراهيمُ ﵇ وكان إبراهيم ﵇ في زمانه خيرَ البَريَّة، وكذلك في مَا عَدا زمان رسول الله ﷺ ، فأما رسول الله ﷺ فهو خير البرية (٣) مطلقًا بفضلٍ كُليٍّ.
٤٦٧٤ - (حدثنا محمد بن المتوكِّل العسقلاني، ومَخْلَد بن خالد الشَّعيري، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قالا: نا عبد الرزاق، أنا مَعْمَر، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : ما أدري أَتُبَّعٌ لَعِيْنٌ (٤) هو) أي ملعون (أم لا؟ ) وهذا قبل أن يُوحى إليه في أمره،
стр. 8112
وَمَا أَدْرِي أَعُزَيْرٌ نَبِيٌّ هُوَ أَمْ لَا؟ ! ". [ك ١/ ٣٦]
٤٦٧٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي [يُونس، عن] ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ أَخبَرَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقُولُ: "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، الأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ، وَلَيْسَ بَيْني وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ". [خ ٣٤٤٢، م ٢٣٦٥، حم ٢/ ٥٤١]
===
ثم أعلمه الله بعد ذلك أنه أسلم، فقد روى أحمد (١) من حديث سهل الساعدي: قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فإنه قد أَسْلَم"، وروى الطبراني (٢) من حديث ابن عباس مثلَه، وروى ابن مَرْدويه من حديث أبي هريرة مثلَه. (وما أدري أَعُزَيرٌ نبيٌّ هو أم لا؟ ) ولعله أُعلِم بعد ذلك أنه نبي.
٤٦٧٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني أيونس، عن (٣)، ابن شهاب، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أنا أَولَى الناس) أي أقربهم (بابن مريمَ، الأنبياءُ أولاد عَلَّات) وأولاد العَلَّات من أبوهم واحد، وأمهاتهم شتَّى، فشبه أصول الدين من التوحيد وغيره بالأب، وشبه فروع الدين المختلفة بالأمهات. قال في "فتح الودود": والحديث لا ينافي قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ ... ﴾ (٤) الآية؛ لأن تلك الأَوْلَوية من حيث قرب الشريعة، وهذا من حيث قرب العهد (وليس بيني وبينه) (٥) أي بين عيسى (نبيٌّ).
стр. 8113
(١٦) بَابٌ في رَدِّ الأرْجَاءِ
٤٦٧٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا (١) حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا (٢) سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عن عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ، أنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الإيْمَانُ بِضْعٌ (٣) وَسَبْعُونَ، أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إله إلَّا الله، وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْعَظْمِ (٤) عن الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيْمَانِ". [خ ٥٣، ١٧، ت ٢٦١١، حم ١/ ٢٢٨، ن ٥٦٩٢]
٤٦٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ (٥) حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ،
===
(١٦) (بَابٌ في رَدِّ الإرْجَاءِ)
وهو اعتقاد أنه لا يضر مع الإيمان معصية
٤٦٧٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أخبرنا سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: الإيمان بِضْعٌ وسبعون) (٦) شعبة، (أفضلُها قول لا اله إلَّا الله، وأدناها إماطةُ العَظْم عَن الطريق، والحياءُ شُعبة من الإيمان).
وهذا الحديث يدل بظاهره على أن الأعمال داخلة في الإيمان، سواء كان من عَمَلِ الجوارح أو القلب، فإذا ترك الأعمال أو نقص فيها يضره ذلك.
٤٦٧٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثني يحيى بن سعيد،
стр. 8114
عن شُعْبَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: إنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُمْ بالإيْمَانِ بِاللَّه، قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الإيْمَانُ بِاللَّهِ"؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لَا لا إله إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإقَامُ الصَّلَاةِ، وإيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا الْخُمْسَ مِنَ الْمَغْنَمِ". [خ ٩، م ٣٥، ت ٢٦١٤، ن ٥٠٠٥، جه ٥٧، حم ٢/ ٣٧٩]
٤٦٧٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا وَكِيعٌ، نَا سُفْيَانُ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ". [م ٨٢، ت ٢٦٢٠، ن ٤٦٤، جه ١٠٧٨، حم ٣/ ٣٧٠]
===
عن شعبة، حدثني أبو جَمْرة قال: سمعت ابن عباس قال: إن وفد عبد القيس لما قدِموا على رسول الله ﷺ أمرهم بالإيمان بالله، قال: أتَدْرون مَا الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال) رسول الله ﷺ : هو (شهادةُ أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله) أي إقرار التوحيد والرسالة بصَميم الاعتقاد.
(وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاة، وصومُ رمضان، وأن تُعطوا الخُمْس من المَغْنم)، فبيَّن رسولُ الله ﷺ الإيمانَ، وفسره بالشهادةِ وإيتاء هذه الأفعال من الصلاة والصوم وغيرها، فثبت أن الأعمال من اللسان والجوارح داخلة في الإيمان.
٤٦٧٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا وكيع، نا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : بين العبد وبين الكُفْر) (١) أي الموصل والوُصلة بينهما (ترك الصلاة)، فجحل ترك الصلاة كفرًا، فثبت به أيضًا أن العمل داخل في الإيمان, ولكن اتفق جميعُ أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين (٢)
стр. 8115
٤٦٧٩ - حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ سلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا وَكِيعٌ، عن سُفْيَانَ، عن سِمَاكٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "لَمَّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى الْكَعْبَةِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَكَيْفَ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. [ت ٢٩٦٤، حم ١/ ٢٩٥]
٤٦٨٠ - حدثنا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ، عن يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عن أَبِي أُمَامَةَ، عن رَسُولِ الله ﷺ أنَّهُ قَالَ:
===
أن الأعمال غير داخلة في الإيمان باعتبار كونها جزءًا منه، فإذا ترك عملًا من أعمال الإِسلام زال عنه الإيمان، ويكون كفرًا حقيقيًّا، بل اتفقوا على أن الأعمال شرط لكمال الإيمان , فإذا ترك عملًا من الأعمال المفروضة غير منكر لا يكون كافرًا، بل يكون فاسقًا.
٤٦٧٩ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري وعثمان بن أبي شيبة، المعنى، قالا: نا وكيع، عن سفيان، عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما توجه النبي ﷺ إلى الكعبة) في الصلاة بعد ما كان يتوجه إلى بيت المقدس (قالوا: يا رسول الله ﷺ فكيف الذين ماتُوا وهم يصلُّون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١) أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيمانًا، فعُلم بذلك أن الصلاة داخلة في الإيمان.
٤٦٨٠ - (حدثنا مؤمَّل بن الفضل، نا محمد بن شعيب بن شابور، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ أنه قال:
стр. 8116
"مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّه، وَأَعْطَى لِلَّه، وَمَنَعَ لِلَّه، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيْمَانَ". [طس ٩٠٨٣]
٤٦٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن بَكْرِ بْنِ مُضرَ، عن ابْن الْهَادِ، عن عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَلَا دِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ"، قَالَتْ: وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: "أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ: فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ؛ وَأَمَّا نُقْصَانُ الدِّينِ: فَإنَّ إحْدَاكُنَّ تُفْطِرُ رَمَضَانَ، وَتُقِيمُ أَيَّامًا لَا تُصَلِّي". [م ٧٩، جه ٤٠٠٣، حم ٢/ ٦٦]
===
من أحبَّ لله، وأَبْغَضَ لله، وأعطَى لله، وَمَنَعَ لله) أي مَنْ فَعَلَ ذلك الأفعالَ الصادِرَةَ من القلب والجوارح خالصًا لوجه الله تعالى (فقدِ اسْتَكمَلَ الإيمان)، فهذا الحديث يدل على أن هذه الأعمال مكمِّلات للإيمان وأجْزاء لكمالها.
٤٦٨١ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرْح، نا ابن وهب، عن بكر بن مُضر، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: ما رأيتُ مِنْ ناقِصاتِ عقلٍ ولا دينٍ أغلبَ لِذي لُبٍّ) أي رجل ذي عقلٍ (منكنَّ) أي من النساء، (قالت) أي بعضُ النسوة: (وما نقصان العقل والدين؟ قال: أمَّا نقصان العقل: فشهادةُ امرأتين بشهادة رجل) أي شهادة إحداها نصف شهادة رجل، (وأمَّا نقصان الدين: فإن إحداكنَّ تُفطِر رمضانَ) أي لا تصوم في أيام حيضها أو نِفاسها (وتُقيم أيامًا) من أيام المَحيض والنِّفاس (لا تُصلي)
стр. 8117
(١٧) بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ
٤٦٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنبلٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ
===
(١٧) (بابُ الدَّليلِ (١) عَلَي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ)
أي في الإيمان، قال البخاري (٢) في "كتاب الإيمان": وهو قولٌ وفعلٌ، ويَزيدُ ويَنقُص قال الحافظ (٣): والكلام هاهنا في المقامَيْن: أحدهما: كونه قولًا وعملًا.
