قَالَ: حَدَّثَتْنِى جَسْرَةُ بِنْتُ دِجَاجَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضى الله عنها تَقُولُ: "جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِى الْمَسْجِدِ, فَقَالَ: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ»
===
هذا الحديث وقالوا: أفلتُ راويهِ مجهول، وقال ابن حزم: أفلت غير مشهور ولا معروف بالثقة، وحديثه هذا باطل.
وقال البغوي في "شرح السنة": ضعف أحمد هذا الحديث, لأن راويه أفلت وهو مجهول، قال الحافظ: قد أخرج حديثه ابن خزيمة في "صحيحه" وقد روى عنه ثقات، ووثَّقه من تقدم، وذكره ابن حبان في "الثقات" أيضًا.
(قال: حدثتني جسرة (١) بنت دجاجة) (٢) العامرية الكوفية، قال العجلي: ثقة تابعية، وذكرها ابن حبان في "الثقات" (قالت: سمعت عائشة تقول: جاء رسول الله ﷺ )، لعل هذا المجيء (٣) كان من بيته في المسجد (ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد) الجملة حالية، أي والحال أن أبواب البيوت مفتوحة في المسجد.
(فقال: وجهوا هذه البيوت (٤) عن المسجد)، أي اصرفوا أبواب
стр. 912
ثُمَّ دَخَلَ النَّبِىُّ ﷺ وَلَمْ يَصْنَعِ الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ أَنْ ينْزِلَ فِيهِمْ رُخْصَةٌ, فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ, فَإِنِّى لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ». [ق ٢/ ٤٤٢، خزيمة ١٣٢٧]
===
بيوتها عن المسجد، وافتحوها في الطريق، (ثم دخل النبي ﷺ ) أي بعد ذلك يومًا (ولم يصنع القوم شيئًا) أي لم يحولوا أبواب بيوتهم عن المسجد، وأبقوها على حالها شارعة في المسجد (رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج إليهم فقال: وجهوا) أي حولوا (هذه البيوت) أي أبوابها (عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب).
قال الشوكاني (١): الحديث صحيح، وقد حسن ابن القطان حديث جسرة هذا عن عائشة، وصححه ابن خزيمة، قال ابن سيد الناس: ولعمري إن التحسين لَأَقَلُّ مراتبه؛ لثقة رواته، ووجود الشواهد له من خارج، فلا حجة لابن حزم في رده، وضعف ابن حزم هذا الحديث فقال: أفلت مجهول الحال، وقال الخطابي: ضعفوا هذا الحديث، وأفلتُ راويهِ مجهول، لا يصح الاحتجاج به.
وليس ذلك بسديد، فإن أفلت وثَّقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: هو شيخ، وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به، وروى عنه سفيان الثوري وعبد الواحد بن زياد، وقال في "الكاشف": صدوق، وقال في "البدر المنير": بل هو مشهور ثقة.
قال الحافظ: وأما قول ابن الرفعة في أواخر شروط الصلاة: إن أفلت متروك، فمردود, لأنه لم يقله أحد من أئمة الحديث.
واختلف في هذه المسألة فقال داود والمزني وغيرهم: يجوز للجنب والحائض دخول المسجد مطلقًا. وقال أحمد بن حنبل (٢) وإسحاق: إنه يجوز
стр. 913
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
للجنب إذا توضأ لرفع الحدث لا الحائض فتمنع. وقال سفيان الثوري والحنفية، وهو المشهور من مذهب مالك، والجمهور من الأمة: إنه لا يجوز مطلقًا. وقال الشافعي (١) وأصحابه: يجوز للجنب العبور في المسجد، ولا يجوز المكث فيه.
استدل ابن حزم بأنه لم يثبت في هذا الباب شيء، وحديث أفلت باطل، فأجاب عنه الشوكاني بأن الحديث كما عرفت إما حسن أو صحيح، وجزم ابن حزم بالبطلان مجازفة، وكثيرًا ما يقع في مثلها.
واحتج من قال بجوازه للجنب إذا توضأ بما روي عن الصحابة أنهم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة، وفي إسناده هشام بن سعد، قال أبو حاتم: لا يحتج به، وضعفه ابن معين وأحمد والنسائي، وقال أبو داود: هو أثبت الناس في زيد بن أسلم، وعلى تسليم الصحة لا يكون ما وقع من الصحابة حجة، ولا سيما إذا خالف المرفوع إلَّا أن يكون إجماعًا.
واستدل الشافعي بقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٢)، والعبور إنما يكون في محل الصلاة، وهو المسجد لا في الصلاة، وتقييد جواز ذلك بالسفر لا دليل عليه، بل الظاهر أن المراد مطلق المار, لأن المسافر ذكر بعد ذلك، فيكون تكرارًا يصان القرآن عن مثله.
وقد أخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب أن رجالًا من الأنصار
كانت تصيبهم جنابة، فلا يجدون الماء، ولا طريق إليه إلَّا من المسجد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٢) , وهذا من الدلالة على
стр. 914
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المطلوب بمحل لا يبقى بعده ريب.
وأما الجمهور القائلون بعدم جواز العبور فاستدلوا بهذا الحديث، وهو بإطلاقه حجة على الشافعي، بل إنما سيق الكلام لمنع المرور في المسجد جنبًا، وعلى هذا معنى الآية أي لا تقربوا الصلاة جنبًا في حال من الأحوال، إلَّا حال كون الجنب مسافرين، وذلك إذا لم يجدوا الماء، أو لم يقدروا على استعماله، ويتيمموا، وهذا على قول علي وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير.
وقال بعض المفسرين: معنى الآية: لا تقربوا مواضع الصلاة يعني المساجد، بحذف المضاف، جنبًا إلَّا عابري سبيل، يعني إلَّا مجتازين من المسجد بغير مكث، لما روى ابن جرير أن رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، وكانت تصيبهم جنابة، ولا ماء عندهم، فيريدون الماء، ولا يجدون ممرًا إلَّا في المسجد، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وهذا قول ابن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن والنخعي وغيرهم، فإن اللفظ عام وإن كان سبب نزول الآية خاصًّا.
والجواب عنه أن هذا الاستدلال يتوقف على تقدير المضاف، وهو خلاف الأصل، فلا يصار إليه، وأيضًا لا معنى لقوله: لا تقربوا مواضع الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، فإنه صريح في النهي عن قربان الصلاة، ولا يمكن في المعطوف تقدير غير ما ذكر، أو قدر في المعطوف عليه، وأيضًا لو كان معنى الآية: لا تقربوا مواضع الصلاة لزم حرمة دخول مساجد البيوت للجنب، ولم يقل به أحد.
وأما الجواب عن لزوم التكرار فذكر السفر بعد ذكره بقوله: إلَّا عابري سبيل، لبيان التسوية بينه وبين المرض بإلحاق الواجد بالفاقد بجامع العجز عن الاستعمال.
стр. 915
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ فُلَيْتٌ الْعَامِرِىُّ.
(٩٥) بَابٌ: في الْجُنُبِ يُصَلِّي بِالْقَوْمِ وَهُوَ نَاسٍ
٢٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ زِيَادٍ
===
(قال أبو داود: هو) أي أفلت بن خليفة اسمه (فليت العامري) أيضًا فكان له اسمان، أحدهما أفلت، وثانيهما فليت.
(٩٥) (بَابٌ: في الْجُنُبِ (١) يُصَلِّي بِالْقَوْمِ وَهُوَ نَاسٍ)
أي: الجنابة، فتذكَّر! ماذا يصنع (٢)؟
٢٣٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة، (عن زياد
стр. 916
الأَعْلَمِ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِى بَكْرَةَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ فِى صَلَاةِ الْفَجْرِ
===
الأعلم) هو زياد بن حسان بن قرة بقاف مضمومة وشدة راء، المعروف بزياد الأعلم، والأعلم هو مشقوق الشفة العليا، قال أحمد: ثقة ثقة، وقال ابن معين وأبو داود والنسائي: ثقة، وقال أبو زرعة: شيخ، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن الحسن) البصري، (عن أبي بكرة) هو نفيع بضم أوله وفتح الفاء مصغرًا، ابن الحارث بن كلدة، أبو بكرة الثقفي، قيل: اسمه مسروح، وقيل: كان أبوه عبدًا لحارث بن كلدة يقال له: مسروح، فاستلحق الحارث أبا بكرة، وإنما قيل له: أبو بكرة, لأنه تدلى من حصن الطائف إلى النبي ﷺ فأعتقه يومئذ، قال العجلي: كان من خيار الصحابة، مات بالبصرة سنة ٥١ هـ، وصلى عليه أبو برزة الأسلمي، قال أبو نعيم: آخى النبي ﷺ يبينهما (١).
