كبيعه، وكذلك الأبّ له أن يكاتب عبد ابنه الصغير عَلَى النظر، ويبيع له ويشتري عَلَى النظر (١). إِلا أن ظاهر " المدونة " جوازه ابتداءً بِخِلاف ما هنا، وكأنه استروح من قوله: (ولو كَانَ عَلَى عطية) أن ذلك بعد الوقوع.
كَأَبِيهِ إِنْ أَيْسَرَ، وإِنَّمَا يَحْكُمُ فِي الرُّشْدِ وضِدِّهِ، والْوَصِيَّةِ والْحُبُسِ الْمُعَقَّبِ، وأَمْرِ الْغَائِبِ، والنَّسَبِ، والْوَلاءِ، وحَدٍّ، وقِصَاصٍ، ومَالِ يَتِيمٍ - الْقُضَاةُ.
قوله: (كَأَبِيهِ إِنْ أَيْسَرَ) أي كما يمضي عتق الأب دون غيره من الأولياء إِذَا كَانَ بغير عوض بشرط أن يكون موسراً قال فِي " المدونة " إثر الكلام المتقدم: " وإن أعتق عبد ابنه الصغير جَازَ عتقه إن كَانَ للأب مال، وإِلا لَمْ يجز. قال غيره: إِلا أن يوسر قبل النظر فِي ذلك فيتم ويقوم عَلَيْهِ ". زاد فِي كتاب الشفعة: " ولا يجوز فِي الهبة وإن كَانَ موسراً " (٢).
وإِنَّمَا يُبَاعُ عَقَارُهُ لِحَاجَةٍ، أَوْ غِبْطَةٍ، أَوْ لِكَوْنِهِ مُوَظَّفاً، أَوْ حِصَّةً، أَوْ قَلَّتْ غَلَّتُهُ فَيُسْتَبْدَلُ خِلافُهُ، أَوْ بَيْنَ ذِمِّيَّيْنِ، أَوْ جِيرَانٍ سُوءٍ، أَوْ لإِرَادَةِ شَرِيكِهِ بَيْعاً ولا مَالَ لَهُ، أَوْ لِخَشْيَةِ انْتِقَالِ الْعِمَارَةِ، أَوِ الْخَرَابِ ولا مَالَ لَهُ، أَوْ لَهُ والْبَيْعُ أَوْلَى، وحُجِرَ عَلَى الرَّقِيقِ إِلا بِإِذْنٍ، ولَوْ فِي نَوْعٍ فَكَوَكِيلٍ مُفَوَّضٍ، ولَهُ أَنْ يَضَعَ ويُؤَخِّرَ ويُضَيِّفَ إِنِ اسْتَأْنَفَ، ويَأْخُذُ قِرَاضاً، ويَدْفَعَهُ، ويَتَصَرَّفَ فِي كَهِبَةٍ، وأُقِيمَ مِنْهَا عَدَمُ مَنْعِهِ مِنْهَا ولِغَيْرِ مَنْ أُذِنَ لَهُ الْقَبُولُ بِلا إِذْنٍ، والْحَجْرُ عَلَيْهِ كَالْحُرِّ، وأُخِذَ مِمَّا بِيَدِهِ وإِنْ مُسْتَوْلَدَةً كَعَطِيَّتِهِ، وهَلْ إِنْ مُنِحَ لِلدَّيْنِ؟ أَوْ مُطْلَقاً؟ تَأْوِيلانِ، لا غَلَّتِهِ، ورَقَبَتِهِ.
قوله: (وَإِنَّمَا يُبَاعُ عَقَارُهُ لِحَاجَةٍ ... إلى آخره) عدّ ابن عرفة هذه الأسباب أحد عشر، وفِيهَا بعض زيادة ونقص بالنسبة لما هنا ونظمها فِي ستة أبيات من عروض الطويل فقال:
وبَيْعُ عَقَارٍ عَنْ يَتِيمٍ لِقُوتِهِ ... وهَدْمٍ ومَا يُبْنَى بِهِ غَيْرُ حَاصِلِ
ودَيْنٍ ولَا مَقْضِيَّ مِنْهُ سَوَاءُ قُلْ ... وشِرْكٍ بِهِ يُرْجَى بِهِ مِلْكُ كَامِلِ
[وَدَعْوَى شَرِيكٍ لَا سَبِيلَ لِقَسْمِهِ ... وذِي ثَمَنٍ حِلٍّ كَثِيرٍ وَطَائِلِ] (٣)
стр. 632
كَذَا الْعَارِ عَنْ نَفْعٍ ومَا خِيفَ غَصْبُهُ ... أَوْ الدَّارِ فِي دُورِ الْيَهُودِ الْأَرَاذِلِ
ومَا نَالَهُ تَوْظِيفُ أَوْ ثِقْلُ مَغْرَمٍ ... فَخُذْهَا جَوَاباً عَنْ سُؤَالِ السَّائِلِ
ودَعْوَى الشَّرِيكِ الْبَيْعَ قَيَّدَ بَعْضُهُمْ ... بِلَا ثَمَنٍ يُعْطَى لِدَاعٍ مُفَاصِلِ
وإِنْ لَمْ يَكُنْ غَرِيماً (١)، فَكَغَيْرِهِ.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَرِيماً، فَكَغَيْرِهِ) اسم (يَكُنْ) ضمير المأذون و (غَرِيماً) خبرها، فهو بمعنى المدين، وفِي كثيرٍ من النسخ: وإن لَمْ يكن غريمٌ بالرفع عَلَى أنّه فاعل يكن التامة، فالغريم عَلَى هذا بمعنى ربّ الحقّ.
ولا يُمَكَّنُ ذِمِّيٌّ مِنْ تَجْرٍ فِي كَخَمْرٍ، إِنِ اتَّجَرَ لِسَيِّدِهِ، وإِلا فَقَوْلانِ، وعَلَى مَرِيضٍ حَكَمَ الطِّبُّ بِكَثْرَةِ الْمَوْتِ بِهِ كَسِلٍّ، وقَوْلَنْجٍ، وحُمًّى قَوِيَّةً، وحَامِلِ سِتَّةٍ، ومَحْبُوسٍ لِقَتْلٍ أَوْ لِقَطْعٍ، إِنْ خِيفَ الْمَوْتُ، وحَاضِرٍ صَفَّ الْقِتَالِ، لا كَجَرَبٍ، ومُلَجَّجٍ فِي بَحْرٍ، ولَوْ حَصَلَ الْهَوْلُ فِي غَيْرِ مُؤْنَتِهِ وتَدَاوِيهِ ومُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ، ووُقِفَ تَبَرُّعُهُ، وإِلا لِمَالٍ مَأْمُونٍ، وهُوَ الْعَقَارُ، فَإِنْ مَاتَ فَمِنَ الثُّلُثِ وإِلا مَضَى. وعَلَى الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا ولَوْ عَبْداً [٥٧ / ب] فِي تَبَرُّعٍ زَادَ عَلَى ثُلُثِهَا. وَإِنْ بِكَفَالَةٍ وفِي إِقْرَاضِهَا قَوْلانِ وهُوَ جَائِزٌ حَتَّى يُرَدَّ فَمَضَى. إِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى تَأَيَّمَتْ، أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا.
قوله: (ومَحْبُوسٍ لِقَتْلٍ) معطوف عَلَى مريض، وأما قوله: (وحامل ستة) فيحتمل أن يكون معطوفاً عَلَى مريض أَيْضاً، ويحتمل أن يعطف عَلَى كسل بحذف مضاف أي وحمل حامل.
كَعِتْقِ الْعَبْدِ. ووَفَاءِ الدَّيْنِ.
قوله: (كَعِتْقِ الْعَبْدِ. ووَفَاءِ الدَّيْنِ) أي كما يمضي تبرع العبد إِذَا لَمْ يعلم به سيّده حَتَّى عتق وكما يمضي تبرع المديان إِذَا لَمْ يعلم به الغرماء حَتَّى وفّاهم ديونهم. قال فِي كتاب: المأذون من " المقدمات ": أما العبد فِيمَا وهب أو أعتق: فإذا لَمْ يعلم السيّد ذلك أو علم فلم يقض فِيهِ بردٍّ ولا إجازة حَتَّى عتق العبد والمال بيده فإن ذلك لازم له، ولا أعلم فِي هذا
стр. 633
نص خلاف (١). وقال قبل ذلك فِي تبرع المديان بغير إذن غرمائه: إن ذلك ينفذ عَلَيْهِ إن بقي ذلك بيده إلى أن ارتفعت علة المنع بزوال الدين، وكلامه فيهما أشبع من هذا؛ ولكن هذه حاجتنا منه.
ولَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ. إِنْ تَبَرَّعَتْ بِزَائِدٍ، ولَيْسَ لَهَا بَعْدَ الثُّلُثِ. تَبَرُّعٌ إِلا أَنْ يَبْعُدَ.
قوله: (ولَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ. إِنْ تَبَرَّعَتْ بِزَائِدٍ) زاد ابن عرفة: ولولي الزوج منع زوجته إعطاءها [٨٦ / أ] أكثر من ثلثها.
стр. 634
[باب الصلح]
الصُّلْحُ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى بَيْعٌ، أَوْ إِجَارَةٌ وعَلَى بَعْضِهِ هِبَةٌ وجَازَ عَنْ دَيْنٍ بِمَا يُبَاعُ بِهِ وعَنْ ذَهَبٍ بِوَرِقٍ. وعَكْسِهِ. إِنْ حَلا.
قوله: (أَوْ إِجَارَةٌ) مثاله أن يدّعي عَلَى رجلٍ شيئاً معيناً، فيصالحه عَلَى سكنى دار أو خدمة عبد أو ما أشبه ذلك إلى أجل معلوم، وقد أبعد من ضبطه إجازة، بالزاي المعجمة.
وعُجِّلَ كَمِائَةِ دِينَارٍ ودِرْهَمٍ عَنْ مِائَتَيْهِمَا.
قوله: (كَمِائَةِ دِينَارٍ ودِرْهَمٍ عَنْ مِائَتَيْهِمَا) أي كمائة دينار ودرهمٍ واحد صلحاً عن مائة دينار ومائة درهم كما فِي " المدونة "، فهو مثال لقوله: وعَلَى بعضه هبة.
وَعَلَى الافْتِدَاءِ مِنْ يَمِينٍ.
قوله: (وعَلَى الافْتِدَاءِ مِنْ يَمِينٍ) أشار به لقوله فِي كتاب: الأيمان والنذور من " المدونة ": " ومن لزمته يمين فافتدى منها بمال جَازَ ذلك " (١). انتهى. وقد افتدى عثمان وحلف عمر. قال ابن عرفة: قيّدها غير واحدٍ بمعنى الصلح عَلَى الإنكار فِيمَا يجوز وما لا يجوز.
أَوِ السُّكُوتِ.
قوله: (أَوِ السُّكُوتِ) عياض: وحكم السكوت حكم الإقرار عَلَى قولي مالك وابن القاسم جميعاً، فما وقع من صلحٍ حرام عَلَى الإقرار أو السكوت فسخ عَلَى كلّ حال كالبيع. ابن عرفة: وقسّموه لإقرار (٢) وإنكار، فبقول عياض: حكم السكوت حكم الإقرار تكون القسمة حقيقية بين الشيء ونقيضه، والمساوي لنقيضه ". انتهى. وقال ابن محرز أما الصلح عَلَى السكوت فإنه يعتبر فِيهِ حكم المعاوضة فِي الإقرار، ويعتبر عَلَى مذهب [مالك] (٣) فِيهِ الوجوه الثلاثة التي فِي الإنكار، وعَلَى مذهب ابن القاسم إنما يعتبر الصلح فِي حقّ كل واحد منهما عَلَى انفراده، ولا يلتفت إلى ما يوجبه الحكم فِي ظاهره.
стр. 635
أَوِ الإِنْكَارِ إِنْ جَازَ عَلَى دَعْوَى كُلٍّ. وظَاهِرِ الْحُكْمِ، ولا يَحِلُّ لِلظَّالِمِ. فَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَهُ أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لَمْ يَعْلَمْهَا أَوْ أَشْهَدَ وأَعْلَنَ أنّه يَقُومُ بِهَا أَوْ وَجَدَ وَثِيقَةً بَعْدَهُ فَلَهُ نَقْضُهُ.
قوله: (أَوِ الإِنْكَارِ إِنْ جَازَ عَلَى دَعْوَى كُلٍّ. وظَاهِرِ الْحُكْمِ، ولا يَحِلُّ لِلظَّالِمِ) هذا قول مالك خلافاً لابن القاسم وأصبغ (١).
تحرير:
قال ابن عرفة: الصلح عَلَى الإنكار جائز باعتبار عقده، وأما فِي باطن الأمر فإن كَانَ الصادق المنكر فالمأخوذ منه حرام، وإِلا فحلال، فإن وفّى بالحقّ بريء، وإِلا فهو غاصب فِي الباقي، ولم يذكر المازري ولا ابن القصار ولا أحد من مشاهير شيوخ المذهب المعتاد منهم نقل غريب المذهب خلافاً فِي جوازه إِلا عياضاً عن ابن الجهم عن بعض أصحابنا، وكَانَ يجري لنا فِي البحث تخريج مثل قول الشافعي من قول سحنون: إن طلب السلابة شيئاً خفيفاً لَمْ يجز أن يعطوه خلاف ما فِي أول جهاد " المدونة " (٢)؛ بجامع أنّه إعطاء مال لدفع عداء، وأن التخريج أحروي؛ لأن العداء فِي المحارب القتال المعروض للقتل وهو أشدّ من عداء الخصومة المعروض للحلف. وقال ابن عبد السلام: والنفس تميل فِيهِ لمذهب الشافعي.
