(٧٢) بابٌ في الْمَعَارِيضِ
٤٩٧١ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيُّ (١)، نَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَليدِ، عن ضُبَارَةَ بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِيِّ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عن أَبِيهِ، عن سُفْيَانَ بْنِ أَسِيْدٍ الْحَضْرَميِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدّق وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ". [ق ١٠/ ١٩٩]
===
(٧٢) (بَابٌ في الْمَعَاريضِ)
من التعريض (٢) وخلاف التصريح، وهو إمالة الكلام إلى ما هو غير ظاهر فيه
٤٩٧١ - (حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي، نا بقية بن الوليد، عن ضبارة) بن عبد الله (بن مالك) بن أبي السليك (الحضرمي)، ومنهم من ينسبه إلى جده، ومنهم من ينسبه إلى أبي السليك، وقيل: هم ثلاثة روى عن أبيه، وفرق ابن أبي عدي تبعًا للبخاري بين ضُبارة بن عبد الله بن أبي السليك فقال فيه: القرشي، وبين ضبارة بن مالك بن أبي السليك فقال فيه: الحضرمي، مجهول، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أبيه) مالك بن أبي السليك، (عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه) جبير بن نفير، (عن سفيان بن أَسِيد) بفتح الهمزة وكسر المهملة، ويقال: ابن أسد (الحضرمي)، له صحبة، روى عن النبي ﷺ هذا الحديث، قال أبو القاسم البغوي: لا أعلم له غيره، (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: كبُرَتْ خيانةً أن تحدِّث أخاك حديثًا هو لك به مصدِّق وأنث له به كاذبٌ) لأن هذا تغرير وخداع.
стр. 8402
(٧٣) بَابٌ في (١) "زَعَمُوا"
٤٩٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وكيعٌ، عن الأَوْزَاعِيِّ، عن يَحْيَى، عن أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ لأَبِي عَبْدِ الله، أَوْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لأَبِي مَسْعُودٍ: مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في زَعَمُوا؟ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زعَمُوا".
===
(٧٣) (بابٌ في "زَعموا ") (٢)
٤٩٧٢ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا وكيع، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة قال: قال أبو مسعود لأبي عبد الله) أي حذيفة (أو) للشك من الراوي (قال أبو عبد الله لأبي مسعود: ما سمعتَ رسولَ الله ﷺ يقول في زعموا؟ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: بئس مطية الرجل زعموا).
قال الخطابي (٣): أصل هذا: أن الرجل إذا أراد الظعن في حاجة، والمسير إلى بلد ركب مطيته، وسار حتى يبلغ حاجته، فشبه النبي ﷺ -ما يقدمه الرجل أمام كلامه ويتوصل (٤) به إلى حاجته من قوله: "زعموا" بالمطية التي يتوصل (٥) بها إلى الموضع الذي يؤمُّه ويقصده، وإنما يقال: "زعموا" في حديث لا سند له، ولا ثبت فيه، إنما هو شيء يحكى على الألسن على سبيل البلاغ، فذم النبي ﷺ -من الكلام (٦) ما كان هذا
стр. 8403
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو عَبْدِ اللهِ (١) حُذَيْفَةُ. [حم ٥/ ٤٠١]
(٧٤) بابٌ في الرَّجَلِ يَقُولُ في خُطْبَتِهِ: أَمَّا بَعْدُ (٢)
٤٩٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عن أَبي حَيَّانَ، عن يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ، عن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَهُمْ فَقَالَ: "أَمَّا بَعْدُ". [م ٢٤٠٨، دي ٣٣١٧، خزيمة ٢٣٥٧، حم ٤/ ٣٦٦]
===
سبيله، وأمر بالتثبت فيه والتوثق ما يحكيه من ذلك، فلا يرويه حتى يكون معزيًا إلى ثَبت، ومرويًا عن ثقة، وقد قيل: الراوية أحد الكاذبين (٣)، انتهى.
(قال أبو داود: أبو عبد الله) هو (حذيفة).
(٧٤) (بابٌ في الرجُلِ يَقُولُ في خُطْبَتِهِ: أَمَّا بَعْدُ) (٤)
٤٩٧٣ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا محمد بن فضيل، عن أبي حيان) بتشديد التحتانية، اسمه يحيى بن سعيد، (عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم: أن النبي ﷺ خطبهم) أي الصحابة (فقال) في خطبته: (أما بعد).
стр. 8404
(٧٥) بابٌ في الْكَرْمِ، وَحِفْظِ الْمَنْطِقِ
٤٩٧٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، أَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عن جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ الْكَرْمُ، فَإنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ، وَلَكِنْ قُولُوا حَدَائِقُ الأَعْنَابِ"، [خ ٦١٨٣، م ٢٢٤٧]
===
(٧٥) (بابٌ في الْكَرْمِ، وَحِفْظِ الْمَنْطِقِ)
٤٩٧٤ - (حدثنا سليمان بن داود، نا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: لا يقولنّ أحدكم) أي للعنب (الكَرْم، فإن الكرم الرجل المسلم) (١) يوسف به مبالغة، والكرم يطلق على العنب وشجره، (ولكن قولوا حدائق الأعناب).
قال ابن الجوزي: إنما نهى عن هذا، لأن العرب كانوا يسمونها كرمًا لما يدعون من إحداثها في قلوب الشاربين من الكرم، فنهى عن تسميتها لما تمدح به لتأكيد ذمها وتحريمها، وإن قلب المؤمن لما فيه من نور الإيمان أولى بذلك الاسم.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في "التقرير": قوله: "لا يقولن أحدكم الكرم": وكانت العرب في الجاهلية تعتقد أن الخمر تورث الكرم والسماحة، وتبعث شاربها على أكتساب الأخلاق الحسنة، وكان إطلاق لفظ الكرم عليها يوهم ذلك المعنى المعتقد عندهم بأن يكون من قبيل إسم إطلاق المسبب على السبب، فنهاهم عن ذلك صونًا لهم عن الإيهام، وإلا فاللفظ مشترك بين الصفة المعلومة والشجر المعروفة، وليس إطلاق الكرم على الشجرة بتلك المناسبة، والله أعلم.
стр. 8405
(٧٦) بَابُ لَا يَقُولُ الْمَمْلُوكُ: ربِّي، وَرَبَّتي
٤٩٧٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن (١) أَيُّوبَ وَحَبِيب بْنِ الشَّهِيدِ وَهِشَام، عن مُحَمَّدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَقُولَنَّ (٢) أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، وَلَا يَقُولَنَّ الْمَمْلُوكُ: رَبِّي وَرَبَّتِي، وَلْيَقُلِ الْمَالِكُ: فَتَايَ وَفَتَاتِي، وَلْيَقُلْ الْمَمْلُوكُ: سَيِّدِي وَسَيِّدَتِي، فَإنَّكُمُ الْمَمْلُوكُونَ، وَالرَّبُّ اللَهُ تَعَالَى". [حم ٢/ ٤٢٣، ٤٩١، ٥٠٨]
===
(٧٦) (بابُ لَا يقول الْمَمْلُوكُ) لمالكه: (رَبِّي، وَرَبَّتِي)
٤٩٧٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن أيوب وحبيب بن الشهيد وهشام، عن محمد) أي ابن سيرين، (عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لا يقولنّ أحدكم عبدي) دفعًا لتوهم الشركة في العبودية (وأمتي) فإن الأمة هي المملوكة، ولا ملك في الحقيقة إلَّا له سبحانه، قلت: وقد أطلق الله : ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٣)، فالنهي للتنزيه.
(ولا يقولن المملوك: ربي وربتي) لأن الربوبية صفة مختصة لله تعالى، والإنسان مربوب، فكره المضاهاة بالاسم لئلا يدخل في معنى الشرك، وأما الواقع في قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ (٤)، فهو شريعة من قبلنا، فيكره هذا الإطلاق.
(وليقل المالك: فتاي وفتاتي) والفتى: الشاب، والفتاة: الشابة، (وليقل المملوك: سيدي وسيدتي) لأن مرجع السيادة إلى معنى الرئاسة وحسن التدبير في المعيشة، ولذلك يسمى الزوج سيدًا، (فإنكم المملوكون) فلا ينبغي أن تسموا ربًّا (والرب الله تعالى).
стр. 8406
٤٩٧٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ في هَذَا الْخَبَرِ، وَلَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "وَلْيَقُلْ سَيّدِي وَمَوْلَايَ". [خ ٢٥٥٢، م ٢٢٤٩]
٤٩٧٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عن قَتَادة، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدة، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ (١)، فَإنَّهُ إنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبّكمْ ". [حم ٥/ ٣٤٦، والسنن الكبرى للنسائي ١٠٠٧٣]
===
٤٩٧٦ - (حدثنا ابن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن أبا يونس حدّثه، عن أبي هريرة في هذا الخبر، ولم يذكر النبي ﷺ ) بل أوقفه على أبي هريرة، (قال: وليقل: سيدي ومولاي) أي وذكر هذين اللفظين في محل: سيدي وسيدتي.
