بينه وبين ثلاثة أيام ونحوها، فإن كَانَ عَلَى أن يشرع فِي العمل جَازَ بشرط تعجيل (١) النقد وتأخيره، وإن كَانَ عَلَى أن يتأخر الشروع فِي العمل إلى ثلاثة أيام ونحوها لَمْ يجز تعجيل النقد بشرط حَتَّى يشرع فِي العمل.
وأما الوجه الثالث: وهو أن لا يشترط عمله بعينه ويعين المعمول منه فهو أَيْضاً من باب البيع والإجارة فِي المبيع (٢) إِلا أنّه يجوز عَلَى تعجيل العمل وتأخيره إلى نحو ثلاثة أيام بتعجيل النقد وتأخيره.
وأما الوجه الرابع: وهو أن يشترط عمله دون أن يعين المعمول منه فلا يجوز عَلَى حال؛ لأنه يجتذبه أصلان متناقضان أحدهما لزوم النقد، لكون ما يعمل منه مضموناً، والثاني امتناعه لاشتراط عمل العامل بعينه (٣).
وإِنِ اشْتَرَى الْمَعْمُولَ مِنْهُ واسْتَأْجَرَهُ جَازَ، إِنْ شَرَعَ عَيَّنَ عَامِلَهُ أَمْ لا.
قوله: (وإِنِ اشْتَرَى الْمَعْمُولَ مِنْهُ واسْتَأْجَرَهُ جَازَ) كذا قال ابن الحاجب بإثر المسألة المفروغ منها، فقال فِي " التوضيح ": فارقت هذه المسألة التي قبلها بأن التي قبلها لَمْ يدخل فِيهَا المبيع فِي ملك البائع أولاً، وهذه دخل فِي ملكه ثُمَّ أجّره عَلَى عمله. انتهى (٤). وأصله لابن عبد السلام.
لا فِيمَا لا يُمْكِنُ وَصْفُهُ كَتُرَابِ الْمَعْدِنِ والأَرْضِ، والدُّورِ، والْجِزَافِ، ومَا لا يُوجَدُ، وحَدِيدٍ وإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ السُّيُوفُ فِي سُيُوفٍ وبِالْعَكْسِ، ولا كَتَّانٍ غَلِيظٍ فِي رَقِيقِهِ، إِنْ لَمْ يُغْزَلا، وثَوْبٍ لِيُكَمَّلَ.
قوله: (والأَرْضِ، والدُّورِ ... وما بعدهما) معطوفات عَلَى (ما) من قوله: (لا فِيمَا لا يمكن وصفه لا عَلَى تراب المعدن).
стр. 597
ومَصْنُوعٍ قُدِّمَ لا يَعُودُ هَيِّنَ الصَّنْعَةِ كَالْغَزْلِ، بِخِلافِ النَّسْجِ إِلا ثِيَابَ الْخَزِّ. وإِنْ قُدِّمَ أَصْلُهُ اعْتُبِرَ الأَجَلُ، وإِنْ عَادَ اعْتُبِرَ فِيهِمَا، والْمَصْنُوعَانِ يَعُودَانِ يُنْظَرُ لِلْمَنْفَعَةِ. وجَازَ قَبْلَ زَمَانِهِ قُبُولُ صِفَتِهِ فَقَطْ كَقَبْلَ مَحَلِّهِ فِي الْعَرْضِ مُطْلَقاً. وفِي الطَّعَامِ إِنْ حَلَّ إِنْ لَمْ يَدْفَعْ كِرَاءً، أَوْ لَزِمَ بَعْدَهُمَا كَقَاضٍ إِنْ غَابَ.
قوله: (هَيِّنَ الصَّنْعَةِ) من أوصاف مصنوع.
وجَازَ أَجْوَدُ وأَرْدَأُ، لا أَقَلُّ، إِلا عَنْ مِثْلِهِ، ويُبْرِئُ مِمَّا زَادَ، ولا دَقِيقٌ عَنْ قَمْحٍ، وعَكْسُهُ، وبِغَيْرِ جِنْسِهِ، إِنْ جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ. وبَيْعُهُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ مُنَاجَزَةً، وأَنْ يُسْلَمَ فِيهِ رَأْسُ الْمَالِ، لا طَعَامٍ، ولَحْمٍ بِحَيَوَانٍ، وذَهَبٍ، ورَأْسُ الْمَالِ وَرِقٌ، وعَكْسُهُ.
قوله: (وَجَازَ أَجْوَدُ وأَرْدَأُ) هذا خلاف تفصيل ابن شاس إذ قال: وإن أتى بالجنس وهو أجود وجب قبوله، وإن كَانَ أردى جَازَ قبوله ولم يجب. وتبعه ابن الحاجب (١). قال ابن عبد السلام: وهو قول غير واحد من المتأخرين، واستبعده هو وابن هارون، إذ لا يلزم الإنسان قبول المنة، وتبعهما فِي " التوضيح " فقال: " والمذهب خلافه؛ لأن الجودة هبة، ولا يجب قبولها، واستدل بقوله فِي الصرف من " المدونة ": ومن أقرضته دراهم يزيدية فقضاك محمدية أو قضاك دنانير عتقاء عن هاشمية، أو قضاك سمراء عن محمولة أو شعير لَمْ تجبر عَلَى أخذها حلّ الأجل أو لَمْ يحلّ.
[قال ابن القاسم: وإن قبلتها جَازَ فِي العين من بيع أو قرض (٢) قبل الأجل أو بعده، ولا يجوز فِي الطعام حَتَّى يحلّ] (٣) الأجل كَانَ من قرض أو من بيع؛ لأن الطعام يرجى تغير أسواقه، وليس العين كذلك. ولابن القاسم قول فِي إجازته (٤) من قرض قبل الأجل إن لَمْ يكن فِي ذلك وأبى ولا عادة.
стр. 598
سحنون: وهو أحسن إن شاء الله تعالى. قال فِي " التوضيح ": والمحمدية والعتق والسمراء أفضل. انتهى (١).
وكأنه أحال المسألة عن وجهها، وأما ابن عرفة فقال فِيمَا ذكر ابن هارون وابن عبد السلام عن ظاهر المذهب: نظر، بل ظاهر قوله فِي " المدونة ": من اشترى جارية على جنس [فوجد] (٢) أجود منه لزمه (٣)، كنقل ابن شاس؛ لأن مسألة " المدونة " عامة فِي البيع والسلم، والأَظْهَر إن دفعه [المسلم] (٤) إليه عَلَى وجه التفضل لَمْ يلزم قبوله، وإن دفعه لدفعه عن نفسه مشقة تعويضه بمثل ما شرطه لزمه قبوله.
وجَازَ بَعْدَ أَجَلِهِ الزِّيَادَةُ لِيَزِيدَهُ طُولاً كَقَبْلَهُ، إِنْ عَجَّلَ دَرَاهِمَهُ، وغَزْلٍ يَنْسِجُهُ.
قوله: (إِنْ عَجَّلَ دَرَاهِمَهُ) هذا تنكيت على قول بعض شراح ابن الحاجب أن الضمير فِي قوله: (إن عجلها (٥) يعود عَلَى الزيادة لا عَلَى ثمنها، [وقد ردّ] (٦) ذلك عَلَيْهِ فِي " التوضيح " (٧)، وسمعت أن قائل ذلك هو برهان الدين السفاقسي صاحب " إعراب القرآن العزيز ".
لا أَعْرَضَ أَوْ أَصْفَقَ وَلا يَلْزَمُ دَفْعُهُ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ ولَوْ خَفَّ حَمْلُهُ.
قوله: (لا أَعْرَضَ أَوْ أَصْفَقَ) هذا خلاف ما لابن شاس وابن الحاجب (٨) أن [الأعرض
стр. 599
كالأطول (١). قال فِي " التوضيح ": وفِيهِ نظر وإنما جوّز فِي " المدونة " الأطول، ومقتضى كلام اللخمي أن] (٢) الأعراض (٣) متفق عَلَى منعه؛ لأنه قال إِذَا زاده دراهم ليأخذ إِذَا حلّ الأجل [٨١ / ب] أصفق أوراق أو أعرض لَمْ يجز، وهو فسخ دين فِي دين، ويجوز ذلك إِذَا حلّ الأجل وكان العرض الثاني حاضراً أو قاما ليقضيه قبل الافتراق، وإن زاده قبل الأجل ليأخذ أطول وهو عَلَى الصفة فِي الجودة جَازَ عند ابن القاسم وقال سحنون: هو فسخ دين فِي دين، والأول أصوب وهو مقتضى كلام ابن يونس. انتهى (٤).
وأما ابن عرفة فأغفل كلام اللخمي وقال: قال الباجي: إن زاده عَلَى أن يزيده [في الصفاقة والطول ففي " المَوَّازِيَّة " لا يجوز؛ لأنه نقله لصفةٍ أخرى (٥).
ابن زرقون: ولا يجوز عَلَى أن يزيده] (٦) فِي العرض. ابن عرفة: إن أراد مع الزيادة فِي الصفاقة فصواب، وإن أراد دونها ففِيهِ نظر، وظاهر قوله فِي " المدونة " كما لو دفعت إليه غزلاً ينسجه ستاً فِي ثلاثة ثُمَّ زدته دراهم وغزلاً عَلَى أن يزيدك فِي طول أو عرض جَازَ (٧) أنّه فِي هذه جائز أَيْضاً، والحق إن كَانَ الثوب للتفصيل فزيادة العرض كالطول وإِلا لَمْ يجز؛ لأنه يصير العرض صفة فِيهِ.
стр. 600
[فصل] (١)
يَجُوزُ قَرْضُ مَا يُسْلَمُ فِيهِ فَقَطْ، إِلا جَارِيَةً تَحِلُّ لِلْمُسْتَقْرِضِ. ورُدَّتْ، إِلا أَنْ تَفُوتَ عِنْدَهُ بِمُفَوِّتِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، فَالْقِيمَةُ. كَفَاسِدِهِ، وحَرُمَ هَدِيَّتُهُ، إِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِثْلُهَا، أَوْ يَحْدُثْ مُوجِبٌ، كَرَبِّ الْقِرَاضِ وعَامِلِهِ. ولَوْ بَعْدَ شَغْلِ الْمَالِ عَلَى الأَرْجَحِ.
قوله: (كَرَبِّ الْقِرَاضِ وعَامِلِهِ. ولَوْ بَعْدَ شَغْلِ الْمَالِ عَلَى الأَرْجَحِ) مقتضى " التوضيح " (٢) أن هذا الإغياء المشعر بالخلاف مع التصريح بالأَرْجَحية راجع للثاني فقط؛ لأنه قال فِي " التوضيح ": وألْحق بهدية المديان هدية ربّ المال لعامله؛ لأنه يقصد بذلك أن يديم (٣) العمل، وأما هدية العامل لربّ المال فإن لَمْ يشغل المال منع باتفاق، وإن شغله فللمتأخرين قَوْلانِ بناءً عَلَى اعتبار الحال أو المآل، واختار ابن يونس المنع مُطْلَقاً. انتهى (٤).
وأما ابن عرفة فقال ظاهر قول المازري أن خلاف المتأخرين عامّ فِي كونها من العامل لربّ المال وعكسه، وقال ابن بشير: أما هدية العامل لربّ المال فإن لَمْ يشغل المال منعت اتفاقاً، وإن شغل ففي المنع والجواز قَوْلانِ للمتأخرين، فخصّ النقل بكونها من العامل، وفِيهَا للقراض (٥) هدية عامل القراض كالمديان.
وذِي الْجَاهِ والْقَاضِي، ومُبَايَعَتِهِ مُسَامَحَةً.
قوله: (وذِي الْجَاهِ والْقَاضِي) عطف من يأخذ عَلَى من يعطي اتكالاً عَلَى تمييز ذهن السامع.
أو جَرُّ مَنْفَعَةٍ كَشَرْطِ عَفِنٍ بِسَالِمٍ.
قوله: (وجَرُّ مَنْفَعَةٍ) الأصوب ضبطه مصدراً مرفوعاً معطوفاً بالواو على هديته كما فِي بعض النسخ.
[أحكام المقاصة]
تَجُوزُ الْمُقَاصَّةُ فِي دَيْنَيِ الْعَيْنِ مُطْلَقاً، إِنِ اتَّحَدَا صِفَةً وقَدْراً، حَلا أَواحدهُمَا، أَمْ لا. وإِنِ اخْتَلَفَا صِفَةً مَعَ اتِّحَادِ النَّوْعِ أَوِ اخْتِلافِهِ، فَكَذَلِكَ إِنْ حَلا وإِلا فَلا كَأَنِ اخْتَلَفَا زِنَةً مِنْ بَيْعٍ، والطَّعَامَانِ مِنْ قَرْضٍ كَذَلِكَ، ومُنِعَا مِنْ بَيْعٍ، ولَوْ مُتَّفِقَيْنِ، ومِنْ قَرْضٍ وبَيْعٍ تَجُوزُ، إِنِ اتَّفَقَا وحَلا، لا إِنْ لَمْ يَحِلا، أَوْ حَلَّ أَحَدُهُمَا. وتَجُوزُ فِي الْعَرْضَيْنِ مُطْلَقاً إِنِ اتَّحَدَا جِنْساً وصِفَةً كَأَنِ اخْتَلَفَا جِنْساً واتَّفَقَا أَجَلاً، وإِنِ اخْتَلَفَا أَجَلاً مُنِعَتْ إِنْ لَمْ يَحِلا أَواحدهُمَا. وإِنِ اتَّحَدَا جِنْساً والصِّفَةُ مُتَّفِقَةٌ أَوْ مُخْتَلِفَةٌ جَازَتْ إِنِ اتَّفَقَ الأَجَلُ وإِلا فَلا مُطْلَقاً.