(أن رسول (٢) الله ﷺ دخل في صلاة الفجر)، وفي "البخاري" من طريق صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:
стр. 917
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
"أن رسول الله ﷺ خرج وقد أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف".
قال الحافظ: زاد مسلم من طريق يونس عن الزهري: "قبل أن يكبر فانصرف"، ففيه دليل على أنه انصرف قبل أن يدخل في الصلاة، وهو معارض لما رواه أبو داود وابن حبان عن أبي بكرة: "أن النبي ﷺ دخل في صلاة الفجر فكبر ثم أومأ إليهم"، ولمالك من طريق عطاء بن يسار مرسلًا: "أنه ﷺ كَبَّرَ في صلاة من الصلوات، ثم أشار بيده أن امكثوا"، ويمكن الجمع بينهما بحمل قوله: "كبر" على أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان، أبداه عياض والقرطبي احتمالًا، وقال النووي: إنه الأظهر، وجزم به ابن حبان (١) كعادته، فإن ثبت وإلَّا فما في "الصحيح" أصح، انتهى "فتح" (٢).
وقال الزرقاني (٣): قال أبو عمر: من قال: إنه كبر زاد، وزيادة حافظ يجب قبولها.
قلت: والأولى أن يوفق بين الحديثين، الذي ورد عن أبي هريرة أنه قال: "قبل أن يكبر"، ورواية أبي بكرة أنه قال: "كبر"، بأن أبا هريرة نافٍ للتكبير، ونفيه محمول على أنه لم يسمعه, لأنه كان بعيدًا من الإِمام، وأبا بكرة مثبت، فقوله محمول على أنه كان قريبًا من الإِمام وسمع التكبير، فروى كما سمع ورأى.
стр. 918
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومما يجب أن ينبه عليه أن الإِمام محمد بن الحسن قال في "موطئه" (١) بعد ما أخرج هذا الحديث في "باب الحدث في الصلاة" من طريق مالك: ثنا إسماعيل بن أبي حكيم عن عطاء بن يسار مرسلًا، قال: وبهذا نأخذ، من سبقه حدث في صلاة، فلا بأس أن ينصرف ولا يتكلم فيتوضأ، ثم يبني على ما صلى، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى-.
فالإمام محمد فهم من هذا الحديث أن رسول الله ﷺ أحرم بالصلاة وكبر، ثم سبقه الحدث فرجع فتوضأ، فصلى للناس.
قال مولانا الشيخ عبد الحي: استنباط هذه المسألة من حديث الباب كما فعله محمد غير صحيح بوجوهٍ:
أولها: أنه قد رُويت قصة انصراف النبي ﷺ من الصلاة في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة بلفظ: "انتظرنا أن يكبر"، ولفظ: "قبل أن يكبر"، فيحمل قوله: "كبر" على أنه أراد أن يكبر، قلت: وهذا غير وارد عليه فلعل عنده - رحمه الله تعالى- واقعتان مختلفتان، وقال النووي: إنه الأظهر، وجزم به ابن حبان.
وثانيها: أن انصراف رسول الله ﷺ إنما كان لأجل أنه كان جنبًا فنسي، كما أوضحته رواية الدارقطني: "ثم رجع وقد اغتسل"، وقد ورد في البخاري وغيره التصريح بأنه اغتسل، ثم رجع ورأسه يقطر ماءً، فعلم أن انصرافه كان لحدث سابق على الصلاة.
وثالثها: أنه ورد في البخاري وغيره أنه رجع بعد ما اغتسل، والحدث الذي يجوز بحدوثه في الصلاة البناء إنما هو الذي يوجب الوضوء، لا الذي يوجب الغسل.
стр. 919
فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ أَنْ مَكَانَكُمْ، ثُمَّ جَاءَ وَرَأسُهُ يَقْطُرُ
===
ورابعها: أن الإِمام إذا أحدث في الصلاة فذهب للتوضؤ لا بد له أن يستخلف، فلو لم يستخلف فسدت صلاته، وصلاة من اقتدى به، ولم ينقل أنه استخلف أحدًا.
وخامسها: أنه ورد في حديث أبي هريرة: "ثم رجع إلينا ورأسه يقطر ماء فكبر"، وهذا نص في أنه لم يَبْنِ على ما سبق، بل استأنف التكبير.
قلت (١): وهذه الاعتراضات كلها مبنية على أن ما وقع في حديث أبي هريرة وأبي بكرة وأنس، وما وقع لمالك في هذا الحديث المرسل قصة واحدة، ولو حمل على أن ما وقع في هذا الحديث المرسل غير ما وقع في تلك الأحاديث من الواقعة لا تقدحه هذه الاعتراضات، والحكم بوحدة الواقعة رأي محض (٢) من العلماء، واحتمال لا دليل عليه، وإلى هذا أشار مولانا الشيخ اللكهنوي بقوله: وبالجملة إذا جمعت طرق حديث الباب، ونظر إلى ألفاظ رواياته، وحمل بعضها إلى بعض علم قطعًا أنه لا يصلح لاستنباط ما استنبطه محمد، والله أعلم.
(فأومأ بيده) أي أشار بيده (أن مكانكم) أي الزموا مكانكم، وفي رواية: "ثم قال كما أنتم"، كما سيأتي قريبًا، وفي "البخاري": "قال: على مكانكم"، وفي أخرى له: "فقال لنا: مكانكم"، فيحتمل أن يكون هو ﷺ جمع بين الكلام والإشارة (ثم جاء) أي رجع من بيته (ورأسه يقطر) جملة حالية، أي والحال أنه اغتسل ورأسه يقطر، قال الحافظ: زاد الدارقطني: فقال: "إني كنت جنبًا فنسيت أن أغتسل".
стр. 920
فَصَلَّى بِهِمْ". [حم ٥/ ٤١ - ٤٥، ق ٢/ ٣٩٦، خزيمة ١٦٢٩]
٢٣٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قال: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ, قَالَ فِى أَوَّلِهِ: "فَكَبَّرَ", وَقَالَ فِى آخِرِهِ: فَلَمَّا
===
(فصلى بهم) أي فكبر، فصلى بهم فصلينا معه كما في "البخاري"، استدل البخاري بهذا الحديث على أنه إذا تذكَّر إنسان في المسجد أنه جنب يخرج كما هو ولا يتيمم.
وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأنه أخرج الترمذي في "سننه" (١) بسنده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "يا علي لا يحِلُّ لأحدٍ أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك"، قال الترمذي: هذا الحديث (٢) حسن غريب، وقد سمع محمد بن إسماعيل مني هذا الحديث واستغربه، فلما كان يحل لرسول الله ﷺ استطراق المسجد جنبًا لا يستدل به لغيره، ولو لم يكن له حلالًا لم يكن الله ليدعه أن يدخل المسجد في حالة الجنابة، وهو عليه حرام.
٢٣٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة بإسناده ومعناه)، أي بإسناد حديث موسى ومعنى حديثه، (وقال في أوله: فكبر) أي زاد يزيد بن هارون على لفظ موسى لفظ "فكبر" فكان لفظ حديثه: دخل في صلاة الفجر فكبر.
(وقال) أي زاد يزيد بن هارون (في آخره) أي في آخر حديثه: (فلما
стр. 921
قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنِّى كُنْتُ جُنُبًا». [حب ٢٢٣٥]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الزُّهْرِىُّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ (١) , عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: "فَلَمَّا قَامَ فِى مُصَلَاّهُ وَانْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ انْصَرَفَ ثُمَّ قَالَ: «كَمَا أَنْتُمْ».
(٢) وَرَوَاهُ أَيُّوبُ وَابْنُ عَوْنٍ وَهِشَامٌ, عَنْ مُحَمَّدٍ,
===
قضى الصلاة قال: إنما أنا بشر وإني كنت جنبًا. قال أبو داود: رواه الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال) أي أبو هريرة: (فلما قام) أي النبي ﷺ (في مصلاه وانتظرنا أن يكبر انصرف ثم قال: كما أنتم) أي اثبتوا كما أنتم. وهذا التعليق أخرجه البخاري موصولًا في "صحيحه" (٣) في باب هل يخرج من المسجد لعلة.