والثاني: كونه يزيد وينقص. فأمّا القول: فالمراد به النُطق بشهادتين. وأما العمل: فالمراد به ما هو الأعم من عمل القلب والجوارح ليدخلَ الاعتقادُ والعبادات، فمراد مَنْ أَدْخل ذلك في تعريف الإيمان ومَنْ نَفَاه إنما هو بالنظر إلى ما عند الله تعالى.
فالسلف قالوا: هو اعتقادٌ بالقلْب، ونُطْقٌ باللسان، وعملٌ بالأركان. وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله، ومن ها هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص كما سيأتي، والمرجئة قالوا: هو اعتقاد ونُطْق فقط، والكرّامية قالوا: هو نُطْق فقط، والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد.
والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في صحته، والسلف جعلوها شرطًا في كماله، وهذا كله- كما قلنا- بالنظر إلى ما عند الله تعالى، وأما بالنظر إلى ما عندنا: فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أَقَرَّ أجريت عليه الأحكامُ في الدنيا، ولم يُحكَم عليه بكفر، إلَّا إن اقْتَرَنَ به فعلٌ يدل على كفره، كالسجود للصَّنَم.
وأما المقام الثاني: فذهب السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وأنكر ذلك أكثر المتكلمين، وقالوا: متى قيل ذلك كان شكًّا، انتهى.
٤٦٨٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن محمد بن
стр. 8118
عَمْرٍو، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَكْمَلُ الْمُؤْمِنينَ إيْمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا". [ن ١١٦٢، حم ٢/ ٢٥٠]
٤٦٨٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَاقِ. (ح): وَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا سُفْيَانُ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عن أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَمَ بَيْنَ النَّاسِ قَسْمًا، فَقُلْتُ: أَعْطِ فُلَانًا فَإنَّهُ مُؤْمِنٌ، قَالَ: "أَوْ مُسْلِمٌ (١)،
===
عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلقًا)، فحُسن الخلق داخل في الإيمان بهذا الحديث، فإيمان الذين أحسنوا الخُلُق زائد على من دونهم في حسن الخلق، فثبت زيادةُ الإيمان ونقصُه.
٤٦٨٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، ح: ونا إبراهيم بن بشار، نا سفيان، المعنى، قالا: نا معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه: أن النبي ﷺ قَسَم بين الناس قَسْمًا) أي تقسيمًا من المال، فأعطَى رجالًا ولم يعط فلانًا، (فقلت) له: (أعطِ فلانًا) قال الحافظ: والرجلُ المتروكُ اسمُه جعيل بن سراقة الضمري، سماه الواقدي في "المغازي"، (فإنه مؤمن، قال) ﷺ : (أَوْ مسْلم) - بإسكان الواو لا بفتحها- فقيل: هي للتنويع، وقال بعضهم: هي للتشريك، وإنه أمره أن يقولهما معًا؛ لأنه أَحْوط.
ويرد هذا رواية ابن الأعرابي في "معجمه" في هذا الحديث فقال: "لا تقُل مؤمن، بل مُسلم"، فوضح أنها للإضراب، وليس معناه الإنكار، بل المعنى أن إطلاقَ المسلم على مَنْ لم يَخْتَبِر حالَه الخبرة الباطنة أولى من إطلاق المؤمن؛ لأن الإِسلام معلوم بحكم (٢) الظاهر، قاله الشيخ محيي الدين.
стр. 8119
إنَي لأُعْطِي الرَّجلَ الْعَطَاءَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إليَّ مِنْهُ، مَخَافَةَ أَنْ يُكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ". [خ ١٤٧٨، م ١٥٠]
===
ومُحَصل القصة أن النبي ﷺ كان يُوَسِّع العطاء لمن أظهر الإِسلامَ تأَلُّفًا، فلما أعطى الرهطَ وهم من المؤلَّفة وترك جعيلًا وهو من المسلمين مع أن جميعًا سألوه خاطبه سعد في أمره؛ لأنه كان يَرَى أن جعيلًا أحقَّ منهم لِمَا اختبره منه دونهم، ولهذا راجع فيه أكثرَ من مرَّة، فأرشده النبي ﷺ إلى أمرين:
أحدهما: إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك وحِرْمانِ جعيل، مع كونه أحبّ إليه ممن أعطي, لأنه لو تُرِك إعطاء المؤلَّفِ لم يُؤمَن ارتدادُه فيكون من أهل النار.