قوله: (كَأَنِ اخْتَلَفَا زِنَةً مِنْ بَيْعٍ) هذا وفاق لابن شاس وابن الحاجب (١) وابن عبد السلام وابن هارون، وأما ابن عرفة فقال: الأسعد بالمذهب قول ابن بشير: إن اختلفا فِي المقدار والصفة لَمْ تجز المقاصّة إِلا أن يحلّ الأجلان، وكذلك إن اتفقا فِي المقدار دون الصفة لقبول (٢) ابن يونس قول ابن حبيب: وإن كَانَ أحد المذهبين ناقضاً والآخر وازنا لَمْ تجز المقاصّة حَتَّى تحل الوازنة.
وقال محمد: إن اختلف العدد فكان أولهما حلولاً (٣) أكثرهما جازت المقاصّة ومثله فِي " النوادر "؛ ولأن علة بيع (٤) الزيادة فِي البدل كونه صريح معاوضة فِي معينين حسيين تختلف الأغراض فِي أعيانهما، وإِلا لما طلبت المبادلة فيهما، فاندرجت تحت بيع الذهب بالذهب، فالزيادة فيها (٥) رباً والمقاصة عرية عن هذا؛ لأن العوضين فِيهَا غير معينين، فكانت الزيادة فِيهَا محض هبة. انتهى. فتأمله مع ما فِي " التوضيح " (٦).
стр. 603
[باب الرهن]
الرَّهْنُ بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ مَا يُبَاعُ، أَوْ غَرَراً (١)، ولَوِ اشْتُرِطَ فِي الْعَقْدِ وَثِيقَةً بِحَقٍّ كَوَلِيٍّ، ومُكَاتِبٍ، ومَأْذُونٍ، وآبِقٍ، وكِتَابَةٍ، واسْتُوفِيَ مِنْهَا، أَوْ رَقَبَتِهِ، إِنْ عَجَزَ، وخِدْمَةِ مُدَبَّرٍ، وإِنْ رُقَّ جُزْءٌ فَمِنْهُ، لا رَقَبَتِهِ وهَلْ يَنْتَقِلُ لِخِدْمَتِهِ؟ قَوْلانِ كَظُهُورِ حُبُسِ دَارٍ، ومَا لَمْ يَبْدُ صَلاحُهُ، وانْتُظِرَ لِيُبَاعَ، وحَاصَّ مُرْتَهِنُهُ فِي الْمَوْتِ والْفَلَسِ، فَإِذَا صَلَحَتْ بِيعَتْ فَإِنْ وَفَّى رَدَّ مَا أَخَذَهُ، وإِلا قُدِّرَ مُحَاصَّاً بِمَا بَقِيَ، لا كَأَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ، أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ، وكَجَنِينٍ، وخَمْرٍ، وإِنْ لِذِمِّيٍّ، إِلا أَنْ يَتَخَلَّلَ، وإِنْ تَخَمَّرَ أَهْرَاقَهُ بِحَاكِمٍ، وصَحَّ مُشَاعٌ.
قوله: (الرَّهْنُ بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ) أي: إعطاء من يجوز له البيع احترازاً من الصغير والمجنون والعبد والمحجور عَلَيْهِ ونحوهم وبالإعطاء عبّر ابن الحاجب (٢)؛ فقال ابن عرفة: يتعقب بأنه لا يتناول الرهن بحال لأنه اسم والإعطاء مصدر وهما متباينان، وإنما الرهن مال قبض توثقاً به فِي دين.
وحِيزَ بِجَمِيعِهِ، إِنْ بَقِيَ فِيهِ لِلرَّاهِنِ.
قوله: (وَحِيزَ بِجَمِيعِهِ، إِنْ بَقِيَ فِيهِ لِلرَّاهِنِ) كذا فِي النسخ التي وقفنا عَلَيْهَا بجرّ جميعه بالباء أي: وحيز الجزء المشاع بحوز جميعه.
وَلا يَسْتَأْذِنُ شَرِيكَهُ، ولَهُ أَنْ يَقْسِمَ ويَبِيعَ ويُسَلِّمَ.
قوله: (وَلا يَسْتَأْذِنُ شَرِيكَهُ، ولَهُ أَنْ يَقْسِمَ ويَبِيعَ ويُسَلِّمَ) أي: وللشريك أن يقسم ما يقبل القسمة ويبيع حظه أو الجميع صفقة، ويسلّم ما باع لمبتاعه. [٨٢ / أ] قال ابن عرفة: وصوّب الباجي قول ابن القاسم: " لا يفتقر لإذن الشريك؛ لأن ذلك لا يمنعه بيع حظه أو دعاءه لبيع جميعه، فإن باعه بغير جنس الدين كَانَ الثمن رهناً وإن كَانَ بجنسه قضى منه الدين إن لَمْ يأت برهنٍ مثله " (٣) انتهى. وقال ابن عبد السلام: الصحيح عندي ما قال الباجي، فليتأمل مع قوله فِي " التوضيح ": ينبغي أن يستأذنه أَيْضاً عَلَى قول ابن
стр. 604
القاسم؛ لأن الشريك قد يدعو [لبيع الجميع] (١)، [فيؤدي إلى بيع النصيب المرتهن، ومن حقّ المرتهن أن يتوثق فِي الرهن، حتى لا يكون لأحد حقّ فِي إزالة يده عنه إِلا بعد قضاء الدين، فإذا استؤذن لَمْ يكن له أن يدعو لبيع الجميع] (٢) قبل القضاء. انتهى مختصراً. فشأنك به (٣).
ولَهُ اسْتِئْجَارُ جُزْءِ غَيْرِهِ ويَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ لَهُ، ولَوْ أَمَّنَا شَرِيكاً فَرَهَنَ حِصَّتَهُ لِلْمُرْتَهِنِ، وأَمَّنَا الرَّاهِنَ الأَوَّلَ بَطَلَ حَوْزُهُمَا، والْمُسْتَأْجَرُ والْمُسَاقَى، وحَوْزُهُمَا الأَوَّلُ كَافٍ والْمِثْلِيُّ ولَوْ عَيْناً بِيَدِهِ، إِنْ طُبِعَ عَلَيْهِ. وفَضْلَتُهُ، إِنْ عُلِمَ الأَوَّلُ ورُضِيَ ولا يَضْمَنُهَا الأَوَّلُ كَتَرْكِ الْحِصَّةِ الْمُسْتَحَقَّةِ.
قوله: (ولَهُ اسْتِئْجَارُ جُزْءِ غَيْرِهِ ويَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ لَهُ) أي: وللراهن اكتراء جزء شريكه، ويقبض المرتهن الجزء للراهن، يريد أو يقاسمه الرقاب أو المنافع، قاله اللخمي.
ورَهْنُ نِصْفِهِ، ومُعْطِي دِينَاراً لِيَسْتَوْفِيَ نِصْفَهُ [وَيَرُدَّ نِصْفَهُ] (٤). فَإِنْ حَلَّ أَجَلُ الثَّانِي أَوَّلاً قُسِمَ، إِنْ أَمْكَنَ. وإِلا بِيعَ وقُضِيَا، والْمُسْتَعَارُ لَهُ.
قوله: (ورَهْنُ نِصْفِهِ) هو مجرور عطفاً عَلَى كـ (ترك)، وأشار به لقوله [في] (٥) أول رهون " المدونة ": ومن ارتهن نصف ثوبٍ فقبض جميعه فهلك عنده لَمْ يضمن إِلا نصفه، ثُمَّ شبهه بمسألة الدينار (٦).
ورَجَعَ صَاحِبُهُ بِقِيمَتِهِ، أَوْ بِمَا أَدَّى مِنْ ثَمَنِهِ نُقِلَتْ عَلَيْهِمَا، وضَمِنَ إِنْ خَالَفَ، وهَلْ مُطْلَقاً، أَوْ إِذَا أَقَرَّ الْمُسْتَعِيرُ لِمُعِيرِهِ وخَالَفَ الْمُرْتَهِنُ ولَمْ يَحْلِفِ الْمُعِيرُ؟ تَأْوِيلانِ، وبَطَلَ بِشَرْطٍ مُنَافٍ كَأَنْ لا يُقْبَضُ.
قوله: (أَوْ بِمَا أَدَّى مِنْ ثَمَنِهِ) الفاعل بأدى ضمير يعود عَلَى صاحب الرهن المعار؛
стр. 605
لأنه لما كَانَ أداء الدين من ثمن شيئه كَانَ مؤدياً (١) وإن لَمْ يباشر الأداء فهو كقول أبي سعيد: ويتبع المعير المستعير بما أدى عنه من ثمن سلعته (٢).
وبِاشْتِرَاطِهِ فِي بَيْعِ فَاسِدٍ ظَنَّ فِيهِ اللُّزُومَ، وحَلَفَ الْمُخْطِئُ الرَّاهِنُ أنّه ظَنَّ لُزُومَ الدِّيَّةِ ورَجَعَ.
قوله: (وَبِاشْتِرَاطِهِ فِي بَيْعِ فَاسِدٍ [ظَنَّ فِيهِ اللُّزُومَ) أشار به لقول ابن شاس: " ولو شرط عَلَيْهِ رهناً فِي بيعٍ فاسدٍ] (٣) فظنّ لزوم الوفاء به فرهنه فله الرجوع عنه كما لو ظنّ أن عَلَيْهِ ديناً فأداه، ثُمَّ تبين أن لا دين فإنه يستردّ ". انتهى (٤). وهو نصّ ما وقفت عَلَيْهِ فِي " وجيز " الغزالي، وقد أصاب ابن الحاجب فِي إضرابه عنه صفحاً، وأما المصنف فنقله فِي " التوضيح " عند قوله: (ويعمل له) (٥)، وأما ابن عرفة فلم يعرّج عَلَيْهِ بقبولٍ ولا ردّ؛ خلاف المألوف من عادته، وما أراه إِلا مخالفاً للمذهب، فتأمله مع ما قبل ابن عرفة من قول (٦) اللخمي: إن كَانَ الرهن بدينارين قضى أحدهما أو بثمن عبدين استحقّ أحدهما أو رد بعيب أو بمائة ثمن عبد بيع بيعاً فاسداً، فكانت قيمته [خمسين فالرهن رهن] (٧) بما بقي (٨).
وتأمله أَيْضاً مع قول ابن يونس: قال ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم: من ابتاع بيعاً فاسداً عَلَى أن يرتهن بالثمن رهناً صحيحاً أو فاسداً فرهنه إياه وقبضه: فإنه أحقّ به من الغرماء؛ لأنه عَلَيْهِ وقع البيع، وكذا إن كَانَ البيع صحيحاً والرهن فاسداً، عَلَى أن اللخمي وابن يونس [لم يتنازلا] (٩) لظن اللزوم.
стр. 606
أَوْ فِي قَرْضٍ مَعَ دَيْنٍ قَدِيمٍ، وصَحَّ فِي الْجَدِيدِ، وبِمَوْتِ رَاهِنِهِ أَوْ فَلَسِهِ قَبْلَ حَوْزِهِ، ولَوْ جَدَّ فِيهِ، وبِإِذْنِهِ فِي وَطْءٍ، أَوْ إِسْكَانٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، ولَوْ لَمْ يُسْكِنْ، وتَوَلاهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِهِ، أَوْ [٥٥ / أ] فِي بَيْعٍ وسَلَّمَ، وإِلا حَلَفَ وبَقِيَ الثَّمَنُ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِرَهْنٍ كَالأَوَّلِ كَفَوْتِهِ بِجِنَايَةٍ، وأُخِذَتْ قِيمَتُهُ، وبِعَارِيَةٍ أُطْلِقَتْ وعَلَى الرَّدِّ.
قوله: (أَوْ فِي قَرْضٍ) معطوف عَلَى قوله: (في بَيْعِ فَاسِدٍ).
أَوِ اخْتِيَاراً (١)، فَلَهُ أَخْذُهُ، إِلا بِفَوْتِهِ بِكَعِتْقٍ، أَوْ حُبُسٍ.
قوله: (أو اختياراً) يريد غير العارية؛ لتقدمها.
أَوْ تَدْبِيرٍ، أَوْ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ، وغَصْباً، فَلَهُ أَخْذُهُ مُطْلَقاً.
قوله: (أَوْ تَدْبِيرٍ) كذا نقله ابن يونس عن " المَوَّازِيَّة "، وبحث ابن عبد السلام تكلّم فِيهِ ابن عرفة.
وإِنْ وَطِئَ غَصْباً فَوَلَدُهُ حُرٌّ، وعَجَّلَ الْمَلِيءُ الدَّيْنَ وقِيمَتَهُ، وإِلا بُقِّيَ وصَحَّ بِتَوْكِيلِ مُكَاتِبِ الرَّاهِنِ فِي حَوْزِهِ، وكَذَلِكَ أَخُوهُ عَلَى الأَصَحِّ لا مَحْجُورِهِ ورَقِيقِهِ والْقَوْلُ لِطَالِبِ تَحْوِيزِهِ لأَمِينٍ. وفِي تَعْيِينِهِ نَظَرَ الْحَاكِمِ، وإِنْ سَلَّمَهُ دُونَ إِذْنِهِمَا لِلْمُرْتَهِنِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ، ولِلرَّاهِنِ ضَمِنَهَا أَوِ الثَّمَنَ، وانْدَرَجَ صُوفٌ تَمَّ، وجَنِينٌ.