(ورواه أيوب) السختياني (٤) (وابن عون) (٥) هو عبد الله بن عون بن أرطبان المزني مولاهم، أبو عون الخزاز بمعجمة ثم مهملة آخره زاي، البصري، قال الحافظ في "التقريب": ثقة ثبت فاضل من أقران أيوب في العمل والسن، قال ابن سعد: كان ثقة، وكان عثمانيًّا، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من سادات أهل زمانه عبادة وفضلًا وورعًا ونسكًا وصلابة في السنة، وشدة على أهل البدع، مات سنة ١٥١ هـ.
(وهشام) بن حسان (٦) (عن محمد) وفي نسخة: يعني ابن سيرين
стр. 922
عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: "فَكَبَّرَ ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْقَوْمِ أَنِ اجْلِسُوا, فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ". وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى حَكِيمٍ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قال: "إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ فِى صَلَاةٍ".
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ حَدَّثَنَاهُ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قال:
===
مرسلًا (عن النبي ﷺ قال: فكبر ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا فذهب فاغتسل).
أورد المصنف هذا التعليق؛ لأن فيه "كبر" على خلاف ما رواه الزهري، وأيضًا فيه "أن اجلسوا" أي الأمر بالجلوس على خلاف ما في الروايات المارة، فإنها تشير إلى أنهم كانوا قائمين كما يدل عليه قوله: "كما أنتم".
(وكذلك رواه مالك) (١) أي ابن أنس (عن إسماعيل بن أبي حكيم) القرشي مولاهم المدني، وثقه ابن معين والنسائي والبرقي وابن وضاح، وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: صالح، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال ابن عبد البر في "التمهيد": كان فاضلًا ثقة، وهو حجة في ما روى عنه جماعة أهل العلم.
(عن عطاء بن يسار قال: إن رسول الله ﷺ كبر في صلاة) وهذا التعليق مرسل أيضًا، أورده لتقوية ما ساق في الروايات السابقة أنه ﷺ دخل في الصلاة، وفي بعضها فكبر.
(قال أبو داود: وكذلك) أي كما حدث أيوب وابن عون وهشام عن محمد، ومالك عن إسماعيل، كذلك (حدثناه مسلم بن إبراهيم قال:
стр. 923
حدثنا أَبَانُ عَنْ يَحْيَى, عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ كَبَّرَ.
٢٣٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ (١) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قال: حَدَّثَنَا (٢) الزُّبَيْدِىُّ
===
حدثنا أبان) بن يزيد العطار (عن يحيى) وفي نسخة: ابن أبي كثير (عن الربيع بن محمد) روى عن النبي ﷺ مرسلًا، وقال الحافظ في "التقريب": تابعي أرسل حديثًا، مجهول، من الثالثة (عن النبي ﷺ )، وهذا تعليق ثالث (٣) أورده لتأييد ما سبق أنه كبر.
٢٣٥ - (حدثنا عمرو بن عثمان قال: ثنا محمد بن حرب) الخولاني أبو عبد الله الحمصي، كاتب محمد بن وليد الزبيدي بضم الزاي، ولي قضاء دمشق، قال المروزي عن أحمد: ليس به بأس، وقدمه على بقية، وقال عثمان الدارمي قلت لابن معين: فبقية كيف حديثه؟ قال: ثقة، قلت: هو أحب إليك أو محمد بن حرب؟ قال: ثقة وثقة، وثَّقه عثمان والعجلي ومحمد بن عوف والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، مات سنة ١٩٢ هـ، وقيل: سنة ١٩٤ هـ.
(قال: ثنا الزبيدي) بالزاي والموحدة مصغرًا، محمد بن الوليد بن عامر، أبو الهذيل الحمصي القاضي، سئل ابن معين: من أثبت من روى عن الزهري؟ فقال: مالك، ثم معمر، ثم عقيل، ثم يونس، ثم شعيب والأوزاعي والزبيدي وابن عيينة وكل هؤلاء ثقات، والزبيدي أثبت من ابن عيينة، وقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي يفضل محمد بن الوليد
стр. 924
(ح) (١): وحَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الأَزْرَقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عن يُونُسَ. (ح) (٢): وَحَدَّثنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: ثنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ إِمَامُ مَسْجِدِ صَنْعَاءَ
===
على جميع من سمع من الزهري، وقال الزهري: محمد بن الوليد قد حوى ما بين جنبي من العلم، وثَّقه علي بن المديني وابن سعد والعجلي وأبو زرعة والنسائي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الخليلي: ثقة حجة إذا كان الراوي عنه ثقة، مات سنة ١٤٨ هـ.
(ح: وحدثنا عياش) بتشديد التحتانية وآخره معجمة (ابن الأزرق) ويقال: عياش بن الوليد بن الأزرق، أبو النجم البصري، نزيل أذنة بمعجمة ونون وفتحات، قال العجلي: بصري ثقة قد كتبت عنه، مات سنة ٢٣٧ هـ.
(قال أخبرنا ابن وهب) هو عبد الله بن وهب بن مسلم (عن يونس) بن يزيد الأيلي، (ح: وحدثنا مخلد بن خالد) بن يزيد الشعيري بفتح المعجمة وكسر المهملة، أبو محمد العسقلاني، نزيل طرسوس، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: لا أعرفه، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، أنكر العياض في "شرح مسلم" هذا الاسم، وقال: لم أجد له ذكرًا عند أحد صنف رجال الصحيحين، ولا ممن صنف في المؤتلف، ولا أصحاب التقييد، وبالغ في ذلك حتى قال: ليس في الرواة أحد سمي مخلد بن خالد، وقد بالغ النووي في الرد عليه.
(قال: ثنا إبراهيم بن خالد) بن العبيد القرشي الصنعاني المؤذن، كان مؤذن مسجد صنعاء سبعين سنة، وثَّقه ابن معين وأحمد والبزار والدارقطني، وفي أبي داود (إمام مسجد صنعاء)، مات سنة ٢٠٠ هـ.
стр. 925
قَالَ: ثَنَا رَبَاحٌ، عن مَعْمَرٍ (ح): وَثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: ثَنَا الْوَلِيدُ عن الأَوْزَاعِيِّ ,
===
(قال: ثنا رباح) بن زيد القرشي مولاهم، الصنعاني، قال أحمد: كان خيارًا، ما أرى كان في زمانه خيرًا منه، قال أبو حاتم: جليل ثقة، وقال النسائي: ثقة، ووثَّقه العجلي والبزار ومسلم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ١٨٧ هـ.
(عن معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزل اليمن، وشهد جنازة الحسن البصري، عن ابن معين: أثبت الناس في الزهري معمر ومالك، قال: ومعمر عن ثابت ضعيف، وثَّقه ابن معين والعجلي ويعقوب بن شيبة والنسائي، وقال أبو حاتم: ما حدث معمر بالبصرة فيه أغاليط، وهو صالح الحديث، قال يحيى بن معين: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه إلَّا عن الزهري وابن طاوس، فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا. وما عمل في حديث الأعمش شيئًا، وحديث معمر عن ثابت، وعاصم بن أبي النجود، وهشام بن عروة، وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام، مات سنة ١٥٣ هـ.
(ح: وثنا مؤمل بن الفضل قال: ثنا الوليد) بن مسلم (عن الأوزاعي) هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، اسمه يحمد الشامي، أبو عمرو الأوزاعي الفقيه، نزل بيروت في آخر عمره، فمات بها مرابطًا، وهذه النسبة إلى أوزاع، وهي قرية بدمشق خارج باب الفراديس، كان من فقراء أهل الشام وقرائهم وزهادهم، وثَّقه ابن معين والعجلي وابن سعد، وقال إبراهيم الحربي: سألت أحمد بن حنبل عن الأوزاعي؟ فقال: حديثه ضعيف، وقال يعقوب بن شيبة عن ابن معين: الأوزاعي في الزهري ليس بذاك، قال يعقوب: الأوزاعي ثقة ثبت، وفي روايته عن الزهري خاصة شيء، وفي سن وفاته اختلاف، مات سنة ١٥٨ هـ، وقيل قبلها.