وفِي كتاب الجهاد من " المدونة " ما يقرب منه. قال ابن عرفة: والذي فِي أوّل الجهاد منها يدلّ عَلَى عكس ما قاله حسبما قدمناه، والذي أشار إليه من كتاب: الجهاد هو ما كَانَ يجري لنا فِي درسه من الأخذ من قول مالك هناك: وإِذَا تنازع رجلان فِي اسم مكتوب فِي العطاء، فأعطى أحدهما الآخر مالاً عَلَى أن يبرأ إليه من ذلك الاسم لَمْ يجز؛ لأن الذي أعطى الدراهم [إن كَانَ صاحب الاسم فقد أخذ الآخر (٣) ما لا يحلّ له، وإن كَانَ الذي
стр. 636
أخذ الدراهم] (١) هو صاحب الاسم لَمْ يجز؛ لأنه لا يدري ما باع قليلاً أو كثيراً، ولا يدري ما تبلغ حياة صاحبه، فهذا غرر لا يجوز (٢).
قال ابن عرفة: ويرد بأن المنع فِي مسألة الجهاد إنما كَانَ لدوران الأمرين أمرين كل منهما موجب للفساد حسبما قرره فِيهَا، والصلح عَلَى الإنكار ليس كذلك؛ لأنه عَلَى تقدير صدق المدعي لا موجب للفساد.
كَمَنْ لَمْ يُعْلِنْ أَوْ يُقِرُّ سِرَّاً فَقَطْ عَلَى الأَحْسَنِ، لا إِنْ عَلِمَ بِبَيِّنَةٍ ولَمْ يُشْهِدْ، أَوِ ادَّعَى ضَيَاعَ الصَّكِّ.
قوله: (كَمَنْ لَمْ يُعْلِنْ أَوْ يُقِرُّ سِرَّاً فَقَطْ عَلَى الأَحْسَنِ) الفاعل بـ: (يعلن) يعود عَلَى المدعي المشهد، والفاعل بـ: (يقرّ) يعود عَلَى المدعى عَلَيْهِ؛ ولذلك يجب رفع (يقرّ)، والمعنى كمن أشهد ولم يعلن بإشهاده، وكمن يقر له المدعي عَلَيْهِ سراً فقط، وهذا مما يميّزه ذهن السامع اللبيب، فهما مسألتان، فأما المسألة الأولى: فذكر الخلاف فِيهَا ابن يونس وغيره واستظهر فِيهَا ابن عبد السلام عدم القيام عكس قول المصنف: (عَلَى الأحسن).
فإن قلت: لعلّ قوله: (عَلَى الأحسن) خاصٌ بالثانية؟
قلت: هذا لا يصحّ؛ لأنه يلزم عَلَيْهِ أن يكون لَمْ يذكر خلافاً فيمن لَمْ يعلن الإشهاد فلا يكون للتفريق بين المعلن وغيره فائدة.
وأما الثانية فطوّل فِيهَا ابن يونس، واقتصر من ذلك فِي " التوضيح " عَلَى ما نصّه: " إِذَا أقرّ فِي السرّ وجحد فِي العلّانية فصالحه غريمه عَلَى أن يؤخر سنة، وأشهد أنّه إنما صالحه لغيبة بينة، فإذا قدمت قام بها فقيل: ذلك له إِذَا علم أنّه كَانَ يطلبه وهو يجحده، وقيل: ليس ذلك له. قال المصنف: وأفتى بعض أشياخ شيخي: أن ذلك له للضرورة
стр. 637
وهو قول سحنون والآخر لمطرف، وهذه المسألة تسمى: إيداع الشهادة (١). انتهى (٢).
فإن قلت: مسألة الذي أشهد أنّه يقوم بالبينة ولم يعلن [٨٦ / ب] إشهاده أعمُّ من أن يكون لدد خصمه بالإقرار سرّاً والجحود علانية أو بغير ذلك، فالثانية مندرجة فِي الأولى؟
قلت: هو كذلك، ولو قصدنا أن نحمل كلامه فِي " مختصره " عَلَى محاذاة " توضيحه " لحملنا الثانية عَلَى أنّه لَمْ يشهد فِي السّر أنّه يقوم بالبينة، ولكن بمجرد الإقرار الذي يستدعيه منه بالتأخير (٣)، فيكون ذلك أبعد من التداخل، وقد قال ابن عرفة: ولو صالحه عَلَى تأخيره سنة بعد أن أشهد بعد لشهادة عَلَى إنكاره أنّه إنما صالح ليقرّ له بحقّه ففي لزوم أخذه بإقراره ولغو صلحه عَلَى تأخيره ولغو إقراره ولزوم صلحه بتأخيره نقلا ابن يونس عن سحنون وابن عبد الحكم قائلاً: الأول أحسن والظالم أحقّ أن يحمل عَلَيْهِ.
ابن عرفة: وعَلَيْهِ عمل القضاة والموثقين، وأكثرهم لَمْ يحك عن المذهب غيره، وحكى المتيطي عن ابن مزين عن أصبغ: لا ينفع إشهاد السر إِلا عَلَى من لا ينتصف منه كالسلطان أو الرجل القاهر، ولم يذكر الثاني، فالأقوال ثلاثة، وعَلَى الأول حاصل حقيقة الاسترعاء عندهم وهو المسمى فِي وقتنا إيداعاً هو إشهاد الطالب أنّه طلب فلاناً وأنّه أنكره وقد علم إنكاره بهذه البينة أو غيرها، وأنّه مهما أشهد بتأخيره إياه بحقّه أو بوضيعة شيء منه أو بإسقاط بينة الاسترعاء فهو غير ملتزم لشيء من ذلك، وأنّه إنما يفعله ليقرّ له بحقّه، وشرطه تقدمه عَلَى الصلح، فيجب تعيين وقته بيومه وفِي أي وقتٍ هو من يومه؛ خوف اتحاد يومهما. فإن اتحد دون تعيين جزء اليوم لَمْ يفد استرعاؤه.
стр. 638
قال المتيطي وابن فتّوح: ولا ينفع الاسترعاء إِلا مع ثبوت إنكار المطلوب، ورجوعه فِي الصلح إلى الإقرار، فإن ثبت إنكاره وتمادى عَلَيْهِ فِي صلحه لَمْ يفد استرعاؤه شيئاً إن لَمْ تقم بينة تعرف أصل حقّه، وقول العوام صلح المنكر إثبات لحقّ الطالب جهل، وقول الموثق فِي الصلح: تساقطا الاسترعاء، والاسترعاء فِي الاسترعاء حسن؛ لأنه إِذَا استرعى أحد المصالحين حيث يجب له الاسترعاء، وقال فِي استرعائه أنّه متى أشهد عَلَى نفسه بقطع الاسترعاء فإنما يفعل ذلك لإظهار حقّه ويستجلب به إقرار خصمه ورجوعه عن إنكاره، فيكون له حينئذ القيام بالاسترعاء، ولا يضره ما انعقد عَلَيْهِ من إسقاط البينات المسترعاة، ونفعه الاسترعاء فِي هذا، وإن لَمْ يذكر فِي استرعائه أنّه متى أشهد عَلَى نفسه بإسقاط البينة المسترعاة، فهو راجع عن ذلك قطع ما انعقد فِي كتاب الصلح من إسقاطه لها قيامه بالاسترعاء.
فإذا قلت: أنّه قطع الاسترعاء، والاسترعاء [في الاسترعاء] (١)، ثُمَّ استرعا وقال فِي استرعائه أنّه متى أشهد عَلَى نفسه بإسقاط البينات المسترعاة فإنما يفعل ذلك ليستجلب به إقرار خصمه لَمْ [ينتفع بهذا الاسترعاء إذ الاسترعاء فِي الاسترعاء، زاد المتيطي وقاله غير واحدٍ من الموثقين وفِيهِ تنازع، والأحسن فِي هذا كلّه أن يقر أن كل بينة تقوم له بالاسترعاء فهي ساقطة كاذبة، وإقراره أَيْضاً أنّه لَمْ يسترع ولا وقع بينه وبينه شيء يوجب الاسترعاء، فإن ذلك يسقط دعواه ويخرج به الخلاف إن شاء الله تعالى؛ لأنه يصير مكذباً لبينته ومبطلاً لها، وهذا من دقيق الفقه ". انتهى.
وقد سبق ابن محرز إلى إنكار ما يجري عَلَى ألسنة العوام من أن: صلح المنكِر إثبات لحقّ الطالب.
وقال ابن رشد فِي أول سماع ابن القاسم من كتاب العتق: وللتحرز من الخلاف يكتب فِي كتب الاصطلاحات أي فِي رسوم الصلح، وأسقط عنه الاسترعاء والاسترعاء فِي الاسترعاء، ومن الكُتّاب من يزيد ما تكرر وتناهى ولا معنى له؛ لأن الاسترعاء هو: أن
стр. 639
يشهد قبل الصلح فِي السر أنّه إنما يصالحه لوجه كذا، فهو غير ملتزم للصلح، والاسترعاء فِي الاسترعاء هو أن يشهد أنّه لا يلتزم الصلح، وأنّه متى صالح وأشهد عَلَى نفسه فِي كتاب الصلح أنّه أسقط عنه الاسترعاء فِي السر، فإنه لا يلتزم ذلك ولا يسقط عنه القيام به، فلا تتصور فِي ذلك منزلة ثالثة، وهذا الاسترعاء فِي السرّ إنما ينفع عند من يراه نافعاً فِيمَا خرج عَلَى غير عوض، وأما ما خرج عَلَى عوض من العقود كلّها فلا اختلاف أن الاسترعاء فِيهِ غير نافع (١).
فَقِيلَ لَهُ حَقُّكَ ثَابِتٌ فَائْتِ بِهِ، فَصَالَحَ ثُمَّ وَجَدَهُ. وعَنْ إِرْثِ زَوْجَةٍ مِنْ عَرْضٍ ووَرِقٍ وذَهَبٍ بِذَهَبٍ مِنَ التَّرِكَةِ قَدْرَ مَوْرِثِهَا مِنْهُ فَأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ. إِنْ قَلَّتِ الدَّرَاهِمُ. لا مِنْ غَيْرِهَا مُطْلَقاً إِلا بِعَرْضٍ إِنْ عَرَفَ جَمِيعَهَا وحَضَرَ، وأَقَرَّ الْمَدِينُ وحَضَرَ، وعَنْ دَرَاهِمَ وعَرْضٍ تُرِكَا بِذَهَبٍ كَبَيْعٍ وصَرْفٍ، وإِنْ كَانَ فِيهَا دَيْنٌ فَكَبَيْعِهِ، وعَنِ الْعَمْدِ بِمَا قَلَّ وكَثُرَ لا غَرَرٍ كَرِطْلٍ مِنْ شَاةٍ ولِذِي دَيْنٍ مَنْعُهُ مِنْهُ.
قوله: (فَقِيلَ لَهُ حَقُّكَ ثَابِتٌ) أي فقال له المطلوب: حقك حق فات بالصك فامحه وخذ حقك فقال: قد ضاع وأنا أصالحك ففعل، ثُمَّ وجد ذكر الحقّ فلا رجوع له باتفاق.
وإِنْ رُدَّ مُقَوَّمٌ بِعَيْبٍ، أَوِ اسْتُحِقَّ رُجِعَ بِقِيمَتِهِ كَنِكَاحٍ، وخُلْعٍ.
قوله: (وَإِنْ رُدَّ مُقَوَّمٌ بِعَيْبٍ، أَوِ اسْتُحِقَّ رُجِعَ بِقِيمَتِهِ كَنِكَاحٍ، وخُلْعٍ) هذه الثلاث من النظائر السبع التي يرجع فِيهَا [٨٧ / أ] لأرش العوض فِي الردّ بالعيب والاستحقاق والشفعة، وقد كنّا جمعناها فِي بيتٍ وهو:
صُلْحَانِ عِتْقَانِ وبُضْعَانِ مَعاً ... عُمْرَى بِأَرْشِ عِوَضٍ بِهِ ارْجِعَا
فالبيت مشتملٌ عَلَى إحدى وعشرين مسألة من ضرب ثلاثة فِي سبعة.
وإِنْ قَتَلَ جَمَاعَةٌ، أَوْ قَطَعُوا جَازَ صُلْحُ كُلٍّ، والْعَفْوُ عَنْهُ. وإِنْ صَالَحَ مَقْطُوعٌ، ثُمَّ نُزِيَ فَمَاتَ فَلِلْوَلِيِّ لا لَهُ رَدُّهُ، والْقَتْلُ بِقَسَامَةٍ كَأَخْذِهِمُ الدِّيَّةَ فِي الْخَطَإِ، وإِنْ وَجَبَ لِمَرِيضٍ عَلَى رَجُلٍ جَرْحٌ عَمْداً فَصَالَحَ فِي مَرَضِهِ بِأَرْشِهِ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ جَازَ ولَزِمَ، وهَلْ مُطْلَقاً، أَوْ إِنْ صَالَحَ عَلَيْهِ، لا مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ؟ تَأْوِيلانِ. وإِنْ صَالَحَ أَحَدُ
стр. 640
وَلِيَّيْنِ، فَلِلآخَرِ الدُّخُولُ مَعَهُ، وسَقَطَ الْقَتْلُ كَدَعْوَاكَ صُلْحَهُ فَأَنْكَرَ، وإِنْ صَالَحَ مُقِرٌّ بِخَطَإٍ بِمَالِهِ لَزِمَهُ، وهَلْ مُطْلَقاً أَوْ مَا دَفَعَ؟ تَأْوِيلانِ، لا إِنْ ثَبَتَ، وجَهِلَ لُزُومَهُ، وحَلَفَ، ورُدَّ، إِنْ طُولِبَ بِهِ مُطْلَقاً، أَوْ إِنْ طَلَبَهُ ووُجِدَ، وإِنْ صَالَحَ أَحَدُ وَلَدَيْنِ وَارِثَيْنِ، وإِنْ عَنْ إِنْكَارٍ، فَلِصَاحِبِهِ الدُّخُولُ كَحَقٍّ لَهُمَا فِي كِتَابٍ.