قوله: (وَإِنْ وَطِئَ غَصْباً فَوَلَدُهُ حُرٌّ، وعَجَّلَ الْمَلِيءُ الدَّيْنَ وقِيمَتَهُ، وإِلا بُقِّيَ) أي: وإن لَمْ يكن الواطئ ملياً بقي الرهن لأجله، ومنه يفهم ما ذكر فِي " المدونة " من بيع الجارية بعد الوضع وبعد حلول الأجل (٢).
وقد أجاد بعض الأذكياء ممن لقيناه إذ نظم النظائر المذكورة فِي هذا المحلّ من " التوضيح " فقال: رحمه الله تعالى:
تُبَاعُ عِنْدَ مَالِكٍ أُمُّ الْوَلَدْ ... لِلدَّيْنِ فِي سِتِّ مَسَائِلَ تُعَدْ
وارْتَهَنَ إِنْ أَقْرَضَ، أَوْ بَاعَ، أَوْ يَعْمَلْ لَهُ وإِنْ فِي جُعْلٍ، لا فِي مُعَيَّنٍ أَوْ مَنْفَعَتِهِ، ونَجْمِ كِتَابَةٍ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، وجَازَ شَرْطُ مَنْفَعَتِهِ، إِنْ عُيِّنَتْ بِبَيْعٍ، لا قَرْضٍ وفِي ضَمَانِهِ إِذَا تَلِفَ تَرَدُّدٌ، وأُجْبِرَ عَلَيْهِ، إِنْ شُرِطَ بِبَيعٍ وعُيِّنَ وإِلا فَرَهْنٌ ثِقَةٌ.
قوله: (وَارْتَهَنَ إِنْ أَقْرَضَ، أَوْ بَاعَ، أَوْ يَعْمَلْ لَهُ) كذا فِيمَا رأينا من النسخ وفِيهِ قلق، وعبارة ابن الحاجب أبين منه إذ قال: ويجوز عَلَى أن يقرضه أو يبيعه أو يعمل له (١). ويكون بقبضه الأول رهناً، وكذا عبارة ابن عرفة إذ قال: قال: المازري ويتقرر (٢) الرهن والتزامه قبل انعقاد الحقّ الذي يؤخذ به الرهن، خلافاً للشافعي، وفِيهَا إن دفعت لرجلٍ رهناً بكلّ ما أقرض لفلان جَازَ.
والْحَوْزُ بَعْدَ مَانِعِهِ لا يُفِيدُ، ولَوْ شَهِدَ الأَمِينُ، وهَلْ تَكْفِي بَيِّنَةٌ عَلَى الْحَوْزِ قَبْلَهُ وبِهِ عُمِلَ؟ أَوِ التَّحْوِيزِ؟ (٣). وفِيهَا دَلِيلُهُمَا ومَضَى بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ إِنْ فَرَّطَ مُرْتَهِنُهُ، وإِلا فتَأْوِيلانِ، وبَعْدَهُ فَلَهُ رَدُّهُ إِنْ بِيعَ بِأَقَلَّ، أَوْ دَيْنُهُ عَرْضاً، وإِنْ أَجَازَ تَعَجَّلَ وبَقِيَ إِنْ دَبَّرَهُ، ومَضَى عِتْقُ الْمُوسِرِ وَكِتَابَتُهُ، وعَجَّلَ، والْمُعْسِرُ يَبْقَى، فَإِذَا تَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِيعَ كُلُّهُ والْبَاقِي لِلرَّاهِنِ، ومُنِعَ الْعَبْدُ مِنْ وَطْءِ أَمَتِهِ الْمَرْهُونُ هُوَ مَعَهَا، وحُدَّ مُرْتَهِنٌ وَطِئَ إِلا بِإِذْنٍ، وتُقَوَّمُ بِلا وَلَدٍ حَمَلَتْ أَمْ لا.
قوله: (وَالْحَوْزُ بَعْدَ مَانِعِهِ لا يُفِيدُ. وَلَوْ شَهِدَ الأَمِينُ. وهَلْ تَكْفِي بَيِّنَةٌ عَلَى الْحَوْزِ قَبْلَهُ وبِهِ عُمِلَ؟ أَوِ التَّحْوِيزِ، وفِيهَا دَلِيلُهُمَا) أشار بقوله: (وَبِهِ عُمِلَ) إلى قول ابن عات فِي " طرره " والعمل أنّه إِذَا وجد بيده وقد حازه كَانَ رهناً وإن لَمْ يحضر والحيازة ولا عاينوها؛ لأنه صار مقبوضاً وكذا الصدقة، وهو مراد ابن عبد السلام ببعض الأندلسيين.
وأشار بقوله: (وفِيهَا دليلهما) إلى قول ابن رشد فِي " المقدمات " ما نصّه: " ولا تنفع الشهادة فِي حيازة الرهن إِلا بمعاينة البينة (٤)؛ لأن فِي تقارّ المتراهنين بالحيازة إسقاط حقّ غيرهما إذ قد يفلس الراهن فلا يقبل منه إقراره بعد التفليس بالحيازة، ولو وجد الرهن
стр. 609
بيد المرتهن بعد التفليس فادعى أنّه قبضه قبل التفليس، وجحد ذلك الغرماء لجرى الأمر عَلَى الاختلاف فِي الصدقة توجد بيد المتصدق عَلَيْهِ بعد موت المتصدق فيدعي قبضها فِي صحته، وفِي " المدونة " دليل القولين معاً ولو لَمْ يتعلق بذلك للغرماء حقّ لوجب أن يصدق الراهن ويقبل إقراره له؛ لأنه قد حاز الرهن فيكون بإقراره له شاهداً عَلَى حقه إلى مبلغ قيمته " (١). انتهى، ونقله المتيطي بلفظه.
فأنت ترى المصنف ترك كلام ابن رشد فِي غير محله إذ ردّ دليلي " المدونة " لبينة الحوز والتحويز، وإنما قال ذلك ابن رشد فِيمَا إِذَا وجد الرهن بيد المرتهن بعد التفليس فادعى أنّه قبضه قبله ولا بينة له، وقال ابن عرفة: ظاهر عموم قوله فِي كتاب الهبة من " المدونة ": ولا يقضي بالحيازة إِلا بمعاينة البينة لحوزه فِي حبسٍ أو رهن أو هبة أو صدقة " (٢). أن مجرد الإشهاد والإقرار بالحوز لغو، وكَانَ يجري فِي المذاكرات: أن التحويز فِي حوز الرهن شرط لا يكفي الحوز دونه لبقاء ملك الراهن بِخِلاف الهبة.
وفِي هبة " المدونة " أَيْضاً: " ومن وهب لرجلٍ هبة لغير الثواب فقبضها الموهوب بغير أمر الواهب جَازَ قبضه إذ يقضى عَلَى الواهب بذلك إِذَا منعه إياها (٣). ظاهر تعليله بالقضاء عَلَيْهِ بذلك يوجب كون الرهن كذلك، وفِي " النوادر " عن مطرف وأصبغ فِي الرهن يوجد بيد المرتهن بعد موت راهنه يقبل قوله: حزته فِي صحته وكذا فِي الهبة خلاف قول ابن حبيب وابن الماجشون لا يقبل فيهما ". انتهى.
وفِي كتاب الهبة أَيْضاً: ولو أقرّ المعطِي فِي صحته أن المعطَى قد حاز وقبض وشهدت عَلَيْهِ بإقراره بينة ثُمَّ مات لَمْ يقبض بذلك إن أنكر ورثته (٤). قال عياض: ظاهره بيد من [كانت حين] (٥) المخاصمة فهذا الحكم فِيهَا وهو عَلَى قول عبد الملك وابن حبيب، وقال
стр. 610
مطرف وأصبغ: إن كانت بيد المتصدق عَلَيْهِ وقت الاختلاف فذلك يكفِيهِ مع ثبوت أصل الصدقة والبينة عَلَى من يريد إخراجها من يده.
قال أبو الحسن الصغير: " وسبب الخلاف الاستصحاب؛ لأن (١) استصحاب الملك لا ينتقل عنه إِلا بيقين، واستصحاب هذا الانتقال أنّه كَانَ بوجهٍ جائز " انتهى فتأمل [كلامه] (٢) هذا كله مع تنزيل المصنف. والله أعلم.
ولِلأَمِينِ بَيْعُهُ بِإِذْنٍ فِي عَقْدِهِ.
قوله: (ولِلأَمِينِ بَيْعُهُ بِإِذْنٍ فِي عَقْدِهِ) إنما جَازَ وإن كَانَ فِي نفس العقد؛ لأنه محض توكيل سالم عن توهم كون الراهن فِيهِ مكرهاً كما قال ابن عرفة.
كَالْمُرْتَهِنِ بَعْدَهُ.
قوله: (كَالْمُرْتَهِنِ بَعْدَهُ) أي بعد العقد لا فِي نفس العقد كذا نسب فِي " التوضيح لصاحب البيان، وابن زرقون. قال: " لكن نقل المتيطي عن بعض الموثقين منعه؛ لأنه هدية المديان ". انتهى (٣) والذي لابن رشد فِي رسم [٨٣ / أ] شكّ من سماع ابن القاسم أن مذهب " المدونة " و " العُتْبِيَّة ": أن ذلك لا يجوز ابتداءً؛ لأنها وكالة اضطرار لحاجته إلى ابتياع ما اشترى أو استقراض ما استقرض ثُمَّ قال: " وأما لو طاع الراهن للمرتهن بعد العقد بأن يرهنه رهناً ويوكله عَلَى بيعه عند حلول أجل الدين لجاز باتفاق؛ لأن ذلك معروف من الراهن إلى المرتهن فِي الرهن والتوكيل عَلَى البيع ". انتهى القصد منه فقف عَلَيْهِ كلّه فِي أصله (٤).
стр. 611
وإِلا مَضَى فِيهِمَا، ولا يُعْزَلُ الأَمِينُ، ولَيْسَ لَهُ إِيصَاءٌ بِهِ. وبَاعَ الْحَاكِمُ، إِنِ امْتَنَعَ، ورَجَعَ مُرْتَهِنُهُ بِنَفَقَتِهِ فِي الذِّمَّةِ، ولَوْ لَمْ يَأْذَنْ، ولَيْسَ رَهْناً بِهِ إِلا أَنْ يُصَرَّحَ بِأَنَّهُ رَهْنٌ بِهَا.
وهَلْ وإِنْ قَالَ: نَفَقَتُكِ فِي الرَّهْنِ؟ تَأْوِيلانِ. فَفِي افْتِقَارِ الرَّهْنِ لِلَفْظٍ مُصَرَّحٍ بِهِ: تَأْوِيلانِ. وإِنْ أَنْفَقَ مُرْتَهِنٌ عَلَى: كَشَجَرٍ خِيفَ عَلَيْهِ: بُدِئَ بِالنَّفَقَةِ، وتُؤُوِّلَتْ عَلَى [عَدَمِ] (١) جَبْرِ الرَّاهِنِ عَلَيْهِ مُطْلَقاً، وعَلَى التَّقْيِيدِ بِالتَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَقْدِ، وضَمِنَهُ مُرْتَهِنٌ، إِنْ كَانَ بِيَدِهِ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ ولَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ بِكَحَرْقِهِ، ولَوْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ.
قوله: (وَإِلا مَضَى فِيهِمَا) أي وإن قال إن لَمْ آت فوقع البيع من الأمين [أو] (٢) المرتهن مضى. قال فِي " المدونة ": ومن ارتهن رهناً وجعله عَلَى يد عدل أو عَلَى يد المرتهن إلى أجل كذا، وشرط إن جاء الراهن بحقه إلى ذلك الأجل وإِلا فلمن عَلَى يديه الرهن بيعه فلا يباع إِلا بإذن السلطان، وإن اشترط (٣) ذلك فإن بيع نفذ بيعه ولا يردّ (٤).
أَوْ عُلِمَ احْتِرَاقُ مَحَلِّهِ، إِلا بِبَقَاءِ بَعْضِهِ مُحْرَقاً.
قوله: (أَوْ عُلِمَ احْتِرَاقُ مَحَلِّهِ، إِلا بِبَقَاءِ بَعْضِهِ مُحْرَقاً) الضمير فِي محلّه يعود عَلَى الرهن أي المحل المعتاد للرهن الذي لا ينتقل (٥) منه عادة، وبه تقيّد فتوى الباجي بعدم الضمان فِي العلم.
تنبيه:
لم يعرّج هنا عَلَى ما اشترط ابن المواز من أن يعلم أن النار من غير سبب المرتهن؛ كأنه حمله عَلَى الخلاف، وقد نقل فِي " التوضيح " الخلاف فِي كونه خلافًاً أو تفسيراً (٦).
стр. 612
[٥٥ / ب] وأَفْتَي بِعَدَمِهِ فِي الْعِلْمِ.
قوله: (وَأَفْتَي بِعَدَمِهِ فِي الْعِلْمِ) ذكر هنا فِي " التوضيح " فتيا الباجي والمازري والسيوري (١)، واقتصر ابن عرفة عَلَى الأولى.