стр. 926
كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ أَبِى سَلَمَةَ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: "أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ, فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا قَامَ فِى مَقَامِهِ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ, فَقَالَ لِلنَّاسِ: «مَكَانَكُمْ» , ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ, فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَنْطُفُ رَأْسُهُ وَقَدِ اغْتَسَلَ وَنَحْنُ صُفُوفٌ". وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ حَرْبٍ, وَقَالَ عَيَّاشٌ فِى حَدِيثِهِ: "فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدِ اغْتَسَلَ".
[خ ٢٧٥، م ٦٠٥، ن ٨٠٩]
===
(كلهم) أي الزبيدي ويونس ومعمر والأوزاعي يحدث (عن الزهري، عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن، (عن أبي هريرة قال: أقيمت الصلاة وصفَّ) أي: سوَّى (الناس صفوفهم، فخرج رسول الله ﷺ ) من حجرته الشريفة (حتى إذا قام في مقامه) أي في المحراب (ذكر) أي تذكر (أنه لم يغتسل)، وظاهر هذا الكلام يدل أن هذا التذكر كان قبل أن يكبر تكبيرة الافتتاح.
(فقال للناس: مكانكم) أي الزموا مكانكم (ثم رجع إلى بيته، فخرج علينا ينطف رأسه) أي يقطر (وقد اغتسل ونحن صفوف، وهذا) أي الذي ذكرنا (لفظ ابن حرب، وقال عياش في حديثه: فلم نزل قيامًا ننتظره حتى خرج علينا وقد اغتسل) وهذا السياق يخالف ما تقدم من رواية أيوب وابن عون وهشام عن محمد وفيها: "ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا"، وفي هذه: "فلم نزل قيامًا ننتظرهُ"، وهذه تدل على أنه ﷺ لم يأمرهم بالجلوس، فلما أشار إليهم بالجلوس، فكيف انتظروه قيامًا؟
والجواب عنه مع قطع النظر عن كون رواية محمد مرسلة يمكن أن يقال: إنه ﷺ أشار إليهم، ففهم بعضهم من الإشارة أنه أشار إلى أن
стр. 927
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
نكون في مكاننا ولا نتفرق عن المسجد، وبعضهم فهموا أنه ﷺ يشير إلى أن نكون على حالنا الموجودة من القيام، وبعضهم فهموا أنه ﷺ أمر بالجلوس فرووه كما فهموه، وأما الذي ورد من الجمع من القول والإشارة، فيمكن أن الذين رووا القول فعبروا عن الإشارة بالقول، ويمكن أن يكون ﷺ جمع بين القول والإشارة، فبعضهم سمع القول و [رأى] الإشارة، وبعضهم لم يسمع القول ورأى الإشارة، فهذا وجه الاختلاف فيما بينهم.
(تنبيه): قد تقدم أن الاختلاف الذي وقع في سياق هذا الحديث في أنه ﷺ كبر لافتتاح الصلاة أو لم يكبر، فرواية أبي هريرة كما في روايات "الصحيحين" تدل على أنه لم يكبر، ورواية أبي بكرة هذه التي أخرجها أبو داود، وكذلك رواية أبي هريرة التي أخرجها الدارقطني، وكذلك رواية أنس التي أخرجها الدارقطني من حديث قتادة عن أنس، والرواية المرسلة لعطاء بن يسار التي أخرجها مالك في "الموطأ"، وأبو داود في "سننه"، ومرسل محمد بن سيرين، ومرسل ربيع بن محمد اللذين أخرجهما أبو داود، كلها تدل على أنه ﷺ دخل في الصلاة وكبر، وأما القوم فلا يدل لفظ من ألفاظ الحديث إلَّا فيما عند الدارقطني من حديث أنس، فإن فيه: "فكبر فكبرنا" على أنهم كبروا ودخلوا في الصلاة، فالظاهر كما أنه ﷺ لم يحرم بالصلاة ولم يدخل فيها ولم يكبر، كذلك القوم لم يدخلوا في الصلاة، فمن قال: في هذا الحديث دلالة على أنه إذا صلى بالقوم وهو جنب وهم لم يعلموا بجنابته، أن صلاتهم ماضية ولا إعادة عليهم، وكذلك ما قالوا: في الحديث دليل على أن افتتاح المأموم صلاته قبل الإِمام لا يبطل صلاته، فكأنه لم يتدبر فيه كل التدبر.
стр. 928
(٩٦) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَجِدُ البِلَّةَ (١) في مَنَامِهِ
٢٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِىُّ,
===
(٩٦) (بابٌ: في الرَّجُلِ يَجدُ الْبِلَّةَ (٢) في مَنَامِه)
البلة بكسر الباء وتشديد اللام: النداوة، أي: بعد منامه، فعليه الغسل أم لا؟
٢٣٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا حماد بن خالد الخياط) بمعجمة وشدة تحتية ومهملة، القرشي البصري، نزيل بغداد، أصله مدني، وثَّقه ابن معين وابن عمار والنسائي وابن المديني وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(قال: ثنا عبد الله العمري) (٣)، هو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، أبو عبد الرحمن العمري، اختلف في جرحه وتعديله، عن أحمد: لا بأس به، قد روى عنه، وكان أحمد يحسن الثناء عليه، وعن ابن معين: صويلح، وعنه: ليس به بأس، يكتب حديثه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وقال ابن عدي: لا بأس به، في رواياته صدوق، وقال العجلي: لا بأس به، وقال ابن عمار الموصلي: لم يتركه أحد إلَّا يحيى بن سعيد، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، في
стр. 929
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنِ الْقَاسِمِ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١) عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ (٢) وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا؟ قَالَ: «يَغْتَسِلُ» ,
===
حديثه اضطراب، وقال الخليلي: ثقة، غير أن الحفاظ لم يرضوا حفظه، وأما عثمان الدارمي فقال عن ابن معين: صالح ثقة، وقال عبد الله بن علي ابن المديني عن أبيه: ضعيف، وقال صالح جزرة: لين مختلط الحديث، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن حبان: غلب عليه الصلاح حتى غفل عن الضبط فاستحق الترك، وقال الترمذي عن البخاري: ذاهب لا أروي عنه شيئًا، وقال البخاري في "التاريخ": كان يحيى بن سعيد يضعفه، وقال الحاكم: ليس بالقوي عندهم، مات سنة ١٧١ هـ، وقيل بعدها.
(عن عبيد الله) بن عمر بن حفص، (عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن التيمي، قال ابن سعد: أمه أم ولد يقال لها: سودة، كان ثقة رفيعًا عالمًا فقيهًا إمامًا ورعًا كثير الحديث، وقال البخاري: قتل أبوه وبقي القاسم يتيمًا في حجر عائشة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، وقال البخاري: كان أفضل أهل زمانه، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، مات سنة ١٠٦ هـ.
(عن عائشة قالت: سئل النبي ﷺ عن الرجل يجد البلل) أي في ثوبه بعد ما يستيقظ (ولا يذكر) أي لا يتذكر (احتلامًا؟ قال: يغتسل) (٣)
стр. 930
وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنْ (١) قَدِ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ الْبَلَلَ؟ قَالَ: «لَا غُسْلَ عَلَيْهِ». فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: الْمَرْأَةُ تَرَى ذَلِكَ, أَعَلَيْهَا غُسْلٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ, إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ».
[ت ١١٣، جه ٦١٢، حم ٦/ ٢٥٦، دي ٧٦٥]
===
أي يجب عليه الغسل (وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل؟ قال: لا غسل عليه، فقالت أم سليم) بنت ملحان بن خالد الأنصارية، أخت أم حرام والدة أنس بن مالك، اختلف (٢) في اسمها سهلة أو رميلة أو رميثة أو أنيثة أو مليكة، زوجة أبي طلحة الأنصاري يقال: إنها هي الغميصاء أو رميصاء، كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية، فولدت له أنسًا، فلما جاء الله تعالى بالإِسلام أسلمت وعرضت على زوجها الإِسلام، فغضب عليها، وخرج إلى الشام وهلك، فتزوجت بعده أبا طلحة خطبها وهو مشرك، فأبت عليه إلَّا أن يسلم فأسلم، فولدت له غلامًا كان قد أعجب به، فمات صغيرًا وأسف عليه، وقيل: إنه أبو عمير صاحب النغير، ثم ولدت له عبد الله بن أبي طلحة وبورك فيه، وهو والد إسحاق بن أبي طلحة الفقيه وإخوته، وكانوا عشرة، كلهم حمل عنه العلم، ومناقبها كثيرة شهيرة، وماتت في خلافة عثمان.