ثانيهما: إرشادُه إلى التوقُّف عن الثَّناء بالأمر الباطن، دون الثناء بالأمر الظاهر، قاله الحافظ في "الفتح" (١).
(إني لأعطي الرجلَ العطاء، وغيرُه أحبُّ إليَّ منه؛ مخافةَ أن يكبّ على وجهه) أي إن لم يُعط فيَرْتَدُّ فيدخل في النار، ولفظ البخاري: "أن يُكِبَّه الله".
قال الحافظ: هو بفتح أوله وضم الكاف، يقال: أَكبَّ الرجلُ إذا أطرق، وكبَّه غيره إذا قلّبه، وهذا على خلاف القياس؛ لأن الفعل اللازم يتعدَّى بالهمزة، وهذا زيدت عليه الهمزة فقصر، أي عن التعدية.
وقد ذكر البخاري هذا في "كتاب الزكاة" فقال: يقال: أَكبَّ الرجلُ: إذا كان فعله غير واقع على أحد، فإذا وقع الفعل قلت: كَبَّه وكببته، وجاء نظير هذا في أحرُف يسيرة، منها: أَنْسلتُ رِيْشَ الطائر ونسلتُه، وأنزفتُ البحر ونزفتها، وحكى ابن الأعرابي في المتعدي "كبَّه وأكبَّه معًا"، انتهى.
стр. 8120
٤٦٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا محمَّدُ بْنَ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عن عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ رِجَالًا وَلَمْ يُعْطِ رَجُلًا مِنْهُمْ شَيْئًا. فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَعْطَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَلَمْ تُعْطِ فُلَانًا شَيْئًا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوْ مُسْلِمٌ" حَئى أَعَادَهَا سَعْدٌ ثَلَاثًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "أَوْ مُسْلِمٌ"، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إنِّي أُعْطِي رِجَالًا وَأَدعُ مَنْ هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُمْ لَا أُعْطِيهِ شَيْئًا مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا في النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ". [خ ٢٧، م ١٥٠، حم ١/ ١٧٦]
===
٤٦٨٤ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا محمد بن ثور، عن معمر، قال: وأخبرني الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه) سعد ابن أبي وقاص) قال: أعطى النبي ﷺ رِجالًا) كانوا من المؤلَّفة قلوبهم (ولم يُعطِ رجلًا منهم شيئًا) لأنه لم يكن من المؤلَّفة، بل من المؤمنين المهاجرين، (فقال سعد: يا رسول الله! أعطيتَ فلانًا وفلانًا، ولم تُعطِ فلانًا شيئًا، وهو مؤمن؟ ) وظَنَّ سعدٌ أن الأحق بالعَطاء مَنْ هو كامل الإيمان.
(فقال النبي ﷺ : أَوْ مسلمٌ؟ ) لأنك لم تُشاهدْ منه إلا الانقيادَ الظاهريَّ، وأما الاعتقاد الباطني لا سبيلَ لك إليه، فكيف تَشْهد به؟ (حتى أعادها سعدٌ ثلاثًا، والنبي ﷺ يقول: أَوْ مُسْلم).
(ثم قال النبي ﷺ : إني أُعطي رِجالًا وأدعُ مَنْ هو أحبُّ إليَّ منهم لا أعطيه شيئًا) لاعتمادي على إيمانه، وأُعطيهم (مخافةَ أن يُكَبّوا في النار) أي يَخِرّوا فيها (على وجوهِهم) إذا لم يُعطَوا، فلعلهم يرتدون عن الإِسلام. قال الحافظ (١): وفيه الرد على غلاة المرجئة في اكتفائهم في الإيمان بنطق اللسان.
стр. 8121
٤٦٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ, حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ, عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: وَقَالَ الزُّهْريُّ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ , قَالَ: نَرَى أَنَّ الإِسْلَامَ الْكَلِمَةُ, وَالإِيمَانَ الْعَمَلُ به.