وإِلا فَلا، ولَوِ اشْتَرَطَ ثُبُوتَهُ، إِلا أَنْ يُكَذِّبَهُ عُدُولٌ فِي دَعْوَاهُ مَوْتَ دَابَّةٍ.
قوله: (وإِلا فَلا) أي لَمْ يكن بيده أو كَانَ مما لا يغاب عَلَيْهِ أو شهدت بينة بحرقه، أو علم احتراق محلّه وبقي منه شيء محرق فلا ضمان عَلَيْهِ.
وحَلَفَ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ أنّه تَلِفَ بِلا دُلْسَةٍ، ولا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ واسْتَمَرَّ ضَمَانُهُ، إِنْ قُبِضَ الدَّيْنُ، أَوْ وُهِبَ، إِلا أَنْ يُحْضِرَهُ [الْمُرْتَهِنُ] (٢)، أَوْ يَدْعُوهُ لأَخْذِهِ، فَيَقُولُ: أَتْرُكُهُ عِنْدَكَ. وإِنْ جَنَى الرَّهْنُ واعْتَرَفَ رَاهِنُهُ لَمْ يُصَدَّقْ إِنْ أَعْدَمَ، وإِلا بَقِيَ، إِنْ فَدَاهُ، وإِلا أُسْلِمَ بَعْدَ الأَجَلِ، ودَفْعِ الدَّيْنِ وإِنْ ثَبَتَتْ، أَوِ اعْتَرَفَا وأَسْلَمَهُ، فَإِنْ أَسْلَمَهُ مُرْتَهِنُهُ أَيْضاً، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِمَالِهِ، وإِنْ فَدَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَفِدَاؤُهُ فِي رَقَبَتِهِ فَقَطْ، إِنْ لَمْ يُرْهَنْ بِمَالِهِ ولَمْ يُبَعْ إِلا فِي الأَجَلِ.
قوله: (وحَلَفَ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ أنّه تَلِفَ بِلا دُلْسَةٍ، ولا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ) بهذا قال يحيي ابن مزين قال ابن عرفة: ولو ادعى الراهن تغييب المرتهن الرهن فقال العتبي: لا يمين عَلَيْهِ إِلا أن يدعي الراهن علم ذلك، وأنّه أخبره بذلك من وثق (٣) به، فإن حلف حلف له المرتهن. وقال ابن مزين يحلف لقد ضاع وما دلس فِيهِ وما يعلم له موضعاً، وأنكر قول العتبي، وقال: يمين توجب يميناً هذا لا يكون، وأجابه العتبي بأن اللعان (٤) اليمين فِيهِ
стр. 613
توجب (١) يميناً. وقال ابن حارث: إن كَانَ ممن (٢) يتهم بذلك حلف وإِلا فلا.
وبِإِذْنِهِ فَلَيْسَ رَهْناً بِهِ، وإِذَا قُضِيَ بَعْضُ الدَّيْنِ أَوْ أُسْقِطَ، فَجَمِيعُ الرَّهْنِ فِيمَا بَقِيَ كَاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ، والْقَوْلُ لِمُدَّعِي نَفْيِ الرَّهْنِيَّةِ، وهُوَ كَالشَّاهِدِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ، لا الْعَكْسُ إِلَى قِيمَتِهِ، ولَوْ بِيَدِ أَمِينٍ عَلَى الأَصَحِّ، مَا لَمْ يَفُتْ فِي ضَمَانِ الرَّاهِنِ، وحَلَفَ مُرْتَهِنُهُ، وأَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ.
قوله: (وبِإِذْنِهِ فَلَيْسَ رَهْناً بِهِ) تبع هنا ابن الحاجب فِي الاقتصار عَلَى قول ابن المواز وهو أحد قولي أشهب، وترك قول مالك وابن القاسم يكون رهناً به، ونقل ابن يونس قول أشهب: أنّه لا يكون رهناً، ثُمَّ عارض بين (٣) قوله وقول ابن القاسم فِي هذه المسألة بقوليهما فِي مسألة اللؤلؤ من كتاب الوكالات، إِذَا أمر رجلاً أن يشتري له لؤلؤاً وقال له: انقد عني؛ فإن ابن القاسم عدّه مسلفا ولا يرى له إمساك اللؤلؤ بثمنه. وأشهب يرى له إمساكه رهناً قال: فخالف كل منهما أصله، وقد نقل هذا كله فِي " التوضيح " (٤).
وأصل هذه المعارضة لأبي إسحاق التونسي النظار، وله نسبها ابن عرفة، وزاد: ويجاب لابن القاسم بأن الدافع فِي الجناية مرتهن فانسحب عَلَيْهِ حكم وصفه. ولأشهب بتقدم اختصاص الراهن (٥) بملك العبد قبل جنايته، فاستصحب وعدم تقدم اختصاص الأمر بالسلعة قبل الشراء ". انتهى. وأما ابن عبد السلام فقال: ظاهر ما فِي كتاب محمد عن ابن القاسم أنّه يكون رهناً بالفداء والدين.
وهكذا فهم ذلك بعضهم وفِيهِ نظر؛ ولذلك والله تعالى أعلم أسقطه ابن الحاجب. انتهى. ولعلّ المصنف عَلَيْهِ اعتمد هنا، وإن لَمْ يعرج عَلَيْهِ فِي " توضيحه ".
стр. 614
فَإِنْ زَادَ حَلَفَ الرَّاهِنُ، وإِنْ نَقَصَ حَلَفَا، وأَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ بِقِيمَتِهِ.
قوله: (فَإِنْ زَادَ حَلَفَ الرَّاهِنُ، وإِنْ نَقَصَ حَلَفَا) الضمير فِي (زاد) للمرتهن، وفي (نقص) للراهن، وفِي (حلفا) لهما، وبهذا شرح فِي " التوضيح " كلام ابن الحاجب وبه يطابق اللفظ المعنى والفاء فِي (فإن نقص) تشعر أن المسألة بحالها فهي أولى من الواو.
وإِنِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ تَالِفٍ تَوَاصَفَاهُ، ثُمَّ قُوِّمَ، وإِنِ اخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ.
قوله: (وإِنِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ تَالِفٍ تَوَاصَفَاهُ). تالف اسم فاعل من تلف، وقد أفرط فِي التصحيف من ضبطه بباء الجر الداخلة عَلَى (ألف): أحد عقود الأعداد فأحوجه ذلك إلى الاعتذار بأنه عَلَى سبيل التمثيل، وإِلا فلا فرق بين الألف والمائة وغيرهما (١). [٨٣ / ب]
وإِنْ تَجَاهَلا، فَالرَّهْنُ بِمَا فِيهِ، واعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْحُكْمِ، إِنْ بَقِيَ. وهَلْ يَوْمَ التَّلَفِ أَوِ الْقَبْضِ أَوِ الرَّهْنِ إِنْ تَلِفَ؟ أَقْوَالٌ. وإِنِ اخْتَلَفَا فِي مَقْبُوضٍ فَقَالَ الرَّاهِنُ عَنْ دَيْنِ الرَّهْنِ وُزِّعَ بَعْدَ حَلِفِهِمَا كَالْحَمَالَةِ.
قوله: (وإِنْ تَجَاهَلا، فَالرَّهْنُ بِمَا فِيهِ) عبّر عن هذا فِي " التوضيح " بأن قال: وإن جهل الراهن والمرتهن قيمته وصفته فالرهن بما فِيهِ وليس لأحدهما قبل الآخر شيء، وعَلَى هذا حمل أصبغ الحديث الرهن بما فِيهِ قيل، ولا خلاف عندنا فِي ذلك. انتهى وأصله للخمي، وعلله بأن كلّ واحدٍ منهما لا يدري هل يفضل له عند صاحبه شيء أم لا.
стр. 615
[باب التفليس]
لِلْغَرِيمِ مَنْعُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ مِنْ تَبَرُّعِهِ، وسَفَرِهِ إِنْ حَلَّ بِغَيْبَتِهِ.
قوله: (وسَفَرِهِ إِنْ حَلَّ بِغَيْبَتِهِ) الضمير فِي سفره يعود عَلَى المديان لا بقيد كونه أحاط الدين بماله؛ ولذلك أطلقه فِي " المدونة " إذ قال فِي السلم الثالث منها: ولك منع غريمك من بعيد السفر الذي يحل دينك قبل قدومه، ولا تمنعه من قريبه الذي يؤوب فِيهِ قبل محل أجل دينك (١). قال بعض الشيوخ: ما لَمْ يوكل من يوفِيهِ. قال ابن عبد السلام: وظاهر " المدونة " أنّه يمنع من بعيد السفر ولا يقبل منه توكيل؛ لكن هذا التقييد متجه إن كَانَ الوكيل ضامناً للحقّ وهو مليّ أو كَانَ للمديان مال يمكن منه القضاء بسهولة عند الأجل. انتهي.
وهو نصّ فِي عدم اختصاصه بمن أحاط الدين بماله، ولعلّ المصنف لَمْ يقيدها بعدم التوكيل اعتماداً عَلَى ما نسب ابن عبد السلام لظاهر " المدونة " عَلَى أنّه أضرب عن نقل هذا الاستظهار فِي " التوضيح ".
وإِعْطَاءِ غَيْرِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ، أَوْ كُلَّ مَا بِيَدِهِ كَإِقْرَارِهِ لِمُتَّهَمٍ عَلَيْهِ عَلَى الْمُخْتَارِ والأَصَحِّ، لا بَعْضِهِ ورَهْنِهِ، وفِي كِتَابَتِهِ قَوْلانِ.
قوله: (وَإِعْطَاءِ غَيْرِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ، أَوْ كُلَّ مَا بِيَدِهِ) كذا فِي " التوضيح " وَنسب الأول لبعض القرويين والثاني للسيوري (٢)، وأصل النقل للمازري ونصه عَلَى اختصار ابن عرفة، قصر السيوري الخلاف [في قضاء] (٣) بعض غرمائه عَلَى إمساكه بعض ماله ليعامل به الناس قال: ولو قضى ما بيده بعض غرمائه لَمْ يجز اتفاقاً للمعنى الذي فرق به بين إعتاقه وقضائه بعض غرمائه يعني أن قضاءه بعض غرمائه يؤدي إلى الثقة به فِي معاملته، وإِذَا عومل نمى ماله بِخِلاف إعتاقه.
стр. 616
ثم قال المازري: ونحوه رأيت فِي بعض التعاليق لبعض القرويين: أنّه لو عجّل ديناً لبعض غرمائه قبل حلوله لَمْ يختلف فِي ردّه؛ لأنه لَمْ يعامل عَلَى ذلك، وحكيته فِي بعض الدروس بحضرة بعض المفتين فقال: يردّ من وجه آخر وهو أن قيمة المؤجل أقل من عدده معجلاً، فالزائد عَلَى قيمته هبة تردّ اتفاقاً وهو صحيح. ويبقى النظر: هل يردّ جميعاً أو ما زاد عدده عَلَى قيمته مؤجلاً؟ قال ابن عرفة: فِي جعله (١) إياه محل نظرٍ، نظرٌ؛ لأن ردّ ما زاد يؤدي إلى ضع وتعجل فيزال فاسد لحقّ آدمي بارتكاب فاسد لحقّ الله تعالى، والأخص يمنع ما منع الأعمّ. انتهى.
وتأمل هل يجاب بأن ما تجر إليه الأحكام ليس كالمدخول عَلَيْهِ قصداً.
ولَهُ التَّزَوُّجُ.
قوله: (ولَهُ التَّزَوُّجُ) قال فِي " المقدمات ": " يجوز إنفاقه المال عَلَى عوض فِيمَا جرت العادة بفعله كالتزويج والنفقة عَلَى الزوجة " (٢). انتهى. وهذا قبل التفليس، وأما بعده فقال فِي " المدونة ": وليس للمفلس أن يتزوج بالمال الذي فلس فِيهِ وله أن يتزوج فِيمَا بعده (٣).
وفِي تَزَوُّجِهِ أَرْبَعاً، وتَطَوُّعِهِ بِالْحَجِّ تَرَدُّدٌ، وفُلِّسَ حَضَرَ أَوْ غَابَ، إِنْ لَمْ يُعْلَمْ مَلاؤُهُ بِطَلَبِهِ.
قوله: (وَفِي تَزَوُّجِهِ أَرْبَعاً، وتَطَوُّعِهِ بِالْحَجِّ تَرَدُّدٌ) لما ذكر فِي " المقدمات " أفعاله قبل التفليس قال: لا يجوز إنفاقه فِيمَا لَمْ تجر العادة بفعله من الكراء فِي حج (٤) التطوع وشبهه، وانظر: هل له أن يحجّ حجّة (٥) الفريضة من مال غرمائه أم لا؟ , إن (٦) كَانَ يأتي ذلك عَلَى الاختلاف فِي الحج: هل هو عَلَى الفور؟ أو عَلَى التراخي، وهل له أن يتزوج أربع
стр. 617
زوجات؟ وتدبر ذلك (١) انتهى، وإليه أشار بالتَرَدُّدٌ؛ إِلا أن ابن رشد لَمْ يتَرَدُّدٌ فِي حجّ التطوع، وإنما تَرَدُّدٌ فِي حجّة الفريضة، فلعلّ مراد المصنف التطوع بتقديم (٢) حجة الفريضة، وسماه تطوعاً باعتبار القول بالتراخي.