(المرأة ترى ذلك) أي البلل ولا تتذكر الاحتلام (أعليها غسل؟ قال: نعم) يجب عليها الغسل (إنما النساء (٣) شقائق الرجال) أي نظائرهم وأمثالهم في الطباع والأخلاق، كأنهن شققن منهم،
стр. 931
(٩٧) بَابٌ: في الْمَرْأَةِ تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ
٢٣٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: ثَنَا عَنْبَسَةُ
===
ولأن حواء خلقت من آدم، قال الخطابي (١): ظاهر الحديث يوجب الاغتسال إذا رأى البلة، وإن لم يتيقن أنها الماء الدافق، وروي هذا القول عن جماعة من التابعين، منهم عطاء، والشعبي، والنخعي، وقال أكثر أهل العلم: لا يجب عليه الاغتسال حتى يعلم أنه بلل الماء الدافق، واستحبوا أن يغتسل من طريق الاحتياط. ولم يختلفوا في أنه إذا لم ير الماء و [إن] كان رأى في النوم أنه قد احتلم، فإنه لا يجب عليه الاغتسال.
قلت: سياق الكلام يدل على أن المراد من البلل بلل المني لا المذي، ولأن المذي ورد فيه في الروايات الصحيحة عن علي وغيره أنه لا يجب فيه الغسل، بل يكفي فيه الوضوء، كما تقدم ذكره.
(٩٧) (بَابٌ: في الْمَرْأَةِ (٢) تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ)
٢٣٧ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عنبسة) بن خالد بن يزيد بن أبي النجاد الأموي مولاهم، الأيلي، ابن أخي يونس بن يزيد، قال الآجري عن أبي داود: عنبسة أحب إلينا من ليث بن سعد، سمعت أحمد بن صالح يقول: عنبسة صدوق، قيل لأبي داؤد: يحتج بحديثه؟
стр. 932
حَدَّثَنَا يُونُسُ (١) , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ: عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ الأَنْصَارِيَّةَ - وَهِىَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِى مِنَ الْحَقِّ! أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ إِذَا رَأَتْ فِى النَّوْمِ (٢) مَا يَرَى الرَّجُلُ, أَتَغْتَسِلُ أَمْ لَا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «نَعَمْ فَلْتَغْتَسِلْ إِذَا وَجَدَتِ الْمَاءَ».
===
قال: سألت أحمد بن صالح، قلت: كانت أصول يونس عنده أو نُسَخُه؟ قال: بعضها أصول وبعضها نُسَخُه، قال الفسوي: سمعت يحيى بن بكير يقول: إنما يحدث عن عنبسة مجنون أحمق لم يكن موضعًا للكتابة، قال أبو حاتم: كان على خراج مصر، وكان يعلق النساء بثديهن، قال ابن القطان: كفى بهذا في تجريحه، قال أحمد: ما لنا ولعنبسة، أي شيء خرج علينا من عنبسة، توفي بأيلة سنة ١٩٨ هـ، أخرج له البخاري مقرونًا بغيره.
(ثنا يونس) بن يزيد، (عن ابن شهاب قال: قال عروة) بن الزبير: (عن عائشة أن أم سليم الأنصارية - وهي أم أنس بن مالك - قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق) (٣)، أي لا يأمر بالحياء من السؤال عن الحق (أرأيت) أخبرني (المرأة إذا رأت في المنام ما يرى الرجل) من الحلم (أتغتسل أم لا؟ قالت عائشة: فقال النبي ﷺ : نعم، فلتغتسل (٤) إذا وجدت (٥) الماء) أي المني.
стр. 933
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهَا فَقُلْتُ: أُفٍّ لَكِ, وَهَلْ تَرَى ذَلِكَ الْمَرْأَةُ؟ فَأَقْبَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «تَرِبَتْ يَمِينُكِ يَا عَائِشَةُ وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ».
[م ٣١٤، ن ١٩٦، حم ٦/ ٩٢]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وكذا رَوَى الزُّبَيْدِيُّ
===
(قالت عائشة: فأقبلت عليها فقلت: أُفٍّ لك)، قال في "القاموس": وأف كلمةُ تَكَرُّهٍ، ولُغاتها أربعون، وقال في "لسان العرب": الناس يقولون لما يكرهون ويستثقلون: أف له، والخطاب لأم سليم.
(وهل ترى ذلك المرأة؟ )، قالتها تعجبًا، ولعل عائشة لم تكن تدري بذلك لحداثة سنها، أو لأن الاحتلام في النساء نادر، كما أن عدم الاحتلام في الرجال نادر (١).
(فأقبل عليَّ رسول الله ﷺ ، فقال: تربت يمينك) (٢)، قال في "مرقاة الصعود" (٣): هي كلمة جارية على ألسنة العرب لا يقصدون بها الدعاء على المخاطب، قال النووي: قولها: تربت يمينك خبر.
(يا عائشة، ومن أين يكون الشبه)، قال النووي (٤): فيه لغتان مشهورتان: إحداهما بكسر الشين وإسكان الباء، والثاني بفتحهما، معناه أن الولد متولد من ماء الرجل وماء المرأة، فأيهما غلب كان الشبه له، ولما كان للمرأة مني فإنزاله وخروجه منها غير مستبعد.
(قال أبو داود: وكذا) أي كما روى يونس عن ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة بأنها قصة عائشة مع أم سليم، كذلك (روى الزبيدي
стр. 934
وعُقَيْلٌ وَيُونُسُ وَابْنُ أَخِى الزُّهْرِىِّ, وابْنُ أَبِى الْوَزِيرِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ الزُّهْرِىِّ
===
وعقيل ويونس) وذكر يونس تكرار بلا فائدة (وابن أخي الزهري) هو محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة الزهري، أبو عبد الله المدني، ابن أخي الزهري، قال أحمد: لا بأس به، وقال مرةً: صالح الحديث، وعن يحيى القطان: ضعيف، وعن ابن معين: ليس بذاك القوي، وقال مرة: صالح، وقال العقيلي عن ابن معين: ضعيف لا يحتج بحديثه، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه، وقال الآجري: سألت أبا داود عنه، فقال: ثقة، سمعت أحمد يثني عليه، وأخبرني عباس عن يحيى بالثناء عليه، وقال ابن عدي: لم أو بحديثه بأسًا، ولا رأيت له حديثًا منكرًا فأذكره، قال ابن حبان: كان رديء الحفظ كثير الوهم، قال الحاكم: إنما أخرج له مسلم في الاستشهاد، انتهى. وليس له في البخاري غير حديثين، قتله غلمانه بأمر ابنه لأمواله- وكان ابنه سفيهًا شاطرًا- سنة ١٥٢ هـ.
(عن الزهري (١)، وابن أبي الوزير)، أي وكذلك روى ابن أبي الوزير، وهو إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي مولاهم، أبو عمرو، ويقال: أبو إسحاق بن أبي الوزير المكي، نزيل البصرة، روى له البخاري مقرونًا، قال أبو حاتم والنسائي: لا بأس به، وقال أبو عيسى الترمذي: إبراهيم بن أبي الوزير ثقة، وقال الدارقطني: ثقة ليس في حديثه ما يخالف الثقات، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن مالك) (٢) الإمام، (عن الزهري) مثل رواية يونس في كون الرواية
стр. 935
وَوَافَقَ الزُّهْرِيَّ مَسَافِعٌ الْحَجَبِيُّ
===
عن عروة عن عائشة، وفي كون السائلة أم سليم والرادة عليها عائشة، أخرج النسائي بسنده ما روى الزبيدي عن الزهري، وأخرج مسلم والبيهقي بسنديهما عن عقيل عن ابن شهاب، وأخرج أبو داود رواية يونس عن الزهري، وأما رواية ابن أخي الزهري عن الزهري، وابن أبي الوزير عن مالك عن الزهري، فلم أجدهما موصولًا في تتبعي القاصر.
نعم أخرج مالك في "موطئه" (١) عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير مرسلًا، قال الزرقاني (٢): كذا لرواة "الموطأ" ولابن أبي أويس عن أم سليم، وكل من رواه عن مالك لم يذكر فيه عن عائشة إلَّا ابن نافع، وابن أبي الوزير فروياه عن مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة أن أم سليم، أخرجه ابن عبد البر (٣)، وقال: تابعهما معن وعبد الملك الماجشون وحباب بن جبلة، وتابعهم خمسة عن ابن شهاب، وتابعه مسافع الحجبي عن عروة عن عائشة، وقد أخرجه مسلم وأبو داود من طريق عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة، انتهى.