٤٩٧٧ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، نا معاذ بن هشام، حدثني أبي) أي هشام، (عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه) بريدة بن الحصيب (قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقولوا للمنافق: سيِّدٌ، فإنه إن يك سَيِّدًا (٢) فقد أَسْخَطْتُم رَبّكم .
نقل عن "اللمعات" (٣): قيل: معناه إن يك سيدًا وجبت طاعته، وذلك يكون موجبًا لسخط الرب تعالى، وحاصله: أن القول يكون المنافق سيدًا اعتراف بوجوب طاعته، وانقياده موجب لسخطه تعالى. وقيل: أراد أنكم بهذا القول أسخطتم ربكم، فوضع الكون موضع القول، وقيل: معناه إن يك سَيِّدًا- أي ذا مال وجاه دنيوي- أغضبتم الله، لأنكم عظمتم من لا يستحق التعظيم، وإن لم يكن كذلك فقد كذبتم.
стр. 8407
(٧٧) بَابٌ لَا يُقَالُ (١): خَبُثَتْ نَفْسِي
٤٩٧٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا (٢) ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عن أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عن أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلْيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي". [خ ٦١٨٠، م ٢٢٥١، والنسائي في الكبرى ١٠٨٩٠]
===
(٧٧) (باب لَا يُقَالُ: خَبُثَتْ (٣) نَفْسِي)
٤٩٧٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه) سهل بن حنيف، (أن رسول الله ﷺ -قال: لا يقولنّ أحدُكم: خَبُثَتْ نفسي، وليقل: لَقِسَتْ نفسي).
قال الخطابي (٤): لقست وخبثت معناهما واحد، وإنما كره من ذلك لفظ الخبث لبشاعة الاسم وشناعته (٥)، وعلّمهم الأدب في المنطق، وأرشدهم إلى استعمال الحسن وهجر القبيح (٦)، انتهي.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قوله: "خبثت نفسي"، إنما منعه لمجرد ما في اللفظ من التفحش والغلاظة، وكذلك "جاشت"، فإن فيه مبالغة فلا يفتقر إلى إطلاقه لحصول المدعى بأقل منه، والامتتاع عن الألفاظ الكريهة، والتي فيها نوع تطير مطلوب ومأمور به، انتهى.
стр. 8408
٤٩٧٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ -قالَ: "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: جَاشَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي". [خ ٦١٧٩، م ٢٢٥٠، حم ٦/ ٥١]
٤٩٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا شُعْبَةُ، عن مَنْصُورٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ يَسَارٍ، عن حُذَيْفَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ الله وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ الله ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ". [حم ٥/ ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨، هب ٥٢٢٢]
===
٤٩٧٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: لا يقولنّ أحدُكم: جاشت نفسي، ولكن ليقل: لَقِسَتْ نفسي) قال في "القاموس": جاشت النفس: غَثَت، أو دَارَتْ للغثيان.
٤٩٨٥ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، عن منصور، عن عبد الله بن يسار، عن حذيفة، عن النبي ﷺ -قال: لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان) لسوء الأدب وتوهم الإشراك، إذ مشيئة الله تعالى هي المشيئة، لا يعتبر في جنبها مشيئة العبد، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
(ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان) يعني إن كان لا بدّ تذكرون مشيئة العبد اعتبارًا بظاهر الأسباب العادية اذكروا ما يدل على تبعيتها وتأخرها عن مشيئة الله في الرتبة، ولا تذكروا بحيث يدل على مساواتها لها، وهذا في حق العامة، أما في حقه ﷺ فلا يجوز إلَّا التوحيد، ونهي أن يقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، بل ينبغي أن يقولوا: ما شاء الله وحده، وذلك لكونه ﵇ في غاية العبودية الحقيقية والتواضع بجناب عزة الله مستغرقًا في بحر التوحيد، وأيضًا لرفعة شأنه وعلو قدره يغلب توهم الإشراك فيه، كما يقول العامة:
стр. 8409
٤٩٨١ - (١) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، عن تَمِيمٍ الطَّائِيِّ، عن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: أَنَّ خَطِيبًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا، فَقَالَ: "قُمْ"، أَوْ قَالَ: "اذْهَبْ فَبِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ". [تقدَّم برقم ١٠٩٩]
٤٩٨٢ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بقِيَّةَ، عن خَالِدٍ - يَعْني ابْنَ عَبْدِ اللهِ-، عن خَالِدٍ - يَعْنِي الْحَذَّاءَ-، عن أَبِي تَمِيمَةَ، عن أَبِي الْمَلِيحِ، عن رَجُلٍ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ فَعَثَرَتْ دَابَّتُهُ، فَقُلْتُ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: "لَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيطَانُ، فَإنَّكَ إذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَعَاظَمَ (٢) حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْبَيْتِ، وَيَقُولُ: بِقُوَّتِي، وَلَكِنْ
===
ما شاء الله ورسوله، وما فعل الله ورسوله، كذا في "اللمعات" (٣).
٤٩٨١ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان بن سعيد، حدثني عبد العزيز بن رفيع، عن تميم) بن طرفة (الطائي، عن عدي بن حاتم: أن خطيبًا خَطَبَ عند النبي ﷺ -فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما، فقال) أي رسول الله ﷺ للخطيب: (قم، أو قال: اذهب فبئس الخطيب أنت)، وقد تقدم هذا الحديث بسنده ومتنه وشرحه في كتاب الجمعة في "باب الرجل يخطب على قوس".
٤٩٨٢ - (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد -يعني ابن عبد الله-، عن خالد -يعني الحذاء-، عن أبي تميمة، عن أبي المليح) بن أسامة، (عن رجل قال: كنت رديف النبي ﷺ فعثرت دابته، فقلت: تَعِسَ الشيطان، فقال: لا تقل تعس الشيطان، فإنك إذا قلت ذلك تَعَاظَمَ حتى يكون مثل البيت) لأن مثل هذا الكلام يوهم أن للشيطان دخلًا أوتصرفًا في مثل ذلك الأمر، (ويقولْ بقوّتي، ولكن
стр. 8410
قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإنَّكَ إذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ". [ن في الكبرى ١٠٣٨٩، حم ٥/ ٥٩، ٧١، ك ٤/ ٢٩٢]
٤٩٨٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ. (ح): وَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إذَا سَمِعْتَ"، وَقَالَ مُوسَى: "إذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهَلَكُهُمْ". [م ٢٦٢٣، حم ٢/ ٥١٧، ٤٦٥]
قَالَ أَبُو داوُدَ: قَالَ مَالِك: إذَا قَالَ ذَلِكَ تَحُزُّنًا لِمَا يَرَى في النَّاسِ - يَعْنِي في أَمْرِ دِينِهِمْ- فَلَا أَرَى بِهِ بَأسًا، وَإذَا قَالَ ذَلِكَ عُجْبًا بِنَفْسِهِ وَتَصَاغُرًا لِلنَّاسِ فَهُوَ الْمَكْرُوهُ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ.
===
قل: بسم الله، فإنك إذا قلت ذلك تَصَاغَرَ) أي صار حقيرًا ذليلًا (حتى يكون مثل الذباب).
٤٩٨٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، ح: وحدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) كلاهما (عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه) أبي صالح، (عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا سمعت) الرجل يقول: هلك الناس (وقال موسى) بن إسماعيل شيخ المصنف: (إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم) يحتمل أن يكون لفظ "أهلكهم" بصيغة الماضي بفتح الكاف، ويحتمل أن يكون بضم الكاف على صيغة اسم التفضيل (١).
(قال أبو داود: قال مالك: إذا قال ذلك) الكلام (تحزُّنًا لما يرى في الناس، يعني في أمر دينهم) أي: نقصًا وخللًا (فلا أرى به بأسًا، وإذا قال ذلك عجبًا بنفسه وتصاغرًا) أي: تحقيرًا (للناس فهو المكروه الذي نهي عنه)
стр. 8411
(٧٨) بابٌ في صلَاةِ الْعَتَمَةِ
٤٩٨٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا سُفْيَانُ، عن ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، أَلَا وَإنَّهَا الْعِشَاءُ، وَلَكِنَّهُمْ يَعْتِمُونَ بِالإبِلِ". [م ٦٤٤، ن ٥٤١ - ٥٤٢، جه ٧٠٤، حم ٢/ ١٠]
===
وتفسير مالك يدل على أن هذه الصيغة عنده على اسم التفضيل، وعلى احتمال كون الصيغة فعلًا ماضيًا معناه: أن الغالين الذين يؤيسون الناس من رحمة الله، يقولون: هلك الناس، أي استوجبوا النار بسوء أعمالهم، فإذا قال الرجل ذلك فهو الذي أوجبه لهم لا الله، أو هو الذي لما قاله لهم وآيسهم حملهم على ترك الطاعة والانهماك في المعاصي فهو أوقعهم في الهلاك، كذا في "المجمع" (١).