قوله: (وَإِنْ قَتَلَ جَمَاعَةٌ، أَوْ قَطَعُوا جَازَ صُلْحُ كُلٍّ، والْعَفْوُ عَنْهُ) كذا فِي النسخ التي بين أيدينا وهو صحيح جار مع نصّ " المدونة " (١)، وفِي تعدد القاتلين أو القاطعين، وكذلك الجارحون، وأما العكس فروى يحيي عن ابن القاسم: من قتل رجلين عمداً وثبت ذلك عَلَيْهِ فصالح أولياء أحدهما عَلَى الدية وعفوا عن دمه، وقام أولياء الآخر بالقود فلهم القود، فإن استقادوا بطل الصلح، ويرجع المال إلى ورثته؛ لأنه إنما صالحهم عَلَى النجاة.
أَوْ مُطْلَقٍ إِلا الطَّعَامَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ.
قوله: (إِلا الطَّعَامَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ) كأنه يعني ففي وجه استثنائه تَرَدُّدٌ.
إِلا أَنْ يَشْخَصَ، ويُعْذِرَ إِلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ أَوْ (٢) الْوَكَالَةِ فَيَمْتَنِعُ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْمُقْتَضَى.
قوله: (إِلا أَنْ يَشْخَصَ، ويُعْذِرَ إِلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ أَوْ فِي الْوَكَالَةِ فَيَمْتَنِعُ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْمُقْتَضَى) المبالغة راجعة لمحذوف تقديره: فلا يدخل معه صاحبه، وإن لَمْ يكن بيد المطلوب غير ما اقتضى منه الذي شخص.
أَوْ يَكُونَ بِكِتَابَيْنِ، وفِيمَا لَيْسَ لَهُمَا، وكُتِبَ فِي كِتَابٍ قَوْلانِ، ولا رُجُوعَ، إِنِ اخْتَارَ مَا عَلَى الْغَرِيمِ وإِنْ هَلَكَ.
قوله: (أَوْ يَكُونَ بِكِتَابَيْنِ) منصوب عطفاً عَلَى إن يشخص.
стр. 641
وإِنْ صَالَحَ عَلَى عَشَرَةٍ [٥٨ / أ] مِنْ [خَمْسِيه] (١) فَلِلآخَرِ إِسْلامُهَا، أَوْ أَخْذُ خَمْسَةٍ مِنْ شَرِيكِهِ، ويَرْجِعُ بِخَمْسَةٍ وأَرْبَعِينَ، ويَأْخُذُ الآخَرُ خَمْسَةً، وإِنْ صَالَحَ بِمُؤَخَّرٍ عَنْ مُسْتَهْلِكٍ لَمْ يَجُزْ إِلا بِدَرَاهِمَ، كَقِيمَتِهِ فَأَقَلَّ، أَوْ ذَهَبٍ كَذَلِكَ، وهُوَ مِمَّا يُبَاعُ بِهِ كَعَبْدٍ آبِقٍ، وإِنْ صَالَحَ بِشِقْصٍ عَنْ مُوَضِّحَتَيْ عَمْدٍ وخَطَإٍ، فَالشُّفْعَةُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الشَّقْصِ وبِدِيَةِ الْمُوَضِّحَةِ، وهَلْ كَذَلِكَ إِنِ اخْتَلَفَ الْجُرْحُ؟ تَأْوِيلانِ.
قوله: (وَإِنْ صَالَحَ عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ خَمْسِيه) بحذف نون خمسين للإضافة أي من الخمسين الواجبة له من المائة.
تذييل:
قال ابن عرفة: الصلح من حيث ذاته مندوب إليه، وقد يعرض وجوبه عند تعيّن مصلحته، وحرمته وكراهته لاستلزامه مفسدة واجبة الدرء أو راجحته كما مرّ فِي النكاح للخمي وغيره. قال ابن رشد: لا بأس بندب القاضي الخصمين إليه ما لَمْ يتبين له الحقّ لأحدهما؛ لقول عمر لأبي موسى: " واحرص عَلَى الصلح ما لَمْ يتبين لك فصل القضاء " (٢)، وقيل فِي بعض المذاكرات: لا بأس به بعد التبيين إن كَانَ لرفقٍ بالضعيف منهما كالندب لصدقة عَلَيْهِ، وردّ بأنه يوهم الحق عَلَى من له الحقّ أو سقوطه له، بِخِلاف الصدقة. ابن رشد إن أباه أحدهما فلا يلحّ عَلَيْهِ إلحاحاً يوهم الإلزام. ابن عرفة: وقد نقل عن بعض القضاة بأطرابلس جبره عَلَيْهِ فعزل. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 642
[باب الحوالة]
شَرْطُ الْحَوَالَةِ رِضَا الْمُحِيلِ والْمُحَالِ فَقَطْ، وثُبُوتُ دَيْنٍ لازِمٍ فَإِنْ أَعْلَمَهُ بِعَدَمِهِ وشَرَطَ الْبَرَاءَةَ صَحَّ، وهَلْ إِلا أَنْ يُفَلَّسَ أَوْ يَمُوتَ؟ تَأْوِيلانِ، وصِيغَتُهَا.
قوله: (شَرْطُ الْحَوَالَةِ رِضَا الْمُحِيلِ والْمُحَالِ فَقَطْ) اتبع ابن شاس وابن الحاجب فِي كون رضاهما شرطاً لا شطراً (١) وقد قال ابن عرفة: المذهب توقف الحوالة عَلَى رضى المحيل والمحال، وصرح ابن شاس وابن الحاجب بأنهما من شروطهما، ولَمْ يعدهما اللخمي وابن رشد (٢) منها، وهو الأحسن، والأَظْهَر أنهما جزآن منها؛ لأنهما كلما وجدا وجدت.
وحُلُولُ الْمُحَالِ بِهِ وإِنْ كِتَابَةً، لا عَلَيْهِ، وتَسَاوِي الدَّيْنَيْنِ قَدْراً وصِفَةً، وفِي تَحَوُّلِهِ عَلَى الأَدْنَى تَرَدُّدٌ، وأَنْ لا يَكُونَا طَعَاماً مِنْ بَيْعٍ.
[قوله: (لا عَلَيْهِ) أي: لا يشترط حلول الدين المحال عَلَيْهِ كَانَ كتابة أو غيرها] (٣).
لا كَشْفُهُ عَنْ ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، ويَتَحَوَّلُ حَقُّ الْمُحَالِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وإِنْ أَفْلَسَ أَوْ جَحَدَ، إِلا أَنْ يَعْلَمَ الْمُحِيلُ بِإِفْلاسِهِ فَقَطْ، وحَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ، إِنْ ظُنَّ بِهِ الْعِلْمُ، فَلَوْ أَحَالَ بَائِعٌ عَلَى مُشْتَرٍ بِالثَّمَنِ، ثُمَّ رُدَّ بِعَيْبٍ أَوِ اسْتُحِقَّ، لَمْ تَنْفَسِخْ، واخْتِيرَ خِلافُهُ، والْقَوْلُ لِلْمُحِيلِ، إِنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ نَفْيُ الدَّيْنِ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ، لا فِي دَعْوَاهُ وَكَالَةً أَوْ سَلَفاً.
قوله: (لا كَشْفُهُ عَنْ ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ) كذا عند المازري؛ فإنه ذكر أن شرط بيع الدين علم حال ذمة المدين، وإِلا كَانَ غرراً قال: وبِخِلاف الحوالة؛ لأنها معروف، فاغتفر فِيهَا الغرر ونحوه قول اللخمي: أجاز مالك الحوالة مع جهل ذمة المحال عَلَيْهِ. وأما ابن يونس فقال: الحوالة بيع دين بدين، أجيزت رخصة، وشراء الدين لا يجوز حَتَّى يعرف ملاء الغريم من عدمه.
стр. 643
[ابن عرفة: ولازم هذا الكلام أن الحوالة لا تجوز حَتَّى يُعرف ملاء الغريم من عدمه] (١)، وهو خلاف نقل المازري واللخمي، فتأمله. انتهى، وذكر المتيطي من شروط الحوالة كونها بمحضر المحال عَلَيْهِ، ولو جهل عسره ويسره، وزاد بن فتوح وإقراره بالدين، وقبلهما ابن عرفة. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 644
[باب الضمان]
الضَّمَانُ شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَقِّ، وصَحَّ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ كَمُكَاتِبٍ، ومَأْذُونٍ إِنْ أَذِنَ سَيِّدُهُمَا، وزَوْجَةٍ، ومَرِيضٍ بِثُلُثٍ، واتُّبِعَ ذُو الرِّقِّ إِنْ عَتَقَ، ولَيْسَ لِسَيِّدِهِ جَبْرُهُ عَلَيْهِ، وعَنِ الْمَيِّتِ والْمُفْلِسِ.
قوله: (الضَّمَانُ شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَقِّ) لَمْ يرتض ابن عرفة هذا التعريف، بل قال: الحمالة التزام دينٍ لا يسقطه، أو طلب من هو عَلَيْهِ لمن هو له، وقول ابن الحاجب تابعا لعبد الوهّاب: شغل ذمة أخرى بالحقّ (١). لا يتناولها؛ لأن شغل ذمةٍ أخرى إنما هو لازم لها لا نفسها؛ لأنها مكتسبة، والشغل حكم غير مكتسب كالملك مع البيع. فتأمله، وقول ابن عبد السلام: " إطلاق الحمالة عَلَى الطلب عرفاً إنما هو مجاز لا حقيقة. يردُّ بمنعه لظاهر إطلاقات " المدونة "، والأمهات والمتقدمين والرواة ". انتهى.
فالضمان فِي تعريف ابن عرفة منوع إلى التزام الدين وإلى التزام طلبه، والضمان عنده مكتسب والشغل لازمه كما أن البيع مكتسب والملك لازمه.
والضَّامِنِ، والْمُؤَجَّلِ حَالاً، إِنْ كَانَ مِمَّا يُعَجَّلُ، وعَكْسُهُ.
قوله: (وعَكْسُهُ) هو أن يضمن الدين بعدما حلّ بشرط تأخيره لأجل قال فِي " المدونة ": وإن أخّره به بعد الأجل برهن أو حميل جَازَ؛ لأنه ملك قبض دينه مكانه فتأخيره به كابتداء سلف عَلَى [٨٧ / ب] حميل أو رهن، وإن لَمْ يحل الأجل وأخّره به إلى أبعد من الأجل بحميل أو رهن لَمْ يجز؛ لأنه سلف بنفع (٢). قال غيره: ولا يلزم (٣) الحميل شيء، ولا يكون الرهن به رهناً وإن قبض فِي فلس الغريم أو موته.
إِنْ أَيْسَرَ غَرِيمُهُ أَوْ لَمْ يُوسِرْ فِي الأَجَلِ.
قوله: (إِنْ أَيْسَرَ غَرِيمُهُ أَوْ لَمْ يُوسِرْ فِي الأَجَلِ) يعني أن صحة الضمان فِي العكس المذكور مشروطة بأحد الشرطين: إما أن يكون الغريم الذي هو المدين موسراً بحيث
стр. 645
يكون طالبه الذي أخره كمبتديء سلف بشرط حميل، وإليه أشار بقوله: (إِنْ أَيْسَرَ غَرِيمُهُ)، وإما أن يكون المدين المذكور معسراً أو لَمْ تجر عادة فِي مثله؛ بأن يحدث له يسر فِي أثناء الأجل الذي أخّره إليه، وإليه أشار بقوله: (أَوْ لَمْ يُوسِرْ فِي الأَجَلِ) وذلك أن من له دين حالٌ عَلَى معسر، فأخّره به إلى أجل ما فلا يخلو أن يكون الغالب عَلَيْهِ أنّه يوسر عند حلول ذلك الأجل أو بعده أو قبله.
فأما القسمان الأولان فلا يختلف المذهب فِي جوازهما؛ لأن تأخير الغريم المعسر فِي هذا الأجل واجب فليس الطالب بمُسَلِّفٍ حقيقة ولا حكماً.
وأما القسم الثالث فمنعه ابن القاسم لاستلزامه سلفاً جرّ منفعة، وذلك أن هذا الغريم المعسر إِذَا كَانَ ينقضي عسره فِي الغالب بانقضاء شهرين مثلاً كبعض أصحاب الغلات، فإذا أخّره الطالب إلى أربعة أشهر فقد سلف الطالب غريمه إذ أخره الشهرين الأخيرين اللذين لا يجب عَلَيْهِ أن يؤخره فيهما؛ لأن من أخر ما وجب له يعدّ مسلفاً عَلَى المذهب (١)، وانتفع هذا المسلف بالحميل الذي أخذه من غريمه بهذا الدين فِي الشهرين السابقين وفِي الشهرين الأخيرين، وأجاز هذا أشهب؛ لأن يسار المديان بعد عسره متوهم لا ينبغي أن تتغيّر الأحكام بسببه.
وأصل هذا ما تقدم من نصّ " المدونة " فيمن له دين عَلَى رجلٍ إلى أجلٍ لَمْ يحل فأخره إلى أبعد من الأجل بحميل أو رهن لَمْ يجز لأنه سلف بنفع (٢). هذا تقرير ابن عبد السلام وأصله للخمي.
وبِالْمُوسِرِ أَوِ الْمُعْسِرِ، لا الْجَمِيعِ.