(ووافق الزهري مسافع الحجبي)، مسافع بن عبد الله بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري، نسبة إلى عبد الدار، أبو سليمان الحجبي المكي، وقد ينسب إلى جده، والحجبي نسبة إلى حجابة الكعبة وسدانتها، قال العجلي: مكي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
стр. 936
قَالَ: عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, وَأَمَّا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ فَقَالَ: عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ,
===
(قال: عن عروة عن عائشة) أي وافق مسافع الزهري في أن هذه الرواية عن عروة عن عائشة، كما روى الزهري عن عروة عن عائشة (١).
(وأما هشام (٢) بن عروة (٣) فقال: عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة) (٤) عبد الله بن عبد الأسد المخزومية، ربيبة رسول الله ﷺ ، أمها أم سلمة بنت أبي أمية، يقال: ولدت بأرض الحبشة، وتزوج النبي ﷺ أمها وهي ترضعها، وفي "مسند البزار" ما يدل على أن أم سلمة وضعتها بعد قتل أبي سلمة فحلت، فخطبها النبي ﷺ فتزوجها وكانت ترضع زينب، وكان اسمها برة فغيَّره النبي ﷺ ، وروي عن آمنة عن زينب أنها قالت: إنه ﷺ إذا دخل يغتسل تقول أمي: ادخلي عليه، فإذا دخلت نفخ في وجهي من الماء ويقول: ارجعي، قالت: فرأيت زينب وهي عجوز كبيرة ما نقص من وجهها شيء، وفي رواية: فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت وعمرت، وماتت سنة ثلاث وسبعين، وحضر ابن عمر جنازتها.
(عن أم سلمة) (٥) اسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن
стр. 937
أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
===
عمر بن مخزوم المخزومية، أم سلمة زوج النبي ﷺ ، تزوجها سنة اثنتين من الهجرة بعد بدر، وبنى بها في شوال، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد، وهو ابن عمها، وهاجرت معه إلى الحبشة، ثم هاجرت إلى المدينة، ولما مات زوجها من الجراحة التي أصابته خطبها النبي ﷺ ، قال ابن حبان: ماتت في آخر سنة ٦١ هـ بعد ما جاءها الخبر بقتل الحسين ابن علي، قال الحافظ: وهذا أقرب.
(أن أم سليم جاءت إلى رسول الله ﷺ ) حاصل قول أبي داود أنه اختلفت فيه الروايات في أن هذا الحديث من رواية عائشة أو من رواية أم سلمة، فاختلف فيها الزهري وهشام بن عروة، فروى الزهري عن عروة عن عائشة ووافق الزهريَّ في ذلك مسافعٌ الححبيُّ، فقال هو أيضًا: عن عروة عن عائشة، وأما هشام بن عروة فروى عن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة ولم يتابعه أحد، فترجح رواية الزهري على رواية هشام بالمتابعة.
قال الحافظ (١): ونقل القاضي عياض عن أهل الحديث أن الصحيح أن القصة وقعت لأم سلمة لا لعائشة، وهذا يقتضي ترجيح رواية هشام على رواية الزهري، وأشار أبو داود إلى تقوية رواية الزهري بمتابعة المسافع، لكن نقل ابن عبد البر عن الذهلي أنه صحح الروايتين معًا.
قال النووي في "شرح مسلم" (٢): يحتمل أن تكون عائشة وأم سلمة جميعًا أنكرتا على أم سليم، وهو جمع حسن, لأنه لا يمتنع حضورهما عند النبي ﷺ في مجلس واحد.
стр. 938
(٩٨) بابٌ: فِى مِقْدَارِ الْمَاءِ الَّذِى يُجْزِئُ فِى الْغُسْل (١)
٢٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ - هُوَ الْفَرَقُ - مِنَ الْجَنَابَةِ".
[خ ٢٥٠، م ٣١٩،
ن ٢٢٨، ط ١/ ٤٤/ ٦٨]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِىِّ فِى هَذَا الْحَدِيثِ: قَالَتْ: "كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِيهِ قَدْرُ الْفَرَقِ".
===
(٩٨) (بَابٌ: في مِقْدَارِ الْمَاء الَّذِي يُجْزِئُ بِهِ الغُسْلُ)
يجزئ بهمز اللام، أي يكفي به الغسل أي في الغسل
٢٣٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك) بن أنس، (عن ابن شهاب، عن عروة) بن الزبير، (عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يغتسل (٢) من إناء - هو الفرق - من الجنابة).
قال في "المجمع" (٣): الفرق بالحركة: مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهو اثنا عشر مدًا وثلاثة آصع في الحجاز، انتهى ملخصًا.
(قال أبو داود: قال معمر (٤) عن الزهري في هذا الحديث: قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد فيه قدر الفرق) أي فيه
стр. 939
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ نَحْوَ (١) حَدِيثِ مَالِكٍ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: الْفَرَقُ: سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلاً, وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: صَاعُ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ. قَالَ: فَمَنْ (٢) قَالَ: ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِمَحْفُوظٍ,
===
الماء بقدر الفرق، غرض أبي داود بيان الاختلاف في رواية الزهري بين تلميذيه، ففي رواية مالك ذكر اغتسال رسول الله ﷺ وحده من الفرق، وفي رواية معمر ذكر اغتساله مع عائشة من الفرق، وليس في الروايتين في الحقيقة اختلاف, لأنه ليس في رواية مالك نفي اغتسال عائشة معه ﷺ ، ولو كان المراد اغتساله وحده ﷺ فيحمل على اختلاف الأحوال.
(قال أبو داود: وروى ابن عيينة (٣) نحو حديث مالك) والغرض منه تقوية رواية مالك وترجيحه على رواية معمر.
(قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الفرق ستة عشر رطلًا، وسمعته) أي أحمد (يقول: صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث، قال) أبو داود: فقلت لأحمد: (فمن قال: ثمانية أرطال) فقوله صحيح أم لا؟ (قال) أي أحمد: (ليس ذلك بمحفوظ) (٤).
стр. 940
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولعل ابن أبي ذئب هذا هو محمد بن عبد الرحمن (١) بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني، أستاذ أحمد بن حنبل، فنسب الصاع إليه, لأنه شيخه وأستاذه.
قال الجوهري: الصاع هو الذي يكال به، وهو أربعة أمداد، قال ابن سيده: الصاع مكيال لأهل المدينة يأخذ أربعة أمداد، قال ابن الأثير: الصاع مكيال يسع أربعة أمداد، والمد مختلف.
واختلف فقهاء البلاد في تقديره، فقال فقهاء الحجاز: الصاع خمسة أرطال وثلث. ويقال: رجع إليه أبو يوسف، قال الحافظ (٢): وتوسط بعض الشافعية فقال: الصاع الذي لماء الغسل ثمانية أرطال، والذي لزكاة الفطر وغيرها خمسة أرطال وثلث، وهو ضعيف.
وقال فقهاء العراق: هو ثمانية أرطال، وكذلك وقع الاختلاف في المد، فقال الشافعي وفقهاء الحجاز: المد رطل وثلث بالعراقي، وقال أبو حنيفة وفقهاء العراق: هو رطلان.
واحتج الفريق الأول بما رواه الشيخان في الفدية، وفيها: "وأطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع"، وفي رواية لهما: فأمره رسول الله ﷺ أن يطعم فرقًا بين ستة، والفرق اثنا عشر مدًا، والمد ربع الصاع، أو يقال: إن الفرق ستة عشر رطلًا، فثبت بذلك أن الفرق ثلاثة آصع، وأن الصاع خمسة أرطال وثلث.
والجواب عن هذا الاستدلال أن استدلالهم بهذا، إما عن قول
стр. 941
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رسول الله ﷺ أو عن غيره، فأما إن كان من قوله ﷺ فلم يثبت بقوله ﷺ أن الفرق اثنا عشر مدًا أو ستة عشر رطلًا، وأما قول بعض أهل اللغة فليس بحجة على أئمة الأحناف, لأنهم قدوة في اللغة أيضًا.