(٧٨) (بابٌ في صَلَاةِ الْعَتَمَةِ)
٤٩٨٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا سفيان، عن ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة) قال: (سمعت ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: لا تغلبنّكم الأعرابُ على اسم صلاتكم، ألا وإنها) في كتاب الله (العشاءُ) كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ (٢) (ولكنهم) أي الأعراب (يعتمون بالإبل) ولذا يسمون صلاة العشاء صلاة العتمة، فلا يغلبتكم الأعراب بأن تتركوا تسمية الله سبحانه، وتسموا بتسمية الأعراب.
وقال الخطابي (٣): قوله: "يعتمون" معناه يؤخرون حلب الإبل، ويسمون الصلاة باسم وقت الحلاب، ويقال: فلان عاتم القِرى: إذا كان نزل به الأضياف ولم يعجل قراهم، انتهى.
стр. 8412
٤٩٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ، عن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عن سِالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ - قَالَ مِسْعَرٌ: أَرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ -: لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ، فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ يَقُولُ: "يَا بِلَالُ، أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا". [حم ٥/ ٣٦٤]
٤٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا إسْرَائِيلُ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عن سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجعْدِ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّة
===
٤٩٨٥ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا مسعر بن كدام، عن عمرو بن مرّة، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال رجل، قال مسعر: أراه) أي أظن شيخي قال: (من خزاعة) من خزاعة صفة رجل (ليتني صليتُ فاسترحتُ) أي بالاشتغال في الصلاة لكونها مناجاة مع الرب تعالى، أو بالفراغ منها لاشتغال الذمة بها قبل الفراغ عنها، (فكأنهم عابوا ذلك عليه) لأن ظاهر الكلام يدل على أن الصلاة ثقيل عليه، وشاق به، فيطلب الاستراحة بعد دفعها.
(فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يا بلال أقم الصلاة أَرِحْنا بها) قال في "النهاية" (١): أي تستريح بأدائها من شغل القلب بها، وقيل: كان الاشتغال بالصلاة راحة [له]، فإنه كان يعدّ غيرها من الأعمال الدنيوية تعبًا، فكان يستريح بالصلاة لِمَا فيها من مناجاة الله تعالى، ولذا قال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة".
٤٩٨٦ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا إسرائيل، ثنا عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن محمد بن الحنفية) هو عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو هاشم، روى عن أبيه محمد بن الحنفية، وعن صهر له من الأنصار، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وكانت الشيعة
стр. 8413
قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبِي إلَى صِهرٍ لَنَا مِنَ الأَنْصَارِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَت الصَّلَاةُ، فَقَالَ لِبَعْضِ أَهْلِهِ: يَا جَارِيَةُ، ائْتُونِي بِوَضُوءٍ لَعَلِّي أُصَلِّي فَأَسْتَرِيْحَ، قَالَ: فَأَنْكَرْنَا ذَلِكَ عَلَيْهِ (١)، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَا بِلَالُ (٢)، أَقِمْ فَأَرِحْنَا بَالصَّلَاةِ". [حم ٥/ ٣٧١]
===
يلقونه وينتحلونه، وقال ابن عيينة عن الزهري: ثنا عبد الله والحسن ابنا محمد بن علي، وكان الحسن أرضاهما، وفي رواية: وكان الحسن أوثقهما، وكان عبد الله يجمع أحاديث السبائية، وقال العجلي: عبد الله والحسن ثقتان، وقال أبو أسامة: أحدهما مرجئ (٣)، والآخر شيعي، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(قال: انطلقت أنا وأبي إلى صهر لنا من الأنصار نعوده) من العيادة، (فحضرت الصلاة، فقال) الصهر الأنصاري، ومن العجائب ما قال صاحب "العون": فقال: أي علي بن أبي طالب، وهذا غلط صريح, لأن عليًّا ﵁ لم يكن موجودًا هناك، ولا رواية لعبد الله بن محمد عن علي بن أبي طالب، وقد صرح الحافظ في "التهذيب" بأن عبد الله بن محمد يروي عن صهره (لبعض أهله: يا جارية ائتوني بوَضوء) أي بماء الوضوء فأتوضأ (لَعَلّي أصلي فَأَسْتَرَيحَ، قال) عبد الله بن محمد: (فأنكرنا ذلك) الكلام (عليه، فقال) الأنصاري (٤): (سمعت رسول الله ﷺ -يقول: يا بلال، أقم فأرِحْنا بالصلاة).
стр. 8414
٤٩٨٧ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدٍ (١)، نَا أَبِي، نَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عن زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْسُبُ أَحَدًا إلَّا إلَى الدِّينِ".
(٧٩) بابٌ في ماَ رُوِيَ (٢) مِن (٣) الرُّخْصَةِ (٤) في ذَلِكَ
===
٤٩٨٧ - (حدثنا هارون بن زيد، نا أبي) زيد بن أبي الزرقاء، (نا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عائشة) ﵂ (قالت: ما سمعت رسول الله ﷺ ينسب أحدًا إلَّا إلى الدين).
قال المنذري (٥): هذا منقطع، زيد بن أسلم لم يسمع من عائشة ﵂، ويشبه أن يكون أبو داود ﵁ أدخل هذا الحديث في هذا الباب: "أنه ﷺ -لا ينسب أحدًا إلا إلى الدين"، ليرشدهم بذلك إلى استعمال الألفاظ الواردة في الكتاب الكريم، والسنَّة النبوية، ويصرفهم عن عبارات الجاهلية [كما فعل في العتمة]، والله أعلم، انتهى.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في "التقرير": قوله: "ينسب إلا إلى الدين"، يعني أن مطمح نظره ﷺ كان هو الدين، فكان ينسبهم في أسمائهم وأفعالهم وأحوالهم إلى الدين ويحملهم عليه، انتهى.
(٧٩) (بَابٌ في مَا روِيَ مِنَ الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ)
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم: أي في المبالغة في الكلام، وترك إرادة الظاهر إذا لم يلتبس المراد على المخاطب، وهذه الأبواب كلها من أدب
стр. 8415
٤٩٨٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أَنَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ، عن أَنِسٍ قَالَ: كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ فَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ (١) فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ، فَقَالَ: "مَا رَأَيْنَا شَيْئًا"، أَوْ "مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ، وَإنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا". [خ ٢٨٥٧، م ٢٦٢٧، ت ١٦٨٥، ١٦٨٦، ١٦٨٧، جه ٢٧٧٢، حم ٣/ ١٧٠]
(٨٠) بَابُ التَّشْدِيدِ في الْكَذِبِ
٤٩٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ.
===
الكلام، فذكر فيها ما لا ينبغي أن يذكره، ثم أتبعه في الرخصة في بعض ذلك، فافهم لتتبين الأمر، انتهى.
٤٩٨٨ - (حدثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: كان فَزَعٌ) أي خوف (بالمدينة، فركب النبي ﷺ فرسًا لأبي طلحة) وسبق إلى جهة الخوف، (فقال) ﷺ -لما رجع: (ما رأينا شيئًا) من الفزع والخوف (أو ما رأينا من فَزَعٍ، وإن) مخففة من المثقلة (وجدناه) أي الفرس (لَبَحرًا) أي جريه جري البحر، لا يتعب راكبه، أو إنه واسع الجري، قيل: كان الفرس قطوفًا، ولكن ببركة ركوبه ﷺ صار بحرًا، فأطلق لفظ البحر على الفرس، والمراد ظاهر.
(٨٠) (باب التَّشْدِيدِ في الْكَذِبِ) (٢)
٤٩٨٩ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا وكيع، أخبرنا الأعمش،
стр. 8416
(ح): وَنَا مُسَدّدٌ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، نَا الأَعْمَشُ، عن أَبِي وَائِل، عن عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإنَ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ، وَإنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا (١).
وَعَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ، وَإنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ. وإنَّ الرَّجُلَ لَيصدُقُ
===
ح: ونا مسدد، نا عبد الله بن داود، نا الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله) ابن مسعود (قال: قال رسول الله ﷺ : إياكم والكذبَ) أي اتقوا عنه، (فإن الكذبَ يهدي إلى الفجور، وإن الفجورَ يهدي إلى النار).
قال الخطابي (٢): أصل الفجور الميل عن الصدق، والانحراف إلى الكذب، ومنه قول الأعرابي في عمر بن الخطاب ﵁:
أَقْسَمَ بالله أبو حَفْصٍ عُمرْ ... ما إن بها (٣) من نَقَبٍ ولا دبَرْ
اغفر له اللهمَّ ... إن كان فَجَرْ
يريد إن كان مال عن الصدق.