قوله: (وبِالْمُوسِرِ أَوِ الْمُعْسِرِ، لا الْجَمِيعِ) عطف عَلَى (من أهل التبرع) أي: [وصح الضمان من أهل التبرع] (٣) وعن الميت وبالموسر، فـ (من)، و (عن)، و (الباء) متعلقات
стр. 646
بـ (صحّ)، ومراده الموسر به والمعسر به، فحذف الباء، واستكنّ الضمير فِي اسم المفعول، ويحتمل أن تتعلّق هذه الحروف بضمير الضمان المستتر فِي (صحّ) عَلَى قول من يرى ذلك من النحاة، وهو خلاف ما جزم به ابن مالك فِي " الكافية " إذ قال:
وأهمل المضمر والمحدود ... ومصدر فارقه التوحيد
ويعني: أن المديان إِذَا كَانَ موسراً ببعض الدين، ومعسراً ببعضه كالنصف مثلاً فإنه يجوز أن يعطيه ضامناً بأحدهما خاصة، كما لو قضاه النصف الذي هو به موسر، وأعطاه حميلاً بالنصف [الذي] (١) هو به معسر، إذ لا مانع من ذلك، وكذلك لو أخرّه بنصف الدين، وأعطاه بهذا النصف الذي أخره به حميلاً، وأبقى النصف الثاني عَلَى الحلول لجاز ذلك؛ لأنه يعود الأمر فِيهِ إلى الصورة التي قبله؛ لأن له طلب ذلك النصف الذي لَمْ يؤخره به والفرض أنّه موسر به.
وأما لو أخّره بالجميع عَلَى أن أعطاه حميلاً بالجميع أَيْضاً ما جَازَ ذلك؛ لأنه سلفٌ جرّ منفعة، ألا ترى أنّه مسلف للنصف الذي الغريم به موسر لتأخيره إياه عَلَى حميل به، وبالنصف الثاني، وذلك نفع فِي النصف الذي هو به معسر (٢)، وأصل هذا للخمي وابن رشد، وهكذا قرره ابن عبد السلام، إِلا أنّه جعل فِي منع ضمان الجميع نظراً إِذَا فرضنا أن حاله فِي العسر لا تنتقل إلى اليسر فِي ذلك الأجل قال: لأنه لو كَانَ موسراً بالجميع لجازت المسألة ولو كَانَ معسراً لا يقدر عَلَى قضاء شيء من دينه لجازت المسألة أَيْضاً.
وأما إن كَانَ ينتقل إلى اليسر قبل انقضاء الأجل فلا شكّ فِي المنع عَلَى أصل ابن القاسم فِي المسألة السابقة. قال ابن عرفة: لا يخفى عَلَى منصفٍ سقوط احتجاجه عَلَى ما زعمه من النظر؛ لأنه إِذَا كَانَ معسراً بالجميع فلا عوض عن الحمالة بوجه، وإِذَا كَانَ موسراً بالبعض فالعوض عنها موجود وهو تأخيره بالبعض الذي هو به موسر، فيدخله ضمان بجعل وسلف جر منفعة، حسبما قرره غير واحد. انتهى، واعتراضه عَلَيْهِ بيّن. والله تعالى أعلم.
стр. 647
بِدَيْنٍ لازِمٍ، أَوْ آيِلٍ، لا كِتَابَةٍ بَلْ كَجُعْلٍ، ودَايِنْ فُلاناً، ولَزِمَ فِيمَا ثَبَتَ وهَلْ يُقَيَّدُ بِمَا يُعَامَلُ بِهِ؟ تَأْوِيلانِ ولَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْمُعَامَلَةِ، بِخِلافِ احْلِفْ وأَنَا ضَامِنٌ بِهِ، إِنْ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ضَامِنِهِ.
قوله: (بِدَيْنٍ لازِمٍ، أَوْ آيِلٍ، لا كِتَابَةٍ بَلْ كَجُعْلٍ) الأَظْهَر فِي باء (بدين) السببية والعامل فِيهَا صحّ أو فاعله؛ عَلَى ما تقدم فِي قوله: (وبالموسر).
فإن قلت: لو قال بدينٍ لازمٍ أو آيل كجعل لا كتابة؛ لكان أحسن.
قلت: بل ترتيبه أحسن؛ لعطفه دائن عَلَى كجعل إذ هما معاً آيلان، واقتضى حسن الإلقاء أن لا يقدمهما لطول التفريع فِي الثانية منهما، وفِي بعض النسخ: (لا كتابة، بل بمعجّل كجعل)، والمعنى عَلَى هذا: لا يجوز الضمان بكتابة بل إنما يجوز بعوض عتق معجّل (١) كما يجوز بالجعل، فهو كقوله فِي " المدونة ": ولا تجوز الكفالة بكتابة المكاتب، وأما من عجّل عتق عبده عَلَى مال جازت الكفالة بذلك، وكذلك من قال لرجلٍ: عجّل عتق مكاتبك وأنا بما فِي كتابته كفيل، جَازَ وله الرجوع بذلك عَلَى المكاتب (٢).
وأما الجعل فلم يوقف فِي عينه عَلَى رواية فِي " المدونة " [٨٨ / أ] ولا غيرها، ولكن نصّ المازري عَلَى جواز الضمان فِيهِ، ولله درّ المصنف حيث لَمْ يزر به نقل ابن شاس وأتباعه فِي ذلك؛ وذلك أن ابن شاس قال: لا يجوز ضمان الجعل إِلا بعد العمل، وتبعه ابن الحاجب (٣)، وقرره ابن راشد القفصي، وكذلك ابن عبد السلام قائلاً: لأن الجعالة قبل العمل ليست بعقدٍ منبرم فأشبهت الكتابة.
ولم يقنع حَتَّى زاد فِي جواز الحمالة بما بعد العمل نظر؛ لأن الخيار للعامل بعد العمل فقال فِي " التوضيح ": فِي هذا نظر أما أولا فإنه وإن لَمْ يكن ديناً لازماً فِي الحال فسيلزم فهو آيل إلى اللازم، وأما ثانياً فهو خلاف قول المازري: " ومن الحقوق المالية ما ليس بعقدٍ
стр. 648
لازم كالجعل عَلَى مذهب من يرى أنّه لا يلزم بالعقد كقوله: إن جئتني بعبدي الآبق فلك عشرة دنانير، فهذا تصحّ الحمالة به أَيْضاً قبل المجيء بالآبق، فإن جاء به لزم ما تحمّل به، وإن لَمْ يأت به سقطت الحمالة ". انتهى (١).
وأما ابن عرفة فلم يذكر كلام المازري، ولكن قال: قول ابن شاس وابن الحاجب: لا يجوز ضمان الجعل إِلا بعد العمل، لا أعرفه لغيرهما وفِيهِ نظر، ومقتضى المذهب عندي الجواز لقول " المدونة " مع غيرها بصحة ضمان ما هو محتمل الثبوت استقبالاً، وتوجيه ابن عبد السلام نقل ابن الحاجب بقوله: لأن الجعالة قبل العمل ليست بعقد منبرم، فأشبهت الكتابة، يردّ بأن حمالة الكتابة تؤدي إلى الغرم مجاناً حسبما تقدم؛ لأنها ليست ديناً ثابتاً، والجعل مهما غرمه الحميل رجع به؛ لأنه بعد تقرره دين ثابت.
وفِي " وجيز " الغزالي فِي ضمان الجعل فِي الجعالة وجهان (٢).
وإِنْ جُهِلَ، أَوْ مَنْ لَهُ، أوَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَأَدَائِهِ رِفْقاً لا عَنَتاً فَيُرَدُّ كَشِرَائِهِ.
قوله: (وإِنْ جُهِلَ، أَوْ مَنْ لَهُ، أوَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَأَدَائِهِ) هذه ثلاثة من أركان الضمان:
الأول: المال المضمون، وإليه أشار بقوله: (وإن جهل) قال فِيهِ ابن عرفة: جهل قدر المتحمل به غير مانعٍ اتفاقاً.
الثاني: الشخص المضمون له، وإليه أشار بقوله: (أو من له) قال فِيهِ ابن عرفة المتحمل [له من ثبت حقه عَلَى المتحمل عنه] (٣) ولو جهل؛ ولذا قال المازري: من ضمن دين ميّت لزمه ما طرأ عَلَيْهِ من دين غريم لَمْ يعلم به.
الثالث: الشخص المضمون عنه، وإليه أشار بقوله: (أو بغير إذنه) فهو كقول ابن الحاجب: المضمون عنه لا يشترط رضاه، إذ يجوز أن يؤدي بغير إذنه (٤). واحتج له ابن
стр. 649
عبد السلام بإقرار سيدنا رسول الله ﷺ ضمان من ضمن الميت حسبما خرّج البخاري (١)، وحصول الرضى من الميّت محال. قال ابن عرفة: نصوص " المدونة " مع غيرها بصحة الحمالة دون رضى المتحمل عنه واضحة منها قولها: من تكفّل عن صبيٍ بحق قضي به عَلَيْهِ، فأداه عنه بغير أمر وليه فله أن يرجع به فِي مال الصبي (٢).
المتيطي وابن فتوح: من العلّماء من قال: لا تلزم الحمالة الذي عَلَيْهِ الحقّ إِلا بأمره؛ ولذا كتب كثير من الموثقين تحمل عن فلان بأمره. انتهى.
فإن قلت: ضمير الغائب لا يعود عَلَى الأبعد إِلا بدليل، فما الدليل عَلَى عود الضمير من قوله: (أو بغير إذنه) عَلَى غير ما يليه؟
قلت: دليله قوله: بعده (كأدائه)، والذكي يفهم بالإشارة.
وهَلْ إِنْ عَلِمَ بَائِعُهُ وهُوَ الأَظْهَرُ؟ تَأْوِيلانِ، لا إِنِ ادُّعِيَ عَلَى غَائِبٍ فَضَمِنَ ثُمَّ أَنْكَرَ، أَوْ قَالَ لِمُدَّعٍ عَلَى مُنْكِرٍ إِنْ لَمْ آتِكَ بِهِ لِغَدٍ فَأَنَا ضَامِنٌ بِهِ ولَمْ يَأْتِ بِهِ، إِنْ لَمْ يَثْبُتْ حَقُّهُ بِبَيِّنَةٍ، وهَلْ بِإِقْرَارِهِ؟ تَأْوِيلانِ كَقَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَجِّلْنِي الْيَوْمَ، فَإِنْ لَمْ أُوَافِكَ غَداً فَالَّذِي تَدَّعِيهِ عَلَيَّ حَقٌّ، ورَجَعَ بِمَا أَدَّى ولَوْ مُقَوَّماً، إِنْ ثَبَتَ الدَّفْعُ، وجَازَ صُلْحُهُ عَنْهُ بِمَا جَازَ لِلْغَرِيمِ عَلَى الأَصَحِّ.
قوله: (وهَلْ إِنْ عَلِمَ بَائِعُهُ وهُوَ الأَظْهَرُ؟ تَأْوِيلانِ) إنما وقفت عَلَى هذا الترجيح لابن يونس وعنه نقل فِي " التوضيح " (٣)، فإن لَمْ يقله ابن رشد فصوابه وهو الأَرْجَح.
ورَجَعَ بِالأَقَلِّ مِنْهُ أَوْ قِيمَتِهِ. وإِنْ بَرِئَ الأَصْلُ بَرِئَ [٥٨ / ب] لا عَكْسُهُ. وعُجِّلَ بِمَوْتِ الضَّامِنِ، ورَجَعَ وَارِثُهُ بَعْدَ أَجَلِهِ أَوِ الْغَرِيمِ إِنْ تَرَكَهُ، ولا يُطَالَبُ، إِنْ حَضَرَ الْغَرِيمُ مُوسِراً، أَوْ لَمْ يَبْعُدْ إِثْبَاتُهُ عَلَيْهِ.
стр. 650
قوله: (وَرَجَعَ بِالأَقَلِّ مِنْهُ أَوْ قِيمَتِهِ) الوجه فِي مثل هذا أن يعطف بالواو؛ لأنه لا يغني متبوعه، والمعنى: ورجع الضامن عَلَى الغريم بأقلّ الأمرين من الدين ومن قيمة ما دفع فِي الصلح إِذَا كَانَ المدفوع من ذوات القيم لا من ذوات الأمثال، وكذا بيّنه ابن عبد السلام، فالضمير فِي (منه) يعود عَلَى الدين كما عاد عَلَيْهِ الضمير المجرور بعن فِي قوله: (وجَازَ صلحه عنه)، والضمير فِي (قيمته) يعود عَلَى لفظ: ما من قوله: (بما جَازَ للغريم) وهي واقعة عَلَى المصالح به، وهذا من رقيق اللف والنشر المرتب وذهن السامع النحرير كفيل بتمييزه وفِي الإشارة ما يغني عن الكلم.
والْقَوْلُ لَهُ فِي مَلائِهِ، وأَفَادَ شَرْطُ أَخْذِ أَيِّهِمَا شَاءَ وتَقْدِيمِهِ، أَوْ إِنْ مَاتَ.
قوله: (وَالْقَوْلُ لَهُ فِي مَلائِهِ، وأَفَادَ شَرْطُ أَخْذِ أَيِّهِمَا شَاءَ وتَقْدِيمِهِ، وْ إِنْ مَاتَ) هكذا ذكر فِي " التوضيح " هذه الفروع الأربعة وقال: إنها مرتبة عَلَى المشهور يعني ألا يغرم الحميل إِلا فِي عدم الغريم أو غيبته. أما الفرعان الأولان فتصورهما ظاهر، وأما الثالث فالمراد بتقديم الحميل التبدية به.
قال المازري: إن شرط الغريم التبدية بالحميل فإن كَانَ فِي اشتراطه منفعة لكونه أملأ أو أسمح قضاءً وجب الوفاء بشرطه، وإن لَمْ تظهر المنفعة جرى عَلَى الخلاف فِي الوفاء بما لا يفيد. زاد فِي " التوضيح " وَعمم فِي البيان الخلاف سواءً ظهر للشرط فائدة أم لا (١).