٤٦٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, أَخْبَرَنِى عَنْ أَبِيهِ,
===
٤٦٨٥ - (حدثنا محمَّد بن عبيد، نا أبو ثور، عن معمر قال: وقال الزهري) في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (١) قال) الزهري: (نَرى) في معناه (أن الإِسلامَ الكلمةُ) أي النطق بالشهادتين (والإيمانَ العملُ به) من الاعتقاد وأعمال الجوارح.
٤٦٨٦ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة قال) شعبة: (واقدُ بن عبد الله) هو واقد بن محمَّد بن زيد بن عبد الله، نسب لجد أبيه، عن أبيه، عن ابن عمر حديث: "لا تَرجِعُوا بَعدِي كُفَّارًا"، وعنه شعبة، قاله أبو داود، عن أبي الوليد، عنه، وقال غندر: عن شعبة، عن واقد بن محمَّد، وسيأتي.
وقال الحافظ في واقد بن محمَّد: قال أحمد وأبو داود وابن معين: ثقة، وقال ابن معين مرة أخرى: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: لا بأس به، ثقة يحتج بحديثه، قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات"، انتهى (٢)، وهو مبتدأ خبره.
(أخبرني عن أبيه) وهو (٣) محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، روى عن العَبَادَلة الأربعة: جدَّه عبدِ الله، وابنِ عمرو، وابنِ عباس، وابنِ الزبير؛ وعنه بَنُوه الخمسة: عاصم، وواقد، وعمر، وأبو بكر، وزيد. قال أبو زرعة: ثقة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة، قلت: يحتجّ بحديثه؟ قال: نعم.
стр. 8122
أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ, عَنِ النبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». [خ ٦١٦٦, م ٦٦, ن ٤١٢٦, جه ٣٩٤٣, حم ٢/ ٨٧]
٤٦٨٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْفَرَ رَجُلًا مُسْلِمًا, فَإِنْ كَانَ كَافِرًا وَإِلَّا كَانَ هُوَ الْكَافِرَ». [خ ٦١٠٤, م ٦٠, حم ٢/ ٢٣]
===
(أنه سمع ابن عمر يحدث، عن النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال: لا تَرجِعوا بعدي كُفَّارًا يَضرِب بعضُكم رِقابَ بعضٍ).
قال الخطابي (١): هذا يتأول على وجهين، أحدهما: أن يكون معنى الكُفَّار المتكفرين بالسلاح، يقال: تَكفَّر الرجلُ بسلاحه: إذا لبسه، فكفّر به نفسَه، أي سَتَرَها. وأصل الكفر الستر. ويقال: سُمِّي الكافرُ كافرًا لستره نعمةَ الله عليه.
وقال بعضهم: معناه: لا ترجعوا بعدي فِرَقًا مختلفين يضرِب بعضُكم رِقابَ بعضٍ، فتكونوا في ذلك مُضاهين للكفار، فإن الكفار مُتَعادون يضرب بعضُهم رِقابَ بعض، والمؤمنون مُتآخون يحصن بعضهم دماء بعض، قاله الخطابي. ومناسبة الحديث بالباب في المعنى الثاني.
٤٦٨٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن فُضيل بن غَزْوان، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : أيما رجُلٍ مسلم أَكْفرَ رَجلًا مُسْلمًا) أي نَسَبَ الكفرَ إليه (٢)، (فإنْ كان كافرًا، وإلَّا) أي وإن لم يكن الرجلُ كافرًا (كان هو) أي المُكْفِر هو (الكافر) أي يخاف عليه شُؤم تكفيرِه ووَبالِه.
стр. 8123
٤٦٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ, حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ خَالِصٌ, وَمَنْ كَانَتْ (١) فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ (٢) فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ, وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ, وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ, وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». [خ ٣٤, م ٥٨, ن ٥٠٢٠, ت ٢٦٣٢, حم ٢/ ١٨٩]
===
٤٦٨٨ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا عبد الله بن نُمير، نا الأعمش، عن عبد الله بن مرَّة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسولُ الله ﷺ : أربع) أي أربعُ خِصال (مَنْ كُنَّ فيه فهو منافقٌ خالصٌ، ومَنْ كانتْ فيه خلَّة) أي خَصلة واحدة (منهنَّ كان فيه خَلَّة من نفاق حتى يَدَعها) أحدُها: (إذا حدَّث كذب)، وثانيها: (وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ) (٣)، وثالثها: (وإذا عاهَد غَدَر)، ورابعها: (وإذا خاصَم فَجَر) أي تكلَّم بالفحش والفجور والسَّبّ.