(وإن الرجل ليكذِبُ ويتحرّى) أي يبالغ ويجتهد في (الكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا)، قال في "فتح الودود": الظاهر الكتابة في ديوان الأعمال، ويحتمل أن المراد إظهاره بين الناس بوصف الكذب، والصدق.
(وعليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر) أي: لعل الصدق بخاصيته يفضي إلى أعمال البر، أو المراد بالبر هو الصدق نفسه، (وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق
стр. 8417
ويتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا". [خ ٦٠٩٤، م ٢٦٠٧، ت ١٩٧١، حم ١/ ٣٨٤]
٤٩٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، نَا يَحْيَى، عن بَهْزِ بْنِ حَكِيم قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عن أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ -يَقُولُ ويَلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ (١) بِهِ الْقَوْمَ، ويلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ". [ت ٢٣١٥، دي ٢٧٠٤، حم ٥/ ٢، ٥، ٧]
٤٩٩١ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ، نَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ مَوَالِي عَبْدِ اللَّهِ بْني عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ الْعَدَوي حَدَّثَهُ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: دَعَتْنِي أمّي يَوْمًا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَاعِدٌ في بَيْتِنَا، فَقَالَتْ: هَا (٢) تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَمَا أَرَدتِ
===
ويتحرّى) أي يجتهد ويقصد (الصدق حتى يكتب عند الله صِدِّيقًا).
٤٩٩٠ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، نا يحيى، عن بهز بن حكيم) بن معاوية (قال: حدثني أبي) أي حكيم بن معاوية، (عن أبيه) أي معاوية بن حيدة (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ويل للذي يحدّث فيكذبُ ليُضْحِكَ به القومَ، ويلٌ له، ويل له).
والحاصل: أن الكذب حرام، ولم يرخص إلَّا في مواقع الضرورة كما تقدم في الرواية, وأما ليضحك الناس فلا ضرورة فيه للكذب، بل لا فائدة فيه، فهذا الكذب أشدّ حرمة في أنواعه، فاستحق الويل.
٤٩٩١ - (حدثنا قتيبة، نا الليث، عن ابن عجلان، أن رجلًا من موالي عبد الله بن عامر بن ربيعة العدوي حدّثه، عن عبد الله بن عامر أنه قال: دعتني أمي يومًا، ورسول الله ﷺ قاعد في بيتنا، فقالت) أمي لي: (ها) للتنبيه، أو اسم فعل بمعنى خذ (تعال أعطيك) أي شيئًا، (فقال لها رسول الله ﷺ : وما أردت
стр. 8418
أَنْ تُعْطِيهِ؟ "، قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله ﷺ "أَمَا إنَّكِ لوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَة". [حم ٣/ ٤٤٧]
٤٩٩٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبةُ. (ح): وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، نَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، نَا (١) شُعْبَةُ، عن خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن حَفْصِ بْنِ عَاصِم- قَالَ ابْنُ حُسَيْنٍ (٢): عن أَبِي هُرَيْرَةَ-، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "كفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ". [ك ١/ ١١٢]
===
أن تعطيه؟ ) أي: أيّ شيء تعطيه؟ (قالت: أعطيه تمرًا، فقال لها رسول الله ﷺ أما إنك لو لم) تكن أردت أن (تعطيه شيئًا كُتِبَتْ عليك كذبة).
قال في "اللمعات" (٣): فيه أن ما يتفوه به الناس للأطفال عند البكاء مثلًا بكلماتِ هزلًا أو كذبًا بإعطاء شيء أو بتخويف من شيء، حرام داخل في الكذب.
٤٩٩٢ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، ح: ونا محمد بن الحسين) بن إشكاب، (نا علي بن حفص، نا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، قال ابن حسين) شيخ المصنف: (عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: كفي بالمرء إثمًا أن يحدِّث بكلِّ ما سَمِعَ)، لأنه إذا تحدث بكلّ ما سَمِعَ لم يخلص من الكذب، وهذا زجر عن التحديث بشيء لم يعلم صدقه، بل على الرجل أن يبحث في كلِّ ما سمع من الحكايات والأخبار، خصوصًا من أحاديث رسول الله ﷺ حتى يعلم صدقه من كذبه.
стр. 8419
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يَذْكُرْ حَفْصٌ أَبَا هُرَيْرَةَ (١).
(٨١) بَابٌ في حُسْنِ الظَّنِّ
٤٩٩٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ. (ح): وَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، عن مُهَنَّا أَبِي شِبْلٍ (٢) - وَلَمْ أَفْهَمْهُ جَيِّدًا مِنْهُ-. عن حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، عن شتَيْرٍ - قَالَ نَصْرٌ: شُتَيْرُ بْنُ نَهَّارٍ -،
===
(قال أبو داود: لم يذكر حفص) بن عمر شيخ المصنف (أبا هريرة) فرواه حفص مرسلًا، وروى محمد بن الحسين مسندًا.
(٨١) (بَابٌ في حُسْنِ الظَّنِّ)
٤٩٩٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، ح: ونا نصر بن علي، عن مُهَنّا أبي شبل) قال أبو داود: (ولم أفهمه) أي الحديث (جيّدًا منه) أي من نصر بن علي، (عن حماد بن سلمة) أي كلاهما عن حماد بن سلمة، (عن محمد بن واسع، عن شُتَيْر) وهذا قول موسى بن إسماعيل (قال نصر) بن علي شيخ المصنف: (شُتَيْر بن نهار) بضم المعجمة وفتح المثناة الفوقية مصغّرًا، ونهار بفتح النون وتشديد الهاء، عن أبي هريرة حديث "حسن الظن من العبادة"، وعنه محمد بن واسع فيما قاله حماد بن سلمة، وقال غيره: عن محمد بن واسع عن سمير بن نهار، قال البخاري: قال لي محمد بن بشار عن ابن مهدي: ليس أحد يقول شتير إلَّا حماد بن سلمة.
قلت: الاختلاف الواقع بين موسى بن إسماعيل، ونصر بن علي شيخي المصنف ليس في لفظ شتير وسمير، لأن روايتهما بواسطة حماد بن سلمة،
стр. 8420
عن أَبِي هُرَيْرَةَ- قَالَ نَصْرٌ: عن النَّبِيِّ ﷺ - قَالَ: "حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ" (١). [حم ٢/ ٢٩٧، حب ٦٣١، ك ٤/ ٢٤١]
٤٩٩٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيِّ، عن عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عن صَفِيَّةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعْتَكِفًا، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ فَقُمْتُ فَانْقَلَبْتُ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي- وَكَانَ مَسْكَنُهَا في دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ - فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصارِ،
===
ولكن الاختلاف بينهما بأن موسى بن إسماعيل قال: شتير فقط، ونصر بن علي زاد اسم أبيه فقال: شتير بن نهار.
(عن أبي هريرة، قال نصر: عن النبي ﷺ ) أي أسنده نصر وأوقفه موسى بن إسماعيل (قال: حسن الظن من حسن العبادة).
قلت: أما حسن الظن بالله تعالى بأن يعمل أعمالًا صالحة فيحسن الظن بالله سبحانه بأن يتقبله، ويعفو عنه ما قصر فيه، فهو من العبادة، وأما حسن الظن بالناس، فإن كان في موقع حفظ المال فليس هو من العبادة، بل هو خلاف الحذر والاحتياط، وأما إن كان في المحل الخالي عن الاحتياط، فيمكن أن يدخل في العبادة, لأن سوء الظن إذا لم يكن فيه فائدة فهو إثم.
٤٩٩٤ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن صفية) أم المؤمنين (قالت: كان رسول الله ﷺ -معتكفًا) في المسجد (فأتيتُه) في المسجد في معتكفه (أزورُه ليلًا فَحَدَّثْتُه) بالأحاديث (فقمتُ فانقلبتُ، فقام معي) إلى جانب المسجد (لِيَقْلِبَنِي) أي ليردّني إلى بيتي، (وكان مسكنُها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار).
стр. 8421
فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولَ اللهِ (١) ﷺ أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَى رِسْلِكُمَا، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ" قَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، فَخَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَيْئًا" أَوْ قَالَ: "شَرًّا". [تقدَّم برقم ٢٤٧٠]
===
قال الحافظ (٢): لم أقف على تسميتها في شيء من كتب الحديث، إلَّا أن ابن العطار في "شرح العمدة" زعم أنهما: أسيد بن حضير وعباد بن بشر، ولم يذكر لذلك مستندًا.
(فلما رأيا رسولَ الله ﷺ ) ورأيا معه امرأةً (أَسْرَعَا) في المشي، ولما رأى ﷺ إسراعهما في المشي (فقال النبي ﷺ ) لهما: (على رِسْلِكُما) أي: قِفا ولا تَعْجَلا، (إنها) أي التي معي (صفية بنت حيي) زوجتي (قالا: سبحان الله يا رسول الله) أنظن بك الظنّ السوء وقد آمنّا بك، (قال) ﷺ : (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) أي في قلبه (فخشيتُ أن يقذف في قلوبكما شيئًا، أو قال: شرًّا).