وأيضًا الجملة الواقعة في الحديث: "أن يطعم فرقًا بين ستة" لا نسلم أن يكون من لفظه ﷺ ، بل يمكن أن يكون لفظه ﷺ : "لكل مسكين نصف صاع"، رواه الراوي بالمعنى بما تقرر عنده من مساواة الفرق بثلاثة آصع، فقال: "فأمره أن يطعم فرقًا بين ستة"، وسياق لفظ الحديث ظاهر فيما قلنا، فلما وقع ذلك الاحتمال بطل استدلالهم به.
وأيضًا احتجوا بما أخرجه البيهقي عن الحسين بن الوليد القرشي من قصة قدوم أبي يوسف من الحج، وفحصه عن الصالح لما قدم المدينة، وسأل عن الصاع فأتاه نحو خمسين شيخًا من أبناء المهاجرين مع كل منهم صاعه، وهو يخبر عن أبيه أو عن عمه أو أمه أن هذا صاع رسول الله فعيَّره أبو يوسف فإذا هو خمسة أرطال وثلث، فترك قول أبي حنيفة، وروى أن مالكًا ناظره، واستدل عليه بالصيعان التي جاء بها هؤلاء الرهط، فرجع أبو يوسف إلى قوله.
والجواب عنه: أن هذا نقل عن المجهولين لا يستدل به، ولا يصح الاستدلال بمثل هذا على قاعدة المحدثين.
وأيضًا احتج الطحاوي (١) لهذا الفريق بما أخرجه بسنده عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد وهو الفرق"، وفي رواية: "من إناء واحد من قدح يقال له: الفرق".
стр. 942
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الطحاوي: قالوا: فلما ثبت بهذا الحديث الذي روي عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يغتسل هو وهي من الفرق، والفرق ثلاثة آصع كان ما يغتسل به كل واحد منهما صاعًا ونصفًا، فإذا كان ذلك ثمانية أرطال كان الصاع ثلثيها وهو خمسة أرطال وثلث رطل، وهذا قول أهل المدينة.
ثم أجاب الطحاوي عن هذا الاستدلال بأن حديث عروة عن عائشة إنما فيه ذكر الفرق الذي كان يغتسل منه رسول الله ﷺ ، وهي لم تذكر مقدار الماء الذي يكون فيه هل هو ملؤه أو أقل من ذلك؟ فقد يجوز أن يكون يغتسل هو وهي بملئه، ويجوز أن يكون كان يغتسل هو وهي بأقل من ملئه مما هو صاعان، فيكون كل واحد منهما مغتسلًا لصاع من ماء، ويكون معنى هذا الحديث موافقًا لمعنى الأحاديث التي رويت عن رسول الله ﷺ أنه كان يغتسل بصاع.
واحتج الفريق الثاني أولًا بما أخرجه الطحاوي بسند صحيح عن موسى الجهني عن مجاهد قال: دخلنا على عائشة فاستسقى بعضنا فأتي بِعُسّ، قالت عائشة: كان النبي ﷺ يغتسل بمثل هذا، قال مجاهد: فحزرته فيما أحزر ثمانية أرطال، تسعة أرطال، عشرة أرطال، وقالوا: لم يشك مجاهد في الثمانية، وإنما شك فيما فوقها، فثبت الثمانية بهذا الحديث، وانتفى ما فوقها.
وأجيب عن هذا الاستدلال بوجوه:
الأول: أن الحزر لا يعارض به التحديد، قلت في الجواب عنه: وأين التحديد حتى لا يعارض به؟
والثاني: لم يصرح مجاهد بأن الإناء المذكور كان صاعًا، فيحمل على اختلاف الأواني مع تقاربها.
стр. 943
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: لما ثبت في أحاديث كثيرة عن عائشة أنه ﷺ كان يغتسل بالصاع، ثم أخرجت عائشة بإناء وقالت: كان النبي ﷺ يغتسل بمثل هذا، وحزره مجاهد بثمانية أرطال يقينًا وبتسعة وعشرة شكًا، فألغينا المشكوك، علمنا بهذا أن الصاع يكون ثمانية أرطال، ولم يبق فيه ريب حتى يحتاج إلى أن يصرح بها مجاهد بأن الإناء المذكور كان صاعًا.
والثالث: أن مجاهدًا قد شك في هذا الحزر والتقدير، فكيف يعارض التحديد المصرح؟ وقلت: وهذا أيضًا فاسد فإن مجاهدًا لم يشك في كونه ثمانية أرطال، وإنما شك فيما فوقها فألغوها، وأما دعوى التحديد المصرح فدعوى محض لا دليل عليه إلَّا لسان القائل.
وثانيًا: بما أخرجه الدارقطني (١) بسنده عن أنس بن مالك: "أن النبي ﷺ كان يتوضأ برطلين، ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال"، لكن ضعفه الدارقطني وقال: تفرد به موسى بن نصر وهو ضعيف الحديث، قلت: لكن قال الحافظ في "لسان الميزان" (٢): ذكره ابن حبان في الطبقة الرابعة من "الثقات"، والجملة الأولى أخرجها الطحاوي بسنده عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن جبير عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ يتوضأ برطلين ويغتسل بالصاع"، وفي رواية له: "يتوضأ بالمد وهو رطلان"، قال الطحاوي: فهذا أنس قد أخبر أن مد رسول الله ﷺ رطلان، والصاع أربعة أمداد، فإذا ثبت أن المد رطلان ثبت أن الصاع ثمانية أرطال.
وثالثًا: بما أخرج الطحاوي (٣) فقال: حدثنا ابن أبي عمران قال:
стр. 944
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أنا علي بن صالح وبشر بن الوليد جميعًا عن أبي يوسف قال: قدمت المدينة فأخرج إلى من أثق به صاعًا، فقال: هذا صاع النبي ﷺ ، فقدرته فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل، وسمعت ابن أبي عمران يقول: يقال: إن الذي أخرج هذا لأبي يوسف هو مالك بن أنس، وسمعت أبا حازم يذكر أن مالكًا سئل عن ذلك فقال: هو تحري عبد الملك لصاع عمر بن الخطاب، فكأنّ مالكًا لما ثبت عنده أن عبد الملك تحرى ذلك من صاع عمر، وصاع عمر صاع النبي ﷺ .
وقد قدر صاع عمَر على خلاف ذلك، فحدثنا أحمد بن داود قال: ثنا يعقوب بن حميد قال: ثنا وكيع، عن علي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن موسى بن طلحة قال: الحجاجي صاع عمر بن الخطاب.
حدثنا أحمد قال: ثنا يعقوب قال: ثنا وكيع، عن أبيه، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: عيرنا صاع عمر فوجدناه حجاجيًا، والحجاجي عندهم ثمانية أرطال بالبغدادي.
حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا سفيان بن بشر الكوفي قال: ثنا شريك، عن مغيرة وعبيدة، عن إبراهيم قال: وضع الحجاج قفيزه على صاع عمر، فهذا أولى بما ذكر مالك من تحري عبد الملك, لأن التحري ليس معه حقيقة، وما ذكره إبراهيم، وموسى بن طلحة من العيار معه حقيقة، فهذا أولى، انتهى.
قلت: وكان قد فقد صاع عمر فأخرجه الحجاج، وكان يمن على أهل العراق يقول في خطبته: يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق، ألم أخرج لكم صاع عمر، ولذلك سمي حجاجيًا، وهو صاع العراق.
стр. 945
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال ابن الهمام في "فتح القدير" (١): وأما كون صاع عمر كذلك فأخرج ابن أبي شيبة: ثنا يحيى بن آدم قال: سمعت حسن بن صالح يقول: صاع عمر ثمانية أرطال، وقال شريك: أكثر من سبعة وأقل من ثمانية.
قال ابن الهمام: وقيل: لا خلاف بينهم، فإن أبا يوسف لما حزره وجد خمسة وثلثًا برطل أهل المدينة، وهو أكبر من رطل أهل بغداد, لأنه ثلاثون أستارًا، والبغدادي عشرون، وإذا قابلت ثمانية بالبغدادي بخمسة وثلث بالمدني وجدتهما سواء وهو أشبه, لأن محمدًا لم يذكر في المسألة خلاف أبي يوسف ولو كان لذكره على المعتاد، وهو أعرف بمذهبه.