تنبيهان:
الأول: معنى قول ابن رشد: " وإن كَانَ يأتي ذلك عَلَى الاختلاف فِي الحج، وهل يأتي ذلك؟ "، وكثيراً ما يستعمل مثل هذا فِي: " المقدمات " وَ " البيان " و " الأجوبة " (٣).
الثاني: لما نقل ابن عرفة تَرَدُّد ابن رشد قال: الظاهر منعه من تزويج ما زاد عَلَى الواحدة لقلّته عادة، وكذا طلاقه وتكرر تزويجه لمطلق شهوته.
وإِنْ أَبَى غَيْرُهُ دَيْناً حَلَّ زَادَ عَلَى مَالِهِ، أَوْ بَقِيَ مَا لا يَفِي بِالْمُؤَجَّلِ فَيُمْنَعُ مِنْ تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ، لا فِي ذِمَّتِهِ كَخُلْعِهِ، وطَلاقِهِ، وقِصَاصِهِ، وعَفْوِهِ، وعِتْقِ أُمِّ وَلَدِهِ. وتَبِعَهَا مَالُهَا إِنْ قَلَّ، وحَلَّ بِهِ وبِالْمَوْتِ مَا أُجِّلَ، ولَوْ دَيْنَ كِرَاءٍ، أَوْ قَدِمَ الْغَائِبُ مَلِيَّاً، وإِنْ نَكَلَ الْمُفَلَّسُ، حَلَفَ كُلٌّ كَهُوَ، وأَخَذَ حِصَّتَهُ، ولَوْ نَكَلَ غَيْرُهُ عَلَى الأَصَحِّ، وقُبِلَ إِقْرَارُهُ بِالْمَجْلِسِ، أَوْ قُرْبِهِ إِنْ ثَبَتَ دَيْنُهُ بِإِقْرَارٍ لا بِبَيِّنَةٍ، وهُوَ فِي ذِمَّتِهِ.
وقُبِلَ تَعْيِينُهُ الْقِرَاضَ والْوَدِيعَةَ، إِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَصْلِهِ والْمُخْتَارُ قُبُولُ [٥٦ / أ] قَوْلِ الصَّانِعِ بِلا بَيِّنَةٌ، وحُجِرَ أَيْضاً إِنْ تَجَدَّدَ مَالٌ وانْفَكَّ ولَوْ بِلا حُكْمٍ ولَوْ مَكَّنَهُمُ الْغَرِيمُ فَبَاعُوا واقْتَسَمُوا، ثُمَّ دَايَنَ غَيْرُهُمْ، فَلا دُخُولَ لِلأَوَّلِينَ كَتَفْلِيسِ الْحَاكِمِ إِلا كَإِرْثٍ، وصِلَةٍ وأَرْشِ جِنَايَةٍ وبِيعَ مَالُهُ بِحَضْرَتِهِ بِالْخِيَارِ ثَلاثاً ولَوْ كُتُباً، أَوْ ثَوْبَيْ جُمُعَةٍ، إِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُمَا، وفِي بَيْعِ آلَةِ الصَّانِعِ تَرَدُّدٌ وأُوجِرَ رَقِيقُهُ، بِخِلافِ مُسْتَوْلَدَتِهِ، ولا يُلْزَمُ بِتَكَسُّبٍ، وتَسَلُّفٍ واسْتِشْفَاعٍ، وعَفْوٍ لِلدِّيَّةِ، وانْتِزَاعِ مَالِ رَقِيقِهِ أَوْ مَا وهَبَهُ لِوَلَدٍ، وعُجِّلَ بَيْعُ الْحَيَوَانِ واسْتُؤْنِيَ بِعَقَارِهِ، كَالشَّهْرَيْنِ، وقُسِمَ بِنِسْبَةِ الدُّيُونِ بِلا بَيِّنَةِ حَصْرِهِمْ، واسْتُؤْنِيَ بِهِ، إِنْ عُرِفَ
стр. 618
بِالدَّيْنِ فِي الْمَوْتِ فَقَطْ، وقُوِّمَ مُخَالِفُ النَّقْدِ يَوْمَ الْحِصَاصِ، واشْتُرِيَ لَهُ مِنْهُ بِمَا خَصَّهُ، ومَضَى إِنْ رَخُصَ أَوْ غَلا، وهَلْ يُشْتَرَى فِي شَرْطِ جَيِّدٍ أَدْنَاهُ أَوْ وَسَطُهُ؟ قَوْلانِ. وجَازَ الثَّمَنُ، إِلا لِمَانِعٍ كَالاقْتِضَاءِ وحَاصَّتِ الزَّوْجَةُ بِمَا أَنْفَقَتْ، وبِصَدَاقِهَا كَالْمَوْتِ، لا بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ.
قوله: (فَيُمْنَعُ مِنْ تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ) هذا هو المذهب، وأما قول ابن الحاجب: وفِي معاملته ثالثها بالنقد لا بالنسيئة، ورابعها بما يبقى لا بما يذهب (١). فقال فِيهِ ابن عبد السلام يعني: أن فِي صحة معاملة المفلس أربعة أقوال:
الأول: الصحة مُطْلَقاً، ومقابله، والثالث: [٨٤ / أ] يصح إِذَا كَانَ ما يأخذه المفلس نقداً، ولا يصحّ إِذَا كَانَ مؤجلاً، والرابع: يصحّ إِذَا كَانَ ما يأخذه مما لا يسرع إليه التلف؛ ولكنه يبقى عادة كالربع.
قال: ولست عَلَى وثوق من نسبة هذه الأقوال إلى المذهب، بل رأيت من الحُفّاظ من ينكرها، والمنع (٢) هو الذي يُعرف فِي المذهب؛ ولأجل ذلك حجر عَلَى المفلس، ولو كَانَ يصّح بيعه وشراؤه ما كَانَ للحجر عَلَيْهِ كبير فائدة، وإنما حكيت هذه الأقوال فِي مستغرق الذمة بالحرام والغصب عَلَى القول بأن حكمه حكم من أحاط الدين بماله لا حكم المفلس وهو الأَظْهَر.
ومنهم من رأى حكمه حكم المفلس فمنع من معاملته مُطْلَقاً، هكذا حرره بعض المحققين من الشيوخ، وكذا أنكر ابن عرفة نقل ابن الحاجب وقال: من أمعن النظر والبحث علم ضرورة عدم وجودها فِي المذهب، وكلّ المذهب عَلَى وقف تصرفه عَلَى نظر الحاكم رداً وإمضاءً، وهذا هو نقل اللخمي والمازري وابن رشد وغيرهم من حفاظ المذهب، فالله تعالي أعلم من أين أتي هذا الرجل بهذه الأقوال.
стр. 619
وقال فِي " التوضيح " الذي اقتصر عَلَيْهِ اللخمي والمازري وابن شاس أن بيعه وشراءه [لا يمضي] (١)، وفِي " الجلاب ": أن بيع المفلس وشراءه جائز ما لَمْ يجاب (٢)، ولم أقف عَلَى غير هذين القولين عَلَى أن بعض شراح " ابن الجلاب " تأوله بأن مراده من ظهر عَلَيْهِ الفلس قبل أن [(٣) يحجر الحاكم عَلَيْهِ (٤). ...
وإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ أَوِ اسْتُحِقَّ مَبِيعٌ وإِنْ قَبْلَ فَلَسِهِ رُجِعَ بِالْحِصَّةِ كَوَارِثٍ، أَوْ مُوصًى لَهُ عَلَى مِثْلِهِ، وإِنِ اشْتَهَرَ مَيِّتٌ بِدَيْنٍ، أَوْ عَلِمَ وَارِثُهُ وأَقْبَضَ رُجِعَ عَلَيْهِ، وأُخِذَ مَلِيءٌ عَنْ مُعْدِمٍ، مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَهُ، ثُمَّ رَجَعَ عَلَى الْغَرِيمِ، وفِيهَا الْبَدَاءَةُ بِالْغَرِيمِ، وهَلْ خِلافٌ، أَوْ عَلَى التَّخْيِيرِ؟ تَأْوِيلانِ، فَإِنْ تَلِفَ نَصِيبُ غَائِبٍ عُزِلَ لَهُ فَمِنْهُ كَعَيْنٍ وُقِفَ لِغُرَمَائِهِ، لا عَرْضٍ وهَلْ إِلا أَنْ يَكُونَ بِكَدَيْنِهِ؟ تَأْوِيلانِ، وتُرِكَ لَهُ قُوتُهُ، والنَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ لِظَنِّ يُسْرَتِهِ وكِسْوَتُهُمْ كُلٌّ دَسْتاً مُعْتَاداً، ولَوْ وَرِثَ أَبَاهُ بِيعَ لا وُهِبَ لَهُ، إِنْ عَلِمَ وَاهِبُهُ أنّه يُعْتَقُ عَلَيْهِ.
قوله: (وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ أَوِ اسْتُحِقَّ مَبِيعٌ وإِنْ قَبْلَ فَلَسِهِ رُجِعَ بِالْحِصَّةِ كَوَارِثٍ، أَوْ مُوصًى لَهُ عَلَى مِثْلِهِ، وإِنِ اشْتَهَرَ مَيِّتٌ بِدَيْنٍ، أَوْ عَلِمَ وَارِثُهُ وأَقْبَضَ رُجِعَ عَلَيْهِ، وأُخِذَ مَلِيءٌ عَنْ مُعْدِمٍ، مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَهُ، ثُمَّ رَجَعَ عَلَى الْغَرِيمِ،، وفِيهَا الْبَدَاءَةُ بِالْغَرِيمِ، وهَلْ خِلافٌ، أَوْ عَلَى التَّخْيِيرِ؟ تَأْوِيلانِ).
اشتمل هذا الكلام عَلَى ثلاثة أقسام:
الأول: طروء الغريم عَلَى الغرماء، وهو المراد بقوله: (وإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ أَوِ اسْتُحِقَّ مَبِيعٌ وإِنْ قَبْلَ فَلَسِهِ رُجِعَ بِالْحِصَّةِ).
الثاني: طروء الوارث [على الوارث] (٥) أو الموصي له عَلَى الموصى له، وهو المراد بقوله: (كَوَارِثٍ، أَوْ مُوصًى لَهُ عَلَى مِثْلِهِ).
стр. 620
الثالث: طروء الغريم عَلَى الوارث، والوارث ضربان: مقبض لغيره من الغرماء وقابض لنفسه، وقد أشار إلى الوارث المقبض بقوله: (وإِنِ اشْتَهَرَ مَيِّتٌ بِدَيْنٍ، أَوْ عَلِمَ وَارِثُهُ وأَقْبَضَ رُجِعَ عَلَيْهِ)، وإلى الوارث القابض بقوله: (وأُخِذَ مَلِيءٌ عَنْ مُعْدِمٍ، مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَهُ)، وباقي كلامه خاصٌّ بالوارث المقبض.
فإن قلت: وأي قرينة تصرفه للمقبض دون القابض؟
قلت: ذكر الرجوع عَلَى الغريم يعين ذلك، فإن الدافع للغريم هو المقبض دون القابض. وبالله تعالى التوفيق.
وحُبِسَ لِثُبُوتِ عُسْرِهِ، إِنْ جُهِلَ حَالُهُ ولَمْ يَسْأَلِ الصَّبْرَ لَهُ بِحَمِيلٍ بِوَجْهِهِ.
[قوله: (ولَمْ يَسْأَلِ الصَّبْرَ لَهُ) أي لثبوت عسره، واللام لانتهاء الغاية] (١).
فَغَرِمَ، إِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ ولَوْ أُثْبِتَ عُدْمُهُ.
قوله: (فَغَرِمَ، إِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ ولَوْ أُثْبِتَ عُدْمُهُ) اختار المصنف هنا قول ابن رشد فِي: " المقدمات ": يغرم الحميل لتعذر اليمين اللازمة للغريم، وقال فِي باب: الحمالة: لا إن أثبت عدمه، فاقتصر عَلَى قول اللخمي: لا يغرم؛ لأن اليمين بعد ثبوت الفقر أنّه لَمْ يكتم شيئاً استحسان، إِلا أن يكون ممن يظن أنّه يكتم، وقد ذكر الطريقتين هنا فِي " التوضيح " (٢) وكذلك ابن عرفة.
أَوْ ظَهَرَ مَلاؤُهُ إِنْ تَفَالَسَ، وإِنْ وَعَدَ بِقَضَاءٍ وسَأَلَ تَأْخِيرَ كَالْيَوْمِ أَعْطَى حَمِيلاً بِالْمَالِ، وإِلا سُجِنَ كَمَعْلُومِ الْمَلاءِ وأُجِّلَ لِبَيْعِ عَرْضِهِ إِنْ أَعْطَى حَمِيلاً بِالْمَالِ، [وَإِلا سُجِنَ] (٣). وَفِي حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ النَّاضِّ تَرَدُّدٌ.
قوله: (أَوْ ظَهَرَ) معطوف عَلَى (إن جهل).
стр. 621
وإِنْ عُلِمَ بِالنَّاضِّ. لَمْ يُؤَخَّرْ، وضُرِبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وإِنْ شُهِدَ بِعُسْرِهِ أنّه لا يُعْلَمُ (١) لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ، ولا بَاطِنٌ، حَلَفَ كَذَلِكَ وزَادَ وإِنْ وَجَدَ لَيَقْضِيَنَّ وأُنْظِرَ.