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم في "التقرير": أراد المؤلف بإيراد هذه الرواية بهذا الباب التنبيه على أنه كما يجب على المرء إحسان الظن بغيره، فكذلك يجب عليه التحرز عن ارتكاب ما يسوء به ظن غيره، كما فعله النبي ﷺ ، حيث برأ نفسه من التهمة مع ما له من شرف المرتبة، فكيف بغيره؟ وعلى هذا فيكون مؤدى هذه الرواية مؤدى قوله ﷺ : "اتقوا مواضع التهم" (٣).
стр. 8422
(٨٢) بَابٌ في الْعِدَةِ
٤٩٩٥ - حَدَّثَنَا (١) ابْنُ الْمُثَنَّى، نَا أَبُو عَامِرٍ، نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، عن أَبِي النُّعْمَانِ، عن أَبِي وَقَّاصٍ، عن زيدِ بْنِ أَرْقَمَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إذَا وَعَدَ الرَّجُلُ أَخَاهُ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَفِيَ لَهُ فَلَمْ يَفِ، وَلَمْ يَجِئْ لِلْمِيعَادِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ". [ت ٢٦٣٣، ق ١٠/ ١٩٨]
٤٩٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى (٢) النَّيْسَابُورِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ
===
(٨٢) (بَابٌ في الْعِدَةِ)، أي: الوعد
٤٩٩٥ - (حدثنا ابن المثنى، نا أبو عامر، نا إبراهيم بن طهمان، عن علي بن عبد الأعلى، عن أبي النعمان) عن أبي وقاص، عن زيد بن أرقم في الميعاد، قال الترمذي: مجهول، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقال أبو حاتم: مجهول، (عن أبي وقاص) عن زيد بن أرقم وسلمان الفارسي، وعنه أبو النعمان، قال أبو حاتم: مجهول، (عن زيد بن أرقم، عن النبي ﷺ قال: إذا وَعَدَ الرجلُ أخاه ومن نيته أن يَفِيَ له فلم يَفِ) لعذر (ولم يجئ للميعاد فلا إثم عليه).
قال في "اللمعات" (٣): فيه دليل على أن الوفاء بالوعد ليس بواجب شرعي، بل هو من مكارم الاْخلاق بعد أن كان نيته الوفاء، وأما جعل الخلف في الوعد من علامات النفاق فمعناه الوعد على نية الخلف، وقيل: الخلف في الوعد من غير مانع حرام، وهو المراد ها هنا، وكان الوفاء بالوعد مأمورًا به في الشرائع السابقة.
٤٩٩٦ - (حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، نا محمد بن
стр. 8423
سِنَانٍ، نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عن بُدَيلٍ، عن عَبْدِ الْكَرِيمِ، عن (١) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَمْسَاءِ قَالَ: بَايعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِبَيْعٍ قَبْلِ أَنْ يُبْعَثَ، وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّة، فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتيَهُ بِهَا في مَكَانِهِ، فَنَسِيتُ، فَذكَرْتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَجِئْتُ فَإذَا هُوَ في مَكَانِهِ، فَقَالَ: "يَا فَتَى، لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ، أَنَا هَهُنَا مِنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُكَ". [ق ١٠/ ١٩٨]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: هَذَا عِنْدَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ
===
سنان، نا إبراهيم بن طهمان، عن بديل، عن عبد الكريم) بن عبد الله بن شقيق العقيلي، روى عن أبيه حديث عبد الله بن أبي الحمساء في مبايعة النبي ﷺ ، (عن عبد الله بن شقيق) العقيلي، (عن أبيه، عن عبد الله بن أبي الحمساء) العامري، له صحبة، سكن البصرة، وقيل: مصر، له حديث واحد، مختلف في إسناده، رواه أبو داود من حديث بديل بن ميسرة، عن عبد الكريم، عن عبد الله بن شقيق، عن أبيه عنه، وقيل: عن عبد الكريم بن عبد الله بن شقيق عن أبيه عنه، وهو الصواب، قال أبو بكر البزار: والأول خطأ, لأن شقيق والد عبد الله جاهلي، لا أعلم له إسلامًا.
(قال: بايعت النبي ﷺ ببيع) أي اشتريت منه شيئًا (قبل أن يبعث) للرسالة إلى الناس (وَبَقِيَتْ له) أي لرسول الله ﷺ (بقِيَّةٌ) أي شيء من ثمن المبيع عليّ، (فوعدتُه أن آتيَه بها) أي بما بقي عليّ (في مكانه) الذي كان فيه رسول الله ﷺ ، (فنسيت، فذكرتُ بعد ثلاث) أي بعد مُضِيِّ ثلاث ليال، (فجئت فإذا هو في مكانه) الضمير للنبي ﷺ أو للبيع (فقال) النبي ﷺ : (يا فتًى، لقد شَقَقْتَ عليّ) أي: أوقعت المشقة، (أنا ها هنا منذ ثلاثٍ) على حسب الوعد (أنتظرك).
(قال أبو داود: قال) شيخي (محمد بن يحيى: هذا عندنا عبد الكريم بن
стр. 8424
عبْد اّلله بن شقيقَ (١).
(٨٣) بَابٌ فِيمَن يَتَشَبَّعُ (٢) بِمَا لَمْ يُعْطَ
٤٩٩٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي جَارَةً- تَعْنِي ضَرَّةً- هَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إنْ تَشَبَّعْتُ لَهَا بِمَا لَمْ يُعْطِ زَوْجِي؟ قَالَ: "الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ (٣)
===
عبد الله بن شقيق). ولكن قال شيخي محمد بن سنان: عن عبد الكريم، عن عبد الله بن شقيق، عن أبيه، قلت: يمكن تأويله بأن يكون عن أبيه بدلًا عن عبد الله بن شقيق.
(٨٣) (بابٌ فِيمَنْ يَتَشَبَّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ)
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم: قوله: "المتشبع بما لم يعط"، والكراهة فيه إذا كانت فيه مضرة كما فيما نحن فيه، فأما إذا تضمن إصلاح ذات البين أو التحديث بإنعام الزوج أو غيره ليكون شكرًا أو مدحًا فليس فيه كثير ضرر، نعم يستحب الاكتفاء بالتورية وترك صريح الكذب.
٤٩٩٧ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، أن امرأة) لم أقف على تسميتها (قالت: يا رسول الله، إن لي جارة - تعني ضرة- هل عليَّ جُنَاحٌ إن تَشَبَّعْتُ لها بما لم يُعطِ زوجي؟ ) أي أظهرت أنه أعطاني وما أعطانيه (قال) ﷺ : (المُتَشَبِّعُ بما لم يعط
стр. 8425
كَلَابِسٍ (١) ثَوبَي زُورٍ". [خ ٥٢١٩، م ٢١٣٠، حم ٦/ ٣٤٥]
(٨٤) بَابُ مَا جَاءَ في الْمُزَاحِ
===
كلابس ثَوْبَي زُوْرٍ) أي كمن يلبس ثياب الزهد ويظهر التخشع وليس بزاهد، وكمن يلبس الثياب الحسنة ليصدق في شهادة الزور ولا ترد شهادته، فالتثنية باعتبار أن العرب كانوا يلبسون الإزار والرداء.
وقال في "النهاية" (٢): المشكل من هذا الحديث تثنية ثوب، معناه: أن الرجل يجعل لقميصه كُمَّين، أحدهما فوق الآخر لِيُرِيَ أن عليه قميصين، وهما واحد، وهذا إنما يكون فيه أحد الثوبين زورًا لا الثوبان، والأحسن أن يقال: إن المتشبع بما لم يعط: هو أن يقول: أعطيت كذا لشيء لم يعطه، فأما إنه يَتَّصف بصفات ليست فيه، يريد أن الله تعالى منحه إياها، أو يريد أن بعض الناس وصله بشيء خصّه به، فيكون بهذا القول قد جَمع بين كَذِبَين، أحدهما اتّصافه بما ليس فيه، أو أخذه (٣) ما لم يأخذه، والآخر الكذب على المعطي هو الله تعالى، أو الناس، وأراد بثوبي الزور هذين الحالين الَّذَين ارتكبهما واتَصفَ بهما، والثوب يطلق على الصفة المحمودة [والمذمومة، وحينئذ يصح التشبيه في التثنية] لأنه شبّه اثنين باثنين.