وحينئذ فالأصل كون الصاع الذي كان في زمن عمر هو الذي كان في زمن النبي ﷺ أولى بالاستصحاب إلى أن يثبت خلافه ولم يثبت، وعند ذلك تكون تلك الزيادة التي فيما تقدم من رواية الدارقطني وهي لفظ ثمانية أرطال ورطلان صحيحة اجتهادًا، وإن كان في الرواة الذين في طريقها ضعف، إذ ليس يلزم من ضعف الراوي سوى ضعفها ظاهرًا لا الانتفاء في نفس الأمر، إذ ليس كلما يرويه الضعيف خطأ، وهذا لتأيدها بما ذكر من الحكم الاجتهادي يكون صاع عمر هو صاع النبي ﷺ .
هذا ولا يخفى ما في واقعة أبي يوسف مع مالك لكون النقل عن المجهولين من النظر، بل عدم ذكر محمد خلافه أقوى منها، فيكون ذلك دليل ضعف وقوع أجل الواقعة لأبي يوسف، ولو كان راويها ثقة، لأن وقوع ذلك منه لعامة الناس ومشافهته إياهم به بما يوهم شهرة رجوعه، ولو كان كذا لم يخف على محمد فهو علة باطنة.
стр. 946
قال: وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: مَنْ أَعْطَى فِى صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِرَطْلِنَا هَذَا خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا فَقَدْ أَوْفَى, قِيلَ له: الصَّيْحَانِىُّ ثَقِيلٌ؟ قَالَ:
===
ثم اعلم أن ما أورده صاحب "عون المعبود" (١) في هذا البحث من الطعن علي الإِمام الطحاوي لا نلوث قلمنا بذكره ولا برده، فالله حسيبه وهو مجاز عليه.
(قال) أي أبو داود: (وسمعت أحمد يقول: من أعطى في صدقة الفطر برطلنا هذا) أي بالبغدادي (خمسة أرطال وثلثًا فقد أوفى) أي فقد أدى صدقة الفطر بالوفاء كاملًا، حاصل ذلك القول أنه لما ساوى عنده الصاع خمسة أرطال وثلثًا، فمن شاء أدى صدقته بمكيل صاع، ومن شاء أدى بوزن خمسة أرطال وثلث رطل، فإنهما مستويان.
(قيل له) أي اعترض عليه: (الصيحاني (٢) ثقيل؟ )، فإذا أدى منه خمسة أرطال وثلثًا هل يكون مؤديًا للواجب وموفيًا له؟
(قال) أي الإِمام أحمد (٣) في جوابه، ولم يتأمل في الاعتراض حق
стр. 947
الصَّيْحَانِىُّ أَطْيَبُ قَالَ: لَا أَدْرِى.
(٩٩) بَابٌ: في الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ
٢٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ: قال: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ
===
التأمل: (الصيحاني أطيب) أي أطيب أنواع التمر وأعلاها، فكيف لا يكون إذا أعطى منه خمسة أرطال وثلثًا مؤديًا.
قال في "القاموس": الصيحاني من تمر المدينة، نسب إلى صَيْحان لِكَبْشٍ كان يُرْبَطُ إليها، أو اسم الكبش الصَّيَّاح، وهو من تغييرات النسب، كَصَنْعانِىٍّ، انتهى.
ثم الإِمام أحمد لما تأمل في وجه السؤال، وعلم أن حاصل الاعتراض أن الصيحاني من أنواع التمر يكون أثقل من غيره، فيكون ما يساوي منه خمسة أرطال وثلثًا وزنًا لا يساوي صاعًا إذا كيل في الصاع لثقله، فلا يبلغ الصاع بل يكون أقل منه، والواجب بالنص صاع، وقد قلت: من أعطى خمسة أرطال وثلثًا فقد أوفى، ففي هذا الحال كيف يكون مؤديًا لصدقته، فلم يحضره الجواب و (قال: لا أدري) وأما عندنا الأحناف فلا يكون مؤديًا حتى يستوفي مقدار الصاع (١).
(٩٩) (بَابٌ: في الغُسْلِ)
أي: في كيفيته وصفته (مِنَ الجَنَابَة)
٢٣٩ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: ثنا زهير) بن معاوية
стр. 948
قال: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قال: ثنِى (١) سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ, عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ, أَنَّهُمْ ذَكَرُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابَةِ,
===
(قال: ثنا أبو إسحاق) السبيعي (قال: ثني سليمان بن صُرَد) (٢) بضم المهملة وفتح الراء، ابن الجون الخزاعي، أبو مطرف الكوفي، له صحبة، وكان اسمه في الجاهلية يسار، فسماه النبي ﷺ سليمان، سكن الكوفة، وكان له شرف في قومه، وشهد مع علي صفين، وكان في من كتب إلى الحسين يسأله القدوم إلى الكوفة، فلما قدمها ترك القتال معه، فلما قتل قدم سليمان هو والمسيب بن نجبة الفزاري وجميع من خذله وقالوا: ما لنا توبة إلَّا أن نقتل أنفسنا في الطلب بدمه، فعسكروا بالنخيلة، وولّوا سليمان أمرهم، ثم ساروا فالتقوا بعبيد الله بن زياد بموضع يقال له: عين الوردة، فقتل سليمان ومن معه سنة ٦٥ هـ، وكان سليمان يوم قتل ابن ثلاث وتسعين سنة.
(عن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة مصغرًا (ابن مطعم) (٣) ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي، قدم على النبي ﷺ في فداء أسارى بدر، ثم أسلم بعد ذلك عام خيبر، وقيل: يوم الفتح، كان يؤخذ عنه النسب، وكان أخذ النسب عن أبي بكر، مات سنة ٥٩ هـ، (أنهم) أي بعض الصحابة (ذكروا عند رسول الله ﷺ الغسل من الجنابة) (٤).
стр. 949
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِى ثَلَاثًا» , وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا.
[خ ٢٥٤، م ٣٢٧، ن ٢٥٠، جه ٥٧٥، ق ١/ ١٧٦، حم ٤/ ٨٤]
٢٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ،
===
وفي "مسند أحمد" قال: "تذاكرنا الغسل من الجنابة عند رسول الله ﷺ "، وفي رواية النسائي: قال: "تماروا في الغسل عند رسول الله ﷺ ، فقال بعض القوم: إني لأغسل كذا وكذا"، وفي رواية البيهقي: "قال: تماروا في الغسل عند رسول الله ﷺ ، فقال بعض القوم: أما أنا فأغسل رأسي كذا وكذا"، فعلم بهذه الروايات أن في رواية أبي داود اختصارًا.
(فقال رسول الله ﷺ : أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم (أنا فأفيض) أي الماء (على رأسي (١) ثلاثًا، وأشار بيديه كلتيهما)، وقسيمُ أَمَّا ما ذكره الحاضرون (٢) من الصحابة، أي أما أنتم فتفعلون (٣) ما ذكرتم، وأما أنا فأفعل هكذا، وفيه سنية التثليث في الإفاضة على الرأس، وألحق به غيره فإن الغسل أولى بالتثليث من الوضوء المبني على التخفيف، قلت: لكن بعض الأحاديث تدل على أنه كان يقصد بالثلاث الاستيعاب مرة لا التكرار مرات كما قررناه في حاشية "سنن أبي داود"، وهكذا قال السندي في "شرح النسائي" (٤).
٢٤٠ - (حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا أبو عاصم) النبيل
стр. 950
عَنْ حَنْظَلَةَ, عَنِ الْقَاسِمِ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَىْءٍ نَحْوِ الْحِلَابِ,
===
(عن حنظلة) بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحي المكي، كان وكيع إذا أتى على حديثه قال: حدثنا حنظلة بن أبي سفيان، وكان ثقة ثقة، وعن أحمد: أنه ثقة ثقة، وعن ابن معين: ثقة حجة، ووثقه أبو زرعة وأبو داود والنسائي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره ابن عدي في "الكامل"، وأورد له حديثًا استنكره، لعل العلة فيه من غيره، وقال ابن المديني: كان عنده كتاب ولم يكن عندي مثل سيف، مات سنة ٥١ هـ.
(عن القاسم) بن محمد، (عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل) أي أراد الاغتسال (من الجنابة دعا بشيء) أي بإناء (نحو الحلاب) أي على مقداره وقريبًا منه، قال في "المجمع": فدعا بإناء نحو من صاع أي قدر صاع.
قال الخطابي (١): الحلاب: إناء يسع قدر حلبة ناقة، وقد ذكره محمد بن إسماعيل في كتابه (٢)، وتأوله على استعمال الطيب في الطهور، وأحسبه توهم أنه يريد به (٣) المحلب الذي يستعمل في غسل