قال النووي: هذا الحديث عدّه جماعةٌ من العلماء مشكِلًا (٤)، من حيث إن هذه الخِصال قد تُوجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره. قال: وليس فيه إشكال، بل معناه صحيح، والذي قاله المحققون أن معناه أن هذه خصالُ نفاقٍ، وصاحبها شَبيه بالمنافقين في هذه الخصال، ومتخلِّق بأخلاقهم.
قلت (٥): ومحصل هذا الجواب: الحمل في التسمية على المجاز، أي صاحب هذه الخصال كالمنافق، وهو بناء على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر. وقد قيل في الجواب عنه: إن المراد بالنفاق نفاق العمل، وهذا ارتضاه القُرطبي، واستدل له يقول عمر ﵁ لحذيفة: هل تعلم فيّ شيئًا من
стр. 8124
٤٦٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الأَنْطَاكِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ (١) الْفَزَارِيُّ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ أَبِى صَالِحٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ, وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ, وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ,
===
النفاق؟ فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد نفاق العمل، ويؤيده وصفه بالخالص في الحديث، كذا في "الفتح" (٢).
٤٦٨٩ - (حدثنا أبو صالح الأنطاكي، نا أبو إسحاق الفَزاري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا يَزني الزَّاني (٣) حين يَزني وهو مؤمنٌ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن) كامل الإيمان أو محمول على المستحل، (ولا يَشرَب الخمرَ حين يشرَبُها وهو مؤمن).
قال الحافظ (٤): قيَّد نفىَ الإيمان بحالة ارتكابه لها، ومقتضاه أنه لا يستمِرّ بعد فراغه، هذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون المعنى أن زوال ذلك إنما هو إذا أقلع الإقلاعَ الكلي، وأما لو فرغ وهو مصِرٌّ على تلك المعصية فهو كالمرتكب، فيتّجِه أن نفي الإيمان عنه يستمر، انتهى.
وقال الحافظ (٥) في محل آخر: قال الترمذي بعد تخريج حديث أبي هريرة وحكايةِ تأويل: "لا يزنى الزاني وهو مؤمن": لا نعلم أحدًا كفّر أحدًا بالزنا والسرقة والشرب، يعني ممن يُعتدّ بخلافه، قال: وقد روي عن أبي جَعْفر -يعني الباقِر- أنه قال في هذا: خرج من الإيمان إلى الإِسلام، يعني أنه جعل
стр. 8125
وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ». [خ ٥٥٧٨, م ٥٧, ت ٢٦٢٥, ن ٤٨٧٠, جه ٣٩٣٦, حم ٢/ ٣٧٦]
٤٦٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ الرَّمْلِيُّ, حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ, أَخْبَرَنَا نَافِعٌ - يَعْنِى ابْنَ يَزِيدَ -, قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ, أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيَّ حَدَّثَهُ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا زَنَى الرَّجُلُ خَرَجَ مِنْهُ الإِيمَانُ كَانَ عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ, فَإِذَا انْقَلعَ (١) , رَجَعَ إِلَيْهِ الإِيمَانُ». [هب ٥٣٦٤, ك ١/ ٢٢]
(١٨) بابٌ في القدرِ
٤٦٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
===
الإيمان أخص من الإِسلام، فإذا خرج من الإيمان بقي في الإِسلام، وهذا يوافق قول الجمهور: إن المراد بالإيمان هنا كمالُه لا أصله، انتهى.
(والتوبةُ معروضة بعد) أي لو رجع عنها إلى الله سبحانه وتاب تاب اللهُ عليه.
٤٦٩٠ - (حدثنا إسحاق بن سُويد الرملي، نا ابن أبي مريم) أي سعيد بن الحكم، (أنا نافع -يعني ابن يزيد-، حدثني ابن الهاد، أن سعيد بن أبي سعيد المقبري حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ إذا زَنَى الرجلُ خرج منه الإيمان) أي نورُه وبَهاؤه وكمالُه (كانَ عليه كالظُّلَّة) أي كالسقْف والسَّحابة، (فإذا انقلع) أي من الزنا (رجع إليه الإيمان).
(١٨) (بابٌ في الْقَدَرِ) (٢)
٤٦٩١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا عبد العزيز بن