(٨٤) (باب مَا جَاءَ في الْمُزَاحِ) (٤)
стр. 8426
٤٩٩٨ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَنَا خَالِدٌ، عن حُمَيْدٍ، عن أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ احْمِلْنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ" (١)، قَالَ: وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ (٢)؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَهَلْ تَلِدُ الإبِلَ إلَّا النُّوقُ". [ت ١٩٩١، تم ٢٤٨، حم ٣/ ٢٦٧]
٤٩٩٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نَا حَجَّاجُ بْنُ مُحمدٍ، نَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إسْحَاق (٣) عن الْعَيْزَارِ بْنِ حُرَيْثٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِير قَالَ: استَأذَنَ أَبُو بَكْرٍ
===
قال في "المجمع" (٤): بالضم اسم، وبالكسر مصدر، وقال في "القاموس": مَزَحَ كمنع، مَزْحًا ومُزاحةً ومُزاحًا بضمهما، وهما اسمان: دَعَبَ.
٤٩٩٨ - (حدثنا وهب بن بقية، أنا خالد، عن حميد، عن أنس: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله احملني) أي أعطني حمولة أركبها، (فقال النبي ﷺ : إنا حاملوك على ولد ناقة، قال) الرجل: (وما أصنع بولد الناقة؟ ) فإنه توهم على ما هو متعارف أن ولد الناقة هو الصغير لا يصلح للركوب، (فقال النبي ﷺ : وهل تلد الإبل إلَّا النوق) فكل إبل ولد الناقة، وكان قوله ﷺ : "إنا حاملوك على ولد الناقة" بطريق المزاح والمداعبة (٥).
٤٩٩٩ - (حدثنا يحيى بن معين، نا حجاج بن محمد، نا يونس بن إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر
стр. 8427
عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعَ صَوْتَ عَائِشَةَ عَالِيًا، فَلَمَّا دَخَلَ تَنَاوَلَهَا لِيَلْطِمَهَا، وَقَالَ: لَا أَرَاكِ تَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَ النَّبِيّ ﷺ يَحْجُزُهُ، وَخَرَجَ أَبُو بَكر مُغْضِبًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ حينَ خَرَجَ أَبُو بَكْر: "كَيْفَ رَأَيْتِنِي أَنْقَذْتُكَ مِنَ الرَّجُلِ؟ "، قَالَ: فَمَكَثَ أَبُو بَكْرٍ أَيَّامًا، ثمَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَهُمَا قَدِ اصْطَلَحَا، فَقَالَ لَهُمَا: أَدْخِلَانِي في سِلْمِكُمَا كَمَا أَدْخَلْتُمَانِي في حَرْبِكُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قَدْ فَعَلْنَا، قَدْ فَعَلْنَا". [حم ٤/ ٢٧١]
٥٠٠٠ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ، عن بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عن أَبِي إدْرِيس الْخَوْلَانِيِّ، عن عَوْفِ بْنِ مَالِك الأَشْجَعِيِّ قَالَ: أَئَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهُوَ في قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ وَقَالَ: "اُدْخُلْ"، فَقُلْتُ:
===
على النبي ﷺ ) في بيته (فسمع صوت عائشة) ﵂ (عاليًا، فلما دخل تناولها) أي أخذ عائشة (لِيَلْطِمَها) أي ليضربها باليد على وجهها، (وقال: ألا أراكِ ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ ، فجعل النبي ﷺ يَحْجُزُه) أي يمنعه من أن يلطمها.
(وخرج أبو بكر مغضبًا) على عائشة (فقال النبي ﷺ مزاحًا (حين خَرَجَ أبو بكر: كيف رأيتني أَنْقَذْتُكِ) أي خلصتك (من الرجل؟ ) والمزاح في إطلاق لفظ الرجل على أبي بكر (قال: فمكث أبو بكر أيامًا، ثم استأذن على رسول الله ﷺ فوجدهما قد اصطلحا) وتراضيا، (فقال) أبو بكر (لهما: أدخلاني في سِلْمِكُمَا كما أدخلتماني في حربكما، فقال النبي ﷺ : قد فعلنا، قد فعلنا).
٥٠٠٠ - (حدثنا مؤمل بن الفضل، نا الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: أتيت رسول الله ﷺ في غزوة تبوك وهو في قُبَّةٍ) أي خيمة صغيرة (من أدم، فسلّمت عليه فردّ وقال) أي النبي ﷺ : (اُدْخُلْ، فقلت:
стр. 8428
أَكُلِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "كُلُّكَ". فَدَخَلْتُ. [خ ٣١٧٦، جه ٤٠٤٢، حم ٦/ ٢٧]
٥٠٠١ - حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، نَا الْوَلِيدُ، نَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ قَالَ: إنَّمَا قَالَ: أَدْخُلُ كُلِّي مِنْ صِغَرِ الْقُبةِ. [ق ١٠/ ٢٤٨]
٥٠٠٢ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ، نَا شَرِيكٌ، عن عَاصِمٍ، عن أَنِسٍ قَالَ: قَالَ لِي النبيُّ (١) ﷺ : "يَا ذَا الأُذُنَيْنِ". [ت ١٩٩٢، تم ٢٤٥، حم ٣/ ١١٧، ١٢٧، ٢٤٢، ٢٦٠، ق ١٠/ ٢٤٨]
(٨٥) بَابُ مَنْ يأْخُذ الشَّيءَ مِنْ مُزَاحٍ (٢)
٥٠٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، نَا يَحْيَى. (ح): وَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ
===
أَكلِّي يا رسول الله؟ ) أي أدخل كلي، كأنه أشار إلى صغر الخيمة، كأنه لا يسع أن أدخل كلّي (قال: كُلّك، فدخلت) فكان ها هنا المزاح من عوف بن مالك، فكما كان رسول الله ﷺ يمازح أصحابه كذلك كان الصحابة يمازحونه.
٥٠٠١ - (حدثنا صفوان بن صالح، نا الوليد، نا عثمان بن أبي العاتكة قال: إنما قال: أَدْخُلُ كلِّي من) أجل (صِغَرِ القبَّةِ) أي الخيمة.
٥٥٠٢ - (حدثنا إبراهيم بن مهدي، نا شريكُ، عن عاصم، عن أنس قال: قال لي النبي ﷺ : يا ذا الأذنين) قال ذلك مزاحًا، وإلَّا فكل إنسان صاحب الأذنين، وفيه مدح لأنس بتيقظه في الاستماع وتنبهه.
(٨٥) (بَابُ مَنْ يَأْخُذ الشَّيءَ مِن) أي: لأجل (مُزَاحٍ)
٥٠٠٣ - (حدثنا محمد بن بشار، نا يحيى، ح: ونا سليمان بن
стр. 8429
عَبْدِ الرَّحْمنِ الدّمَشْقِيُّ، نَا شُعَيْبُ بْنُ إسْحَاقَ، عن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِب بْنِ يَزِيدَ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ (١) ﷺ يَقُولُ: "لَا يَأخُذَنًّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا جَادًّا (٢).- وَقَالَ سُلَيْمَانُ: لَعِبًا وَلَا جِدًّا-، وَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا". لَمْ يَقُل ابْنُ بَشَّارٍ: ابْنَ يَزِيدَ، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . [ت ٢١٦٠]
٥٠٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، نَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عن الأَعْمَشِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ:
===
عبد الرحمن الدمشقي، نا شعيب بن إسحاق، عن ابن أبي ذئب، عن عبد الله بن السائب بن يزيد، عن أبيه) السائب، (عن جده) يزيد بن سعيد، (أنه سمع النبي ﷺ يقول: لا يأخذن (٣) أحدكم متاعَ أخيه لاعبًا (٤) جادا) أي لاعبًا في الحال، وجادًّا في المآل، (وقال سليمان: لَعِبًا ولا جِدًّا، ومن أخذ عصا أخيه فليردّها) أي إليه، لأن مال الغير وإن كان حقيرًا لا يحل أخذه.
(لم يقل) محمد (بن بشار: ابن يزيد) وقال: عن عبد الله بن السائب فقط (وقال: قال رسول الله ﷺ ) أي قال: عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ .
٥٠٠٤ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا ابن نمير، عن الأعمش، عن عبد الله بن يسار، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:
стр. 8430
حَدَّثنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ (١)، فَفزعَ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا". [حم ٥/ ٣٦٢، ق ١٠/ ٢٤٩]
(٨٦) بَابُ مَا جَاءَ في التَّشَدُّقِ في الْكَلَامِ
٥٠٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ (٢)، نَا نافِعُ بْنُ عُمَرَ، عن بِشْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ الله يُبْغِضُ الْبَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ تَخَلُّلَ (٣) الْبَاقِرَةِ بِلِسَانِهَا". [ت ٢٨٥٣، حم ٢/ ١٦٥]
===
حدثنا أصحاب محمد ﷺ أنهم كانوا يسيرون مع النبي ﷺ ، فنام رجل منهم، فانطلق بعضُهم إلى حَبْلٍ معه فأخذه) أي الحبل، فلما انتبه من النوم ولم ير الحبل، (فَفَزعَ) أي الرجل (فقال النبي ﷺ : لا يحل لمسلم أن يُرَوِّعَ مسلمًا) والمراد بالفزع الذعر، فلا يحل لمسلم أن يفزع مسلمًا ولو هازلًا.