وأما الرابع فأشار به إلى قوله فِي " المدونة ": وإن قال إن لَمْ يوفك حقك حَتَّى يموت [فهو عليّ، فلا شيء عَلَى الكفيل حَتَّى يموت الغريم (٢). قال ابن يونس: يريد يموت] (٣) عديماً. اللخمي: " وإن شرط الحميل أن لا يؤدي إِلا أن يموت هو أو يموت المكفول جَازَ، ولم يؤخذ بغير ما شرط ". [٨٨ / ب] انتهى.
وقد علمت أن المشترط فِي الرابع هو الحميل، وأن المشترط فِي الفرعين قبله هو ربّ
стр. 651
الحق، عَلَى أنّه فِي " التوضيح " لَمْ يذكر اشتراط تعليق الغرم بالموت خصوصاً، ولكن قال: الرابع لو شرط الحميل أن لا يغرم إِلا بعد تعذر الوفاء من [المطلوب لَمْ يختلف فِي إعمال الشرط، وألحق المازري بذلك ما إِذَا كانت العادة عدم مطالبة الضامن إِلا بعد تعذر الوفاء من] (١) المديان. انتهى (٢).
يعني أن قول مالك الأول بالتخيير ينتفي مع الشرط أو العرف المذكورين، وعزا هذا ابن عبد السلام لبعض كبار الشيوخ وهو المازري. والله تعالى أعلم.
كَشَرْطِ ذِي الْوَجْهِ، أَوْ رَبِّ الدَّيْنِ، التَّصْدِيقَ فِي الإِحْضَارِ، ولَهُ طَلَبُ الْمُسْتَحِقِّ بِتَخْلِيصِهِ عِنْدَ أَجَلِهِ، لا بِتَسْلِيمِ الْمَالِ إِلَيْهِ، وضَمِنَهُ إِنِ اقْتَضَاهُ لا أُرْسِلَ بِهِ، ولَزِمَهُ تَأْخِيرُ رَبِّهِ، الْمُعْسِرَ، أَوِ الْمُوسِرَ، إِنْ سَكَتَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، إِنْ حَلَفَ أنّه لَمْ يُؤَخِّرْهُ مُسْقِطاً.
قوله: (كَشَرْطِ ذِي الْوَجْهِ، أَوْ رَبِّ الدَّيْنِ، التَّصْدِيقَ فِي الإِحْضَارِ) (التصديق) مفعول بشرط، وهو راجع لهما أي كشرط ضامن الوجه التصديق فِي إحضار المديان، وشرط رب الدين التصديق فِي عدم إحضاره، وأشار بهذا إلى قول المتيطي: وإِذَا اشترط ضامن الوجه أنّه مصدق فِي إحضار وجهه دون يمين تلزمه كَانَ له شرطه وإن انعقد فِي وثيقة الضمان تصديق المضمون له [فِي إحضار] (٣) وجهه إن ادعى الضامن أنّه قد أحضره دون يمين تلزمه (٤) فهو من الحزم للمضمون له وتسقط عنه اليمين إن ادعى الضامن عَلَيْهِ إحضاره.
وإِنْ أَنْكَرَ، حَلَفَ أنّه لَمْ يُسْقِطْ ولَزِمَهُ، وتَأَخَّرَ غَرِيمُهُ بِتَأْخِيرِهِ، إِلا أَنْ يَحْلِفَ وبَطَلَ، إِنْ فَسَدَ مُتَحَمِّلٌ بِهِ.
قوله: (وإِنْ أَنْكَرَ، حَلَفَ أنّه لَمْ يُسْقِطْ ولَزِمَهُ) أي: وإن أنكر الضامن حلف الطالب أنّه لَمْ يسقط الحمالة ولزم الضمان الضامن ويبقى الحقّ حالاً، وقد فهمت صدر المسألة.
стр. 652
أَوْ فَسَدَتْ كَبِجُعْلٍ [وإن] (١) مِنْ غَيْرِ رَبِّهِ كَمَدِينِهِ، وإِنْ ضَمَانَ مَضْمُونِهِ، إِلا فِي اشْتِرَاءِ شَيْءٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ بَيْعِهِ، كَقَرْضِهِمَا عَلَى الأَصَحِّ، فَإِنْ تَعَدَّدَ حُمَلاءُ اتُّبِعَ كُلٌّ بِحِصَّتِهِ، إِلا أَنْ يَشْتَرِطَ حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ.
قوله: (أَوْ فَسَدَتْ (٢) كَبِجُعْلٍ (٣) وإن مِنْ غَيْرِ رَبِّهِ كَمَدِينِهِ) كذا فِي كثيرٍ من النسخ (غير) بالغين المعجمة والياء والراء و (كمدينه) بكاف التشبيه، فهو كقوله فِي " توضيحه ": لا يجوز للضامن أن يأخذ جعلاً سواءً كَانَ من ربّ الدين أو المدين أو غيرهما (٤). وفِي بعض النسخ: وإن من عند ربه لمدينه. بلفظ: عند، بالعين المهملة والنون والدال، ولمدينه باللام، وصوابه عَلَى هذا أن يقول: لا من عند ربه لمدينه، بلا النافية؛ حَتَّى يكون مطابقاً لقوله فِي " توضيحه ": اختلف إِذَا كَانَ ربّ الدين أعطى المديان شيئاً عَلَى أن أعطاه حميلاً، فأجازه مالك وابن القاسم وأشهب وغيرهم، وعن أشهب فِي " العُتْبِيَّة ": لا يصحّ. وعنه أَيْضاً أنّه كرهه. وقال اللخمي وغيره: الجواز أبين (٥).
كَتَرَتُّبِهِمْ.
قوله: (كَتَرَتُّبِهِمْ) كأنه يشير به لقوله فِي " المدونة ": ومن أخذ من غريمه كفيلاً بعد كفيل فله فِي عدم الغريم أن يأخذ بجميع حقّه أيُّ الكفيلين شاء، بِخِلاف كفيلين فِي صفقة لا يشترط حمالة بعضهم ببعض، وليس أخذ الحميل الثاني إبراءاً للأول؛ ولكن كلّ واحد منهما حميل بالجميع (٦).
стр. 653
ورَجَعَ الْمُؤَدِّي بِغَيْرِ الْمُؤَدَّى عَنْ نَفْسِهِ بِكُلِّ مَا عَلَى الْمُلْقِي، ثُمَّ سَاوَاهُ.
قوله: (وَرَجَعَ الْمُؤَدِّي [بِغَيْرِ الْمُؤَدَّى] (١) عَنْ نَفْسِهِ بِكُلِّ مَا عَلَى الْمُلْقِيّ، ثُمَّ سَاوَاهُ) (بِكُلِّ) بدل من (بغير) بدل بعض من كل، والعامل فيهما (رجع)، و (الْمُلْقِيّ) بكسر القاف وتشديد الياء اسم مفعول من الثلاثي.
فَإِنِ اشْتَرَى سِتَّةٌ بِسِتِّمِائَةٍ بِالْحَمَالَةِ فَلَقِيَ أَحَدَهُمْ أَخَذَ مِنْهُ الْجَمِيعَ، ثُمَّ إِنْ لَقِيَ أَحَدَهُمْ أَخَذَهُ بِمِائَةٍ، ثُمَّ بِمِائَتَيْنِ.
قوله: (فَإِنِ اشْتَرَى سِتَّةٌ) فِي بعض النسخ بالفاء، وفِي بعضها بالكاف، وكلاهما صحيح.
فَإِنْ لَقِيَ أَحَدُهُمَا ثَالِثاً أَخَذَهُ بِخَمْسِينَ وبِخَمْسَةٍ وسَبْعِينَ فَإِنْ لَقِيَ الثَّالِثُ رَابِعاً أَخَذَهُ بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ وبِمِثْلِهَا، ثُمَّ بِاثْنَيْ عَشَرَ ونِصْفٍ وبِسِتَّةٍ ورُبُعٍ.
قوله: (فَإِنْ لَقِيَ أَحَدُهُمَا ثَالِثاً أَخَذَهُ بِخَمْسِينَ وبِخَمْسَةٍ وسَبْعِينَ). عياض: اختلفوا إِذَا لقي الثاني من الستة الثالثة فِي مسألة الكتاب، فإنه قال: يأخذه بخمسين، وهي التي قضاها عنه خاصة من الدين الذي عَلَيْهِ، ويرجع عَلَيْهِ بخمسة وسبعين نصف ما أدى بالحمالة وهي مائة وخمسون، فجميع ذلك مائة وخمسة وعشرون، وعَلَى هذا النحو [حسب] (٢) الفقهاء كلهم المسألة، وصوروا التراجع بينهم إلى تمامها.
وذهب أبو القاسم الطنيزي الفارض إلى أن هذا العمل - عَلَى هذا - غلط فِي الحساب، وأن صورة التراجع من الثاني مع الثالث يجب أن يكون عَلَى غير هذا العمل، بل يجب إِذَا التقى الثالث مع أحد الأولين وطلبه بالاعتدال معه أن يقول له الثالث نحن الثلاثة كأنّا اجتمعنا معاً باجتماع بعضنا ببعض، ولو اجتمعنا معاً لكان المال علينا أثلاثاً مائتان عَلَى كلّ واحد، مائتان غرمتهما أنت وصاحبك عني فخذ واحدة أنت التي تجب لك، وسأدفع إلى صاحبك المائة التي دفع عني إِذَا لقيته فتستوي فِي الغرم كل واحد مائتين كما لو اجتمعنا فِي دفعة واحدة، وهكذا إِذَا لقي الثالث الرابع وكذا فِي بقية المسألة فانظرها فِي " معاملة " الطنيزي.
стр. 654
ابن عرفة: قبل عياض وغيره قول الطنيزي؛ وهو غلط فِي الفقه؛ لأن مآله عدم غرم الثالث بالحمالة؛ لأن جملة ما غرمه عَلَى قوله فِي لقائه بالثاني مائة وهي الواجبة عَلَيْهِ [فِيمَا عَلَيْهِ] (١) بالشراء، واستواؤها فِي التزام الحمالة يوجب استواؤهما فِي الغرم لها، واستواؤهما فِيهِ يوجب رجوع الثاني عَلَى الثالث بما قاله الفقهاء.
وهَلْ لا يَرْجِعُ بِمَا يَخُصُّهُ أَيْضاً إِذَا كَانَ الْحَقُّ عَلَى غَيْرِهِمْ أَوْ لا وعَلَيْهِ الأَكْثَرُ؟ تَأْوِيلانِ. وصَحَّ بِالْوَجْهِ، ولِلزَّوْجِ، رَدُّهُ مِنْ زَوْجَتِهِ، وبَرِئَ بِتَسْلِيمِهِ لَهُ وإِنْ بِسِجْنٍ، أَوْ بِتَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ، إِنْ أَمَرَهُ بِهِ، إِنْ حَلَّ الْحَقُّ، وبِغَيْرِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ إِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ.
قوله: (وهَلْ لا يَرْجِعُ بِمَا يَخُصُّهُ أَيْضاً إِذَا كَانَ الْحَقُّ عَلَى غَيْرِهِمْ أَوْ لا وعَلَيْهِ الأَكْثَرُ؟ تَأْوِيلانِ). كذا فِي كثير من النسخ [٨٩ / أ] وهو كلام معكوس، وفِي بعض النسخ: (وَهَلْ يَرْجِعُ بِمَا يَخُصُّهُ إِذَا كَانَ الْحَقُّ ... إلى آخره)، بإسقاط لفظ: (لا) ولفظ (أَيْضاً)؛ وهو الصواب المطابق لقول عياض. وفِي " التنبيهات " ما نصّه: " وأما إن كَانَ الحقّ عَلَى غيرهم وهم كفلاء فقط بعضهم ببعض، فها هنا اختلف إِذَا أخذ الحقّ من أحدهم، ثُمَّ لقي الآخر هل يقاسمه بالسواء فِي الغرم حَتَّى يعتدلا؟؛ إذ الحقّ عَلَى غيرهم، أو إنما يقاسمه بعد إسقاطه ما يخصّه من الحق كالمسألة الأولى؟
وإلى التسوية ذهب ابن لبابة والتونسي وغيرهما قالوا: لأنهم سواء فِي الحمالة، وليس يخص أحدهم ما لا يخصّ غيره، وإلى المحاسبة ذهب كثير من مشايخ الأندلسيين ونحوه فِي كتاب محمد، وفِي سماع أبي زيد فِي " المستخرجة "، وجعلوا ما ينوب كلّ واحد من المال وهو مائة بالحمالة كما [لو] (٢) ثبت عَلَيْهِ من أصل دين كمسألة الستة فِي " المدونة ". انتهى.
فإن قلت: لعل المصنف أراد بالأكثر ابن لبابة والتونسي وغيرهما، وينعشه أنّه فِي " التنبيهات " نسب مقابله لكثيرٍ من مشايخ الأندلسيين لا لأكثر المشايخ عَلَى الجملة؟
قلت: هذا بعيد جداً، ومما يوضح بُعده أنّ ابن رشد فِي " المقدمات " ما ذكر مع
стр. 655
التونسي غيره، وصوّب ما فِي " المَوَّازِيَّة " وسماع أبي زيد (١)، وقال: هو الذي يأتي عَلَى ما فِي " المدونة " فِي مسألة الستة كفلاء (٢).
وبِغَيْرِ بَلَدِهِ، إِنْ كَانَ بِهِ حَاكِمٌ ولَوْ عَدِيماً، وإِلا أُغْرِمَ بَعْدَ خَفِيفِ تَلَوُّمٍ، إِنْ قَرُبَتْ غَيْبَةُ غَرِيمِهِ كَالْيَوْمِ ولا يَسْقُطُ [الْغُرْمُ] (٣) بِإِحْضَارِهِ، إِنْ حُكِمَ.