قوله: (وَإِنْ شُهِدَ بِعُسْرِهِ أنّه لا يُعْلَمُ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ، ولا بَاطِنٌ، حَلَفَ كَذَلِكَ وزَادَ وإِنْ وَجَدَ لَيَقْضِيَنَّ وأُنْظِر) فهم من قوله: (لا يعلم) أن الشهادة عَلَى العلم لا عَلَى البتّ، وكذا نصّ عَلَيْهِ ابن رشد فِي رسم نقدها من سماع عيسى. زاد ابن عات: ولا يعلمونه تبدلت حالته بغيرها إلى حين إيقاعهم شهادتهم فِي هذا الكتاب.
ابن رشد: فإن قال الشهود أنّه فقيرٌ عديمٌ لا مال له ظاهراً ولا باطناً ففي بطلانها قَوْلانِ بناءً عَلَى حملها عَلَى ظاهرها عَلَى البتّ أو عَلَى العلّم، ولو نصّوا عَلَى البتّ والقطع لبطلت.
وفهم من قوله: (حلف كذلك) أنّه يحلف أَيْضاً عَلَى العلم لا عَلَى البتّ، وقد قال فِي " توضيحه ": " وإِذَا حلف المطلوب فقال أبو عمران يحلف عَلَى البت، وقال غيره: عَلَى العلّم، إذ قد يكون ملك [مالاً من إرثٍ أوهبةٍ ولم يعلم به. " (٢) انتهى. والذي فِي " المقدمات ": أنّه إنما وجب استحلافه؛ لأن البينة لا تشهد] (٣) إِلا عَلَى العلّم لا القطع، وفائدة قوله: (وإن وجد ليقضين) تظهر فِيمَا إِذَا ادعى الطالب عَلَيْهِ أنّه أفاد مالاً، ولم يأت ببينة فإنه لا يمين له عَلَيْهِ؛ لتقدم هذه اليمين قاله فِي " المقدمات " أَيْضاً، ولولا هذا لأحلفه كل يوم، قاله المتيطي.
وحَلَّفَ الطَّالِبَ إِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ عِلْمَ الْعُدْمِ. وإِنْ سَأَلَ تَفْتِيشَ دَارِهِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، ورُجِّحَتْ بَيِّنَةُ الْمَلاءِ إِنْ بَيَّنَتْ، وأُخْرِجَ الْمَجْهُولُ إِنْ طَالَ حَبْسُهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ، والشَّخْصِ.
قوله: (وَحَلَّفَ الطَّالِبَ إِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ [عِلْمَ الْعُدْمِ] (٤)) كذا قال المتيطي وغيره، واختصر ابن عرفة: إن زعم المدين علم ربّ الدين عدمه لزمته اليمين أنّه ما يعلم عدمه،
стр. 622
فإن نكل حلف المدين، وقاله غير واحدٍ من الفقهاء، وبه كَانَ يفتي ابن الفخار، قال ابن عرفة: وكَانَ بعض قضاة بلدنا تونس لا يحكم بهذه اليمين، [٨٤ / ب] وهو حسن فيمن لا يظن به علم حال المدين لبعده عنه.
وحُبِسَ النِّسَاءُ عِنْدَ أَمِينَةٍ، أَوْ ذَاتِ أَمِينٍ [٥٦ / ب]، والسَّيِّدُ لِمُكَاتِبِهِ، والْجَدُّ، والْوَلَدُ لأَبِيهِ، لا عَكْسُهُ كَالْيَمِينِ إِلا الْمُنْقَلِبَةِ والْمُتَعَلِّقُ بِهَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ كَالأَخَوَيْنِ.
قوله: (وَحُبِسَ النِّسَاءُ عِنْدَ أَمِينَةٍ، أَوْ ذَاتِ أَمِينٍ) أي: عند أمينة أيم أو ذات زوج أمين. فالعطف عَلَى محذوف، وقد صرّح بذلك ابن الحاجب فقال: وتؤتمن عَلَيْهِنّ أمينة أيم، أو ذات زوجٍ مأمون (١).
والزَّوْجَيْنِ إِنْ خَلا، ولا يَمْنَعُ مُسْلِماً وخَادِماً.
قوله: (وَالزَّوْجَيْنِ إِنْ خَلا) كذا نصّ عَلَيْهِ محمد: إِذَا سجنا معاً فِي حقٍ عَلَيْهِما.
بِخِلافِ زَوْجَةٍ. وَأُخْرِجَ لِحَدٍّ. أَوْ ذِهَابِ عَقْلِهِ لِعَوْدِهِ. وَاسْتُحْسِنَ بِكَفِيلٍ بِوَجْهِهِ لِمَرَضِ أَبَوَيْهِ. وَوَلَدِهِ. وأَخِيهِ وقَرِيبٍ جِدَّاً لِيُسَلِّمَ لا جُمْعَةٍ. وَعِيدٍ. وَعَدُوٍّ. إِلا لِخَوْفِ قَتْلِهِ. أَوْ أَسْرِهِ. ولِلْغَرِيمِ أَخْذُ عَيْنِ مَالِهِ الْمُحَازِ عَنْهُ فِي الْفَلَسِ لا الْمَوْتِ. ولَوْ مَسْكُوكاً. أَوْ آبِقاً. ولَزِمَهُ إِنْ لَمْ يَجِدْهُ إِنْ لَمْ يَفِدْهُ غُرَمَاؤُهُ. ولَوْ بِمَالِهِمْ. وأَمْكَنَ لا بُضْعٌ. وعِصْمَةٌ. وقِصَاصٌ. ولَمْ يَنْتَقِلْ لا إِنْ طُحِنَتِ الْحِنْطَةُ. أَوْ خُلِطَ بِغَيْرِ مِثْلٍ. أَوْ سُمِّنَ زُبْدُهُ، أَوْ فُصِّلَ ثَوْبُهُ أَوْ ذُبِحَ كَبْشُهُ، أَوْ تَتَمَّرَ رُطَبُهُ، كَأَجِيرِ رَعْيٍ، ونَحْوِهِ وذي حَانُوتٍ فِيمَا بِهِ.
قوله: (بِخِلافِ زَوْجَةٍ) أي: فلا تدخل عَلَيْهِ إِذَا سجن. قاله سحنون، وليس قول سحنون عند المصنف بِخِلاف لقول محمد فوقه؛ إذ لَمْ يتواردا عَلَى محلٍ واحد، عَلَى أن ابن رشد قد قال فِي " نوازل " سحنون: قول محمد للزوجين أن يجتمعا فِي السجن خلاف قول سحنون: ليس له أن تدخل إليه امرأته، وقول سحنون أظهر (٢)، وقبله ابن عرفة.
стр. 623
ورَادٍّ لِسِلْعَةٍ بِعَيْبٍ.
قوله: (ورَادٍّ لِسِلْعَةٍ بِعَيْبٍ) يعني إِذَا ردّ السلعة بعيبٍ] (١) ففلس البائع قبل أن يردّ إليه الثمن، فوجد المبتاع السلعة قائمة بيد البائع المفلس فإنه يكون أحقّ بها من الغرماء إن شاء عَلَى القول بأن الردّ بالعيب ابتداء بيع، وأما عَلَى القول بأنه نقض بيع فلا يكون له إليها سبيل (٢)، هذا نصّ " المقدمات "، وعَلَيْهِ ينبغي أن يحمل كلام المصنف وإن أردت الزيادة فقف عَلَى باقي نصّ " المقدمات " وَعَلَى ما فِي سماع عيسى فِي كتاب " المديان والتفليس " (٣) وعَلَى معارضة ابن عرفة له بما للخمي.
وإِنْ أُخِذَتْ عَنْ دَيْنٍ وهَلِ الْقَرْضُ كَذَلِكَ، وإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ مُقْتَرِضُهُ، أَوْ كَالْبَيْعِ؟ خِلافٌ، ولَهُ فَكُّ الرَّهْنِ، وحَاصَّ بِفِدَائِهِ. لا بِفِدَاءِ الْجَانِي.
قوله: (وَإِنْ أُخِذَتْ عَنْ دَيْنٍ) تصوره ظاهر ولم أقف عَلَيْهِ لمن قبله إِلا فِي مسألة البيع الفاسد التي ذكر فِيهَا بعد هذا ثلاثة أقوال.
ونَقْضُ الْمُحَاصَّةِ إِنْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ.
[(٤) قوله: (وَنَقْضُ الْمُحَاصَّةِ إِنْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ) هذه مسألة مستقلة؛ لأن نقض المحاصّة يقتضي ردّ الحصّة وأخذ السلعة.
ورَدُّهَا، والْمُحَاصَّةُ بِعَيْبٍ سَمَاوِيٍّ، أَوْ مِنْ مُشْتَرِيهِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ [إن لَمْ يأخذ أرشاً] (٥)، أَوْ أَخَذَهُ وعَادَ لِهَيْئَتِهِ.
قوله: (وَرَدُّهَا، والْمُحَاصَّةُ بِعَيْبٍ سَمَاوِيٍّ، أَوْ مِنْ مُشْتَرِيهِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ [إن لَمْ يأخذ] (٦)
كَوَثِيقَةٍ زَعَمَ رَبُّهَا سُقُوطَهَا.
قوله: (كَوَثِيقَةٍ زَعَمَ رَبُّهَا سُقُوطَهَا) المتبادر أنّه مناقض لما فوقه؛ ولعلّك تلتمس له مخرجاً يساعد المنصوص ويزيل التناقض. نعم لو شبه مسألة الرهن بوثيقة ممحوة، زعم ربّها أنّه إنما محاها لظن القضاء، لكان ذلك حسناً، فقد وقع فِي رسم العرية من سماع عيسى من كتاب: " المديان والتفليس ": سئل عن رجلٍ قام بذكر حقٍ له ممحو عَلَى رجلٍ، فطلب منه ما فِيهِ وأقام عَلَيْهِ بما فِيهِ البينة، فادعى الغريم أنّه قد قضاه إياه ومحاه عنه، فهل يلزمه الحقّ أو ما ترى؟
فقال ابن القاسم: يلزمه الحقّ إِذَا ثبتت البينة ويحلف بالله ما قضاه ولا محاه عنه.
وعن رجلٍ قام بذكر حقٍ ممحو عَلَى رجلٍ، وأقرّ صاحب ذكر الحقّ أنّه محاه، وظنّ أنّه قد قضاه وله بينة عَلَى ما فِيهِ، وقال الغريم قد قضيته وما محاه إِلا عن قبض فما ترى؟ قال ابن القاسم: يحلف الغريم بالله لقد قضاه ولا شيء عَلَيْهِ، وهذه مخالفة للأولى؛ لأن هذا [أقرّ له] (١) بأنه محاه، قال ابن رشد: الفرق بين المسألتين بيّن عَلَى ما قاله، ولا اختلاف فِي المسألة الأولى، وأما الثانية فيتخرج فِيهَا بالمعنى اختلاف حسبما ذكرته أول رسم من سماع ابن القاسم " انتهى. وقصدنا منه المسألة الثانية. وانظر ثالثة مسائل سماع ابن القاسم، من الكتاب المذكور (٢).
ولَمْ يَشْهَدْ شَاهِدَاهَا إِلا بِهَا.
قوله: (وَلَمْ يَشْهَدْ شَاهِدَاهَا إِلا بِهَا) الظاهر إنها جملة مستأنفة لا حالية (٣)؛ وعَلَى هذا فالمعنى: ولا يجوز أن يشهد شاهداً وثيقة الدين بما فِيهَا إِلا بحضورها. قال المتيطي: قال أبو عمر فِي كافِيهِ: وإِذَا كتب الشاهد شهادته فِي ذكر الحقّ، وطولب بها وزعم المشهود عَلَيْهِ أنّه قد ودى ذلك الحقّ لَمْ يشهد الشاهد حَتَّى يؤتى بالكتاب الذي فِيهِ شهادته بخطّه؛ لأن
стр. 626
الذي عَلَيْهِ أكثر الناس أخذ الوثائق إِذَا أدوا (١) الدّيون، وقد اختلفوا: إِذَا أحضر المديان الوثيقة وقال: إنها لَمْ تصل إليه إِلا بدفع ما فِيهَا، وقال ربّ الدين سقطت منّي؟.
فقيل: يشهد له؛ لإمكان ما ذكره، وقيل لا يشهد له؛ لأن ربّ الدين لَمْ يأت بما يشبهه فِي الأغلب؛ لأن الأغلب دفع الوثيقة إلى من هي عَلَيْهِ إِذَا أدى الدين، وأما الحاكم فيجتهد فِي ذلك إن شهد عنده، وفِي كتاب ابن حبيب: " ومن زعم أنّ صكّه بالحقّ ضاع منه، وسأل الشاهد أن يشهد له بما حفظه منه فذلك له إن حفظ ذلك. قاله مطرف. وقال ابن الماجشون: [٨٥ / أ] لا يشهد له ". انتهى.
وجعل الشارح الجملة حاليّة؛ لأنه قال فِي " الصغير ": والحكم فِي الوثيقة، يزعم ربّها سقوطها، وأبى شاهداها أن يشهدا إِلا بها: كذلك، أما إِذَا شهدت البينة بغير الوثيقة فلا احتياج إليها ". انتهى، وكأنه فهم أنّ هذه الساقطة لَمْ تصل ليد المديان فلا تناقض ما قبلها. فليتأمل] (٢).