(٨٦) (بَابُ مَا جَاءَ في التَّشَدُّقِ في الْكَلَامِ)
التشدق: التكلف في الكلام، أو الكلام بملء فيه
٥٠٠٥ - (حدثنا محمد بن سنان، نا نافع بن عمر، عن بشر بن عاصم، عن أبيه، عن عبد الله) وفي نسخة على الحاشية: قال أبو داود: هو عبد الله بن عمرو، (قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله يُبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها).
стр. 8431
٥٠٠٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن الضَّحَاكِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الْكَلَام لِيَسْبِيَ بِهِ قُلُوبَ الرِّجَالِ أَوِ النَّاسِ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّه مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًّا وَلَا عَدْلًا".
٥٠٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا،
===
قال المنذري (١): هو الذي يتشدق في الكلام ويفخِّم به لسانه [ويلفه] كما تلف البقرة الكلأ بلسانها، والمراد أن المبغوض والمذموم هو المبالغة في الكلام على التكلف والتصنع، وأما إذا كانت البلاغة خلقيًّا فلا يدخل في الذم.
٥٠٥٦ - (حدثنا ابن السرح، نا ابن وهب، عن عبد الله بن المسيب، عن الضحاك بن شرحبيل، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من تَعَلَّمَ صرف الكلام) هو ما يتكلف الإنسان من الزيادة في الكلام من وراء الحاجة، ضبطه الناجي في حاشية "الترغيب والترهيب" بكسر الصاد، ومقتضى "النهاية" (٢) و"القاموس" أنه بفتح الصاد (لِيَسْبِيَ به قلوبَ الرجال أو) للشك من الراوي (الناس، لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا) قيل: هما النافلة والفريضة، وقيل: الصرف التوبة، والعدل: الفدية.
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم في "التقرير": قوله: "ليسبي به القلوب"، فأما لو نوى فيه أن يؤثر كلامه ووعظه في سبيل الله خالصًا فلا ضير.
٥٠٠٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر أنه قال: قدم رجلان من المشرق فخطبا،
стр. 8432
فَعَجِبَ النَّاسُ- يَعْنِي لِبَيَانِهِمَا-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا" أَوْ، "إنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ". [خ ٥٧٦٧، ت ٢٠٢٨، حم ٢/ ١٦، ط ٢/ ٩٨٦]
٥٠٠٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَهْرَانِيُّ، أَنَّهُ قَرَأَ في أَصْلِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، وَحَدَّثَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسمَاعِيلَ
===
فعجب الناس - يعني لبيانهما-، فقال رسول الله ﷺ : إن من البيان (١) لسحرًا أو) للشك من الراوي (إن بعض البيان لسحر).
نقل في الحاشية عن "اللمعات" (٢): نقل الطيبي من الميداني أن الرجلين أحدهما الزبرقان بن بدر، وثانيهما عمرو بن رهتم (٣)، وقصتهما أن الزبرقان تفاخر في فضائله بكلمات فصيحة، وأجابه عمرو، ونسبه إلى اللوم بكلام بليغ، وقال الزبرقان: والله يا رسول الله إنه قد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم بذلك إلا الحسد، فأجابه عمرو ثانيًا بما هو أبلغ من الأول.
وفي "إحياء العلوم" (٤): مدحه يومًا، ثم ذمه يومًا آخر، فقال رسول الله ﷺ : ما هذا؟ قال: لقد صدقت فيما قلت أولًا، وما كذبت فيما قلت ثانيًا، هو أرضاني أمس فقلت أحسن ما علمت فيه، وأغضبني اليوم فقلت أقبح ما وجدت فيه، فقال رسول الله ﷺ : "إن من البيان لسحرًا"، يعني بعض البيان بمشابهة السحر في صرف القلوب، وإمالتها إلى الباطل، وظاهر سياق القصة أنه ذمه على تشدق اللسان، وتلون الكلام تارة فتارة، انتهى.
٥٠٠٨ - (حدثنا سليمان بن عبد الحميد البهراني، أنه قرأ في أصل إسماعيل بن عياش، وحدّثه) أي سليمان (محمد بن إسماعيل
стр. 8433
ابْنُهُ (١) قَالَ: حَدَّثَنِي أَبي قَالَ: حَدَّئَنِي ضَمْضَمٌ، عن شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: ثَنَا أَبُو ظَبْيَةَ، أَنًّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ يَوْمًا- وَقَامَ رَجُلٌ فَأَكْثَرَ الْقَوْلَ-، فَقَالَ عَمْرٌو: وَلَوْ قَصَدَ (٢) في قَوْلِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ، سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَقَدْ رَأَيْتُ أَوْ أُمِرْتُ أَنْ أَتَجَوَّزَ في الْقَوْلِ، فَإنَّ الْجَوَازَ هُوَ خَيْرٌ". [هب ٤٩٧٥]
(٨٧) بَابُ مَا جَاء فِي الشِّعْرِ
٥٠٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا شعْبَةُ، عن الأَعْمَشِ،
===
ابنه)، حاصله أن سليمان بن عبد الحميد وصل إليه هذا الحديث بطريقين: أحدهما: أنه قرأ في أصل إسماعيل بن عياش، فهذا أحد الطريقين، وفيه الصعود بدرجة واحدة، والطريق الثاني: أنه حدثه محمد بن إسماعيل بن عياش بطريق التحديث، وفيه النزول.
(قال) محمد (حدثي أبى قال: حدثني ضمضم، عن شريح بن عبيد قال: ثنا أبو ظبية، أن عمرو بن العاص قال يومًا، وقام) الواو للحال أي والحال أنه قام (رجل فأكثر القول) أي طول الكلام (فقال عمرو: لو قصد) أي اعتدل وتوسط (في قوله لكان خيرًا له، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لقد رأيت أو) للشك من الراوي (أمرتُ أن أتجوز في القول) أي أوجز (فإن الجواز) أي الإيجاز (هو خير).
(٨٧) (بَابُ مَاجَاء فِي الشِّعْرِ) (٣)
٥٠٠٩ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، عن الأعمش،
стр. 8434
عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا، خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا". [خ ٦١٥٥، م ٢٢٥٧، ت ٢٨٥١، جه ٣٧٥٩، حم ٢/ ٢٨٨]
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: بَلَغَنِي عن أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: وَجْهُهُ أَنْ يَمْتَلِئَ قَلْبُهُ حَتَّى يَشْغَلَهُ عَنِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ، فَإذَا كَانَ الْقُرْءَانُ وَالْعِلْمُ الْغَالِبَ فَلَيْسَ جَوْفُ هَذَا عِنْدَنَا مُمْتَلِئًا مِنَ الشِّعْرِ، "وَإنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا". (١) كَأَنَّ الْمَعْنَى أَنْ يَبْلُغَ مِنْ بَيَانِهِ أَنْ يَمْدَحَ الإنْسَانَ فَيَصْدُقَ
===
عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا) أي بالدم المخلوط مع الصديد (خير له من أن يمتلئ شعرًا) إشارة (٢) إلى كون الشعر مستوليًا عليه بحيث يشغله عن القرآن، والذكر، والعلوم الشرعية، وهو مذموم من أي شعر كان.
(قال أبو علي) اللؤلؤي تلميذ المصنف: (بلغني عن أبي عبيد أنه قال: وجهُه أن يمتلئ قلبُه) أي شعرًا (حتى يشغله عن القرآن وذكر الله، فإذا كان القرآن والعلم الغالب فليس جوف هذا عندنا ممتلئًا من الشعر، وإن من البيان لسحرًا، كأنّ المعنى أن يَبلُغَ من بيانه أن يَمْدَحَ الإنسانَ فيصدق
стр. 8435
فِيهِ، حَتَّى يَصْرِفَ الْقُلُوبَ إلَى قَوْلِهِ، ثُمَّ يَذُمَّهُ فَيَصْدُقَ فِيهِ، حَتَّى يَصْرِفَ الْقُلُوبَ إلَى قَوْلِهِ الآخَرِ، فَكَأَنَّهُ سَحَرَ السَّامِعِينَ بِذَلِكَ.
٥٠١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عن يُونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عن مَرْوَانَ بن الْحَكَمِ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، عن أبَيِّ بْنِ كَعْب، أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إنَّ مِنْ الشِّعْرِ حِكْمَةً". [خ ٦١٤٥، جه ٣٧٥٥، دي ٢٧٠٦، حم ٥/ ١٢٥]
٥٠١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عُوَانَةَ، عن سِمَاكٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا،
===
فيه، حتى يصرِفَ القلوب إلى قوله، ثم يذمّه فيصدق فيه، حتى يصرفَ القلوب إلى قوله الآخر، فكأنه سَحَرَ السامعين بذلك).