قوله: (وبِغَيْرِ بَلَدِهِ، إِنْ كَانَ بِهِ حَاكِمٌ) أشار به لقوله فِي " المدونة ": وكذلك إن دفعه (٤) إليه بموضعٍ فِيهِ حكم وسلطان، وإن لَمْ يكن ببلده فيبرأ (٥).
فرع:
لو شرط إحضاره ببلد فأحضره فِي غيره حيث تأخذه (٦) الأحكام ففي براءته قَوْلانِ، نقلهما ابن عبد الحكم. ابن عرفة: وفِي تخريج المازري لهما عَلَى شرط ما لا يفيد نظر، ولو خرب الموضع المشترط فِيهِ حضوره ففي براءته بإحضاره فِيهِ قَوْلانِ نقلهما ابن عبد الحكم أَيْضاً، والنظر الذي أشار إليه ابن عرفة سبقه إليه شيخه ابن عبد السلام؛ إذ ذكر أن هذا الشرط قد يكون مقيداً كما إِذَا كَانَ البلد المشترط إحضاره فِيهِ هو موضع سكنى البينة، أو كَانَ الحقّ غير عين، وللطالب غرض فِي أخذه بمحل الاشتراط. انتهى.
فإن قلت: هل يجوز أن يعود الضمير من قول المصنف وبغير بلده عَلَى الاشتراط المفهوم من قوله قبله: (إن لَمْ يشترط)؟، ويكون أشار به إلى أحد القولين فِي مسألة ابن عبد الحكم وسكت عن مسألة " المدونة "؛ لأن البراءة فِيهَا أحرى.
стр. 656
قلت: لو صحّ تشهير القول بالبراءة فِي مسألة الاشتراط لبعد [هذا المحمل] (١) فما ظنّك به إن لَمْ يصحّ؟!
إِلا إِنْ ثَبَتَ (٢) عَدَمُهُ، أَوْ مَوْتُهُ فِي غَيْبَتِهِ ولَوْ بِغَيْرِ بَلَدِهِ.
قوله: (إِلا إِنْ ثَبَتَ عَدَمُهُ، أَوْ مَوْتُهُ فِي غَيْبَتِهِ ولَوْ بِغَيْرِ بَلَدِهِ) (٣) يتمشي هذا الكلام عَلَى أن يكون من باب اللف والنشر المرتب، وتقديره: لا إن أثبت عدمه فِي غيبته أو موته ولو بغير بلده (٤). فأما إن أثبت عدمه فِي غيبته فقال اللخمي: لا يغرم، وعَلَيْهِ اقتصر هنا، بِخِلاف قوله فِي باب: التفليس: (فَغَرِمَ إنْ لَمْ يَأْتِ ولَوْ أَثْبَتَ عَدَمَهُ) فإنه اختار هناك قول ابن رشد فِي " المقدمات ": وإما إن أثبت موته فقال ابن القاسم فِي " المدونة ": وإِذَا مات الغريم بريء حميل الوجه؛ لأن النفس المكفولة قد ذهبت (٥).
وأشار بقوله: (ولو بغير بلده) إلى قول ابن القاسم فِي رسم سلف من سماع عيسى ما نصّه: " وإن مات بغير البلد الذي تحمّل فِيهِ قبل الأجل وكان المكان لو كَانَ حياً لَمْ يأت به حَتَّى يمضي الأجل فهو ضامن له وكذلك لو مات بعد الأجلّ بغير البلد كَانَ ضامناً له، طلبه أو لَمْ يطلبه؛ لأنه لو طلبه منه لَمْ يقدر عَلَى أن يأتيه (٦) به. قال ابن القاسم: وكلّما قلت لك من خلاف هذه المسألة فدعه وخذ بهذا، وإن مات بغير البلد قبل الأجل وكَانَ فِيمَا بقى من الأجل ما يأتي به فِيهِ فلا شيء عَلَيْهِ ". انتهى.
وصرّح ابن رشد بأن هذا خلاف ما له فِي " المدونة " (٧). قال ابن عبد السلام: وإنما لزم الكفيل الغرم فِي هذا القول؛ لأن تفريطه فِي الغريم حَتَّى خرج عن البلد كعجزه عن
стр. 657
إحضاره (١) وهو حيّ؛ لأنه لو منعه من الخروج لحلّ الأجل عَلَيْهِ وهو بالبلد، فتمكن رب الدين من طلبه.
ورَجَعَ بِهِ، وبِالطَّلَبِ، وإِنْ فِي قِصَاصٍ كَأَنَا حَمِيلٌ بِطَلَبِهِ، أَوِ اشْتَرَطَ نَفْيَ الْمَالِ، أَوْ قَالَ لا أَضْمَنُ إِلا وَجْهَهُ، وطَلَبَهُ بِمَا يَقْوَى عَلَيْهِ، وحَلَفَ مَا قَصَّرَ.
قوله: (وَرَجَعَ بِهِ) أي بما أغرم قال فِي " المدونة ": ولو غرم الحميل ثُمَّ أثبت بينة أن الغريم قد مات فِي غيبته قبل القضاء رجع الحميل بما أدَّى عَلَى ربّ الدين؛ لأنه لو علم أنّه ميّت حين أخذ به الحميل لَمْ يكن عَلَيْهِ شيء، وإنما تقع الحمالة بالنفس ما كَانَ حياً (٢).
وغَرِمَ إِنْ فَرَّطَ أَوْ هَرَّبَهُ، وعُوقِبَ، وحُمِلَ فِي مُطْلَقِ أَنَا حَمِيلٌ، وزَعِيمٌ، وأَذِينٌ، وقَبِيلٌ، وعِنْدِي وإِلَيَّ وشِبْهِهِ عَلَى الْمَالِ عَلَى الأَرْجَحِ والأَظْهَرِ، لا إِنِ اخْتَلَفَا.
قوله: (وَغَرِمَ إِنْ فَرَّطَ أَوْ هَرَّبَهُ، وعُوقِبَ) الذي فِي سماع حسين ابن عاصم من حمالة " العُتْبِيَّة ": " قلت لابن القاسم: فإن تبين أنّه [مُلَدٌّ] (٣) وأنّه لا يطلبه؟ قال: وكيف يختبر هذا إِلا أن تقوم بينة أنّه خرج، فأقام بقرية ثُمَّ رجع ولم يتوجه إلى المحمول عنه وما أشبه ذلك، فأرى للسلطان أن يعاقبه بالحبس فِي ذلك عَلَى قدر [٨٩ / ب] ما يرى، ويأمره بإحضار صاحبه إن قدر عَلَيْهِ، فأما ضمان المال فلا أراه عَلَيْهِ إِلا أن يكون لقيه فتركه أو غيّبه فِي بيته وأبى أن يظهره، فإذا ثبت ذلك ببينة رأيته ضامناً ". (٤) انتهى.
وقد نسبه ابن عرفة لسماع أبي زيد، وإنما وجدته فِي سماع حسين بن عاصم. وعند اللخمي فيمن قوى دليل تهمته بمعرفة مكانه وله عن طلبه وإظهاره ولو أغرم المال لكان وجهاً، وذكر عن ابن القاسم فِي " المَوَّازِيَّة ": إن لَمْ يعرف موضعه لَمْ يسجن فِيهِ، إِلا أن يتهم بمعرفة موضعه فيسجن عَلَى قدر ما يرى السلطان ويرجوا به الرد عَلَى صاحبه.
стр. 658
ولَمْ يَجِبْ وَكِيلٌ لِلْخُصُومَةِ ولا كَفِيلٌ بِالْوَجْهِ بِالدَّعْوَى، إِلا بِشَاهِدٍ، وإِنِ ادَّعَى بَيِّنَةً فَكَالسُّوقِ أَوْقَفَهُ الْقَاضِي عِنْدَهُ.
قوله: (ولَمْ يَجِبْ وَكِيلٌ لِلْخُصُومَةِ) أشار به إلى قوله أول النصف الثاني من حمالة " المدونة ": وإن سأله وكيلاً بالخصومة حَتَّى يقيم البينة عند القاضي لَمْ يلزم المطلوب ذلك إِلا أن يشاء لأنا نسمع البينة فِي غيبة المطلوب (١). أبو الحسن الصغير: انظر هل [هو] (٢) الوكيل الذي يقوم مقامه وينوب عنه؛ لأن المطلوب قد يغيب أو معنى الوكيل الملازم الذي يحرسه ويلازمه، وأما الوكيل بمعنى النائب فعلى حدّ ما يخاف وأن يغيب المطلوب يخاف تغيّب الوكيل.
стр. 659
[باب الشركة]
الشَّرِكَةُ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسِهِمَا.
قوله: (الشَّرِكَةُ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسِهِمَا) بهذا عرّفها ابن الحاجب (١) قال ابن عرفة: وقد قبلوه ويبطل طرده بقول من ملك شيئاً لغيره: أذنت لك فِي التصرف فِيهِ معي، وقول الآخر له مثل ذلك، وليس بشركة؛ لأنه لو هلك ملك أحدهما لَمْ يضمنه الآخر، وهو لازم الشركة ونفي اللازم ينفي الملزوم ويبطل عكسه بخروج شركة الجبر كالورثة وشركة المبتايعين شيئاً بينهم، وقد ذكرهما (٢) إذ لا إذن فِي التصرف لهما؛ ولذا اختلف فِي كون تصرف أحدهما كغاصب أم لا.
ثم استدل بما فِي سماع ابن القاسم فِي ضرب أحد السيّدين العبد بغير إذن شريكه (٣) ونظائر ذلك، ثُمَّ قال: وحكمها الجواز كجزئيهما (٤) البيع والوكالة، وعروض وجوبها بعيد (٥) بِخِلاف عروض موجب حرمتها وكراهتها.
وإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ والتَّوَكُّلِ.
قوله: (وإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ والتَّوَكُّلِ) أصل هذا " للوجيز " وتبعه ابن شاس وابن الحاجب (٦) وقبله شراحه، فزاد ابن عرفة: أهلية البيع؛ لأن كلّ واحدٍ منهما
стр. 660
بائع من صاحبه نصف ماله، ولا تستلزمها أهليّة الوكالة؛ لجواز توكيل الأعمى اتفاقاً وتوكله (١) مع [الخلاف في] (٢) صحة كونه بائعاً انتهى. فليتأمل.
ولَزِمَتْ بِمَا يَدُلُّ عُرْفاً كَاشْتَرَكْنَا بِذَهَبَيْنِ أَوْ وَرِقَيْنِ إِنِ اتَّفَقَ صَرْفُهُمَا، وبِهِمَا مِنْهُمَا [٥٩ / أ]، وبِعَيْنٍ وبِعَرْضٍ، وبِعَرْضَيْنِ مُطْلَقاً.
قوله: (ولَزِمَتْ بِمَا يَدُلُّ عُرْفاً) يأتي الكلام إن شاء الله تعالى عَلَى لزومها عند قوله: (وله التبرع والسلف والهبة بعد العقد).
وكُلٌّ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ أُحْضِرَ، لا فَاتَ، إِنْ صَحَّتْ، إِنْ خَلَطَا ولَوْ حُكْماً وإِلا فَالتَّالِفُ مِنْ رَبِّهِ، ومَا ابْتِيعَ بِغَيْرِهِ فَبَيْنَهُمَا.
قوله: (وكُلٌّ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ أُحْضِرَ، لا فَاتَ، إِنْ صَحَّتْ) توهم هذه العبارة أن المعتبر فِي الفاسدة القيمة يوم الفوت، وعبارة ابن الحاجب أبين منها إذ قال: فلو وقعت فاسدة فرأس ماله ما بيع به عرضه (٣). وقال الصقليان عبد الحقّ وابن يونس: فإن لَمْ يعرفا ما بيعت به سلعتاهما فلكلّ واحدٍ قيمة عرضه يوم البيع، وحمله عَلَى هذا بعيد.
وعَلَى الْمُتْلِفِ نِصْفُ الثَّمَنِ، وهَلْ إِلا أَنْ يَعْلَمَ بِالتَّلَفِ فَلَهُ وعَلَيْهِ؟ أَوْ مُطْلَقاً إِلا أَنْ يَدَّعِيَ الأَخْذَ لَهُ؟ تَرَدُّدٌ. وَلَوْ غَابَ [نَقْدُ] (٤) أَحَدِهِمَا إِنْ لَمْ يَبِعْدُ ولَمْ يُتَّجَرْ لِحُضُورِهِ لا بِذَهَبٍ وبِوَرِقٍ، وبِطَعَامَيْنِ، ولَوِ اتَّفَقَا، ثُمَّ إِنْ أَطْلَقَا التَّصَرُّفَ وإِنْ بِنَوْعٍ، فَمُفَاوَضَةٌ.
ولا يُفْسِدُهَا انْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِشَيْءٍ، ولَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ إِنِ اسْتَأْلَفَ بِهِ أَوْ خَفَّ، كَإِعَارَةِ آلَةٍ، ودَفْعِ كِسْرَةٍ، ويُبْضِعَ، ويُقَارِضَ ويُودِعَ لِعُذْرٍ، وإِلا ضَمِنَ، ويُشَارِكَ فِي مُعَيَّنٍ، ويُقِيلَ، ويُوَلِّيَ، ويَقْبَلَ الْمَعِيبَ وإِنْ أَبَى الآخَرُ، ويُقِرُّ بِدَيْنٍ لِمَنْ لا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، ويَبِيعَ بِالدَّيْنِ، لا الشِّرَاءُ بِهِ، كَكِتَابَةٍ. وعِتْقٍ عَلَى مَالٍ، وإِذْنٌ لِعَبْدٍ فِي تِجَارَةٍ ومُفَاوَضَةٍ. وَاسْتَبَدَّ آخِذُ قِرَاضٍ، ومُسْتَعِيرُ دَابَّةٍ بِلا إِذْنٍ، وإِنْ لِلشَّرِكَةِ، ومُتَّجِرٌ بِوَدِيعَةٍ بِالرِّبْحِ والْخُسْرِ، إِلا أَنْ يَعْلَمَ شَرِيكُهُ بِتَعَدِّيهِ فِي الْوَدِيعَةِ.