стр. 627
[باب الحجر]
الْمَجْنُونُ مَحْجُورٌ لِلإِفَاقَةِ. والصَّبِيُّ لِبُلُوغِهِ بِثَمَانَ عَشْرَةَ. أَوِ الْحُلُمِ أَوِ الْحَيْضِ. أَوِ الْحَمْلِ، أَوِ الإِنْبَاتِ. وَهَلْ إِلا فِي , حَقِّ اللهِ تَعَالَى؟ تَرَدُّدٌ وصُدِّقَ إِنْ لَمْ يُرَبْ، ولِلْوَلِيِّ رَدُّ تَصَرُّفِ مُمَيِّزٍ، ولَهُ إِنْ رَشَدَ، ولَوْ حَنِثَ بَعْدَ بُلُوغِهِ، أَوْ وَقَعَ الْمَوْقَعَ، وضَمِنَ مَا أَفْسَدَ إِنْ لَمْ يُؤَمَّنْ عَلَيْهِ، وصَحَّتْ وَصِيَّتُهُ، كَالسَّفِيهِ إِنْ لَمْ يُخَلِّطْ إِلَى حِفْظِ مَالِ ذِي الأَبِ بَعْدَهُ، وفَكِّ وَصِيٍّ، ومُقَدَّمٍ إِلا كَدِرْهَمٍ [٥٧ / أ] لِعَيْشِهِ.
قوله: (إِلَى حِفْظِ مَالِ ذِي الأَبِ بَعْدَهُ) بدل اشتمال من قوله: (لبلوغه) ويسهل ذلك [إذا استوى] (١) استواء الحرفين الجارّين لهما فِي الوضع لانتهاء الغاية، والرابط بين البدل والمبدل منه الضمير فِي (بعده)، وبهذا يلتحم الكلام ويتسق النظام، ويحتمل أن يكون قوله: (لبلوغه) متعلقاً بلفظ (الصبي)، فهو تحديد للصبا، ويكون قوله: (إلى حفظ) متعلّقاً بلفظ محجور، فهو تحديد للحجر، ويحتمل أن يكون قوله: (إلى حفظ) متعلقاً بلفظ (٢) (ردّ) من قوله: (وللولي ردّ تصرف مميز)، والأول أنصع وأصنع، واقتصر عَلَى ذكر حفظ المال دون تنميته.
وقال فِي " توضيحه ": نقل اللخمي الاتفاق عَلَى أن من لا يحسن التجر ويحسن الإمساك لا يحجر عَلَيْهِ، لكن ذكر المازري خلافاً فِيمَا ينفك به الحجْر عن المحجور عَلَيْهِ هل بمجرد حفظه فقط؟ أو بزيادة اشتراط حسن تنميته؟.
ووجه الثاني (٣) بأنه إن لَمْ يحسن ذلك كَانَ ذلك مؤدياً إلى فناء ماله.
ووجَّه الأول بأنه لما كَانَ لا يلزم القابض من أب أو وصيٍ أو مقدم أن يتجر له، إنما يلزمه صيانته فمالكه أولى. قال: وينبغي عندي أن يلتفت إلى قلة المال وكثرته، ثُمَّ ذكر فِي " التوضيح ": أن هذا فِي الرشد الذي يخرج به من الحجر لا فِي الرشد الذي لا يضرب
стр. 628
معه الحجر، فإنه متفق عَلَى أنّه لا يراعي فِيهِ القيد الثاني كما ذكره اللخمي. (١) والذي لابن عرفة قال عبد الوهاب: الرشد هو ضبط المال وإصلاحه.
[المازري] (٢): فِي كونه مجرد صونه، أو مع كونه يحسن تنميته: عبارتان.
ابن عرفة: عزاهما اللخمي للمدونة " ولمحمد.
لا طَلاقِهِ أو اسْتِلْحَاقِ نَسَبٍ ونَفْيِهِ، وعِتْقِ مُسْتَوْلَدَتِهِ، وقِصَاصٍ، ونَفْيِهِ، وإِقْرَارٍ بِعُقُوبَةٍ، وتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، لا ابْنِ الْقَاسِمِ، وعَلَيْهِمَا الْعَكْسُ فِي تَصَرُّفِهِ إِنْ رَشَدَ بَعْدَهُ، وزِيدَ فِي الأُنْثَى دُخُولُ زَوْجٍ، وشَهَادَةُ الْعُدُولِ عَلَى صَلاحِ حَالِهَا.
قوله: (لا طَلاقِهِ أو اسْتِلْحَاقِ نَسَبٍ ونَفْيِهِ، وعِتْقِ مُسْتَوْلَدَتِهِ، وقِصَاصٍ، ونَفْيِهِ، وإِقْرَارٍ بِعُقُوبَةٍ) هذا معطوف عَلَى لفظ (تصرف) من قوله: (وللولي ردّ تصرف مميز)، وهذا خاصّ بالبالغ إذ هو الذي يكون له ولد يستلحقه (٣) وأم ولد يعتقها بِخِلاف الصبي، فهو كقول ابن الحاجب: ولا حجر عَلَى العاقل البالغ فِي الطلاق واستلحاق النسب ونفِيهِ وعتق أم ولده، والإقرار بموجب العقوبات بِخِلاف المجنون (٤). زاد فِي " التوضيح " تبعاً لابن عبد السلام. وهل يجوز عفوه عما دون النفس من قصاص وجب له أو حد قذف، وإليه ذهب ابن القاسم أولاً، وإليه ذهب مطرف وابن الماجشون ولا خلاف أنّه لا يصحّ عفوه عن جراح الخطأ؛ لأنها مال، فإن أدى جرح الخطأ إلى نفسه وعفا عن ذلك عند موته كَانَ ذلك فِي ثلثه كالوصايا.
وإن وجب له قصاص فِي نفسٍ كما لو قتل أبوه أو ابنه عمداً صحّ عفوه عَلَى مذهب ابن القاسم الذي يرى أن الواجب فِي العمد قود كلّه. ابن عبد السلام: وفِيهِ نظر عَلَى مذهب مطرف وابن الماجشون المتقدم، وتَرَدُّدٌ المازري عَلَى مذهب أشهب الذي يرى أن
стр. 629
الولي بالخيار بين القتل وأخذ المال، فأجراه عَلَى أن من ملك أن يملك هل يعدّ مالكا أم لا؟ (١).
ولَوْ جَدَّدَ أَبُوهَا حَجْراً عَلَى الأَرْجَحِ، ولِلأَبِ تَرْشِيدُهَا قَبْلَ دُخُولِهَا كَالْوَصِيِّ، ولَوْ لَمْ يُعْلَمْ رُشْدُهَا. وفِي مُقَدَّمِ الْقَاضِي خِلافٌ والْوَلِيُّ الأَبُ، ولَهُ الْبَيْعُ مُطْلَقاً، وإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَهُ، ثُمَّ وَصِيُّهُ، وإِنْ بَعُدَ. وَهَلْ كَالأَبِ، أَوْ إِلا الرَّبْعَ فَبِبَيَانِ السَّبَبِ؟ خِلافٌ. ولَيْسَ لَهُ هِبَةٌ لِلثَّوَابِ، ثُمَّ حَاكِمٌ، وبَاعَ بِثُبُوتِ يُتْمِهِ، وإِهْمَالِهِ ومِلْكِهِ لِمَا بِيعَ. وَأنّه الأَوْلَى، وحِيَازَةُ الشُّهُودِ لَهُ، والتَّسَوُّقِ، وعَدَمِ إِلْغَاءِ زَائِدٍ، والسَّدَادِ فِي الثَّمَنِ، وفِي تَصْرِيحِهِ بِأَسْمَاءِ الشُّهُودِ قَوْلانِ، لا حَاضِنٍ كَجَدٍّ.
قوله: (ولَوْ جَدَّدَ (٢) أَبُوهَا حَجْراً عَلَى الأَرْجَحِ) لَمْ أقف عَلَى هذا الترجيح لابن يونس؛ ولكن ذكر ابن رشد فِي " المقدمات ": " أن القياس أن ليس للأب عَلَيْهَا تجديد عَلَى قول من حدّ لجواز [أفعالها] (٣) حدّاً؛ لأنه حملها ببلوغها إليه عَلَى الرشد، وأجاز أفعالها، فلا يصدّق الأبّ فِي إبطال هذا الحكم بما يدّعيه من سفهها إِلا أن يعلم صحة قوله " (٤). انتهى.
فأنت ترى ابن رشد خصّ هذا بقول من حد لجواز أفعالها حدّاً من السنين؛ مع أنّ المصنف أضرب هنا عن القول بالتحديد بالسنين، وقد قبل ابن عرفة قياس ابن رشد، ولم يذكر شيئاً لابن يونس، وفِي هذا الترجيح نظر من وجهين أحدهما نسبته لابن يونس، والثاني تفريعه عَلَى غير القول بالتحديد. والله تعالى أعلم.
وعُمِلَ بِإِمْضَاءِ الْيَسِيرِ، وفِي حَدِّهِ تَرَدُّدٌ.
قوله: (وَفِي حَدِّهِ تَرَدُّدٌ) هذا التَرَدُّدٌ للموثقين من الأندلسيين قال ابن العطار: عشرون ديناراً دراهم، وقيل ثلاثون، وقيل: عشرة. قال بعضهم: الدينار المراد هنا هو ثمانية دراهم من دراهم دخل أربعين، ومعناه أن مائة وأربعين منها تعادل مائة، كيلا، وزِنَة الدرهم الواحد منها ست وثلاثون حبّة، وهو خمسة أسباع درهم الكيل، ودرهم الكيل
стр. 630
منها مثل وخُمْسا [٨٥ / ب] المثل؛ فزنة العشرين ديناراً التي يبيع بها الحاضن عَلَى المشهور من دراهمنا الصغيرة الضرب أحد وسبعون ديناراً عشرية الصرف بتقريب يسير.
قلت: أما دراهمنا الصغيرة الضرب فالذي أخذناه عن شيخنا الفقيه الحافظ أبي عبد الله القوري - رحمه الله تعالى -: أن فِي درهم الكيل سبعة دراهم وخُمْس درهم من دراهم ثمانين الصغار، وفِيهِ أَيْضاً ستة دراهم وثلاثة أعشار الدرهم من دراهم سبعين الصغار، فلما اختبرنا ذلك وجدناه مبنياً عَلَى أن فِي الصغير الثمانيني سبع حبّات من الشعير، وعَلَى أنّ فِي الصغير السبعيني ثماني حبّات. [فقول الزهري فِي " قواعده " وزن صغيرنا تقريباً ثماني حبّات] (١) شعيراً وسطاً يعني به السبعيني، وعَلَيْهِ بنى التقريب المتقدّم.
وأما بحساب الثمانيني فزنة العشرين المذكورة عشر أواقٍ وثُمْنَا أوقية وثلاثة أعشار ثمن الأوقية غير حبة شعير، واعلم أن الصغير الثمانيني هو الذي يطلق عَلَيْهِ أهل هذا الجيل صغيراً بالصنجة وكبيراً عدّة، وقد ذكرنا هذا كلّه فِي مسألة صبيان الأعراب من كتاب: النكاح الأول من: " تكميل التقييد وتحليل التعقيد " وبالله تعالى أستعين.
ولِلْوَلِيِّ تَرْكُ التَّشَفُّعِ والْقِصَاصِ فَيَسْقُطَانِ، ولا يَعْفُو.
قوله: (وَلِلْوَلِيِّ تَرْكُ التَّشَفُّعِ والْقِصَاصِ) هذا القصاص فِي الصبي غير البالغ إِذَا جنى عَلَيْهِ أو عَلَى وليّه فلا يعارض ما تقدّم فِي البالغ، وعبارة ابن الحاجب أبين إذ قال: " وللولي النظر فِي قصاص [الصغير] (٢) أو الدية (٣) ".
ومَضَى عِتْقُهُ بِعِوَضٍ.
قوله: (وَمَضَى عِتْقُهُ بِعِوَضٍ) يريد العتق الناجز بعوض من غير مال العبد. قال فِي كتاب المكاتب من " المدونة ": وللوصي أن يكاتب عبد من يليه عَلَى النظر ولا يجوز أن يعتقه عَلَى مالٍ يأخذه منه إذ لو شاء انتزعه، ولو كَانَ عَلَى عطية من أجنبي جَازَ عَلَى النظر
стр. 631
كبيعه، وكذلك الأبّ له أن يكاتب عبد ابنه الصغير عَلَى النظر، ويبيع له ويشتري عَلَى النظر (١). إِلا أن ظاهر " المدونة " جوازه ابتداءً بِخِلاف ما هنا، وكأنه استروح من قوله: (ولو كَانَ عَلَى عطية) أن ذلك بعد الوقوع.
كَأَبِيهِ إِنْ أَيْسَرَ، وإِنَّمَا يَحْكُمُ فِي الرُّشْدِ وضِدِّهِ، والْوَصِيَّةِ والْحُبُسِ الْمُعَقَّبِ، وأَمْرِ الْغَائِبِ، والنَّسَبِ، والْوَلاءِ، وحَدٍّ، وقِصَاصٍ، ومَالِ يَتِيمٍ - الْقُضَاةُ.