٥٠١٠ - (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، حدثنا أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن مروان بن الحكم، عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث) الزهري، أبو محمد المدني، وُلِدَ على عهد رسول الله ﷺ ، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له عندهم حديث واحد في "إن من الشعر لحكمة"، (عن أبي بن كعب، أن النبي ﷺ قال: إن من الشعر) أي بعض الشعر (حكمة).
٥٠١١ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فجعل يتكلم بكلام) بليغ، (فقال رسول الله ﷺ : إن من البيان سحرًا).
стр. 8436
وإنَّ مِنَ الشِّعرِ حُكْمًا". [ت ٢٨٤٥، حم ١/ ٣٠٣]
٥٠١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، نَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ (١)، نَا أَبُو تُمَيْلَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنِي صَخْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبيهِ، عن جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ
===
اختلف العلماء (٢) في قوله ﷺ : "إن من البيان لسحرًا"، فقيل: أورده مورد الذم لتشبيهه بعمل السحر لغلبة القلوب، وتزيينه القبيح، وتقبيحه الحسن، وإليه أشار الإِمام مالك ﵁، فإنه ذكر هذا الحديث في "الموطأ" (٣) في "باب ما يكره من الكلام"، قيل: معناه أن صاحبه يكسب به من الإثم ما يكسبه الساحر بعلمه، وقيل: أورده مورد المدح أي إنه تمال له القلوب، ويرضى به الساخط، وينزل له الصعب، ويشهد له "إن من الشعر لحكمة"، وهذا لا ريب فيه أنه مدح (وإن من الشعر حُكْمًا) أي حكمة كما في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾ (٤) أي: الحكمة.
٥٠١٢ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا سعيد بن محمد، نا أبو تميلة) يحيى بن واضح، (حدثني أبو جعفر النحوي عبد الله بن ثابت) المروزي، روى عن صخر بن عبد الله بن بريدة حديثًا واحدًا، قلت: قرأت بخط الذهبي في "الميزان": شيخ لا يعرف، تفرد عنه أبو تميلة.
(حدثني صخر بن عبد الله بن بريدة) بن الحصيب الأسلمي المروزي، ليس له في "السنن" غير هذا الحديث، ذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن أبيه) عبد الله بن بريدة، (عن جده) بريدة بن الحصيب (قال: سمعت رسول الله ﷺ
стр. 8437
يَقُولُ: "إنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا (١)، وَإنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا، وَإنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا، وَإنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا"، فَقَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ: صَدَقَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ . أَمَّا قَوْلُهُ: "إنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا"، فَالرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَهُوَ أَلْحَنُ بِالْحُجَجِ مِنْ صَاحِب الْحَقِّ، فَيَسْحَرُ الْقَوْمَ بِبَيَانِهِ، فَيَذْهَبُ بِالْحَقِّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "مِنَ الْعَلْمِ جَهْلًا"، فَيَتَكَلَّفُ الْعَالِمُ إلَى عِلْمِهِ مَا لَا يَعْلَمُ، فَيُجَهِّلُهُ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "وَإنَّ مِنَ الشِّعْرَ حُكْمًا"، فَهِيَ هَذِهِ الْمَوَاعِظُ وَالأَمْثَالُ الَّتِي يَتَّعِظُ النَّاسُ بهَا (٢). وَأَمَّا قَوْلُهُ: (٣)
===
يقول: إن من البيان سحرًا، وإن من العلم جَهْلًا) قيل: هو أن يتعلم ما لا يحتاج إليه كالنجوم، وعلوم الأوائل، وقيل: هو أن يتكلف العالم القول فيما لا يعلمه فيجهله ذلك.
(وإن من الشعر حُكمًا) أي حكمة (وإن من القول عِيالًا) أي وبالًا، كما جاء: "البلاء موكل بالمنطق"، بأن يكون من إثم، أو ملالًا على السامع الجاهل الذي لا يفهمه، أو العالم الذي يعلمه، كذا في "المجمع" (٤).
(فقال صعصعة بن صوحان: صَدَقَ نبي الله ﷺ ، أما قوله: إن من البيان سحرًا، فالرجل يكون عليه الحقُّ) لأحد من الناس (وهو) أي الرجل (ألحن بالحُجَج) أي أفصح (من صاحب الحقِّ، فَيَسْحَرُ القومَ ببيانه، فيذهب بالحق) أي يسقطه عنه بحسن بيانه، (وأما قوله: من العلم جهلًا، فيتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم، فَيُجَهِّله ذلك) أي يكون سببًا لتجهيله، (وأما قوله: وإن من الشعر حكمًا، فهي هذه المواعظ والأمثال التي يتّعظ الناس بها، وأما قوله) إن
стр. 8438
"مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا"، فَعَرْضُكَ كلَامَكَ وَحَدِيثَكَ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ شَأنِهِ وَلَا يُرِيدُهُ.
٥٠١٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَلَفٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، الْمَعْنَى، قَالَا: نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدٍ قَالَ: مَرَّ عُمَرُ بِحَسَّانَ وَهُوَ يَنْشُدُ في الْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إلَيْهِ، فَقَالَ: (١) كُنْتُ أُنْشِدُ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ. [خ ٣٢١٢، م ٢٤٨٥، ن ٧١٦]
٥٠١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِح، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ.
===
(من القول عيالًا، فعرضُك كلامَك وحديثَك على من لبس من شأنه ولا يريده) أي لا يقبل عليه، فيصير كلامك ثقيلًا عليه كالعيال.
٥٠١٣ - (حدثنا ابن أبي خلف وأحمد بن عبدة، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قالا: نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد قال: مرّ عمر) ﵁ (بحسّان وهو ينشد في المسجد) أي يرفع الصوت بالأشعار، (فَلَحَظَ إليه) أي نظر عمر ﵁ إلى حسان، (فقال) أي حسان: (كنتُ أُنْشِدُ) في المسجد (وفيه) أي والحال أن في المسجد (من هو خير منك) أي رسول الله ﷺ .
قال المنذري (٢): وأخرجه النسائي، وسعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر ﵁، فإن كان سمع ذلك من حسان بن ثابت، فيتصل.
٥٠١٤ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة بمعناه) أي بمعنى الحديث
стр. 8439
زَادَ: فَخَشِيَ أَنْ يَرْمِيَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَجَازَهُ. [م ٢٤٨٥، ق ٢/ ٤٤٨، حم ٥/ ٢٢٢]
٥٠١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمِصِّيصِيُّ، نَا ابْن أَبِي الزِّنَاد، عن أَبِيهِ، عن عُرْوَةَ، وَهِشَامٍ (١)، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ لِحَسَّان مِنْبَرًا في الْمَسْجِدِ، فَيَقُومُ عَلَيُهِ يَهْجُو مَنْ قَالَ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَعَ حَسَّانَ مَا نَافَحَ عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". [ت ٢٨٤٦، حم ٦/ ٧٢، ك ٣/ ٤٨٧]
===
المتقدم، (زاد) معمر: (فَخَشِيَ) عمر (أن يَرْمِيَه) أي يرد إنكاره (برسول الله ﷺ ) أي بإجازته ﷺ (فأجازه).
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم في "تقريره": قوله: "فخشي عمر ﵁ أن يرميه ... إلخ"، يعني أنه خاف أن يقابل بإجازة النبي ﷺ بالرد، وإلَّا فالحق كان مع عمر ﵁، فإن العلة التي رخص لها إنشاد حسان في المسجد قد ارتفعت، انتهى.
٥٠١٥ - (حدثنا محمد بن سليمان المصيصي، نا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، وهشام) عطف على أبيه، (عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يَضَعُ لحسّان منبرًا في المسجد) أي يأمر بوضعه في المسجد لحسان، (فيقوم) حسان (عليه يهجو من قال في رسول الله ﷺ ) من الكفار من الهجو، (فقال رسول الله ﷺ إن روحَ القدس) (٢) أي جبريل (مع حسّان) يؤيده (ما) أي ما دام (نافح) أي دافع (عن رسول الله ﷺ ) هجاء المشركين.
стр. 8440
٥٠١٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحمدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عن أَبِيهِ، عن يَزِيدَ النَّحْويِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، فَنَسَخَ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتَثْنَى فَقَالَ (١): ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. [ق ١٠/ ٢٣٩]
(٨٨) بَابُ مَا جَاءَ في الرُّؤْيَا
٥٠١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن زُفَرَ بْنِ صعْصَعَةَ،
===
٥٠١٦ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن حسين، عن أبيه) حسين بن واقد، (عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فنسخ من ذلك، واستثنى فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢).
(٨٨) (بَابُ مَا جَاء فِي الرؤيا) (٣)
٥٠١٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن زفر بن صعصعة) بن مالك، عن أبي هريرة حديث: "هل رأى أحد منكم رؤيا"، وقيل: عن أبيه عن أبي هريرة،