قوله: (وعَلَى الْمُتْلِفِ نِصْفُ الثَّمَنِ) كأنه أطلق المتلف عَلَى الذي تلف ماله سواءً كَانَ بسببه أو بغير سببه.
стр. 661
وكُلٌّ وَكِيلٌ، فَيُرَدُّ عَلَى حَاضِرٍ لَمْ يَتَوَلَّ، كَالْغَائِبِ إِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ، وإِلا انْتُظِرَ، والرِّبْحُ والْخُسْرُ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ، وتَفْسُدُ بِشَرْطِ التَّفَاوُتِ.
قوله: (وكُلٌّ وَكِيلٌ، فَيُرَدُّ عَلَى حَاضِرٍ لَمْ يَتَوَلَّ (١) كَالْغَائِبِ إِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ، وإِلا انْتُظِرَ) أصل ما أشار إليه قوله فِي أواخر كتاب: الشركة من " المدونة ": ومن ابتاع عبداً من أحدهما فظهر عَلَى عيبٍ فله ردّه بالعيب عَلَى بائعه إن كَانَ حاضراً، وإن كَانَ غائباً غيبةً قريبةً كاليوم ونحوه فلينتظر لعلّ له حجة، وإن كانت غيبته بعيدة، فأقام المشتري بينة أنّه ابتاع بيع الإسلام وعهدته؛ نظر فِي العيب، فإن كَانَ قديماً لا يحدث مثله ردّ [العبد عَلَى الشريك الآخر، وإن كَانَ يحدث مثله فعلى المبتاع البينة أن العيب كَانَ عند البائع، وإِلا حلف الشريك بالله ما أعلم أن هذا] (٢) العيب كَانَ عندنا وبرئ، وإن نكل حلف المبتاع عَلَى البت أنّه ما حدث عنده ثُمَّ رده عَلَيْهِ (٣).
فمعنى كلامه فبسبب أنّ كلّ واحدٍ وكيل للآخر يردّ واحد العيب عَلَى حاضر لَمْ يتول البيع لتعذر وجود الغائب الذي تولاّه حالة كون هذا الردّ كالردّ عَلَى كلّ غائب فِي افتقار المشتري الرادّ إلى إثبات أنّه ابتاع بيع الإسلام، وعهدته، ثُمَّ نبّه عَلَى أنّ الرد عَلَى الحاضر الذي لَمْ يتول إنما هو إن بعدت غيبة شريكه الغائب، وإلا انتظر، فالشرط راجع للمشبه لا للمشبه به، وبهذا التشبيه يكون كلامه مطابقاً لما فِي " المدونة " متضمناً لنصوص نصها، فلله درّه ما ألطف إشارته.
فإن قلت: وأين تقدم له الغائب الذي أحال عَلَيْهِ؟
قلت: فِي قوله فِي خيار النقيضة: (ثُمَّ قضى إن أثبت عهدة مؤرخة وصحة الشراء).
فإن قلت: [٩٠ / أ] عود الضمير فِي قوله: (غيبته) عَلَى الغائب المشبه به يغير فِي وجه هذه التمشية؟
стр. 662
قلت: إن سلمنا عوده عَلَيْهِ ولم نرده للغائب من الشريكين المفهوم من السياق فقصاراه أنّه من باب: عندي درهم ونصفه، وقد قيل بنحو هذا فِي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [العنكبوت:٦٢] وفِي قوله سبحانه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [فاطر:١١]. والله تعالى أعلم.
ولِكُلٍّ أَجْرُ عَمَلِهِ لِلآخَرِ.
قوله: (ولِكُلٍّ أَجْرُ عَمَلِهِ لِلآخَرِ) كأنه أطلق أجر العمل عَلَى حقيقته ومجازه، فحقيقته الأجرة التابعة للعمل، ومجازه الربح التابع للمال، وسهل له هذا قرينة قوله: (ولكل)؛ لدلالته عَلَى الجانبين.
ولَهُ التَّبَرُّعُ، والسَّلَفُ، والْهِبَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ، والْقَوْلُ لِمُدَّعِي التَّلَفِ والْخُسْرِ، ولآخِذٍ لائِقٍ لَهُ.
قوله: (ولَهُ التَّبَرُّعُ، والسَّلَفُ، والْهِبَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ) مثله لابن الحاجب (١)، وفسّره ابن عبد السلام بأن اختلاف نسبة الربح والعمل مع رأس المال إنما يفسد الشركة إن كَانَ شرطاً فِي عقدها، ولو تبرع به أحدهما بعده جَازَ. قال: وهو بيّن فِي شركة الأموال؛ لأن المذهب لزومها بالعقد دون الشروع، واختلف فِي شركة الحرث: هل هي كشركة الأموال؟ وهو قول سحنون، أو لا تلزم إِلا بالعمل وهو قول ابن القاسم، ففي هذه يصعب التبرع بعد العقد وقبل الشروع، وإن كَانَ ظاهر نصوصهم أن ذلك لا يقدح فِي صحتها.
قال ابن عرفة: قول ابن عبد السلام: إن المذهب لزوم الشركة بالعقد دون الشروع وهو مقتضى (٢) قول ابن الحاجب: يجوز التبرع (٣) بعد العقد. خلاف قول ابن رشد فِي سماع ابن القاسم أنها من العقود الجائزة، وهو مقتضى (٤) مفهوم السماع أنّه إن شرط ذلك
стр. 663
بعد العقد لا يجوز، ونحوه قوله فِي " المقدمات ": هي من العقود الجائزة لكلّ منهما أن ينفصل عن شريكه متى شاء (١). ولهذه العلّة لَمْ تجز إِلا عَلَى التكافؤ (٢) والاعتدال؛ لأنه إن فضل أحدهما صاحبه فِيمَا يخرجه فإنما سمح بذلك رجاء بقائه معه عَلَى الشركة فصار غرراً.
وجاز فِي المزارعة كون قيمة ما يخرجه أحدهما أكثر مما يخرجه الآخر عَلَى قول سحنون؛ لأن المزارعة تلزم بالعقد، وقاله ابن الماجشون وابن كنانة وابن القاسم فِي كتاب ابن سحنون، ولا يجوز ذلك فِيهَا عَلَى قول من يرى أنها لا تلزم بالعقد، وهو معنى قول ابن القاسم فِي " المدونة " ونص سماع أصبغ. انتهى.
وذكر فِي " التوضيح " أول الباب ما فِي " المقدمات " وَقال نحوه للخمي، ونسب لابن يونس وعياض و " مفيد الحكام " (٣) أنها تلزم بالعقد، وتأوله باعتبار الضمان أي: إِذَا هلك شيء بعد العقد يكون (٤) ضمانه منهما وإن لَمْ يخلطا قال: فإن قيل يلزم منه مخالفة قوله فِي " المدونة ": وإن بقيت كلّ صرة بيد صاحبها حَتَّى ابتاع بها أمة عَلَى الشركة فالأمة بينهما والصرة من ربها (٥).
فالجواب: قد قيّد اللخمي ذلك بما إِذَا كانت الصرة فِيهَا حق توفِيهِ من وزن أو انتقاد، وقال: " أما لو وزنت وانتقدت وبقيت (٦) عند صاحبها عَلَى وجه الشركة فضاعت لكانت مصيبتها منهما؛ لأن الخلط عنده ليس بشرطٍ في الصحة "، هذا نصّ اللخمي، وهو يدل لما قلناه، وأَيْضاً فلجعله الأمة بينهما. انتهى ما فِي " التوضيح " (٧) فليتأمل.
стр. 664
ولِمُدَّعِي النِّصْفِ.
قوله: (وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ) لعلّه أشار بها لقول ابن يونس: وإذا أشرك من ماله ممن يلزمه أن يشركه ثُمَّ اختلفا فقال: أشركتك بالربع، وقال: الآخر بالنصف، وقالا: نطقنا به، أو قالا: أضمرناه بغير نطق، فالقول قول من ادعى منهما النصف وإن لَمْ يدعه أحدهما رد إليه؛ لأنه أصل شركتهما فِي القضاء، وإن كانوا ثلاثة فعلى عددهم ما كانوا، ثُمَّ قال: وأما إن أشرك رجلاً فِي سلعة اشتراها ممن لا يلزمه أن يشركه، ثُمَّ اختلفا هكذا فإن كَانَ ذلك فِيمَا نويا ولم ينطقا به كانت بينهما نصفين أَيْضاً، وإن كانوا أكثر فعلى عددهم.
وقال (١) قبل ذلك: ولو أقرّ أن فلاناً الغائب شريكه، ثُمَّ زعم بعد ذلك أنّه شريكه عَلَى الربع، وإنما هو شريكه فِي مائة دينار فإنه شريكه عَلَى النصف ". انتهى ما قصدنا نقله من كلام ابن يونس مما يمكن أن يكون المصنف قصد الإشارة إليه، فإن قلت: فهو عَلَى [هذا] (٢) تكرار مع قوله آخر فصل الخيار: (وإِنْ أَشْرَكَهُ حُمِلَ إنْ أُطْلِقَ عَلَى النِّصْفِ).
قلت: تكراره مع ما طال وتنوسي أهون من تكراره مع ما يليه (٣).
وحُمِلَ عَلَيْهِ فِي تَنَازُعِهِمَا، والاشْتِرَاكِ فِيمَا بِأَيْدِيهِمَا. إِلا لِبَيِّنَةٍ عَلَى كَإِرْثِهِ، وإِنْ قَالَتْ لا نَعْلَمُ تَقَدُّمَهُ لَهَا إِنْ شُهِدَ بِالْمُفَاوَضَةِ، ولَوْ لَمْ يُشْهَدْ بِالإِقْرَارِ بِهَا عَلَى الأَصَحِّ.
قوله: (وحُمِلَ عَلَيْهِ فِي تَنَازُعِهِمَا) تبع فِي هذا ابن الحاجب إذ قال: وإِذَا تنازعا فِي قدر المالين حمل عَلَى النصف (٤). وهذا قول أشهب فِي " المَوَّازِيَّة " لكن بشرط أن يحلفا معاً، وقال ابن القاسم فِي " المَوَّازِيَّة " أَيْضاً: إِذَا قال أحدهما لك الثلث ولي الثلثان وقال الآخر المال بيننا نصفين وليس المال بيد أحدهما: فلمدعي الثلثين النصف، ولمدعي النصف الثلث، ويقسم السدس بينهما نصفين.
стр. 665
قال ابن عرفة: فما قاله ابن الحاجب خلاف قول أشهب؛ لإسقاطه اليمين، وخلاف قول ابن القاسم، ونقل خلاف نصوص المذهب عن المذهب لا يجوز. انتهى. قال ابن عبد السلام قول أشهب: بعد أيمانهما. ظاهره أنّه [٩٠ / ب] يحلف كلّ واحد منهما وحلف من ادعى أن الثلثين له ثُمَّ يأخذ النصف لا تحتمله الأصول، وتبعه فِي " التوضيح " (١)، وانفصل عنه ابن عرفة بما حصله: أن أشهب لَمْ يبن عَلَى رعي دعواهما، وإِلا لزم أن يقول كما قال ابن القاسم؛ وإنما بنى عَلَى رعي تساويهما فِي الحوز والقضاء فالحوز يستقل (٢) الحكم به دون يمين الحائز، فوجبت بيمين كلّ منهما؛ لأن الحكم له إنما هو لحوزه؛ ولهذا قال ابن يونس ما نصّه: " وحجّة أشهب أنهم تساووا فِي الحيازة واليمين، وإنما تفاضلوا فِي الدعوى، وذلك لا يوجب زيادة فِي الحيازة.
ولِمُقِيمِ بَيِّنَةٍ بِأَخْذِ مِائَةٍ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ، إِنْ أَشْهَدَ بِهَا عِنْدَ الأَخْذِ، أَوْ قَصُرَتِ الْمُدَّةِ.
قوله: (ولِمُقِيمِ بَيِّنَةٍ بِأَخْذِ مِائَةٍ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ، إِنْ أَشْهَدَ بِهَا عِنْدَ الأَخْذِ، أَوْ قَصُرَتِ الْمُدَّةِ) أشهد هنا رباعي أي: أشهد بها البينة قاصداً للتوثق كمسألة المودع، وقد تنازل لهذا فِي " توضيحه " (٣) تابعاً لابن عبد السلام.
كَدَفْعِ صَدَاقٍ عَنْهُ فِي أنّه مِنَ الْمُفَاوَضَةِ إِلا أَنْ يَطُولَ كَسَنَةٍ، إِلا بِبَيِّنَةٍ بِكَإِرْثٍ، وإِنْ قَالَتْ: لا نَعْلَمُ، وإِنْ أَقَرَّ وَاحِدٌ بَعْدَ تَفَرُّقٍ أَوْ مَوْتٍ فَهُوَ شَاهِدٌ فِي غَيْرِ نَصِيبِهِ، وأُلْغِيَتْ نَفَقَتُهُمَا وكُسْوَتُهُمَا، وإِنْ بِبَلَدَيْنِ مُخْتَلِفَيِ السِّعْرِ كَعِيَالِهِمَا، إِنْ تَقَارَبَا، وإِلا حَسَبَا كَانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِهِ.