قوله: (كَأَبِيهِ إِنْ أَيْسَرَ) أي كما يمضي عتق الأب دون غيره من الأولياء إِذَا كَانَ بغير عوض بشرط أن يكون موسراً قال فِي " المدونة " إثر الكلام المتقدم: " وإن أعتق عبد ابنه الصغير جَازَ عتقه إن كَانَ للأب مال، وإِلا لَمْ يجز. قال غيره: إِلا أن يوسر قبل النظر فِي ذلك فيتم ويقوم عَلَيْهِ ". زاد فِي كتاب الشفعة: " ولا يجوز فِي الهبة وإن كَانَ موسراً " (٢).
وإِنَّمَا يُبَاعُ عَقَارُهُ لِحَاجَةٍ، أَوْ غِبْطَةٍ، أَوْ لِكَوْنِهِ مُوَظَّفاً، أَوْ حِصَّةً، أَوْ قَلَّتْ غَلَّتُهُ فَيُسْتَبْدَلُ خِلافُهُ، أَوْ بَيْنَ ذِمِّيَّيْنِ، أَوْ جِيرَانٍ سُوءٍ، أَوْ لإِرَادَةِ شَرِيكِهِ بَيْعاً ولا مَالَ لَهُ، أَوْ لِخَشْيَةِ انْتِقَالِ الْعِمَارَةِ، أَوِ الْخَرَابِ ولا مَالَ لَهُ، أَوْ لَهُ والْبَيْعُ أَوْلَى، وحُجِرَ عَلَى الرَّقِيقِ إِلا بِإِذْنٍ، ولَوْ فِي نَوْعٍ فَكَوَكِيلٍ مُفَوَّضٍ، ولَهُ أَنْ يَضَعَ ويُؤَخِّرَ ويُضَيِّفَ إِنِ اسْتَأْنَفَ، ويَأْخُذُ قِرَاضاً، ويَدْفَعَهُ، ويَتَصَرَّفَ فِي كَهِبَةٍ، وأُقِيمَ مِنْهَا عَدَمُ مَنْعِهِ مِنْهَا ولِغَيْرِ مَنْ أُذِنَ لَهُ الْقَبُولُ بِلا إِذْنٍ، والْحَجْرُ عَلَيْهِ كَالْحُرِّ، وأُخِذَ مِمَّا بِيَدِهِ وإِنْ مُسْتَوْلَدَةً كَعَطِيَّتِهِ، وهَلْ إِنْ مُنِحَ لِلدَّيْنِ؟ أَوْ مُطْلَقاً؟ تَأْوِيلانِ، لا غَلَّتِهِ، ورَقَبَتِهِ.
قوله: (وَإِنَّمَا يُبَاعُ عَقَارُهُ لِحَاجَةٍ ... إلى آخره) عدّ ابن عرفة هذه الأسباب أحد عشر، وفِيهَا بعض زيادة ونقص بالنسبة لما هنا ونظمها فِي ستة أبيات من عروض الطويل فقال:
وبَيْعُ عَقَارٍ عَنْ يَتِيمٍ لِقُوتِهِ ... وهَدْمٍ ومَا يُبْنَى بِهِ غَيْرُ حَاصِلِ
ودَيْنٍ ولَا مَقْضِيَّ مِنْهُ سَوَاءُ قُلْ ... وشِرْكٍ بِهِ يُرْجَى بِهِ مِلْكُ كَامِلِ
[وَدَعْوَى شَرِيكٍ لَا سَبِيلَ لِقَسْمِهِ ... وذِي ثَمَنٍ حِلٍّ كَثِيرٍ وَطَائِلِ] (٣)
стр. 632
كَذَا الْعَارِ عَنْ نَفْعٍ ومَا خِيفَ غَصْبُهُ ... أَوْ الدَّارِ فِي دُورِ الْيَهُودِ الْأَرَاذِلِ
ومَا نَالَهُ تَوْظِيفُ أَوْ ثِقْلُ مَغْرَمٍ ... فَخُذْهَا جَوَاباً عَنْ سُؤَالِ السَّائِلِ
ودَعْوَى الشَّرِيكِ الْبَيْعَ قَيَّدَ بَعْضُهُمْ ... بِلَا ثَمَنٍ يُعْطَى لِدَاعٍ مُفَاصِلِ
وإِنْ لَمْ يَكُنْ غَرِيماً (١)، فَكَغَيْرِهِ.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَرِيماً، فَكَغَيْرِهِ) اسم (يَكُنْ) ضمير المأذون و (غَرِيماً) خبرها، فهو بمعنى المدين، وفِي كثيرٍ من النسخ: وإن لَمْ يكن غريمٌ بالرفع عَلَى أنّه فاعل يكن التامة، فالغريم عَلَى هذا بمعنى ربّ الحقّ.
ولا يُمَكَّنُ ذِمِّيٌّ مِنْ تَجْرٍ فِي كَخَمْرٍ، إِنِ اتَّجَرَ لِسَيِّدِهِ، وإِلا فَقَوْلانِ، وعَلَى مَرِيضٍ حَكَمَ الطِّبُّ بِكَثْرَةِ الْمَوْتِ بِهِ كَسِلٍّ، وقَوْلَنْجٍ، وحُمًّى قَوِيَّةً، وحَامِلِ سِتَّةٍ، ومَحْبُوسٍ لِقَتْلٍ أَوْ لِقَطْعٍ، إِنْ خِيفَ الْمَوْتُ، وحَاضِرٍ صَفَّ الْقِتَالِ، لا كَجَرَبٍ، ومُلَجَّجٍ فِي بَحْرٍ، ولَوْ حَصَلَ الْهَوْلُ فِي غَيْرِ مُؤْنَتِهِ وتَدَاوِيهِ ومُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ، ووُقِفَ تَبَرُّعُهُ، وإِلا لِمَالٍ مَأْمُونٍ، وهُوَ الْعَقَارُ، فَإِنْ مَاتَ فَمِنَ الثُّلُثِ وإِلا مَضَى. وعَلَى الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا ولَوْ عَبْداً [٥٧ / ب] فِي تَبَرُّعٍ زَادَ عَلَى ثُلُثِهَا. وَإِنْ بِكَفَالَةٍ وفِي إِقْرَاضِهَا قَوْلانِ وهُوَ جَائِزٌ حَتَّى يُرَدَّ فَمَضَى. إِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى تَأَيَّمَتْ، أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا.
قوله: (ومَحْبُوسٍ لِقَتْلٍ) معطوف عَلَى مريض، وأما قوله: (وحامل ستة) فيحتمل أن يكون معطوفاً عَلَى مريض أَيْضاً، ويحتمل أن يعطف عَلَى كسل بحذف مضاف أي وحمل حامل.
كَعِتْقِ الْعَبْدِ. ووَفَاءِ الدَّيْنِ.
قوله: (كَعِتْقِ الْعَبْدِ. ووَفَاءِ الدَّيْنِ) أي كما يمضي تبرع العبد إِذَا لَمْ يعلم به سيّده حَتَّى عتق وكما يمضي تبرع المديان إِذَا لَمْ يعلم به الغرماء حَتَّى وفّاهم ديونهم. قال فِي كتاب: المأذون من " المقدمات ": أما العبد فِيمَا وهب أو أعتق: فإذا لَمْ يعلم السيّد ذلك أو علم فلم يقض فِيهِ بردٍّ ولا إجازة حَتَّى عتق العبد والمال بيده فإن ذلك لازم له، ولا أعلم فِي هذا
стр. 633
نص خلاف (١). وقال قبل ذلك فِي تبرع المديان بغير إذن غرمائه: إن ذلك ينفذ عَلَيْهِ إن بقي ذلك بيده إلى أن ارتفعت علة المنع بزوال الدين، وكلامه فيهما أشبع من هذا؛ ولكن هذه حاجتنا منه.
ولَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ. إِنْ تَبَرَّعَتْ بِزَائِدٍ، ولَيْسَ لَهَا بَعْدَ الثُّلُثِ. تَبَرُّعٌ إِلا أَنْ يَبْعُدَ.
قوله: (ولَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ. إِنْ تَبَرَّعَتْ بِزَائِدٍ) زاد ابن عرفة: ولولي الزوج منع زوجته إعطاءها [٨٦ / أ] أكثر من ثلثها.
стр. 634
[باب الصلح]
الصُّلْحُ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى بَيْعٌ، أَوْ إِجَارَةٌ وعَلَى بَعْضِهِ هِبَةٌ وجَازَ عَنْ دَيْنٍ بِمَا يُبَاعُ بِهِ وعَنْ ذَهَبٍ بِوَرِقٍ. وعَكْسِهِ. إِنْ حَلا.
قوله: (أَوْ إِجَارَةٌ) مثاله أن يدّعي عَلَى رجلٍ شيئاً معيناً، فيصالحه عَلَى سكنى دار أو خدمة عبد أو ما أشبه ذلك إلى أجل معلوم، وقد أبعد من ضبطه إجازة، بالزاي المعجمة.
وعُجِّلَ كَمِائَةِ دِينَارٍ ودِرْهَمٍ عَنْ مِائَتَيْهِمَا.
قوله: (كَمِائَةِ دِينَارٍ ودِرْهَمٍ عَنْ مِائَتَيْهِمَا) أي كمائة دينار ودرهمٍ واحد صلحاً عن مائة دينار ومائة درهم كما فِي " المدونة "، فهو مثال لقوله: وعَلَى بعضه هبة.
وَعَلَى الافْتِدَاءِ مِنْ يَمِينٍ.
قوله: (وعَلَى الافْتِدَاءِ مِنْ يَمِينٍ) أشار به لقوله فِي كتاب: الأيمان والنذور من " المدونة ": " ومن لزمته يمين فافتدى منها بمال جَازَ ذلك " (١). انتهى. وقد افتدى عثمان وحلف عمر. قال ابن عرفة: قيّدها غير واحدٍ بمعنى الصلح عَلَى الإنكار فِيمَا يجوز وما لا يجوز.
أَوِ السُّكُوتِ.
قوله: (أَوِ السُّكُوتِ) عياض: وحكم السكوت حكم الإقرار عَلَى قولي مالك وابن القاسم جميعاً، فما وقع من صلحٍ حرام عَلَى الإقرار أو السكوت فسخ عَلَى كلّ حال كالبيع. ابن عرفة: وقسّموه لإقرار (٢) وإنكار، فبقول عياض: حكم السكوت حكم الإقرار تكون القسمة حقيقية بين الشيء ونقيضه، والمساوي لنقيضه ". انتهى. وقال ابن محرز أما الصلح عَلَى السكوت فإنه يعتبر فِيهِ حكم المعاوضة فِي الإقرار، ويعتبر عَلَى مذهب [مالك] (٣) فِيهِ الوجوه الثلاثة التي فِي الإنكار، وعَلَى مذهب ابن القاسم إنما يعتبر الصلح فِي حقّ كل واحد منهما عَلَى انفراده، ولا يلتفت إلى ما يوجبه الحكم فِي ظاهره.
стр. 635
أَوِ الإِنْكَارِ إِنْ جَازَ عَلَى دَعْوَى كُلٍّ. وظَاهِرِ الْحُكْمِ، ولا يَحِلُّ لِلظَّالِمِ. فَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَهُ أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لَمْ يَعْلَمْهَا أَوْ أَشْهَدَ وأَعْلَنَ أنّه يَقُومُ بِهَا أَوْ وَجَدَ وَثِيقَةً بَعْدَهُ فَلَهُ نَقْضُهُ.
قوله: (أَوِ الإِنْكَارِ إِنْ جَازَ عَلَى دَعْوَى كُلٍّ. وظَاهِرِ الْحُكْمِ، ولا يَحِلُّ لِلظَّالِمِ) هذا قول مالك خلافاً لابن القاسم وأصبغ (١).
تحرير:
قال ابن عرفة: الصلح عَلَى الإنكار جائز باعتبار عقده، وأما فِي باطن الأمر فإن كَانَ الصادق المنكر فالمأخوذ منه حرام، وإِلا فحلال، فإن وفّى بالحقّ بريء، وإِلا فهو غاصب فِي الباقي، ولم يذكر المازري ولا ابن القصار ولا أحد من مشاهير شيوخ المذهب المعتاد منهم نقل غريب المذهب خلافاً فِي جوازه إِلا عياضاً عن ابن الجهم عن بعض أصحابنا، وكَانَ يجري لنا فِي البحث تخريج مثل قول الشافعي من قول سحنون: إن طلب السلابة شيئاً خفيفاً لَمْ يجز أن يعطوه خلاف ما فِي أول جهاد " المدونة " (٢)؛ بجامع أنّه إعطاء مال لدفع عداء، وأن التخريج أحروي؛ لأن العداء فِي المحارب القتال المعروض للقتل وهو أشدّ من عداء الخصومة المعروض للحلف. وقال ابن عبد السلام: والنفس تميل فِيهِ لمذهب الشافعي.
وفِي كتاب الجهاد من " المدونة " ما يقرب منه. قال ابن عرفة: والذي فِي أوّل الجهاد منها يدلّ عَلَى عكس ما قاله حسبما قدمناه، والذي أشار إليه من كتاب: الجهاد هو ما كَانَ يجري لنا فِي درسه من الأخذ من قول مالك هناك: وإِذَا تنازع رجلان فِي اسم مكتوب فِي العطاء، فأعطى أحدهما الآخر مالاً عَلَى أن يبرأ إليه من ذلك الاسم لَمْ يجز؛ لأن الذي أعطى الدراهم [إن كَانَ صاحب الاسم فقد أخذ الآخر (٣) ما لا يحلّ له، وإن كَانَ الذي