قوله: (كَدَفْعِ صَدَاقٍ عَنْهُ فِي أنّه مِنَ الْمُفَاوَضَةِ إِلا أَنْ يَطُولَ كَسَنَةٍ، إِلا بِبَيِّنَةٍ
стр. 666
بِكَإِرْثٍ، وإِنْ قَالَتْ: لا نَعْلَمُ) نصّ هذا الفرع عَلَى ما وقفت عَلَيْهِ فِي كتاب الشركة من أصل " النوادر " عن ابن سحنون: " كتب شجرة (١) إلى سحنون، فِي رجلٍ دفع عن أخيه وهو شريكه مفاوضة صداق (٢) امرأته، ولم يذكر أنّه من ماله ولا من مال أخيه حَتَّى مات الدافع، فقام فِي ذلك ورثته وقالوا: هو من مال ولينا؟ فكتب إليه: " إن دفع وهما متفاوضان، ثُمَّ أقام سنين كثيرة فِي مفاوضهما لا يطلب أخاه بشيء (٣) من ذلك فهذا ضعيف وإن كَانَ بحضرة ذلك فذلك بينهما شطرين، ويحاسب به إِلا أن يكون للباقي حجة ". (٤) انتهى.
فمعنى كلام المصنف: أن القول لمن ادعى فِي المسألة أن الصداق المدفوع من المفاوضة إِلا فِي وجهين:
أحدهما: أشار إليه بقوله: (إِلا أن يطول كسنة)؛ وكأنه اعتمد فِي التحديد بالسنة عَلَى مفهوم قول سحنون: وإن كَانَ بحضرة ذلك فذلك بينهما، ورأى أن ما عارض هذا المفهوم من قوله: فِي مقابله سنين كثيرة غير مقصود.
وثانيهما: أشار إليه بقوله: (وإِلا ببينة بكارثة وإن قالت: لا نعلم) وهكذا [هو] (٥) فِي عدة نسخ بالواو العاطفة قبل إِلا، وهو كالتفسير لقول سحنون: إِلا أن يكون للباقي حجة، فإن الباقي من الأخوين إِذَا قامت له بينة أن الصداق المدفوع كَانَ من إرث آخر مثلاً، كَانَ ذلك له حجة، وإن قالت: البينة: لا نعلم تقدم هذا الإرث عَلَى المفاوضة ولا تأخر (٦) عنها، فهذا أمثل ما انقدح لنا فِي تشقيق كلامه. والله سبحانه أعلم.
стр. 667
وإِنِ اشْتَرَى جَارِيَةً لِنَفْسِهِ، فَلِلآخَرِ رَدُّهَا، إِلا لِلْوَطْءِ بِإِذْنِهِ (١)، وإِنْ وَطِئَ جَارِيَةً لِلشِّرْكَةِ بِإِذْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وحَمَلَتْ قُوِّمَتْ، وإِلا فَلِلآخَرِ إِبْقَاؤُهَا، أَوْ مُقَاوَاتُهَا، وإِنِ اشْتَرَطَا نَفْيَ الاسْتِبْدَادِ فَعِنَانٌ.
قوله: (وَإِنِ اشْتَرَى جَارِيَةً لِنَفْسِهِ، فَلِلآخَرِ رَدُّهَا، إِلا لِلْوَطْءِ بِإِذْنِهِ وإِنْ وَطِئَ جَارِيَةً لِلشِّرْكَةِ بِإِذْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وحَمَلَتْ قُوِّمَتْ، وإِلا فَلِلآخَرِ إِبْقَاؤُهَا، أَوْ تقويمها).
درج هنا عَلَى ما بسط فِي " توضيحه " أن لشراء الجارية ثلاثة أوجه:
الأول: أن يشتريها لنفسه للوطء أو للخدمة ولم يطأها، ولشريكه ردّها فِي الشركة أو إجازتها له، وإليه أشار بقوله: (وإن اشترى جارية لنفسه فللآخر ردّها)
الثاني: أن يشتريها للوطء بإذن شريكه، فلا شكّ أن شريكه أسلفه نصف ثمنها فله نماؤها وعَلَيْهِ تواها، وإليه أشار بقوله: (إِلا للوطء بإذنه).
الثالث: أن يكون إنما اشتراها للشركة ثُمَّ وثب عَلَيْهَا فوطأها، وهذا الثالث فِي نفسه عَلَى ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يكون وثوبه عَلَيْهَا بإذن شريكه فهذه محللة فيتعين تقويمها سواءً حملت أو لَمْ تحمل، وإليه أشار بقوله: (وإن وطئ جارية للشركة بإذنه) أي: قومت وليس ذلك مقيداً بحملها كما ظنّ بعضهم.
وثانيها: أن يكون ذلك بغير إذن شريكه؛ ولكنها حملت منه، فيجب تقويمها، وإليه أشار بقوله: (أو بغير إذنه وحملت قومت).
وثالثها: أن يكون بغير إذنه ولم تحمل فقال عياض فِي كتاب: " أمهات الأولاد ": معروف مذهب مالك فِي " المدونة " فِي هذا الكتاب وغيره: تخيير غير الواطئ فِي التقويم والتماسك ". انتهى، وهو كقوله فِي " الرسالة ": فإن لَمْ تحمل فالشريك بالخيار بين أن يتماسك أو تقوم (٢) عَلَيْهِ (٣). وإليه أشار بقوله: (وإِلا فللآخر إبقاؤها أو تقويمها) والتقويم:
стр. 668
تفعيل من القيمة، وكذا هو فِي هذا القول، وأما المقاواة التي هي المزايدة وهي مفاعلة من القوة ففي قولٍ آخر غير هذا (١).
تنبيه:
وقع فِي بعض النسخ: إِلا بالوطء أو بإذنه بجرّ اللفظين بالباء وعطف أحدهما عَلَى الآخر بأو بدل قوله: (إِلا للوطء بإذنه)، وهو أتمّ فائدة حسبما يظهر بالتأمل إِلا أن الآخر هو الجاري مع لفظ " التوضيح ".
وجَازَ لِذِي طَيْرٍ وذِي طَيْرَةٍ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الشِّرْكَةِ فِي الْفِرَاخِ، واشْتَرِ لِي ولَكَ، فَوَكَالَةٌ. وجَازَ وانْقُدْ عَنِّي. إِنْ لَمْ يَقُلْ وأَبِيعُهَا لَكَ، ولَيْسَ لَهُ حَبْسُهَا، إِلا أَنْ يَقُولَ واحْبِسْهَا، فَكَالرَّهْنِ، وإِنْ أَسْلَفَ غَيْرَ الْمُشْتَرِي جَازَ، إِلا لِكَبَصِيرَةِ الْمُشْتَرِي، وأُجْبِرَ عَلَيْهَا، إِنِ اشْتَرَى [٥٩ / ب] شَيْئاً بِسُوقِهِ، لا لِكَسَفَرٍ أَوْ قِنْيَةٍ، وغَيْرُهُ حَاضِرٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ مِنْ تُجَّارِهِ، وهَلْ وفِي الزُّقَاقِ لا كَبَيْتِهِ؟ قَوْلانِ.
قوله: (وجَازَ لِذِي طَيْرٍ وذِي طَيْرَةٍ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الشِّرْكَةِ فِي الْفِرَاخِ) كذا فِي " النوادر " من " العُتْبِيَّة " والموازية عن ابن القاسم عن مالك: إِذَا جاء الرجل بحمام ذكر وآخر بأنثى عَلَى أنّ ما أفرخا بينهما، فلا بأس به، وأرجو أن يكون خفيفاً والفراخ بينهما؛ لأنهما يتعاونان فِي الحضانة (٢). وقبله ابن يونس، ولم يذكر غيره، ونصّها فِي سماع سحنون من شركة " العُتْبِيَّة " قال سحنون: " وأخبرنا ابن القاسم عن مالك فِي الرجل يأتي بحمامة أنثى، ويأتي الآخر [٩١ / أ] بذكر عَلَى أن تكون الفراخ بينهما: أنّ الفراخ بينهما لأنهما يتعاونان جميعاً عَلَى الحضانة. إِلا أن ظاهر كلام ابن رشد: أن هذا بعد الوقوع والفوات؛ لأنه قال: هذا عَلَى قياس قوله فِي أنّ الزرع فِي المزارعة الفاسدة يكون لصاحب العمل والأرض، يريد ويرجع صاحب الحمامة الأنثى عَلَى صاحب الحمامة الذكر بمثل بيض حمامته، ويأتي عَلَى قياس القول: بأن الزرع فِي المزارعة الفاسدة لصاحب البذر أن الفراخ
стр. 669
تكون لصاحب الحمامة الأنثى؛ لأن (١) البيض له ولصاحب الحمامة الذكر قيمة ما أعان به من الحضانة " (٢) انتهى.
تكميل:
زاد فِي السماع المذكور: " وإن جاء رجل ببيضٍ إلى رجل فقال له: اجعله تحت دجاجتك، فما كَانَ من فراخ فبيني وبينك، فالفراخ فِي هذا (٣) لصاحب الدجاجة، وعَلَيْهِ لصاحب البيض مثله، وهو كمن جاء بقمح إلى رجل فقال له: ازرعه فِي أرضك بيننا، فإنما له مثله، والزرع لربّ الأرض " (٤).
وجَازَتْ بِالْعَمَلِ، إِنِ اتَّحَدَ، أَوْ تَلازَمَ، وتَسَاوَيَا فِيهِ، أَوْ تَقَارَبَا، وحَصَلَ التَّعَاوُنُ، وإِنْ بِمَكَانَيْنِ، وفِي جَوَازِ إِخْرَاجِ كُلٍّ آلَةً واسْتِئْجَارِهِ مِنَ الآخَرِ، أَوْ لا بُدَّ مِنْ مِلْكٍ أَوْ كِرَاءٍ؟ تَأْوِيلانِ كَطَبِيبَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الدَّوَاءِ، وصَائِدَيْنِ فِي الْبَازَيْنِ. وَهَلْ وإِنِ افْتَرَقَا؟ رُوِيَتْ عَلَيْهِمَا، وحَافِرَيْنِ بِكَرِكَازٍ، ومَعْدِنٍ، ولَمْ يَسْتَحِقَّ وَارِثُهُ بَقِيَّتَهُ، وأَقْطَعَهُ الإِمَامُ، وقُيِّدَ بِمَا لَمْ يَبْدُ ولَزِمَهُ مَا يَقْبَلُهُ صَاحِبُهُ وضَمَانُهُ وإِنْ تَفَاصَلا.
قوله: (وَجَازَتْ بِالْعَمَلِ، إِنِ اتَّحَدَ، أَوْ تَلازَمَ) قال ابن عبد السلام: " قال أبو عبد الله الذكي: لو كَانَ المعلمان (٥) أحدهما قاريء والآخر حاسب، واشتركا عَلَى أن يقسما (٦) عَلَى قدر عمليهما؛ لجرى ذلك مجرى جمع الرجلين سلعتيهما فِي البيع، وعَلَى هذا تجوز الشركة بين مختلفي الصنعة إِذَا كانت الصنعتان متلازمتين " انتهى. وقبله فِي " التوضيح "، وذكر عَلَى إثره (٧) كلام اللخمي فِي الحائكين وطالبي اللؤلؤ (٨).
стр. 670
وأما ابن عرفة فقال: وقول أبي عبد الله الذكي فِي مسائله: لو اشترك قاريء وحاسب عَلَى أن يقتسما عَلَى قدر عملهما يجري ذلك عَلَى جمع الرجلين سلعتيهما فِي البيع، يردُّ بقوة الغرر (١) فِي الشركة؛ لجهل (٢) قدر عمل كلّ واحد منهما وقدر عوضه، والمجهول فِي السلعتين قدر العوض فقط، ولا يتخرج عَلَى قول اللخمي: لو اشترك حائكان بأموالهما، أحدهما يتولى النسج والآخر لا يحسنه، ويتولى الخدمة والبيع والشراء، وقيمة عملهما سواء، جَازَ؛ لأن معمولهما لا يتمّ إِلا بعملهما معاً كالشريكين فِي استخراج اللؤلؤ، أحدهما يغوص، والآخر يقذف أو يمسك عَلَيْهِ.
وأُلْغِيَ مَرَضُ كَيَوْمَيْنِ وغَيْبَتُهُمَا، لا إِنْ كَثُرَ، وفَسَدَتْ بِاشْتِرَاطِهِ كَكَثِيرِ الآلَةِ، وهَلْ يُلْغَى الْيَوْمَانِ كَالصَّحِيحَةِ تَرَدُّدٌ، وبِاشْتِرَاكِهِمَا بِالذِّمَمِ أَنْ يَشْتَرِيَا بِلا مَالٍ.
قوله: (وَأُلْغِيَ مَرَضُ كَيَوْمَيْنِ وغَيْبَتُهُمَا) الضمير المثنى لليومين، وهو من الإضافة المقدرة بفي كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] عَلَى رأي ابن مالك.
وهُوَ بَيْنَهُمَا، وكَبَيْعِ وَجِيهٍ مَالَ خَامِلٍ بِجُزْءٍ مُنْ رِبْحِهِ، وكَذِي رَحًى وذِي بَيْتٍ، وذِي دَابَّةٍ لِيَعْمَلُوا، إِنْ لَمْ يَتَسَاوَ الْكِرَاءُ.
قوله: (وهُوَ بَيْنَهُمَا) أي: ما اشترياه أو أحدهما فِي شركة الذمم (٣) فهو بينهما، وهذا هو المشهور، وقال سحنون: من اشترى شيئاً فهو له.
وتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ، وتَرَادُّوا الأَكْرِيَةَ، وإِنِ اشْتُرِطَ عَمَلُ رَبِّ الدَّابَّةِ فَالْغَلَّةُ لَهُ، وعَلَيْهِ كِرَاؤُهُمَا.
قوله: (وتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ) قابل لأن يكون بياناً لفرض المسألة كما قبله، أو تقريراً